في فتية صدأ الحديد لباسهم ... في عبقري البيض جنة عبقر
وكفاه من حب السماحة أنه ... منها بموضع مقلة من محجر ومنها:
نعماؤه من رحمة، ولباسه ... من جنة، وعطاؤه من كوثر وله أيضاً من قصيدة في جعفر بن علي:
ألا أيها الوادي المقدس بالندى (١) ... وأهل الندى قلبي إليك مشوق
ويا أيها القصر المنيف قبابه ... على الزاب لايسدد إليك طريق
ويا ملك الزاب الرفيع عماده ... بقيت لجمع المجد وهو فريق
فما أنس لاأنس الأمير إذا غدا ... تروع بحوراً فلكه وتروق (٢)
ولا الجود يجري من صفيحة وجهه ... إذا كان من ذاك الجبين شروق
وهزته للمجد حتى كأنما ... جرت في سجاياه العذاب رحيق
أما وأبي تلك الشمائل إنها ... دليل على أن النجار عتيق
فكيف بصبر النفس عنه ودونه ... من الأرض مغبر الفجاج عميق
فكن كيف شاء الناس أو شئت دائماً ... فليس لهذا الملك غيرك فوق
ولا تشكر الدنيا على نيل رتبة ... فما نلتها إلا وأنت حقيق وله من أخرى:
خليلي أين الزاب مني وجعفر ... وجنات عدن بنت عنها وكوثر
فقبلي نأى عن جنة الخلد آدم ... فما راقه من جانب الأرض منظر
لقد سرني أني أمر بباله ... فيخبرني عنه (٣) بذلك مخبر
стр. 2067
وقد ساءني أني أراه ببلدة ... بها منسك منه عظيم ومشعر
وقد كان لي منه شفيع مشفع ... به يمحص به الله الذنوب ويغفر
أتى الناس أفواجاً إليك كأنما ... من الزاب بيت أو من الزاب محشر
فأنت لمن مزق الله شمله ... ومعشره والأهل أهل ومعشر وله أيضاً:
ألا طرقتنا والنجوم ركود ... وفي الحي أيقاظ وهن هجود
وقد أعجل الفجر الملمع خطوها ... وفي أخريات الليل منه عمود
سرت عاطلاً غضبي على الدر وحده ... ولم يدر نحر ما دهاه وجيد
فما برحت إلا ومن سلك أدمعي ... قلائد في لباتها وعقود
ويا حسنها في يوم نضت سوالفاً ... تريع إلى أترابها وتحيد
ألم يأتها أنا كبرنا عن الصبا ... وأنا بلينا والزمان جديد
ولا كالليالي ما لهن مواثق ... ولا كالغواني ما لهن عهود
ولا كالمعز ابن النبي خليفة ... له الله بالفخر المبين شهيد وله من قصيدة يمدح بها يحيى بن علي بن رمان:
قفا بي فلا مسرى سرينا ولانسري ... وإلا نرى مشي القطا الوارد الكدر
قفا نتبين أين ذا البرق منهم ... ومن أين تأتي الريح طيبة النشر
لعل ثري الوادي الذي كنت مرة ... أزورهم فيه تضوع للسفر
وإلافما واد يسيل بعنبر ... وإلا فما تدري الركاب ولا ندري
أكل الناس بالصبر لم تظنه ... كناس الظباء الدعج والشدن العفر
وهل عجبوا ألي أسئل عنهم ... وهم بين أحناء الجوانح والصدر
وهل علموا أني أيمم أرضهم ... وما لي بها غير التعسف من خبر
ولي سكن تأتي الحوادث دونه ... فيبعد عن عيني ويقرب من فكري
стр. 2068
إذا ذكرته النفس جاشت بذكره ... كما عثر الساقي بجام من الخمر
فلا تسألاني عن زماني الذي خلا ... فوالعصر إني قبل يحيى لفي خسر
وآليت لا أعطي الزمان مقادتي ... على مثل يحيى ثم أغضي على الوتر
حنيني إليه ظاعناً ومخيماً ... وليس حنين الطير إلا إلى الوكر وله من قصيدة:
فتكات طرفك أم سيوف أبيك ... وكؤوس خمرك أم مراشف فيك
أجلاد مرهفة وفتك محاجر ... لا أنت راحمة ولا أهلوك
يا بنت ذي السيف الطويل نجاده ... أكذا يجوز الحكم في ناديك
عيناك أم مغناك موعدنا، على ... وادي الكرى ألقاك أم واديك وله أيضاً:
أحبب بهاتيك القباب قبابا ... لا بالحداة ولا الركاب ركابا
فيها قلوب العاشقين تخالها ... عنماً بأيدي البيض أو عنابا
والله لولا أن يعنفني الهوى ... ويقول بعض العاذلين تصابى
لكسرت دملجها بضيق عناقها ... ورشفت من فيها البرود رضابا
بنتم فلولا أن أغير لمتي ... عبثاً وألقاكم علي غضابا
لخضبت شيباً في مفارق لمتي ... ومحوت محو النفس عنه شبابا
وخضبت مبيض الحداد عليكم ... لو أنني أجد البياض خضابا
وإذا أردت على المشيب وفادةً ... فاحثث مطيك دونه الأحقابا
فلتأخذن من الزمان حمامةً ... ولتبعثن إلى الزمان غرابا ومنها:
قد طيب الأقطار طيب ثنائه ... من أجل ذا نجد الثغور عذابا
ام تدنني أرض إليك وإنما ... جئت السماء ففتحت أبوابا
стр. 2069
ورأيت حولي وفد كل قبيلة ... حتى توهمت العراق الزابا
أرض وطئت الدر من رضراضها ... والمسك ترباً والرياض جنابا
ورأيت أجبل أرضها منقادةً ... فحسبتها مدت إليك رقابا
سد الإمام بها الثغور وقبلها ... هزم النبي بقومك الأحزابا وقال ابن هانئ يصف الأسطول:
معطفة الأعناق نحو متونها ... كما نبهت أيدي الحواة الأفاعيا
إذا ما وردن الماء شوقاً لبرده ... صدرن ولم يشربن غرفاً صواديا
إذا أعملوا فيها المجاذيف سرعةً ... ترى عقرباً منها على الماء ماشيا ١٠ - وقال الأديب أبو عمر أحمد بن فرج الجياني رحمه الله تعالى (١) :
وطائعة الوصال عدوت عنها ... وما الشيطان فيها بالمطاع
بدت في الليل سائرة ظلام ال ... دياجي منه (٢) سافرة القناع
وما من لحظة إلا وفيها ... إلى فتن القلوب لها دواعي
فملكت النهى جمحات (٣) شوقي ... لأجرى بالعفاف على طباعي
وبت بها مبيت الطفل يظما ... فيمنعه الفطام عن الرضاع
كذاك الروض ليس به لمثلي ... سوى نظر وشم من متاع
ولست من السوائم مهملات ... فأتخذ الرياض من المراعي وقال:
للروض حسن فقف عليه ... واصرف عنان الهوى إليه
стр. 2070
أما ترى نرجساً نضيراً ... يرنو إليه بمقلتيه
نشر حبيبي على رباه ... وصفرتي فوق وجنتيه وقال:
بمهلكة يستهلك الحمد عفوها ... ويترك شمل العزم وهو مبدد
ترى عاصف الأرواح فيها كأنها ... من الأين تمشي ظالع أو مقيد وقال فيه في المطمح: محرز الخصل، مبرز في كل معنى وفصل (١) ، متميز بالإحسان، منتم إلى فئة البيان، ذكي الخلد مع قوة العارضة، والمنة الناهضة، حضر مجلس بعض القضاة وكان مشتهراً لضبط منتهراً (٢) لمن انبسط فيه بعض البسط، حتى إن أهله لايتكلمون فيه إلارمزاً، ولا يخاطبون إلا إيماء فلا تسمع لهم ركزاً، فكلم فيه خصماً له كلاماً استطال به عليه لفضل بيانه، وطلاقة لسانه، ففارق عادة المجلس في رفض الأنفة، وخفض الحجة المؤتنفة، وهز عطفه وحسر عن ساعده، وأشار بيده، ماداً بها لوجه خصمه، خارجاً عن حد المجلس ورسمه، فهم الأعوان بتقويمه وتثقيفه، ووزعهم رهبة منه وخشية، حتى تناوله القاضي بنفسه، وقال له: مهلاً عافاك الله اخفض صوتك، واقبض يدك، ولاتفارق مركزك، ولا تعد حقك، وأقصر عن إدلالك (٣) ، فقال له: مهلاً يا قاضي، أمن المخدرات أنا فأخفض صوتي وأستر يدي، وأغطي معاصمي لديك أم من الأنبياء أنت فلا يجهر بالقول عندك وذلك لم يجعله الله تعالى إلا لرسوله ﵊، لقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لاترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي -
стр. 2071
إلى قوله: لاتشعرن. ولست به ولاكرامة، وقد ذكر الله تعالى أن النفوس تجادل في القيامة في موقف الهول الذي لايعد له مقام، ولايشبه انتقامه انتقام، فقال تعالى: يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، إلى قوله: وهم لايظلمون. لقد تعديت طورك، وعلوت في منزلك (١) ، وإنما البيان، بعبارة اللسان، وبالنطق يستبين الحق من الباطل، ولابد في الخصام، من إفصاح الكلام. وقام وانصرف. فبهت القاضي، ولم يحر جواباً. وكان في الدولة صدراً من أعيانها، وناسق درر تبيانها، ونفق في سوقها وصنف، وقرط محاسنها وشنف، وله الكتاب الرائق، المسمى بالحدائق، وأدركه في الدولة سعي، ورفض له فيها الرعي، واعتقله الخليفة وأوثقه في مكان أخيه فلم يومض له عفو، ولم يشب كدر حاله صفو، حتى قضى معتقلاً، ونعي للنائبات نعياً مثكلاً، وله في السجن أشعار كثيرة، وأقوال مبدعات منيرة، فمن ذلك ما أنشده ابن حزم يصف خيالاً طرقه، بعدما أسهره الوجد وأرقه:
بأيهما أنا في الشكر بادي ... بشكر الطيف أم شكر الرقاد
سرى وازداد في أملي ولكن ... عففت فلم أجد منه مرادي
وما في النوم من حرج ولكن ... جريت من العفاف على اعتيادي ١١ - وقال الشاعر المشهور أبو عبد الله محمد بن الحداد (٢) :
يا غائباً خطرات القلب محضره ... الصبر بعدك شيء لست أقدره
تركت قلبي وأشواقي تفطره ... ودمع عيني وأحداقي تحدره
لو كنت تبصر في تدمير حالتنا ... إذن لأشفقت مما كنت تبصره
стр. 2072
فالعين دونك لاتحلى بلذتها ... والدهر بعدك لايصفو تكدره
أخفي أشتياقي وما أطويه من أسف ... عن البرية والأنفاس تظهره قال في المطمح: هو شاعر مادح وعلىأيك الندى صارح ولم ينطفه إلا معن (١) أوصمادح.فلم يرم ينتجع سواهما واقتصر على المرية. واختصر قطع المهامة وخوض البرية فعكف فيها ينثر دره في ذللك المنتدى شف أبداً ثغور ذلك الندى، مع تميزه بالعلم، وتحيزه إلى فئة الوقار والحلم، وانتمائه إلى آية سلف، ومذهبه مذاهب أهل الشرف، وكان له لسن ورواء يشهدان له بالنباهة، ويقلدان كاهله ما شاء من الوجاهة، وقد أثبت له بعض ما قذفه من درره، وفاه به من محاسن غرره؛ فمن ذلك قوله:
إلى الموت رجعى بعد حين فإن أمت ... فقد خلدت خلد الزمان مناقبي
وذكري في الآفاق طار كأنه ... بكل لسان طيب عذراء كاعب
ففي أي علم لم تبرز سوابقي ... وفي أي فن لم تبرز كتائبي وحضر مجلس المعتصم بحضور ابن اللبانة فأنشد فيه قصيداً أبرز به من عرى الإحسان ما لم ينفصم واستمر فيها يستكمل بدائعها وقوافيها، فإذا هو قد أغار على قصيد ابن الحداد الذي أوله:
عج بالحمى حيث الظباء (٢) العين ... فقال ابن الحداد مرتجلاً:
حاشا لعدلك يا ابن معن أن يرى ... في سلك غيري دري المكنون
стр. 2073
وإليكها تشكو استلاب مطيها ... عج بالحمى حيث الظباء العين
فاحكم لها واقطع لساناً لا يداً ... فلسان من سرق القريض يمين وله:
إن المدامع والزفير ... قد أعلنا ما في الضمير
فعلام أخفي ظاهراً ... سقمي علي به ظهير
هب لي الرضى من ساخط ... قلبي بساحته الأسير وله أيضاً:
أيها الواصل هجري ... أنا في هجران صبري
ليت شعري أي نفع ... لك في إدمان ضري وله أيضاً:
يا مشبه الملك الجعدي تسميةً ... ومخجل القمر البدري أنواراً وله (١) :
تطالبني نفسي بما فيه صونها ... فأعصي ويسطو شوقها فأطيعها
ووالله ما يخفى علي ضلالها ... ولكنها تهوي فلا أستطيعها وقال:
بخافقة القرطين قلبك خافق ... وعن خرس القلبين دمعك ناطق
وفي مشرق الصدغين للبدر مغرب ... وللفكر حالات وللعين شارق
وبين حصى الياقوت ماء وسامة ... محلأة عنه الظباء السوابق
стр. 2074
وحشو قباب الرقم أحوى مقرطق ... كما آس روض عطفه والقراطق انتهى باختصار.
١٢ - وقال الأسعد بن بليطة (١) :
برامة ريم زارني بعدما شطا ... تقنصته بالحلم في الشط فاشتطا
رعى من أفانين الهوى ثمر الحشا ... جنياً ولم يرع العهود ولا الشرطا
خيال لمرقوم غرير برامة ... تأوبني بالرقمتين لدى الأرطى
فأكسبني من خدها روضة الجنى ... وألدغني من صدغها حية رقطا
وباتت ذراعاها نجاداً لعاتقي ... إذا ما التقاها الحلي غنى لها لغطا
وسل اهتصاري غصنها من مخصر ... طواه الضنى طي الطوامير فامتطا
وقد غاب كحل الليل (٢) في دمع فجره ... إلى أن تبدى الصبح في اللمة الشمطا ومنها في وصف الديك:
وقام لها ينعى الدجى ذو شقيقة ... يدير لنا من عين أجفانه سقطا
إذا صاح أصغى سمعه لأذانه ... وبادر ضرباً من قوادمه الإبطا
كأن انوشروان أعلاه تاجه ... وناطت عليه كف مارية القرطا
سبى حلة الطاووس حسن لباسها ... ولم يكفه حتى سبى المشية البطا ومن غزلها:
غلامية جاءت وقد جعل الدجى ... لخاتم فيها فص غالية خطا
فقلت أحاجيها بما في جفونها ... وما في الشفاه اللعس من حسنها المعطى
محيرة العينين من غير سكرة ... متى شربت ألحاظ عينيك إسفنطا
стр. 2075
أرى نكهة المسواك في حمرة اللمى ... وشاربك المخضر بالمسك قد خطا
عسى قزح قبلته فإخاله ... على الشفة اللمياء قد جاء مختطا وقال في المطمح في تحلية الأسعد: إنه سرد البدائع أحسن السرد، وافترس المعاني كالأسد الورد، وأبرز درر المحاسن من صدفها، وحاز من بحر الإجادة وشرفها، ومدح ملوكاً طوقهم من مدائحه قلائد، وزف إليهم منها خرائد، وجلاها عليهم كواعب، بالألباب لواعب، فأسالت العوارف، وما تقلص له من الحظوة ظل وارف، وقد أثبت له ما يعترف بحقه، ويعرف به مقدار سبقه، فمن ذلك قوله:
لو كنت شاهدنا عشية أمسنا ... والمزن يبكينا بعيني مذنب
والشمس قد مدت أديم شعاعها ... في الأرض تجنح غير أن لم تغرب وقوله:
وتلذ تعذيبي كأنك خلتني ... عوداً فليس يطيب ما لم يحرق وهو مأخوذ من قول ابن زيدون:
تظنونني كالعود حقاً وإنما ... تطيب لكم أنفاسه حين يحرق انتهى ببعض اختصار (١) .
