← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

ومنها: وكأن الورد يعلوه النّدى ... وجنة المحبوب تندى عرقا قالوا: وهذا النمط قد فاق به أهل عصره، ويظن أنّه لا يوجد لأحد منهم أحلى وأكثر أخذاً بمجامع القلوب من قوله: ودّعت من أهوى أصيلاً، ليتني ... ذقت الحمام ولا أذوق نواه فوجدت حتى الشمس تشكو وجده ... والورق تندب شجواها بهواه وعلى الأصائل رقّةٌ من بعده ... فكأنها تلقى الذي ألقاه وغدا النسيم مبلّغاً ما بيننا ... فلذاك رقّ هوىً وطاب شذاه ما الروض قد مزجت به أنداؤه ... سحراً بأطيب من شذا ذكراه والزهر مبسمه ونكهته الصّبا ... والورد أخضله النّدى خدّاه فلذاك أولع بالرّياض لأنّها ... أبداً تذكّرني بمن أهواه ولله قوله: وعشيٍّ كأنّه صبح عيدٍ ... جامعٍ بين بهجةٍ وشحوب هبّ فيه النسيم مثل محبٍّ ... مستعيراً شمائل المحبوب ظلت فيه ما بين شمسين هذي ... في طلوعٍ وهذه في غروب وتدلّت شمس الأصيل ولكن ... شمسنا لم تزل بأعلى الجيوب ربّ هذا خلقته من بديعٍ ... من رأى الشمس أطلعت في قضيب أي وقتٍ قد أسعف الدهر فيه ... وأجابت به المنى عن قريب قد قطعناه نشوةً ووصالاً ... وملأناه من كبار الذنوب حين وجه السعود بالبشر طلقٌ ... ليس فيه أمارةٌ للقطوب ضيّع الله من يضيّع وقتاً ... قد خلا من مكدّرٍ ورقيب

стр. 1997

وبات عند أحد رؤساء بني مروان، فقدّم إليه ذلك الرئيس قدحاً من فضة فيه راح أصفر، وقال: اشرب وصف فداك ابن عمك، فقام إجلالاً وشرب صائحاً بسروره، ثم قال: الدواة والقرطاس، فأحضرا، فكتب: اشرب هنيئاً لا عداك الطرب ... شرب كريم في العلا منتخب وافاك بالراح وقد ألبست ... برد أصيلٍ (١) معلماً بالحبب في قدحٍ لم يك يسقى به ... غير أولي المجد وأهل الحسب ما جار إذ سقّاك من كفّه ... في جامد الفضة ذوب الذهب فقم على رأسك براً به ... واشرب على ذكراه طول الحقب (٢) ويحكى أنه لما قتل أباه وقد وجده مع جارية له كان يهواها سجنه المنصور ابن أبي عامر مدة، إلى أن رأى في منامه النبي، ﷺ ، يأمره بإطلاقه فأطلقه، فمن أجل ذلك عرف بالطليق. ١٧ - وقال أحمد ابن سليمان بن أحمد بن [عبد الرحمن بن] عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر في ابن حزم لما عاداه علماء عصره (٣) : لما تحلّى بخلقٍ ... كالمسك أو نشر عود نجل الكرام ابن حزمٍ ... وقام في العلم عودي فتواه جدّد ديني ... جدواه أورق عودي وله في أبي عامر ابن المظفر بن عامر من قصيدة يمدحه بها: بأبي عامرٍ وصلت حبالي ... فزماني به زمانٌ سعيد

стр. 1998

فمتى زدت فيه وداً وشكراً ... فنداه وقد تناهى يزيد كيف لي وصفه وفي كلّ يومٍ ... منه في المكرمات معنى جديد ١٨ - وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن الناصر يرثي أبا مروان ابن سراج (١) : وكم من حديث للنبي أبانه ... وألبسه من حسن منطقه وشيا وكم مصعب للنحو قد راض صعبه ... فعاد ذلولاً بعدما كان قد أعيا ١٩ - وقال عبيد الله بن محمد المهدي، وهو من حسنات بني مروان، ويعرف بالأقرع: أقول لآمالي ستبلغ إن بدا ... محيّا ابن عطّافٍ ونعم المؤمل فقالت دعاني كلّ يومٍ تعلّلٌ ... فقلت لها: إن لاح يفنى التعلل لئن كان مني كلّ حينٍ ترحّلٌ ... فإني إن أحلل به لست أرحل فتىً ترد الآمال في بحر جوده ... وليس على نعمى سواه المعوّل وقال هذه في الوزير ابن عطاف، فضن عليه حتى برجع الجواب، فكتب إليه بقصيدة منها: أيّها الممكن من قدرته ... لا يراك الله إلاّ محسنا إنّما المرء بما قدّمه ... فتخيّر بين ذمٍّ وثنا لا تكن بالدهر غرّاً وإذا ... كنت فانظر فعله في ملكنا كل ما خوّلت منه ذاهبٌ ... والذي تصحب منه الكفنا مدّ كفّاً نحو كفٍّ طالما ... أمطرت فيه السحاب الهتّنا أو أرحني بجوابٍ مؤيسٍ ... فمطال البرّ من شرّ العنا

стр. 1999

فلم يعطه شيئاً، وكان له كاتب فتحيل في خمسين درهماً فأعطاها له، فلما سمع الوزير بذلك طرده، وقال له: من أنت حتى تحمل نفسك هذا وتعطيه قال: فوالله ما لبث إلا قليلاً حتى مات الوزير، وتزوج الكاتب بزوجته، وسكن في داره، وتخول في نعمته، فحملني ذلك على أن كتبت بالفحم في حائط داره: أيا دار قولي أين ساكنك الذي ... أبى لؤمه أن يترك الشكر خالدا تسمّى وزيراً والوزارة سبّةٌ ... لمن قد أبى أن يستفيد المحامدا وولّى ولكن ليس يبرح ذمّه ... فها هو قد أرضى عدوّاً وناقدا وأضحى وكيلٌ كان يأنف فعله ... نزيلك في الحوض الممنّع واردا جزاءً بإحسانٍ لذا وإساءةٍ ... لذاك، وساعٍ ورّث الحمد قاعدا والمثل السائر في هذا " ربّ ساعٍ لقاعد ". ٢٠ - وقال سليمان بن المرتضى بن محمد بن عبد الملك بن الناصر، وكان في غاية الجمال، ويلقب بالغزال: قدم الربيع عليك بعد مغيب ... فتلقّه بسلافةٍ وحبيب فصلٌ جديدٌ فلتجدّد حالةً ... يأتي الزمان بها على المرغوب الجوّ طلقٌ فالقه بطلاقةٍ ... وإذا تقطّب فالقه بقطوب لله أيامٌ ظفرت بها ومن ... أهواه منقادٌ بغير رقيب وله: لي في كفالات الرماح لو أنها ... وفّت ضمانٌ يبلغ الآمالا وكّلت دهري في اقتضاء ضمانها ... ضناً به أن لا يحول فحالا وكان مولعاً بالفكاهة والنادر، محباً في الظرفاء، وكان يلتزم خدمته المضحك

