إن يفترق شملنا وشيكاً ... من بعد ما كان ذا اجتماع
فكلّ شملٍ إلى افتراقٍ ... وكلّ شعبٍ إلى انصداع
وكلّ قربٍ إلى بعادٍ ... وكلّ وصلٍ إلى انقطاع ٤٧٨ - واجتمع جماعة من الأدباء فيهم أبو الحسن سهل بن مالك والمهر ابن الفرس وغيرهما بمدينة سبتة سنة ٥٨١، فتذاكروا محبوباً لهم يسكن الجزيرة الخضراء أمامهم، فقالوا: ليقل كلّ واحد منكم شيئاً فيه، فقال سهل بن مالك (١) :
لما حططت (٢) بسبتة قتب النّوى ... والقلب يرجو أن يحوّل حاله
والجوّ مصقول الأديم كأنّما ... يبدي الخفي من الأمور صقاله
عاينت من بلد الجزيرة مكنساً ... والبحر يمنع أن يصاد غزاله
كالشكل في المرآة تبصره وقد ... قربت مسافته وعزّ مناله فقال الجماعة: والله لا يقول أحد منا بعد هذا شيئاً.
٤٧٩ - ولما قرأ أبو محمد عبد الله بن مطروح البلنسي صداق إملاك، وغيّر فيه حال القراءة لفظة " غير " برفع ما كان منصوباً أو بالعكس، أنشد بديهاً بعد الفراغ معتذراً عن لحنه:
غيرت غيراً فصرت عيرا ... وهكذا من يجدّ سيرا فأجابه الحافظ أبو الربيع ابن سالم الكلاعي، وكان إلى جانبه، بديهة:
ما أنت ممن يظنّ فيه ... بذاك جهلٌ فظنّ خيرا
стр. 2032
٤٨٠ - ووقف أبو أمية ابن حمدون بباب الأستاذ الشلوبين، فكتب في ورقة " أبو أمية بالباب " ودفع الورقة لخادم الأستاذ، فلما نظر إليها الأستاذ نوّن تاء أمية، ولم يزد على ذلك، وأمر الخادم بدفع الورقة إليه، فلما نظر فيها أبو أمية انصرف، علماً منه أن الأستاذ صرفه، فانظر إلى فطنة الشيخ والتلميذ، مع أن الشيخ منسوب إلى التغفل في غير العلم.
٤٨١ - ومن حكايات أهل الأندلس في العفو أن المعتصم بن صمادح كان قد أحسن للنّحلي البطليوسي، ثم إن النّحلي سار إلى إشبيلية، فمدح المعتضد ابن عباد بشعر قال فيه:
أباد ابن عبّاد البربرا ... وأفنى ابن معنٍ دجاج القرى ونسي ما قاله، حتى حلّ بالمريّة، فأحضره ابن صمادح لمنادمته، وأحضر للعشاء موائد ليس فيها غير الدجاج فقال: النحلي: يامولاي، ماعندكم في المدية لحم غيرالدجاج إنما أردت أن أكذبك في قولك:
وأفنى ابن معنٍ دجاج القرى ... فطار سكر النحلي وجعل يعتذر فقال له خفض عليك إنما ينفق مثلك بمثل هذا وإنما العتب على ما سمعه فاحتمله منك في حق من هو في نقابه ثم أحسن إليه وخاف النحلي فغير من المرية، ثم ندم فكتب إلى المعتصم:
رضى ابن صمادح فارقته ... فلم يرضي بعده العالم
وكانت مرتيه جنة ... فجئت بما جاءه آدم فما زال يتفقده بالإحسان على بعد دياره، وخروجه عن اختياره، انتهى.
٤٨٢ - وقال في بلنسية أبو عبد الله الرصافي، وقد خرج منها صغيراً (١) :
стр. 2033
بلادي التي ريشت قويدمتي بها ... فريخاً وآورتني قرارتها وكرا
مهادي ولين العيش في ريق الصّبا ... أبى الله أن أنسى اعتيادي بها خيرا ٤٨٣ - وقال أبو بكر محمد بن يحيى الشلطيشي (١) :
وفاة المرء سرٌّ لم يكاشف ... ولم تثبت حقيقته درايه
سيفنى كلّ ذي شبحٍ ونفسٍ ... وتلتحق النهاية بالبدايه
وينصدع الجميع إلى صدوعٍ ... تعود به البريّة كالبرايه
كأن مصائب الدنيا سهامٌ ... لها الأيام أغراض الرمايه
فنل ما شئت إن الفقر حدٌّ ... وعش ما شئت إن الموت غايه ٤٨٤ - وقال أبو بكر محمد بن العطار اليابسي، وهو من رجال الذخيرة:
أمطيت عزمك منه متن سابحة ... خلت الحباب على لبّاتها لببا
تبدو على الموج أحياناً ويضمرها ... كالعيس تعتسف الأهضام والكثبا ٤٨٥ - وقال محمد بن الحسن الجبلي النحوي (٢) :
وما الأنس بالناس الذين عهدتهم ... بأنسٍ ولكن فقد رؤيتهم أنس
إذا سلمت نفسي وديني منهم ... فحسبي أنّ العرض مني لهم ترس ٤٨٦ - وقال محمد بن حرب (٣) :
طوبى لروضة جنّةٍ ... لك قد نويت ورودها
نظمت على لبّاتها ... أيدي الغمام عقودها
стр. 2034
وسقت بماء الورد وال ... مسك الفتيت صعيدها
والطير تشدو في الغصو ... ن المائدات قصيدها
وتعير سمع المستعي ... ر نظيمها ونشيدها ٤٨٧ - وكان في دار محمد بن اليسع شاعر الدولة العامرية وردة (١) ، وكان يهدي وردها كل عام إلى عارض الجيش أحمد بن سعيد (٢) ، فغاب العارض سنة فقال:
قال لي الورد وقد لا ... حظته في روضتيه
وهو قد أينع طيباً ... جمع الحسن لديه
أين مولاي الذي قد ... كنت تهديني إليه
قلت غاب العام فايأس ... أن ترى بين يديه
فبدا يذبل حتّى ... ظهر الحزن عليه ٤٨٨ - وقال أحمد بن أفلح (٣) :
ما أستريح إلى حالٍ فأحمدها ... بالبين قلبي وقبل البين قد ذهبا
إن كان لي أربٌ في العيش بعدكم ... فلا قضيت إذن من حبّكم أربا ٤٨٩ - وقال أحمد بن تليد الكاتب (٤) :
لم أرض بالذل وإن قلا ... والحر لا يحتمل الذلاّ
يا ربّ خلٍّ كان لي خاملٍ ... صار إلى العزّة فاحولاّ
حرّمت إلمامي على بابه ... ووصله لم أره حلاّ
стр. 2035
تأبى عليّ النفس من أن أرى ... يوماً على مستثقلٍ كلاّ ٤٩٠ - وقال إسحاق بن المنادى، وقد أهدى له من يهواه تفاحة (١) :
مجال العين في ورد الخدود ... يذكّر طيب جنّات الخلود
وآرجةٌ من التفّاح تزهو ... بطيب النشر والحسن الفريد
أقول لها فضحت المسك طيباً ... فقالت لي بطيب أبي الوليد ٤٩١ - وقال غالب بن عبد الله الثغري (٢) :
يا راحلاً عن سواد المقلتين إلى ... سواد قلبٍ عن الأضلاع قد رحلا
غدا كجسمٍ وأنت الروح فيه فما ... ينفكّ مرتحلاً ما دمت (٣) مرتحلا
وللفراق جوىً لو مرّ أبرده ... من بعد فرقتكم بالماء (٤) لاشتعلا (٥) ٤٩٢ - وقال الزوير أبو الحسن ابن الإمام الغرناطي يهجو مراكش المحروسة (٦) :
ياحضرة الملك ما أشهاك لي وطناً ... لولا ضروب بلاءٍ فيك مصبوب
ماءٌ زقاقٌ وجوٌّ كلّه كدرٌ ... وأكلةٌ من بذنجان ابن معيوب وابن معيوب هذا كان من خدام أبي العلاء ابن زهر، يزعم الناس أنه سمّ
стр. 2036
ابن باجة لعداوته لابن زهر في باذنجان.
