← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

جهلت ارتفاعها عما يجتلى من نوعها ويستمع، ولكن لما أنسته (١) من أنسك بانتجاعها، وحرصك على ارتجاعها، دفعت في صدر الولوع، وتركت بينها وبين مجاثمها تلك الربوع، حيث الأدب غضٌّ، وماء البلاغة مرفضٌّ، فأسعد أعزك الله بكرتها، وسلها عن أفانين معرتها، بما تقطفه من ثمارك، وتغرفه من بحارك، وترتاح له ولإخوانه من نتائج أفكارك، وغنها لشنشنة أعرفها فيكم من أخزم، وموهبة حزتموها وأحرزتم السبق فيها منذ كم. انتهى. ٨ - وابن عبد الغفور هو الوزير أبو القاسم الذي قال فيه الفتح (٢) : فتى زكا فرعاً وأصلاً، وأحكم البلاغة معنىً وفصلاً، وجرد من ذهنه على الأغراض نصلاً، قد هابه وفراها، وقدح زند المعالي حتى أوراها، مع صون يرتديه، ولا يكاد يبديه، وشبيبة ألحقته بالكهول، فأقفرت منه ربعها المأهول، وشرف ارتداده، وسلفٍ اقتفى أثره الكريم واقتداه، وله شعر بديع السرد، مفوف البرد، وقد أثبت له منه ما ألفيت، وبالدلالة عليه اكتفيت، فمن ذلك قوله: تركت التّصابي للصّواب وأهله ... وبيض الطّلى للبيض والسّمر للسّمر مدامي مدادي والكؤوس محابري ... وندامي أقلامي ومنقلتي سفري وله: لا تنكروا أنّنا في رحلةٍ أبداً ... نحثّ في نفنفٍ (٣) طوراً وفي هدف فدهرنا سدفةٌ ونحن أنجمها ... وليس ينكر مجرى النّجم في السّدف لو أسفر الدهر لي أقصرت عن سفري ... وملت عن كلفي بهذه الكلف

стр. 1962

وله من قصيدة: رويدك يا بدر التّمام فإنّني ... أرى العيس حسرى والكواكب ظلعّا كأن أديم الصبح قد قدّ أنجماً ... وغودر درع الليل فيها مرقّعا فإنّي وإن كان الشباب محبّباً ... إليّ وفي قلبي أجلّ وأوقعا لآنف من حسنٍ بشعري مفترى ... وآنف من حسنٍ بشعري قنّعا ٩ - وقال الوزير أبو الوليد ابن حزم (١) : إلك أبا حفصٍ وما عن ملالة ... ثنيت عناني والحبيب حبيب مقالاً يطير الجمر عن جنباته ... ومن تحته قلبٌ عليك يذوب مضت لك في أفياء ظلّي قولة ... لها بين أحناء الضّلوع دبيب ولكن أبى إلا إليك التفاته ... فزاد عليه من هواك رقيب وكم بيننا لو كنت تحمد ما مضى ... إذ العيش غضٌّ والزمان قشيب وتحت جناح الغيم أحشاء روضةٍ ... بها لخفوق العاصفات وجيب وللزهر في ظلّ الرياض تبسّمٌ ... وللطير منها في الغصون نحيب وقال في الزهد: ثلاثٌ وستون قد جزتها ... فماذا تؤمّل أو تنتظر وحلّ عليك نذير المشيب ... فما ترعوي أو فما تزدحر تمرّ لياليك مراً حثيثاً ... وانت على ماأرى مستمر فلو كنت تعقل ما ينقضي ... من العمر لاعتضت خيراً بشرّ فما لك لا تستعدّ إذن ... لدار المقام ودار المقرّ أترغب عن فجأةٍ للمنون ... وتعلم أن ليس منها مفرّ

стр. 1963

فإمّا إلى جنّة أزلفت ... وإمّا إلى سقرٍ تستعر ١٠ - وقال ابن أبي زمنين (١) : الموت في كلّ حينٍ ينشر الكفنا ... ونحن في غفلةٍ عمّا يراد بنا لا تطمئنّ إلى الدنيا وبهجتها ... وإن توشّحت من أثوابها الحسنا أين الأحبّة والجيران ما فعلوا ... أين الذين هم كانوا لنا سكنا سقاهم الموت كأساً غير صافيةٍ ... فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا تبكي المنازل منهم كلّ منسجمٍ ... بالمكرمات وترثي البر والمننا حسب الحمام لو ابقاهم وأمهلهم ... ان لا يظنّ على معلوّةٍ حسنا وقال في المطمح: الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين فقيه متبتل، وزاهد لا منحرف إلى الدنيا ولا منفتل (٢) ، هجرها هجر المنحرف، وحل أوطانه فيها محل المعترف، لعلمه بارتحاله (٣) عنها وتقويضه (٤) ، وإبداله منها وتعويضه، فنظر بقلبه لا بعينه، وانتظر يوم فراقه وبينه، ولم يكن له بعد ذلك بها اشتغال، ولا في شعاب تلك المسائل إيغال، وله تواليف في الوعظ والزهد وأخبار الصالحين تدل على تخليته عن الدنيا واتراكه، والتلفت من حبائل الاغترار وأشراكه، والتنقل من حال إلى حال، والتأهب للارتحال، ويستدل به على ذلك الانتحال، فمنها قوله: الموت في كلّ حينٍ ينشر الكفنا فذكر الأبيات، انتهى.

стр. 1964

١١ - وقال خلف بن هرون يمدح الحافظ أبا محمد ابن حزام (١) : يخوض إلى المجد والمكرمات ... بحار الخطوب وأهوالها وإن ذكرت للعلا غايةُ ... ترقّى إليها وأهوى لها وقال في المطمح فيه: فقيه مستبط، ونبيه بقياسه مرتبط، ما تكلم تقليداً، ولا عدا (٢) اختراعاً وتوليداً، ما تمنت به الأندلس أن تكون كالعراق، ولا حنت الأنفس معه إلى تلك الآفاق، أقام بوطنه، وما برح عن عطنه فلم يشرب ماء الفرات، ولم يقف عيشة الثمرات (٣) ، ولكنه أربى على من من ذلك غذي، وأزرى على من هنالك نعل وحذي، تفرد بالقياس، واقتبس نار المعارف أي اقتباس، فناظر بها أهل فاس، وصنف وحبر حتى أفنى الأنقاس، ونابذ الدنيا، وقد تصدت له بأفتن محيا، وأهدت إليه أعبق عرف وريا، وخلع الوزارة وقد كسته ملاها، وألبسته حلاها، وتجرد للعلم وطلبه، وجد في اقتناء نخبه، وله تآليف كثيرة، وتصانيف أثيرة، منها " الإيصال إلى فهم كتاب الخصال " وكتاب " الإحكام لأصول الأحكام " وكتاب " الفصل (٤) في الأهواء والملل والنحل " وكتاب " مراتب العلوم " (٥) وغير ذلك، مما لم يظهر مثله من هنالك، مع سرعة الحفظ، وعفاف اللسان واللحظ، وفيه يقول خلف بن هرون: يخوض إلى المجد والمكرمات ... ولابن حزم في الأدب سبقٌ لا ينكر، وبديهة لا يعلم انه روى فيها ولا

стр. 1965

فكر، وقد أثبت من شعره ما يعلم أنه أوحد، وما مثله فيه أحد، ثم ذكر جملة من نظمه ذكرناها في غير هذا الموضع. ١٢ - وكتب أبو عبد الله ابن مسرة (١) إلى أبي بكر اللؤلؤي يستدعيه في يوم طين ومطر، لقضاء أرب من الأنس ووطر: أقبل فإنّ اليوم يوم دجن ... إلى مكانٍ كالضمير مكني لعلّنا نحكم أشهى فنّ ... فأنت في ذا اليوم أمشى مني وقال في المطمح: إن ابن مسرة كان على طريق من الزهد والعبادة سبق فيها، وانتسق في سلك مقتفيها، وكانت له إشارة غامضة، وعبارة عن منازل الملحدين غير داحضة، ووجدت له مقالات ردية، واستباطات مردية، نسب بها إليه رهق، وظهر له فيها مزحل عن الرشد ومزهق، فتتبعت مصنفاته بالحرق، واتسع في استباحتها الخرق، وغدت مهجورة، على التالين محجورة، وكان له تنميق في البلاغة وتدقيق لمعانيها، وتزويق لأغراضها وتشييد لمبانيها، انتهى. وهو من نمط الصوفية الذين تكلم فيهم، والتسليم أسلم، والله تعالى بأمرهم أعلم. ١٣ - ومن حكايات أهل الأندلس في الانقباض عن السلطان، والفرار من المناصب، مع العذر اللطيف: ما حكاه في المطمح في ترجمة الفقيه أبي عبد الله الخشني (٢) إذ قال: كان فصيح اللسان، جزيل البيان (٣) ، وكان أنوفاص منقبضاً عن السلطان، لم يتشبث بدنيا، ولم ينكث له مبرم عليا، دعاه الأمير محمد إلى