١٣ - وقال الأديب أبو بكر عبادة بن ماء السماء، وهو كما في المطمح (٢) : من فحول الشعراء، وأئمتهم الكبراء، وكان منتجعاً بشعره، مسترجعاً من صروف دهره، وكانت له همة أطالت همه، وأكثرت كمده وغمه:
стр. 2076
يؤرقني الليل الذي أنا نائمه ... فتجهل ما ألقى وطرفك عالمه
وفي الهودج المرقوم وجه طوى الحشا ... على الحزن فيه الحسن قد حار راقمه
إذا شاء وقفاً أرسل الحسن فرعه ... يضلهم عن منهج القصد فاحمه
أظلماً رأوا تقليده الدر أم زروا ... بتلك اللآلي أنهن تمائمه ١٤ - وقال الأديب أبو عبد الله ابن عائشة في فتى طرزت غلالة خده، وركب من عارضه سنان على صعده قده (١) :
إذا كنت تهوى خده وهو روضة ... به الورد غض والأقاح مفلج
فزد كلفاً فيه وفرط صبابة ... فقد زيد فيه من عذار بنفسج وحلاه في المطمح بأن قال: اشتهر صوناً وعفافاً، ولم يخطب بعقيلة حضرة زفافاً، فآثر انقباضاً وسكوناً، واعتمد إليها ركوناً، إلى أن أنهضه أمير المسلمين إلى بساطه فهب من مرقد خموله، وشب لبلوغ مأموله، فبدا منه في الحال انزواء، في تسنم تلك الرسوم والتواء، وقعود عن مراتب الأعلام، وجمود لايحمد فيه ولايلام، إلا أن أمير المسلمين ألقى منه عليه محبة، جلبت إليه مسرى الظهور ومهبه، وكان له أدب واسع المدى، يانع كالزهر بلله الندى، ونظم مشرق الصفحة، عبق النفحة، إلا أنه قليلاً ما كان يحل ربعه، ويذيل له طبعه، وقد أثبت له منه ما يدع الألباب حائرة، والقلوب إليه طائرة، فمن ذلك قوله في ليلة سمحت له بفتى كان يهواه، ونفحت له هبة وصل بردت جواه:
لله ليل بات عندي به ... طوع يدي من مهجتي في يديه
وبت أسقيه كؤوس الطلا ... ولم أزل أسهر شوقاً إليه
عاطيته حمراء ممزوجة ... كأنها تعصر من وجنتيه
стр. 2077
وخرج من بيته يوماً إلى منية الوزير الأجل أبي بكر ابن عبد العزيز وهي من أبدع منازل الدنيا وقدمت عليها أرواحها الأفيا وأهدت إليها أزهارها العرف والرياء والنهر قد غص بمائه والروض قد خص مثل أنجم سمائه، وكانت لبني عبد العزيز فيها أطراب، تهيأ لهم فيها من الأيام آراب، فلبسوا فيها الأشر حتى أبلوه، ونشروا فيها الأنس وطووه، أيام كانوا بذلك الأفق طلوعاً، لم تضم عليهم النوب ضلوعاً، فقعد أبو عبد الله مع لمة من الأدباء تحت دوحة من أدواحها، فهبت ريح أنس من أرواحها، سطت بإعصارها، وأسقطت لؤلؤها على باسم أزهارها، فقال:
ودوحة قد علت سماءً ... تطلع أزهارها نجوماً
هفا نسيم الصبا عليها ... فأرسلت فوقنا رجوما
كأنما الجو غار لما ... بدت فأغرى بها النسيما وكان في زمان عطلته، ووقت اصفراره وعلته، ومقاساته من العيش أنكده، ومن التخوف أجهده، كثيراً ما ينشرح بجزيرة شقر ويستريح، ويستطيب تلك الريح، ويجول في أجارع واديها، وينتقل من نواديها إلى بواديها، فإنها صحيحة الهواء، قليلة الأدواء، خضلة العشب والأزاهر (١) ، قد أحاط بها نهرها كما تحيط بالمعاصم الأساور، والأيك قد نشرت ذوائبها على صفيحه، والروض قد عطر جوانبه (٢) بريحه، وأبو اسحاق ابن خفاجة هو كان منزع نفسه، ومصرع أنسه، نفح له بالمنى عبق وشذا، ومسح عن عيون مسراته القذى، وغدا على ما كان وراح، وجرى متهافتاً في ميدان ذلك المراح، قريب عهد بالفطام، ودهره ينقاد في خطام، فلما اشتعل رأسه شيباً، وزرت عليه الكهولة جيباً، أقصر عن تلك الهنات، واستيقظ من تلك السنات، وشب
стр. 2078
عن ذلك الطوق، وأقصر عن الهوى والشوق، وقنع بأدنى تحية، وما يستشعره في وصف تلك العهاد من أريحية، فقال:
ألا خلياني والأسى والقوافيا ... أرددها شجوي (١) وأجهش باكيا
أآمن شخصاً للمسرة بادياً ... وأندب رسماً للشبيبة باليا
تولى الصبا إلا توالي فكرة ... قدحت بها زنداً وما زلت واريا
وقد بان حلو العيش إلا تعلةً ... تحدثني عنها الأماني خاليا (٢)
ويا برد هذا الماء هل منك قطرةً ... تهل فيستسقى غمامك صاديا
وهيهات حالت دون حزوى وأهلها ... ليال وأيام تخال اللياليا
فقل في كبير عاده صائد الظبا ... إليهن مهتاجاً وقد كان ساليا
فيا راكباً يستعمل الخطو قاصداً ... ألا عج بشقر رائحاً أو مغاديا
وقف حيث سال النهر ينساب أرقماً ... وهب نسيم الأيك بنفث راقيا
وقل لأثيلات هناك وأجزع ... سقيت أثيلات وحييت واديا انتهى ببعض اختصار (٣) .
وابن عائشة أشهر من أن يطال في أمره، وليس الخبر كالعيان.
٥٢٣ - وقال أبو عمرو يزيد بن عبد الله بن أبي خالد اللخمي الإشبيلي الكاتب في فتح المهدية سنة ٦٠٢:
كم غادر الشعراء من متردم ... ذخرت عظائمه لخير معظم
تبعاً لمذخور الفتوح فإنه ... جاءت له بخوارق لم تعلم
من كل سامية المنال إذا انتمت ... رفعت إلى اليرموك صوت المنتمي
стр. 2079
وتوسطت في النهروان بنسبة ... كرمت ففازت بالمحل الأكرم قال ابن الأبار في " تحفة القادم " (١) : هو صدر في نبهائها وأدبائها، يعني إشبيلية، وممن له قدر في منجبيها ونجبائها، وإلى سلفه ينسب المعقل المعروف بحجر أبي خالد (٢) ، وتوفي بها سنة ٦١٢، وأورد له قوله:
ويا للجواري المنشآت وحسنها ... طوائر بين الماء والجو عوما
إذا نشرت في الجو أجنحة لها ... رأيت بها روضاً ونوراً مكمما
وإن لم تهجه الريح جاء مصافحاً ... فمدت له كفاً خضيباً ومعصما
مجاذف كالحيات مدت رؤوسها ... على وجل في الماء كي تروي الظما
كما أسرعت عداً أنامل حاسب ... بقبض وبسط يسبق العين والفما
هي الهدب في أجفان أكحل أوطف ... فهل صنعت من عندم أو بكت دما قال ابن الأبار: أجاد ما أراد في هذا الوصف، وإن نظر إلى قول أبي عبد الله ابن الحداد بصف أسطول المعتصم ابن صمادح:
هام صرف الردى بهام الأعادي ... أن سمت نحوهم لها أجياد
وتراءت بشرعها كعيون ... دأبها مثل خائفيها سهاد
ذات هدب من المجاذيف حاك ... هدب باك لدمعه إسعاد
حمم فوقها من البيض نار ... كل من أرسلت عليه رماد
ومن الخط في يدي كل در ... ألف خطها على البحر صاد قال: وما أحسن قول شيخنا أبي الحسن ابن حريق في هذا المعنى من قصيدة أنشدنيها:
стр. 2080
وكأنما سكن الأراقم جوفها ... من عهد نوح خشية الطوفان
فإذا رأين الماء يطفح نضنضت ... من كل خرق حية بلسان قال: ولم يسبقهم إلى الإحسان، وإنما (١) سبقهم بالزمان، علي بن محمد الإيادي التونسي في قوله:
شرعوا جوانبها مجاذف أتعبت ... شادي الرياح لها ولما تتعب
تنصاع من كثب كما نفر القطا ... طوراً وتجتمع اجتماع الربرب
والبحر يجمع بينها فكأنه ... ليل يقرب عقرباً من عقرب
وعلى جوانبها أسود خلافة ... تختال في عدد السلاح المذهب
وكأنما البحر استعار بزيهم ... ثوب الجمال من الربيع المعجب ومن هذه القصيدة الفريدة في ذكر الشراع:
ولها جناح يستعر يطيرها ... طوع الرياح وراحة المتطرب
يعلو بها حدب العباب مطاره ... في كل لج زاخر معلولب
يسمو بآخر في الهواء منصب ... عريان منسرح الذؤابة شوذب
يتنزل الملاح منه ذؤابة ... لو رام يركبها القطا لم يركب
وكأنما رام استراقة مقعد ... للسمع إلا أنه لم يشهب
وكأنما جن ابن داود هم ... ركبوا جوانبها بأعنف مركب
سجروا جواهم بينهم فتقاذفوا ... منها بألسن مارج متلهب
من كل مسجون حريق إذا انبرى ... من سجنه انصلت انصلات الكوكب
عريان يقدمه الدخان كأنه ... صبح يكر على ظلام غيهب ومن أولها:
стр. 2081
أعجب بأسطول الإمام محمد ... وبحسنه وزمانه المستغرب
لبست به الأمواج أحسن منظر ... يبدو لعين الناظر المتعجب
من كل مشرفة على ما قابلت ... إشراف صدر الأجدل المتنصب ومنها:
جوفاء تحمل موكباً في جوفها ... يوم الرهان وتستقل بموكب وهي طويلة من غرر القصائد، وقد سرد جملة منها صاحب المناهج وغيره.