٤٩٣ - ولما بنى الفقيه أبو العباس ابن القاسم (١) قصره بسلا وشيده وصفته الشعراء، وهنته به، ودعت له، وكان بالحضرة حينئذٍ الوزير أبو عامر ابن الحمارة، ولم يكن أعد شيئاً فأفكر قليلاً ثم قال:
يا واحد الناس قد شيّدت واحدةً ... فحلّ فيها محلّ الشمس في الحمل
فما كدارك في الدّنيا لذي أملٍ ... ولا كدارك في الأخرى لذي عمل وفيهم (٢) يقول ابن بقي في موشحته الشهيرة التي آخرها (٣) :
إن جئت أرض سلا ... تلقاك بالمكارم فتيان (٤)
هم سطور العلا ... ويوسف بن القاسم عنوان ٤٩٤ - وكان محمد بن عبادة بالمرية، ومعه ابن القابلة السبتي، فنظر إلى غلام وسيم يسبح، وقد تعلق بمركب فقال ابن عبادة (٥) :
انظر إلى البدر الذي لاح لك ... فقال ابن القابلة:
... في وسط اللجة تحت الحلك
قد جعل الماء مكان السما ... واتخذ الفلك مكان الفلك
стр. 2037
٤٩٥ - وقال ابن خروف، ويروى لغيره (١) :
أيتها النفس اذهبي إليه اذهبي ... فحبّه المشهور من مذهبي
مفضّض الثغر له شامةٌ ... مسكيةٌ في خده المذهب
أيأسني التوبة من حبّه ... طلوعه شمساً من المغرب ٤٩٦ - واجتمع في بستان واحد ثلاثة من شعراء الأندلس، وهم: ابن خفاجة، وابن عائشة، وابن الزقاق، فقال ابن خفاجة يصف الحال هنالك (٢) :
لله نوريّة المحيا ... تحمل نارية الحميّا
درنا بها تحت ظلّ دوحٍ ... قد راق مرأى وطاب ريّا
تجسّم النور فيه نوراً ... فكلّ غصنٍ به ثريّا وقال ابن عائشة (٣) :
ودوحةٍ قد علت سماءً ... تطلع أزهارها نجوما
هفا نسيم الصّبا علينا ... فخلتها أرسلت رجوما
كأنما الأفق غار لما ... بدت فأغرى بها النّسيما وقال ابن الزقاق (٤) :
ورياضٍ من الشقائق أضحت ... يتهادى بها نسيم الرياح
زرتها والغمام يجلد منها ... زهراتٍ تفوق لون الراح
стр. 2038
قلت ما ذنبها فقال مجيباً ... سرقت حمرة الخدود الملاح ٤٩٧ - وقال الأديب أبو الحسن ابن زنون: وقع بيدي وأنا أسير بقيجاطة (١) - أعادها الله تعالى دار إسلام - كتابٌ ترجمته " كتاب التحف والطرف " لابن عفيون فوجدت فيه: قال الحسين بن الضحاك (٢) :
ما كان أحوجني يوماً إلى رجلٍ ... في وسطه ألف دينارٍ على فرس
في كفّه حربةٌ يفري الدروع بها ... وصارمٌ مرهف الحدين كالقبس
فلو رجعت ولم أظفر بمهجته ... وقد خضبت ذباب الصارم الشكس
فلا اغتبطت بعيشٍ وابتليت بما ... يحول بيني وبين الشادن الأنس ووقف على هذه القطعة أبو نواس فقال:
ما كان أحوجني يوماً إلى خنثٍ ... حلو الشمائل في باقٍ من الغلس
في كفّه قهوةٌ يسبي (٣) النفوس بها ... محكّم الطّرف للألباب مختلس
فلو رجعت ولم أظفر بتكتّه ... وقد رويت من الصهباء كالقبس
فلا هنيت بعيشٍ وابتليت بما ... يكون منه صدود الشادن الأنس
هذا ألذّ وأشهى من منى رجلٍ ... في وسطه ألف دينارٍ على فرس ووقف على ذلك الوزير أبو عامر ابن ينق فقال:
ما كان أحوجني يوماً إلى رجلٍ ... يردّد الذكر في باقٍ من الغلس
في حلقه غنّةٌ يشفي النفوس بها ... وفي الحشا زفرةٌ مشبوبة القبس
فلو رجعت ولم أوثر تلاوته ... على سماع غناء الشادن الأنس
стр. 2039
فلا حمدت إذن نفسي ولا اعتمدت ... بي النجائب قصد البيت والقدس (١)
وأسلت بقبر المصطفى مقلاً ... تبكي عليه بهامي الدمع منبجس فوقفت على ذلك - يقول ابن زنون - فقلت: وكلٌ ينفق مما عنده، ومن عجائب الله أنه عند فراغي من كتب هذه القطعة وصل الفكاك إلي، وحل قيودي وأخرجني إلى بلاد المسلمين، وهي:
ما كان أحوجني يوماً إلى رجلٍ ... يأتي فينبهني في فحمة الغلس
يفك قيدي وغلّي غير مرتقبٍ ... ولا مبالٍ (٢) من الحجاب والحرس
وقوله لي تأنيساً وتسليةً ... هذا سلاحي فالبسه وذا فرسي
فلو جبنت ولم أقبل مقالته ... وأمتطي الطّرف وثباً فعل مفترس
إذن خلعت لباس المجد من عنقي ... وصار حظي منه حظّ مختلس
وأخلفتني أمانيّ التي طمحت ... نفسي إليها وإحساني لكلّ مسي ٤٩٨ - وقال أبو بكر ابن حبيش، وقد زاره بعض أودائه في يوم عيد الفطر:
أكلّ ذا الإجمال في ذا الجمال ... الله أستحفظ ذاك الكمال
يا مالكاً بالبّر رقّي أما ... يكفيك أن تملكني بالوصال
سرت إلى ربعي زوراً كما ... سرى إلى المهجور طيف الخيال
العيد لي وحدي بين الورى ... حقّاً لأني قد رأيت الهلال
صومي مقبولٌ وبرهانه ... أني أدخلت جنان الوصال ٤٩٩ - وقال أبو بكر ابن يوسف اللخمي، وقد عاده في شكاية فتى وسيم من الأعيان كان والده خطيب البلد:
стр. 2040
يا عائدي وهو أصل مابي ... أفديك من ممرضٍ طبيب
أصميت لما رميت قلبي ... بسهم ألحاظك المصيب
وجئتني منكراً لسقمي ... وتلك من عادة الحبيب
يا ساعةً قد غفرت فيها ... ما كان للدهر من ذنوب
ما كان في فضلها مقالٌ ... لو لم تكن جلسة الخطيب ٥٠٠ - وخاطب أبو زيد ابن أبي العافية أبا عبد الله ابن العطار القرطبي بقصيدة منها هذا البيت:
وكيف يفيق ذو صبرٍ قصيرٍ ... حليف وساوسٍ حولٍ طوال يعرض له بطوله وحوله، ولصاحبه أبي محمد ابن بلال بقصره، فراجعه أبو عبد الله المذكور بهذه الأبيات يعرض له فيها بجربه، وكان أبو زيد أصابه جربٌ كثير:
أجل يا نافث السحر الحلال ... أتاني منك نظمٌ كاللآلي
يروقك أولاً لفظاً ومعنىً ... ويلدغ آخراً لدغ الصّلال
تعرّض فيه أنك ذو مطالٍ ... حليف وساوسٍ حولٍ طوال
كأنك لم تجرّب قطّ خلقاً ... ولم تعرف بتجربة الليالي
أأنسيت التجارب إذ تجاري ... بهنّ الجربياء مع الشمال
فلا تغفل عن التجريب يوماً ... ولو أعطيت فيه جراب مال
وجرّب جار بيتك واختبره ... وجرّ برجله إن كان قالي
وجار بينك لا تستحي منه ... ومن نجّار بابك لا تبال
وأجر ببالك الجرباء تبصر ... نجوم الأفق تجري بانتقال
وجرّب أهل جربة تلف قوماً ... أبوا لبس الجوارب والنّعال
تجاراً باعةً تجروا بزيتٍ ... تسمّوا بالتّجار بغير مال
стр. 2041
إذا سمعوا بتمرٍ في جريبٍ ... جروا ببطاء ذي التمر (١) البوالي
إذا جرّبت هذا الخلق أبدى ... لك التجريب أجربةً خوالي
جرى بالنّجح دهراً جرّ بؤساً ... عليك وجار بالنّوب الثقال ثلاثة أدباء صلوا خلف إمام فأخطأ في قراءته
٥٠١ - وخرج ثلاثة أدباء لنزهة خارج مرسية، وصلوا خلف إمام بمسجد قرية، فأخطأ في قراءته، وسها في صلاته، فلما خرج أحدهم كتب على حائط المسجد:
يا خجلتي لصلاةٍ ... صلّيتها خلف خلف (٢) فلما خرج الثاني كتب تحته:
أغضّ عنها حياءً ... من المهيمن طرفي فلما خرج الثالث كتب تحته:
فليس تقبل منا ... لو انها ألف ألف ٥٠٢ - وقال أبو إسحاق ابن خفيف الأندلسي (٣) في أحدب أخذ مع صبي في خلوة فضربا، وطيف بهما، والأحدب على عنق الصبي:
رأيت اليوم محمولاً ... وأعجب منه من حمله
جمال الناس تحملهم ... وهذا حاملٌ جمله ٥٠٣ - وقال أبو الصلت الأندلسي (٤) :
стр. 2042
وقائلةٍ ما بال مثلك خاملاً ... أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
فقلت لها ذنبي إلى القوم أنّني ... لمل لم يحوزوه من المجد حائز ٥٠٤ - وكتب بعض المغاربة لأبي العباس ابن مضاء يذكره بحاله:
يا غارسًا لي ثمار مجدٍ ... سقيتها العذب من زلالك
أخاف من زهرها سقوطاً ... إن لم يكن سقيها ببالك ٥٠٥ - وكتب الكاتب أبو عبد الله القرطبي مستنجزاً وعداً:
أبا عبد الإله وعدت وعداً ... فأنجز تربح الشكر الجزيلا
ولا تمطل فإن المطل يمحو ... من الإحسان رونقه الصقيلا
إذا كان الجميل يحب طبعاً ... فإني أكره الصبر الجميلا ٥٠٦ - وكتب ابن هذيل الفزاري للغني بالله سلطان لسان الدين بن الخطيب:
ليس يا مولاي لي من جابرٍ ... إذ غدا قلبي من البلوى جذاذا
غير صكٍّ أحمرٍ تكتب لي ... فيه يمناك اعتناءً: صحَّ هذا ٥٠٧ - وقال أبو الحسن ابن الزقاق في غلام يهودي كان يجلس معه وينادمه يوم سبت (١) :
وحبّب يوم السبت عندي أنني ... ينادمني فيه الذي أنا أحببت
ومن أعجب الأشياء أني مسلمٌ ... حنيفٌ، ولكن خير أيامي السبت ٥٠٨ - وقال أبو حيان (٢) :
ويعجبني رشف تلك الشفاه ... وعضُّ الخدود وهصر القوام
стр. 2043
محاسن فاتت قضيب الأراك ... وورد الرياض وكأس المدام ٥٠٩ - وكتب أحد الأدباء بمرسية إلى فتى وسيم من أعيان كان يلازم حانوت بعض القضاة بها للتفقه، عليه بأبيات في غرض، فراجعه عنه أبو العباس ابن سعيد بقوله:
ما للمحبّ لديّ غير صبابةٍ ... تقضي عليه ولوعةٍ وغرام
فدع الطماعة واسترح باليأس من ... وصلٍ عليك إلى الممات حرام ٥١٠ - وقال السميسر (١) :
قرابة السوء شرّ داءٍ ... فاحمل أذاهم تعش حميدا
ومن تكن قرحةٌ بفيه ... يصبر على مصّه الصديدا ٥١١ - وقال ابن الخفاجة (٢) :
إنّ للجنّة بالأندلس ... مجتلى عين وريّا نفس
فسنا صبحتها من شنب ... ودجى ليلتها من لعس
فإذا ما هبّت الريح صباً ... صحت واشوقي إلى الأندلس ٥١٢ - وقال بعض الأندلسيين ممن لم يحضرني اسمه الآن:
إذا صال ذو ودٍّ بمدّ صديقه ... فيا أيها الخل المصاحب لي صل بي
فأني مثل الماء ليناً لصاحبي ... وناهيك للأعداء من رجل صلب ٥١٣ - وقال أبو يحيى ابن هشام القرطبي:
وخائط رائع جمالاً ... وصاله غاية اقتراحي
стр. 2044
تنعم منه الخيوط فتلاً ... بين اقاح وبين راح
تداه في السلم ذا طعان ... بنا فذات بلا جراح
حلقته اشبهت فؤادي أيدي ... لكثرة الوخز (١) في النواحي
تقطّع الثوب راحتاه ... كصنع ألحاظه الملاح
فقبله ما رأيت بدراً ... ممزّقاً بردة الصباح ٥١٤ - وقال أبو جعفر أحمد بن عبد الولي البلنسي (٢) :
غصبت الثريّا في البعاد مكانها ... وأودعت في عينيّ صادق نوئها
وفي كلّ حالٍ لم تزالي بخيلةً ... فكيف أعرت الشمس حلّة ضوئها قال ابن الأبار: أنشد مؤلف " قلائد العقيان " هذين البيتين لأبي جعفر البني اليعمري، وأحدهما غالط من قبل اشتباه نسبهما، والتفرقة بينهما مستوفاة في تأليفي المسمى ب " هداية المعتسف في المؤتلف والمختلف " انتهى.
وأبو حعفر ابن عبد الولي المذكور أحرقه القنبيطور - لعنه الله تعالى - حين تغلبه بالروم على بلنسية. قال ابن الأبار: وذلك في سنة ثمانٍ وثمانين وأربعمائة، وقيل: إن إحراقه كان سنة تسعين وأربعمائة، انتهى.
٥١٥ - وقال أبو العباس القيجاطي فيما انشده له ابن الطيلسان (٣) :
ليس الخمول بعارٍ ... على امرىءٍ ذي جلال
فليلة القدر تخفى ... وتلك خير الليالي
стр. 2045
٥١٦ - وقال أبو محمد ابن جحاف المعافري البلنسي (١) :
أقول وقد خوّفوني القران ... وما هو من شرّه كائن
ذنوبي أخاف وأمّا القران ... فإنّي من شرّه آمن وأبوه أبو أحمد وهو المحرّق ببلنسية كما ذكرناه في غير هذا الموضع.
٥١٧ - وقال أبو العباس المالقي (٢) :
وبين ضلوعي للصبابة لوعةٌ ... بحكم الهوى تقضي عليّ ولا أقضي
جنى ناظري منها على القلب ما جنى ... فيا من رأى بعضاً يعين على بعض ٥١٨ - ودخل أبو القاسم ابن عبد المنعم، وكان أزرق وسيماً، ومعه أبو عبد الله الشاطبي وأبو عثمان سعيد بن قوشترة، على صاحب كتاب " مشاحذ الأفكار في مآخذ النظار " فقال ابن قوشترة:
عابوه بالزّرق الذي بجفونه ... والماء أزرق والسّنان كذلكا فقال الشاطبي:
والماء يهدي للنّفوس حياتها ... والرمح يشرع للمنون مسالكا فقال أبو بكر ابن طاهر صاحب كتاب " المشاحذ ":
وكذاك في أجفانه سبب الرّدى ... لكن أرى طيب الحياة هنالكا وهذا من بارع الإجازة، وكم لأهل الأندلس من مثل هذا الديباج الخسرواني، رحمهم الله تعالى وسامحهم.
стр. 2046
٥١٩ - وكتب الشيخ الإمام العالم العلامة أبو عبد الله محمد بن الصائغ الأندلسي النحوي عند قول الحريري (١) " أمنا أن يعززا بثالث " مانصه: قد جيء لهما بثالث ورابع في قافيتهما، وهو قول بعض الفضلاء:
ما الأمة اللّكعاء بين الورى ... كمسلمٍ حرٍّ أتى ملأمه
فمه إذا استجديت من قول لا ... فالحرّ لا يملأ منها فمه ثم قال: وبخامس وسادس:
انقد مهوى أزره فاثنى ... مهيا عذولي في الذي انقد مه
مندمةٌ قتل المعنى فلا ... ترسل سهام اللحظ تأمن دمه قلت: رأيت في المغرب (٢) في هذا المعنى ما ينيف على سبعين بيتاً كلها مساجلة لبيتي الحريري، رحمه الله تعالى (٣) .
٥٢٠ - وقال أبو بكر عبادة الشاعر في أبي بكر والد الوزير أبي الوليد ابن زيدون:
أيّ ركنٍ من الرياسة هيضا ... وجمومٍ من المكارم غيضا
حملوه من بلدةٍ نحو أخرى ... كي يوافوا به ثراه الأريضا
مثل حمل السحاب ماءً طبيباً ... لتداوي به مكاناً مريضا وكان المذكور توفي في ضيعة له، ونقل تابوته إلى قرطبة فدفن في الربض سنة ٤٠٥، وولد سنة ٣٠٤.