стр. 1966

القضاء فلم يجب، ولم يظهر رجاءه المحتجب، وقال: أبيت عن أمانة هذه الديانة، كما أبت السموات والأرض عن حمل الأمانة، إباية إشفاق، لا إباية عصيان ونفاق، وكان الأمير قد أمر الوزراء بإجباره، أو حمل السيف إن تمادى على تأبيه وإصراره، فلما بلغه قوله هذا أعفاه، قال: وكان الغالب عليه علم النسب، واللغة والأدب، ورواية الحديث، وكان مأموناً ثقة، وكانت القلوب على حبه متفقة، وله رحلة دخل العراق، ثم عاد إلى هذه الآفاق، وعندما اطمأنت داره، وبلغ أقصى مناه مداره، قال: كأن لم يكن بينٌ ولم تك فرقةٌ ... الأبيات، انتهى. وهذه الأبيات قدمناها في الباب الخامس في ترجمة القاضي ابن أبي عيسى. فأنت ترى كلام الفتح قد اضطرب في نسبتها، فمرة نسبها إلى هذا ومرة نسبها إلى ذاك، وهي قطعة عرفها ذاكٍ. ٣٩٨ - ومن دعابات أهل الأندلس وملحهم: ما يحكى عن ابن أبي حلى، وهو علي بن أبي حلى المكناسي (١) أبو الحسن، قال لسان الدين: كان شيخاً مليح الحديث، حافظاً للمسائل الفقهية، قائماً على المدونة (٢) ، مضطلعاً بمشكلاتها، كثير الحكايات، يحكي أنه شاهد غرائب وتملحاً فينمقها عليه بعض الطلبة، ويتعدون ذلك إلى الافتعال والمداعبة، حتى جمعوا من ذلك جزءاً سموه " السالك والمحلى في أخبار ابن أبي حلى "، فمن ذلك أنه كانت له هرة فدخل البيت يوماً فوجدها قد بلت إحدى يديها وجعلتها في الدقيق حتى علق بها ونصبتها

стр. 1967

بإزاء كوة فأر ورفعت اليد الأخرى لصيده، فناداها باسمها، فردت رأسها، وجعلت إصبعها على فمها، على هيئة المشير بالصمت، وأشباه ذلك، وتوفي المذكور سنة ٤٠٦، قاله في الإحاطة. ٣٩٩ - ومن أجوبة ملوك الأندلس: ان نزاراً العبيدي صاحب مصر كتب إلى المرواني صاحب الأندلس كتاباً يسبه فيه ويهجوه، فكتب إليه المرواني: أما بعد فإنك عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك، والسلام، فاشتد ذلك على نزار وأفحمه عن الجواب، وحكي أنه كتب إلى العبيدي ملك مصر مفتخراً (١) : ألسنا بني مروان كيف تبدلت ... بنا الحال أو دارت علينا الدوائر إذا ولد المولود منا تهللت ... له الأرض واهتزت إليه المنابر [حريز بن عكاشة] ٤٠٠ - ومن غريب ما يحكى من قوة أهل الأندلس وشجاعتهم: أن الأمير حريز بن عكاشة (٢) من ذرية عكاشة بن محصن صاحب رسول الله ﷺ لما نزل بساحة أذفونش (٣) ملك ملوك الروم، فبدأهم بخراب ضياعها وقطع الشجر، فكتب إليه حريز: ليس من أخلا ق القدير، الفساد والتدمير، فإن قدرت على البلاد أفسدت ملكك، ولو كان الملك في عشرة أمثال عددي لم ينزل لي بساحة، ولا تمكن منها براحة، فلما وصلته الرسالة عف، وأمر بالكف، وبعث الملك يرغبه في الاجتماع به، فاسترهنه في نفسه عدة من ملوك

стр. 1968

الروم، فأجاب إلى ما ارتهن، ولما صاروا بالمدينة البيضاء - وهي قلعة رباح غربي طليطلة - خرج حريز لابساً لأمة حربه، يرمق الروم منه شخصاً أوتي بسطة في الجسم والبسالة يتعجبون من آلات حربه، ويتحدثون بشجاعة قلبه. ولما وصل فسطاط الملك تلقته الملوك بالرحب والسعة، ولما أراد النزول عن فرسه ركز رمحه، فأبصر الملك منه هيئة تشهد له بما عنه حدث، وهيبة يجزع للقائها الشجاع ويكترث، فدعاه إلى البراز عظيم أبطالهم، فقال له الملك: يا حريز أريد أن أنظر إلى مبارزتك هذا البطل، فقال له حريز: المبارز لا يبارز إلا أكفاءه، وإن لي بينة إلى صدق قولي أن ليس لي فيهم كفء، هذا رمحي قد ركزته، فمن ركب واقتلعه بارزته، كان واحداً أو عشرة، فركب عظيمهم فلم يهز الرمح من مكانه حين رامه، ثم فعل ذلك مراراً، فقال له الملك: أرني يا حريز كيف تقلعه، فركب وأشار بيده واقتلعه، فعجب القوم، ووصله الملك وأكرمه، انتهى. وكان حريز هذا شاعراً، ولما اجتاز به كاتب ابن ذي النون الوزير أبو المطرف ابن المثنى كتب إليه (١) : يا فريداً دون ثان ... وهلالاً في العيان عدم الراح فصارت ... مثل دهن البلسان فجاوبه حريز، وهو يومئذٍ أمير قلعته: يا فريداً لا يجارى ... بين أبناء الزّمان جاء من شعرك روضٌ ... جاده صوب البيان فبعثناها سلافاً ... كسجاياك الحسان

стр. 1969

وكان لحريز كاتب يقال له عبد الحميد بن لاطون فيه تغفل شديد، فأمره ان يكتب إلى المأمون بن ذي النون في شان حصنٍ دخله النصارى، فكتب: وقد بلغني أن الحصن الفلاني دخله النصارى إن شاء الله تعالى، فهذه الواقعة التي ذكرها الله تعالى في القرآن، بل هي الحادثة الشاهدة بأشراط الزمان، فإنا لله على هذه المصيبة التي هدت قواعد المسلمين، وأبقت في قلوبهم حسرة إلى يوم الدين. فلما وصل الكتاب للمأمون ضحك حتى وقع للأرض، وكتب لابن عكاشة جوابه، وفيه: وقد عهدناك منتقياً لأمورك، نقاداً لصغيرك وكبيرك، فكيف جاز عليك أمر هذا الكتاب الأبله الجلف، وأسندت إليه الكتب عنك دون أن تطلع عليه، وقد علمت أن عنوان الرجل كتابه، ورائد عقله خطابه، وما أدري من أي شيء يتعجب منه، هل من تعليقه إن شاء الله تعالى بالماضي أم من حسن تفسيره للقرآن ووضعه مواضعه أم من تورعه عن تأويله إلا بتوقيف من سماع عن إمام أم من تهويله لما طرأ على من يخاطبه أم من علمه بشأن هذا الحصن الذي لو أنه في القسطنطينية العظمى ما زاد عن عظمه وهو له شيئاً ولو أن حقيراً يخفى عن علم الله تعالى لخفي عنه هذا الحصن، ناهيك من صخرة حيث لا ماء ولا مرعى، منقطع عن بلاد الإسلام، خارج عن سلك النظام، لا يعبره إلا لص فاجر، أو قاطع طريق غير متظاهر، حراسه لا يتجاوزون الخمسين، ولا يرون خبز البر عندهم إلا في بعض السنين، باعه أحدهم بعشرين ديناراً، ولعمري إنه لم يغبن في بيعه ولا ربح أرباب ابتياعه، وأراح من الشين بنسبته والنظر في خداعه، فليت شعري ما الذي عظمه في عين هذا الجاهل، حتى خطب في أمره بما لم يخطب به في حرب وائل. فلما وقف حريز على الكتاب كتب لابن ذي النون جواباً منه: وإن المذكور ممن له حرمة قديمة، تغنيه عن أن يمت بسواها، وخدمة محمود أولاها وأخراها، ولسنا ممن اتسعت مملكته، وعظمت حضرته، فنحتاج إلى انتقاء الكتاب، والتحفظ في الخطاب، وإنما نحن أحلاس ثغور، وكتاب كتائب