وقال أبو عمر القسطلي (١) :
وحال الموج بين بني سبيل ... يطير بهم إلى الغول ابن ماء
أعز له جناح من صباح ... يرفرف جنح من سماء وأخذه أبوإسحاق ابن خفاجة فقال (٢) :
وجاية ركبت بها ظلاماً ... يطير من الصباح بها جناح
إن الماء اظمأن ورق خصراً ... علا من موجة ردف رداح
وقد نقر الحمام هناك فاه ... وأتلع جيده الأجل المتاح ولا يخفاك حسن هذه العبارة الصقيلة المرآة، فالله تعالى يرحم قائلها.
وقال ابن الأبار: وقد قلت أنا في ذلك:
يا حبذا من بنات الماء سابحةً ... تطفو لما شب أهل النار تطفئه
تطيرها الريح غرباناً بأجنحة ال ... حمائم البيض للأشراك ترزؤه
стр. 2082
من كل أدهم لا يلفى به جرب ... فما لراكبه بالقار يهنؤه
يدعى غراباً وللفتخاء سرعته ... وهو ابن ماء وللشاهين جؤجؤه واجتمع ابن أبي خالد وأبو الحسن ابن الفضل الأديب عند أبي الحجاج ابن مرطير الطبيب بحضرة مراكش، وجرى ذكر قاضيها حينئذ أبي عمران موسى ابن عمران بينهم، وما كان عليه من القصور والبعد عما أتيح له، وأوثر به، فقال أبو الحجاج:
ليس فيه من أبي موسى شبه ... فقال أبو الحسن:
فأبوه فضة وهو شبه ... فقال ابن أبي خالد:
كم دعاه إذ رآه عرةً ... وأباه إذ دعاه يا أبه ٥٢٤ - وقال أبو العباس الأعمى (١) :
بهيمة لو جرى في الخيل أكبرها ... لفاتت الريح في الأحجال والغرر (٢)
تجري فللماء ساقا عائم درب ... وللرياح جناحا طائر حذري (٣)
قد قسمتها يد التقدير (٤) بينهما ... على السواء فلم تسبح ولم تطر ٥٢٥ - وقال عبد الجليل بن وهبون يصف الأسطول (٥) :
стр. 2083
يا حسنها يوماً شهدت زفافها ... بنت الفضاء إلى الخليج الأزرق
ورقاء كانت أيكة فتصورت ... لك كيف شئت من الحمام
حيث الغراب يجر شملة عجبه ... وكأنه من عزة (١) لم ينعق
من كل لابسة الشباب ملاءة ... حسب اقتدار الصانع المتأنق
شهدت لها الأعيان أن شواهنا ... أسماؤها فتصحفت في المنطق
من كل ناشرة قوادم أجنح ... وعلى معاطفها وهادة سوذق
زأرت زئير الأسد وهي صوامت ... وزحفن زحف مواكب في مأزق
ومجاذف تحكي أراقم ربوة ... نزلت لتكرع من غدير متأق ٥٢٦ - وفال ابن خفاجة (٢) :
سقياً لها من بطاح خز ... ودوح نهر بها مطل
فما ترى غير وجه شمس ... أطل فيه عذار ظل وهو من بديع الشعر، وكم لابن خفاجة من مثله.
٥٢٧ -[قطعة منقولة عن المغرب]
١ - وقال عبيد الله بن جعفر الإشبيلي، وقد زار صاحباً له مرات ولم يزره هو، فكتب على بابه (٣) :
يا من يزار على بعد المحل ولا ... يزورنا مرةً من بين مرات
زر من يزورك واحذر قول عاذلة ... تقول عنك: فتىً يؤتى ولا يأتي
стр. 2084
ومن مجونياته، سامحه الله تعالى:
وأغيد ليس تعدوه الأماني ... ولو حكمت عليه باشتطاط
سقيت الراح حتى مال سكراً ... ونلم على النمارق والبساط
وأسلم لي على طول التجني ... وأمكنني فرط التعاطي
فأولجت المقادر جيد بكر ... ولا كفران في سم الخياط
وغناني بصوت من حشاه ... فأطربني وبالغ في نشاطي
فما نقر المثالث والمثاني ... بأطرب من تلاحين الضراط
ولولا الريق لم اظفر بشيء ... على عدم اهتبالي واحتياطي
فلا تسخر بريق بعد هذا ... فإن الريق مفتاح اللواط ٢ - وقال أبو الحسن علي بن جحدر الزجال (١) :
كيف أصبحت أيهذا الحبيب ... نحن مرضى الهوى وأنت الطبيب
كل قلب إليك يهفو غراماً ... ويحها يا علي (٢) منك القلوب
إن تلح حومت عليك هياماً ... أو تغب حنها عليك الوجيب
غير أني من بينهم مستريب ... حين تبدو وليس لي ما يريب
كل ما قد ألقاه منك ومني ... دون هذا له تشق الجيوب ٣ - وقال أحمد المعروف بالكساد، في موسى الذي كان يتغزل فيه شعراء إشبيلية (٣) :
ما لموسى قد خر لله لما ... فاض نوراً غشاه ضوء سناه
وأنا قد صعقت من نور موسى ... لا أطيق الوقوف حين أراه
стр. 2085
ولله دره في رثاء موسى المذكور إذ قال:
فر (١) إلى الجنة حوريها ... وارتفع الحسن من الأرض
وأصبح العشاق في مأتم ... بعضهم يبكي إلى بعض وقوله فيه:
هتف الناعي بشجو الأبد ... إذ نعى موسى بن عبد الصمد
ما عليهم ويحهم لو دفنوا ... في فؤادي قطعةً من كبدي ولقب بالكساد لقوله:
وبيع الشعر في سوق الكساد ... ٤ - وقال أبو القاسم ابن أبي طالب الحضرمي المنيشي (٢) :
صاغت يمين الرياح محكمةً ... في نهر واضح الأسارير
فكلما ضاعفت به حلقاً ... قام لها القطر بالمسامير ٥ - وقال أبو زيد عبد الرحمن العثماني، وهو من بيت إمارة (٣) :
لا تسلني عن حالتي فهي هذي ... مثل حالي لا كنت يا من يراني
ملني الأهل والأخلاء لما ... أن جفاني بعد الوصال زماني
فاعتبر بي ولا يغرك دهر ... ليس منه ذو غبطة في أمان ٦ - وقال أبو زكريا يحيى بن محمد الأركشي (٤) :
стр. 2086
لا حبذا المال والإفضال يتلفه ... والبخل يحميه والأقدار تعطيه وقال:
لا تبكين لإخوان تفارقهم ... فإنني قبلك استخبرت إخواني
فما حمدتهم في حال قربهم ... فكيف في حال إبعاد وهجران ٧ - وقال أبو عمران موسى الطرياني لما دخل يوم نيروز إلى بعض الأكابر، وعادتهم أن يصنعوا في مثل هذا اليوم مدائن من العجين لها صور مستحسنة، فنظر إلى صورة مدينة، فأعجبته، فقال له صاحب المجلس: صفها وخذها (١) :
مدينة مسوره ... تحار فيها السحره
لم تبنها إلا يدا ... عذراء أو مخدره
بدت عروساً تجتلي ... من درمك مزعفره
وما لها مفاتح ... إلا البنان العشره ٨ - وقال أبو عمرو ابن حكم (٢) :
حاشا لمن أملكم أن يخيب ... وينثني نحو العدا مستريب
هذا وكم أقرأني بشركم ... ﴿نصر من الله وفتح قريب﴾ ٩ - وقال أبو الحسن علي بن الجعد القرموني (٣) :
إياك من زلل اللسان فإنه ... قدر الفتى في لفظه المسموع
стр. 2087
المرء يختبر الإناء بنقره ... ليرى الصحيح به من المصدوع ١٠ - وقال الفقيه أبو الحسن علي بن لبال في محبرة عناب محلاة بفضة (١) :
منعلة بالهلال، ملجمة ... بالنسر، مجدولة من الشفق
كأنما حبرها تميع في ... فرضتها سائلاً من الغسق
فأنت مهما ترد تشبهها ... في كل حال فانظر إلى الأفق وقال في محبرة آبنوس:
وخديمة للعلم في أحشائها ... كلف بجمع حرامه وحلاله
لبست رداء الليل ثم توشحت ... بنجومه وتتوجت بهلاله ١١ - وقال أبو جعفر أحمد الشريشي (٢) :
تفاحة بت بها ليلتي ... أبثها سري والشكوى
أضمها معتنقاً لاثماً ... إذا ذكرت خد من أهوى وقال أبو العابس أحمد بن شكيل الشريشي (٣) :
تفاحة بت بها ليلتي ... أبثها سري والشكوى
أضمها معتنقاً لائماً ... إذا ذكرت خد من أهوى وقال:
تفاحة حامضة عضها ... في ثمل من قطب الوجها
стр. 2088
ولم أخل من قبلها محسناً ... يجزى عليه العض والنجها ١٣ - وقال أبو عمر ابن غياث (١) :
وقالوا مشيب واعجبا لكم ... أينكر صبح قد تخلل غيهبا
وليس مشيباً ما ترون وإنما ... كميت الصبا لما جرى عاد أشهبا ١٤ - وقال الوزير أبو بكر بن ذي الوزارتين أبي مروان عبد الملك ابن عبد العزيز يخاطب ابن عبدون (٢) :
في ذمة الفضل والعلياء مرتحل ... فارقت صبري إذ فارقت موضعه
ضاءت به برهةً أرجاء قرطبة ... ثم استقل فسد البين مطلعه
عذراً إلى المجد عني حين فارقني ... ذاك الجلال فأعيا أن أشيعه
قد كنت أصحبته قلبي وأقعدني ... ما كان أودعني عن أن أودعه وفيهم يقول ابن عبدون:
بحور بلاغة ونجوم عز ... وأطواد رواس من جلال ١٥ - وقال الوزير الكاتب أبو القاسم ابن أبي بكر ابن عبد العزيز:
نديمي لا عدمتك من نديم ... أدرها في دجى الليل البهيم
فخير الأنس أنس تحت ستر ... يصان عن السفيه أو الحليم ١٦ - وقال الثائر أبو عبد الله الجزيري (٣) :
في أم رأسي سر ... يبدو لكم بعد حين
стр. 2089
لأبلغن مرادي ... إن كان سعدي معيني
أو لا فأكتب ممن ... سعى لإظهار دين وسبب قوله هذا أن بني عبد المؤمن لما غيروا رسم مهديهم، وصيروا الخلافة ملكاً، وتوسعوا في الرفاهية، وأهملوا حق الرعية، جعل يتستر، وقال هذه الأبيات، وشاع سره في مدة ناصر بني عبد المؤمن، فطلبه، ففر، ولم يزل يتنقل مستخفياً مع أصحابه إلى أن حصل في حصن قولية من عمل مدينة بسطة، فبينما هو ذات يوم في جامعها مع أصحابه وهم يأكلون بطيخاً ويرمون قشره في صحن الجامع، إذ أنكر ذلك رجل من العامة، وقال لهم: ما تتقون الله تعالى! تتهاونون ببيت من بيوته فضحكوا منه، واستهزأوا به، وأهل تلك الجهة لاتحتمل شيئاً من ذلك، فصاح بفتية من العامة، فاجتمع جمع وحملوا إلى الوالي مكان عند الوالي من عرفه، فقتلوا جميعاً، وأمر الناصر أن يرفع عن جميع أرض قولية جميع تكاليف السلطان.
١٧ - ولما عتب المنصور بن أبي عامر على الكاتب عبد الملك الجزيري، وسجنه في الزاهرة، ثم صفح عنه، قال وكتب به إليه (١) :
عجبت من عفو أبي عامر ... لا بد أن تتبعه منه
كذلك الله إذا ما عفا ... عن عبده أدخله الجنه فاستحسن ذلك، وأعاده إلى حاله.
وقال على لسان بهار العامرية، وهو النرجس (٢) :
حدق الحسان تقر لي وتغار ... وتضل في وصفي النهى وتحار
стр. 2090
طلعت على قضبي عيون تمائمي ... مثل العيون تحفها الأشفار
وأخص شيء بي إذا شبهته ... در تمنطق سلكه دينار
أنا نرجس، حقاً بهرت عقولهم ... ببديع تركيبي فقيل بهار وقال في بنفسجها:
شهدت لنوار البنفسج ألسن ... من لونه الأحوى ومن إيناعه
بمشابه الشعر الأحم أعاره ... قمر المنير الطلق نور شعاعه
ولربما جمد النجيع من الطلى ... في صارم المنصور يوم قراعه
فحكاه غير مخالف في لونه ... لا في روائحه وطيب طباعه وقال في القمر حين جعل يختفي بالسحاب ويبدو أمام المنصور:
أرى بدر السماء يلوح حيناً ... فيظهر ثم يلتحف السحابا
وذلك أنه لما تبدى ... وأبصر وجهك استحيا وغابا ١٨ - وقال الحجاري في " المسهب " (١) : سألت أبا الحسن علي بن حفص الجزيري أن ينشدني شيئاً من شعره، فقال يا أبا محمد، إذا لم ينظم الإنسان مثل قول ابن شرف:
لم يبق للجور في أيامكم أثر ... إلا الذي في عيون الغيد من جور فالأولى له أن يترك نظم الشعر.
إلى أن خرجت معه يوماً إلى سيف الجزيرة الخضراء، فلقي غلاماً قد كدر رونق حسنه السفر، وأثر في وجهه كآثار الكلف في القمر، فصافحه، ثم قال:
بأبي الذي صافحته فتوردت ... وجناته وأناء نحوي قده
стр. 2091
قمر بدا كلف السرى في خده ... لما توالى في الترحل جهده
لكن معالم حسنه تمت كما ... قد تم عن صدإ الحسام فرنده فحفظتها من سمعه، ثم قلت له: قد أخذت عنك من نظمك، بغير شكرك، فضحك وقال: فاحفظ هذا، وأنشد:
لا تقولن فلان ... صاحب قبل اختبار
وانتظر ويحك نقد ال ... ليل فيه والنهار
أنا جربت فلم أل ... ف صديقاً باختياري وأنشد:
كم قد بكرت إلى الرياض وقضبها ... قد ذكرتني موقف العشاق
يا حسنها والريح يلحف بعضها ... بعضاً كأعناق إلى أعناق
والورد خد والأقاحي مبسم ... وغدا البهار ينوب عن أحداق
لم أنفصل عنها بكأس مدامة ... حتى حملت محاسن الأخلاق ١٩ - ولما كتب أبو الحسن ابن سعيد إلى الأديب القائد أبي العباس أحمد ابن بلال يستدعيه ليوم أنس بقوله (١) :
أبا العباس لو أبصرت حولي ... ندامى بادروا العيش الهنيا
يبيحون المدام ولا انتقاد ... وقارهم ويزدادون غيا
وهم مع ما بدا لك من عفاف ... يحبون الصبية والصبيا
ويهوون المثالث والمثاني ... وشرب الراح صبحاً أو عشيا
على الروض الذي يهدي لطرف ... وأنف منظراً بهجاً وريا
فلا تلم السري على ارتياح ... حكى طرباً بجانبه سريا
стр. 2092
وبادر نحو ناد ما خلا من ... نداك فقد عهدتك لوذعيا أجابه بقوله:
أبيت سوى المعالي يا عليا ... فمل تنفك دهرك أريحيا
تميل إذا النسيم سرى كغصن ... وتسري للمكارم مشرفيا
وترتاح ارتياحاً للمثاني (١) ... وتقتنص الصبية والصبيا
وتهوى الروض قلده نداه ... وألبسه مع الحلل الحليا
وإن غنى الحمام فلا اصطبار ... وإن خفق الخليج فنيت حيا
تذكرني الشباب فلست أدري ... أصبحاً حين تذكر أم عشيا
فلة أدركتني والغصن غض ... لأدركت الذي تهوى لديا
ولم أترك وحقك قدر لحظ ... وقد ناديتني ذاك النديا ٥٢٨ (٢) - وقال بعض أهل الأندلس:
وفرع كان يوعدني بأسر ... وكان القلب ليس له قرار
فنادى وجهه لاخوف فاسكن ... كلام الليل يمحوه النهار ولست على يقين أن قائلهما أندلسي، غير أني رأيت في كلام بعض الأفاضل نسبتهما لأهل الأندلس، والله تعالى أعلم.
