غير الصواب، وأسهب فهو مسهب بالكسر إذا أكثر وأصاب، قال أبو عبيدة: أسهب الرجل فهو مسهب إذا أكثر من خرف وتلف ذهن، وقال أبو عبيدة عن الأصمعي: أسهب الرجل فهو مسهب بالفتح إذا أخرف وأهتر، فإن أكثر من الخطإ قيل: أفند فهو مفند، انتهت المعلقة.
فرأي مملوكك - أيدك الله تعالى - واعتقاده أن المسهب بالفتح هو المكثر من الكلام بموجب أن المكثر هو البليغ المصيب، ألا ترى إلى قول الشاعر حصر مسهب أنه قرن فيه المسهب بالحصر وذمه بالصفتين، وجعل المسهب أحق بالعي من الساكت والحصر فقال:
خير عي الرجال عي السكوت ... والدليل على أن المسهب بالكسر يقال للبليغ المكثر من الصواب أنهم يقولون للجواد من الخيل مسهب بالكسر خاصة لأنها بمعنى الإجادة والإحسان، وليس قول ابن قتيبة والزبيدي في المسهب بالفتح هو المكثر من الكلام بموجب أن المكثر هو البليغ المصيب، لأن الإكثار من الكلام داخل في معنى الذم، لأنه من الثرثرة والهذر، ألا تراهم قالوا: رجل مكثار، كما قالوا: ثرثار، ومهذار، وقال الشاعر:
فلا تمارون إن ماروا بإكثار ... فهذا ما عندي، والله تعالى الموفق للصواب.
قال الأعلم: ثم نظمت السؤال العزيز والجواب المذكور، فقلت:
سلام الإله وريحانه ... على الملك المجتبى المنتخل
سلام امرئ ظل من سيبه ... خصيب الجناب رحيب المحل
أتاني سؤالك أعزز به ... سؤال مبر على من سأل
يسأل عن حالتي مسهب ... ومسهب المبتلى بالعلل
стр. 2102
لم اختلفا في بناءيهما ... وحكمهما واحد في فعل
أتى ذا على مفعل لم يعل ... وذاك على مفعل قد أعل
فقلت مقالاًعلى صدقه ... شهيد من العقل لا يستزل
بناء البليغ أتى سالماً ... سلامته من فضول الخطل
وأسهب ذاك مسيئاً فزل ... زليلاً ثنى متنه فانخذل
وأحسن ذا فجرى وصفه ... على سنن المحسن المستقل
فهذا مقالي مستبصراً ... ولست كمن قال حدساً فضل
تقلدت في رأيه مذهباً ... يخصك بين الظبى والأسل
سموك في الروع مستشرفاً ... إلى مهجة المستميت البطل
كأنك فيها هلال السما ... يزيد بهاءً إذا ما أهل
بل أنت مطل كبدر السما ... يمضي الظلام إذا ما أطل قلت: رأيت في بعض الحواشي الأندلسية: أن ابن السكيت ذكر في بعض كتبه ما جعله بعض العرب فاعلاً وبعضهم مفعولاً: رجل مسهب ومسهب، لكثير الكلام، وهذا يدل على أنهما بمعنى واحد، انتهى.
٥٣٠ - وسأل بعض الأدباء الأستاذ الأعلم المذكور عن المسألة الزنبورية، المقترنة بالشهادة الزورية، الجارية بين سيبويه والكسائي أو الفراء، والقضاء بينهم فيها، وهي ظننت أن العقرب أشد لسعةً من الزنبور، فإذا هو هي، أو إياها، وعن نسب سيبويه: هل هو صريح أم مولى وعن سبب لزومه الخليل بعد أن كان يطلب الحديث والتفسير، وعن علة تعرضه لمناظرة الكسائي والفراء، وعن كتابه الجاري بين الناس: هل هو أول كتاب أو أنشأه بعد كتاب أول ضاع كما زعم بعض الناس
فأجاب: أما المسألة الزنبورية المأثورة بين سيبويه والكسائي. أو بينه وبين
стр. 2103
الفراء على حسب الاختلاف في ذلك، بحضرة الرشيد، أو بحضرة يحيى بن خالد البرمكي فيما يروى، فقد اختلفت الرواة فيها: فمنهم من زعم أن الكسائي أو الفراء قال لسيبويه: كيف تقول ظننت أن العقرب أشد لسعةً من الزنبور، فإذا هو هي، ففيها من الاختلاف عنهم ما ترى، فإن كان أجاب بإذا هو هي، فقد أصاب لفظاً ومعنى، ولم تدخل عليه في جوابه شبهة، ولا علقة لمعترض، لأن إذا في المسألة من حروف الابتداء المتضمنة للتعليق بالخبر، فإذا اعتبرت المضمرين بعدها بالاسمين المظهرين لزمك أن تقول فإذا الزنبور العقرب أو اللسعة اللسعة أي مثلها سواء، فلو قلت فإذا هو إياها بنصب الضمير الأخير للزمك أن تقول: فإذا الزنبور العقرب، بالنصب، وهذا لا وجه له، فإذا لم يجز نصب الخبر المضمر الواقع موقعه ويروى في المسألة أن الكسائي أو الفراء قال لسيبويه بعد أن أجاب برفع الضميرين على ما يوجبه القياس: كيف تقول يا بصري خرجت فإذا زيد قائم، أو قائماً فقال سيبويه: أقول قائم ولا يجوز النصب، فقال الكسائي: أقول قائم وقائماً، والقائم والقائم، بالرفع والنصب في الخبر مع النكرة والمعرفة، فتأول الكسائي والفراء في اختيارهما فإذا هو إياها حمل الخبر المضمر في النصب على الخبر المظهر المعرفة مع الإعراب بوجه النصب، فكأنه قال: فإذا الزنبور العقرب، كما: فإذا زيد القائم، فيجري المعرفة في النصب مجرى النكرة، وقولهما في هذا خطأ من جهتين: إحداهما: أن نصب الخبر بعد إذا لا يكون إلا بعد تمام الكلام الأول في الاسم مع حرف المفاجأة، ومع كون الخبر نكرة، كقولك: خرجت فإذا زيد قائماً، لأنك لو قلت خرجت فإذا زيد تم الكلام، لتعلق المفاجأة بزيد على معنى حضوره، ثم تبين حاله في المفاجأة المتعلقة به فتقول قائماً أي: خرجت ففاجأني زيد في هذا الحال
стр. 2104
وقوله في المسألة إياها لا يتم الكلام في الاسم الأول دونها، ألا ترى أنك لو قلت: ظننت أن العقرب أشد لسعةً من الزنبور فإذا هو وسكت، لم يتم الكلام أولاً، ولا أفدت بذكر المفاجأة وتعليقها بالزنبور فائدة، وإنما المفاجأة للضمير الآخر، فلا بد من ذكره والاعتماد عليه، وهذا يوجب الرفع في الخبر؛ لأن الظرف له، لا للمخبر عنه، فهذا بين واضح، والجهة الأخرى في غلطهما أن إياها معرفة، والحال لا تكون إلا نكرة، فقد اجتمع في قولهما أن أتيا بحالٍ لم يتم الكلام دونها، معرفة، والحال لا تكون إلا بعد تمام الكلام ومع التنكير، فقد تبين خطؤهما وإصابة سيبويه في لزوم الرفع في الخبر فقط.
وأما من زعم عن سيبويه أنه قال خرجت فإذا زيد قائم بالرفع لا غير باطل، وكيف ينسب إليه وهو علمنا أن الظرف إذا كان مستقراً للاسم المخبر عنه نصب الخبر، وإذا كان مستقراً للخبر رفع الخبر، ونحن نقول: خرجت فإذا زيد فيتم الكلام، ونظرت فإذا الهلال طالع فيتبعه الخبر رفعاً، كما تقول في الدار زيد قائم، وقائماً واليوم سيرك سريع، وسريعاً، ولكن الخبر إذا كان الظرف له ولم يتعلق إلا به لم يكن إلا رفعاً، كقولك اليوم زيد منطلق، وغداً عمرو خارج لأن الظرف لا يكون مستقراً للاسم المخبر عنه إذا كان زماناً، والمخبر عنه جثة، وكذلك المفاجأة إذا كانت للخبر لم يكن إلا مرفوعاً، معرفة كان أو نكرة، فإذا كانت للمخبر عنه والخبر نكرة انتصب على الحال، فجرى قولك ظننت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، وظننت زيداً عالماً فإذا هو جاهل في لزوم الرفع في الخبر مجرى اليوم زيد منطلق، وغداً عمرو خارج كما جرى خرجت فإذا زيد قائم، وقائماً في جواز الرفع والنصب مجرى في الدار زيد جالس وجالساً، فتأمل الفرق بينهما وحصله، فإن النحويين المتقدمين والمتأخرين قد أغفلوا الفرق بين المفاجأتين.
وأما نصب الخبر المعرفة بعد إذ، تم الكلام أو لم يتم، فباطل لا تقوله
стр. 2105
العرب، ولا يجيزه إلا الكوفيون.
وإن كان سيبويه رحمه الله تعالى أجاب بقوله: فإذا هو إياها كما روى بعضهم فظاهر جوابه مدخول، لما قدمت، والخطأ فيه بين من جهة القياس كما ذكرنا، فإن كان قاله والتزمه دون الرفع فقد أخطأ خطأً لا مخرج له منه، وإن كان قد قاله وهو أن الرفع أولى وأحق، إلا أنه آثر النصب للإعراب حملاً على المعنى الخفي، دون ما يوجبه القياس واللفظ الجلي، فلجوابه عندي وجهان حسنان:
أحدهما: أن يكون الضمير المنصوب وهو إياها كنايةً عن اللسعة، لا عن العقرب، والضمير المرفوع كناية عن الزنبور، فكأنه قال ظننت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا الزنبور لسعة العقرب، أي فإذا الزنبور يلسع لسعة العقرب، فاختزل الفعل لما تقدم من الدليل عليه، بعد أن أضمر اللسعة متصلة بالفعل، فكأنه قال فإذا الزنبور يلسعها فاتصل الضمير بالفعل لوجوده، فلما اختزل الفعل انفصل الضمير، لعدم الفعل.
ونظير هذا من كلام العرب قولهم إنما أنت شرب الإبل أي: إنما أنت تشرب شرب الإبل، فاختزل الفعل، وبقي عمله في المصدر، ولم يرفع لأنه غير الاسم الأول، فلو أضمرت شرب الإبل بعدما جرى ذكره فقلت ما يشرب زيد شرب الإبل، إنما أنت تشربه لاتصل الضمير بالفعل، فلو حذفته لانفصل الضمير فقلت إنما أنت إياه فتدبره تجده منقاداً صحيحاً.
والوجه الآخر: أن يكون قوله فإذا هو إياها محمولاً على المعنى الذي اشتمل عليه أصل الكلام من ذكر الظن أولاً وآخراً، لأن الأصل في تأليف المسألة ظننت أن العقرب أشد لسعةً من الزنبور فلما لسعني الزنبور ظننته هو إياها فاختصر الكلام لعلم المخاطب، وحذف الظن آخراً لما جرى من ذكره أولاً، ودلت إذا لما فيها من المفاجأة على الفعل الواقع بعد لما الدالة على وقوع الشيء لوقوع غيره، فإذا جاز حذف الكلام إيثاراً للاختصار مع وجود الدليل على
стр. 2106
المحذوف كان قولنا فإذا هو إياها بمنزلة قولنا فلما لسعني الزنبور ظننته هو إياها فحذف الظن مع مفعوله الأول، وبقي الضمير الذي هو العماد والفصل مؤكداً للضمير المحذوف مع الفعل ودالاً على ما يأتي بعده من الخبر المحتاج إليه، فيكون في حذف المخبر عنه لما تقدم من الدليل عليه مع الإتيان بالعماد والفصل المؤكد له المثبت لما بعده من الخبر المحتاج إليه مثل قوله " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم " فحذف البخل الذي هو المفعول الأول لقوله يحسبن وبقي الضمير مؤكداً له مثبتاً لما بعده من الخبر، وجاز حذفه لدلالة يبخلون عليه، والمعنى: لا يحسبن الذين يبخلون البخل هو خيراً لهم، فهو في المسألة عماد مؤكد لضمير الزنبور المحمول على الظن المضمر ومثبت لما يجيء بعده من الخبر الذي هو إياها فتفهمه فإنه متمكن من جهة المعنى، وجارٍ من الاختصار لعلم المخاطب على قياس وأصل، وشاهده القرآن في الحذف واستعمال العرب النظائر، وهي أكثر من أن تحصى، فمنها قولهم ما أغفله عنك شيئاً أي تثبت شيئاً ودع الشك، وقولهم لمن أنكر عليه ذكر إنسان ذكره من أنت زيداً أي: من أنت تذكر زيداً، وربما قالوا من أنت زيد بالرفع على تقدير: من أنت ذكرك زيد، فحذفوا الفعل مرة وأبقوا عمله، وحذفوا المبتدأ أخرى وأبقوا خبره، وكل ذلك اختصار، لعلم المخاطب بالمعنى، وكذلك قولهم هذا ولا زعماتك أي هذا القول والزعم الحق ولا أتوهم زعماتك، فحذف هذا لعلم السامع مع تحصل المعنى وقيامه عند المخاطب، والحمل في كلامهم على المعنى أكثر من أن يحصى.
فإن كان الضمير الأول في المسألة للزنبور والضمير الآخر للعقرب لم يجز البتة إلا رفع الضميرين بالابتداء والخبر، على حد قولك ظننت زيداً عاقلاً فإذا هو أحمق، وحسبت عبد الله قاعداً فإذا هو قائم ولو تقدم ذكر الخبر والمخبر عنه لقلت فإذا هو هو ولم يجز فإذا هو إياه البتة. ويجوز في المسألة
стр. 2107
إذا قلت: فإذا هو، لأبى أن يكون الضمير للزنبور والعقرب على حد قولك الزنبور العقرب ويجوز أن تقول فإذا هي هو على التقديم والتأخير على حد قولك فإذا العقرب الزنبور أي سواء في شدة اللسعة كما تقول خرجت فإذا قائم زيد على تقدير فإذا زيد قائم، ويجوز أن يكون هو كناية عن اللسع بدلالة اللسعة عليه، وتكون هي كناية على اللسعة على تقدير: فإذا لسع الزنبور لسعة العقرب، ويجوز فإذا هي هو على إضمار اللسعة واللسع، والتقدير: فإذا لسعة الزنبور لسع العقرب، وهذا كله لا يجوز فيه إلا الرفع عند البصريين، لن الآخر هو الأول، والخبر معرفة متعلق بالمفاجأة فلا يجوز فيه الحال، والكوفيون يجيزون النصب كما تقدم، وهو غلط بين، وخطأ فاحش، لا تقوله العرب، ولا تعلق له بقياس، فاعلمه.
ويجوز في المسألة فإذا هو هو على تقدير: فإذا اللسع اللسع، ويجوز فإذا هي هي على تقدير: فإذا اللسعة اللسعة، وفي هذا كفاية إن شاء الله تعالى.
وأما نسب سيبويه ففارسي مولى لبني حارث بن كعب بن علة بن خلدة ابن مالك، وهو مذحج، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر، وكنيته أبو بشر، ولقبه الذي شهر به سيبويه، ومعناها بالفارسية رائحة التفاح، وكان من أطيب الناس رائحة، وأجملهم وجهاً، وقيل: معنى سي ثلاثون، ومعنى بويه رائحة، فكأن معناها: الذي ضوعف طيب رائحته ثلاثين مرة.
وأما سبب تعويله على الخليل في طلب النحو - مع ما كان عليه من الميل إلى التفسير والحديث - فإنه سأل يوماً حماد بن سلمة فقال له: أحدثك هشام ابن عروة عن أبيه في رجل رعف في الصلاة، بضم العين، فقال له حماد: أخطأت، إنما هو رعف بفتح العين، فانصرف الخليل، فشكا إليه ما لقيه من حماد، فقال له الخليل: صدق حماد، ومثل حماد يقول هذا، ورعف بضم العين لغة ضعيفة، وقيل: إنه قدم البصرة من البيداء من قرى شيراز من عمل فارس، وكان مولده ومنشؤه بها، ليكتب الحديث ويرويه، فلزم حلقة حماد
стр. 2108
ابن سلمة، فبينما هو يستملي على حماد قول النبي ﷺ : " ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأقدت عليه، ليس أبا الدرداء " فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء بالرفع، وخمنه اسم ليس، فقال له حماد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، إنما ليس ههنا استثناء، فقال سيبويه: سأطلب علماً لا تلحنني فيه، فلزم الخليل، وبرع في العلم.
وأما سبب وفوده على الرشيد ببغداد وتعرضه لمناظرة الكسائي والفراء، فلما كانا عليه من تمكن الحال، والقرب من السلطان، وعلو همته، وطلبه للظهور مع ثقته بعلمه؛ لأنه كان أعلم أهل زمانه، وكان بينه وبين البرامكة أقوى سبب، فوفد على يحيى بن خالد بن برمك وابنيه جعفر والفضل، فعرض عليهم ما ذهب إليه من مناظرة الكسائي وأصحابه، فسعوا له في ذلك، وأوصلوه إلى الرشيد، فجرى بينه وبين الكسائي والفراء ما ذكر واشتهر، وكان آخر أمره أن الكسائي وأصحابه لما ظهروا عليه بشهادة الأعراب على حسب ما لقنوا أن قال يحيى بن خالد أو الكسائي للرشيد، ياأمير المؤمنين، إن رأيت أن لا يرجع خائباً فعلت، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وانصرف إلى الأهواز، ولم يعرج على البصرة، وأقام هنالك مدةً إلى أن مات كمداً، ويروى أنه ذربت معدته فمات، فيرون أنه مات غماً، ويروى أن الكسائي لما بلغه موته قال للرشيد: ده يا أمير المؤمنين فإني أخاف أن أكون شاركت في دمه، ولما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه فقطرت دمعة من دموعه على خده، فرفع عينيه وقال:
أخيين كنا فرق الدهر بيننا ... إلى الأمد الأقصى، ومن يأمن الدهرا ومات على السنة والجماعة، رحمه الله تعالى.
وأما كتابه الجاري بين الناس فلم يصح أنه أنشأه بعد كتاب آخر قبله، على أن ذلك قد ذكر.
فهذا ما حضر فيما سألت عنه؛ فمن قرأه وأشرف فيه على تقصير فليبسط
стр. 2109
العذر فإنه لساعتين من نهار، إملاء يوم الثلاثاء عشي النهار لثمان خلون لصفر سنة ٤٧٦، انتهى.
٥٣١ - وقال الإلبيري، رحمه الله تعالى (١) :
لا شيء أخسر صفقةً من عالم ... لعبت به الدنيا مع الجهال
فغدا يفرق دينه أيدي سبا ... ويذيله حرصاً بجمع المال
لا خير في كسب الحرام، وقلما ... يرجى الخلاص لكاسبٍ الحلال
فخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلةٍ ... فافضل تسأل عنه أي سؤال ٥٣٢ - وكان أبو الفضل ابن الأعلم من أحسن الناس وجهاً، وأذكرهم في علم النحو والأدب، وأقرأ النحو في صباه، وفيه يقول ابن صارة الأندلسي، رحمه الله تعالى (٢) :
أكرم بجعفرٍ اللبيب فإنه ... ما زال يوضح مشكل الإيضاح
ماء الجمال بوجهه مترقرقٌ ... فالعين منه تجول في ضحضاح
ما خده جرحته عيني، إنما ... صبغت غلالته دماء جراحي
لله زاي زبرجدٍ في عسجدٍ ... في جوهرٍ في كوثرٍ في راح
ذي طرة سبجية، ذي غرةٍ ... عاجية، كالليل والإصباح
رشأ له خد البريء، ولحظه ... أبداً شريك الموت في الأرواح (٣) ٥٣٣ - وقال محمد بن هانئ الأندلسي من قصيدة (٤) :
السافرات كأنهن كواكبٌ ... والناعمات كأنهن غصون
стр. 2110
ماذا على حلل الشقيق لو أنها ... عن لابسيها في الخدود تبين
لأعطشن الروض بعدهم ولا ... يرويه لي دمعٌ عليه هتون
أأعير لحظ العين بهجة منظرٍ ... وأخونهم أني إذاً لخؤون
لا الجو جو مشرقٌ وإن اكتسى ... زهواً، ولا الماء المعين معين
لا يبعدن إذ العبير له ثرى ... والبان روح، والشموس قطين
الظل لا متنقلٌ، والحوض لا ... متكدرٌ، والأمن لا ممنون ٥٣٤ - وقال القسطلي في أسطول أنشأه المنصور بن أبي عامر من قصيدة (١) :
تحمل منه البحر بحراً من القنا ... يروع بها أمواجه ويهول
بكل ممالات الشراع كأنها ... وقد حملت أسد الحقائق غيل
إذا سابقت شأو الرياح تخيلت ... خيولاً مدى فرسانهن خيول
سحائب تجزيها الرياح فإن وفت ... أطافت بأجياد النعام فيول
ظباء سمام مالهن مفاحصٌ ... وزرقٍ حمام ما لهن هديل
سواكن في أوطانهن كأن سما ... بها الموج حيث الراسيات نزول
كما رفع الآل الهوادج بالضحى ... غداة استقلت بالخليط حمول
أراقم تحوي ناقع السم ما لها ... بما حملت دون العداة مقيل وقد أطنب الناس في وصف السفن وأطابوا، وقرطسوا القريض وأصابوا، ووقد ذكرنا نبذة في ذلك من هذا الكتاب.
٥٣٥ - وقال أبو بحر صفوان بن إدريس التجيبي: حدثني بعض الطلبة بمراكش أن أبا العباس الجراوي كان في حانوت وراق بتونس، وهناك فتى يميل إليه، فتناول الفتى سوسنة صفراء، وأومأ بها إلى خديه مشيراً، وقال: أين الشعراء تحريكاً للجراوي، فقال ارتجالاً:
стр. 2111
وعلوي الجمال إذا تبدى ... أراك جبينه بدراً أنارا
أشار بسوسنٍ يحكيه عرفاً ... ويحكي لون عاشقه اصفرارا قال أبو بحر: ثم سألني أن أقول في هذا المعنى، فقلت بديهاً:
أومى إلى خده بسوسنةٍ ... صفراء صيغت من وجنتي عبده
لم تر عيني من قبله غصناً ... سوسنه نابتٌ إذا ورده
أعملت زجري فقلت ربتما ... قرب خد المشوق من خده فحدثني المذكور أنه اجتمع مع أبي بكر ابن يحيى بن مجبر، رحمه الله تعالى، قبل اجتماعه بي في ذلك الموضع الذي اجتمع فيه بي بعينه، فحدثه بالحكاية كما حدثني، وسأله أن يقول في تلك الحال، فقال بديهاً:
بي رشأ وسنان مهما انثنى ... حار قضيب البان في قده
مذ ولي الحسن وسلطانه ... صارت قلوب الناس من جنده
أودع في وجنته زهرةً ... كأنها تجزع من صده
وقد تفاءلت على فعله ... أني أرى خدي على خده فتعجبت من توارد خاطرينا على معنى هذا البيت الأخير.
قال أبو بحر: ثم قلت في تلك الحال:
أبرز من وجنته وردةً ... أودعها سوسنةً صفرا
وإنما صورته آيةٌ ... ضمنها من سوسنٍ عشرا ٥٣٦ - وقال بعضهم (١) في الباذنجان:
ومستحسن عند الطعام مدحرج ... غذاه نمير الماء في كل بستان
стр. 2112
تطلع في أقماعه فكأنه ... قلوب نعاجٍ في مخاليب عقبان ٥٣٧ - وقال ابن خروف، ويقال أنها في وصف دمشق:
إذا رحلت عروبة عن حماها ... تأوه كل أواه حليم
إلى سبتٍ حكى فرعون موسى ... يجمع كل سحار عليم
فتبصر كل أملود قويمٍ ... يميس بكل ثعبانٍ عظيم
إذا انسابت أراقمها عليها ... تذكرنا بها ليل السليم
وشاهدنا بها في كل حينٍ ... حبالاً ألقيت نحو الكليم ٥٣٨ - وقال أبو القاسم ابن هشام (١) ارتجالاً في وسيم عض وردة ثم رمى بها، وسئل ذلك منه امتحاناً:
ومعجز الأوصاف والوصاف في ... بردي جمالٍ طرزا بالتيه
سوسان أنمله تناول وردةً ... فغدا يمزقها أقاحي فيه
فكأنني شبهت وجنته بها ... فرما بها غضباً على التشبيه وقال أيضاً (٢) فيمن عض كلبٌ وجنته:
وأغيد وضاح المحاسن باسمٍ ... إذا قامر الأسياف ناظره قمر
تعمد كلب عض وجنته التي ... هي الورد إيناعاً وأبقى بها أثراً
فقلت لشهب الأفق كيف صماتكم ... وقد أثر العواء في صفحة القمر ٥٣٩ - وقال آخر يصف شجة في خد وسيم:
عذيري من ذي صفحةٍ يوسفية ... بها شجةٌ جلت عن اللثم واللمس
стр. 2113
يقولون من عجب: أتحسن وصفها ... فقلت: هلال لاح في شفق الشمس ٥٤٠ - وقال القاضي أبو الوليد الوقشي فيمن طر شاربه (١) :
قد بينت فيه الطبيعة أنها ... لبديع أفعال المهندس باهره
عنيت بمبسمه فخطت فوقه ... بالمسك خطاً من محيط الدائرة ٥٤١ - وقال أبو الحسن ابن عيسى:
عابوه أسمر ناحلاً ذا ذرقةٍ ... رمداً وظنوا أن ذاك يشينه
جهلوا بأن السمهري شبيهه ... وخطابه بدم القلوب يزينه ٥٤٢ - وقال الأستاذ أبو ذر الخشني:
أنكر صحبي إذ رأوا طرفه ... ذا حمرة يشفى بها المغرم
لا تنكروا ما احمر من طرفه ... فالسيف لا ينكر فيه الدم ٥٤٣ - وقال أبو عبد الله محمد (٢) بن أبي خالص الرندي:
يا شادناً برز العذار بخده ... وازداد حسناً، ليته لم يبرز
الآن أعلم حين جد بي الهوى ... كم بين مختصرٍ وبين مطرز ٥٤٤ - وقال أبو الحسين عبد الملك بن مفوز المعافري:
ومعذرٍ من خده ورقيبه ... شغلان حلا عقد كل عزيمة
خد وخب عيل صبري منهما ... هذا بنمنمةٍ وذا بنميمة ٥٤٥ - وقال أبو الوليد ابن زيدون فيمن أصابه جدري (٣) :
стр. 2114
قال لي اعتل من هويت حسود ... قلت: أنت العليل ويحك لا هو
ما الذي قد نكرت من بثرات ... ضاعفت حسنه وزانت حلاه
جسمه في الصفاء والرقة الما ... ء فلا غرو أن حبابٌ علاه ٥٤٦ - وقال الهيثم (١) :
قالوا: به جربٌ فقلت لهم قفوا ... تلك الندوب مواقع الأبصار
هو روضةٌ والقد غصنٌ ناعمٌ ... أرأيتم غصناٌ بلا نوار ٥٤٧ - وقال أبو بكر محمد بن عياض القرطبي (٢) في مخضوبة الأنامل:
وعلقتها فتانةً أعطافها ... تزري بغصن البانة المياد
من للغزالة والغزال بحسنها ... فى الخد أو في العين أو في الهادي
خضبت أناملها السواد وقلما ... أبصرت أقلاماً بغير مداد ٥٤٨ - وقال أبو الحسين النفزي (٣) :
بدا يوسفاً وشدا معبداً ... فللعين ما تشتهي والأذن
كأن بأعلاه قمريةً ... تغرد من قده في غصن ٥٤٩ - وقال ابن صارة:
مقام حر بأرض هونٍ ... عجزٌ لعمري من المقيم
سافر فإن لم تجد كريماً ... فمن لئيمٍ إلى لئيم
стр. 2115
٥٥٠ -[أشعار المعتمد]
وقال المعتمد بن عباد، رحمه الله تعالى (١) :
مولاي اشكو إليك داءً ... أصبح قلبي به قريحا
سخطك قد زادني سقاماً ... فابعث إلي الرضى مسيحا قال بعضهم: وقوله مسيحا من القوافي التي يتحدى بها.
وكتب إلى أبيه جواباً عن تحفة (٢) :
يا مالكاً قد أصبحت كفه ... ساحرةً بالعارض الهاطل
قد أفحمتني منةٌ مثلها ... يضيق القول على القائل
وإن أكن قصرت في وصفها ... فحسنها عن وصفها شاغلي وكتب إلى وزيره ابن عمار:
لما نأيت نأى الكرى عن ناظري ... وودته لما انصرفت عليه
طلب البشير بشارةً يجزى بها ... فوهبت قلبي واعتذرت إليه وقال في جارية له كان يحبها، وبينما هي تسقيه إذ لمع البرق فارتاعت:
يروعها البرق وفي كفها ... برقٌ من القهوة لماع
يا ليت شعري وهي شمس الضحى ... كيف من الأنوار ترتاع ومن توارد الخواطر أن ابن عباد أنشد عبد الجليل بن وهبون البيت الأول، وأمره أن يذيله، فقال:
ولن ترى أعجب من آنسٍ ... من مثل ما يمسك يرتاع
стр. 2116
وقال المعتمد، رحمه الله تعالى:
داوى ثلاثته بلطف ثلاثة ... فثنى بذاك رقيبه لم يشعر
أسراره بتستر، وأوراه ... بتصبر، وخباله بتوقر وكانت له جارية اسمها " جوهرة " وكان يحبها، فجرى بينهما عتاب، ورأى أن يكتب إليها يسترضيها، فأجابته برقعة لم تعنونها باسمها، فقال:
لم تصف لي بعد وإلا فلم ... لم أرى في عنوانها جوهرة
درت بأني عاشقٌ لاسمها ... فلم ترد للغيظ أن تذكره
قالت: إذا أبصره ثابتاً ... قبله، والله لا أبصره وقال في هذه الجارية:
سرورنا بعدكم ناقصٌ ... والعيش لا صافٍ ولا خالص
والسعد إن طالعنا نجمه ... وغبت (١) فهو الآفل الناكص
سموك بالجوهر مظلومةُ ... مثلك لا يدركه غائص وقال فيها أيضاً:
جوهرةٌ عذبني ... منك تمادي الغضب
فزفرتي في صعدٍ ... وعبرتي في صبب
يا كوكب الحسن الذي ... أزرى بزهر له الشهب
مسكنك القلب، فلا ... ترضى له بالوصب وقال في جاريت اسمها وداد:
اشرب الكأس في وداد ودادك ... وتأنس بذكرها في انفرادك
стр. 2117
قمرٌ غاب عن جفونك مرآ ... هـ وسكناه في سواد فؤادك وقال (١) :
لك الله كم أودعت قلبي من أسى ... وكم لك ما بين الجوانح من كلم
لحظاك طول الدهر حربٌ لمهجي ... ألا رحمةٌ تثنيك يوماً إلى سلمي وقال:
قلت متى ترحمني ... قال: ولا طول الأبد
قلت: فقد أيأسني ... من الحياة، قال: قد ٥٥١ - وأهدى أبو الوليد ابن زيدون باكورة تفاحٍ إلى المعتضد والد المعتمد، وكتب له معها (٢) :
يا من تزينت الريا ... سة حين ألبس ثوبها
جاءتك جامدة المدا ... م فخذ عليها ذوبها ٥٥٢ - وقال المعتمد وقد أمره أبوه المعتضد أن يصف مجناً فيه كواكب فضة (٣) :
مجنٌّ حكى صانعوه السما ... لتقصر عنه طوال الرماح
وقد صوروا فيه شبه الثريا ... كواكب تقضي له بالنجاح ٥٥٣ - وقال ابن اللبانة: كنت بين يدي الرشيد ابن المعتمد في مجلس أنسه، فورد الخبر بأخذ يوسف بن تاشفين غرناطة سنة ٤٨٣، فتفجع وتلهف،
стр. 2118
واسترجع وتأسف، وذكر قصر غرناطة فدعونا لقصره بالدوام، ولملكه بتراخي الأيام، وأمر عند ذلك أبا بكر الإشبيلي بالغناء، فغنى:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد فاستحالت مسرته، وتجهمت أسرته، وأمر بالغناء من ستارته، فغنى:
إن شئت أن لا ترى صبراً لمصبرٍ ... فانظر على المقليَّن من أهل المروءات
أنَّ اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما لست أملك من إحدى المصيبات قال: فتلافيت الحال بأن قلت:
محلٌّ مكرمة لا هدّ مبناه ... وشمل مأثرةٍ لا شتت (١) الله
البيت كالبيت لكن زاد ذا شرفاً ... أن الرشيد مع المعتمد ركناه
ثاوٍ على أنجم الجوزاء مقعده ... وراحلٌ في سبيل السعد مسراه
حتم على الملك أن يقوى وقد وصلت ... بالشرق والغرب يمناه ويسراه
بأسٌ توقد، فاحمرت لواحظه ... ونائلٌ شبَّ، فاخضرت عذراه فلعمري لقد بسطت من نفسه، وأعادت عليه بعض أنسه، على أني وقعت فيما وقع فيه الكل لقولي " البيت كالبيت ". وأمر إثر ذلك أبا بكر بالغناء، فغنى:
ولما قضينا من منىً كل حاجةٍ ... ولم يبق إلا أن تزم الركائب
стр. 2119
فأيقنا أن هذا التطير، يعقبه التغير.
٥٥٤ - وقد كان المعتضد بن عباد - حين تصرمت أيامه، وتدانى حمامه - استحضر مغنياً يغنيه ليجعل ما يبدأ به فألاً، وكان المغني السوسي، فأول شعر قاله:
نطوي المنازل علماً أن ستطوينا ... فشعشعيها بماء المزن واسقينا فمات بعد خمسة أيام، وكان الغناء من هذا الشعر في خمسة أبيات:
٥٥٥ - وقال المعتمد بعدما خلع وسجن (١) :
قبح الدهر فماذا صنعا ... كلما أعطى نفيساً نزعا
قد هوى ظلماً بمن عاداته ... أن ينادي كل من يهوي: لعا
من إذا قيل الخنى صم، وإن ... نطق العافون همساً سمعا
قل لمن يطمع في نائله ... قد أزال اليأس ذاك الطمعا
راح لايملك إلا دعوةً ... جبر الله العفاة الضيعا ٥٥٦ - وقال ابن اللبانة: كنت مع المعتمد بأغمات، فلما قاربت الصدر، وأزمعت السفر، صرف حيله، واستنفد ما قبله، وبعث إلي مع شرف الدولة ولده - وهذا من بنيه أحسن الناس سمتاً، وأكثرهم صمتاً، تخجله اللفظة، وتجرحه اللحظة، حريص على طلب الأدب، مسارع في إقتناء الكتب، مثابر على نسخ الدواوين، مفتح فيها من خطه زهر الرياحين - بعشرين مثقالاً مرابطية، وثوبين غير مخيطين، وكتب معها أبياتاً منها (٢) :
إليك النزر من كف الأسير ... وإن تقنع تكن عين الشكور
стр. 2120
تقبل ما يذوب له حياءً ... وإن عذرته حالات الفقير فامتنعت من ذلك عليه، وأجبته بأبيات منها:
تركت هواك وهو شقيق ديني ... لئن شقت برودي عن غدور
ولا كنت الطليق من الرزايا ... إذا أصبحت أجحف بالأسير
جذيمة أنت، والزباء خانت ... وما أنا من يقصر عن قصير
تصرف في الندى حيل المعالي ... فتسمح من القليل بالكثير
وأعجب منك أنك في ظلامٍ ... وترفع للعفاة منار نور
رويدك سوف توسعني سروراً ... إذا عاد ارتقاؤك للسرير
وسف تحلني رتب المعالي ... غداة تحل في تلك القصور
تزيد على ابن مروانٍ عطاءً ... بها وأزيد ثم على جرير
تأهب أن تعود إلى طلوعٍ ... فليس الخسف ملتزم البدور وأتبعتها أبياتاً منها:
حاشا لله أن أجيح كريماً ... يتشكى فقراً وقد سد فقرا
وكفاني كلامك الرطب نيلاً ... كيف ألغي دراً وأطلب تبرا
لم تمت إنما المكارم ماتت ... لا سقى الله بعدك الأرض قطرا ورأى ابن اللبانة أحد أبناء المعتمد، وهو غلام وسيم، وقد اتخذ الصياغة صناعة، وكان يلقب أيام سلطانهم من الألقاب السلطانية بفخر الدولة، فنظر إليه وهو ينفخ الفحم بقصبة الصائغ، وقد جلس في السوق يتعلم الصياغة، فقال:
شكاتنا لك يا فخر العلا عظمت ... والرزء يعظم ممن قدره عظما
طوقت من نائبات الدهر مخنقةً ... ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما
وعاد طوقك في دكان قارعةٍ ... من بعد ما كنت في قصر حكى إرما
стр. 2121
صرفت في آلة الصواغ أنملةٌ ... لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يدٌ عهدتك للتقبيل تبسطها ... فتستقل الثريا أن تكون فما
يا صائغاً كانت العليا تصاغ له ... حلياً وكان عليه الحلي منتظما
للنفخ في الصور هولٌ ما حكاه سوى ... هولٍ رأيتك فيه تنفخ الفحما
وددت إذ نظرت عيني إليك به ... لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى
ما حطك الدهر لما حط عن شرفٍ ... ولا تحيف من أخلاقك الكرما
لح في العلا كوكباً، إن لم تلح قمراً ... وقم بها ربوة، إن لم تقم علما
واصبر فربما أحمدت عاقبةً ... من يلزم الصبر يحمد غب ما لزما
والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت ... ولو وفى لك دمع الغيث لانسجما
أبكى حديثك حتى الدر حين غدا ... يحكيك رهطاً وألفاظاً ومبتسما ٥٥٧ - وقال لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى (١) : وقفت على قبر المعتمد بن عباد بمدينة أغمات في حركة راحة أعملتها إلى الجهات المراكشية، باعثها لقاء الصالحين ومشاهدة الآثار سنة٧٦١، وهو بمقبرة أغمات في نشز من الأرض، وقد حفت به سدرة، وإلى جانبه قبر اعتماد حظيته مولاة رميك، وعليهما هيئة التغرب ومعاناة الخمول من بعد الملك، فلا تملك العين دمعها عند رؤيتها، فأنشدت في الحال:
قد زرت قبرك عن طوعٍ بأغمات ... رأيت ذلك من أولى المهمات
لم لا أزورك يا أندى الملوك يداً ... ويا سراج الليالي المدلهمات
وأنت من لو تخطى الدهر مصرعه ... إلى حياتي لجادت فيه أبياتي
أناف قبرك في هضبٍ يميزه ... فتنتحيه حفيات التحيات
كرمت حياً وميتاً واشتهرت علاً ... فأنت سلطان أحياءٍ وأموات
стр. 2122
ما ريء مثلك في ماضٍ، ومعتقدي ... أن لا يرى الدهر في حال وفي آت وقد زرت أنا قبر المعتمد بن عباد بمدينة أغماد سنة ١٠١٠، ورأيت فيه مثل ما ذكره لسان الدين رحمه الله تعالى، فسبحان من لايبيد ملكه، لا إله إلا هو.
٥٥٨ - وقال وزيره أبو الوليد ابن زيدون (١) :
متى أخف الغرام يصفه جسمي ... بألسنة الضنى الخرس الفصاح
فلو أن الثياب نزعن عني ... خفيت خفاء خصرك في الوشاح وقال يخاطب المعتمد:
وطاعة أمرك فرضٌ أراه ... من كل مفترضٍ أو كدا
هي الشرع أصبح دين الضمير ... فلو قد عصاك لقد ألحدا وقال فيه:
يا ندى يمنى أبي القاسم عم ... يا سنا بشر المحيا أشمس
وارتشف معسول ثغر أشنبٍ ... لحبيبٍ من عجاجٍ ألعس وقال:
مهما امتدحت سواك قبل فإنما ... مدحي إلى مدحي لك استطراد
تغشى الميادين الفوارس حقبةً ... كيما يعلمها النزال طراد وقال:
стр. 2123
يحييني بريحان التجني ... ويصحبني معتقة السماح
فها أنا قد ثملت من الأيادي ... إذا اتصل اغتباقي باصطباحي وكتب إلى أبي عامر يستدعيه:
أبا المعالي نحن في روضةٍ ... فانقل علينا القدم العاليه
أنت الذي لو نشتري ساعةً ... ولو أنها لم تكن غاليه وتذكرت هنا قول بعض المشارقة فيما أظن:
لله أيامٌ مضت مأنوسةً ... ما كان أحسنها وأنضرها معا
لو ساعةٌ منها تباع شريتها ... ولو أنها بيعت بعمري أجمعا رجع:
٥٥٩ - وقال أبو القاسم أسعد من قصيدة في المعتصم بن صمادح (١) :
وقد ذاب كحل الليل في دمع فجره ... إلى أن تبدى الليل كاللمة الشمطا
كأن الدجى جيشٌ من الزنج نافذٌ ... وقد أرسل الإصباح في إثره القبطا ومنها:
إذا سار سار الجود تحت لوائه ... فليس يحط المجد إلا إذا حطا ٥٦٠ - وقال ابن خلصة المكفوف (٢) النحوي من قصيدة:
ملكٌ تملك حر المجد، لا يده ... نالت بظلم ولا مالت إلى البخل
مهذب الجد ماضي الحد مضطلع ... لما تحمله العلياء من ثقل
стр. 2124
أغر، لا وعده يخشى له أبداً ... خلفٌ، ولا رأيه يؤتى من الزلل
قد جاوزت نطق الجوزاء همته ... به، وما زحلت عن مرتقى زحل
يأبى له أن يحل الذم ساحته ... ما صد من جللٍ أو سد من خلل ومنها:
إن لم تكن بكم حالي مبدلةً ... فما انتفاعي بعلم الحال والبدل ٥٦١ - وقال ابن الحداد يمدح المعتصم بن صمادح:
عج بالحمى حيث الغياض العين ... فعسى تعن لنا مهاه الغين
واستقبلن أرج النسيم فدارهم ... ندية الأرجاء لا دارين
أفقٌ إذا ما رمت لحظ شموسه ... صدتك للنقع المثار دجون
أنى أراع لهم وبن جوانحي ... شوقٌ يهون خطبهم فيهون
أنى يهاب ضرابهم وطعانهم ... صبٌ بألحاظ العيون طعين
فكأنما بيض الصفاح جداولٌ ... وكأنما سمر الرماح غصون
ذرني أسر بين الأسنة والظبى ... فالقلب في تلك القباب رهين
يا ربة القرط المعير خفوقه ... قلبي، أما لحراكه تسكين
توريد خدك للصبابة موردٌ ... وفتور طرفك للنفوس فتون
فإذا رمقت فوحي حبك منزلٌ ... وإذا نطقت فإنه تلقين ومنها في وصف قصر:
رأسٌ بظهر النون إلا أنه ... سامٍ، فقبته بحيث النون
هو جنة الدنيا تبوأ نزلها ... ملكٌ تملكه التقى والدين
فكأنما الرحمن عجلها له ... ليرى بما قد كان ما سيكون
وكأن بانيه سنمارٌ فما ... يعدوه تحسينٌ ولا تحصين
стр. 2125
وجزاؤه فيه نقيض جزائه ... شنان ما الإحياء والتحيين ومنها في المديح:
لا تلقح الأحكام حيفاً عنده ... فكأنما الأفعال والتنوين ومنها:
وبدا هلال الأفق أحنى ناسخاً ... عهد الصيام كأنه العرجون
فكأن بين الصوم خطط نحوه ... خطاً خفياً بان منه النون ٥٦٢ - وقال عبد الجليل بن وهبون:
زعموا الغزال حكاه قلت لهم: نعم ... في صده عن عاشقيه وهجره
وكذا يقولون المدام كريقه ... يا رب ما علموا مذاقة ثغره ٥٦٣ - وقال أبو الحسن علي بن أحمد بن أبي وهب الأندلسي:
قالوا: تدانيت من وداعهم ... ولم نر الصبر عنك مغلوبا
فقلت: للعلم أنني بغدٍ ... أسمع لفظ الوداع مقلوبا وهذا كقول بعض شعراء اليتيمية (١) :
إذا دهاك الوداع فاصبر ... ولا يروعنك البعاد
وانتظر العود عن قريبٍ ... فإن قلب الوداع عادوا ٥٦٤ - وقال ابن اللبانة (٢) :
إن تكن تبتغي القتال فدعني ... عنك في حومة القتال أحامي
стр. 2126
خذ جناني عن جنةٍ، ولسلني ... عن سنانٍ، وخاطري عن حسام ٥٦٥ - وقال القزاز يمدح ابن صمادح، وخلط النسيب بالمديح:
نفى الحب عن مقلتي الكرى ... كما قد نفى عن يدي العدم
فقد قر حبك في خاطري ... كما قر في راحتيك الكرم
وفر سلوك عن فكرتي ... كما فر عن عرضه كل ذم
فحبي ومفخره باقيان ... لا يذهبان بطول القدم
فأبقى لي الحب خالٌ وجدٌ ... وأبقى له الفخر خالٌ وعم ٥٦٦ - وقال أبو الحسن ابن الحاج:
أذوب اشتياقاً يوم يحجب شخصه ... وإني على ريب الزمان لقاسي
وأذعر منه هيبةً وهو المنى ... كما يذعر المخمور أول كاس وقال (١) :
أبا جعفرٍ، مات فيك الجمال ... فأظهر خدك لبس الحداد
وقد كان ينبت نور الربيع ... فقد صار ينبت شوك القتاد
فهل كنت من عبد شمسٍ فأخشى ... عليك ظهور شعار السواد وقال، وما أحكمه:
ما عجبي من بائعٍ دينه ... بلذةٍ يبلغ فيها هواه
стр. 2127
وإنما أعجب من خاسرٍ ... يبيع أخراه بدنيا سواه وقال في مخمسة يرثي فيها ابن صمادح، ويندب الأندلس زمن الفتنة:
من لي بمجبول على ظلم البشر ... صحف في أحكامه حاء الحور
مر بنا يسحب أذيال الخفر ... ما احسد الظبي له إذا نفر وأشبه الغصن به إذا خطر ...
كافورةٌ قد طرزت بمسك ... جوهرةٌ لم تمتهن بسلك
بذت فيها ورعي ونسكي ... بعد لجاجي في التقى ومحكي فاليوم قد صح رجوعي واشتهر ...
نهيت قدماً ناظري عن نظر ... علماً بما يجري ركوب الغرر
وقلت: عرج عن سبيل الخطر ... فاليوم قد عاين صدق الخبر إذ بات وقفاً بين دمعٍ وسهر ...
سقى الحيا عهداً لنا بالطاق ... معترك الألباب والأحداق
وملتقى الأنفس والأشواق ... أيأس فيه الدهر عن تلاقي وربما ساءك دهرٌ ثم سر ...
أحسن به مطلعاً ما أغربا ... قابل من دجلة مرأى معجبا
إن طلعت شمسٌ وقد هبت صبا ... حسبته ينشر برداً مذهبا بمنظرٍ فيه جلاءٌ للبصر ...
يا رب أرضٍ قد خلت قصورها ... وأصبحت آهلةً قبورها
يشغل عن زائرها مزورها ... لا يأمل العودة من يزورها هيهات: ذاك الورد ممنوع الصدر ...
стр. 2128
تنتحب الدنيا عن ابن معن ... كأنها ثكلى أصيبت بابن
أكرم مأمولٍ ولا أستثني ... أثني بنعماه ولا أثني والروض لا ينكر معروف المطر ...
عهدي به والملك في ذماره ... والنصر فيما شاء من أنصاره
يطلع بدر التم من أزراره ... وتكمن العفة في إزاره ويحضر السؤدد أيان حضر ...
قل للنوى جد بنا انطلاق ... ما بعدت مصر ولا العراق
إذا حدا نحوهما اشتياق ... ومن دواء الملل الفرات ومن نأى عن وطنٍ نال وطر ...
سار بذي بردٍ من الإصباح ... راكب نشوى ذات قصدٍ صاح
مسودةٍ مبيضة الجناح ... تسبح بين الماء والرياح بزورها عن طافح الموج زور ...
يقتحم الهول بها اغترارا ... في فتيةٍ تحسبها سكارى
قد افترشن المسد المغارا ... حتى إذا شارفت المنارا هب كما بل العليل المحتضر ...
يؤم عدل الملك الرضي ... الهاشمي الطاهر النقي
والمجتبى من ضئضئ النبي ... من ولد السفاح والمهدي فخر معدٍ ونزارٍ ومضر ...
حيث ترى العباس يستسقى به ... والشرف الأعظم في نصابه
والأمر موقوفاً على أربابه ... والدين لا تختلط الدنيا به وسيرة الصديق تمضي وعمر ...
стр. 2129
٥٦٧ -[أشعار لابن خفاجة]
وقال ابن خفاجة في صفة قوس (١) :
عوجاء تعطف ثم ترسل تارةً ... فكأنما هي حيةٌ تنساب
وإذا انحنت، والسهم منها خارجٌ ... فهي الهلال انقض منه شهاب وقال:
وعسى الليالي أن تمن بنظمنا ... عقداً كما كنا عليه وأكملا
فلربما نثر الجمان تعمداً ... ليعاد أحسن في النظام وأجملا وهو من قول مهيار:
عسى الله يجعلها فرقةً ... تعود بأكمل مستجمع وقول المتنبي:
سألت الله يجعله رحيلاً ... يعين على الإقامة في ذراكا وقال:
اقض على خلك أو ساعد ... عشت بجد في العلا صاعد
فقد بكى جفني دماً سائلاً ... حتى لقد ساعده ساعداي وقال:
وأسودٍ يسبح في بركةٍ ... لا تكتم الحصباء غدرانها
كأنها في صفوها مقلةٌ ... زرقاء، والأسود إنسانها
стр. 2130
وقال:
حيا بها ونسيمها كنسيمه ... فشربتها من كفه في وده
منساغةً فكأنها من ريقه ... محمرةً فكأنها من خده وقال:
لعمري لو أوضعت في منهج التقى ... لكان لنا في كل صالحة نهج
فما يستقيم الأمر، والملك جائر ... وهل يستقيم الظل، والعود معوج وقال يرثي صديقاً من أبيات:
تيقن أن الله اكرم جيرةٍ ... فأزمع عن دار الحياة رحيلا
فان أقفرت منه العيون فإنه ... تعوض منها بالقلوب بديلا
ولم ار أنساً قبله عاد وحشةً ... وبرداً علا الأكباد عاد غليلا
ومن تك أيام السرور قصيرة ... به كان ليل الحزن فيه طويلاً وقال:
تفاوت نجلا أبي جعفرٍ ... فمن متعالٍ ومن منسفلٍ
فهذا يمين بها أكله ... وهذا شمالٌ بها يغتسل ٥٦٨ - وقال ابن الرفاء:
ولما رأيت الغرب قد غص بالدجى ... وفي الشرق من ضوء الصباح دلائل
توهمت أن الغرب بحرٌ أخوضه ... وأن الذي يبدو من الشرق ساحل ٥٦٩ - وقال أبو محمد ابن عبد البر الكاتب:
لا تكثرن تأملاً ... وامسك عليك عنان طرفك
стр. 2131
فلربما أرسلته ... فرماك في ميدان حتفك ٥٧٠ - وقال أبو القاسم السميسر (١) :
يا آكلاً كل ما اشتهاه ... وشاتم الطب والطبيب
ثمار ما قد غرست تجني ... فانتظر السقم عن قريب
يجتمع الداء كل يومٍ ... أغذية السوء كالذنوب وكان كثير الهجاء، وله كتاب سماه بشفاء الأمراض في أخذ الأعراض والعياذ بالله.
ومن قوله:
خنتم فهنتم وكم أهنتم ... زمان كنتم بلا عيون
فأنتم تحت كل تحتٍ ... وأنتم دون كل دون
سكنتم يا رياح عادٍ ... وكل ريحٍ إلى سكون وقال (٢) :
يا مشفقاً من خمول قومٍ ... ليس لهم عندنا خلاق
ذلوا ويا طالما أذلوا ... دعهم يذوقوا الذي أذاقوا وقال:
وليتم فما أحسنتم مذ وليتم ... ولا صنتم عما يصونكم عرضا
وكنتم سماء لا ينال منالها ... فصرتم لدى من لا يسائلكم أرضا
ستسترجع الأيام ما أفرضتكم ... ألا إنها تسترجع الدين والقرضا
стр. 2132
٥٧١ - وقال ابن شاطر السرقسطي:
قد كنت لاأدري لأية علةٍ ... صار البياض لباس كل مصاب
حتى كساني الدهر سحق ملاءةٍ ... بيضاء من شيبي لفقد شبابي
فبذا تبين لي إصابة من رأى ... لبس الباض على نوى الأحباب ٥٧٢ - وهذه عادة أهل الأندلس، ولهذا قال الحصري:
إذا كان البياض لباس حزنٍ ... بأندلسٍ فذاك من الصواب
ألم ترني لبست ببياض شيبي ... لأني قدت حزنت على الشباب وما أحسن قوله رحمه الله تعالى:
لو كنت زائرتي لراعك منظري ... ورأيت بي ما يصنع التفريق
ولحال من دمعي وحر تنفسي ... بيني وبينك لجةٌ وحريق ٥٧٣ - وقال ابن عبد الصمد يصف فرساً:
إلى سابحٍ فردٍ يفوت بأربعٍ ... له أربعاً منها الصبا والشمائل
من الفتخ خوار العنان كأنه ... مع البرق سارٍ أو مع السيل سائل ٥٧٤ - وقال ابن عبد الحميد البرجي:
أرح متن المهند والجواد ... فقد تعبا بجدك في الجهاد
قضيت بعزمةٍ حق العوالي ... فقض براحةٍ حق الهوادي ٥٧٥ - وقال عبادة:
إنما الفتح هلالٌ طالعٌ ... لاح من أزراره في فلك
خده شمسٌ، وليلٌ شعره ... من رأى الشمس بدت في حلك
стр. 2133
٥٧٦ - وقال ابن المطرف المنجم:
يرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أفكاره بالغيب كهان
لا طرفةٌ منه إلا تحتها عمل ... كالدهر لا دورةٌ إلا لها شان ٥٧٧ - وقال أبو الحسن ابن اليسع:
راموا ملامي، وكان إغرا ... وذم حبي، وكان إطرا
لو علم العاذلون ما بي ... لانقلبت فيه لامهم را وقال:
لما قدمت وعندي ... شطرٌ من الشوق وافي
قدمت قلبي قبلي ... فصنه حتى أوافي ٥٧٨ - ولما خاطب المستنصر ملك إفريقية ابن سيد الناس بقوله:
ما حال عينيك يا عين الزمان فقد ... أورثتني حزناً من أجل عينيكا
وليس لي حيلةٌ غير الدعاء فيا ... رب براوي الصحيحين حنانيكا أجابه الحافظ أبو المطرف ابن عميرة المخزومي خدمة عن الحافظ أبي بكر ابن سيد الناس:
مولاي حالهما والله صالحةٌ ... لما سألت فأعلى الله حاليكا
ما كان من سفرٍ أو كان من حضرٍ ... حتى تكون الثريا دون نعليكا ٥٧٩ - وقال الأديب أبو العباس الرصافي، وهو من أصحاب أبي حيان:
هذا هلال الحسن أطلع بيننا ... وجميعنا بحلى محاسنه شغف
стр. 2134
لما رأى صل العذار بخده ... ماء النعيم أتى إليه ليرتشف
فكأن ذاك الخد أنكر أمره ... فاحمر من حنقٍ عليه وقال قف وقال:
وعشيةٍ نعمت بها أرواحنا ... والخمر قد أخذت هنالك حقها
وكأنما ابريقنا لما جثا ... ألقى حديثاً للكؤوس وقهقها ٥٨٠ - وقال الإمام الحافظ أبو الربيع ابن سالم:
كأنما إبريقنا عاشقٌ ... كل عن الخطو فما أعمله
غازل من كأسي حبيباً له ... فكلما قبله أخجله ٥٨١ - وقال أبو القاسم ابن الأبرش:
رأيت ثلاثةً تحكي ثلاثاً ... إذا ما كنت في التشبيه تنصف
فتنجو (١) النيل منفعةً وحسناً ... وشنترين مصر، وأنت يوسف وقال في غريق، وقيل: إنه مما تمثل به (١) :
الحمد لله إلى كل حال ... قد أطفأ الماء سراج الجمال
أطفأه من كان محياً له ... قد يطفئ الزيت ضياء الذبال وهو القائل أيضاً:
لو لم يكن لي آباء أسود بهم ... ولم يؤسس رجال الغرب لي شرفا
ولم أنل ملك العصر منزلةً ... لكان في سيبويه الفخر لي وكفى
فكيف علمٌ ومجدٌ قد جمعتهما ... وكل مختلقٍ في مثل ذا وقفا
стр. 2135
٥٨٢ - وقال أبو الحسن أبن حريق:
أصبحت تدمير مصراً كاسمها ... وأبو يوسف فيها يوسفا ٥٨٣ - وقال أبو القاسم ابن العطار الإشبيلي في بعض الهوزنيين وقد غرق في نهر طلبيرة عند فتحها (١) :
ولما أن رأوا أن لا مقر لسيفه ... سوى هامهم لاذوا بأجرأ منهم
فكان من النهر المعين معينهم ... ومن ثلم السد الحسام المثلم
فيا عجباً للبحر غالته نطفةٌ ... وللأسد الضرغام أرداه أرقم ٥٨٤ -[نقول من التكملة]
١ - وقال أبو العباس اللص (٢) :
وقائلة والضنى شاملي ... علام سهرت ولم ترقد
وقد ذاب حسمك فوق الفرا ... ش حتى خفيت على العود
فقلت: وكيف أرى نائماً ... ورائي المنية بالمرصد ولما قرئ عليه ديوان أبي تمام، ومر فيه وصف سيف، قال: أنا أشعر منه حيث أقول:
تراه في غداة الغيم شمساً ... وفي الظلماء نجماً أو ذبالا
يروعهم معينةً ووهماً ... ولو ناموا لروعهم خيالا ٢ - وقال أبو إسحاق الإلبيري (٣) :
стр. 2136
تمر لداتي واحداً بعد واحدٍ ... وأعلم أني بعدهم غير خالد
وأحمل موتاهم وأشهد دفنهم ... كأني بعيد عنهم غير شاهد
فها أنا في علمي لهم وجهالتي ... كمستيقظٍ يرنو بمقلة راقد قيل: ولو قال في البيت الثاني:
كأني عنهم غائبٌ غير شاهد ... لكان أحسن وأبدع وأبرع في الصناعة الشعرية، قاله ابن الأبار رحمه الله تعالى.
٣ - وقال الوزير الوليد ابن مسلمة (١) :
إذا خانك ارزق في بلدةٍ ... ووافاك من همها ما كثر
فمفتاح رزقك في بلدةٍ ... سواها فردها تنل ما يسر
كذا المبهمات بوسط الكتا ... ب مفتاحها أبداً في الطرر ٤ - وقال أبو الطاهر إسماعيل الخشني الجياني المعروف بابن أبي ركب، وقيل: إن أخاه الأستاذ أبا بكر هو المعروف بذلك (٢) :
يقول الناس في مثلٍ ... تذكر غائباً تره
فما لي لا أرى سكني ... ولا أنسى تذكره ٥ - وأنشد أبو المعالي الإشبيلي الواعظ بمسجد رحبة القاضي من بلنسية أبياتاً منها (٣) :
стр. 2137
١٠ - وحكي عن الفقيه الأديب النحوي أبي عبد الله محمد بن ميمون الحسيني، قال (١) : كانت لي في صبوتي جاريةً، وكنت مغرىً بها، وكان أبي ﵀ يعذلني ويعرض لي بيعها، لأنها كانت تشغلني عن الطلب والبحث عليه، فكان عذله يزيدني إغراء بها، فرأيت ليلةً في المنام كأن رجلاً يأتيني في زي أهل المشرق كل ثيابه بيض، وكان يلقى في نفسي أنه الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وكان ينشدني:
تصبو إلى مي، ومي لا تني ... تزهو ببلواك التي لا تنقضي
وفخارك القوم الألى ما منهم ... إلا إمام أو وصي أو نبي
فاثن عنانك للهدى عن ذي الهوى ... وخف الإله عليك ويحك وارعوي قال: فانتبهت فزعاً فيما رأيته، فسألت الجارية، هل كان لها اسم قبل أن تتسمى بالاسم الذي أعرفه فقالت: لا، ثم عاودتها حتى ذكرت أنها كانت تسمى مية، فبعتها حينئذٍ، وعلمت أنه وعظٌ وعظني الله به، ، وبشرى.
١١ - وقال ابن الحداد أول قصيدته " حديقة الحقيقة " (٢) :
ذهب الناس فانفرادي أنيسي ... كتابي محدثي وجليسي
صاحبٌ قد أملت منه ملالاً ... واختلالاً وكل خلقٍ بئيس
ليس في نوعه بحيٍ ولكن ... يلتقي الحي منه بالمرموس ١٢ - وقال بعض أهل الجزيرة الخضراء (٣) :
стр. 2138
ألحاظكم تجرحنا في الحشا ولحظنا يجرحكم في الخدود
جرحٌ بجرحٍ فاجعلوا ذا بذا فما الذي أوجب جرح الصدود
وقال ابن النعمة: إنهما لابن شرف، وقد ذكرناهما مع جوابهما في غير هذا الموضع.
١٣ - وقال المعتمد بن عباد (١) :
اقنع بحظك في دنياك ما كانا وعز نفسك إن فارقت أوطانا
في الله من كل مفقودٍ مضى عوضٌ فأشعر القلب سلواناً وإيمانا
أكلما سنحت ذكرى طربت لها مجت دموعك في خديك طوفانا
أما سمعت بسلطانٍ شبيهك قد بزته سود خطوب الدهر سلطانا
وطن على الكره وارقب إثره فرجاً واستغفر الله تغنم منه غفرانا
١٤ - وقال أبو عامر البرياني في الصنم الذي بشاطبة (٢) :
بقيةٌ من بقايا الروم معجبةٌ أبدى البناة بها من علمهم حكما
لم أدر ما أضمروا فيه سوى أمم تتابعت بعد سموه لنا صنما
كالمبرد الفرد ما أخطأ مشبهه حقاً لقد برد الأيام والأمما
كأنه واعظٌ طال الوقوف به مما يحدث عن عاد وعن إرما
فانظر إلى حجرٍ صلد يكلمنا أسمى وأوعظ من قس لمن فهما
قيل: لو قال مكان حكما علما لأحسن.
١٥ - وقال السميسر (٣) :
стр. 2139
إذا شئت إبقاء أحوالكا فلا تجر جاهاً على بالكا
وكن كالطريق لمجتازها يمر وأنت على حالكا
وقال:
هن إذا مانلت حظاً فأخو العقل يهون
فمتى حطك دهرٌ فكما كنت تكون
١٦ - وقال أبو الربيع ابن سالم الكلاعي: انشدني ابو محمد الشلبي، أنشدني أبو بكر ابن منخل، لنفسه (١) :
مضت لي ست بعد سبعين حجةً ولي حركات بعدها وسكون
فيا ليت شعري أين أو كيف أو متى يكون الذي لا بد أن سيكون
١٧ - وقال أبو محمد عبد الحق الإ (٢) شبيلي:
لايخدعنك عن دين الهوى نفر لم يرزقوا عن دين الحق تاييدا
عمي القلوب عروا عن كل فائدة لأنهم كفروا بالله تقليدا
١٨ - وقال ابو محمد ابن صارة (٣) :
والدنيا بجهل عظموها فعزت عندهم وهي الحقيره
يهارش بعضهم بعضاً عليها مهارشة الكلاب على العقيره
وقال:
اسعد بما لك في الحياة ولاتكن تبقي عليه حذار فقرٍ حادث
стр. 2140
فالبخل بين الحادثين، وإنما مال البخيل لحادث او وارث
١٩ - ودخل ابو محمد الطائي القرطبي على القاضي أبي الوليد ابن رشد فأنشده ارتجالا (١) :
قام لي السيد الهمام قاضي قضاةالورى الإمام
فقلت قم بي ولاتقم لي فقلما يؤكل القيام
٢٠ - وقال الحافظ ابو محمد ابن حزم (٢) :
لاتلمني لأن سبقت لحظ فات إدراكه ذوي الألباب
يسبق الكلب وثبة الليث في العد ويعلو النخال فوق اللباب
٢١ - وقال أبو عبد الله الجبلي الطبيب القرطبي (٣) :
اشدد يديك على كلبٍ ظفرت به ولا تدعه فإن الناس قد ماتو
قلت: تذكرت بهذا قول الآخر:
اشدد يديك بكلبٍ إن ظفرت به فأكثر الناس قد صاروا خنازيرا
٢٢ - وقال محمد ابن عبد الله الحضرمي مولى بني أمية:
عاشر الناس بالجمي ل وسدد وقارب
واحترس من أذى الكرا م وجد بالمواهب
لايسود الجميع من لم يقم بالنوائب
ويحوط الاذىوير عى ذمام الاقارب