стр. 1970

لا سطور، وإن كان الكاتب المذكور لا يحسن فيما يلقيه على القلم، فإنه يحسن كيف يصنع في مواطن الكرم، وله الوفاء الذي تحدث به فلان وفلان، بل سارت بشأنه في أقصى البلاد الركبان، وليس ذلك يقدح عندنا فيه، بل زاده لكونه دالاً على صحة الباطن والسذاجة في الإكرام والتنويه، انتهى. ولهذا الكاتب شعر يسقط فيه سقوط الأغبياء، وقد يتنبه فيه تنبه الأذكياء، فمنه قوله في قصيدة يمدح حريزاً المذكور مطلعها: يذكرني بهم العنبر ... وظلم ثناياهم سكّر إلى أن قال: ولولا معاليك يا ذا النّدى ... لما كان في الأرض من يشعر فلا تنكرنّ زحاماً على ... ذراك وفي كفّك الكوثر ومشى في موكبه وهم في سفر، وكان في فصل المطر والطين، فجعل فرسه في ذنب فرس ابن عكاشة، فلما أثارت يدا فرسه طيناً جاء في عنق أميره، ففطن لذلك الأمير، فقال له: يا أبا محمد، تقدم، فقال: معاذ الله أن أسيء الأدب بالتقدم على أميري، فقال: فإن كان ذلك فتأخر مع الخيل، فقال: مثلي لا يزال عن ركابك في مثل هذه المواضع، فقال له: فقد والله أهلكتني بما ترمي يدا فرسك علي من الطين، فقال: أعز الله الأمير، يعذرني، فوالله ما علمت أن يد فرسي تصل إلى عنقك، فضحك ابن عكاشة حتى كاد يسقط عن مركوبه. ٤٠١ - وكان بسرقسطة غلام اسمه يحيى بن يطفت من بني يفرن، قد نشأ عند ملكها المقتدر بن هود، وتخلق بالركوب والأدب، وكان في غاية الجمال والحلاوة والظرف فعلق بقلب ابن هود، وكتم حبه زماناً فلم ينكتم، فكتب له: يا ظبي بالله قل لي ... متى ترى في حبالي

стр. 1971

يمرّعمري وحالي ... في خيبتي منك خالي فكتب له الغلام في ظهر الرقعة: إن كنت ظبياً فأنت ال ... هزبر تبغي اغتيالي وليس يخطر يوماً ... حلول غيلٍ ببالي ثم كتب بعدهما: هذا ما اقتضاه حكم الجواب في النظم، وأنا بعد قد جعلت رسني بيد سيدي، فعسى أن يقودني إلى ما أحب، لا ما أكره، والذي أحبه أن يكون بيننا من المحبة ما يقضي بدوام الإخلاص، ونأمن في مغبته من العار والقصاص، فتركه مدة، ثم كتب له يوماً على الصورة التي ذكرها: ماذا ترى في يوم أمنٍ طرّزت ... حلل السحاب به البروق المذهبة وأنا وكاسي لا جليسٌ غيره ... ملآن لا يخلو إلى أن تشربه والأنس إن يسّرته متيسّرٌ ... ومتى تصعّبه فيا ما أصعبه فأجابه: يا مالكاً بذّ الملوك بعلمه ... وخلاله وعلوّه في المرتبه وافى نداك فحرت عند جوابه ... إذ ما تضمّن ريبةً مستغربه إنّا إذا نخلو، تقوّل حاسدٌ ... وغدا بهذا الأمر ينصر مذهبه هبني إلى يومٍ تطيش به النّهى ... والبيض تنضى والقنا متأشبّه وهناك فانظرني بعين بصيرةٍ ... فالشّبل يعرف أصله من جرّبه ثم أعلاه إلى درجة الوزارة والقيادة، إلى أن قتل في جيش كان قدمه عليه، فقال فيه من قصيدة: يا صارماً أغمدته ... عن ناظريّ الصّوارم

стр. 1972

وزهرة غيّبتها ... من الطيور كمائم يا كوكباً خرّ من أن ... جمي وأنفي راغم بكت عليّ وشقّت ... جيوبهنّ الغمائم قل للحمائم إنّي ... أصبحت أحكي الحمائم وأنثر الدمع مهما ... رأيت للزهر باسم تالله لا لذّ عيشٌ ... لمترفٍ لك عادم ٤٠٢ - ولما رحل الوزير عبد البر بن فرسان من وادي آش إلى علي الميورقي صاحب فتنة إفريقية أقبل عليه، ثم ولي أخوه يحيى الإمارة بعده، فأسند جميع أموره إليه، فقال يخاطبه: أجبناً ورمحي ناصري وحسامي ... وعجزاً وعزمي قائدي وإمامي ولي منك بطّاش اليدين غضنفر ... يحارب عن أشباله ويحامي ألا غنّياني بالصّهيل فإنّه ... سماعي ورقراق الدماء مدامي وحطّا على الرمضاء رحلي فإنّها ... مهادي وخفّاق البنود خيامي ٤٠٣ - وكان الأمير أبو عبد الله ابن مردنيش (١) ملك شرق الأندلس من أبطال عصره، وكان يدفع في المواكب، ويشقها يميناً وشمالاً منشداً: أكرّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها حتى إنه دفع مرة في مواكب النصارى، فصرع منهم وقتل، وظهر منه ما أعجبت به نفسه، فقال لشخص من خواصه عالم بأمور الحرب: كيف رأيت فقال: لو رآاك السلطان لزاد فيما لك في بيت المال، وأعلى مرتبتك، أمن يكون رأس جيش يقدم هذا الإقدام، ويتعرض بهلاك نفسه إلى هلاك من

стр. 1973

معه فقال له: دعني فإني لا أموت مرتين، وإذا مت أنا فلا عاش من بعدي. ٤٠٤ - ومن حكاياتهم في الظرف (١) : أن القاضي أبا عبد الله محمد بن عيسى من بني يحيى بن يحيى خرج إلى حضور جنازة، وكان لرجل من إخوانه منزل بقرب مقبرة قريش، فعزم عليه في الميل إليه، فنزل وأحضر له طعاماً، وغنت جارية: طابت بطيب لثاتك الأقداح ... وزهت بحمرة وجهك التفاح وإذا الربيع تنسمت أرواحه ... نمت بعرف نسيمك الأرواح وإذا الحنادس ألبست ظلماءها ... فضياء وجهك في الدجى مصباح فكتبها القاضي طرباً على ظهر يده (٢) ، قال الراوي: فلقد رأيته يكبر على الجنازة والأبيات على ظهر يده. ٤٠٥ - ومن حكاياتهم في البلاغة ما ذكر في " المطمح " أن أبا الوليد ابن عيال (٣) لما انصرف من الحج اجتمع مع أبي الطيب في مسجد عمرو بن العاص بمصر، ففاوضه قليلاً، ثم قال له: أنشدني لمليح الأندلس، يعني ابن عبد ربه، فأنشده: يا لؤلؤاً يسبي العقول أنيقا ... ورشاً بتعذيب القلوب رفيقا ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... درّاً يعود من الحياء عقيقا وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... أبصرت وجهك في سناه غريقا يا من تقطّع خصره من رقّةٍ ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا

стр. 1974

فلما كمل إنشادها استعادها، ثم صفق بيديه وقال: يا ابن عبد ربه، لقد تأتيك العراق حبواً، انتهى. ٤٠٦ - وقال مؤلف كتاب " واجب الأدب " (١) : مما يجب حفظه من مخترعات الأندلسيين قول ابن عبد ربه (١) : يا ذا الذي خطّ العذار بخدّه ... خطيّن هاجا لوعةً وبلابلا ما كنت أقطع أنّ لحظك صارمٌ ... حتى حملت من العذار حمائلا ٤٠٧ - وحكي أن الوزير أبا الوليد ابن زيدون (٣) توفيت ابنته، وبعد الفراغ من دفنها وقف للناس عند منصرفهم من الجنازة ليتشكر لهم، فقيل: إنه ما أعاد في ذلك الوقت عبارة قالها لأحد، قال الصفدي: وهذا من التوسع في العبارة، والقدرة على التفنن في أساليب الكلام، وهو أمر صعب إلى الغاية، وأرى أنه أشق مما يحكى عن واصل بن عطاء أنه ما سمعت منه كلمة فيها راء، لأنه كان يلثغ بحرف الراء لثغة قبيحة، والسبب في تهوين هذا الأمر وعدم تهويله أن واصل بن عطاء كان يعدل إلى ما يرادف تلك الكلمة مما ليس فيه راء، وهذا كثير في كلام العرب، فإذا أراد العدول عن لفظ فرس قال جواد أو ساعٍ أو صافن، أو العدول عن رمح قال قناة أو صعدة أو يزني أو غير ذلك، أو العدول عن لفظ صارم قال حسام أو لهذم أو غير ذلك، وأما ابن زيدون فأقول في حقه إنه أقل ما كان في تلك الجنازة، وهو وزير، ألف رئيس ممن يتعين عليه أن يتشكر له، ويضطر إلى ذلك، فيحتاج في هذا المقام إلى ألف عبارة مضمونها الشكر، وهذا كثير إلى الغاية، لا سيما من محزون، فقد