٥٢١ - وقال أبو بكر ابن قزمان صاحب الموشحات (٤) :
стр. 2047
وعهدي بالشباب وحسن قدّي ... حكى ألف ابن مقلة في الكتاب
فصرت اليوم منحنياً كأنّي ... أفتّش في التراب على شبابي وقال (١) :
يا رب يومٍ زارني فيه من ... أطلع من غرّته كوكبا
ذو شفة لمياء معسولةٍ ... ينشع من خدّيه ماء الصبا
قلت له هب لي بها قبلةً ... فقال لي مبتسماً مرحبا
فذقت شيئاً لم أذق مثله ... لله ما أحلى وما أعذبا
أسعدني الله بإسعاده ... يا شقوتي يا شقوتي لو أبى قال لسان الدين: كان ابن قزمان نسيج وحده أدباً وظرفاً ولوذعية وشهرة، قال ابن عبد الملك: كان أديباً بارعاً، حلو الكلام، مليح التندير، مبرزاً في نظم الزجل (٢) ، قال لسان الدين: وهذه الطريقة الزجلية بديعة تتحكم فيها ألقاب البديع، وتنفسح لكثير مما يضيق على الشاعر سلوكه، وبلغ فيهاأبو بكر، رحمه الله تعالى، مبلغاً حجره الله عن من سواه، فهو آيتها المعجزة، وحجتها البالغة، وفارسها المعلم، والمبتدىء فيها والمتمم.
وقال الفتح في حقه (٣) : مبرز في البيان، ومحرز للسبق (٤) عند تسابق الأعيان، اشتمل عليه المتوكل على الله فرقاه (٥) إلى مجالس، وكساه ملابس، فامتطى أسمى الرتب وتبوئها، ونال أثنى الخطط (٦) وما تملأها، وقد أثبت
стр. 2048
له ما يعلم به رفيع قدره (١) ، ويعرف كيف أساء له الزمان بغدره، كقوله:
ركبوا السيول من الخيول وركّبوا ... فوق العوالي السّمر زرق نطاف
وّتجللوا الغدران من ماذيّهم ... مرتجة إلا على الأكتاف (٢) والماذي: العسل، والنطاف: جمع النطفة، وهي الماء الصافي قل أو كثر.
٥٢٢ -[نقول من المطمح]
١ - وقال الفقيه أبو بكر ابن القوطية صاحب الأفعال في اللغة والغريب، في زمن الربيع (٣) :
ضحك الثرى وبدا لك استبشاره ... فاخضرّ شاربه وطرّ عذاره
ورنت حدائقه وزرّر نبته ... وتعطرت (٤) أنواره وثماره
واهتزّ ذابل كلّ ماء (٥) قرارةٍ ... لمّا أتى متطلّعاً آذاره
وتعمّمت صلع الرّبى بنباته ... وترنمت من عجمةٍ أطياره وقال في المطمح في حق ابن القوطية المذكور (٦) : إنه ممن له سلف، وثنية كلها شرف، وهو أحد المجتهدين في الطلب، والمشتهرين بالعلم والأدب، والمنتدبين للعلم والتصنيف، والمرتبين له بحسن الترتيب والتأليف، وكان له شعر نبيه، وأكثره أوصاف وتشبيه، انتهى.
٢ - وقال القاضي الأجل يونس بن عبد الله بن مغيث (٧) :
стр. 2049
أتوا حسبةً إذ قيل جدّ نحو له ... فلم يبق من لحمٍ عليه ولا عظم
فعادوا قميصاً في فراشٍ فلم يروا (١) ... ولا لمسوا شيئاً يدلدعلى جسم
طواه الهوى في ثوب سقمٍ من الضنى ... وليس بمحسوسٍ بعينٍ ولا وهم وقال في المطمح فيه: إنه قاضي الجماعة بقرطبة، فاضل ورع مبرز في النساك والزهاد، دائم الأرق في التخشع والسهاد، مع التحقق بالعلم والتمييز بحمله (٢) ، والتحيز إلى فئة الورع وأهله، وله تآليف في التصوف والزهد (٣) ، منها كتاب " المنقطعين إلى الله " وكتاب " المجتهدين " وأشعار في هذا المعنى، منها قوله:
فررت إليك من ظلمي لنفسي ... وأوحشني العباد وأنت أنسي
قصدت إليك منقطعاً غريباً ... لتؤنس وحدتي في قعر رمسي
وللعظمى من الحاجات عندي ... قصدت وأنت تعلم سرّ نفسي ولما أراد المستنصر بالله غزو الروم تقدم إلى أبي محمد والده بالكون في صحبته، ومسايرته في غزوته، فاعتذر بعذر يجده، وألم لا ينجده، فقال له الحكم: إن ضمن لي أن يؤلف في أشعار خلفائنا بالمشرق والأندلس مثل كتاب الصولي في أشعار خلفاء بني العباس أعفيته من الغزاة، وجازيته أفضل المجازاة، فأجابه إليه على أن يؤلفه بالقصر، فزعم أنه رجل مزور، وأن ذلك الموضع ممتنع على من يلم به ويزور، فألفه بدار الملك المطلة على النهر، وأكمله فيما دون شهر، وتوفي والمستنصر بعد في غزاته (٤) .
стр. 2050
٣ - وقال ابن سيده صاحب المحكم يخاطب إقبال الدولة:
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى ... سبيلٌ فإنّ الأمن في ذاك واليمنا قال في المطمح (١) : الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد المعروف بابن سيده إمام في اللغة والعربية، وهمام في الفئة الأدبية، وله في ذلك أوضاع، لأفهام أخلافها استدرار واسترضاع، حررها تحريراً، وأعاد طرف الذكاء بها قريراً، وكان منقطعاً إلى الموفق صاحب دانية، وبها أدرك أمانيه، ووجد تجرده للعلم وفراغه، وتفرد بتلك الإراغة، ولا سيما كتابه المسمى بالمحكم، فإنه أبدع كتاب (٢) وأحكم، ولما مات الموفق رائش جناحه، ومثبت غرره وأوضاحه، خاف من ابنه إقبال الدولة، وأطاف به مكروهاً (٣) بعض من كان حوله، إذ أهل الطلب كحيات مساورة، ففر إلى بعض الأعمال المجاورة، وكتب إليه منها مستعطفاً:
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى ... سبيل فإنّ الأمن في ذلك واليمنا
فتنضى همومٌ طلّحته خطوبها ... ولا غارباً يبقين منه ولا متنا
غريبٌ نأى أهلوه عنه وشفّه ... هواهم فأمسى لا يقرّ ولا يهنا
فيا ملك الأملاك إني محلأ ... عن الورد لا عنه أذاد ولا أدنى
تحققت مكروهاً فأقبلت شاكياً ... لعمري أمأذونٌ لعبدك أن يعنى
وإن تتأكد في دمي لك نيةٌ ... فإني سيف لا أحبّ له جفنا
إذا ما غدا من حرّ سيفك بارداً ... فقدماً غدا من برد نعماكم سخنا
وهل هي إلاّ ساعةٌ ثمّ بعدها ... ستقرع ما عمّرت من ندمٍ سنّا
стр. 2051
ومالي من دهري حياةٌ ألذّها ... فتجعلها نعمى عليّ وتمتنّا
إذا ميتةٌ أرضتك عنّا فهاتها ... حبيبٌ إلينا ما رضيت به عنّا وقال الفقيه أبو محمد غانم بن الوليد الأندلسي المخزومي المالقي (١) :
صيّر فؤادك للمحبوب منزلةً ... سمّ الخياط مجالٌ للمحبيّن
ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍ ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين وله:
الصبر أولى بوقار الفتى ... من قلق يهتك ستر الوقار
من لزم الصبر على حالةٍ ... كان على أيّامه بالخيار وقال في المطمح فيه: إنّه عالم متفرس، وفقيه مدرس، وأستاذ متجرد (٢) ، وإمام لأهل الأندلس مجود، وأما الأدب فكان جل شرعته، ورأس بغيته، مع فضل وحسن طريقة، وجدٍ في جميع الأمور وحقيقة، انتهى.