стр. 2000

المشهور بالزرافة، ويحضر معه، ولعبوا في مجلس سليمان لعبة أفضوا فيها إلى أن تقسموا اثنين اثنين، كل شخص ورفيقه، فقال سليمان: ومن يكون رفيقي: فقال له المضحك: يا مولاي، وهل يكون رفيق الغزال إلا الزرافة فضحك منه على عادته. ودخل عليه وهو قاعد في رحبة قصره، وقد أطل عذاره، فقال له: ما تطلب الزرافة فقال: ترعى الحشيش، وأشار إلى عذاره، فقال له: اعزب لعنك الله! ومر سليمان به يوماً وهو سكران، وقد أوقف ذكره وجعل يقول له: ماذا رأيت في القيام في هذا الزمان أما رأيت كل ملك قام كيف خلع وقتل والله إنك سيء الرأي، فقال له سليمان: وبم لقبت هذا الثائر فقال: يا مولاي بصفته القائم، فقال: ويحتاج إلى خاتم فقال: نعم ويكون خاتم سليمان، فقال له: أخزاك الله، إن الكلام معك لفضيحة. ٢١ - وقال سعيد بن محمد المرواني (١) ، وقد هجره المنصور بن أبي عامر مدة لكلام بلغه عنه، فدخل المجلس غاصٌ، وأنشد: مولاي مولاي أما آن أن ... تريحني بالله من هجركا وكيف بالهجر وأنى به ... ولم أزل أسبح في بحركا فضحك ابن أبي عامر (٢) على ما كان يظهره من الوقار، وقام وعانقه وعفا عنه، وخلع عليه. وله: والبدر في جوّ السماء قد انطوى ... طرفاه حتى عاد مثل الزورق

стр. 2001

فتراه من تحت المحاق كأنّما ... غرق الكثير وبعضه لم يغرق وهو مأخوذ من قول ابن المعتز: وانظر إليه كزورقٍ من فضةٍ ... قد أثقلته حمولةٌ من عنبر ٢٢ - وقال قاسم بن محمد المرواني (١) يستعطف المنصور بن أبي عامر، وقد سجنه لقول صدر عنه: ناشدتك الله العظيم وحقّه ... في عبدك المتوسّل المتحرّم بوسائل المدح المعاد نشيدها ... في كلّ مجمع موكبٍ أو موسم لا تستبح مني حمىً أرعاكه ... يا من يرى في الله أحمى محتمي ٢٣ - وقال الأصم المرواني (٢) يمدح أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي بجبل الفتح معارضاً بائية أبي تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... بقصيدة طويلة منها: ما للعدا جنّةٌ أوقى من الهرب ... أين المفرّ وخيل الله في الطلب وأين يذهب من في رأس شاهقةٍ ... إذا رمته سماء الله بالشّهب ومنها: وطود طارق قد حلّ الإمام به ... كالطّور كان لموسى أيمن الرّتب لو يعرف الطّود ما غشّاه من كرمٍ ... لم يبسط النور فيه الكفّ للسّحب

стр. 2002

ولو تيقّن بأساً حلّ ذروته ... لصار كالعين من خوفٍ ومن رهب منه يعاود هذا الفتح ثانيةً ... أضعاف ما حدّثوا في سالف الحقب ويلبس الدين غضّاً ثوب عزّته ... كأنّ أيام بدرٍ عنه لم تغب وقال في نارنجة: وبنت أيكً دنا من لثمها قزحٌ ... فصار منه على أرجائها أثر يبدو لعينيك منها منظرٌ عجبٌ ... زبرجدٌ ونضارٌ صاغه المطر كأنّ موسى نبيّ الله أقبسه ... ناراً وجرّ عليها كفّه الخضر وقال (١) : وشادنٍ قلت له صف لنا ... بستاننا هذا ونارنجنا فقال لي بستانكم جنّةٌ ... ومن جنى النارنج ناراً جنى وقال في زلباني (٢) : لله سفّاحٌ بدا لي مسحراً ... فأفاد علم الكيميا بيمينه (٣) ذهّبت فضة خدّه بلواحظي ... وكذاك تفعل ناره بعجينه وقال، وقد نزل في فندق لا يليق بمثله: يا هذه لا تفنّديني ... أن صرت في منزلٍ هجين فليس قبح المحلّ ممّا ... يقدح في منصبي وديني فالشمس علويّةٌ ولكن ... تغرب في حمأةٍ وطين

стр. 2003

٢٤ - وقال أحمد المرواني: حلفت بمن رمى فأصاب قلبي ... وقلّبه على جمر الصدود لقد أودى تذكّره بجسمي ... ولست أشكّ أن النفس تودي فقيدٌ وهو موجودٌ بقلبي ... فواعجبا بموجودٍ فقيد ٢٥ - وقال الأصبغ القرشي يرثي ابن شهيد وهو من أصحابه: نأى من به كان السرور مواصلاً ... وأسلم قلبي للصّبابة والفكر ومنها: لعمرك ما يجدي النعيم إذا نأت ... وجوههم عني ولا فسحة العمر ٢٦ - وقال سليمان بن عبد الملك الأموي: وذي جدل أطال القول منه ... بلا معنى وقد خفي الصواب فقلت أجيبه فازداد رداً ... فقلت له قد ازدحم الجواب ولم أر غير صمتي من مريحٍ ... إذا ما لم يفد فيه الخطاب ٢٧ - وقال أبو يزيد ابن العاصي: عابه الحاسد الذي لام فيه ... أن أرى فوق خدّه جدريّا إنّما وجهه هلال تمامٍ ... جعلوا برقعاً عليه الثريا وله: إذا شئت أن يصفو صديقك فاطرح ... نزاع الذي يبديه في الهزل والجدّ وإن كنت من أخلاقه في جهنمٍ ... فأنزله من مثواك في جنّة الخلد إلى أن يتيح الله من لطف صنعه ... فراقاً جميلاً فاجعل العذر في البعد

стр. 2004

وليكن هذا آخر ما نورده من كلام بني مروان رحمهم الله تعالى. ولنرجع إلى أهل الأندلس جملة، فنقول: ٤٢٠ - أمر الحجاج المنصفي أن يكتب على قبره (١) : قالت لي النفس: أتاك الرّدى ... وأنت في بحر الخطايا مقيم هلا ادّخرت الزاد قلت: اقصري ... لا يحمل الزاد لدار الكريم وقد ذكرنا هذين البيتين في غير هذا الموضع (٢) . وقال ابن مرج الكحل (٣) : اجتمعنا في حانوت بعض الأطباء بإشبيلية، فأضجرناه بكثرة جلوسنا عنده، وتعذرت المنفعة عليه من أجلنا، فأنشدنا: خفّفوا عنّا قليلاً ... ربّ ضيقٍ في براح هل شكوتم من سقامٍ ... أو جلسنا للصحاح فأضفت إليهما ثالثاً، وأنشدته إياه على سبيل المداعبة: إن أتيتم ففرادى ... ذاك حكم المستراح ٤٢١ - ودخل أبو محمد غانم بن وليد مجلس باديس بن حبوس، فوسّع له على ضيق كان فيه، فقال (٤) :

стр. 2005

صيّر فؤادك للمحبوب منزلةً ... سمّ الخياط مجالٌ للمحبّين ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين ٤٢٢ - ودخل على أبي جعفر اللمائي بعض أصحابه عائداً في علته التي مات فيها، وجعل يروح عليه بمروحة، فقال أبو جعفر على البديهة: روّحني عائدي فقلت له: ... لا لا تزدني على الذي أجد أما ترى النار وهي خامدةٌ ... عند هبوب الرياح تتقد ٤٢٣ - وقال الأعلم: ليكن محفوظك من النظم مثل قول ابن القبطرنة (١) : دعاك خليلك واليوم طل ... وعارض وجه الثرى قد بقل لقدرين فاحا وشمّامةٍ ... وإبريق راحٍ ونعم المحل ولو شاء زاد ولكنه ... يلام الصديق إذا ما احتفل ٤٢٤ - وقال أبوعامر ابن ينق الشاطبي (٢) : ما أحسن العيش لو أن الفتى أبداً ... كالبدر يرجو تماماً بعد نقصان إذ لا سبيل إلى تخليد مأثرةٍ ... إذ لا سبيل إلى تخليد جثمان ٤٢٥ - وقال أبو الحسن اللورقي (٣) : عجباً لمن طلب المحا ... مد وهو يمنع ما لديه ولباسط آماله ... للغير لم يبسط يديه لم لا أحبّ الضيف أو ... أرتاح من طربٍ إليه