стр. 1975

قطعةً من كبده: ولكنه صوب العقول إذا انبرت ... سحائب منه أعقبت بسحائب وقد استعمل الحريري هذا في مقاماته عندما يذكر طلوع الفجر، وهو من القدرة على الكلام، وأرى الخطيب ابن نباتة ممن لا يلحق في هذا الباب، فإنه أملى مجلدة معناها من أولها إلى آخرها: يأيها الناس اتقوا الله واحذروه فإنكم إليه راجعون، وهذا أمر بارع معجز، والناس يذهلون عن هذه النكتة فيه، انتهى كلام الصفدي ملخصاً. وقال في الوافي، بعد ذكره جملةً من أحوال ابن زيدون، ما نصه: وقال بعض الأدباء: من لبس البياض، وتختم بالعقيق، وقرأ لأبي عمرو، وتفقه للشافعي، وروى شعر ابن زيدون، فقد استكمل الظرف. وكان يسمى بحتري المغرب لحسن ديباجة نظمه، وسهولة معانيه، انتهى. رجع إلى كلام أهل الأندلس: ٤٠٨ - وكان الأديب المحدث أبو الربيع سليمان بن علي الشلبي الشهير بكثير (١) يهوى من يتجنى عليه ويقول: إنه أبرد من الثلج، فخاطبه كثير بقوله: يا حبيباً له كلامٌ خلوب ... قلّبت في لظى هواه القلوب كيف تعزو إلى محبّك برداً ... ومن الحبّ في حشاه لهيب أنت شمسٌ وقلت إني ثلجٌ ... فلهذا إذا طلعت أذوب

стр. 1976

٤٠٩ - وقال ابن مهران مما يشتمل على أربعة أمثال (١) : المال زينٌ، والحياة شهيّةٌ، ... والجود يفقر، والشجاعة تقتل والبخل عيبٌ، والجبان مذمّمٌ، ... والقصد أحكم، والتوسط أجمل ٤١٠ - وقال ابن السيد البطليوسي متغزلاً (٢) : نفسي الفداء لجؤذرٍ حلو اللّمى ... مستحسن بصدوده أضناني في فيه سمطا جوهرٍ يروي الظما ... لو علّني ببروده أحياني ويخرج من هذه القطعة عدة قطع. ٤١١ - وقال ابن صارة مضمناً (٣) : إلى كم ينفر (٤) الدينار منّي ... ويطلب كفّ من عنه يحيد ألم أنشده في وادي هيامي ... به لو كان يعطفه النشيد حبيبي أنت تعلم ما أريد ... ولكن لا ترقّ ولا تجود وكم غنّيت حين تنكبتني ... منىً شيطانها أبداً مريد " يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما يريد " ٤١٢ - وقال ذو الرياستين أبو مروان عبد الملك بن رزين (٥) : بالله إن لم تزدجر ... يا مشبه البدر المنير

стр. 1977

لأسرّحنّ نواظري ... في ذلك الورد النضير ولآكلنّك بالمنى ... ولأشربنّك بالضمير ٤١٣ - وقال ابن عبد ربه (١) : اشرب على المنظر الأنيق ... وامزج بريق الحبيب ريقي واحلل وشاح الكعاب رفقاً ... خوفاً على خصرها الرقيق وقل لمن لام في التصابي ... خلّ قليلاً عن الطريق وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً من بلاغة أهل الأندلس في الجد والهزل ما فيه مقنع لمن اقتصر عليه. ٤١٤ - ومن حكاياتهم في عدم احتمال الضيم والذل والوصف بالأنفة: أنه لما ثار أيوب بن مطروح في المائة الخامسة في الفتنة على ملك غرناطة عبد الله بن بلقين بن حبوس وخاض بحار الفتنة حتى رماه موجها فيمن رمى على الساحل، وحصل فيما بث عليهم يوسف بن تاشفين من الحبائل، وكانت له همة وأنفة عظيمة، وخلع عن إمارته، وحصل في حبالته، أدخل رأسه تحته، فانتظر من حضر معه أن يتكلم أو يخرج رأسه، فلم يكن إلا قليل حتى وقع ميتاً، رحمه الله تعالى. ٤١٥ - ولما ثار الميورقي بإفريقية على بني عبد المؤمن الثورة المشهورة، وخدمه جملة من أعيان أهل الأندلس، وكان من جملتهم مالك بن محمد بن سعيد العنسي (٢) ، كتب عنه من رسالة: وبعد، فإنا لا نحتاج لك إلى برهان على أمير لسانه الحسام، وأيده التأييد الرباني الذي لا يرام، قد نصب خيامه

стр. 1978

بالبراح، ولم يتخذ سوراً غير سمر القنا وبيض الصفاح، له من العزم ردء (١) ومن الرأي كمين (٢) : إذا صدق الحسام ومنتضيه ... فكلّ قرارةٍ حصنٌ حصين وهو من القوم الذين لا يجورون على جار، ولا يرحلون بخزية ولا يتركون من عار، دينهم دين التقوى، وإن كنت من ذلك في شك فاقدم علينا حتى يصح لك اختبار الذهب بالسبك، وأنت بالخيار في الظعن والإقامة، فإن حللت نزلت خير منزل، وإن رحلت ودعت أفضل وداع، وسرت في كنف السلامة، إذ قد شهرنا بأنا لا نقيد إلا بالإحسان، وأن ندع لاختياره كل إنسان. ٤١٦ - ومن حكايات أهل الأندلس في الجود والفضل ومكارم الأخلاق (٣) : أن أبا العرب الصقلي حضر مجلس المعتمد بن عباد، فأدخلت عليه جملة من دنانير السكة، فأمر له بخريطتين منها، وبين يديه تصاوير عنبر من جملتها صورة جمل مرصع بنفيس الدر، فقال أبو العرب: ما يحمل هذه الدنانير إلا جمل، فتبسم المعتمد وأمر له به، فقال: أعطيتني (٤) جملاً جوناً شفعت به ... حملاً من الفضّة البيضاء لو حملا نتاج جودك في أعطان مكرمةٍ ... لا قدّ تعرف من منعٍ ولا عقلا فاعجب لشأني فشأني كله عجبٌ ... رفّهتني فحملت الحمل والجملا ومن نظم أبي العرب المذكور: إلام اتباعي للأماني الكواذب ... وهذا طريق المجد بادي المذاهب

стр. 1979

أهمّ ولي عزمان: عزمٌ مشرّقٌ ... وآخر يثني همّتي للمغارب ولا بدّ لي أن أسأل العيس حاجةً ... تشقُّ على أخفاقها والغوارب إذا كان أصلي من ترابٍ فكلّها ... بلادي وكلّ العالمين أقاربي ٤١٧ - وذكر الحافظ الحجاري في " المسهب " أنه سأل عمه أبا محمد عبد الله بن إبراهيم (١) عن أفضل من لقي من أجواد تلك الحلبة، فقال: ياابن أخي، لم يقدر أن يقضي لي الاستمطار بهم، في شباب أمرهم قد هرم، وساءت بتغير الأحوال ظنونهم، وملوا الشكر، وضجروا من المروءة، وشغلتهم المحن والفتن، فلم يبق فيهم فضل للإفضال وكانوا كما قال أبو الطيب: أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرّهم وأتيناه على الهرم فإن يكن أتاه على الهرم فإنا أتيناه وهو في سياق الموت، ثم قال: ومع هذا فإن الوزير أبا بكر ابن عبد العزيز، رحمه الله تعالى، كان يحمل نفسه ما لا يحمله الزمان، ويبسم في موضع القطوب، ويظهر الرضى في حالة الغضب، ويجهد ألا ينصرف عنه أحدٌ غير راضٍ، فإن لم يستطع الفعل عوض عنه القول. قلت له: فالمعتمد بن عباد كيف رأيته فقال: قصدته وهو مع أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في غزوته للنصارى المشهورة، فرفعت له قصيدة منها: لا روّع الله سرباً في رحابهم ... وإن رموني بترويعٍ وإبعاد ولا سقاهم على ما كان من عطشٍ ... إلا ببعض ندى كفّ ابن عباد ذي المكرمات التي مازلت تسمعها ... أنس المقيم وفي الأسفار كالزاد يا ليت شعري ماذا يرتضيه لمن ... ناداه يا موئلي في جحفل النادي

стр. 1980

فلما انتهيت إلى هذا البيت قال: أما ما أرتضيه لك فلست أقدر في هذا الوقت عليه، ولكن خذ ما ارتضى لك الزمان، وأمر خادماً له فأعطاني ما أعيش في فائدته إلى الآن، فإني انصرفت به المرية، وكان يعجبني سكناها والتجارة بها، لكونها ميناء لمراكب التجار من مسلم وكافر، فتجرت فيها فكان إبقاء ماء وجهي على يديه، رحمة الله تعالى عليه. ثم أخذ البطاقة وجعل يجيل النظر والفكر في القصيدة، وانا مترقب لنقده، لكونه في هذا الشأن من أئمته، وكثيراً ما كان الشعراء يتحامونه لذلك إلا من عرف من نفسه التبريز، ووثق بها، إلى أن انتهى إلى قولي: لا سقاهم على ما كان من عطش ... إلا ببعض ندى كف ابن عبّاد فقال: لأي شيء بخلت عليهم أن يسقوا بكفه فقلت: إذن كان يلحقني من النقد ما لحق ذا الرمة في قوله: ولا زال منهلاًّ بجرعائك القطر (١) ... وكان طوفان نوح أهون عليهم من ذلك، فتألقت غرته، وبدت مسرته، وقال: إنا لله على أن لم يعنا الزمان على مكافأة مثلك. قال: وكنت ممن زاره بسجنه بأغمات، وحملتني شدة الحمية له والامتعاض لما حل به أن كتبت على حائط سجنه متمثلاً: فإن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل ثم تفقدت الكتابة بعد أيام، فوجدت تحت البيت: لذلك سجناه (٢) :