٥ - وقال المحدث الحافظ أبو عمر ابن عبد البر يوصي ابنه بمقصورة (٣) :
تجاف عن الدنيا وهوّن لقدرها ... ووفّ سبيل الدين بالعروة الوثقى
стр. 2052
وسارع بتقوى الله سرّاً وجهرةً ... فلا ذمة أقوى هديت من التقوى
ولا تنس شكر الله في كلّ نعمةٍ ... يمنّ بها فالشكر مستجلب النّعمى
فدع عنك ما لا حظّ فيه لعاقلٍ ... فإن طريق الحقّ أبلج لا يخفى
وشح بأيّامٍ بقين قلائلٍ ... وعمرٍ قصيرٍ لا يدوم ولا يبقى
ألم تر أنّ العمر يمضي مولّياً ... فجدّته يبلى ومدّته تفنى
نخوض ونلهو غفلةً وجهالةً ... وننشر أعمالاً وأعمارنا تطوى
تواصلنا فيه الحوادث بالردى ... وتنتابنا فيه النوائب بالبلوى
عجبت لنفسٍ تبصر الحقّ بيّناً ... لديها وتأبى أن تفارق ما تهوى
وتسعى لما فيه عليها مضرّةٌ ... وقد علمت أن سوف تجزى بما تسعى
ذنوبي أخشاها ولست بآيس ... وربّي أهلٌ أن يخاف وأن يرجى
وإن كان ربي غافراً ذنب من يشا ... فإنّي لا أدري أأكرم أم أخزى وقال في المطمح (١) : الفقيه الإمام العالم الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، إمام الأندلس وعالمها، الذي التاحت به معالمها، صحح المتن والسند، وميز المرسل من المسند، وفرق بين الموصول والقاطع، وكسا الملة منه نورٌ ساطع، حصر الرواة، وأحصى الضعفاء منهم والثقات، وجد في تصحيح السقيم، وجدد منه ما كان كالكهف والرقيم، مع معلنات العلل، وإرهاف ذلك العلل، والتنبيه والتوقيف، والإتقان والتثقيف، وشرح المقفل، واستدراك المغفل، وله فنون هي للشريعة رتاج، وفي مفرق الملة تاج، أشهرت للحديث ظبى، وفرعت لمعرفته ربى، وهبت لتفهمه شمال (٢) وصبا، وشفت منه وصبا، وكان ثقة، والأنفس على تفضيله متفقة، وأما أدبه فلا تعبر
стр. 2053
لجته، ولا تدحض حجته، وله شعر لم نجد منه إلا ما نفث به أنفة، وأقصى (١) فيه عن معرفة، فمن ذلك قوله - وقد دخل إشبيلية فلم يلق فيها مبرة، ولم يلق من أهلها تهلل أسرة، فأقام بها حتى أخلقه مقامه، وأطبقه اغتمامه، فارتحل وقال:
تنكّر من كنّا نسرّ بقربه ... وعاد زعافاً بعدما كان سلسلا
وحقّ لجارٍ لم يوافقه جاره ... ولا لاءمته الدار أن يتحوّلا
بليت بحمصٍ والمقام ببلدةٍ ... طويلاً لعمري مخلقٌ يورث البلى
إذا هان حرٌّ عند قومٍ أتاهم ... ولم ينأ عنهم كان أعمى وأجهلا
ولم تضرب الأمثال إلا لعالم ... وما عوتب الإنسان إلا ليعقلا ٦ - وقال الفقيه أبو بكر ابن أبي الدوس (٢) :
إليك أبا يحيى مددت يد المنى ... وقدماً غدت عن جود غيرك تقبض
وكانت كنور العين يلمع بالدجى ... فلمّا دعاه الصبح لبّاه ينهض وقال في المطمح: إنه من أبدع الناس خطاً، وأصحهم نقلاً وضبطاً، اشتهر بالإقراء، واقتصر بذلك على الأمراء، ولم ينحط لسواهم، ومطل الناس بذلك ولواهم، وكان كثير التحول، عظيم التجول، لا يستقر في بلد، ولا يستظهر على حرمانه بجاد، فقذفته النوى، وطردته عن كل ثوا، ثم استقر آخر عمره بأغمات، وبها مات، وكان له شعر بديع يصونه أبداً، ولا يمد به يداً. أخبرني من (٣) دخل عليه بالمرية فرآه في غاية الإملاق، وهو في ثياب أخلاق، وقد توارى في منزله تواري المذنب، وقعد عن الناس قعود
стр. 2054
مجتنب، فلما علم ما هو فيه، وترفعه عمن يجتديه، عاتبه في ذلك الاعتزال، وآخذه حتى استنزله بفيض الاستنزال، وقال له: هلا كتبت إلى المعتصم، فما في ذلك ما يصم، فكتب إليه: إليك أبا يحيى مددت يد المنى - البيتين، انتهى.
٧ - وقال الفقيه القاضي الفاضل أبو الفضل ابن الأعلم (١) ، حين اقلع وأناب، وودع ذلك الجناب، وتزهد وتنسك، وتمسك من طاعة الله بما تمسك، وتذكر يوماً يتجرد من أمله، وينفرد فيه بعمله:
الموت يشغل ذكره ... عن كل معلومٍ سواه
فاعمر له ربع ادّكا ... رك في العشيّة والغداه
واكحل به طرف اعتبا ... رك طول أيام الحياه
قبل ارتكاض النفس ما ... بين الترائب واللهاه
فيقال هذا جعفرٌ ... رهنٌ بما كسبت يداه
عصفت به ريح المنو ... ن فصيرته كما تراه
فضعوه في أكفانه ... ودعوه يجني ما جناه
وتمتّعوا بمتا ... هـ المخزون واحووا ما حواه
يا منظراً مستبشعاً ... بلغ الكتاب به مداه
لقّيت فيه بشارةً ... تشفي فؤادي من جواه
ولقيت بعدك خير من ... نبّاه ربي واجتباه
في دار خفضٍ ما اشتهت ... نفس المقيم بها أتاه وقال في المطمح: إنه كهل الطريقة، وفتى الحقيقة، تدرع الصيانة،
стр. 2055
وبرع في الورع والديانة، وتماسك عن الدنيا عفافاً، وما تماسك (١) التماساً بأهلها والتفافاً، فاعتقل النهى، وتنقل في مراتبها حتى استقر فيها في السها، وعطل أيام الشباب، ومطل فيها سعاد وزينب والرباب، إلا ساعات وقفها على المدام، وعطفها إلى الندام، حتى تخلى عن ذلك واترك، وأدرك من المعلومات ما أدرك، وتعرى من الشبهات، وسرى إلى الرشد مستيقظاُ من تلك السنات، وله تصرف في شتى الفنون، وتقدم في معرفة المفروض والمسنون، وأما الأدب فلم يجاره في ميدانه أحد، ولا استولى على إحسانه فيه حصر ولا حد، وجده أبو الحجاج الأعلم هو خلّد منه ما خلّد، ومنه تقلد ما تقلد، وقد أثبت لأبي الفضل هذا ما يسقيك ماء الإحسان زلالاً، ويريك سحر البيان حلالاً، فمن ذلك ما كتب به إلي، وقد مررت على شنت مرية بعدما رحل عنها وانتقل، واعتقل من نوانا (٢) وبيننا ما اعتقل، وشنت مرية هذه داره، وبها كمل هلاله وإبداره، وفيها استقضي، وشيم مضاؤه وانتضي، فالتقينا بها على ظهر، وتعاطينا ذكر ذلك الدهر، فجددت من شوقه، ما كان قد شب عن طوقه، فرامني على الإقامة، وسامني على ذلك بكل كرامة، فأبيت إلا النوى وانثنيت عن الثوا، فودعني، ودفع إلي تلك القطعة حين شيعني:
بشراي أطلعت السعود على ... آفاق أنسي بدرها كملا
وكسا أديم الأرض منه سناً ... فكست بسائطها به حللاً
إيه أبا نصرٍ، وكم زمنٍ ... قصر ادكارك عندي الأملا
هل تذكرن والعهد يخجلني ... هل تذكرن أيامنا الأولا
أيام نعثر في أعنّتنا ... ونجرّ من أبرادنا خيلا
ونحل روض الأنس مؤتنفاً ... وتحلّ شمس مرادنا الحملا
стр. 2056
ونرى ليالينا مساعفة ... تدعو إلينا رفقنا الجفلى
زمنٌ نقول على تذكره ... ما تم حتى قيل قد رحلا
عرضت لزورتكم وما عرضت ... إلاّ لتمحق كلّ ما فعلا ووافيته عشية من العشايا أيام ائتلافنا، وعودنا إلى مجلس الطلب واختلافنا، فرأيته مستشرفاً متطلعاُ، يرتاد موضعاً يقيم به لثغور الأنس مرتشفاً ولثديه مرتضعاً، فحين مقلني (١) ، تقلدني إليه واعتقلني، وملنا إلى روضة قد سندس الربيع في بساطها ودمج الدهر وأنك أوساطها أشعرت النفوس فيها سرورها وانبساطها، فأقمنا بها نتعاطى كؤوس أخبار، ونتهادى أحاديث جهابذة وأخبار، إلى أن نثر زعفران العشي، وأذهب الأنس خوف العالم الوحشي، فقمت وقام، وعوج الرعب من ألسنتنا ما كان استقام، وقال:
وعشيّة كالسيف إلاّ حده ... بسط الربيع بها لنعلي خدّه