стр. 2006

والضّيف يأكل رزقه ... عندي ويحمدني عليه ٤٢٦ - وقال أبو عيسى ابن لبون، وهو من قواد المأمون بن ذي النون (١) : نفضت كفّي من الدنيا وقلت لها ... إليك عنّي فما في الحقّ أغتبن من كسر بيتي لي روضٌ ومن كتبي ... جليس صدقٍ على الأسرار مؤتمن أدري به ما جرى في الدهر من خبرٍ ... فعنده الحقّ مسطورٌ ومختزن وما مصابي سوى موتي ويدفنني ... قومٌ وما لهم علمٌ بمن دفنوا ٤٢٧ - وقال أبو عامر ابن الحمارة (٢) : ولي صاحبٌ أحنو عليه وإنّه ... ليوجعني حيناً فلا أتوجّع أقيم مكاني ما جفاني وربما ... يسائلني الرّجعى فلا أتمنّع كأني في كفّيه غصن أراكةٍ ... تميل على حكم النسيم وترجع ٤٢٨ - وقال أبو العباس ابن السعود (٣) : تبّاً لقلب عن الأحباب منصرفٍ ... يهوى أحبّته ما خالس النظرا مثل السّجنجل فيه الشخص تبصره ... حتى إذا غاب لم يترك به أثرا ٤٢٩ - ومرض أبو الحكم ابن غلندة (٤) ، فعاده جماعة من أصحابه فيهم

стр. 2007

فتى صغير السن، فوفّاه من بره ماأوجب تغيرهم، ففطن لذلك وأنشد ارتجالاً: تكثّر من الإخوان للدهر عدّةً ... فكثرة درّ العقد من شرف العقد وعظّم صغير القوم وابدأ بحقّه ... فمن خنصري كفّيك تبدأ بالعقد [ثم نظر إليهم وأنشدهم ارتجالاً قوله: مغيث أيوب والكافي لذي النون ... يحلّني فرجاً بالكاف والنّون كم كربة من كروب الدهر فرّجها ... عني ولم ينكشف وجهي لمن دوني] (١) ٤٣٠ - وقال القاضي أبو موسى ابن عمران: ما للتجارب من مدىً ... والمرء منها في ازدياد قد كنت أحب ذا العلا ... من حاز علماً واستفاد فإذا الفقيه بغير ما ... لٍ كالخباء بلا عماد شرف الفتى بنضاره ... إنّ الفقير أخو الجماد ما العلم إلا جوهرٌ ... قد بيع في سوق الكساد ٤٣١ - وقال أبو بكر ابن الجزار السرقسطي: إياك من زلل اللسان فإنّما ... عقل الفتى في لفظه المسموع والمرء يختبر الإناء بنقره ... ليرى الصحيح به من المصدوع ٤٣٢ - وقال أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد (٢) : تناول بعض أصحابنا نرجسة، فركّبها في وردة، ثم دفعها إليّ وإلى صاعد، وقال: قولا،

стр. 2008

فأبهمت دوننا أبواب القول، فدخل الزهيري، وكان أمياً لا يذكر من الكلام إلا ما علق بنفسه في المجالس، وينفذ مع هذا في المطولات من الأشعار، فأشعر بأمرنا، فجعل يقول دون روية: ما للأدبين قد اعيتهما ... مليحةٌ من ملح الجنّه نرجسةٌ في وردةٍ ركبّت ... كمقلة تطرف في وجنه ٤٣٣ - وقال أبو محمد ابن حزم في " طوق الحمامة " (١) : خلوت بها والرّاح ثالثةٌ لنا ... وجنح ظلام الليل قد مدّ واعتلج (٢) فتاةٌ عدمت العيش إلا بقربها ... فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج كأني وهي والكأس والخمر والدجى ... حياً وثرىً والدرّ والتبر والسبج قال: وهذه خمس تشبيهات لا يقدر أحد على أكثر منها إذ تضيق الأعاريض عنه. قال أبو عامر ابن مسلمة: ولا أذكر مثلها إلا قول بعض: فأمطرت لؤلؤاً من نرجسٍ فسقت ... ورداً وعضّت على العنّاب بالبرد (٣) إلا أنه لم يعطف خمسة على خمسة كما صنع ابن حزم، بل اكتفى بالعلم في التشبيهات. قال: ومن أغرب ما وقع لي من التشبيهات في بيتٍ قول ابن برون الأكشوني (٤) الأندلسي يصف فرساً ورداً أغر محجلاً:

стр. 2009

فكأنّ غرّته وتحجيلاته ... خمسٌ من السوسان وسط شقائق قال: وهذا على التحقيق ستةٌ على ستة، ولم أسمع بمثله لأحد من [الأندلسيين ولا من المشارقة] (١) . قال ابن الجلاب: وكلام أبي عامرٍ هذا لا يخلو من النقد. ٤٣٤ - وقال ابن صارة: انظر إلى البدر وإشراقه ... على غديرٍ موجه يزهر كمشحذٍ من حجرٍ أخضرٍ ... خطّ عليه ذهبٌ أحمر ٤٣٥ - وقال أبو القاسم ابن العطار الإشبيلي (٢) : ركبنا (٣) سماء النّهر والجوّ مشرقٌ ... وليس لنا إلا الحباب نجوم وقد ألبسته الأيك برد ظلالها ... وللشمس في تلك البرود رقوم ٤٣٦ - وقال ابن صارة (٤) : والنهر قد رّقت غلالة صبغه ... وعليه من ذهب الأصيل طراز تترقرق الأمواج فيه كأنّها ... عكن الخصور تضمّها الأعجاز ٤٣٧ - وقال سهل بن مالك (٥) : وربّ يومٍ وردنا فيه كلّ منىً ... وقلّ في مثل ذلك اليوم أن نردا في روضتين بشطّي سلسلٍ شبمٍ ... كما اجتليت من المحبوب مفتقدا

стр. 2010

يبدّد القطر في أثنائه حلقاً ... فتنظم الريح منها فوقه زردا (١) ٤٣٨ - وقال ابن صارة: انظر النهر في رداء عروسٍ ... صبغته بزعفران العشيّ ثمّ لمّا هبّ النسيم عليه ... هزّ عطفيه في دلاص الكميّ ٤٣٩ - ولبعضهم في شكل يرمي الماء مجوفاً مثل الخباء وتمزقه الريح أحياناً: ومطنّب لماء ما أوتاده ... إلا نتائج فكر طبٍّ حاذق لعبت به أيدي الصّبا فكأنّها ... أيدي الصبابة بالفؤاد العاشق ٤٤٠ - وقال صفوان بن إدريس يصف تفاحة في الماء: ولم أر فيما تشتهي العين منظراً ... كتفاحةٍ في بركةٍ بقرار يفيض عليها ماؤها فكأنّها ... بقيّة خدٍّ في اخضرارعذار (٢) ٤٤١ - وقال أبو جعفر ابن وضاح في دولاب: وباكيةٍ والروض يضحك كلّما ... ألحّت عليه بالدموع السّواجم يروقك منها إن تأمّلت نحوها ... زئير أسةدٍ والتفات أراقم تخلّص من ماء الغدير سبائكاً ... فتنبتها في الروض مثل الدّراهم