стр. 1981

ومن يجعل الضرغام في الصيد بازه ... تصيّده الضرغام فيما تصيدا فما أدرى من جاوب بذلك، ثم عدت له ووجدته قد محي، وأعلمت بذلك ابن عباد، فقال: صدق المجاوب، وأنا الجاني على نفسه، والحافر بيده لرمسه، ولما أردت وداعه أمر لي بإحسان على قدر ما استطاع، فارتجلت: آليت لا أقبل إحسانكم ... والدّهر فيما قد عراكم مسي ففي الذي أسلفتم غنيةٌ ... وإن يكن عندكم قد نسي قال: وفيه أقول من قصيدة: يا طالب الإنصاف من دهره ... طلبت أمراً غير معتاد فلو يكون العدل في طبعه ... لما عدا ملك ابن عبّاد وللحجاري المذكور كتاب في البديع سماه " الحديقة " وأنشد لنفسه فيه (١) : وشادنٍ ينصف من نفسه ... أمنّني من سطوة الدهر ينام للشرب على جنبه ... ويصرف الذنب إلى الخمر وله في فرس: ومستبقٍ يّحار الطّرف فيه ... ويسلم في الكفاح من الجماح كأنّ أديمه ليلٌ بهيمٌ ... تحجّل باليسير من الصباح إذا احتدم التسابق صار جرماً ... تقلّب بين أجنحة الرياح ٤١٨ - وكتب أبو العلاء إدريس بن أزرق إلى ابن رشيق ملك مرسية، وقد طالت إقامته عند ابن عبد العزيز (٢) :

стр. 1982

ألا ليت شعري هل أعود إلى الذي ... عهدت من النّعمى لديكم بلا جهد فوالله مذ فارقتكم ما تخلّصت ... من الدهر عندي ساعةٌ دون ما كدّ فمنّوا بإذنٍ كي أطير إليكم ... فلا عار في شوقٍ إلى المال والمجد ووقف بعض أعدائه على هذه الأبيات، فوشى بها إلى ابن عبد العزيز قاصداً ضرره، وكان ذلك في محفل ليكون أبلغ، فقال: والله لقد ذكرتني أمره، ولقد أحسن الدلالة على حاله، فإن الرجل كريم، وعلينا موضع اللوم، لا عليه، ووالله لأوسعنه مالاً ووجداً بقدر وسعي، ثم أخذ في الإحسان إليه حتى برّ يمينه، رحمه الله تعالى: هكذا هكذا تكون المعالي ... طرق الجدّ غير طرق المزاح ٤١٩ - ولنذكر جملة من بني مروان بالأندلس فنقول: ١ - قال محمد بن هشام المرواني صاحب كتاب " أخبار الشعراء " (١) : وروضةٍ من رياض الحزن حالفها ... طلٌّ أطلت به في أفقها الحلل كأنما الورد فيما بينها ملكٌ ... موفٍ ونوّارها من حوله خول وكان في مدة الناصر، وأدخل عليه يوماً ليذاكره، فاستحسنه، وأمره بالتزام بينه ليؤدبهم بحسن أدبه، ويتخلقوا بخلقه، فاستعفى من ذلك، وقال: إن الفتيان لا يتعلمون إلا بشدة الضبط والقيد والإغلاظ، وأنا أكره أن أعامل بذلك أولاد الخليفة فيكرهوني، وقد يحقد لي بعضهم ذلك إلى أن يقدر على النفع والضرر. قالوا: وكان يتعشق المستنصر بالله ولي عهد الناصر وهو غلام، وله فيه:

стр. 1983

متّع بوجهك جفني ... يا كوكباً فوق غصن يا من تحجّب حتّى ... عن كلّ فكرٍ وأذن وخامر الخوف فيه ... فما يجول بذهن فليس للطّرف والقل ... ب غير دمعٍ وحزن فإنّني ذو ذنوبٍ ... وأنت جنّة عدن ٢ - وقال أخوه أحمد بن هشام: قطعت اللّيالي بارتجاء وصالكم ... وما نلت منكم غير متّصل الهجر وما كنت أدري ما التصبر قبلكم ... فعّلمتموني كيف أقوى على الصبر وما كنت ممّن يعلق الصبر فكرة ... ولكن خشيت الصبر يذهب بالعمر ومن حكاياتهم في علو الهمة: أنه كان سبب قراءته واجتهاده أنّه حضر مجلساً فيه القائد أحمد بن أبي عبدة، وهو غلام، فاستخبره القائد، فرآه بعيداً من الأدب والظرّف، ورأى له ذهناً قابلاً للصلاح، فقال: أيّ سيف لو كانت عليه حلية! فقامت من هذه الكلمة قيامته، وثابت له همة ملوكية عطف بها على الأدب والتعلم، إلى أن صار ابن أبي عبدة عنده كما كان هو عند ابن أبي عبدة أولاً، فحضر بعد ذلك معه، وجالا في مضمار الأدب، فرأى ابن أبي عبدة جواداً لا يشق غباره، فقال: ما هذا أين هذا مما كان فقال: عن كلمتك عملت في فكري ما أوجب هذا، فقال: والله إن هذه حلية تليق بهذا السيف، فجزاك الله عن همتك خيراً. ثم قال له: سر، إن لي عليك حقاً إذ بعثتك على التأديب والتميز، فإذا حضرنا في جماعة فلا تتطاول على تقصيري، وحافظ على أن لا أسقط من العيون بإرباء غيري علي، فقال: لك ذلك وزيادة. ٣ - وكان المنذر ابن الأمير عبد الرحمن الأوسط سيء الخلق في أول

стр. 1984

أمره، كثير الإصغاء إلى أقوال الوشاة، مفرط القلق مما يقال في جانبه، معاقباً على ذلك لمن يقدر على معاقبته، مكثر التشكي ممن لا يقدر عليه لوالده الأمير عبد الرحمن، فطال ذلك على الأمير، فقال لوكيل خاص به عارف بالقيام بما يكلفه به: الموضع الفلاني الذي بالجبل الفلاني المنقطع عن العمران تبني فيه الآن بناء أسكن فيه ابني المنذر، وأوصاه بالاجتهاد فيه، ففرغ منه، وعاد إليه، فقال له: تعلم المنذر أني أمرته بالانفراد فيه، ولاتترك أحداً من أصحابه ولا أصحاب غيره يزوره، ولا يتكلم معه البتة، فإذا ضجر من ذلك وسألك عنه فقل له: هكذا أمر أبوك، فتولى الثقة ذلك على ما أمر به، ولما حصل المنذر في ذلك المكان وبقي وحده، وفقد خوله ومن كان يستريح إليه (١) ، ونظر إلى ماسلبه من الملك ضجر، فقال للثقة: عسى أن يصلني غلماني وأصحابي أتأنس بهم، فقال له الثقة: إن الأمير أمر أن لا يصلك أحد، وأن تبقى وحدك لتستريح مما يرفع لك أصحابك من الوشاية، فعلم أن الأمير قصد محنته بذلك وتأديبه، فاستدعى دواة وكتب إلى أبيه: إني قد توحشت في هذا الموضع توحشاً ما عليه من مزيد، وعدمت فيه من كنت آنس إليه، وأصبحت مسلوب العز فقيد الأمر والنهي، فإن كان ذلك عقاباً لذنبٍ كبير ارتكبته وعلمه مولاي ولم أعلمه فإني صابر على تأديبه، ضارع إليه في عفوه وصفحه: وإنّ أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر، لا عارٌ بما فعل الدهر فلما وقف الأمير على رقعته، وعلم أن الأدب بلغ به حقه، استدعاه فقال له: وصلت رقعتك تشكو ما أصابك من توحش الانفراد في ذلك الموضع، وترغب أن تأنس بخولك وعبيدك وأصحابك، وإن كان لك ذنب يترتب عليه