٢٠ - وقال أبو الوليد القسطلي (٣) :
وفوق الدوحة الغنى غدير ... تلألأ صفحةً وسجا قرارا
إذا ما انصب أزرق مستقيماً ... تدور في البحيرة فاستدارا
يجرده فم الأنبوب صلتاً ... حساماً ثم يفلته سوارا
стр. 2093
٢١ - ولأبي كثير الطريفي يمدح الناصر بن المنصور (١) :
فتوح لها يهتز شرق ومغرب ... كما اطردت في السمهرية أكعب
تجلت على الدنيا شموس منيرة ... فلم يبق في ليل الكآبة غيهب
أقام بها الإسلام شدو مغرد ... وظلت بأرض الشرك بالخطب تخطب
فلا سمع إلا وهو قد مال نحوها ... ولا قلب إلا في مناها يقلب ٢٢ - وقال أبو عامر ابن الجد (٢) :
لله ليلة مشتاق ظفرت بها ... قطعتها بوصال اللثم والقبل
نعمت فيها بأوتار تعللني ... أحلى من المن أو أمنية الغزل
أحبب إلي بها إذ كلها سحر ... أراحت الصب من عذر ومن عذل ٢٣ - وقال الكاتب أبو عبد الله محمد الشلبي (٣) كاتب ملك افريقية عبد الواحد بن أبي حفص:
مد إلي الكاس من لحظه ... لا يحوج الشرب إلى الكاس
ومنذ حياني بآس فلم ... أيأس ولكن كان لي آسي
وقال لولا الناس قبلته ... ما أشأم الناس على الناس ٢٤ - وقال أبو بكر محمد بن الملح (٤) ، وهو من رجال الذخيرة، على لسان حال سوار مذهب:
أنا من الفضة البيضاء خالصةً ... لكن دهتني خطوب غيرت جسدي
стр. 2094
علقت غصناً على أحوى فأحسدني ... جري الوشاح وهذي صفرة الحسد وما أحسن قوله من قصيدة في المعتضد والد المعتمد:
غرته الشمس والحيا يده ... بينهما للنجيع قوس قزح ٢٥ - وأما ابنه أبو القاسم (١) فهو من رجال المسهب وكان اشتغل أول أمره بالزهد وكتب التصوف، فقال له أبوه: يا بني، هذا الأمر ينبغي أن يكون آخر العمر، وأما الآن فينبغي أن تعاشر الأدباء والظرفاء، وتأخذ نفسك بقول الشعر، ومطالعة كتب الأدب، فلما عاشرهم زينوا له الراح، فتهتك في الخلاعة، وفر إلى إشبيلية، وتزوج بامرأة لاتليق بحاله، وصار يضرب معها بالدف، فكتب إليه أبوه:
يا سخنة العين يا بنيا ... ليتك ما كنت لي بنيا
أبكيت عيني، أطلت حزني ... أمت ذكري وكان حيا
حططت قدري وكان أعلى ... في كل حال من الثريا
أما كفاك الزنا ارتكاباً ... وشرب مشمولة الحميا
حتى ضربت الدفوف جهراً ... وقلت للشر جيء إليا
فاليوم أبكيك ملء عيني ... إن كان يغني البكاء شيا فأجاب أباه بقوله:
يا لائم الصب في التصابي ... ما عنك يغني البكاء شيا
أوجفت خيل العتاب نحوي ... وقبل أوثبتها إليا
وقلت هذا قصير عمر ... فاربح من الدهر ما تهيا
قد كنت أرجو المتاب مما ... فتنت جهلاً به وغيا
стр. 2095
لولا ثلاث شيوخ سوء ... أنت وإبليس والحميا ٢٦ - وقال أبو بكر محمد بن عبد القادر الشلبي (١) يستدعي:
فديتك باكر نحو قبة روضة ... تسيح بها الأمواه والطير تهتف
وقد طلعت شمس الدنان بأفقها ... ونحن لديها في انتظارك وقف
فلا تتخلف ساعةً عن محلة ... صدودك عمن حل فيها تخلف ٢٧ - وقال أخو إمام نحاة الأندلس أبي محمد عبد الله بن السيد البطليوسي، وهو أبو الحسن علي بن السيد (٢) :
يا رب ليل قد هتكت حجابه ... بزجاجة وقادة كالكوكب
يسعى بها ساق أغن كأنها ... من خده ورضاب فيه الأشنب
بدران بدر قد أمنت غروبه ... يسعى ببدر جانح للمغرب
فإذا نعمت برشف بدر طالع ... فانعم ببدر آخر لم يغرب
حتى ترى زهر النجوم كأنها ... حول المجرة ربرب في مشرب
والليل منحفز يطير غرابه ... والصبح يطرده بباز أشهب ٢٨ - ولما مدح أبو بكر محمد بن الروح الشلبي (٣) الأمير إبراهيم الذي خطب به الفتح في القلائد، وهو ابن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، وكان يدل عليه وينادمه، بقصيدته التي أولها:
أنا شاعر الدنيا وأنت أميرها ... فما لي لا يسري إلي سرورها أشار الأمير إلى مضحك له كان حاضراً أن يحبق له لقوله " أنا شاعر الدنيا "
стр. 2096
فقال له ابن الروح: على من حبقت يعني أنه يحتمل أن يكون ذلك الفعل لقوله أنا شاعر الدنيا أو لقوله وأنت أميرها، ففطن الأمير لما قصده وضحك وتغافل.
٢٩ - وقال أبو بكر ابن المنخل الشلبي (١) :
كم ليلة دارت علي كواكب ... للخمر تطلع ثم تغرب في فمي
قبلتها في كف من يسعى بها ... وخلطت قبلتها بقبلة معصم
وكأن حسن بنانه مع كأسه ... غيم يشير لنا ببعض الأنجم ٣٠ - وقال ذو الوزارتين أبو بكر ابن عمار (٢) :
قرأت كتابك مستشفعاً ... بوجه أبي الحسن من رده
ومن قبل فض ختام الكتاب ... قرأت الشفاعة في خده وقال:
غزا القلوب غزال ... حجت إليه العيون
قد خط في الخد نوناً ... وآخر الحسن نون قال الحجاري: وإكثار ابن عمار في المعذرين وإحسانه فيهم يدلك على أنه، كما قيل عنه، كان مشغوفاً بالكاس، والاستلقاء من غير نعاس.
٣١ - وكان أبو الفضل ابن الأعلم (٣) أجمل الناس وأذكرهم (٤) في علم الأدب والنحو، وأقرأ علم النحو قبل أن يلتحي، فقال ابن صارة فيه:
стр. 2097
أكرم بجعفر اللبيب فإنه ... ما زال يوضح مشكل الإيضاح
ماء الجمال بخده مترقرق ... فالعين منه تجول في ضحضاح
ما خده جرحته عيني، وإنما ... صبغت غلالته دماء جراحي
لله زاي زبرجد في عسجد ... في جوهر في كوثر في راح
ذي طرة سبجية، ذي غرة ... عاجية، كالليل والإصباح
رشأ له خد البريء ولحظه ... أبداً شريك الموت في الأرواح ٣٢ - وقال الرمادي (١) :
نوء وغيث مسبل ... وقهوة تسلسل
تدور بين فتية ... بخلقهم تمثل
والأفق من سحابه ... طل ضعيف ينزل
كأنه من فضة ... برادة تغربل وقال (٢) :
بدر بدا يحمل شمساً بدت ... وحدها في الحسن من حده
تغرب في فيه ولكنها ... من بعد ذا تطلع في خده ٣٣ - ومن نظم أبي الفضل ابن الأعلم السابق الذكر:
وعشية كالسيف إلا حده ... بسط الربيع بها لنعلي خده
عاطيت كأس الأنس فيها واحداً ... ما ضره أن كان جمعاً وحده وهو جعفر ابن الوزير أبي بكر محمد ابن الستاذ الأعلم، من رجال " القلائد "
стр. 2098
و " المسهب " و " سمط الجمان "، وكان قاضي شنتمرية، والأستاذ الأعلم هو إمام نحاة زمانه أبو الحجاج يوسف بن عيسى من رجال الصلة والمسهب والسمط، وهو شارح الأشعار الست، ومن نظمه يخاطب المعتمد بن عباد:
يا من تملكني بالقول والعمل ... ومبلغي في الذي أملته أملي
كيف الثناء وقد أعجزتني نعماً ... ما لي بشكري عليها الدهر من قبل
رفعت للجود أعلاماً مشهرةً ... فبابك الدهر منها عامر السبل ٣٤ - وقال أبو علي إدريس بن اليماني العبدري (١) :
قبلة كانت على دهش ... أذهبت ما بي من العطش
ولها في القلب منزلة ... لو عدتها النفس لم تعش
طرقتني والدجى لبست ... خلعاً من جلدة الحبش
وكأن النجم حين بدا ... درهم في كف مرتعش وسأله المعتضد أن يمدحه بقصيدة يعارض بها قصيدته السينية التي مدح بها ابن حمود فقال له: أشعاري مشهورة، وبنات صدري كريمة، فمن أراد أن ينكح بكرها، فقد عرف مهرها، وكانت جائزته مائة دينار.
ومن مشهور شعره بالمغرب والمشرق قوله:
ثقلت زجاجات أتتنا فرغاً ... حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح ٣٥ - وكانت بين الأديب الحسيب أبي عمرو ابن طيفور والحافظ الهيثم
стр. 2099
مهاجاة، فقال فيه الحافظ (١) :
لابن طيفور قريض ... فيه شوك وغموض
عدمت فيه القوافي ... والمعاني والعروض وقال فيه ابن طيفور:
إنما الهيثم سفر ... من كلام الناس ضخم
لا تطالبه بفهم ... ليس للديوان فهم ٣٦ - وقال أبو عمران ابن سعيد: أخبرني والدي أنه زار ابن حمدين بقرطبة في مدة يحيى بن غانية، [قال] : فوجدته في هالة من العلماء والأدباء، فقام وتلقاني، ثم قال: يا أبا عبد الله، ما هذا الجفاء فاعتذرت بأني أخشى التثقيل، وأعلم أن سيدي مشغول بما هو مكب عليه، فأطرق قليلاً ثم قال:
لو كنت تهوانا طلبت لقاءنا ... ليس المحب عن الحبيب بصابر
فدع المعاذر إنما هي جنة ... لمخادع فيها، ولست بعاذر فقلت: تصديق سيدي عندي أحب إلي وإن ترتبت علي فيه الملامة من منازعته منتصراً لحقي، فاستحسن جوابي، وقال لي: كرره فإنه والله ماح لكل ذنب، ثم سألته كتب البيتين عنه، فقال لي: وما تكتب فيهما فقلت: أليس في الإنعام ذلك لأجد ما أخبر به والدي إذا أبت إليه فأملاهما علي، فقلت: من قائلهما قال: قائلهما، فعلمت أنهما له، وقنعت بذلك.
٥٢٩ - وقال الحجاري صاحب " المسهب في أخبار المغرب ":
كم بت من أسر السهاد بليلة ... ناديت فيها هل لجنحك آخر
стр. 2100
إذ قام هذا الصبح يظهر ملةً ... حكمت بأن ذبح الظلام الكافر وعلى ذكر المسهب فقد كنت كثيراً ما أستشكل هذه التسمية، لما قال غير واحد: إن المسهب إنما هو بفتح الهاء، كقولهم سيل مفعم - بفتح العين - والفقرة الثانية وهي المغرب تقتضي أن يكون بكسر الهاء، ولم يزل ذلك يتردد في خاطري إلى أن وقفت على سؤال في ذلك رفعه المعتمد بن عباد سلطان الأندلس إلى الفقيه الأستاذ أبي الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي الشنتمري المشهور بالأعلم، ونص السؤال:
سألك - أبقاك الله - الوزير الكاتب أبو عمرو ابن غطمش، سلمه الله، عن المسهب وزعم أنك تقول بالفتح والكسر، والذي ذكر ابن قتيبة في أدب الكاتب والزبيدي في مختصر العين أسهب الرجل فهو مسهب إذا أكثر الكلام، بالفتح خاصةً، فبين لي - أبقاك الله تعالى - ما تعتقد فيه، وإلى أي كتاب تسند القولين، لأقف على صحة من ذلك.
فأجابه: وصل إلي - أدام الله تعالى توفيك - هذا السؤال العزيز، ووقفت على ما تضمنه، والذي ذكرته من قول ابن قتيبة والزبيدي في الكتابين موضوع كما ذكرته، والذي أحفظه وأعتقده أن المسهب بالفتح المكثر في غير صواب، وأن المسهب بالكسر البليغ المكثر من الصواب، إلا أني لا أسند ذلك إلى كتاب بعينه، ولكني أذكره عن أبي علي البغدادي من كتاب البارع أو غيره، معلقاً في عدة نسخ من كتاب البيان والتبيين على بيت في صدره لمكي بن سوادة وهو:
حصر مسهب جريء جبان ... خير عي الرجال عي السكوت والمعلقة: تقول العرب: أسهب الرجل فهو مسهب وأحصن فهو محصن وألفج فهو ملفج، إذا افتقر، قال الخليل: يقال رجل مسهب ومسهب، قال أبو علي: أسهب الرجل فهو مسهب بالفتح إذا أكثر في
стр. 2101
غير الصواب، وأسهب فهو مسهب بالكسر إذا أكثر وأصاب، قال أبو عبيدة: أسهب الرجل فهو مسهب إذا أكثر من خرف وتلف ذهن، وقال أبو عبيدة عن الأصمعي: أسهب الرجل فهو مسهب بالفتح إذا أخرف وأهتر، فإن أكثر من الخطإ قيل: أفند فهو مفند، انتهت المعلقة.
فرأي مملوكك - أيدك الله تعالى - واعتقاده أن المسهب بالفتح هو المكثر من الكلام بموجب أن المكثر هو البليغ المصيب، ألا ترى إلى قول الشاعر حصر مسهب أنه قرن فيه المسهب بالحصر وذمه بالصفتين، وجعل المسهب أحق بالعي من الساكت والحصر فقال:
خير عي الرجال عي السكوت ... والدليل على أن المسهب بالكسر يقال للبليغ المكثر من الصواب أنهم يقولون للجواد من الخيل مسهب بالكسر خاصة لأنها بمعنى الإجادة والإحسان، وليس قول ابن قتيبة والزبيدي في المسهب بالفتح هو المكثر من الكلام بموجب أن المكثر هو البليغ المصيب، لأن الإكثار من الكلام داخل في معنى الذم، لأنه من الثرثرة والهذر، ألا تراهم قالوا: رجل مكثار، كما قالوا: ثرثار، ومهذار، وقال الشاعر:
فلا تمارون إن ماروا بإكثار ... فهذا ما عندي، والله تعالى الموفق للصواب.
قال الأعلم: ثم نظمت السؤال العزيز والجواب المذكور، فقلت:
سلام الإله وريحانه ... على الملك المجتبى المنتخل
سلام امرئ ظل من سيبه ... خصيب الجناب رحيب المحل
أتاني سؤالك أعزز به ... سؤال مبر على من سأل
يسأل عن حالتي مسهب ... ومسهب المبتلى بالعلل
стр. 2102
لم اختلفا في بناءيهما ... وحكمهما واحد في فعل
أتى ذا على مفعل لم يعل ... وذاك على مفعل قد أعل
فقلت مقالاًعلى صدقه ... شهيد من العقل لا يستزل
بناء البليغ أتى سالماً ... سلامته من فضول الخطل
وأسهب ذاك مسيئاً فزل ... زليلاً ثنى متنه فانخذل
وأحسن ذا فجرى وصفه ... على سنن المحسن المستقل
فهذا مقالي مستبصراً ... ولست كمن قال حدساً فضل
تقلدت في رأيه مذهباً ... يخصك بين الظبى والأسل
سموك في الروع مستشرفاً ... إلى مهجة المستميت البطل
كأنك فيها هلال السما ... يزيد بهاءً إذا ما أهل
بل أنت مطل كبدر السما ... يمضي الظلام إذا ما أطل قلت: رأيت في بعض الحواشي الأندلسية: أن ابن السكيت ذكر في بعض كتبه ما جعله بعض العرب فاعلاً وبعضهم مفعولاً: رجل مسهب ومسهب، لكثير الكلام، وهذا يدل على أنهما بمعنى واحد، انتهى.
٥٣٠ - وسأل بعض الأدباء الأستاذ الأعلم المذكور عن المسألة الزنبورية، المقترنة بالشهادة الزورية، الجارية بين سيبويه والكسائي أو الفراء، والقضاء بينهم فيها، وهي ظننت أن العقرب أشد لسعةً من الزنبور، فإذا هو هي، أو إياها، وعن نسب سيبويه: هل هو صريح أم مولى وعن سبب لزومه الخليل بعد أن كان يطلب الحديث والتفسير، وعن علة تعرضه لمناظرة الكسائي والفراء، وعن كتابه الجاري بين الناس: هل هو أول كتاب أو أنشأه بعد كتاب أول ضاع كما زعم بعض الناس
فأجاب: أما المسألة الزنبورية المأثورة بين سيبويه والكسائي. أو بينه وبين
стр. 2103
الفراء على حسب الاختلاف في ذلك، بحضرة الرشيد، أو بحضرة يحيى بن خالد البرمكي فيما يروى، فقد اختلفت الرواة فيها: فمنهم من زعم أن الكسائي أو الفراء قال لسيبويه: كيف تقول ظننت أن العقرب أشد لسعةً من الزنبور، فإذا هو هي، ففيها من الاختلاف عنهم ما ترى، فإن كان أجاب بإذا هو هي، فقد أصاب لفظاً ومعنى، ولم تدخل عليه في جوابه شبهة، ولا علقة لمعترض، لأن إذا في المسألة من حروف الابتداء المتضمنة للتعليق بالخبر، فإذا اعتبرت المضمرين بعدها بالاسمين المظهرين لزمك أن تقول فإذا الزنبور العقرب أو اللسعة اللسعة أي مثلها سواء، فلو قلت فإذا هو إياها بنصب الضمير الأخير للزمك أن تقول: فإذا الزنبور العقرب، بالنصب، وهذا لا وجه له، فإذا لم يجز نصب الخبر المضمر الواقع موقعه ويروى في المسألة أن الكسائي أو الفراء قال لسيبويه بعد أن أجاب برفع الضميرين على ما يوجبه القياس: كيف تقول يا بصري خرجت فإذا زيد قائم، أو قائماً فقال سيبويه: أقول قائم ولا يجوز النصب، فقال الكسائي: أقول قائم وقائماً، والقائم والقائم، بالرفع والنصب في الخبر مع النكرة والمعرفة، فتأول الكسائي والفراء في اختيارهما فإذا هو إياها حمل الخبر المضمر في النصب على الخبر المظهر المعرفة مع الإعراب بوجه النصب، فكأنه قال: فإذا الزنبور العقرب، كما: فإذا زيد القائم، فيجري المعرفة في النصب مجرى النكرة، وقولهما في هذا خطأ من جهتين: إحداهما: أن نصب الخبر بعد إذا لا يكون إلا بعد تمام الكلام الأول في الاسم مع حرف المفاجأة، ومع كون الخبر نكرة، كقولك: خرجت فإذا زيد قائماً، لأنك لو قلت خرجت فإذا زيد تم الكلام، لتعلق المفاجأة بزيد على معنى حضوره، ثم تبين حاله في المفاجأة المتعلقة به فتقول قائماً أي: خرجت ففاجأني زيد في هذا الحال
стр. 2104
وقوله في المسألة إياها لا يتم الكلام في الاسم الأول دونها، ألا ترى أنك لو قلت: ظننت أن العقرب أشد لسعةً من الزنبور فإذا هو وسكت، لم يتم الكلام أولاً، ولا أفدت بذكر المفاجأة وتعليقها بالزنبور فائدة، وإنما المفاجأة للضمير الآخر، فلا بد من ذكره والاعتماد عليه، وهذا يوجب الرفع في الخبر؛ لأن الظرف له، لا للمخبر عنه، فهذا بين واضح، والجهة الأخرى في غلطهما أن إياها معرفة، والحال لا تكون إلا نكرة، فقد اجتمع في قولهما أن أتيا بحالٍ لم يتم الكلام دونها، معرفة، والحال لا تكون إلا بعد تمام الكلام ومع التنكير، فقد تبين خطؤهما وإصابة سيبويه في لزوم الرفع في الخبر فقط.
وأما من زعم عن سيبويه أنه قال خرجت فإذا زيد قائم بالرفع لا غير باطل، وكيف ينسب إليه وهو علمنا أن الظرف إذا كان مستقراً للاسم المخبر عنه نصب الخبر، وإذا كان مستقراً للخبر رفع الخبر، ونحن نقول: خرجت فإذا زيد فيتم الكلام، ونظرت فإذا الهلال طالع فيتبعه الخبر رفعاً، كما تقول في الدار زيد قائم، وقائماً واليوم سيرك سريع، وسريعاً، ولكن الخبر إذا كان الظرف له ولم يتعلق إلا به لم يكن إلا رفعاً، كقولك اليوم زيد منطلق، وغداً عمرو خارج لأن الظرف لا يكون مستقراً للاسم المخبر عنه إذا كان زماناً، والمخبر عنه جثة، وكذلك المفاجأة إذا كانت للخبر لم يكن إلا مرفوعاً، معرفة كان أو نكرة، فإذا كانت للمخبر عنه والخبر نكرة انتصب على الحال، فجرى قولك ظننت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، وظننت زيداً عالماً فإذا هو جاهل في لزوم الرفع في الخبر مجرى اليوم زيد منطلق، وغداً عمرو خارج كما جرى خرجت فإذا زيد قائم، وقائماً في جواز الرفع والنصب مجرى في الدار زيد جالس وجالساً، فتأمل الفرق بينهما وحصله، فإن النحويين المتقدمين والمتأخرين قد أغفلوا الفرق بين المفاجأتين.
وأما نصب الخبر المعرفة بعد إذ، تم الكلام أو لم يتم، فباطل لا تقوله
стр. 2105
العرب، ولا يجيزه إلا الكوفيون.
وإن كان سيبويه رحمه الله تعالى أجاب بقوله: فإذا هو إياها كما روى بعضهم فظاهر جوابه مدخول، لما قدمت، والخطأ فيه بين من جهة القياس كما ذكرنا، فإن كان قاله والتزمه دون الرفع فقد أخطأ خطأً لا مخرج له منه، وإن كان قد قاله وهو أن الرفع أولى وأحق، إلا أنه آثر النصب للإعراب حملاً على المعنى الخفي، دون ما يوجبه القياس واللفظ الجلي، فلجوابه عندي وجهان حسنان:
أحدهما: أن يكون الضمير المنصوب وهو إياها كنايةً عن اللسعة، لا عن العقرب، والضمير المرفوع كناية عن الزنبور، فكأنه قال ظننت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا الزنبور لسعة العقرب، أي فإذا الزنبور يلسع لسعة العقرب، فاختزل الفعل لما تقدم من الدليل عليه، بعد أن أضمر اللسعة متصلة بالفعل، فكأنه قال فإذا الزنبور يلسعها فاتصل الضمير بالفعل لوجوده، فلما اختزل الفعل انفصل الضمير، لعدم الفعل.
ونظير هذا من كلام العرب قولهم إنما أنت شرب الإبل أي: إنما أنت تشرب شرب الإبل، فاختزل الفعل، وبقي عمله في المصدر، ولم يرفع لأنه غير الاسم الأول، فلو أضمرت شرب الإبل بعدما جرى ذكره فقلت ما يشرب زيد شرب الإبل، إنما أنت تشربه لاتصل الضمير بالفعل، فلو حذفته لانفصل الضمير فقلت إنما أنت إياه فتدبره تجده منقاداً صحيحاً.
والوجه الآخر: أن يكون قوله فإذا هو إياها محمولاً على المعنى الذي اشتمل عليه أصل الكلام من ذكر الظن أولاً وآخراً، لأن الأصل في تأليف المسألة ظننت أن العقرب أشد لسعةً من الزنبور فلما لسعني الزنبور ظننته هو إياها فاختصر الكلام لعلم المخاطب، وحذف الظن آخراً لما جرى من ذكره أولاً، ودلت إذا لما فيها من المفاجأة على الفعل الواقع بعد لما الدالة على وقوع الشيء لوقوع غيره، فإذا جاز حذف الكلام إيثاراً للاختصار مع وجود الدليل على