стр. 2011

٤٤٢ - وقال الوزير ابن عمار: يومٌ تكاثف غيمه فكأنّه ... دون السماء دخان عودٍ أخضر والطّل مثل برادةٍ من فضّةٍ ... منثورةٍ في تربةٍ من عنبر والشمس أحياناً تلوح كأنّها ... أمةٌ تعرّض نفسها للمشتري ٤٤٣ - وقال أبو الحسن ابن سعد الخير (١) : لله دولابٌ يفيض بسلسلٍ ... في روضةٍ قد أينعت أفنانا قد طارحته بها الحمائم شجوها ... فيجيبها ويرجّع الألحانا فكأنّه دنفٌ يدور بمعهدٍ ... يبكي ويسأل فيه عمّن بانا ضاقت مجاري طرفه عن دمعه ... فتفتحت أضلاعه أجفانا ٤٤٤ - وقال ابن أبي الخصال: ووردٍ جنيٍّ طالعتنا خدوده ... ببشرٍ ونشرٍ يبعثان على السكر وحفّ ترنجانٌ به فكأنّه ... خدود العذارى في مقانعها الخضر ٤٤٥ - وقال ابن صارة (٢) : يا ربّ نارنجةٍ يلهو النديم بها ... كأنّها كرةٌ من أحمر الذهب أو جذوةٌ حملتها كفّ قابسها ... لكنّها جذوةٌ معدومة اللهب ٤٤٦ - وقال الخفاجي (٣) :

стр. 2012

وميّاسةٍ تزهو وقد خلع الحيا ... عليها حلىً حمراً وأرديةً خضرا يذوب بها ريق الغمامة فضّةً ... ويجمد في أعطافها ذهباً نضرا ٤٤٧ - وقال ابن صارة أيضاً (١) : ونارنجةٍ لم يدع حسنها ... لعيني في غيرها مذهبا فطوراً أرى لهباً مضرماً ... وطوراً أرى شفقاً مذهبا ٤٤٨ - وقال ابن وضاح في السرو (٢) : أيا سرو لا يعطش منابتك الحيا ... ولا يدعن أعطافك الخضل النضر فقد كسيت منك الجذوع بمثل ما ... تلفّ على الخطيّ راياته الخضر ٤٤٩ - وقال أبو إسحاق الخولاني (٣) : نيلوفرٌ شكله كشكلي ... يعوم في أبحر الدموع قد ألبست عطفه دروعاً ... خودٌ لريح الصّبا شموع يلوح إذ لونه كلوني ... من فوق فضفاضةٍ هموع مثل مسامير مذهباتٍ ... في حلقاتٍ من الدروع ٤٥٠ - وقال ابن الأبار (٤) : وسوسناتٍ أرت من حسنها بدعاً ... ولم يزل عصر مولانا يري بدعه شبيهةٌ بالثريّا في تألّفها ... وفي تألّقها تلتاح ملتمعه

стр. 2013

هامت بيمناه تبغي أن تقبّلها ... واستشرفت تجتلي مرآه مطّلعه ثم انثنى بعضها من بعضها غلباً ... على البدار فوافت وهي مجتمعه ورفع هذه الأبيات إلى الأمير أبي يحيى زكريا (١) . ٤٥١ - وقال حازم: لا نور يعدل نور اللوز في أنقٍ ... وبهجةٍ عند ذي عدلٍ وإنصاف نظام زهرٍ يظلّ الدرّ منتثراً ... عليه من كلّ هامي القطر وكّاف بينا ترى وهي أصداف لدرّ حياً ... بيضٍ غدت في خضر أصداف ٤٥٢ - وقال ابن سعد الخير في رمّانة (٢) : وساكنةٍ في ظلال الغضون ... بروضٍ (٣) يروقك أفنانه تضاحك أترابها فيه إذ ... غدا الجوّ تدمع أجفانه كما فتح الليث فاه وقد ... تضرّج بالدم أسنانه ٤٥٣ - وقال ابن نزار الوادي آشي (٤) : ورمّانةٍ قد فضّ عنها ختامها ... حبيبٌ أعار البدر بعض صفاته فكسّر منها نهد غذراء كاعبٍ ... وناولني منها شبيه لداته ٤٥٤ - وقال بعضهم في القراسيا (٥) ، ويقال له بالمغرب " حب الملوك ": ودوحٍ تهدّل أشطانه ... رعى الدهر من حسنه ما اشتهى

стр. 2014

فما احمرّ منه فصوص العقيق ... وما اسودّ منه عيون المها ٤٥٥ - وقال بعضهم (١) : وأين معاهدٌ للحسن فيها ... وللأنس التقاء البهجتين وللأوتار والأطيار فيها ... لدى الأسحار أطرب ساجعين (٢) فكم بدرٍ تجلّى من رباها ... ومن بطحائها في مطلعين وأغيد يرتعي من تلعتيها ... ومن ثمر القلوب بمرتعين إذا أهوى لسوسنة يميناً ... عجبت من التقاء السوسنين وكم يومٍ توشّح من سناه ... ومن زهراتها في حلتين وراح أصيله ما بين نهرٍ ... ودولابٍ يدور بمسمعين بنهرٍ كالسماء يجول فيه ... سحائب من ظلال الدوحتين تدرّع للنّواسم حين هزت ... عليها كلّ غصن كالرّديني ملاعب في غرامي عند ذكري ... صباه وغصنه المتلاعبين ٤٥٦ - وقال الوزير محمد بن عبد الرحمن بن هانئ: يا حرقة البين كويت الحشا ... حتى أذبت القلب في أضلعه أذكيت فيه النار حتى غدا ... ينساب ذاك الذّوب من مدمعه يا سؤل هذا القلب حتى متى ... يؤسى برشف الرّيق من منبعه فإنّ في الشهد شفاء الورى ... لا سيّما إن مصّ من مكرعه والله يدني منكم عاجلاً ... ويبلغ القلب إلى مطمعه ٤٥٧ - ولو لم يكن للأندلسيين غير كتاب " شذور الذهب " لكفاهم دليلاً على البلاغة، ومؤلفه هو علي بن موسى بن علي بن محمد بن خلف أبو

стр. 2015

الحسن الأنصاري، الجياني، نزيل فاس، وولي خطابتها، ولم ينظم أحدٌ في الكيمياء مثل نظمه بلاغة معانٍ، وفصاحة ألفاظٍ، وعذوبة تراكيب، حتى قيل فيه: إن لم يعلمك صناعة الذهب علمك الأدب. وفي عبارة بعضهم: إن فاتك ذهبه، لم يفتك أدبه. وقيل فيه: إنه شاعر الحكماء، وحكيم الشعراء. وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. [عود إلى النقل عن بدائع البدائه] ولنذكر هنا نبذة من سرعة بديهة أهل الأندلس، وإن مرت من ذلك جملة، وستأتي أيضاً زيادة على الجميع، فنقول: ٤٥٨ - قال في " بدائع البدائه " ما صورته (١) : روى عبد الجبار بن حميدس الصقلي قال: صنع عبد الجليل بن وهبون المرسي الشاعر لنا نزهة بوادي إشبيلية، فأقمنا فيه يومنا، فلما دنت الشمس للغروب هب نسيم ضعيف غضّن وجه الماء، فقلت للجماعة: أجيزوا: حاكت الريح من الماء زرد ... فأجازه كل منهم بما تيسر له، فقال لي أبو تمام غالب بن رباح، الحجاج: كيف قلت يا أبا محمد فأعدت القسيم له، فقال: أيّ درعٍ لقتالٍ لو جمد ... وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما يخالف هذا، فليراجع في محله (٢) . ثم قال صاحب " بدائع البدائه " (٣) بعد ما سبق ما صورته: وقد نقله ابن

стр. 2016

حميدس إلى غير هذا الوصف، فقال: نثر الجوّ على الترب برد ... أيّ درٍّ لنحورٍ لو جمد فتناقض المعنى بذكر البرد، وقوله " لو جمد " إّ ليس البرد إلا ما جمده البرد، اللهم إلا أن يريد بقوله " لو جمد " دام جموده، فيصح وينعقد على التحقيق. ومثل هذا قول المعتمد بن عباد يصف فوارة: ولربّما سلّت لنا من مائها ... سيفاً وكان عن النواظر مغمدا طبعته لجيّاً فزانت صفحةً ... منه ولو جمدت لكان مهنّدا وقد أخذت أنا هذا المعنى (١) فقلت أصف روضاً: فلو دام ذاك النبت كان زبرجداً ... ولو جمدت أنهاره كنّ بلّورا وهذا المعنى مأخوذ من قول علي التونسي الإيادي من قصيدته الطائية المشهورة: ألؤلؤٌ قطر هذا قطر هذا الجوّ أم نقط ... ما كان أحسنه لو كان يلتقط وهذا المعنى كثير للقدماء، قال ابن الرومي من قطعة في العنب الرازقي: لو أنّه يبقى على الدهور ... قرّط آذان الحسان الحور ٤٥٩ - قال علي بن ظافر (٢) : وأخبرني من أثق به قال: ركب المعتمد على الله أبو القاسم ابن عباد لنزهة بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه، وخواص شعرائه، فلما أبعد أخذ في المسابقة بالخيول، فجاء فرسه بين البساتين سابقاً،

стр. 2017

فرأى شجرة تين قد أينعت وزهت وبرزت منها ثمرة قد بلغت وانتهت، فسدد إليها عصاً كانت في يده فأصابها، وثبتت على أعلاها، فأطربه ما رأى من حسنها وثباتها، والتفت ليخبر به من لحقه من أصحابه، فرأى ابن جاخ الصباغ أول من لحق به فقال: أجز: كأنّها فوق العصا ... فقال: هامة زنجيٍّ عصا ... فزاد طربه وسروره بحسن ارتجاله، وأمر له بجائزة سنية. قال علي بن ظافر (١) : وأخبرني أيضاً أن سبب اشتهار ابن جاخ (٢) هذا أن الوزير أبا بكر ابن عمار كان كثير الوفادة على ملوك الأندلس، لا يستقر ببلد ولا يستفزه عن وطره وطن، وكان كثير التطلب لما يصدر عن أرباب المهن، من الأدب الحسن، فبلغه خبر ابن جاخ عذا قبل اشتهاره، فمر على حانوته وهو آخذ في صباغته، والنيل قد جر على يديه ذيلاً، وأعاد نهارهما ليلاً، فأراد أن يعلم سرعة خاطره، فأخرج زنده ويده بيضاء من غير سوء، وأشار إلى يده وقال: كم بين زندٍ وزند ... فقال: ما بين وصلٍ وصدّ ... فعجب من حسن ارتجاله، ومبادرة العمل واستعجاله، وجذب بضبعه، وبلغ من الإحسان إليه غاية وسعه.

стр. 2018

٤٦٠ - وبلغني أيضاً أنه دخل سرقسطة فبلغه خبر يحيى القصاب السرقسطي، فمر عليه، ولحم خرفانه بين يديه، فأشار ابن عمار إلى اللحم، وقال (١) : لحم سباط الخرفان مهزول ... فقال: " يقول يا مشترين (٢) مه زولوا " ... ٤٦١ - ولما صنع المتوكل (٣) على الله بن الأفطس صاحب بطليوس هذا القسيم: الشّعر خطّة خسف ... أرتج عليه، فاستدعى أبا محمد عبد المجيد بن عبدون صاحب الرائية التي أولها: الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... وقد تكرر ذكره في هذا الكتاب، وهو أحد وزراء دولته، وخواص حضرته، فاستجازه إياه، فقال: لكلّ طالب عرف ... للشيخ عيبة عيبٍ ... وللفتى ظرف ظرف وذكر ابن بسام في الذخيرة أن قائل القسيم الأول الأستاذ أبو الوليد ابن ضابط، وأن عبد المجيد أجازه ارتجالاً، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقد ذكرنا ما يقرب من ذلك في هذا الكتاب.

стр. 2019

٤٦٢ - وقال ابن الغليظ المالقي (١) : قلت يوماً للأديب أبي عبد الله ابن السراج المالقي، ونحن على جرية ماء: أجز: شربنا على ماءٍ كأنّ خريره ... فقال بديهاً: بكاء محبٍّ بان عنه حبيب ... فمن كان مشغوفاً كئيباً بإلفه ... فإنّي مشغوفٌ به وكئيب ٤٦٣ - وذكر ابن بسام في الذخيرة (٢) أنه اجتمع ابن عبادة وابن القابلة السبتي بالمرية، فنظر إلى وسيم يسبح في البحر، وقد تعلق بسكان بعض المراكب، فقال ابن عبادة: أجز: انظر إلى البدر الذي لاح لك ... فقال ابن القابلة: في وسط اللّجّة تحت الحلك ... قد جعل الماء سماء له ... واتخذ الفلك مكان الفلك ٤٦٤ - وقال أبو عامر ابن شهيد (٣) : لما قدم زهير الصقلبي (٤) إلى حضرة قرطبة من المرية وجه وزيره أبو جعفر ابن عباس إلى لمة من أصحابنا منهم ابنبرد وأبو بكر المرواني وابن الحناط والطبني، فحضروا إليه، فسألهم عني،

стр. 2020

وقال: وجهوا إليه، فوافاني رسوله مع دابة بسرج محلىً ثقيل، فسرت إليه، ودخلت المجلس، وأبو جعفر غائب، فتحفز المجلس لدخولي، وقاموا جميعاً لي، حتى طلع أبو جعفر علينا ساحباً ذيلاً لم أر أحداً سحبه قبله، وهو يترنم، فسلمت عليه سلام من يعرف قدر الرجال، فرد رداً لطيفاً، فعلمت أن في أنفه نعرة ر تخرج إلا بسعوط الكلام، ولا ترام إلا بمستحصد النظام، ورأيت أصحابي يصيخون إلى ترنمه. فقال لي ابن الحناط، وكانكثير الانحاء علي، جالباً في المحافل ما يسوء إلي: إن الوزير حضر قسيم، وهو يسألنا إجازته، فعلمت أني المراد، فاستنشدته، فأنشد: مرض الجفون ولثغةٌ في المنطق ... فقلت لمن حضر: لا تجهدوا أنفسكم، فما المراد غيري، ثم أخذت الدواة فكتبت: سببان جرّا عشق من لم يعشق ... من لي بألثغ لا يزال حديثه ... يذكي على الأحشاء جمرة محرق ينبي فينبو في الكلام لسانه ... فكأنّه من خمر عينيه سقي لا ينعش الألفاظ من عثراتها ... ولو آنها كتبت له في مهرق ثم قمت عنهم، فلم ألبث أن وردوا علي، وأخبروني أن أبا جعفر لم يرض بما جئت به من البديهة، وسألوني أن أحمل مكاوي الهجاء على حتاره، فقلت: أبو جعفرٍ كاتبٌ محسنٌ ... مليح سنا الخطّ حلو الخطابه تمّلأ شحماً ولحماً وما ... يليق تملّؤه بالكتابه له عرقٌ ليس ماء الحياء ... ولكنّه رشح ماء الجنابه جرى الماء في سفله جري لينٍ ... فأحدث في العلو منه صلابه

стр. 2021

٤٦٥ - وذكر الوزير أبو بكر ابن اللبانة الداني (١) في كتابه " سقيط الدرر ولقيط الزهر " أن المعتمد بن عباد صنع قسيماً في القبة المعروفة بسعد السعود فوق المجلس المعروف بالزاهي، وهو: سعد السعود يتيه فوق الزاهي ... ثم استجاز الحاضرين فعجزوا، فصنع ولده عبد الله الرشيد: وكلاهما في حسنه متناهي ... ومن اغتدى سكناً لمثل محمدٍ ... قد جلّ في العليا عن الأشباه لا زال يبلغ فيهما ما شاءه ... ودهت عداه من الخطوب دواهي ٤٦٦ - وخرج القاضي الفقيه (٢) أبو الحسن علي بن القاسم بن محمد بن عشرة أحد رؤساء المغرب الأوسط في جماعة من أصحابه منهم محمد بن عيسى ابن سوار الأشبوني ورجل يسمى بأبي موسى خفيف الروح، ثقيل الجسم، فجعل يعبث بالحاضرين بأبيات من الشعر يصنعها فيهم، فصنع القاضي أبو الحسن معابثاً له: وشاعرٍ أثقل من جسمه ... ثم استجاز ابن سوار، فقال: ......... ... تأتي معانيه على حكمه يهجو فلا يهجا فهل عندكم ... ظلامةٌ تعدي على ظلمه لسانه في هجوه حيّةٌ ... منيّة الحيّة في سمّه

стр. 2022

يصيب سرّ المرء في رميه ... كأنّما العالم في علمه أمّا أبو موسى ففي كفّه ... عصا ابنه والسحر في نظمه ٤٦٧ - وفي " المقتبس في تاريخ الأندلس " (١) أن الأمير عبد الرحمن خرج في بعض أسفاره فطرقه خيال جاريته طروب أم ولده عبد الله، وكانت أعظم حظاياه عنه، وأرفعهن لديه، لا يزال كلفاً بها، هائماً بحبها، فانتبه وهو يقول: شاقك من قرطبة الساري ... في الليل لم يدر به الداري ثم أنبه عبد الله بن الشمر نديمه فاستجازه كمال البيت، فقال: زار فحيّا في ظلام الدجى ... أحبب به من زائرٍ ساري وصنع الأمير عبد الرحمن المذكور في بعض غزواته قسيماً (٢) ، وهو: نرى الشيء ممّا يتّقى فنهابه ... ثم أرتج عليه، وكان عبد الله بن الشمر نديمه وشاعره غائباً عن حضرته، فأراد من يجيزه، فأحضر بعض قواده محمد بن سعيد الزجالي، وكان يكتب له، فأنشده القسيم فقال: وما لا نرى ممّا يقي الله أكثر ... فاستحسنه وأجازه، وحمله استحسانه على أن استوزره.

стр. 2023

٤٦٨ - وذكر ابن بسام (١) أن المعتمد بن عباد أمر بصياغة غزال وهلال من ذهب، فصيغا، فجاء وزنهما سبعمائة مثقال، فأهدى الغزال إلى السيدة ابنة مجاهد، والهلال إلى ابنه الرشيد، فوقع له إلى أن قال: بعثنا بالغزال إلى الغزال ... وللشمس المنيرة بالهلال ثم أصبح مصطحباً، وجاء الرشيد فدخل عليه، وجاء الندماء والجلساء، وفيهم أبو القاسم ابن مرزقان (٢) ، فحكى لهم المعتمد البيت، وأمرهم بإجازته، فبدر ابن مرزقان فقال: فذا سكني أبوّئه فؤادي ... وذا نجلي أقلّده المعالي شغلت بذا الطلا خلدي ونفسي ... ولكني بذاك رخيّ بال دفعت إلى يديه زمام ملكي ... محلّىً بالصوارم والعوالي فقام يقرّ عيني في مضاءٍ ... ويسلك مسلكي في كلّ حال فدمنا للعلاء ودام فينا ... فإنّا للسماح وللنزال ٤٦٩ - ولما أنشد أبو القاسم ابن الصيرفي قول عبد الله بن السمط: حار طرفٌ تأمّلك ... ملكٌ أنت أم ملك قال بديهاً: بل تعاليت رتبةً ... فلك الأرض والفلك ٤٧٠ - وذكر ابن بسام في الذخيرة (٣) أنه غني يوماً بين يدي العالي بالله الإدريسي بمالقة بيتٌ لعبد الله بن المعتز:

стр. 2024

هل ترين البين يحتال ... أن غدت للحي (١) أجمال فأمر الفقيه أبا محمد غانم بن الوليد المالقي بإجازته، فقال بديهاً: إنّما العالي إمام هدىً ... حليت في عصره الحال ملكٌ أقيال دولته ... لذوي الأفهام إقبال قل لمن أكدت مطالبه ... راحتاه الجاه والمال ٤٧١ - وغنى أبو الحسن زرياب (٢) يوماً بين يدي الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بهذين البيتين، وهما لأبي العتاهية: قالت ظلوم سميّة الظّلم ... مالي رأيتك ناحل الجسم يا من رمى قلبي فأقصده ... أنت الخبير بموقع السهم فقال عبد الرحمن: هذان البيتان منقطعان، فلو كان بينهما ما يصلهما لكان أبدع، فصنع عبيد الله (٣) بن فرناس بديهاً: فأجبتها والدمع منحدرٌ ... مثل الجمان وهى من النّظم فاستحسنه، وأمر له بجائزة. ٤٧٢ - وذكر ابن بسام أيضاً أن المعتمد بن عباد غني بين يديه بقول ابن المعتز (٤) : وخمّارةٍ من بنات المجوس ... ترى الزقّ في بيتها شائلا وزنّا لها ذهباً جامدا ... فكالت لنا ذهباً سائلا

стр. 2025

فقال بديهاً يجيزه: وقلت خذي جوهراً ثابتاً ... فقالت خذوا عرضاً زائلاً ٤٧٣ - وركب المعتمد (١) في بعض الأيام قاصداً الجامع، والوزير أبو بكر ابن عمار يسايره، فسمع اذان مؤذن، فقال المعتمد: هذا المؤذّن قد بدا بأذانه ... فقال ابن عمار: يرجو بذاك العفو من رحمانه ... فقال المعتمد: طوبى له من شاهدٍ بحقيقةٍ ... فقال ابن عمار: إن كان عقد ضميره كلسانه ... ٤٧٤ - وقال عبد الجبار بن حمديس الصقلي (٢) : أقمت بإشبيلية لما قدمتها على المعتمد بن عباد مذة لا يلتفت إلي ولا يعبأ بي، حتى قنطت لخيبتي مع فرط تعبي، وهممت بالنكوص على عقبي، فإني لكذلك ليلة من الليالي في منزلي إذا بغلام (٣) معه شمعة ومركوب، فقال لي: أجب السلطان، فركبت من فوري، ودخلت عليه، فأجلسني على مرتبة فنك (٤) ، وقال لي افتح الطاق التي تليك، ففتحتها فإذا بكور زجاج على بعد، والنار تلوح من بابيه، وواقدة تفتحهما تارة وتسدهما أخرى، ثم دام سد أحدهما وفتح الآخر، فحين تأملتهما قال لي: أجز:

стр. 2026

انظرهما في الظلام قد نجما ... فقلت: كما رنا في الدّجنّة الأسد ... فقال: يفتح عينيه ثمّ يطبقها ... فقلت: فعل امرئٍ في جفونه رمد ... فقال: فابتزّه الدهر نور واحدةٍ ... فقلت: وهل نجا من صروفه أحد ... فاستحسن ذلك، وأمر لي بجائزة سنية، وألزمني خدمته. وقد ذكرنا هذه الحكاية في هذا الكتاب، ولكن ما هنا أتم مساقاً فلذلك نبهت عليه. ٤٧٥ - وذكر صاحب " فرحة الأنفس في أخبار أهل الأندلس " (١) أن أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر جلس في جماعة من خواصه، ومعهم أبو القاسم لب، وكان يعده للمجون والتطايب، فقال له: اهج عبد الملك بن جهور، يعني أحد وزرائه، فقال: أخافه، فقال لعبد الملك: فاهجه أنت، فقال: أخاف على عرضي منه، فقال: أهجوه أنا وأنت، ثم صنع: لبٌّ أبو القاسم ذو لحيةٍ ... طويلةٍ أزرى بها الطول (٢)

стр. 2027

فقال عبد الملك: وعرضها ميلان إن كسّرت ... والعقل مأفونٌ ومخبول فقال الناصر للب: اهجه فقد هجاك، فقال بديهاً: قال أمين الله في عصرنا ... لي لحيةٌ أزرى بها الطول وابن جهيرٍ قال قول الذي ... مأكوله القرضيل والفول لولا حيائي من إمام الهدى ... نخست بالمنخس شو ... ثم سكت، فقال له الناصر: هات تمام البيت، فامتنع، فقال له " قولو " يعني تمام البيت، كلمة قالها الناصر مسترسلاً غير متحفظ من زيادة الواو وإبدال الهاء واواً، إذ صوابها " قله " على حكم المشي مع الطبع والراحة من التكلف، فقال لب: يا مولانا أنت هجوته، ففطن الناصر والحاضرون، وضحكوا، وأمر له بجائزة. والقرضيل: شوك له ورق عريض تأكله البقر، وقوله " شو " اسم لذكر الرجل (١) بالرومية، و " قولو " اسم للاست بها، فكأنه قال: لولا حيائي من إمام الهدى نخست بالمنخس - الذي هو الذكر - استه. انتهى المجلد الثالث

стр. 2028

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الباب السابع (تتمة) ٤٧٦ - وقال ابن ظافر (١) : أخبرني من أثق به قال: اجتمع الوزير أبو بكر ابن القبطرنة والأستاذ أبو العباس ابن صارة في يوم جلا ذهب برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند نزول الماء، فترافدا في صفتها، فقال ابن صارة: هذي البسيطة كاعب أبرادها ... حلل الربيع وحليها النوار فقال ابن القبطرنة: وكأن هذا الجو فيها عاشقٌ ... قد شفّه التعذيب والإضرار فقال ابن صارة: فإذا شكا فالبرق قلبٌ خافقٌ ... وإذا بكى فدموعه الأمطار فقال ابن القبطرنة: فمن أجل عزّة ذا وذلّة هذه ... تبكي الغمام وتضحك الأزهار

стр. 2029

٤٧٧ - وقال أبو بكر محمد بن [الحسن] الزبيدي النحوي (١) صاحب الشرطة يخاطب الوزير أبا الحسن جعفر بن عثمان المصحفي لما كتب كتاباً له فيه " فاضت نفسه " بالضاد مبيناً له الخطأ دون تصريح: قل للوزير السنيّ محتده ... لي ذمّةٌ منك أنت حافظها عناية بالعلوم معجزةٌ ... قد بهظ الأولين باهظها يقرّ لي عمرها ومعمرها ... فيها ونظّامها وجاحظها قد كان حقاً قبول حرمتها ... لكنّ صرف الزمان لافظها وفي خطوب الزمان لي عظةٌ ... لو كان يثني النفوس واعظها إن لم تحافظ عصابةٌ نسبت ... إليك قدماً فمن يحافظها لا تدعن حاجتي بمطرحةٍ ... فإنّ نفسي قد فاظ فائظها فأجابه المصحفيّ: خفّض فواقاً فأنت أوحدها ... علماً ونقّابها وحافظها كيف تضيع العلوم في بلدٍ ... أبناؤها كلّهم يحافظها ألفاظهم كلّها معطّلةٌ ... مالم يعوّل عليك لافظها من ذا يساويك إن نطقت وقد ... أقرّ بالعجز عنك جاحظها علمٌ ثنى العالمين عنك كما ... ثنى عن الشمس من يلاحظها وقد أتتني فديت شاغلةٌ ... للنفس أن قلت فاظ فائظها فأوضحنها تفز بنادرةٍ ... قد بهظ الأوّلين باهظها فأجابه الزبيدي، وضمن شعره الشاهد على ذلك: أتاني كتابٌ من كريمٍ مكرّمٍ ... فنفّس عن نفسٍ تكاد تفيظ

стр. 2030

فسرّ جميع الأولياء وروده ... وسيء رجالٌ آخرون وغيظوا لقد حفظ العهد الذي قد أضاعه ... لديّ سواه والكريم حفيظ وباحثت عن فاظت وقبلي قالها ... رجالٌ لديهم في العلوم حظوظ روى ذاك عن كيسان سهلٌ وأنشدوا ... مقال أبي الغياظ وهو مغيظ " وسميت غياظاً ولست بغائظٍ ... عدواً ولكن للصديق تغيظ " " فلا رحم الرحمن روحك حيّةً ... ولا هي في الأرواح حين تفيظ " قلت: وفي خطاب الوزير بهذا البيت وإن حكي عن قائله ما لا يخفى أن اجتنابه المطلوب، على أنه قد يقال " فاضت نفسه " بالضاد، كما ذكره ابن السكيت في خلل " الألفاظ " له، والله أعلم. وكتب الزبيدي المذكور إلى أبي مسلم ابن فهد (١) : أبا مسلمٍ إنّ الفتى بجنانه ... ومقوله، لا بالمراكب واللبس وليست ثياب المرء تغني قلامةً ... إذا كان مقصوراً على قصر النفس وليس يفيد العلم والحلم والحجى ... أبا مسلمٍ طول القعود على الكرسي وقال، وقد استأذن الحكم المستنصر في الرجوع إلى أهله بإشبيلية ولم يأذن له، فكتب إلى جاريته سلمى (٢) : ويحك يا سلم لا تراعي ... لا بدّ للبين من زماع لا تحسبيني صبرت إلا ... كصبر ميتٍ على النزاع ما خلق الله من عذابٍ ... أشدّ من وقفة الوداع ما بنيها والحمام فرقٌ ... لولا المناحات والنواعي

стр. 2031

إن يفترق شملنا وشيكاً ... من بعد ما كان ذا اجتماع فكلّ شملٍ إلى افتراقٍ ... وكلّ شعبٍ إلى انصداع وكلّ قربٍ إلى بعادٍ ... وكلّ وصلٍ إلى انقطاع ٤٧٨ - واجتمع جماعة من الأدباء فيهم أبو الحسن سهل بن مالك والمهر ابن الفرس وغيرهما بمدينة سبتة سنة ٥٨١، فتذاكروا محبوباً لهم يسكن الجزيرة الخضراء أمامهم، فقالوا: ليقل كلّ واحد منكم شيئاً فيه، فقال سهل بن مالك (١) : لما حططت (٢) بسبتة قتب النّوى ... والقلب يرجو أن يحوّل حاله والجوّ مصقول الأديم كأنّما ... يبدي الخفي من الأمور صقاله عاينت من بلد الجزيرة مكنساً ... والبحر يمنع أن يصاد غزاله كالشكل في المرآة تبصره وقد ... قربت مسافته وعزّ مناله فقال الجماعة: والله لا يقول أحد منا بعد هذا شيئاً. ٤٧٩ - ولما قرأ أبو محمد عبد الله بن مطروح البلنسي صداق إملاك، وغيّر فيه حال القراءة لفظة " غير " برفع ما كان منصوباً أو بالعكس، أنشد بديهاً بعد الفراغ معتذراً عن لحنه: غيرت غيراً فصرت عيرا ... وهكذا من يجدّ سيرا فأجابه الحافظ أبو الربيع ابن سالم الكلاعي، وكان إلى جانبه، بديهة: ما أنت ممن يظنّ فيه ... بذاك جهلٌ فظنّ خيرا

стр. 2032

٤٨٠ - ووقف أبو أمية ابن حمدون بباب الأستاذ الشلوبين، فكتب في ورقة " أبو أمية بالباب " ودفع الورقة لخادم الأستاذ، فلما نظر إليها الأستاذ نوّن تاء أمية، ولم يزد على ذلك، وأمر الخادم بدفع الورقة إليه، فلما نظر فيها أبو أمية انصرف، علماً منه أن الأستاذ صرفه، فانظر إلى فطنة الشيخ والتلميذ، مع أن الشيخ منسوب إلى التغفل في غير العلم. ٤٨١ - ومن حكايات أهل الأندلس في العفو أن المعتصم بن صمادح كان قد أحسن للنّحلي البطليوسي، ثم إن النّحلي سار إلى إشبيلية، فمدح المعتضد ابن عباد بشعر قال فيه: أباد ابن عبّاد البربرا ... وأفنى ابن معنٍ دجاج القرى ونسي ما قاله، حتى حلّ بالمريّة، فأحضره ابن صمادح لمنادمته، وأحضر للعشاء موائد ليس فيها غير الدجاج فقال: النحلي: يامولاي، ماعندكم في المدية لحم غيرالدجاج إنما أردت أن أكذبك في قولك: وأفنى ابن معنٍ دجاج القرى ... فطار سكر النحلي وجعل يعتذر فقال له خفض عليك إنما ينفق مثلك بمثل هذا وإنما العتب على ما سمعه فاحتمله منك في حق من هو في نقابه ثم أحسن إليه وخاف النحلي فغير من المرية، ثم ندم فكتب إلى المعتصم: رضى ابن صمادح فارقته ... فلم يرضي بعده العالم وكانت مرتيه جنة ... فجئت بما جاءه آدم فما زال يتفقده بالإحسان على بعد دياره، وخروجه عن اختياره، انتهى. ٤٨٢ - وقال في بلنسية أبو عبد الله الرصافي، وقد خرج منها صغيراً (١) :

стр. 2033

بلادي التي ريشت قويدمتي بها ... فريخاً وآورتني قرارتها وكرا مهادي ولين العيش في ريق الصّبا ... أبى الله أن أنسى اعتيادي بها خيرا ٤٨٣ - وقال أبو بكر محمد بن يحيى الشلطيشي (١) : وفاة المرء سرٌّ لم يكاشف ... ولم تثبت حقيقته درايه سيفنى كلّ ذي شبحٍ ونفسٍ ... وتلتحق النهاية بالبدايه وينصدع الجميع إلى صدوعٍ ... تعود به البريّة كالبرايه كأن مصائب الدنيا سهامٌ ... لها الأيام أغراض الرمايه فنل ما شئت إن الفقر حدٌّ ... وعش ما شئت إن الموت غايه ٤٨٤ - وقال أبو بكر محمد بن العطار اليابسي، وهو من رجال الذخيرة: أمطيت عزمك منه متن سابحة ... خلت الحباب على لبّاتها لببا تبدو على الموج أحياناً ويضمرها ... كالعيس تعتسف الأهضام والكثبا ٤٨٥ - وقال محمد بن الحسن الجبلي النحوي (٢) : وما الأنس بالناس الذين عهدتهم ... بأنسٍ ولكن فقد رؤيتهم أنس إذا سلمت نفسي وديني منهم ... فحسبي أنّ العرض مني لهم ترس ٤٨٦ - وقال محمد بن حرب (٣) : طوبى لروضة جنّةٍ ... لك قد نويت ورودها نظمت على لبّاتها ... أيدي الغمام عقودها

стр. 2034

وسقت بماء الورد وال ... مسك الفتيت صعيدها والطير تشدو في الغصو ... ن المائدات قصيدها وتعير سمع المستعي ... ر نظيمها ونشيدها ٤٨٧ - وكان في دار محمد بن اليسع شاعر الدولة العامرية وردة (١) ، وكان يهدي وردها كل عام إلى عارض الجيش أحمد بن سعيد (٢) ، فغاب العارض سنة فقال: قال لي الورد وقد لا ... حظته في روضتيه وهو قد أينع طيباً ... جمع الحسن لديه أين مولاي الذي قد ... كنت تهديني إليه قلت غاب العام فايأس ... أن ترى بين يديه فبدا يذبل حتّى ... ظهر الحزن عليه ٤٨٨ - وقال أحمد بن أفلح (٣) : ما أستريح إلى حالٍ فأحمدها ... بالبين قلبي وقبل البين قد ذهبا إن كان لي أربٌ في العيش بعدكم ... فلا قضيت إذن من حبّكم أربا ٤٨٩ - وقال أحمد بن تليد الكاتب (٤) : لم أرض بالذل وإن قلا ... والحر لا يحتمل الذلاّ يا ربّ خلٍّ كان لي خاملٍ ... صار إلى العزّة فاحولاّ حرّمت إلمامي على بابه ... ووصله لم أره حلاّ

стр. 2035

تأبى عليّ النفس من أن أرى ... يوماً على مستثقلٍ كلاّ ٤٩٠ - وقال إسحاق بن المنادى، وقد أهدى له من يهواه تفاحة (١) : مجال العين في ورد الخدود ... يذكّر طيب جنّات الخلود وآرجةٌ من التفّاح تزهو ... بطيب النشر والحسن الفريد أقول لها فضحت المسك طيباً ... فقالت لي بطيب أبي الوليد ٤٩١ - وقال غالب بن عبد الله الثغري (٢) : يا راحلاً عن سواد المقلتين إلى ... سواد قلبٍ عن الأضلاع قد رحلا غدا كجسمٍ وأنت الروح فيه فما ... ينفكّ مرتحلاً ما دمت (٣) مرتحلا وللفراق جوىً لو مرّ أبرده ... من بعد فرقتكم بالماء (٤) لاشتعلا (٥) ٤٩٢ - وقال الزوير أبو الحسن ابن الإمام الغرناطي يهجو مراكش المحروسة (٦) : ياحضرة الملك ما أشهاك لي وطناً ... لولا ضروب بلاءٍ فيك مصبوب ماءٌ زقاقٌ وجوٌّ كلّه كدرٌ ... وأكلةٌ من بذنجان ابن معيوب وابن معيوب هذا كان من خدام أبي العلاء ابن زهر، يزعم الناس أنه سمّ
следующие страницы →