стр. 1985

أن تطول سكناك في ذلك المكان، ومافعلت ذلك عقاباً لك، وإنما رأيناك تكثر الضجر والتشكي من القال والقيل، فأردنا راحتك بأن نحجب عنك سماع كلام من يرفع لك وينم، حتى تستريح منهم، فقال له: سماع ما كنت أضجر منه أخف علي من التوحد والتوحش والتخلي مماأنا فيه من الرفاهية والأمر والنهي، فقال له: فإذ قد عرفت وتأدبت فارجع إلى ما اعتدته، وعول على أن تسمع كأنك لم تسمع، وترى كأنك لم تر، وقد قال النبي ﷺ " لو تكاشفتم ما تدافنتم "، واعلم أنك أقرب الناس إلي وأحبهم في، وبعد هذا فما يخلو صدرك في وقت من الأوقات عن إنكار علي، وسخط لما أفعله في جانبك أو جانب غيرك، ما لو أطلعني الله تعالى عليه لساءني، لكن الحمد لله الذي حفظ ما بين القلوب بستر بعضها عن بعض فيما يجول فيها، وإنك لذو همة ومطمح، ومن يكن هكذا يصبر ويغض ويحمل، ويبدل العقاب بالثواب، ويصير الأعداء من قبيل الأصحاب، ويصبر من الشخص على ما يسوء، فقد يرى منه بعد ذلك ما يسر، ولقد يخف علي اليوم من قاسيت من فعله وقوله، ولو (١) قطعتهم عضواً عضواً لما ارتكبوه مني ما شفيت فيهم غيظي، ولكن رأيت الإغضاء والاحتمال، لا سيما عند الاقتدار، أولى، ونظرت إلى جميع من حولي ممن يحسن ويسيء فوجدت القلوب متقاربة بعضها من بعض، ونظرت إلى المسيء يعود محسناً، والمحسن يعود مسيئاً، وصرت أندم على من سبق له مني عقاب، ولا أندم على من سبق له مني ثواب، فالزم يا بني معالي الأمور، وإن جماعها في التغاضي، ومن لا يتغاضى لا يسلم له صاحب، ولا يقرب منه جانب، ولا ينال ما تترقى إليه همته، ولا يظفر بأمله، ولا يجد معيناً حين يحتاج إليه، فقبل المنذر يده وانصرف، ولم يزل يأخذ نفسه بما أوصاه والده حتى تخلق بالخلق الجميل، وبلغ ما أوصاه

стр. 1986

به أبوه، ورفع قدره. ومن شعره في ابن عم له: ومولىً أبى إلاّ أذاي وإنّني ... لأحلم عنه وهو بالجهل يقصد توددته فازداد بعداً وبغضةً ... وهل نافعٌ عند الحسود التودد وقوله: خالف عدوك فيما ... أتاك فيه لينصح فإنما ينبغي أن ... تنام عنه فتربح ومن كرم نفسه أن أحد (١) التجار أهدى له جارية بارعة الحسن، واسمها طرب، ولها صنعة في الغناء حسنة، فعندما وقع بصره على حسنها ثم أذنه على غنائها أخذت بمجامع قلبه، فقال لأحد خدامه: ماترى أن ندفع لهذا التاجر عوضاً عن هذه الجارية التي وقعت منا أحسن موقع فقال: تقدر ما تساوي من الثمن وتدفع له بقدرها، فقومت بخمسمائة دينار، فقال المنذر للخديم: ما عندك فيما ندفع له فقال: الخمسمائة، فقال: إن هذا للؤم، رجل أهدى لنا جارية، فوقعت منا موقع استحسان، نقابله بثمنها، ولو أنه باعها من يهودي لوجد عنده هذا، فقال له: إن هؤلاء التجار لؤماء بخلاء، وأقل القليل يقنعهم، فقال: وإنا كرماء سمحاء، فلا يقنعنا القليل لمن نجود عليه، فادفع له ألف دينارٍ، واشكره على كونه خصنا بها، وأعلمه بأنها وقعت منا موقع رضى. وفيها يقول:

стр. 1987

ليس يفيد السرور والطرب ... إن لم تقابل لواحظي طرب أبهت في الكأس لست أشربها ... والفكر بين الضلوع يلتهب يعجب مني معاشرٌ جهلوا ... ولو رأوا حسنها لما عجبوا وقال له أبوه يوماً: إن فيك لتيهاً مفرطاً، فقال له: حق لفرعٍ أنت أصله أن يعلو، فقال له: يابني إن العيون تمج التائه، والقلوب تنحرف عنه، فقال: ياأبي لي من العز والنسب وعلو المكان والسلطان ما يجمل من ذلك، وإني لم أر العيون إلا مقبلة علي، ولا الأسماع إلا مصغية إلي، وإن لهذا السلطان رونقاً يرنقه (١) التبذل، وعلواً يخفضه الانبساط، ولا يصونه ويشرفه إلا التيه والانقباض، وإن هؤلاء الأنذال لهم ميزان يسبرون به الرجل منا، فإن رأوه راجحاً عرفوا له قدر رجاحته، وإن رأوه ناقصاً عاملوه بنقصه، وصيروا تواضعه صغراً، وتخضعه (٢) خسةً، فقال له أبوه: لله أنت فابق وما رأيت. ٤ - وكان له أخ أديب أيضاً اسمه المطرف بن عبد الرحمن الأوسط، ومن شعره: أفنيت عمري في الشّر ... ب والوجوه الملاح ولم أضيّع أصيلاً ... ولا اطلاع صباح أحيي الليالي سهداً ... في نشوةٍ ومراح ولست أسمع ماذا ... يقول داعي الفلاح والعياذ بالله من هذا الكلام، وحاكي الكفر ليس بكافر. وعتبه أحد إخوانه على هذا القول فقال: إني قلته وأنا لا أعقل، ولم أعلم أنه يحفظ عني، وأنا أستغفر الله تعالى منه، والذي يغفر الفعل أكرم من

стр. 1988

أن يعاقب على القول. ومن جيد شعره قوله: يا أخي فرّقت صروف الليالي ... بيننا غير زورة الأحلام فغدونا بعد ائتلافٍ وقربٍ ... نتناجى بألسن الأقلام ٥ - وقال أخوهما الثالث هشام بن عبد الرحمن فيمن اسمه ريحان: أحبك يا ريحان ما عشت دائماً ... ولو لامني في حبك الإنس والجان ولولاك لم أهو الظّلام وسهده ... ولا حبّبت لي في ذرا الدار غربان وما أعشق الريحان إلاّ لأنّه ... شريكك في اسمٍ فيه قلبي هيمان على أنّه لم يكمل الظرف مجلسٌ ... إذا لم يكن فيه مع الراح ريحان وله فيه: إذا أنا مازحت الحبيب فإنّما ... قصدت شفاء الهمّ في ذلك المزح فما العيش إلاّ أن أراه مضاحكاً ... كما ضحك الليل البهيم عن الصبح ٦ - وقال أخوهم الرابع يعقوب بن عبد الرحمن (١) : إذا أنا لم أجد يوماً وقومي ... لهم في الجود آثار عظام فمن يرجى لتشييد المعالي ... إذا قعدت عن الخير الكرام ومدحه بعض الشعراء، فأمر له بمال جزيل، فلما كان مثل ذلك الوقت جاءه بمدح آخر، فقال أحد خدام يعقوب: هذا اللئيم له دين عندنا جاء يقتضيه فقال الأمير: يا هذا، إن كان الله تعالى خلقك مجبولاً على كره رب الصنائع

стр. 1989

فاجر على ما جبلت عليه نفسك، ولا تكن كالأجرب يعدي غيره، وإن هذا الرجل قصدنا قبل، فكان منا له ما أنس به وحمله على العودة، وقد ظن فينا خيراً، فلا نخيب ظنه، والحديث أبداً يحفظ القديم، وقد جاءنا على جهة التهنئة بالعمر، ونحن نسأل الله تعالى أن يطيل عمرنا حتى يكثر ترداده، ويديم نعمنا حتى نجد ماننعم به عليه، ويحفظ علينا مروءتنا حتى يعيننا على التجمل معه، ولا يبلينا بجليس مثلك يقبض أيدينا عن إسداء الأيادي، وأمر للشاعر بما كان أمر له به قبل، وأوصاه بالعود عند حلول لك الأوان ما دام العمر. ٧ - وقال أخوهم الخامس الأمير محمد ابن الأمير عبد الرحمن (١) لأخيهم السادس أبان وقد خلا معه على راحة: هل لك أمل نبلغك إياه فقال: لم يبق لي أملٌ إلاّ أن يديم الله تعالى عمرك ويخلد ملكك، فأعجب ذلك الأمير، وقال: ما مالت إليك نفسي من باطل، وكان واحد منهما يهيم بالآخر، وفي ذلك يقول أبان: يا من يلوم ولا يدري بمن أنا مف ... تونٌ لو ابصرته ما كنت تلحاني من مازجت روحه روحي وشاطرني ... يا حسنه حين أهواه ويهواني وكان للأمير محمد ابن الأمير عبد الرحمن ثلاثة أولاد نجباء: القاسم، والمطرف، ومسلمة، ولهم أخ رابع اسمه عثمان. ٨ - فمن نظم القاسم (٢) في عثمان أخيه، وقد زاره فاستسقاه ماء، فأبطأ عليه غلامه لعلة لم يقبلها القاسم: الماء في دار عثمان له ثمن ... والخبز شيء له شأن من الشّان (٣)