عاطيت كأس الأنس فيها واحداً ... ما ضرّه أن كان جمعاً وحده وتنزه يوماً بحديقة من حدائق الحضرة قد اطرد نهرها، وتوقد زهرها، والريح يسقطه فينظم بلبّة الماء، ويبتسم به فتخاله كصفحة خضرة السماء، فقال:
انظر إلى الأزهار كيف تطلعت ... بسماوة الروض المجود نجومها
وتساقطت فكأنّ مسترقاً دنا ... للسمع فانقضّت عليه رجوما
وإلى مسيل الماء قد رقمت به ... صنع الرياح من الحباب رقوما
ترمي الرياح لها نثيراً زهره ... فتمده في شاطئيه رقيما وله يصف قلم يراعة، وبرع في صفته أعظم براعة:
стр. 2057
ومهفهفٍ ذلق صليب المكسر ... سببٌ لنيل المطلب المتعذّر
متألّقٌ تنبيك صفرة لونه ... بقديم صحبته لآل الأصفر
ما ضره أن كان كعب يراعةٍ ... وبحكمه اطّردت كعوب السّمهري له عندما شارف الكهولة، واستأنف قطع صرة كانت موصولة:
أمّا أنا فقد ارعويت عن الصّبا ... وعضضت من ندم عليه بناني
فأطعت نصّاحي وربّ نصيحةٍ ... جاءوا بها فلججت في العصيان
أيام أسحب من ذيول شبيبتي ... مرحاً وأعثر في فضول عناني
وأجلّ كأسي أن ترى موضوعةً ... فعلى يدي أو في يدي ندماني
أيام أحيا بالغواني والغنا ... وأموت بين الراح والريحان
في فتيةٍ فرضوا اتصال هواهم ... فمناهم دنٌّ من الأدنان
هزّت علاهم أريحيّات الصّبا ... فهي النسيم وهم غصون البان
من كلّ مخلوع الأعنّة لم يبل ... في غيّه بمصارف الأزمان إلى أن قال: ومن نثره يصف فرساً: انظر إليه سليم الأديم، كريم القديم، كأنما نشأ بين الغبراء واليحموم (١) ، نجمٌ إذا بدا، ووهمٌ إذا عدا، يستقبل بغزال، ويستدبر برال، ويتحلى بشيات (٢) تقسيمات الجمال.
وله يصف سرجاً: بزة جياد، ومركب أجواد، جميل الظاهر، رحيب ما بين القادمة والآخر، كأنما قد من الخدود أديمه، واختص بإتقان الحبك تقويمه.
وله في وصف لجام: متناسب الأشلاء، صريح الانتماء، إلى ثريا السماء، فكله نكال، وسائره جمال.
стр. 2058
وله في وصف رمح: مطرد الكعوب، صحيح اتصال الغالب والمغلوب، أخ ينوب كلما استنيب ويصيب.
وله في وصف قميص: كافوري الأديم، بابلي الرسوم، تباشر منه الجسوم، ما يباشر الروض من النسيم.
وله في وصف بغل: مقرف (١) النسب، مستخبر الشرف آمن الكبب، إن ركب امتنع اعتماله، أو ركب استقل به أخواله.
وله في وصف حمار: وثيق المفاصل، عتيق النهضة إذا ونت المراسل، انتهى ببعض اختصار.
٨ - وقال الأديب الشاعر ابو عمر (٢) يوسف بن هرون الكندي، المعروف بالرمادي (٣) :
أومى لتقبيل البساط خنوعا ... فوضعت خدّي في التراب خضوعا
ما كان مذهبه الخنوع لعبده ... إلاّ زيادة قلبه تقطيعا
قولوا لمن أخذ الفؤاد مسلّماً ... يمنن عليّ بردّه مصدوعا
العبد قد يعصي، وأحلف أنني ... ما كنت إلاّ سامعاً ومطيعا
مولاي يحيى في حياةٍ كاسمه ... وأنا أموت صبابةً وولوعا
لا تنكروا غيث الدموع فكلّ ما ... ينحلّ من جسمي يكون دموعا والرمادي المذكور عرف به غير واحد، منهم الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتابه " جذوة المقتبس " وقال (٤) : أظن أن أحد آبائه كان من أهل الرمادة، وهي موضع بالمغرب، وهو قرطبي، كثير الشعر، سريع القول، مشهور عند
стр. 2059
الخاصة والعامة هنالك، لسلوكه في فنون من المنظور والمنثور مسالك، حتى كان كثير من شيوخ الأدب في وقته يقولون: فتح الشعر بكندة وفتح في كنده، يعنون امرأ القيس والمتنبي ويوسف بن هرون، على أن في كون المتنبي من كندة القبيلة كلاماً مشهوراً.
وأخذ أبو عمر ابن عبد البر عن الرمادي هذا قطعة من شعره، وضمنها بعض تأليفه.
قال ابن حيان: توفي الرمادي سنة ٤٠٣، وذكر ابن سعيد في " المغرب " ان الرمادي اكتسب صناعة الأدب من شيخه أبي بكر يحيى بن هذيل الكفيف عالم أدباء الأندلس، وهو القائل رحمه الله تعالى:
لا تلمني على الوقوف بدارٍ ... أهلها صيّروا السّقام ضجيعي
جعلوا لي إلى هواهم سبيلاً ... ثمّ سدّوا عليّ باب الرجوع وروى الرمادي عن أبي علي كتاب " النوادر " ومدح أبا علي بقصيدة كما أشرنا إليه في غير هذا الموضع.
وقال في المطمح (١) : إنه شاعر مفلق، انفرج له من الصناعة المغلق، وومض له برقها المؤتلق، وسال بها طبعه كالماء المندفق، فأجمع على تفضيله المختلف والمتفق، فتارة يحزن وأخرى يسهل، وفي كلتيهما بالبديع يعل وينهل، فاشتهر عند الخاصة والعامة بانطباعه في الفريقين، وإبداعه في الطريقين، وكان هو وأبو الطيب متعاصرين، وعلى الصناعة متغايرين، وكلاهما من كندة، وما منهما إلا من اقتدح في الإحسان زنده وتمادى بأبي عمر (٢) ، طلق العمرحتى أفرده صاحبه ونديمه، وهريق شبابه واستشن أديمه،
стр. 2060
ففارق تلك الأيام وبهجتها، وأدرك الفتنة فخاض لجتها، وأقام فرقاً من هيجانها، شرقاًبأشجانها، ولحقته فيها فاقة نهكته، وبعدت عنه الإفاقة حتى أهلكته، وقد أثبت من محاسنه ما يعجبك سرده، ولا يمكنك نقده، فمن ذلك قوله:
شطّت نواهم بشمسٍ في هوادجهم ... لولا تلألؤها في ليلهنّ عشوا
شكت محاسنها عيني وقد غدرت ... لأنّها بضمير القلب تنجمش
شعرٌ ووجهٌ تبارى في اختلافهما ... بحسن هذا وذاك الروم والحبش
شككت في سقمي منها أفي فرشي ... منها نكست وإلاّ الطيف والفرش إلى أن قال: وكان كلفاً بفتىً نصراني استسهل (١) لباس زناره، والخلود معه في ناره، وخلع بروده لمسوحه، وتسوغ الأخذ عن مسيحه (٢) ، وراح في بيعته، وغدا من شيعته، ولم يشرب نصيبه، حتى حط عليه صليبه، فقال:
أدرها مثل ريقك ثم صلّب ... كعادتهم (٣) على وهمي وكاسي
فيقضى ماأمرت به اجتلاباً ... لمسروري وزاد خضوع (٤) راسي وله في مثله:
ورأيت فوق النّحر در ... عاً فاقعاً من زعفران
فزجرته لوناً سقا ... مي بالنوى، والزّجر شاني
يامن نأى عنّي كما ... تنأى العيون (٥) الفرقدان
فأرى بعيني الفرقدي ... ن ولا أراه ولا يراني
стр. 2061
لا قدرت لك أوبة ... حتى يؤوب القارظان
هل ثم إلا الموت فر ... داً لاتكون منيتان وله أيضاً:
اشرب الكاس يا نصير وهات ... إن هذا النهار من حسناتي
بأبي غرة ترى الشخص فيها ... في صفاء أصفى من المرآة
تنزع (١) الناس نحوها بازدحام ... كازدحام الحجيج في عرفات
هاتها يا نصير إنا اجتمعنا ... بقلوب في الدين مختلفات
إنما نحن في مجالس لهو ... نشرب الراح ثم أنت مواتي
فإذا ما انقضت دنانة ذا الله ... و (٢) اعتمدنا مواضع الصلوات
لو مضى الدهر دون راح وقصف ... لعددنا هذا من السيئات وشاعت عنه أشعار في دولة الخلافة (٣) وأهلها، سدد إليهم صائبات نبلها، وسقاهم كؤوس نهلها، أوغرت عليه الصدور، ونفرت (٤) عليه المنايا ولكن لم يساعدها المقدور، فسجنه الخليفة دهراً، وأسكنه (٥) من النكبة وعراً، فاستعطفه أثناء ذلك واستلطفه، وأجناه كل زهر من الاحسان وأقطفه،
فما أصغى إليه، ولا ألغى موجدته عليه، وله في السجن أشعار صرح فيها ببثه، وأفصح فيها عن جل الخطب لفقد صبره ونكثه، فمن ذلك قوله:
لك الأمن من شجو يزيد تشوقي ...
