وقوله من أبيات:
سرّح لحاظك حيث شئت فإنّه ... في كلّ موقع لحظةٍ متأمّل وقوله أيضاً:
ولقد قلت للذي قال حلّوا ... ههنا: سر فإننا ما سئمنا
لا تعيّن لنا مكاناً ولكن ... حيثما مالت اللواحظ ملنا وقال:
ألا هاتها إنّ المسرّة قربها ... وما الحزن إلاّ في توالي جفائها
مدام بكى الإبريق عند فراقها ... فأضحك ثغر الكاس عند لقائها وقال:
عرّج على الحور وخيّم به ... حيث الأماني ضافيات الجناح
واسبق له قبل ارتحال النّدى ... ولا تزره دون شادٍ وراح
وكن مقيماً منه حيث الصّبا ... تمتار مسكاً من أريج البطاح
والقضب مال البعض منها على ... بعض كما يثني القدود ارتياح
وسقّ جيب الصبح نور كما (١) ... شقّت جيوب الطلّ منها الرّياح
لم أحص كم غاديته ثابتاً ... واسترقصتني الراح عند الرواح وقوله:
ألا حبّذا روضٌ بكرنا له ضحىً ... وفي جنبات الروض للطّل أدمع
وقد جعلت بين الغصون نسيمةٌ ... تمزّق ثوب الطلّ منها وترقع
ونحن إذا ما ظلّت القضب ركّعاً ... نظلّ لها من هزة السكر نركع
стр. 1927
٣٧٧ - وكان ابن الصابوني (١) في مجلس أحد الفضلاء بإشبيلية، فقدم فيما قدم خيار، فجعل أحد الأدباء يقشرها بسكين، فخطف ابن الصابوني السكينمن يده، فألح عليه في استرجاعها، فقال له ابن الصابوني: كف عني وإلا جرحتك بها، فقال له صاحب المنزل: اكفف عنه لءلا يجرحك ويكون جرحك جباراً، تعريضاً بقول النبي ﷺ " جرح العجماء جبار "، فاغتاظ ابن الصابوني، وخرج من الاعتدال، وأخطأ بلسانه، وما كف إلا بعد الرغبة والتضرع.
ومن نظم ابن الصابوني (٢) :
بعثت بمرآةٍ إليك بديعةٍ ... فأطلع بسامي أفقها قمر السعد
لتنظر فيها حسن وجهك منصفاً ... وتعذرني فيما أكنّ من الوجد
فأرسل بذال الخدّ لحظك برهةً ... لتجني منه ما جناه من الورد
مثالك فيها منك أقرب ملمساً ... وأكثر إحساناً وأبقى على العهد وقوله في لابس أحمر (٣) :
أقبل في حلّةٍ مورّدةٍ ... كالبدر في حلّة من الشّفق
تحسبه كلّما أراق دمي ... يمسح في ثوبه ظبى الحدق ورحل إلى القاهرة والإسكندرية فلم يلتفت إليه، ولا عول عليه، وكان شديد الانحراف، فانقلب على عقبه يعض يديه، على ماجرى عليه، فمات عند إيابه إلى الإسكندرية كمداً، ولم يعرف له بالديار المصرية مقدار.
стр. 1928
وحضر يوماً بين يدي المعتضد الباجي ملك إشبيلية وقد نثرت أمامه جملة من دنانير سكت باسمه، فأنشد:
قد فخر الدينار والدرهم ... لمّا علا ذين لكم ميسم
كلاهما يفصح عن مجدكم ... وكلّ جزءٍ منه فرد فم ومر فيها إلى أن قال في وصف الدنانير (١) :
كأنها الأنجم والبعد قد ... حقّق عندي أنّها الأرجم فأشار السلطان إلى وزيره، فأعطاه منها جملة، وقال له: بدل هذا البيت لئلا يبقى ذماً.
وكان يلقب بالحمار، ولذا قال فيه ابن عتبة الطبيب:
يا عير حمصٍ عيرتك الحمير ... بأكلك البرّ مكان الشّعير وهو أبو بكر محمد ابن الفقيه أبي العباس أحمد بن الصابوني شاعر إشبيلية الشهير الذكر، والذي أظهره مأمون بني عبد المؤمن، وله فيه قصائد عدة، منها قوله في مطلع:
استول سبّاقاً على غاياتها ... نجح الأمور يبين في بدآتها وله الموشحات المشهورة، رحمه الله تعالى.
٣٧٨ - ومن حكايات الصبيان أن ابن أبي الخصال (٢) ، وهو من شقورة، اجتاز بأبدة وهو صبي صغير يطلب الأدب، فأضافه بها القاضي ابن مالك،
стр. 1929
ثم خرج معه إلى حديقة معروشة، فقطف لهما منها عنقوداً أسود، فقال القاضي:
انظر إليه في العصا ... فقال ابن أبي الخصال:
كرأس زنجي عصى ... فعلم أنه سيكون له شأن في البيان.
٣٧٩ - وحدث أبو عبد الله ابن زرقون (١) أن أبا بكر ابن المنخل وأبا بكر الملاح الشلبيين كانا متواخيين متصافيين، وكان لهما ابنان صغيران قد برعا في الطلب، وحازا قصب السبق في حلبة الأدب، فتهاجى الابنان بأقذع هجاء، فركب ابن المنخل في سحر من الأسحار مع ابنه عبد الله، فجعل يعتبه على هجاء بني الملاح ويقول له: قد قطعت مابيني وبين صديقي وصفيي أبي بكر في إقذاعك في ابنه، فقال له ابنه: إنه بدأني والبادي أظلم، وإنما يجب أن يلحى من بالشر تقدم، فعذره أبوه، فبينما هما على ذلك إذ أقبلا على واد تنق فيه الضفادع، فقال أبو جعفر لابنه: أجز:
تنقّ ضفادع الوادي ... فقال ابنه:
بصوتٍ غير معتاد ... فقال الشيخ:
كأنّ نقيق مقولها ... فقال ابنه:
بنو الملاح في النادي ...
стр. 1930
فلما أحست الضفادع بهما صمتت، فقال أبوبكر:
وتصمت مثل صمتهم ... فقال ابنه:
إذا اجتمعوا على زاد ... فقال الشيخ:
فلا غوثٌ لملهوف ... فقال الابن:
ولا غيثٌ لمرتاد ... ولا خفاء أن هذه الإجازة لو كانت من الكبار لحصلت منها الغرابة، فكيف ممن هو في سن الصبا.
٣٨٠ - ومن حكايات النصارى واليهود من أهل الأندلس - أعادها الله تعالى إلى الإسلام عن قريب، إنه سميع مجيب - ما حكي أن ابن المرعزي (١) النصراني الإشبيلي أهدى كلبة صيد للمعتمد بن عباد وفيها يقول:
لم أر ملهىً لذي اقتناص ... ومكبساً مقنع (٢) الحريص
كمثل خطلاء (٣) ذات جيد ... أتلع في صفرة القميص (٤)
كالقوس في شكلها ولكن ... تنفذ كالسهم للقنيص
إن تخذت أنفها دليلاً ... دلّ على الكامن العويص
لو أنها تستثير برقاً ... لم يجد البرق من محيص
стр. 1931
ومنها في المديح:
يشفع تنويله بودّ ... شفع القياسات بالنّصوص وقال:
الله أكبر أنت بدرٌ طالعٌ ... والنّقع دجنٌ والكماة نجوم
والجود أفلاكٌ وأنت مديرها ... وعدوّك الغاوي وهنّ رجوم وقال:
نزلت في آل مكحول وضيفهم ... كنازل بين سمع الأرض والبصر
لا تستضيء بضوء في بيوتهم ... ما لم يكن لك تطفيلٌ على القمر وسببهما أنه نزل عندهم فلم يوقدوا له سراجاً.
٣٨١ -[شعراء اليهود]
١ - وقال نسيم الإسرائيلي:
يا ليتني كنت طيراً ... أطير حتى أراكا
بمن تبدّلت غيري ... أو لم تحل عن هواكا هو شاعر وشاحمن أهل إشبيلية، وذكره الحجاري في المسهب.
٢ - وقال إبراهيم بن سهل الإسرائيلي في أصفر ارتجالاً (١) :
كان محيّاك له بهجة ... حتى إذا جاءك ماحي الجمال
стр. 1932
أصبحت كالشمعة لما خبا ... منها الضياء اسودّ فيها الذّبال وهو شاعر إشبيلية ووشاحها، وقرأ على أبي علي الشلوبين وابن الباج وغيرهما، وقال العزّ في حقه، وكان أظهر الإسلام، ما صورته: كان يتظاهر بالإسلام، ولا يخلو مع ذلك من قدح واتهام، انتهى. وسئل بعض المغاربة عن السبب في رقة نظم ابن سهل، فقال: لأنه اجتمع فيه ذلان، ذل العشق، وذل اليهودية. ولما غرق قال فيه بعض الأكابر: عاد الدر إلى وطنه. ومن نظم ابن سهل المذكور قوله:
وألمى بقلبي منه جمرٌ مؤجّجٌ ... تراه على خدّيه يندى ويبرد
يسائلني من أي دين مداعباً ... وشمل اعتقادي في هواه مبدّد
فؤادي حنيفي، ولكنّ مقلتي ... مجوسية من خدّه النار تعبد ومنه قوله:
هذا أبو بكر يقود بوجهه ... جيش الفتور مطرّز الرايات
أهدى ربيع عذاره لقلوبنا ... حرّ المصيف فشبّها لفحات
خدٌّ جرى ماء النعيم بجمره ... فاسودّ مجرى الماء في الجمرات وذكر الحافظ أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري في رحلتهالكبيرة القدر والجرم المسماة ب " ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة " خلافاً في إسلام ابن سهل باطناً، وكتب على هامش هذا الكلام الخطيب العلامة سيدي أبو عبد الله ابن مرزوق ما نصه: صحح لنا من أدركناه من أشياخنا أنه مات على دين الإسلام، انتهى.
ورأيت في بعض كتب الأدب بالمغرب أنه اجتمع جماعة مع ابن سهل في مجلس أنس، فسألوه لما أخذت منه الراح عن إسلامه: هل هو في الظاهر والباطن أم لا فأجابهم بقوله: للناس ما ظهر، ولله ما استتر، انتهى.
стр. 1933
واستدل بعضهم على صحة إسلامه بقوله:
تسلّيت عن موسى بحبّ محمدٍ ... هديت ولولا الله ما كنت أهتدي
وما عن قلىً قد كان ذاك، وإنّما ... شريعة موسى عطّلت بمحمد وله ديوان كبير مشهور بالمغرب، حاز به قصب السبق في النظم والتوشيح.
وماأحسن قوله من قصيدة:
تأمّل لظى شوقي وموسى يشبّها ... " تجد خير نار عندها خير موقد " وأنشد بعضهم له قوله:
لقد كنت أرجو أن تكون مواصلي ... فأسقيتني بالبعد فاتحة الرعد
فبالله برّد ما بقلبي من الجوى ... بفاتحة الأعراف من ريقك الشهد وقال الراعي رحمه الله تعالى: سمعت شيخنا أبا الحسن علي بن سمعة الأندلسي رحمه الله تعالى يقول: شيئان لا يصحان: إسلام إبراهيم بن سهل، وتوبة الزمخشري من الاعتزال، ثم قال الراعي: قلت: وهما في مروياتي، أما إسلام إبراهيم بن سهل فيغلب على ظني صحته لعلمي بروايته، وأما الثاني - وهو توبة الزمخشري - فقد ذكر بعضهم أنه رأى رسماً بالبلاد المشرقية محكوماً فيه يتضمن توبة الزمخشري من الاعتزال فقوي جانب الرواية، انتهى باختصار.
وقال الراعي أيضاً ما نصه: وقد نكت الأديب البارع إبراهيم بن سهل الإسرائيلي الأندلسي على الشيخ أبي القاسم في تغزله حيث قال:
أموسى أيا بعضي وكلّي حقيقة ... وليس مجازاً قولي الكلّ والبعضا
خفضت مكاني إذ جزمت وسائلي ... فكيف جمعت الجزم عندي والخفضا
стр. 1934
وفي هذا دليل على أن يهود الأندلس كانوا يشتغلون بعلم العربية، فإن إبراهيم قال هذين البيتين قبل إسلامه، والله تعالى أعلم. وقد روينا أنه مات مسلماً غريقاً في البحر، فإنه كان حقاً فالله تعالى رزقه الإسلام في آخر عمره والشهادة، انتهى.
ومن نظم ابن سهل في التوجيه باصطلاح النحاة قوله:
رفعت (١) عوامله وأحسب رتبتي ... بنيت على خفض فلن تتغيرا ومنه:
تنأى وتدنو والتفاتك واحدٌ ... كالفعل يعمل ظاهراً ومقدّرا وقوله:
إذا كان نصر الله وقفاً عليكم ... فإنّ العدا التنوين يحذفه الوقف وقوله:
ليتني نلت منه وصلاً وأجلى ... ذلك الوصل عن صباح المنون
وقرأنا باب المضاف عناقاً ... وحذفنا الرقيب كالتنوين وقوله:
بنيت بناء الحرف خامر طبعه ... فصار لتأثير العوامل مانعا (٢) وقوله:
لك الثناء فإن يذكر سواك به ... يوماً فكالرابع المعهود في البدل
стр. 1935
يعني الغلط، وقوله:
إذا اليأس ناجى النفس منك بلن ولا ... أجابت ظنوني ربّما وعساني (١) وقوله:
وقلت عساه عن أقمت يرقّ لي ... وقد نسخت لا عنده ما اقتضت عسى وقوله:
ينفي لي الحال ولكنّه ... يدخل لا في كل مستقبل وقوله:
خفضت مقامي إذ جزمت وسائلي ... فكيف جمعت الجزم عندي والخفضا وقوله في غلام شاعر:
كيف خلاص القلب من شاعرٍ ... رقت معانيه عن النّقد
يصغر نثر الدرّ عن نثره ... ونظمه جلّ عن العقد
وشعره الطائل في حسنه ... طال على النابغة الجعدي وحدث أبو حيان عن قاضي القضاة أبي بكر محمد بن أبي نصر الفتح بن علي الأنصاري الإشبيلي بغرناطة أن إبراهيم بن سهل الشاعر الإشبيلي كان يهودياً ثم أسلم، ومدح رسول الله ﷺ بقصيدة طويلة بارعة، قال أبو حيان: وقفت عليها، وهي من أبدع مانظم في معناها، وكان سن ابن سهل حين غرق نحو الأربعين سنة، وذلك سنة تسع وأربعين وستمائة، وقيل: إنه جاوز الأربعين، وكان يقرأمع المسلمين ويخالطهم، وما أحسن قوله:
стр. 1936
مضى الوصل إلاّ منية تبعث الأسى ... أداري بها همّي إذا الليل عسعسا
أتاني حديث الوصل زوراً على النوى ... أعد ذلك الزور اللّذيذ المؤنسا
ويا أيّها الشوق الذي جاء زائراً ... أصبت الأماني خذ قلوباً وأنفسا
كساني موسى من سقام جفونه ... رداء وسقّاني من الحبّ أكؤسا ومن أشهر موشحاته قوله (١) :
ليل الهوى يقظان ... والحبّ ترب السّهر
والصبر لي خوّان ... والنوم عن عيني بري وقد عارضه غير واحد فما شقوا له غباراً.
٣ - وأما إبراهيم بن الفخار اليهودي (٢) فكان قد تمكن عند الأذفونش ملكطليطلة النصراني، وصيره سفيراً بينه وبين ملوك المغرب، وكان غارفاً بالمنطق والشعر، قال ابن سعيد: أنشدني لنفسه يخاطب أديباً مسلماً كان يعرفه قبل أن تعلو رتبته ويسفر بين الملوك، ولم يزده على ما كان يعامله به من الإذلال، فضاق ذرع ابن الفخار وكتب إليه:
أيا جاعلاً أمرين شبهين ماله ... من العقل إحساسٌ به يتفقّد
جعلت الغنى والفقر والذلّ والعلا ... سواءً فما تنفكّ تشقى وتجهد
وهل يستوي في الأرض نجد وتلعة ... فتطلب تسهيلاً وسيرك مصعد
وما كنت ذا ميز لمن كنت طالباً ... بما كنت في حال الفراغ تعوّد
وقد حال ما بيني وبينك شاغلٌ ... فلا تطلبنّي بالذي كنت تعهد
فإن كنت تأبى غير إقدام جاهلٍ ... فإنك لا تنفكّ تلحى وتطرد
стр. 1937
ألا فأت في أبوابه كلّ مسلك ... ولا تك محلاً حيثما قمت تقعد قال ابن سعيد: وأنشدني لنفسه:
ولمّا دجا ليل العذار بخدّه ... تيقنت أنّ الليل أخفى وأستر
وأصبح عذّالي يقولون صاحبٌ ... فأخلو به جهراً ولا أتستّر وقال يمدح الأذفونش لعنهما الله تعالى:
حضرة الأذفنش لا برحت ... غضة (١) أيامها عرس
فاخلع النعلين تكرمةً ... في ثراها إنّها قدس قال: وأدخلوني إلى بستان الخليفة المستنصر، فوجدته في غاية الحسن كأنه الجنة، ورأيت على بابه بواباً في غاية القبح، فلما سألني الوزير عن حال فرجتي قلت: رأيت الجنة إلا أني سمعت أن الجنة يكون على بابها رضوان، وهذه على بابها مالك، فضحك واخبر الخليفة بما جرى، فقال له: قل له إنا قصدنا ذلك، فلو كان رضوان عليها بواباً لخشينا أن يرده عنها، ويقول له: ليس هذا موضعك، ولما كان هناك مالك أدخله فيها، وهو لا يدري ما وراءه، ويخيل أنها جهنم، قال: فلما أعلمني الوزير بذلك قلت له: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (الأنعام: ١٢٤) .
٤ - وكان في زمان الياس بن المدور (٢) اليهودي الطبيب الرندي طبيب آخر كان يجري بينهما من المحاسدة ما يجري بين مشتركين في صنعة، فأصلح الناس بينهما مراراً، وظهر لإلياس من ذلك الرجل الطبيب ما ينفر الناس منه فكتب إليه:
стр. 1938
لا تخدعنّ فما تكون مودّة ... ما بين مشتركين أمراً واحدا
انظر إلى القمرين حين تشاركا ... بسناهما كان التلاقي واحدا يعني أنهما معاً لما اشتركا في الضياء وجب التحاسد بينهما والتفرقة: هذا يطلع ليلاً وهذه تطلع نهاراً، واعتراضهما يوجب الكسوف.
٥ - وكتب أيوب بن سليمان المرواني (١) إلى بسام بن شمعون اليهودي الوشقي في يوم مطير: لما كنت - وصل الله تعالى إخاءك وحفظك - مطمح نفسي، ومنزع اختياري من أبناء جنسي، على جوانبك أميل، وأرتع في رياض خلقك الجميل، هزتني خواطر الطرب والارتياح، في هذا اليوم المطير، الداعي بكاؤه إلى ابتسام الأقداح، واستنطاق البم والزير، فلم أر معيناً على ذلك، ومبلغاً إلى ما هنالك، إلا حسن نظرك، وتجشمك من المكارم ماجرت به عادتك، وهذا يوم حرم الطرف فيه الحركة، وجعل في تركها الخير والبركة، فهل توصل مكرمتك أخاك إلى التخلي معك في زاوية، متكءاً على دن مستنداً إلى خابية، ونحن خلال ذلك نتجاذب أهداب الحديث الذي لم يبق من اللذات إلا هو، ونجيل الألحاظ فيما تعودت عندك من المحاسن والأسماع في أصناف الملاهي، وأنت على ذلك قدير، وكرمك بتكلفه جدير:
ولا يعين المرء يوماً على ... راحته إلاّ كريم الطباع
وها أنا والسمع مني إلى ال ... باب وذو الشوق حليف استماع
فإن أتى داعٍ بنيل المنى ... ودّع أشجاني ونعم الوداع وهذا المرواني من ذرية عبد العزيز أخي عبد الملك بن مروان، وهو من أهل المائة السادسة.
стр. 1939
٦ - وكانت بالأندلس شاعرة من اليهود يقال لها قسمونة بنت إسماعيل اليهودي، وكان أبوها شاعراً، واعتنى بتأديبها، وربما صنع من الموشحة قسماً فأتمتها هي بقسم آخر، وقال لها أبوها يوماً: أجيزي:
لي صاحبٌ مهجةٍ قد قابلت ... نعمى بظلمٍ (١) واستحلّت جرمها ففكرت غير كثير وقالت:
كالشمس منها البدر يقبس نوره ... أبداً ويكسف بعد ذلك جرمها فقام كالمختبل، وضمها إليه، وجعل يقبل رأسها، ويقول: أنت والعشر كلمات أشعر مني.
ونظرت في المرآة فرأت جمالها وقد بلغت أوان التزويج ولم تتزوج، فقالت:
أرى روضةً قد حان منها قطافها ... ولست أرى جانٍ يمدّ لها يدا
فوا أسفا يمضي الشّباب مضيّعاً ... ويبقى الّذي ماإن أسمّيه مفردا فسمعها أبوها، فنظر في تزويجها.
وقالت في ظبية عندها:
يا ظبيةً ترعى بروضٍ دائماً ... إنّي حكيتك في التوحّش والحور
أمسى كلانا مفرداً عن صاحبٍ ... فلنصطبر أبداً على حكم القدر ٣٨٢ - واستدعى أبو عبد الله محمد بن رشيق القلعي (٢) ظثم الغرناطي بعض أصحابه إلى أنس، بقوله:
سيدي عندي أتر ... جٌّ ونارنجٌ وراح
стр. 1940
وجنى آسٍ وزهرٍ ... وحمانا لا يباح
ليس إلاّ مطربٌ يس ... لي النّدامى، والملاح
ومكانٌ لانهتاكٍ ... قد نأى عنه الفلاح
لا يرى يطلع فيه ... دون أكواسٍ صباح
فيه فتيانٌ لهم في ... لذة العيش جماح
طرحوا الدّنيا يساراً ... فاستراحت واستراحوا
لا كقومٍ أوجعتهم ... لهم فيها نباح وله:
قال العذول: إلى كم ... تدعو لمن لا يجيب
فقلت: ليس عجيباً ... أن لا يجيب حبيب
هوّن عليك فإنّي ... من حبّه لا أتوب قال أبو عمران ابن سعيد: دخلت عليه وهو مسجون بدار الأشراف بإشبيلية، وقد بقي عليه من مال السلطان اثنا عشر ألف دينار قد أفسدها في لذات نفسه، فلما لمحني أقبل يضحك ويشتغل بالنادر والحكايات الطريفة، فقلت له: قالوا: إنك أفسدت للسلطان اثني عشر ألف دينار، وما أحسبك إلا زدت على هذا العدد لما أراك فيه من المسرة والاستبشار، فزاد ضحكاً، وقال: يا أبا عمران، أتراني إذا لزمت الهم والفكر يرجع علي ذلك العدد الذي أفسدت ثم فكر ساعة وأنشدني (١) :
ليس عندي من الهموم حديثٌ ... كلّما ساءني الزمان سررت
أتراني أكون للدهر عوناً ... فإذا مسّني بضرّ ضجرت
стр. 1941
غمرةٌ ثم تنجلي فكأنّي ... عند إقلاع همّها ما ضررت ٣٨٣ - وقال النحوي اللغوي أبو عيسى لب بن عبد الوارث القلعي (١) :
بدا ألف التعريف في طرس خدّه ... فيا هل تراه بعد ذاك ينكر
وقد كان كافوراً فهل أنا تارك ... له عندما حيّاه مسك وعنبر
وما خير روضٍ لا يرفّ نباته ... وهل أفتن الأثواب إلاّ المشهر وقال:
أبى لي أن أقول الشّعر أنّي ... أحاول أن يفوق السحر شعري
وأن يصغي إليه كلّ سمعٍ ... ويعلق ذكره في كلّ صدر قال الحجاري: أخبرني أنه أحب أحد أولاد الأعيان ممن كان يقرأ عليه، فلما خلا به شكا إليه ما يجده، فقال له: الصبيان يفطنون بنا، فإذا أردت أن تقول شيئاً فاكتبه لي في ورقة، [قال] : فلما سمعت ذلك منه تمكن الطمع مني فيه، وكتبت له:
يا من له حسنٌ يفوق به الورى ... صل هائماً قد ظلّ فيك محيّرا
وامنن عليه بقبلةٍ أو غيرها ... إن كنت تطمع في الهوى أن تؤجرا وكتبت بعدها من الكلام ما رأيته، فلما حصلت الورقة عنده كتب إلي في غيرها: أنا من بيتٍ عادة أهله أن يكونوا اسم فاعل لا اسم مفعول، وإنما أردت أن يحصل عندي خطك شاهداً على ما قابلتني به لئلا أشكوك إلى أبي فيقول لي: حاش لله أن يقع الفقيه في هذا، وإنما أنت خبيث، رأيته يطالبك بالتزام الحفظ فاختلقت عليه لأخرجك من عنده، فأبقى معذباً معك ومعه، وإن
стр. 1942
أنا أوقفته على خطك صدقني واسترحت، ولكن لا أفعل هذا إلا إذا لم تنته عني، وإن انتهيت فلا أخبر به أحداً، قال ابن عبد الوارث: فلما وقفت على خطه علمت قدر ما وقعت فيه، وجعلت أرغب إليه في أن يرد الرقعة إلي، فأبى وقال: هي عندي رهن على وفائك بأن لا ترجع تتكلم في ذلك الشأن، قال: فكان والله يبطل القراءة ولا أجسر أكلمه، لأني رأيت صيانتي وناموسي قد حصل في يده، وتبت من ذلك الحين عن هذا وأمثاله.
٣٨٤ - وقال جابر بن خلف الفحصي - وكان في خدمة عبد الملك بن سعيد، وقرأمع أبي جعفر ابن سعيد وتهذّب معه - يخاطبه حين عاثت الذئاب في غنمه:
أيا قائداً قد سما في العلا ... وساد علينا بذاتٍ وجدّ
غدا الذئب في غنمي عائثاً ... وقد جئت مستعدياً بالأسد وكثر عليه الدين، فكتب إليه أيضاً:
أفي أيّامك الغرّ ... أموت كذا من الضرّ
وأخبط في دجى همّي ... ووجهك طلعة الفجر فضحك وأدى دينه.
٣٨٥ - ولما خلع أهل المرية طاعة عبد المؤمن، وقتلوا نائبه ابن مخلوف، قدموا عليهم أبا يحيى ابن الرميمي (١) ، ثم كان عليه من النصارى ما علم، ففر إلى مدينة فاس، وبقي بها ضائعاً حاملاص، يسكن في غرفة، ويغيش من النسخ، فقال:
стр. 1943
أمسيت بعد الملك في غرفةٍ ... ضيقة الساحة (١) والمدخل
تستوحش الأرزاق من وجهها ... فما تزال الدّهر في معزل
النسخ بالقوات لديها ولا ... تقرعها كفّ أخٍ مفضل وأنشدها لبعض الأدباء، فبينما هو ليلة ينسخ بضوء السراج إذا بالباب يقرع، ففتحه، فإذا شخص متنكر لا يعرفه، وقد مد يده إليه بصرة فيها جملة دنانير، وقال: خذها من كف أخ لا يعرفك ولا تعرفه، وأنت المفضل بقبولها، فأخذها، وحسن بها حاله.
وقال له بعضٌ: هذا شعرك أيام خلعك، فهل قلت أيام أمرك قال: نعم، لما قتل أهل المرية ابن مخلوف عامل عبد المؤمن وأكرهوني أن أتولى أمرهم قلت:
أرى فتناً تكشّف عن لظاها ... رمادٌ بالنّفاق له انصداع
وآل بها النظام إلى انتثارٍ ... وساد الأسافل والرعاع
سأحمل كلّ ما جشّمت منها ... بصدرٍ فيه للهول اتساع وأصل بني الرميمي من بني أمية ملوك الأندلس، ونسبوا إلى رميمة قريةٍ من أعمال قرطبة.
٣٨٦ - وقال أبو بحر يوسف بن عبد الصمد (٢) :
فوصلت أقطاراً لغير أحبّةٍ ... ومدحت أقواماً بغير صلات
أموال أشعاري نمت فتكاثرت ... فجعلت مدحي للبخيل زكاتي وهذا من غريب المعاني.
стр. 1944
٣٨٧ - وفي بني عبد الصمد يقول بعض أهل عصرهم، لما رأى من كثرة عددهم، والتباسهم بالسلطان:
ملأت قلبي هموماً مثل ما ... ملأ الدّنيا بنو عبد الصمد
كاثر الشيخ أبوهم آدماً ... فغدا أكثر نسلاً وولد
كلهم ذئب إذا آمنته ... والرّعايا بينهم مثل النّقد ٣٨٨ - وكان الوزير الكاتب أبو جعفر أحمد بن عباس (١) وزير زهير الصقلبي ملك المرية بذ الناس في وقته بأربعة أشياء: المال، والبخل، والعجب، والكتابة، قال ابن حيان: وكان قبل محنته صير هجيراه أوقات لعب الشطرنج أو ما يسنح له هذا البيت:
عيون الحوادث عني نيام ... وهضمي على الدهر شيء حرام وذاع هذا البيت في الناس حتى قلب له مصراعه الأخير بعض الأدباء فقال:
سيوقظها قدرٌ لا ينام ... وكان حسن الكتابة، جميل الخط، مليح الخطاب، عزيز الأدب، قوي المعرفة، مشاركاً في الفقه، حاضر الجواب، جماعاً للدفاتر، حتى بلغت أربعمائة ألف مجلد، وأما الدفاتر المخرومة فلم يوقف على عددها لكثرتها، وبلغ ماله خمسمائة ألف مثقال جعفرية سوى غير ذلك، وكان مقتله بيد باديس ابن حبوس (٢) ملك غرناطة، وكفى دليلاً على إعجابه قوله:
لي نفس لا ترتضي الدهر عمراً ... وجميع الأنام طرّاً عبيدا
لو ترقّت فوق السّماك محلاًّ ... لم تزل تبتغي هناك صعودا
стр. 1945
أنا من تعلمون شيّدت مجدي ... في مكاني ما بين قومي وليدا وكان يتهم بداء أبي جهل فيما ينقل، حتى كتب بعض الأدباء على برجه بالمرية:
خلوت بالبرج فما الذي ... تصنع فيه ياسخيف الزّمان فلما نظر إليه أمر أن يكتب:
أصنع فيه كلّ ما أشتهي ... وحاسدي خارجه في هوان ٣٨٩ - وكان الأعمى التطيلي (١) شاعراً مشهوراً، وكان الصبيان يقولون له " تحتاج كحلاً يا أستاذ " فكان ذلك سبب انتقاله من مرسية، وقيل له: يا أبا بكر، كم تقع في الناس فقال: أنا أعمى، وهم لا يبرحون حفراً فما عذري في وقوعي فيهم فقال له السائل: والله لا كنت قط حفرة لك، وجعل يواليه بره ورفده.
ومن شعره:
وجوهٌ تعزّ على معشرٍ ... ولكن تهون على الشاعر
قرونهم مثل ليل المحبّ ... وليل المحبّ بلا آخر وله:
زنجيّكم بالفسوق داري ... يدلي من الحرص كالحمار
يخلو بنجل الوزير سرّاً ... فيولج الليل في النّهار
стр. 1946
٣٩٠ - ومن شعر أبي جعفر أحمد بن الخيال الاستبي (١) كاتب ابن الأحمر فيمن اسمه " فضل الله ":
من الناس من يؤتى بنقدٍ ومنهم ... بكرهٍ ومنهم من يناك إذا انتشى
ومنهم فتى يؤتى على كلّ حالةٍ ... وذلك فضل الله يؤتيه من يشا ٣٩١ - ولعبد الملك بن سعيد الخازن (٢) :
ما حمدناك إذ وقفنا ببابك ... للذي كان من طويل حجابك
قد ذممنا الزّمان فيك فقلنا ... أبعد الله كلّ دهرٍ أتى بك ٣٩٢ - وقال في " المسهب ": كنت بمجلس القاضي ابن حمدين، وقد انشده شعراء قرطبة وغيرها، وفي الجملة هلال شاعر غرناطة، ومحمد بن الاستجي شاعر استجة الملقب بزحكون، فقام الاستجي وأنشد قصيدة، منها:
إليك ابن حمدين انتخلت قصائداً ... بها رقصت في القضب ورق الحمائم
أنا العبد لكن بالمودّة أشترى ... إذا كان غيري يشترى بالدراهم فشكره ابن حمدين، ونبه على مكان الإحسان، فحسده هلال البياني على ذلك، فلما فرغ من القصيدة قال له هلال: اعد علي البيت الذي فيه " رقص الحمام " فأعاده، فقال له: لو أزلت النقطة عن الخاء كنت تصدق، فقال له في الحين: ولو أزلت النقطة عن العين كنت تحسن.
وكانت على عين هلال نقطة فكان ذلك من الاتفاق العجيب والجواب الغريب، وعمل فيه.
стр. 1947
٣٩٣ - ولما قال المقدم بن المعافى (١) في رثاء سعيد بن جودي:
من ذا الذي يطعم أو يكسو ... وقد حوى حلف الندى رمس
لا اخضرّت الأرض ولا أوراق ال ... عود ولا أشرقت الشمس
بعد ابن جوديّ الذي لن ترى ... أكرم منه الجنّ والإنس فقيل له: أترثيه وقد ضربك فقال: والله إن نفعني حتى بذنوبه، ولقد نهاني ذلك الأدب عن مضار جمة كنت أقع فيها على رأسي، أفلا أرعى له ذلك والله ما ضربني إلا وأنا ظالم له، أفأبقى على ظلمي له بعد موته
وقيل له: لم لا تهجو مؤمن بن سعيد فقال: لا أهجو من لو هجا النجوم ما اهتدى أحد بها.
٣٩٤ - وقال أبو مروان عبد الملك بن نظيف (٢) :
لا أشرب الراح إلاّ ... مع كلّ خرق كريم
ولست أعشق إلاّ ... ساجي الجفون رخيم ٣٩٥ - ومدح هلال البياني ابن حمدين بقصيدة أولها:
عرّج على ذاك الجناب العالي ... واحكم على الأموال بالآمال
فيه ابن حمدين الّذي لنواله ... من كلّ أرضٍ شدّ كلّ رحال فقال له القاضي: ما هذا الوثوب على المدح من أول وهلة، ألا تدري أنهم عابوا ذلك، كما عابوا الطول أيضاً، وأن الأولى التوسط فقال: يا سيدي، اعذرني بما لك في قلبي من الإجلال والمحبة، فإني كلما ابتدأت في مدحك لم
стр. 1948
يتركني غرامي في اسمك إلى أن أتركه عند أول بيت، فاستحسن ذلك منه، وأحسن إليه.
ومن هذه القصيدة:
قاضٍ موالٍ برّه ونواله ... فله جميع العالمين موالي وكان يهوى وسيماً من متأدبي قرطبة، فصنع فيه شعراً أنشده منه:
وكّلت عيني برعي النّجم في الظلّم ... وعبرني قد غدت ممزوجةً بدم فقال له الغلام: أنت لا تبرح بكوكب من عينك ليلاً ولا نهاراً، وعاشقاً وغير عاشق، فخجل هلال، وكان على عينه نقطة.
٣٩٦ - وحكى ابن حيّان (١) ان الأمير عبد الرحمن عثرت به دابته وهو سائر في بعض أسفاره، وتطأطأت، فكاد يكبو لفيه، ولحقه جزع، وتمثل إثره بقول الشاعر:
وما لا ترى ممّا يقي الله أكثر ... وطلب صدر البيت فعزب عنه، وأمر بالسؤال عنه فلم يوجد من يحفظه إلا الكاتب محمد بن سعيد الزجالي، وكان يلقب بالأصمعي لذكائه وحفظه، فأنشد الأمير:
ترى الشيء ممّا يتّقى فتهابه ... فأعجب الأمير، واستحسن شكله، فقال له: الزم السرادق.
وأعقب ابناً يسمى حامداً.
стр. 1949
وحضر مع الوزير عبد الواحد بن يزيد الإسكندراني في مجلس فيه رؤساء، فعرض عليهم فرس مطهم، فتمثل فيه الواحد بقول امرئ القيس:
بريد السّرى بالليل من خيل بربرا ... ففهم الزجالي أنه عرض بأنه من البربر، فلم يحتمل ذلك وأراد الجواب، فقال مدبجاً لما أراده ومعرضاً: أحسن عندي من ليل يسرى بي فيه على مثل هذا يوم على الحال التي قال فيها القائل:
ويومٍ كظلّ الرمح قصّر طوله ... دم الزّقّ عنّا واصطفاق المزاهر وإنما عرض للإسكندراني بأنه كان يشهد مجالس الراحات في أول أمره ومعرفة الغناء، فقلق الوزير، وشكاه إلى الحاجب عيسى بن شهيد، فاجتمع مع الزجالي وأخذ معه في ذلك، فحكى له الزجالي ما جرى من الأول إلى الآخر، وأنشد:
وما الحرّ إلاّ من يدين بمثل ما ... يدان ومن يخفي القبيح وينصف
هم شرعوا التعريض قذفاً فعندما ... تبعناهم لاموا عليه وعنّفوا ومن نوادر ابنه حامد أنه غلط أمامه في قوله تعالى ﴿الزانية والزاني﴾ (النور: ٢) بأن قال " فانكحوهما " فأنشده حامد (١) :
أبدع القارئ معنىً ... لم يكن في الثّقلين
أمر النّاس جميعاً ... بنكاح الزانيين وقال لبعض أصحابه حينئذ: أما سمعت ما أتى به إمامنا من تبديل الحدود وتضاحكا.
стр. 1950
٣٩٧ -[تراجم من المطمح]
١ - وكتب الوزير أبو عبد الله ابن عبد العزيز (١) إلى المنصور صاحب بلنسية، ويعرف بالمنصور الصغير، قطعةً أولها:
يا أحسن الناس آداباً وأخلاقا ... وأكرم الناس أغصاناً وأوراقا
ويا حيا الأرض لم نكّبت عن سنني ... وسقت نحوي إرعاداً وإبراقا
ويا سنا الشمس لم أظلمت في بصري ... وقد وسعت بلاد الله إشراقا
من أيّ بابٍ سعت غير الزمان إلى ... رحيب صدرك حتى قيل قد ضاقا
قد كنت أحسبني في حسن رأيك لي ... أنّي أخذت على الأيّام ميثاقا
فالآن لم يبق لي بعد انحرافك ما ... آسى عليه وأبدي منه إشفاقا فأجابه بهذه القطعة:
مازلت أوليك إخلاصاً وإشفاقا ... وأنثني عنك مهما غبت مشتاقا
وكان من أملي أن أقتنيك أخاً ... فأخفق الأمل المأمول إخفاقا
فقلت غرسٌ من الإخوان أكلؤه ... حتى أرى منه إثماراً وإيراقا
فكان لمّا زهت أزهاره ودنت ... أثمارها حنظلاً مرّاً لمن ذاقا
فلست أوّل إخوانٍ سقيتهم ... صفوي وأعلقتهم بالقلب إعلاقا
فما جزوني بإحساني ولا عرفوا ... قدري ولا حفظوا عهداً وميثاقا والوزير المذكور قال في حقه في المطمح: إنه وزير المنصور بن عبد العزيز، ورب السبق في وده والتبريز، ومنقض الأمور ومبرمها، ومخمد الفتن ومضرمها، اعتقل بالدهي، واستقل بالأمر والنهي، على انتهاض بين الأكفاء، واعتراض المحو لرسومه والإعفاء، فاستمر غير مراقب، وأمر
стр. 1951
ما شاء غير ممتثل للعواقب، ينتضي عزائم تنتضى، فإن ألمت من الأيام مظلمة أضا، إلى أن أودى، وغار منه الكوكب الأهدى، فانتقل الأمر إلى ابنه أبي بكر، فناهيك من أي عرف ونكر، فقد أربى على الدهاة، وما صبا إلى الظبية ولا إلى المهاة، واستقل بالهول يقتحمه، والأمر يسديه ويلحمه، فأي ندىً أفاض، وأي أجنحة بمدىً هاض، فانقادت إليه الآمال بغير خطام، ووردت من نداه ببحرٍ طامٍ، ولم يزل بالدولة قائماً، وموقظاً من بهجتها ما كان نائماً، إلى أن صار الأمر إلى المأمون بن ذي النون أسد الحروب، ومسد الثغور والدروب، فاعتمد عليه واتكل، ووكل الأمر إلى غير وكل، فما تعدى الوزارة إلى الرياسة، ولا تردى بغير التدبير والسياسة، فتركه مستبداً، ولم يجد من ذلك بداً. وكان أبو بكر هذا ذا رفعة غير متضائلة، وآراء لم تكن آفلة، أدرك بها ما أحب، وقطع غارب كل منافس وجب، إلى أن طلحه العمر وأنضاه، وأغمده الذي انتضاه، فخلى الأمر إلى ابنيه، فتبلدا في التدبير، ولم يفرقا بين القبيل والدبير، فغلب عليهما القادر بن ذي النون، وجلب إليهما كل خطبٍ (١) ما خلا المنون، فانجلوا، بعدما ألقوا ما عندهم وتخلوا، وكان لأبي عبد الله نظم مستبدع، يوضع بين الجوانح ويودع، انتهى المقصود من الترجمة.
٢ - وكان للوزير أبي الفرج (٢) ابنٌ مكبود قد أعياه علاجه، وتهيأ للفساد مزاجه، فدل على خمر قديمة، فلم يعلم بها إلا عند حكم، وكان وسيماً، وللحسن قسيماً، فكتب إليه (٣) :
أرسل بها مثل ودّك ... أرقّ من ماء خدّك
стр. 1952
شقيقة النفس فانضح ... بها جوى ابني وعبدك وكتب رحمه الله تعالى معتذراً، عما جناه منذراً:
ما تغيّبت عنك إلاّ لعذر ... ودليلي في ذاك حرصي عليكا
هبك أن الفرار من عظم ذنبٍ ... أتراه يكون إلا إليكا وقال في المطمح في حق أبي الفرج: من ثنية رياسة، وعترة نفاسة، مامنهم إلا من تحلى بالإمارة، وتردى بالوزارة، وأضاء في آفاق الدول، ونهض بين الخيل والخول، وهو أحد أمجادهم، ومتقلد نجادهم، فاتهم أدباً ونبلاً، وباراهم كرماً تخاله وبلاً، إلا أنه بقي وذهبوا، ولقي من الأيام ما رهبوا، فعاين تنكرها، وشرب عكرها، وجال على الآفاق، واستدر أخلاف الأرزاق، وأجال للرجاء (١) قداحاً متواليات الإخفاق، فأخمل قدره، وتوالى عليه جور الزمان وغدره، فاندفعت آثاره، وعفت أخباره، وقد أثبت له بعض ما قاله وحاله قد أدبرت، والخطوب إليه قد انبرت، أخبرني الوزير الحكيم أبو محمد المصري وهو الذي آواه، وعنده استقرت نواه، وعليه كان قادماً، وله كان منادماً، أنه رغب إليه في أحد الأيام أن يكون من جملة ندمائه، وأن لا يحجب عنه وتكون منةً من أعظم نعمائه، فأجابه بالإسعاف، واستساغ منه ما كان يعاف، لعلمه بقلته، وإفراط خلته، فلما كان ظهر (٢) ذلك اليوم كتب إليه:
أنا قد أهبت بكم وكلكم هوىً ... وأحقّكم بالشكر مني السابق
فالشمس أنت وقد أظلّ طلوعها ... فاطلع وبين يديك فجرٌ صادق
стр. 1953
٣ - وقال الوزير أبو عامر ابن مسلمة (١) :
حجّ الحجيج منىً ففازوا بالمنى ... وتفرقت عن خيفه الأشهاد
ولنا بوجهك حجةٌ مبرورةٌ ... في كلّ يومٍ تنقضي وتعاد وقال الفتح في حقه ما صورته: نبتة (٢) شرفٍ باذج، ومفخر على ذوائب الجوزاء شامخ، وزروا للخلفاء، فانتجعتهم الأدباء واتبعتهم العظماء، وانتسبت لهم النعماء، وتنفست عن نور بهجتهم الظلماء، وأبو عامر هذا هو جوهرهم المنتخل، وجوادهم الذي لا يبخل، وزعيمهم المعظم، وسلك مفخرهم المنظم، وكان فتى المدام، ومستفتى الندام، وأكثر من النعت للراح والوصف، وآثر الأفراح والقصف، وأرى قينات السرور مجلوة، وآيات الحسن متلوة، وله كتاب سماه " حديقة الارتياح في وصف حقيقة الراح "، واختص بالمعتضد اختصاصاً جرعه رداه، وصرعه في مداه، فقد كان في المعتضد من عدم تحفظه للأرواح، وتهاونه باللوام في ذلك واللواح، فاطمأن إليه أبو عامر واغتر، وأنس إلى مابسم من مؤانسته وافتر، حتى أمكنته في اغتياله فرصة، لم يعلق فيها حصة، ولم يطلق عليه إلا أنه زلت به قدمه فسقط في البحيرة وانكفا، ولم يعلم به إلا بعدما طفا، فأخرج وقد قضى، وأدرج منه في الكفن حسام المجد منتضى، فمن محاسنه قوله يصف السوسن، وهو مما أبدع فيه وأحسن:
وسوسنٍ راق مرآه ومخبره ... وجلّ في أعين النظّار منظره
كأنّه كؤس البلّور قد صنعت ... مسندساتٍ تعالى الله مظهره
وبينها ألسنٌ قد طوّقت ذهباً ... من بينها قائمٌ بالملك يؤثره
стр. 1954
إلى أن قال: واجتمع بجنة بخارج إشبيلية مع إخوانٍ له علية، فبينما هم يديرون الراح، ويشربون من كأسها الأفراح، والجو صاح، إذا بالأفق قد غيم، وأرسل الديم، بعدما كسا الجو بمطارف اللاذ (١) ، وأشعر الغصون زهر قباذ (٢) ، والشمس منتقبة (٣) بالسحاب، والرعد يبكيها بالانتحاب، فقال (٤) :
يومٌ كأن سحابه ... لبست عمامات الصوامت
حجبت به شمس الضّحى ... بمثال أجنحة الفواخت
والغيث يبكي فقدها ... والبرق يضحك مثل شامت
والرعد يخطب مفصحاً ... والجوّ كالمخزون ساكت وخرج إلى تلك الخميلة والربيع قد نشر رداه، ونثر على معاطف الغصون نداه، فأقام بها وقال:
وخميلةٍ رقم الزّمان أديمها ... بمفضّضٍ ومقسّمٍ ومشوب
رشفت قبيل الصبح ريق غمامةٍ ... رشف المحب مراشف المحبوب
وطردت في أكنافها ملك الصّبا ... وقعدت واستوزرت كلّ أديب
وأدرت فيها اللهو حقّ مداره ... مع كلّ وضّاح الجبين حسيب (٥) ٤ - وقال الوزير الكاتب أبو حفص أحمد بن برد (٦) :
قلبي وقلبك لا محالة واحدٌ ... شهدت بذلك بيننا الألحاظ
стр. 1955
فتعال فلنغظ الحسود بوصلنا ... إنّ الحسود بمثل ذاك يغاظ وقال:
يا من حرمت لذاذتي بمسيره ... هذي النوى قد صعّرت لي خدّها
زوّد جفوني من جمالك نظرة ... والله يعلم إن رأيتك بعدها وقال في المطمح في ابن برد المذكور: إنه غذي بالأدب (١) ، وعلا إلى أسمى (٢) الرتب، وما من أهل بيته إلا شاعر كاتب، لازم لباب السلطان راتب (٣) ، ولم يزل في الدولة العامرية بسبقٍ يذكر، وحق لا ينكر، وهو بديع الإحسان، بليغ القلم واللسان، مليح الكتابة، فصيح الخطابة، وله " رسالة السيف والقلم " (٤) ، وهو أول من قال بالفرق بينهما، وشعره مثقف المباني، مرهف كالحسام اليماني، وقد أثبت منه ما يلهيك سماعاً، ويريك الإحسان لماعاً، فمن ذلك قوله يصف البهار:
تأمل فقد شقّ البهار كمائماً ... وأبرز عن نوّاره الخضل الندي
مداهن تبرٍ في أنامل فضةٍ ... على أذرعٍ مخروطةٍ من زبرجد وله يصف معشوقاً، أهيف القد ممشوقاً، أبدى صفحة ورد، وبدا في ثوب لازورد:
لمّا بدا في لازور ... ديّ الحرير وقد بهر
كبّرت من فرط الجما ... ل وقلت: ما هذا بشر
فأجابني لا تنكرن ... ثوب السماء على القمر
стр. 1956
٥ - وقال الوزير الكاتب أبو جعفر ابن اللمائي (١) :
ألمّا فديتكما نستلم ... منازل سلمى على ذي سلم
منازل كنت بها نازلاً ... زمان الصّبا بين جيدٍ وفم
أما تجدنّ الثرى عاطراً ... إذا ما الرياح تنفسن ثم وقال في المطمح فيه: إمامٌ من أئمة الكتابة ومفجر ينبوعها، والظاهر على مصنوعها بمطبوعها، إذا كتب نثر الدر في المهارق، ونمت فيه أنفاسه كالمسك في المفارق، وانطوى ذكره على انتشار إحسانه، وقصر أمره مع امتداد لسانه، فلم تطل لدوحته فروع، ولا اتصل لها من نهر الإحسان كروع، فاندفنت محاسنه من الإهمال في قبر، وانكسرت الآمال بعدم بدائعه كسراً بعد جبر، وكان كاتب علي بن حمود العلوي وذكر أنه كان يرتجل بين يديه ولا يروي، فيأتي على البديه، بما يتقبله المروي ويبديه (٢) ، فمن ذلك ما كتب معتنياً من بعض رسالة: روض القلم في خنائك مونق وغصن الأدب بمائك مورق، وقد قذف بحر الهند درره، وبعث روض نجدٍ زهره، فأهدى ذلك على يدي فلان الجاري في حمده، على مباني قصده.
٦ - وقال الوزير حسان بن مالك بن أبي عبدة في المهرجان (٣) :
أرى المهرجان قد استبشرا ... غداة بكى المزن واستعبرا
وسربلت الأرض أمواهها ... وجللت السندس الأخضرا
وهزّ الرياح صنابيرها ... فضوّعت المسك والعنبرا
تهادى به الناس ألطافه ... وسامى المقلّ به المكثرا
стр. 1957
وقال في حقه في المطمح: من بيت جلالة، وعترة (١) أصالة، كانوا مع عبد الرحمن الداخل، وتوغلوا معه في متشعبات تلك المداخل، وسعوا في الخلافة حتى حضر مبايعها، وكثر مشايعها، وجدوا في الهدنة وانعقادها، وأخمدوا نار الفتنة عند اتقادها، فانبرمت (٢) عراها، وارتبطت أولاها وأخراها، فظهرت البيعة واتضحت، وأعلنت الطاعة وأفصحت، وصاروا تاج مفرقها، ومنهاج طرقها، وهو ممن بلغ الوزارة بعد ذلك وأدركها، وحل مطلعها وفلكها، مع اشتهار في اللغة والآداب، وانخراط في سلك الشعراء والكتاب، وإبداع لما ألف، وانتهاض بما تكلف، ودخل على المنصور وبين يديه كتاب ابن السري وهو به كلف، وعليه معتكف، فخرج وعمل على مثاله كتاباً، سماه " ربيعة وعقيل "، جرد له من ذهنه أي سيفٍ صقيل، وأتى به منتسخاً مصوراً في ذلك اليوم من الجمعة الأخرى، وأبرزه والحسن يتبسم عنه ويتفرى، فسر به المنصور وأعجب، ولم يغب عن بصره ساعة ولا حجب، وكان له بعد هذه المدة حين أدجت الفتنة ليلها وأزجت إبلها وخيلها، اغتراب كاغتراب الحارث بن مضاض، واضطراب بين القوافي والمواضي، كالحية النضاض، ثم اشتهر بعد، وافتر له السعد، وفي تلك المدة يقول يتشوق إلى أهله:
سقى بلداً أهلي به وأقاربي ... غوادٍ بأثقال الحيا وروائح
وهبّت عليهم بالعشيّ وبالضحى ... نواسم بردٍ والظًلال فوائح
تذكرتهم والنأي قد حال دونهم ... ولم أنس لكن أوقد القلب لافح
وممّا شجاني هاتفٌ فوق أيكةٍ ... ينوح ولم يعلم بما هو نائح
فقلت اتّئد يكفيك أني نازحٌ ... وأن الذي أهواه عني نازح
ولي صبيةٌ مثل الفراخ بقفرةٍ ... مضى حاضناها فاطّحتها الطوائح (٣)
стр. 1958
إذا عصفت ريحٌ أقامت رؤوسها ... فلم يلقها إلاّ طيورٌ بوارح
فمن لصغارٍ بعد فقد أبيهم ... سوى سانحٍ في الدهر لو عنّ سانح واستوزره المستظهر عبد الرحمن بن هشام أيام الفتنة فلم يرض بالحال، ولم يمض في ذلك الانتحال، وتثاقل عن الحضور في كل وقت، وتغافل في ترك الغرور بذلك المقت، وكان المستظهر يستبد بأكثر تلك الأمور دونه، وينفرد مغيباً عنه شؤونه، فكتب إليه:
إذا غبت لم أحضر وإن جئت لم أسل ... فسيّان منّي مشهدٌ ومغيب
فأصبحت تيمياً وما كنت قبلها ... لتيمٍ ولكنّ الشبيه نسيب وله:
رأت طالعاً للشيب بين ذوائبي ... فباحت بأسرار الدّموع السواكب
وقالت: أشيبٌ قلت: صبح تجاربي ... أنار على أعقاب ليل نوائبي ولما مات رثاه الوزير أبو عامر ابن شهيد بقوله:
أفي كلّ عامٍ مصرعٌ لعظيم ... أصاب المنايا حادثي وقديمي
وكيف اهتدائي في الخطوب إذا دجت ... وقد فقدت عيناي ضوء نجوم
مضى السلف الوضّاح إلا بقيةً ... كغرّة مسودّ القميص بهيم
فإن ركبت مني اللّيالي هضيمة ... فقبلي ما كان اهتضام تميم
أبا عبدةٍ إنّا غدرناك عندما ... رجعنا وغادرناك غير ذميم
أنخذل من كنّا نرود بأرضه ... ونكرع منه في إناء علوم
ويجلو العمى عنّا بأنوار رأيه ... إذا أظلمت ظلماء ذات غيوم
كأنّك لم تلقح بريحٍ من الحجى ... عقائم أفكار بغير عقيم
ولم نعتمد مغناك غدواً ولم نزر ... رواحاً (١) لفصل الحكم دار حكيم
стр. 1959
٧ - وقال الوزير الفقيه أبو أيوب ابن أبي أمية (١) :
أمسك دارين حيّاك النّسيم به ... أم عنبر الشّحر أم هذي البساتين
بشاطئ النهر حيث النّور مؤتلقٌ ... والراح تعبق أم تلك الرياحين وحلاه في المطمح بقوله: واحد الأندلس الذي طوقها فخاراً، وطبقها بأوانه افتخاراً، ماشئت من وقار لا تحيل الحركة سكونه، ومقدار يتمنى مخبرٌ ان يكونه، إذا لاح رأيت المجد مجتمعاً، وإذا فاه أضحى كل شيء مستمعاً، تكتحل منه مقل المجد، وتنتحل المعالي أفعاله انتحال ذي كلف بها ووجد، لوتفرقت في الخلق سجاياه لحمدت الشيم، ولو استسقيت بمحياه لما استمسكت الديم، ودعي للقضاء فمارضي، وأعفي عنه فكأنه ما استقضي، لديه تثبت الحقائق، وتنبت العلائق، وبين يديه يسلك عين الجدد (٢) ، ويدع اللدد اللدد (٣) ، وله أدب إذا حاضر به فلا البحر إذا عصف، ولا أبو عثمان إذا وصف، مع حلاوة مؤانسةٍ تستهوي الجليس، وتهوي حيث شاءت بالنفوس، وأما تحبيره وإنشاؤه، ففبهما للسامع تحييره وانتشاؤه، وقد اثبت له بدعاً، يثني إليها الإحسان جيداً وأخدعاً، فمن ذلك قوله في منزل حله متنزهاً:
يا منزل الحسن أهواه وآلفه ... حقاً لقد جمعت في صحنك البدع
لله ما اصطنعت نعماك عندي في ... يومٍ نعمت به والشمل مجتمع وحل منية صهره الوزير أبي مروان ابن الدب بعدوة إشبيلية المطلة على النهر، المشتملة على بدائع الزهر، وهو معرس ببنته (٤) ، فأقام بها أياماً متأنسا،
стр. 1960
ولجذوة السرور مقتبساً، فوالى عليه من التحف، وأهدى إليه من الطرف، ما غمر كثرة، وبهر نفاسة وأثرة، فلما ارتحل وقد اكتحل من حسن ذلك الموضع بما اكتحل، كتب إليه:
قل للوزير وأين الشكر من مننٍ ... جاءت على سننٍ تترى وتتّصل
غشيت مغناك والروض الأنيق به ... يندى وصوب الحيا يهمي وينهمل
وجال طرفي في أرجائه مرحاً ... وفق اجتيازي يستعلي ويستفل
ندعو بلفتته حيث ارتمى زهرٌ ... عليه من منثني أفنانه كلل
محلّ أنسٍ نعمنا فيه آونةً ... من الزّمان وواتانا به الأمل وحل بعد ذلك متنزهاً بها على عادته، فاحتفل في موالاة ذلك البر وإعادته، فلما رحل كتب إليه:
يا دار أمنّك الزّما ... ن صروفه ونوائبه
وجرت (١) سعودك بالذي ... يهوى نزيلك آيبه
فلنعم مأوى الضيف أن ... ت إذا تحاموا جانبه
خطرٌ شأوت به الديا ... ر وأذعنت (٢) لك قاطبه وصنع له ولد ابن عبد الغفور (٣) رسالة سماها ب " الساجعة " حذا بها حذو أبي العلاء المعري في " الصاهل والشاحج " وبعث بها إليه، فعرضها عليه، فأقامت عنده أباماً ثم استدعاها منه فصرفها إليه، وكتب معها: بكرٌ زففتها أعزك الله تعالى نحوك، وهززت بمقدمها سناك وسرورك، فلم ألفظها عن شبع، ولا
стр. 1961
جهلت ارتفاعها عما يجتلى من نوعها ويستمع، ولكن لما أنسته (١) من أنسك بانتجاعها، وحرصك على ارتجاعها، دفعت في صدر الولوع، وتركت بينها وبين مجاثمها تلك الربوع، حيث الأدب غضٌّ، وماء البلاغة مرفضٌّ، فأسعد أعزك الله بكرتها، وسلها عن أفانين معرتها، بما تقطفه من ثمارك، وتغرفه من بحارك، وترتاح له ولإخوانه من نتائج أفكارك، وغنها لشنشنة أعرفها فيكم من أخزم، وموهبة حزتموها وأحرزتم السبق فيها منذ كم. انتهى.
٨ - وابن عبد الغفور هو الوزير أبو القاسم الذي قال فيه الفتح (٢) : فتى زكا فرعاً وأصلاً، وأحكم البلاغة معنىً وفصلاً، وجرد من ذهنه على الأغراض نصلاً، قد هابه وفراها، وقدح زند المعالي حتى أوراها، مع صون يرتديه، ولا يكاد يبديه، وشبيبة ألحقته بالكهول، فأقفرت منه ربعها المأهول، وشرف ارتداده، وسلفٍ اقتفى أثره الكريم واقتداه، وله شعر بديع السرد، مفوف البرد، وقد أثبت له منه ما ألفيت، وبالدلالة عليه اكتفيت، فمن ذلك قوله:
تركت التّصابي للصّواب وأهله ... وبيض الطّلى للبيض والسّمر للسّمر
مدامي مدادي والكؤوس محابري ... وندامي أقلامي ومنقلتي سفري وله:
لا تنكروا أنّنا في رحلةٍ أبداً ... نحثّ في نفنفٍ (٣) طوراً وفي هدف
فدهرنا سدفةٌ ونحن أنجمها ... وليس ينكر مجرى النّجم في السّدف
لو أسفر الدهر لي أقصرت عن سفري ... وملت عن كلفي بهذه الكلف
стр. 1962
وله من قصيدة:
رويدك يا بدر التّمام فإنّني ... أرى العيس حسرى والكواكب ظلعّا
كأن أديم الصبح قد قدّ أنجماً ... وغودر درع الليل فيها مرقّعا
فإنّي وإن كان الشباب محبّباً ... إليّ وفي قلبي أجلّ وأوقعا
لآنف من حسنٍ بشعري مفترى ... وآنف من حسنٍ بشعري قنّعا ٩ - وقال الوزير أبو الوليد ابن حزم (١) :
إلك أبا حفصٍ وما عن ملالة ... ثنيت عناني والحبيب حبيب
مقالاً يطير الجمر عن جنباته ... ومن تحته قلبٌ عليك يذوب
مضت لك في أفياء ظلّي قولة ... لها بين أحناء الضّلوع دبيب
ولكن أبى إلا إليك التفاته ... فزاد عليه من هواك رقيب
وكم بيننا لو كنت تحمد ما مضى ... إذ العيش غضٌّ والزمان قشيب
وتحت جناح الغيم أحشاء روضةٍ ... بها لخفوق العاصفات وجيب
وللزهر في ظلّ الرياض تبسّمٌ ... وللطير منها في الغصون نحيب وقال في الزهد:
ثلاثٌ وستون قد جزتها ... فماذا تؤمّل أو تنتظر
وحلّ عليك نذير المشيب ... فما ترعوي أو فما تزدحر
تمرّ لياليك مراً حثيثاً ... وانت على ماأرى مستمر
فلو كنت تعقل ما ينقضي ... من العمر لاعتضت خيراً بشرّ
فما لك لا تستعدّ إذن ... لدار المقام ودار المقرّ
أترغب عن فجأةٍ للمنون ... وتعلم أن ليس منها مفرّ
стр. 1963
فإمّا إلى جنّة أزلفت ... وإمّا إلى سقرٍ تستعر ١٠ - وقال ابن أبي زمنين (١) :
الموت في كلّ حينٍ ينشر الكفنا ... ونحن في غفلةٍ عمّا يراد بنا
لا تطمئنّ إلى الدنيا وبهجتها ... وإن توشّحت من أثوابها الحسنا
أين الأحبّة والجيران ما فعلوا ... أين الذين هم كانوا لنا سكنا
سقاهم الموت كأساً غير صافيةٍ ... فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا
تبكي المنازل منهم كلّ منسجمٍ ... بالمكرمات وترثي البر والمننا
حسب الحمام لو ابقاهم وأمهلهم ... ان لا يظنّ على معلوّةٍ حسنا وقال في المطمح: الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين فقيه متبتل، وزاهد لا منحرف إلى الدنيا ولا منفتل (٢) ، هجرها هجر المنحرف، وحل أوطانه فيها محل المعترف، لعلمه بارتحاله (٣) عنها وتقويضه (٤) ، وإبداله منها وتعويضه، فنظر بقلبه لا بعينه، وانتظر يوم فراقه وبينه، ولم يكن له بعد ذلك بها اشتغال، ولا في شعاب تلك المسائل إيغال، وله تواليف في الوعظ والزهد وأخبار الصالحين تدل على تخليته عن الدنيا واتراكه، والتلفت من حبائل الاغترار وأشراكه، والتنقل من حال إلى حال، والتأهب للارتحال، ويستدل به على ذلك الانتحال، فمنها قوله:
الموت في كلّ حينٍ ينشر الكفنا
فذكر الأبيات، انتهى.
стр. 1964
١١ - وقال خلف بن هرون يمدح الحافظ أبا محمد ابن حزام (١) :
يخوض إلى المجد والمكرمات ... بحار الخطوب وأهوالها
وإن ذكرت للعلا غايةُ ... ترقّى إليها وأهوى لها وقال في المطمح فيه:
فقيه مستبط، ونبيه بقياسه مرتبط، ما تكلم تقليداً، ولا عدا (٢) اختراعاً وتوليداً، ما تمنت به الأندلس أن تكون كالعراق، ولا حنت الأنفس معه إلى تلك الآفاق، أقام بوطنه، وما برح عن عطنه فلم يشرب ماء الفرات، ولم يقف عيشة الثمرات (٣) ، ولكنه أربى على من من ذلك غذي، وأزرى على من هنالك نعل وحذي، تفرد بالقياس، واقتبس نار المعارف أي اقتباس، فناظر بها أهل فاس، وصنف وحبر حتى أفنى الأنقاس، ونابذ الدنيا، وقد تصدت له بأفتن محيا، وأهدت إليه أعبق عرف وريا، وخلع الوزارة وقد كسته ملاها، وألبسته حلاها، وتجرد للعلم وطلبه، وجد في اقتناء نخبه، وله تآليف كثيرة، وتصانيف أثيرة، منها " الإيصال إلى فهم كتاب الخصال " وكتاب " الإحكام لأصول الأحكام " وكتاب " الفصل (٤) في الأهواء والملل والنحل " وكتاب " مراتب العلوم " (٥) وغير ذلك، مما لم يظهر مثله من هنالك، مع سرعة الحفظ، وعفاف اللسان واللحظ، وفيه يقول خلف بن هرون:
يخوض إلى المجد والمكرمات ... ولابن حزم في الأدب سبقٌ لا ينكر، وبديهة لا يعلم انه روى فيها ولا
стр. 1965
فكر، وقد أثبت من شعره ما يعلم أنه أوحد، وما مثله فيه أحد، ثم ذكر جملة من نظمه ذكرناها في غير هذا الموضع.
١٢ - وكتب أبو عبد الله ابن مسرة (١) إلى أبي بكر اللؤلؤي يستدعيه في يوم طين ومطر، لقضاء أرب من الأنس ووطر:
أقبل فإنّ اليوم يوم دجن ... إلى مكانٍ كالضمير مكني
لعلّنا نحكم أشهى فنّ ... فأنت في ذا اليوم أمشى مني وقال في المطمح: إن ابن مسرة كان على طريق من الزهد والعبادة سبق فيها، وانتسق في سلك مقتفيها، وكانت له إشارة غامضة، وعبارة عن منازل الملحدين غير داحضة، ووجدت له مقالات ردية، واستباطات مردية، نسب بها إليه رهق، وظهر له فيها مزحل عن الرشد ومزهق، فتتبعت مصنفاته بالحرق، واتسع في استباحتها الخرق، وغدت مهجورة، على التالين محجورة، وكان له تنميق في البلاغة وتدقيق لمعانيها، وتزويق لأغراضها وتشييد لمبانيها، انتهى. وهو من نمط الصوفية الذين تكلم فيهم، والتسليم أسلم، والله تعالى بأمرهم أعلم.
١٣ - ومن حكايات أهل الأندلس في الانقباض عن السلطان، والفرار من المناصب، مع العذر اللطيف: ما حكاه في المطمح في ترجمة الفقيه أبي عبد الله الخشني (٢) إذ قال: كان فصيح اللسان، جزيل البيان (٣) ، وكان أنوفاص منقبضاً عن السلطان، لم يتشبث بدنيا، ولم ينكث له مبرم عليا، دعاه الأمير محمد إلى