стр. 1990

فاسلح على كلّ عثمان مررت به ... غير الخليفة عثمان بن عفان وله: شغلت بالكيمياء دهري ... فلم أفد غير كلّ خسر إتعاب فكرٍ، خداع عقلٍ ... فساد مالٍ، ضياع عمر ٩ - وقال شقيقه المطرف (١) ، ويعرف بابن غزلان، وهي أمه، وكانت مغنية بديعة محسنة عوادة أديبة: هل أتّكي مشرفاً على نهرٍ ... أرمي بطرفي إليه من قصري عند أخٍ لو دهته حادثةٌ ... أعطيته ما أحبّ من عمري ١٠ - وقال أخوهما مسلمة (٢) : إنّ شيباً وصبوةً لمحال ... أولم يأن أن يكون زوال فدع النفس عن مزاحٍ ولهوٍ ... تلك حالٌ مضت وجاءتك حال وكان يقول: إني لا أفارق إلا من اختار مفارقتي، ومن خادعني انخدعت له، وأريته أني غير فطن بخداعه، ليعجبه أمره، وأدخل عليه مسرة بنفسه ورأيه. ١١ - وقال محمد ابن الأمير منذر ابن الأمير محمد في جاريته الأراكة: قل للأراكة قد زا ... د بالدنوّ اشتياقي

стр. 1991

وهاج ما بي إليها ... تمثّلي للعناق وإنّني وبقلبي ... جمرٌ جرى في المآقي طويت ما بي ليومٍ ... يكون فيه التلاقي فإن أعد لاجتماعٍ ... حرّمت يوم افتراق لا يعرف الشوق إلاّ ... من ذاق طعم الفراق ١٢ - وقال عبد الله بن الناصر (١) ، وقد أهدى له سعيد بن فرج ياسميناً أبيض وأصفر، وكتب معه (٢) : مولاي قد أرسلت نحوك تحفةً ... بمراد ما أبغيه منك تذكّر من ياسمين كاللّجين تبرجت ... بيضاً وصفراً والسماح يعبّر فأجابه بما نصه: أتاك تفسيري ولمّا يحل ... عني على أضغاث أحلام فاجعله رسماً دائماً زائراً (٣) ... منك ومنّي غرّة العام وبعث إليه بهذين البيتين مع ملء الطبق من دنانير ودراهم، فقال ابن فرج: قد سمعنا بجود كعبٍ وحاتم ... ما سمعنا جوداً مدى العمر لازم فدعائي بأن تدوم دعاءٌ ... لي لا زال طول ما عشت دائم ما سمعنا كمثل هذا اختراعاً ... هكذا هكذا تكون المكارم وتشبه هذه الحكاية حكاية اتفقت لبعض ملوك إفريقية، وذلك أن رجلاً

стр. 1992

أهدى له في قادوس ورداً أحمر وأبيض، فأمر أن يملأ له دراهم، فقالت له جارية من جواريه: إن رأى الأمير أن يلون ما أعطاه، حتى يوافق ما أهداه، فاستحسن ذلك الأمير، وامر أن يملأ دنانير ودراهم. وكان المرواني المذكور يساير أحد الفقهاء الظرفاء، فمرا بجميل، فمال عبد الله بطرفه على وجهه، وظهر ذلك لمسايره، فتبسم، ففهم عبد الله عنه، فقال: إن هذه الوجوه الحسان خلابة، ولكنا لا نتغلغل في نظرها، ولا ندعي العفة عنها بالجملة، وفيها اعتبار وتذكار بالحور العين التي وعد الله تعالى، فقال له الفقيه: احتج لروحك بما شئت. فقال: أوما هي حجة تقبل فقال الفقيه: يقبلها من رق طبعه، وكاد يضيق عن الصبر وسعه، فقال: وأراك شريكاً لي، فقال: ولولا ذلك للمتك، فأطرق عبد الله ساعة ثم أنشد: أفدي الذي مرّ بي فمال له ... لحظي ولكن ثنيه غضبا ما ذاك إلا مخاف منتقدٍ ... فالله يعفو ويغفر الذنبا فقال له الفقيه: إن كنت ثنيت لحظك خوف انتقادي فإني أدعوه إليك حتى تملأ منه، ولا تنسب إلي ما نسبت، فتبسم عبد الله وقال: ولا هذا كله، وقال له: إن مثلك في الفقهاء لمعدوم، فقال له: ما كنت إلا أديباً، ولكني لما رأيت سوق الفقه بقرطبة نافقة اشتغلت به، فقال له: ومن عقل المرء أن لايفني عمره فيما لا ينفقه عصره. وكان (١) عبد الله المذكور يسمى الزاهد، فبايع قوماً على قتل والده الناصر وأخيه الحكم المستنصر ولي العهد، فأخذ يوم عيد الأضحى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فذبح بين يديه، رحمه الله تعالى. ١٣ - وقال أخوه أبو الأصبغ عبد العزيز بن الناصر (٢) ، وقد دخل ابن له

стр. 1993

الكتاب، فكتب أول لوح، فبعثه إلى أخيه الحكم المستنصر ملك الأندلس، ومعه: هاك يا مولاي خطّا ... مطّه في اللوح مطّا ابن سبعٍ في سنيه ... لم يطق للوح ضبطا دمت يا مولاي حتى ... يلد ابن ابنك سبطا وله: زارني من همت فيه سحراً ... يتهادى كنسيم السّحر أقبس الصبح ضياء ساطعاً ... فأضا والفجر لم ينفجر واستعار الروض منه نفحةً ... بثّها بين الصّبا والزهر أيّها الطّالع بدراً نّيراً ... لا حللت الدهر إلاّ بصري وكان مغرىً مغرماً بالخمر والغناء، فقطع الخمر، فبلغه أن المستنصر لما بلغه تركه الخمر قال: الحمد لله الذي أغنانا عن مفاتحته، ودله على ما نريد منه، ثم قال: لو ترك الغناء لكمل خيره، فقال: والله لا تركته حتى تترك الطيور تغريدها، ثم قال (١) : أنا في صحّة وجاه ونعمى ... هي تدعو لهذه الألحان وكذا الطير في الحدائق تشدو ... للذي سرّ نفسه بالقيان ١٤ - وقال أخوه محمد بن الناصر (٢) لما قدم أخوهما المستنصر من غزوة: قدمت بحمد الله أسعد مقدم ... وضدّك أضحى لليدين وللفم

стр. 1994

لقد حزنت فيها السبق إذ كنت أهله ... كما حاز " بسم الله " فضل التقدّم ١٥ - وأما أخوهما محمد بن عبد الملك بن الناصر (١) فقال الحجاري فيه: إنه لم يكن في ولد الناصر ممن لم يل الملك أشعر منه ومن ابن أخيه، وكتب إلى العزيز صاحب مصر (٢) : ألسنا بني مروان كيف تبدّلت ... بنا الحال أو دارت علينا الدوائر إذا ولد المولود منّا تهلّلت ... له الأرض واهتزت إليه المنابر وكان جواب العزيز له: أما بعد فإنك علمتنا فهجوتنا، ولو علمناك لهجوناك. وله في الصنوبر: إن الصنوبر حصنٌ ... لديه حرزٌ وباس خفّت من أجل إرها ... ب من عداه تراس كأنّما هو ضدٌّ ... لما حواه الرئاس وبعض سيوف الأندلس محفور صدر الرئاس على صورة قشور الصنوبر إلاّ أن تلك ناتئة وهذه محفورة، وقال (٣) : أتاني وقد خطّ العذار بخدّه ... كما خطّ في ظهر الصفيحة عنوان تزاحمت الألحاظ في وجناته ... فشقت عليه للشقائق أردان وزدت غراماً حين لاح كأنّما ... تفتّح بين الورد والآس سوسان (٤)

стр. 1995

وقال: لئن كنت خلاّع العذار بشادنٍ ... وكأسٍ فإنّي غير نزر المواهب وإنّي لطعّانٌ إذا اشتجر القنا ... ومقحم طرفي في صدور الكتائب وإنّي إذا لم ترض نفسي بمنزلٍ ... وجاش بصدري الفكر جمّ المذاهب جليدٌ يودّ (١) الصخر لو أنّ صبره ... كصبري على ما نابني للنّوائب وأسري إلى أن يحسب الليل أنّني ... لطول مسيري فيه بعض الكواكب ١٦ - وأما ابن أخيه مروان بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن الناصر (٢) فكان في بني أمية شبه عبد الله بن المعتز في بني العباس، بملاحة شعره وحسن تشبيهه. ومن شعره القصيدة المشهورة (٣) : غصنٌ يهتزّ في دعص نقا ... يجتني منه فؤادي حرقا سال لام الصدغ في صفحته ... سيلان التّبر وافى الورقا فتناهى الحسن فيه إنّما ... يحسن الغصن إذا ما أورقا ومنها: أصبحت شمساً وفوه مغرباً ... ويد الساقي المحيّي مشرقا فإذا ما غربت في فمه ... تركت في الخدّ منه شفقا

стр. 1996

ومنها: وكأن الورد يعلوه النّدى ... وجنة المحبوب تندى عرقا قالوا: وهذا النمط قد فاق به أهل عصره، ويظن أنّه لا يوجد لأحد منهم أحلى وأكثر أخذاً بمجامع القلوب من قوله: ودّعت من أهوى أصيلاً، ليتني ... ذقت الحمام ولا أذوق نواه فوجدت حتى الشمس تشكو وجده ... والورق تندب شجواها بهواه وعلى الأصائل رقّةٌ من بعده ... فكأنها تلقى الذي ألقاه وغدا النسيم مبلّغاً ما بيننا ... فلذاك رقّ هوىً وطاب شذاه ما الروض قد مزجت به أنداؤه ... سحراً بأطيب من شذا ذكراه والزهر مبسمه ونكهته الصّبا ... والورد أخضله النّدى خدّاه فلذاك أولع بالرّياض لأنّها ... أبداً تذكّرني بمن أهواه ولله قوله: وعشيٍّ كأنّه صبح عيدٍ ... جامعٍ بين بهجةٍ وشحوب هبّ فيه النسيم مثل محبٍّ ... مستعيراً شمائل المحبوب ظلت فيه ما بين شمسين هذي ... في طلوعٍ وهذه في غروب وتدلّت شمس الأصيل ولكن ... شمسنا لم تزل بأعلى الجيوب ربّ هذا خلقته من بديعٍ ... من رأى الشمس أطلعت في قضيب أي وقتٍ قد أسعف الدهر فيه ... وأجابت به المنى عن قريب قد قطعناه نشوةً ووصالاً ... وملأناه من كبار الذنوب حين وجه السعود بالبشر طلقٌ ... ليس فيه أمارةٌ للقطوب ضيّع الله من يضيّع وقتاً ... قد خلا من مكدّرٍ ورقيب

стр. 1997

وبات عند أحد رؤساء بني مروان، فقدّم إليه ذلك الرئيس قدحاً من فضة فيه راح أصفر، وقال: اشرب وصف فداك ابن عمك، فقام إجلالاً وشرب صائحاً بسروره، ثم قال: الدواة والقرطاس، فأحضرا، فكتب: اشرب هنيئاً لا عداك الطرب ... شرب كريم في العلا منتخب وافاك بالراح وقد ألبست ... برد أصيلٍ (١) معلماً بالحبب في قدحٍ لم يك يسقى به ... غير أولي المجد وأهل الحسب ما جار إذ سقّاك من كفّه ... في جامد الفضة ذوب الذهب فقم على رأسك براً به ... واشرب على ذكراه طول الحقب (٢) ويحكى أنه لما قتل أباه وقد وجده مع جارية له كان يهواها سجنه المنصور ابن أبي عامر مدة، إلى أن رأى في منامه النبي، ﷺ ، يأمره بإطلاقه فأطلقه، فمن أجل ذلك عرف بالطليق. ١٧ - وقال أحمد ابن سليمان بن أحمد بن [عبد الرحمن بن] عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر في ابن حزم لما عاداه علماء عصره (٣) : لما تحلّى بخلقٍ ... كالمسك أو نشر عود نجل الكرام ابن حزمٍ ... وقام في العلم عودي فتواه جدّد ديني ... جدواه أورق عودي وله في أبي عامر ابن المظفر بن عامر من قصيدة يمدحه بها: بأبي عامرٍ وصلت حبالي ... فزماني به زمانٌ سعيد

стр. 1998

فمتى زدت فيه وداً وشكراً ... فنداه وقد تناهى يزيد كيف لي وصفه وفي كلّ يومٍ ... منه في المكرمات معنى جديد ١٨ - وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن الناصر يرثي أبا مروان ابن سراج (١) : وكم من حديث للنبي أبانه ... وألبسه من حسن منطقه وشيا وكم مصعب للنحو قد راض صعبه ... فعاد ذلولاً بعدما كان قد أعيا ١٩ - وقال عبيد الله بن محمد المهدي، وهو من حسنات بني مروان، ويعرف بالأقرع: أقول لآمالي ستبلغ إن بدا ... محيّا ابن عطّافٍ ونعم المؤمل فقالت دعاني كلّ يومٍ تعلّلٌ ... فقلت لها: إن لاح يفنى التعلل لئن كان مني كلّ حينٍ ترحّلٌ ... فإني إن أحلل به لست أرحل فتىً ترد الآمال في بحر جوده ... وليس على نعمى سواه المعوّل وقال هذه في الوزير ابن عطاف، فضن عليه حتى برجع الجواب، فكتب إليه بقصيدة منها: أيّها الممكن من قدرته ... لا يراك الله إلاّ محسنا إنّما المرء بما قدّمه ... فتخيّر بين ذمٍّ وثنا لا تكن بالدهر غرّاً وإذا ... كنت فانظر فعله في ملكنا كل ما خوّلت منه ذاهبٌ ... والذي تصحب منه الكفنا مدّ كفّاً نحو كفٍّ طالما ... أمطرت فيه السحاب الهتّنا أو أرحني بجوابٍ مؤيسٍ ... فمطال البرّ من شرّ العنا

стр. 1999

فلم يعطه شيئاً، وكان له كاتب فتحيل في خمسين درهماً فأعطاها له، فلما سمع الوزير بذلك طرده، وقال له: من أنت حتى تحمل نفسك هذا وتعطيه قال: فوالله ما لبث إلا قليلاً حتى مات الوزير، وتزوج الكاتب بزوجته، وسكن في داره، وتخول في نعمته، فحملني ذلك على أن كتبت بالفحم في حائط داره: أيا دار قولي أين ساكنك الذي ... أبى لؤمه أن يترك الشكر خالدا تسمّى وزيراً والوزارة سبّةٌ ... لمن قد أبى أن يستفيد المحامدا وولّى ولكن ليس يبرح ذمّه ... فها هو قد أرضى عدوّاً وناقدا وأضحى وكيلٌ كان يأنف فعله ... نزيلك في الحوض الممنّع واردا جزاءً بإحسانٍ لذا وإساءةٍ ... لذاك، وساعٍ ورّث الحمد قاعدا والمثل السائر في هذا " ربّ ساعٍ لقاعد ". ٢٠ - وقال سليمان بن المرتضى بن محمد بن عبد الملك بن الناصر، وكان في غاية الجمال، ويلقب بالغزال: قدم الربيع عليك بعد مغيب ... فتلقّه بسلافةٍ وحبيب فصلٌ جديدٌ فلتجدّد حالةً ... يأتي الزمان بها على المرغوب الجوّ طلقٌ فالقه بطلاقةٍ ... وإذا تقطّب فالقه بقطوب لله أيامٌ ظفرت بها ومن ... أهواه منقادٌ بغير رقيب وله: لي في كفالات الرماح لو أنها ... وفّت ضمانٌ يبلغ الآمالا وكّلت دهري في اقتضاء ضمانها ... ضناً به أن لا يحول فحالا وكان مولعاً بالفكاهة والنادر، محباً في الظرفاء، وكان يلتزم خدمته المضحك

стр. 2000

المشهور بالزرافة، ويحضر معه، ولعبوا في مجلس سليمان لعبة أفضوا فيها إلى أن تقسموا اثنين اثنين، كل شخص ورفيقه، فقال سليمان: ومن يكون رفيقي: فقال له المضحك: يا مولاي، وهل يكون رفيق الغزال إلا الزرافة فضحك منه على عادته. ودخل عليه وهو قاعد في رحبة قصره، وقد أطل عذاره، فقال له: ما تطلب الزرافة فقال: ترعى الحشيش، وأشار إلى عذاره، فقال له: اعزب لعنك الله! ومر سليمان به يوماً وهو سكران، وقد أوقف ذكره وجعل يقول له: ماذا رأيت في القيام في هذا الزمان أما رأيت كل ملك قام كيف خلع وقتل والله إنك سيء الرأي، فقال له سليمان: وبم لقبت هذا الثائر فقال: يا مولاي بصفته القائم، فقال: ويحتاج إلى خاتم فقال: نعم ويكون خاتم سليمان، فقال له: أخزاك الله، إن الكلام معك لفضيحة. ٢١ - وقال سعيد بن محمد المرواني (١) ، وقد هجره المنصور بن أبي عامر مدة لكلام بلغه عنه، فدخل المجلس غاصٌ، وأنشد: مولاي مولاي أما آن أن ... تريحني بالله من هجركا وكيف بالهجر وأنى به ... ولم أزل أسبح في بحركا فضحك ابن أبي عامر (٢) على ما كان يظهره من الوقار، وقام وعانقه وعفا عنه، وخلع عليه. وله: والبدر في جوّ السماء قد انطوى ... طرفاه حتى عاد مثل الزورق
следующие страницы →