стр. 2062
ومنها:
فوافوا بنا الزهراء في حال خالع ال ... أئمة (١) لاستيفائهم في التوثق
وحولي من أهل التأدب مأتم ... ولا جؤذر إلا بثوب مشقق
فلو أن في عيني الحمام كروضها ... وإن كان في ألوانه غير مشفق
ونادى حمامي مهجتي لتقلقلت (٢) ... فهلا أجابت وهو عندي لمحنق
أعيني إن كانت لدمعي فضلة ... تثبت صبري ساعة فتدفقي
فلو ساعدت ثالث أمن عدة الأمس ... تنقت دمومي أم من البحر تستقي ومنها:
وقالت تظن الدهر يجمع بيننا ... فقلت لها من لي بظن محقق
ولكنني فيما زجرت بمقلتي ... زجرت اجتماع الشمل بعد التفرق
فقد كانت الأشفار في مثل بعدنا ... فلما التقت بالطيف قالت سنلتقي
أباكية يوما ولم يأتي وقته ... سينفد قبل اليوم دمعك فارفقي إلى أن قال: وله أيضاً:
على كبري تهمي السحاب وتذرف ... ومن جزعي تبكي الحمام وتهتف
كأن السحاب الواكفات غواسلي ... وتلك على فقدي نوائح هتف
ألا ظعنت ليلى وبان قطينها ... ولكنني باق فلوموا وعنفوا
وآنست في وجه الصباح لبينها ... نحولاً كأن الصبح مثلي مدنف
وأقرب عهد رشفة بلت الحشا ... فعاد شتاء بارداً وهو صيف
وكانت على خوف فولت كأنها ... من الردف في قيد الخلاخل ترسف
стр. 2063
وله:
قبلته قدام قسيسه ... شربت كاسات بتقديسه
يقرع قلبي عند ذكري له ... من فرط شوقي قرع ناقوسه وسجن معه غلام من أولاد العبيد فيه مجال، وفي نفس متأمله من لوعته أوجال، فكتب يخاطب الموكل بالسجن بقطعة منها:
جليسك ممن أتلف الحب قلبه ... ويلذع قلبي حرقة دونها الجمر
هلال وفي غير السماء طلوعه ... وريم ولكن ليس مسكنه القفر
تأملت عينيه فخامرني السكر ... ولا شك في أن العيون هي الخمر
أناطقه كيما يقول، وإنما ... أناطقه عمداً لينتثر الدر
أنا عبده وهو المليك كما اسمه ... فلي منه شطر كامل وله شطر انتهى باختصار.
٩ - وقال محمد بن هانئ (١) :
قد مررنا على مغانيك تلك ... فرأينا بها مشابه منك
عارضتنا المها الخواذل سرباً ... عند أجراعها فلم نسل عنك
لا يرع للمها بذكرك سرب ... أشبهتك في الوصف إن لم تكنك
كن عذيري لقد رأيت معاجي ... يوم تبكي بالجزع ولهى (٢) وأبكي
بحنين مرجع وتشك ... وأنين موجع كتشكي وقال صاحب المطمح في حقه: الأديب أبو القاسم محمد بن هانئ، ذخر (٣)
стр. 2064
خطير، وروض أدب مطير، غاص في طلب الغريب حتى أخرج دره المكنون، وبهرج بافتنانه فيه كل الفنون، وله نظم تتمنى الثريا أن تتوج به وتتقلد، ويود البدر أن يكتب ما اخترع فيه وولد، زهت به الأندلس وتاهت، وحاسنت ببدائعه الأشمس وباهت، فحسد المغرب فيه المشرق، وغص به من بالعراق وشرق، غير أنه نبت به أكنافها، وشمخت عليه آنافها، وبرئت منه، وزويت الخيرات فيها عنه، لأنه سلك مسلك المعري، وتجرد من التدين وعري، وأبدى الغلو، وتعدى الحق المجلو، فمجته الأنفس، وأزعجته الأندلس، فخرج على غير اختيار، وما عرج على هذه الديار، إلى أن وصل الزاب واتصل بجعفر ابن الأندلسية، مأوى تلك الجنسية، فناهيك من سعد ورد عليه فكرع، ومن باب ولج فيه وما قرع، فاسترجع عنده شبابه، وانتجع وبله وربابه، وتلقاه بتأهيل ورحب، وسقاه صوب تلك السحب، فأفرط في مدحه فيه في الغلو وزاد، وفرغ عنده تلك المزاد، ولم يتورع، ولا ثناه ذو ورع، وله بدائع يتحير فيها ويحار، ويخال لرقتها أنها أسحار، فغنه اعتمد التهذيب والتحرير، واتبع في أغراضه الفرزدق مع جرير، وأما تشبيهاته فخرق فيها المعتاد، وما شاء منها اقتاد، وقد أثبت له ما تحن له الأسماع، ولا تتمكن منه الأطماع، فمن ذلك قوله:
أليلتنا إذ أرسلت وارداً وحفا ... وبتنا نرى الجوزاء في أذنها شنفا
وبات لنا ساق يقوم على الدجى ... بشمعة صبح لاتقط ولاتطفا
أغن غضيض خفف اللين قده ... وثقلت الصهباء أجفانه الوطفا
ولم يبق إرعاش المدام له يداً ... ولم يبق إعنات التثني له عطفا
نزيف نضاه السكر إلا ارتجاجة ... إذا كل عنها الخصر حملها الردفا
يقولون حقف فوقه خيزرانة ... أما يعرفون الخيزرانة والحقفا
جعلنا حشايانا ثياب مدامنا ... وقدت لنا الأزهار من جلدها لحفا
стр. 2065
فمن كبد توحي إلى كبد هوى ... ومن شفة تومي إلى شفة رشفا ومنها:
كأن السماكين اللذين تراهما ... على لبنتيه ضامنان له حتفا
فذا رامح يهوي إليه سنانه ... وذا أعزل قد عض أنمله لهفا
كأن سهيلاً في مطالع أفقه ... مفارق إلف لم يجد بعده إلفا
كأن بني نعش ونعشاً مطافل ... بوجزة قد أضللن في مهمه خشفا
كأن سهاها عاشق بين عود ... فآونة يبدو وآونة يخفى
كأن قدامى النسر والنسر واقع ... قصصن فلم تسم الخوافي له ضعفا
كان أخاه حين حوم طائر ... أتى دون نصف البدر فاختطف النصفا
كان ظلام الليل إذ مال ميلة ... صريع مدام بات يشربها صرفا
كأن عمود الصبح خاقان معشر ... من الترك نادى بالنجاشي فاستخفى
كأن لواء الشمس غرة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا (١) وله أيضاً:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعاً ... بالنصر من علق (٢) الحديد الأحمر
أبني العوالي السمهرية والسيو ... ف المشرفية والعديد الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير
جيش تعد له الليوث وفوقها ... كالغيل من قصب الوشيج الأخضر
وكأنما سلب القشاعم ريشها ... مما يشق من العجاج الأكدر
لحق القبول مع الدبور وسار في ... جمع الهرقل وعزمة الإسكندر
стр. 2066
في فتية صدأ الحديد لباسهم ... في عبقري البيض جنة عبقر
وكفاه من حب السماحة أنه ... منها بموضع مقلة من محجر ومنها:
نعماؤه من رحمة، ولباسه ... من جنة، وعطاؤه من كوثر وله أيضاً من قصيدة في جعفر بن علي:
ألا أيها الوادي المقدس بالندى (١) ... وأهل الندى قلبي إليك مشوق
ويا أيها القصر المنيف قبابه ... على الزاب لايسدد إليك طريق
ويا ملك الزاب الرفيع عماده ... بقيت لجمع المجد وهو فريق
فما أنس لاأنس الأمير إذا غدا ... تروع بحوراً فلكه وتروق (٢)
ولا الجود يجري من صفيحة وجهه ... إذا كان من ذاك الجبين شروق
وهزته للمجد حتى كأنما ... جرت في سجاياه العذاب رحيق
أما وأبي تلك الشمائل إنها ... دليل على أن النجار عتيق
فكيف بصبر النفس عنه ودونه ... من الأرض مغبر الفجاج عميق
فكن كيف شاء الناس أو شئت دائماً ... فليس لهذا الملك غيرك فوق
ولا تشكر الدنيا على نيل رتبة ... فما نلتها إلا وأنت حقيق وله من أخرى:
خليلي أين الزاب مني وجعفر ... وجنات عدن بنت عنها وكوثر
فقبلي نأى عن جنة الخلد آدم ... فما راقه من جانب الأرض منظر
لقد سرني أني أمر بباله ... فيخبرني عنه (٣) بذلك مخبر
стр. 2067
وقد ساءني أني أراه ببلدة ... بها منسك منه عظيم ومشعر
وقد كان لي منه شفيع مشفع ... به يمحص به الله الذنوب ويغفر
أتى الناس أفواجاً إليك كأنما ... من الزاب بيت أو من الزاب محشر
فأنت لمن مزق الله شمله ... ومعشره والأهل أهل ومعشر وله أيضاً:
ألا طرقتنا والنجوم ركود ... وفي الحي أيقاظ وهن هجود
وقد أعجل الفجر الملمع خطوها ... وفي أخريات الليل منه عمود
سرت عاطلاً غضبي على الدر وحده ... ولم يدر نحر ما دهاه وجيد
فما برحت إلا ومن سلك أدمعي ... قلائد في لباتها وعقود
ويا حسنها في يوم نضت سوالفاً ... تريع إلى أترابها وتحيد
ألم يأتها أنا كبرنا عن الصبا ... وأنا بلينا والزمان جديد
ولا كالليالي ما لهن مواثق ... ولا كالغواني ما لهن عهود
ولا كالمعز ابن النبي خليفة ... له الله بالفخر المبين شهيد وله من قصيدة يمدح بها يحيى بن علي بن رمان:
قفا بي فلا مسرى سرينا ولانسري ... وإلا نرى مشي القطا الوارد الكدر
قفا نتبين أين ذا البرق منهم ... ومن أين تأتي الريح طيبة النشر
لعل ثري الوادي الذي كنت مرة ... أزورهم فيه تضوع للسفر
وإلافما واد يسيل بعنبر ... وإلا فما تدري الركاب ولا ندري
أكل الناس بالصبر لم تظنه ... كناس الظباء الدعج والشدن العفر
وهل عجبوا ألي أسئل عنهم ... وهم بين أحناء الجوانح والصدر
وهل علموا أني أيمم أرضهم ... وما لي بها غير التعسف من خبر
ولي سكن تأتي الحوادث دونه ... فيبعد عن عيني ويقرب من فكري
стр. 2068
إذا ذكرته النفس جاشت بذكره ... كما عثر الساقي بجام من الخمر
فلا تسألاني عن زماني الذي خلا ... فوالعصر إني قبل يحيى لفي خسر
وآليت لا أعطي الزمان مقادتي ... على مثل يحيى ثم أغضي على الوتر
حنيني إليه ظاعناً ومخيماً ... وليس حنين الطير إلا إلى الوكر وله من قصيدة:
فتكات طرفك أم سيوف أبيك ... وكؤوس خمرك أم مراشف فيك
أجلاد مرهفة وفتك محاجر ... لا أنت راحمة ولا أهلوك
يا بنت ذي السيف الطويل نجاده ... أكذا يجوز الحكم في ناديك
عيناك أم مغناك موعدنا، على ... وادي الكرى ألقاك أم واديك وله أيضاً:
أحبب بهاتيك القباب قبابا ... لا بالحداة ولا الركاب ركابا
فيها قلوب العاشقين تخالها ... عنماً بأيدي البيض أو عنابا
والله لولا أن يعنفني الهوى ... ويقول بعض العاذلين تصابى
لكسرت دملجها بضيق عناقها ... ورشفت من فيها البرود رضابا
بنتم فلولا أن أغير لمتي ... عبثاً وألقاكم علي غضابا
لخضبت شيباً في مفارق لمتي ... ومحوت محو النفس عنه شبابا
وخضبت مبيض الحداد عليكم ... لو أنني أجد البياض خضابا
وإذا أردت على المشيب وفادةً ... فاحثث مطيك دونه الأحقابا
فلتأخذن من الزمان حمامةً ... ولتبعثن إلى الزمان غرابا ومنها:
قد طيب الأقطار طيب ثنائه ... من أجل ذا نجد الثغور عذابا
ام تدنني أرض إليك وإنما ... جئت السماء ففتحت أبوابا
стр. 2069
ورأيت حولي وفد كل قبيلة ... حتى توهمت العراق الزابا
أرض وطئت الدر من رضراضها ... والمسك ترباً والرياض جنابا
ورأيت أجبل أرضها منقادةً ... فحسبتها مدت إليك رقابا
سد الإمام بها الثغور وقبلها ... هزم النبي بقومك الأحزابا وقال ابن هانئ يصف الأسطول:
معطفة الأعناق نحو متونها ... كما نبهت أيدي الحواة الأفاعيا
إذا ما وردن الماء شوقاً لبرده ... صدرن ولم يشربن غرفاً صواديا
إذا أعملوا فيها المجاذيف سرعةً ... ترى عقرباً منها على الماء ماشيا ١٠ - وقال الأديب أبو عمر أحمد بن فرج الجياني رحمه الله تعالى (١) :
وطائعة الوصال عدوت عنها ... وما الشيطان فيها بالمطاع
بدت في الليل سائرة ظلام ال ... دياجي منه (٢) سافرة القناع
وما من لحظة إلا وفيها ... إلى فتن القلوب لها دواعي
فملكت النهى جمحات (٣) شوقي ... لأجرى بالعفاف على طباعي
وبت بها مبيت الطفل يظما ... فيمنعه الفطام عن الرضاع
كذاك الروض ليس به لمثلي ... سوى نظر وشم من متاع
ولست من السوائم مهملات ... فأتخذ الرياض من المراعي وقال:
للروض حسن فقف عليه ... واصرف عنان الهوى إليه
стр. 2070
أما ترى نرجساً نضيراً ... يرنو إليه بمقلتيه
نشر حبيبي على رباه ... وصفرتي فوق وجنتيه وقال:
بمهلكة يستهلك الحمد عفوها ... ويترك شمل العزم وهو مبدد
ترى عاصف الأرواح فيها كأنها ... من الأين تمشي ظالع أو مقيد وقال فيه في المطمح: محرز الخصل، مبرز في كل معنى وفصل (١) ، متميز بالإحسان، منتم إلى فئة البيان، ذكي الخلد مع قوة العارضة، والمنة الناهضة، حضر مجلس بعض القضاة وكان مشتهراً لضبط منتهراً (٢) لمن انبسط فيه بعض البسط، حتى إن أهله لايتكلمون فيه إلارمزاً، ولا يخاطبون إلا إيماء فلا تسمع لهم ركزاً، فكلم فيه خصماً له كلاماً استطال به عليه لفضل بيانه، وطلاقة لسانه، ففارق عادة المجلس في رفض الأنفة، وخفض الحجة المؤتنفة، وهز عطفه وحسر عن ساعده، وأشار بيده، ماداً بها لوجه خصمه، خارجاً عن حد المجلس ورسمه، فهم الأعوان بتقويمه وتثقيفه، ووزعهم رهبة منه وخشية، حتى تناوله القاضي بنفسه، وقال له: مهلاً عافاك الله اخفض صوتك، واقبض يدك، ولاتفارق مركزك، ولا تعد حقك، وأقصر عن إدلالك (٣) ، فقال له: مهلاً يا قاضي، أمن المخدرات أنا فأخفض صوتي وأستر يدي، وأغطي معاصمي لديك أم من الأنبياء أنت فلا يجهر بالقول عندك وذلك لم يجعله الله تعالى إلا لرسوله ﵊، لقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لاترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي -