أما كفاك الزنا ارتكاباً وشرب مسشمولة الحميا
حتى ضربت الدفوف جهراً وقلت للشر: جئ إليا
فاليوم أبكيك ملء عيني لو كان يغني البكاء شيا
فأجابه ابنه بقوله:
يا لائم الصب في التصابي ما عنك يغني البكاء شيا
أوجفت خيل العتاب نحوي وقبل وثبتها إليا
وقلت عمر الهنا قصير فاربح من العيش ما تهيا
قد كنت أرجو المتاب مما فتنت جهلاً به وغيا
لولا ثلاث شيوخ سوء أنت وإبليس والحميا
٦٣٠ - وقال أبو جعفر ابن صفوان المالقي رحمه الله تعالى:
سألته الإتيان نحوي مقبلاً فقال سل نحوي كي تحصلا
قرأت باب الجمع من شوقي له وهو بالاشتغال عني قد سلا
للاستغاثة ابتدأت تالياً وهو لأفعال التعدي قد تلا
وكلما طلبت منه في الهوى عطفاً غدا يطلب مني بدلا
وإن أرم محض إضافة له أعمل في قطعي عنه الحيلا
في ألف الوصل ظللت باحثاً وهو باب الفصل قد تكفلا
فلست موصولاُ وليس عائداً وليس حالي عن أسى منتقلا
فيا منى نفسي ومن لفهمه دانت فهوم الأذكياء النبلا
وجدي موقوف عليك لا أرى عنك مدى الدهر له تنقلا
فما الذي يمنع من تسكينه والوقف بالتسكين حكم أعملا
والحب مرفوع إليك مفرد فلم ترى لضمتي مستثقلا
فالضم للرفع غدا علامة في مفرد مثلي فأوضح مشكلا
стр. 2172
لا زلت للهيام عني رافعاً للوصل ناصباً، لقولي معملا
للشوق مسكناً، لهجري صارفاً بالقرب من حال البعاد مبدلا
تجزم أمراً في الأماني ماضياً وتبتدي بما تشا مستقبلا
٦٣١ - وقال محمد بن إدريس القضاعي الأصطبوني:
علاه رياض أورقت بمحامد تنور بالجدوى وتثمر بالأمل
تسح عليها من نداه غمامة تروي ثرى المعروف بالعل والنهل
وهل هو إلا الشمس نفساً ورفعة فيقرب بالجدوى ويبعد بالأمل
تعم أياديه البرية كلها فدان وقاص جود كفيه قد شمل
٦٣٢ - وقال محمد التطيلي الهذلي، من أعيان غرناطة (١) :
جارت علي لواحظ الآرام لما رمت أجفانها بسهام
حكمت علي بحكمها فتبسمت فغدا الضنى منها لدى أحكام
يا قاتلي عمداً بسيف لحاظه اغمد ظباه قبل وقع حمامي
كم رمت وصلك والصدود يصدني ويفل عزمي أمره ومرامي
إني عدمت النفس يوم فراقكم والبين أسلمها إلى الإعدام
كيف المقام وأصل جسمي ناحل إن النفوس مقيمة الأجسام
صعب العلاج فكيف يمكن برؤها حتى يعود الشهر مثل العام
قد كنت أفرح بالسلو فها أنا قد زم قلبي في الهوى بزمام
مالت به نحو الفتون بدائع من شادن يحكيه بدر تمام
فقوام أنفسنا بلذة وصله وجميع أعيننا عليه سوام
قد أبرزت خداه روض محاسن عظمت على الأفكار والأوهام
стр. 2173
تندى بماء شبيبة وتنعم فيروق منها الزهر في الأكمام
فكأنما وجناتها في لونها ورد الرياض ربا بصوب غمام
وكأنما درع الدجى من شعره قد حاكه منها يد الإظلام
وكأنما ريق حواه ثغره مسك أديف بعنبر ومدام
وكأنما سيف نضت ألحاظه سيف الأمير ممهد الإسلام
ذاك الأمير محمد بن محمد ناهيك من ملك أغر الإعظام
لو كان يعتقل السها لأتاه في شكل الفتاة ملثماً بلثام
أو كان يرضى بالمجرة أجرداً لجرت إلى الإسراج والإلجام
فالسعد يفعل للأماني قولها والنصر يخدمه مع الأيام
واليوم يعشقه ويحسد ليله فيه كعشق سيوفه للهام
نامت عيون الشرك خوف سنانه لولاه ما اكتحلت بطيف منام
بهر الأنام بسيفه وببأسه فسبى وأنعم أيما إنعام
فالمعتفي يجني جزيل هباته والمعتدي يصلى الردى بحسام
مهما استعنت به فضيغم معرك وإذا استجرت به فطود شمام
أجرى مياه العدل بعد جفوفها وأزال نار الظلم بعد ضرام
كم من كتيبة جحفل قد هدها في معرك بمهند صمصام
المقتني الجرد المذاكي عدة للكر في الأعداء والإقدام
من كل أبيض كان اديمه لون الصباح أتى عقيب ظلام
ومنها:
يا خير من ركب الجياد وقادها تحت اللواء، وعمدة الأقوام
لا زلتم والسعد يخدم أمركم فب غبطة موصولة بدوام
حتى يصير الأمن في أرجائنا عبداً يقوم لنا على الإقدام
стр. 2174
والله ينصركم ويعلي مجدكم ماسح إثر الصحو ماء غمام
٦٣٣ - وكان يحيى السرقسطي أديباً، فرجع إلى الجزارين، فأمر الحاجب ابن هود أبا الفضل ابن حسداي أن يوبخه على ذلك، فكتب إليه (١) :
تركت الشعر من عدم الإصابه وملت إلى التجارة والقصابه
فأجابه يحيى:
تعيب علي مألوف القصابه ومن لم يدر قد الشيء عابه
ولو أحكمت منها بعض فن لما استبدلت منها بالحجابه
ولو تدري بها كلفي ووجدي علمت علام أحتمل الصبابه
وإنك لو طلعت علي يوماً وحولي من بني كلب عصابه
لهالك ما رأيت وقلت هذا هزبر صير الأوضام غابه
وكم شهدت لنا كلب وهر بأن المجد قد حزنا لبابه
فتكنا في بني العنزي فتكاً أقر الذعر فيهم والمهابه
ولم نقلع عن الثوري حتى مزجنا بالدم القاني لعابه
ومن يغتر منهم بامتناع فإن إلى صوارمنا إبابه
ويبرز واحد منا لألف فيغلبهم وذاك من الغرابه
ومنها:
أبا الفضل الوزير أجب ندائي وفضلك ضامن عنك الإجابه
وإصغاء إلى شكوى شكور أطلت على صناعته عتابه
وحقك ما تركت الشعر حتى ... رأيت البخل (٢) قد أوصى صحابه (٣)
стр. 2175
وحتى زرت مشتاقاُ خليلي (١) ... فأبدى لي التحيل (٢) والكآبه وظن زيارتي لطلاب شيء فنافرني وغلظ لي حجابه
٦٣٤ - وقال الأديب أبو الحسن ابن الحداد:
قالت وأبدت صفحة كالشمس من تحت القناع
بعت الدفاتر وهي آخر ما يباع من المتاع
فأجبتها ويدي على كبدي وهمت بانصداع
لا تعجبي مما رأي ت فنحن في زمن الضياع
٦٣٥ - وقال الأديب أبو زكريا ابن مطروح من أهل مدينة باغه، وقد عزل وال فنزل المطر على إثره، وهو من أحسن شعر قاله، وكان الوالي غير مرضي:
ورب وال سرنا عزله فبعضنا هنأه البعض
قد واصلتنا السحب من بعده ولذ في أجفاننا الغمض
لو لم يكن من نجس شخصه ما طهرت من بعده الأرض
٦٣٦ - وقال القاضي أبو البركات ابن الحاج البلفيقي، رحمه الله تعالى:
وعشية حكمت على من تاب من أهل الخلاعة أن يعود لما مضى
جمعت لنا شمل السرور بفتية إلا الرياء مع الخطابة والقضا
٦٣٧ - وقال أبو الحجاج يوسف الفهري من أهل دانية:
стр. 2176
أبى الله إلا أن أفارق منزلاً يطالعني وجه المنى فيه سافرا
كأن على الأيام أن لا أحله رويداً فما أغشاه إلا مسافرا
٦٣٨ - وقال بعضهم في الرثاء:
عبرات تفيض حزناً وثكلا وشجون تعم بعضاً وكلا
ليس إلا صبابة أضرمتها حسرة تبعث الأسى ليس إلا
٦٣٩ - ولأبي جعفر البغيل أحد شعراء المرية وكتابها:
عزاء على هذا المصاب الذي دهى وشتت شمل الأنس من بعد ما انتهى
بفرع علاء في منابت سؤدد تسامى رقياً في المعالي إلى السها
أصبت به من بعد ما تم مجده وقد شمخت منه الشماريخ وازدهى
فأية شمس فيه للمجد كورت وأي بناء للمكارم قد وهى
فصبراً عليه لا رزئت بمثله فمثلك من يعزى إلى الحلم والنهى
٦٤٠ - وقال الكاتب الماهر أبو جعفر أحمد بن أيوب اللمائي المالقي (١) :
طلعت طلائع للربيع فأطلعت فب الروض ورداً قبل حين أوانه
حيا أمير المؤمنين مبشراً ومؤملاً للنيل من إحسانه
ضنت سحائبه عليه بمائه فأتاه يستسقيه ماء بنانه
دامت لنا أيامه موصولة بالعز والتمكين في سلطانه
٦٤١ - وقال أبو جعفر أحمد بن طلحة من جزيرة شقر (٢) :
يا هل ترى أظرف من يومنا قلد جيد الأفق طوق العقيق
وأنطق الورق بعيدانها مطربة كل قضيب وريق
стр. 2177
والشمس لا تشرب خمر الندى في الروض إلا بكؤوس الشقيق
٦٤٢ - وقال أبو جعفر الغساني من أهل وادي آش، واستوطن غرناطة، ثم مات بالمرية، فكتب على حمالة قراب لموطإ الإمام مالك، بعدما استنجد قرائح أدباء عصره، واستصرخ الختراعاتهم لنصره، فكلهم قصر عن غرضه، وأداء مفترضه، فقال هو:
يا طالباً لكمال حفظي أتم كمالك
فما تقلدت مثلي إذ لم تقلد كمالك
٦٤٣ - وقال أبو بكر يحيى بن بقي:
خذها على وجه الربيع المخصب لم يقض حق الروض من لم يشرب
هممي سماء علاً وهمي مارد فارجمه من تلك الكؤوس بكوكب
وهو رحمه الله تعالى صاحب الأبيات المشهورة:
زحزحته عن أضلع تشتاقه كيلا ينام على فراش خافق
وانتقد عليه بعض اللطفاء فقال: إنه كالن جافي الطبع حيث قال زحزحته ولو قال باعدت عنه أضلعاً تشتاقه لكان أحسن.
٦٤٤ - وقال السلطان المتوكل بن الأفطس صاحب بطليوس يستدعي (١) :
انهض أبا طالب إلينا واسقط سقوط الندى علينا
فنحن عقد بغير وسطى ما لم تكن حاضراً لدينا
وتذكرت هنا بعض المشارقة فيما أظن والله تعالى أعلم:
стр. 2178
نحن في مجلس أنس ما به غير محبك
فتصدق بحضور واجمع الوقت بقربك
وخف الآن عتابي مثل خوفي عند عتبك
٦٤٥ - وقال أبو عبد الله ابن خلصة الضرير (١) :
ولو جاد بالدنيا وثنى بمثلها لظن من استصغارها أنه ضنا
ولا عيب في إنعامه غير أنه إذا من لم يتبع مواهبه منا
وله أيضاً (٢) :
يا مالكاً حسدت عليه زمانه أمم خلت من قبله وقرون
ما لي أرى الآمال بيضاً وضحاً ووجوه آمالي حوالك جون
أنا آمن فرق، وراج آيس ورو صد، ومسرح مسجون
٦٤٦ - وقال ابن اللبانة:
كرمت فلا بحر حكاك ولا حياً وفت فلا عجم
وأوليتني منك الجميل فواله عسى السح من نعماك يتبعه السكب
٦٤٧ - وقال أبو علي ابن اليمان (٣) :
أبنات الهديل أسعدن أو عد ن قليل العزاء بالإسعاد
بيد أني لا أرتضي ما فعلت ن فأطواقكن في الأجياد
стр. 2179
٦٤٨ - وقال أبو أحمد بن الدودين من كلمة (١) :
فغدت غواني الحي عنك غوانياً وأسلن ألحاظ الرباب ربابا
٦٤٩ - وقال ابن أبي الخصال في مليحة لها أربع جوار قبيحات:
وليلة طولها على سنة بات بها الجفن نادباً وسنه
بأربع بينهن واحدة كسيئات وبينها حسنه
٦٥٠ - وقال غالب بن تمام الملقب بالحجام:
صغار الناس أكثرهم قبيحاً وليس لهم بصالحة نهوض
ألم تر في سباع الطير نسراً يسالمنا ويؤذينا البعوض
٦٥١ - وقال ابن عائشة (٢) :
وروضة قد علت سماء تطلع أزهارها نجوما
هفا نسيم الصبا عليها ... فخلتها أرسلت رجوما (٣) كأنما الجو غار لما بدت فأغرى بها النسيما
وله يصف فرساً، وهو من بدائعه:
قصرت له تسع وطالت أربع وزكت ثلاث منه للمتأمل
وكأنما سال الظلام بمتنه وبدا الصباح بوجهه المتهلل
وكأن راكبه على ظهر الصبا من سرعة أو فوق ظهر الشمأل
стр. 2180
وقال:
تربة مسك، وجو عنبرة وغيم ند، وطش ما ورد
كأنما جائل الحباب به يلعب في جانبيه بالنرد
وتروى هذه الأبيات لغيره (١) .
وقال (٢) :
هم سلبوني حسن صبري إذ بانوا بأقمار أطواق مطالعها بان
لئن غادروني باللوى إن مهجتي مسايرة أظغانهم حيثما كانوا
٦٥٢ - وقال أبو محمد ابن سفيان، وهو من أبدع التخلص:
فقلت وجفني وقد تداعت شؤونه وحر ضلوعي مقعد ومقيم
لئن دهمت دهم الخطوب وآلمت فإن أبا عيسى أغر كريم
٦٥٣ - وقال ابن الزقاق (٣) :
بأبي وغير أبي أغن مهفهف مهضوم ما تحت الوشاح خميصه
لبس الفؤاد ومزقته جفونه فأتى كيوسف حين قد قميصه
وقال:
سلام على أيامكم ما بكى الحيا وسقياً لذاك العهد ما ابتسم الزهر
كأن لم نبت في ظل أمن تضمنا من الليلة الظلماء أردية خضر
ولم نغتبق تلك الأحاديث قهوة وكم نجلس طيب الحديث به خمر
ألا في ضمان الله في كل ساعة يجدد لي فيها بشوقي له ذكر
стр. 2181
يذكرنيه البرق جذلان باسماً ويذكرني إسفار غرته الفجر
وما رق زهر الروض إلا تمثلت لناظر عيني منه آدابه الزهر
٦٥٤ - وقال يحيى السرقسطي:
هاتها عسجدية كوثريه بنت كرم رحيقة عطريه
كلما شفها النحول تقوت فاعجبوا من ضعيفة وقويه
رب خمارة سريت إليها والدجى في ثيابه الزنجيه
ومنها:
كم عقار بدلته بعقار وثياب صبغتها خمريه
إن خير البيوع ما كان نقداً ليس ما كان آجلاً بنسيه
وله (١) :
نسبتم الظلم لعمالكم ونمتم عن قبح أعمالكم
والله لو حكمتم ساعة ما خطر العدل على بالكم
٦٥٥ - وقال الرصافي في الدولاب (٢) :
وذي حنين يكاد شجواً يختلس الأنفس اختلاسا
إذا غدا للرياض جاراً وقال لها المحل لا مساسا
يبتسم الروض حين يبكي بأدمع ما رأين باسا
من كل جفن يسل سيفاً صار له عقده رئاسا
٦٥٦ - وخرج أبو بكر الصابوني لنزهة بوادي إشبيلية، وكان يهوى
стр. 2182
فتى اسمه علي، فقال:
أبا حسن أبا حسن بعادك قد نفى وسني
وما أنسى تذكره فهل أنسى فيذكرني
ويشبه هذا القول الطاهر بن أبي ركب (١) :
يقول الناس في مثل تذكر غائباً تره
فما لي لاأرى سكني وما أنسى تذكره
٦٥٧ - وكتب بعض الأدباء إلى ابن حزم الأندلسي بقوله:
سألت الوزير الفقيه الأجل سؤال مدل على من سأل
فقلت أيا خير مسترشداً ويا خير من عن إمام نقل
أيحرم أن نالني قبلة غزال ترشف فيه الغزل
وعانقني والدجى خاضب فبتنا ضجيعين حتى نصل
وجئتك أسأل مسترشداً فبين فديت لمن قد سأل
فأجابه ابن حزم بقوله:
إذا كان ما قلته صادقاً وكنت تحريت جهد المقل
وكان ضجيعك طاوي الحشا أعار المهاة احمرارالمقل
ففي أخذ أشهب عن مالك عن ابن شهاب عن الغير قل
بترك الخلاف على جمعهم على أن ذلك حل وبل
٦٥٨ - ونظر الرصافي يوماً إلى صبي يبكي، ويأخذ من ريقه ويبل
стр. 2183
عينيه، كي يخفي أثر البكاء، فارتجل الرصافي (١) :
عذيري من جذلان يبدي كآبة وأضلعه مما يحاوله صفر
أميلد مياس إذا قاده الصبا إلى ملح الإدلال أيده السحر
يبل مآقي مقلتيه بريقه ليحكي البكا عمداً كما ابتسم الزهر
أيوهم أن الدمع بل جفونه وهل عصرت يوماً من النرجس الخمر
وكان المذكور - أعني الرصافي - يميل في شبيبته لبعض فتيان الطلبة، وأجمع الطلبة على أن يصنعوا نزهة بالوادي الكبير بمالقة، فركبوا زورقاً للمسير إلى الوادي، فوافق أن اجتمع في الزورق شمل الرصافي بمحبوبه، ثم إن الريح الغربية عصفت وهاج البحر، ونزل المطر، فنزلوا من الزورق، وافترق شمل الرصافي من محبوبه، فارتجل في ذلك، ويقال إنها من أول شعره:
غار بي الغرب إذ رآني مجتمع الشمل بالحبيب
فأرسل الماء عن فراق وأرسل الريح عن رقيب
فلما سمع ذلك أستاذه استنبله، وقال له: إنك ستكون شاعر زمانك.
٦٥٩ - وحكي أن أبا بكر ابن مجبر قال في ابن لأبي الحسن ابن القطان بمحضره والده:
جاء وفي يساره قوس وفي اليمنى قدح
كأنه شمس بدت وحولها قوس قزح
يا لائمي في حبه ما كل من لام نصح
فقال ابن عياش الكاتب: هذه أبيات لأندلسي استوطن المشرق في تركي،
стр. 2184
فأقسم أبو بكر أنه لم يسمع شيئاً من ذلك، وإنما ارتجلها، وقيل: إنها لأبي الفتح محمد بن عبيد الله من أهل بغداد، وأولها:
جد بقلبي ومزح
فالله أعلم بحقيقة الأمر.
٦٦٠ - وخرج أبو بكر ابن طاهر وأبو ذر الحشني والقاضي أبو حفص ابن عمر، وهو إذ ذاك وسيم، فأثرت الشمس في وجهه، فقال أبو ذر:
وسمتك الشمس يا عمر سمة في القلب تنتثر
فقال الآخر:
علمت قدر الذي صنعت فأتت صفراء تعتذر
٦٦١ - وقال أبو الحسين البلنسي الصوفي: كان لي صديق أمي لا يقرأ ولا يكتب، فعلق فتى، وكان خرج لنزهة فأثرت الشمس في وجهه، فأعجبه ذلك وأنشد:
رأيت أحمد لما جاء من سفر والشمس قد أثرت في وجهه أثرا
فانظر لما أثرته الشمس في قمر والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا
٦٦٢ - واجتمع أبو الوليد الوقشي وأبو مروان عبد الملك بن سراج القرطبي، وكانا فريدي عصرهما حفظاً وتقدماً، فتعارفا، وتساءلا، ثم بادر أبو الوليد بالسؤال، وقال: كيف يكون قول القائل:
ولو أن ما بي بالحصى فعل (١) الحصى ... وبالريح لم يسمع لهن هبوبُ
стр. 2185
ما ينبغي أن يكون مكان فعل الحصى فقال أبو مروان فلق الحصى، فقال: وهمت، إنما يكون قلق الحصى ليكون مطابقاً لقوله لم يسمع لهن هبوب يريد أن ما به يحرك ما شأنه السكون ويسكن ما شانه الحركة، فقال أبو مروان: ما يريد الشاعر بقوله:
وراكعة في ظل غصن منوطة بلؤلؤة نيطت بمنقار طائر
وكان اجتماعهما في مسجد، فأقيمت الصلاة إثر فراغ ابن سراج من إنشاد البيت، فلما انقضت الصلاة قال له الوقشي: ألغز الشاعر باسم أحمد، فالراكعة الحاء، والغصن كناية عن الألف، واللؤلؤة الميم، ومنقار الطائر الدال، فقال له ابن سراج: ينبغي أن تعيد الصلاة لشغل خاطرك بهذا اللغز، فقال له الوقشي: بين الإقامة وتكبيرة الإحرام فككته.
والبيت الأول لعبد الله بن الدمينة، وبعده:
ولو أنني أستغفر الله كلما ذكرتك لم تكتب علي ذنوب
٦٦٣ - وقال الوزير أبو الحسن ابن أضحى:
ومشتشفع عندي بخير الورى عندي وأولاهم بالشكر مني وبالحمد
وصلت فلما لم أقم بجزائه ... " لففت له رأسي حياء من المجد " (١) وكان سبب قوله هذين البيتين أنه كتب إليه بعض الوزراء شافعاً لأحد الأعيان، فلما وصل إليه بره وأنزله وأعطاه عطاء استعظمه واستجزله، وخلع عليه خلعاً، وأطلعه من الأحمال بدراً لم يكن مطلعاً، ثم اعتقد أنه قد جاء مقصراً، فكتب إليه معتزراً بالبيتين، هكذا حكاه الفتح (٢) ، وقال بعد ذلك ما صورته: ومن باهر جلاله، وطاهر خلاله، أنه أعف الناس بواطن،
стр. 2186
أشرفهم في التقى مواطن، ما علمت له صبوة، ولا حلت له إلى مستنكر حبوة، مع عدل لا شيء يعدله، وتحجب عما يتقى مما يرسل عليه حجابه ويسدله، وكان لصاحب البلد الذي كان يتولى القضاء به ابن من أحسن الناس صورة، وكانت محاسن الأقوال والأفعال عليه مقصورة، مع ما شئت من لسن، وصوت حسن، وعفاف، واختلاط بالبهاء والتفاف، قال الفتح: وحملنا لإحدى ضياعه بقرب من حضرة غرناطة فحللنا قرية على ضفة نهر، أحسن من شاذ مهر، تشقها جداول كالصلال، ولا ترمقها الشمس من تكاثف الظلال، ومعنا جملة من أعيانها، فأحضرنا من أنواع الطعام، وأرانا من فرط الإكرام والإنعام، ما لا يطاق ولا يحد، ويقصر عن بعضه العد، وفي أثناء مقامنا بدا لي من ذلك الفتى المذكور ما أنكرته، فقابلته بكلام أعتقده، وملام أحقده، فلما كان من الغد لقيت منه اجتناب، ولم أر منه ما عهدته من الإنابة، فكتبت إليه مداعباً له، فراجعني بهذه القطعة:
أتتني أبا نصر نتيجة خاطر سريع كرجع الطرف في الخطرات
فأعربت عن وجد كمين طويته بأهيف طاو فاتر اللحظات
غزال أحم المقلتين عرفته بخيف منى للحسن أو عرفات
رماك فأصمي والقلوب رمية لكل كحيل الطرف ذي فتكات
وظن بأن القلب منك محصب فلباك من عينيه بالجمرات
تقرب بالنساك في كل منسك وضحى غداة النحر بالمهجات
وكانت له جيان مثوى فأصبحت ضلوعك مثواه بكل فلاة
يعز علينا أن تهيم فتنطوي كئيباً على الأشجان والزفرات
فلو قبلت للناس في الحب فدية فديناك بالأموال والبشرات
ومن إيثار ديانته، وعلامة حفظه للشرع وصيانته، وقصده مقصد المتورعين، وجريه جري المتشرعين، أن أحد أعيان بلده كان متصلاً به اتصال الناظر
стр. 2187
بسواده، محتلاً في عينه وفؤاده (١) ، لا يسلمه إلى مكروه، ولا يفرده في حادث يعروه، وكان من الأدب في منزلة تقتضي إسعافه، ولا تورده من تشفيعه في مورد قد عافه، فكتب إليه ضارعاً في رجل من خواصه اختلط بامراة طلقها ثم تعلها، وخاطبه في ذلك بشعر، فلم يسعفه، وكتب إليه مراجعاً:
ألا أيها السيد المجتبى ويا أيها الألمعي العلم
أتتني أبياتك المحكمات بما قد حوت من ببيع الحكم
ولم أر من قببلها مثلها وقد نفثت سحرها في الكلم
ولكنه الدين لا يشترى بنثر ولا بنظام نظم
وكيف أبيح حمى مانعاً وكيف أحلل ما قد حرم
ألست أخاف عقاب الإله وناراً مؤججه تضطرم
أأصرفها طالقاً بتة على أنوك قد طغى واجترم
ولو أن ذاك الغوي (٢) الزري ... تثبت في أمره ما ندم ولكنه طاش مستعجلاً فكان أحق الورى بالندم
انتهى كلام الفتح الذي أردت جلبه هنا.
ولا خفاء أن هذه الحكاية مما يدخل في حكايات عدل قاة الأندلس.
ومن نظم ابن الضحى المذكور ما كتب به إلى بعض من يعز عليه (٣) :
يا ساكن القلق رفقاً كم تقطعه الله في منزل قد ظل مثواكا
يشيد الناس للتحصين منزلهم وأنت تهدمه بالعنف عيناكا
والله والله ما حبي لفاحشة أعاذني الله من هذا وعافاكا
стр. 2188
وله في مثل ذلك (١) :
روحي غليك فرديه إلى جسدي من لي على فقده بالصبر والجلد
بالله زوري كئيباً لا عزاء له وشرفيه ومثواه غداة غد
لو تعلمين بما ألقاه يا أملي بايعتني الود تصفيه يداً بيد
عليك مني سلام الله ما بقيت آثار عينيك في قلبي وفي كبدي
ذكر جملة من نساء أهل الأندلس
٦٦٤ - وإذا وصلت إلى هذا الموضع من كلام أهل الأندلس، فقد رأيت أن أذكر جملة من نساء أهل الأندلس اللاتي لهن اليد الطولى في البلاغة، كي يعلم أن البراعة في أهل الأندلس كالغريزة لهم، حتى في نسائهم وصبيانهم.
١ - فمن النساء المشهورات بالأندلس، أم السعد بنت عصام الحميري (٢) ، من أهل قرطبة، تعرف بسعدونة، ولها رواية عن أبيها وجدها وغيرهما، كما حكاه ابن الأبار في ترجمتها من التكملة.
وأنشدت لنفسها في تمثال نعل النبي ﷺ تكملة لقول غيرها ما صورته (٣) :
سألتم التمثال إذ لم أجد للثم نعل المصطفى من سبيل
لعلني أحظى بتقبيله في جنة الفردوس أسنى مقيل
في ظل طوبى ساكناً آمناً أسقى بأكواس من السلسبيل
وأمسح القلب به عله يسكن ما جاش به من غليل
فطالما استشفى بأطلال من يهواه أهل الحب في كل جيل
وأنشدني ابن جابرالوادي آشي عن شيخه المحدث أبي محمد ابن هرون
стр. 2189
القرطبي لجدته سعدونة، وأظنها هذه:
آخ الرجال من الأبا عد والأقارب لا تقارب
إن الأقارب كالعقا رب أو أشد من العقارب
هكذا نقله الخطيب ابن مرزوق، ورأيت نسبة البيتين لابن العميد (١) ، فالله أعلم.
٢ - ومنهن حسانة التميمية بنت أبي المخشى الشاعر (٢) .
تأدبت وتعلمت الشعر، فلما مات أبوها كتبت إلى الحكم، وهي إذ ذاك بكر لم تتزوج:
إني إليك أبا العاصي موجعة أبا المخشى سقته الواكف الديم
قد كنت أرتع في نعماه عاكفة فاليوم آوي إلى نعماك يا حكم
أنت الإمام الذي انقاد الأنام له وملكته مقاليد النهى الأمم
لا شيء أخشى إذا ما كنت لي كنفاً آوي إليه ولا يعروني العدم
لا زلت بالعزة القعساء مرتدياً حتى تذل إليك العرب والعجم
فلما وقف الحكم على شعرها استحسنه، وأمر لها بإحراء مرتب، وكتب إلى عامله على إلبيرة فجهزها بجهاز حسن.
ويحكى أنها وفدت على ابنه عبد الرححمن بشكية من عامله جابر بن لبيد
стр. 2190
والي إلبيرة، وكان الحكم قد وقع لها بخط يده تحرير أملاكها، وحملها في ذلك على البر والإكرام، فتوسلت إلى جابر بخط الحكم، فلم يفدها، فدخلت إلى الإمام عبد الرحمن، فأقامت بفنائه، وتلطفت مع بعض نسائه، حتى أوصلتها إليه، وهو في حالة طرب وسرور، فانتسبت إليه، فعرفها وعرف أباها، ثم أنشدته:
إلى ذي الندى والمجد سارت ركائبي على شحط تصلى بنار الهواجر
ليجبر صدعي إنه خير جابر ويمنعني من ذي الظلامة جابر
فإني وأيتامي بقبضة كفه كذي ريش أضحى في مخالب كاسر
جدير لمثلي أن يقال مروعة لموت أبي العاصي الذي كان ناصري
سقاه الحيا لو كان حياً لما اعتدى علي زمان باطش بطش قادر
أيمحو الذي خطته يمناه جابر لقد سام بالأملاك إحدى الكبائر
ولما فرغت رفعت إليه خط والده، وحكت جميع أمرها، فرق لها، وأخذ خط أبيه فقبله ووضعه على عينيه، وقال: تعدى ابن لبيد طوره، حين رام نقض رأي الحكم، وحسبنا أن نسلك سبيله بعده، ونحفظ بعد موته عهده، انصرفي يا حسانة فقد عزلته لك، ووقع لها بمثل توقيع أبيه الحكم، فقبلت يده، وأمر لها بجائزة، فانصرفت وبعثت إليه بقصيدة منها:
ابن الهشامين خير الناس مأثرة وخير منتجع يوماً لرواد
إن هز يوم الوغى أثناء صعدته روى أنابيبها من صرف فرصاد
قل للإمام أيا خير الورى نسباً مقابلاً بين أباء وأجداد
جودت طبعي ولم ترض الظلامة لي فهاك فضل ثناء رائح غاد
فإن أقمت ففي نعماك عاطفة وإن رحلت فقد زودتني زادي
стр. 2191
٣ - ومنهن أم العلاء بنت يوسف الحجارية (١) .
ذكرها صاحب المغرب وقال: إنها من أهل المائة الخامسة، ومن شعرها:
كل ما يصدر منكم حسن وبعلياكم تحلى الزمن
تعطف العين على منظركم وبذكراكم تلذ الأذن
من يعش دونكم في عمره فهو في نيل الأماني يغبن
وعشقها رجل أشيب، فكتبت إليه:
الشيب لا يخدع فيه الصبا بحيلة فاسمع إلى نصحي
فلا تكن أجهل من في الورى يبيت في الجهل كما يضحي
ولها أيضاً:
افهم مطارح أحوالي وما حكمت به الشواهد واعذرني ولا تلم
ولا تكلني إلى عذر أبينه سر المعاذير ما يحتاج للكلم
وكل ما جئته من زلة فيما أصبحت في ثقة من ذلك الكرم
والحجارية - بالراء المهملة - نسبة إلى وادي الحجارة.
٤ - ومنهن أمة العزيز (٢) .
قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتاب المطرب من أشعار المغرب: أنشدتني أخت جدي الشريفة الفاضلة أمة العزيز الشريفة الحسينية لنفسها:
стр. 2192
لحاظكم تجرحنا في الحشا ولحظنا يجرحكم في الخدود
جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا فما الذي أوجب جرح الصدود
قلت: هذا السؤال يحتاج إلى جواب، وقد رأيت لبلدينا القاضي الإمام الفاضل أبي الفضل قاسم العقباني التلمساني رحمه الله تعالى جوابه؛ والغالب أنه من نظمه، وهو قوله:
أوجبه مني يا سيدي جرح بخد ليس فيه الجحود
وأنت فيما قلته مدع فأين ما قلت وأين الشهود
انتهى.
٥ - ومنهن أم الكرام بنت المعتصم بن صمادح ملك المرية (١) .
قال ابن سعيد في المغرب: كانت تنظم الشعر، وعشقت الفتى المشهور بالجمال من دانية المعروف بالسمار، وعملت فيه الموشحات، ومن شعرها فيه:
يا معشر الناسش ألا فاعجبوا مما جنته لوعة الحب
لولاه لم ينزل ببدر الدجى من أفقه العلوي للترب
ححسبي بمن أهواه، لو أنه فارقني تابعه قلبي
٦ - ومنهن الشاعرة الغسانية البجانية (٢) - بالنون - نسبة إلى بجانة، وهي كورة عظيمة، وتشتهر بإقليم المرية، وهي من أهل المائة الرابعة، فمن نظمها من أبيات:
стр. 2193
عهدتهم والعيش في ظل وصلهم أنيق وروض الوصل أخضر فينان
ليالي سعد لا يخاف على الهوى عتاب ولا يخشى على الوصل هجران
٧ - ومنهن العروضية مولاة أبي المطرف عبد الرحمن بن غلبون الكاتب.
سكنت بلنسية، وكانت قد أخذت عن مولاها النحو واللغة، لكنها فاقته في ذلك، وبرعت في العروض، وكانت تحفظ الكامل للمبرد والنوادر للقالي وتشرحهما، قال أبو داود سليمان بن نجاح: قرأت عليها الكتابين، وأخذت عنها العروض، وتوفيت بدانية بعد سيدها في حدود الخمسين والأربعمائة، رحمها الله تعالى.
٨ - ومنهن حفصة بنت الحاج الركونية (١) الشاعرة الأديبة المشهورة بالجمال، والحسب والمال.
ذكرها الملاحي في تاريخه، وأنشد لها مما قالته في أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي ارتجالاً بين يديه:
يا سيد الناس يا من يؤمل الناس رفده
امنن علي بطرس يكون للدهر عده
تخط يمناك فيه: الحمد لله وحده
وأشارت بذلك إلى العلامة السلطانية عند الموحدين، فإنها كانت أن يكتب السلطان بخط غليظ في رأس المنشور الحمد لله وحده.
٦٦٥ - استطراد بقصتين
وتذكرت بذلك، والشيء بالشيء يذكر، أنه لما قفل السلطان الناصر أمير
стр. 2194
المؤمنين ابن أمير المؤمنين يعقوب المنصور ابن أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن بن علي سلطان المغرب والأندلس من إفيريقية سنة ثلاث وستمائة بعد الفتح المهدية هنأته الشعراء بذلك، ثم اجتمع أبو عبد الله ابن مرج الكحل بالشعراء والكتاب، فتذكروا الفتح وعظمه، فأنشدهم ابن مرج الكحل في الوقت لنفسه:
ولما توالى الفتح من كل وجهة ولم تبلغ الأوهام في الوصف حده
تركنا أمير المؤمنين لشكره بماأودع السر الإلهي عنده
فلا نعمة إلا تؤدي حقوقها علامته بالحمد لله وحده
فاستحسن الكتاب له ذلك، ووقع أحسن موقع.
وحكى صاحب كتاب روح الشعر وروح الشحر وهو الكاتب أبو عبد الله محمد بن الجلاب الفهري أن أمير المؤمنين يعقوب المنصور لما قفل من غزوة الأراكة المشهورة، وكانت يوم الأربعاء تاسع شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، ورد عليه الشعراء من كل قطر يهنؤنه، فلم يكن لكثرتهم أن ينشد كل إنسان قصيدته، بل كان يختص منها بالإنشاد البيتين أو الثلاثة المختارة، فدخل أحد الشعراء فأنشده:
ما أنت في أمراء الناس كلهم إلا كصاحب هذا الدين في الرسل
أحييت بالسيف دين الهاشمي كما أحياه جدك عبد المؤمن بن علي
فأمر له بالفي دينار، ولم يصل أحداً غيره لكثرة الشعراء، وأخذ بالمثل منع الجميع، أرضى للجميع، وقال: وانتهت رقاع القصائد وغيرها إلى أن حالت بينه وبين من كان أمامه لكثرتها، انتهى.
رجع إلى أخبار حفصة:
وأنشد لها ابو الخطاب في المطرب قولها:
стр. 2195
ثنائي على تلك الثنايا لأنني أقول على علم وانطق عن خبر
وأنصفها لا أكذب الله إنني رشفت بها ريقاً أرق من الخمر
وتولع بها السيد أبو سعيد ابن عبد المؤمن ملك غرناطة، وتغير بسببها على ابي جعفر ابن سعيد، حتى أدى تغيره عليه أن قتله، وطلب أبو جعفر منها الاجتماع، فمطلته قدر شهرين، فكتب لها:
يا من أجانب ذكر اس مه وحسبي علامه
ما إن أرى الوعد يقضى والعمر أخشى انصرامه
اليوم أرجوك لا أن تكون لي في القيامه
لو قد بصرت بحالي والليل أرخى ظلامه
أنوح وجداً وشوقاً إذ تستريح الحمامه
صب أطال هواه على الحبيب غرامه
لمن يتيه عليه ولا يرد سلامه
إن لم تنيلي أريحي فاليأس يثني زمامه
فأجابته:
يا مدعي في هوى الحس ن والغرام الإمامه
أتى قريضك، لكن لم أرض منه نظامه
أمدعي الحب يثني ياس الحبيب زمامه
ضللت كل ضلال ولم تفدك الزعامه
ما زلت تصحب مذ كن ت في السباق السلامه
حتى عثرت وأخجل ت بافتضاح السآمه
بالله في كل وقت يبدي السحاب انسجامه
والزهر في كل حين يشق عنه كمامه
стр. 2196
لو كنت تعرف عذري كففت غرب الملامه
ووجهت هذه البيات مع موصل أبياته، بعدما لعنته وسبته، وقالت له: لعن الله المرسل والمرسل، فما في جميعكما خير، ولا لي برؤيتكما حاجة، وانصرف بغاية من الخزي، ولما أطل على أبي جعفر وهو في قلق لانتظاره قال له: ما وراءك يا عصام قال: ما يكون وراء من وجهه خلف إلى فاعلة تاركة، إقرأ الأبيات تعلم، فلما قرأ الأبيات قال للرسول: ما أسخف عقلك وأجهلك! إنها وعدتني للقبة في جنتي المعروفة بالكمامة، سر بنا، فبادروا للكمامة، فما كان إلا قليلاً، وإذا بها قد وصلت، وأراد عتبها، فأنشدت:
دعي عد الذنوب إذا التقينا تعالي لا نعد ولا تعدي
وجلسا على أحسن حالة، وإذا برقعة الكتندي الشاعر لأبي جعفر، وفيها:
أبا جعفر يا ابن الكرام الأماجد خلوت بمن تهواه رغماً لحاسد
فهل في خل قنوع مهذب كتوم عليم باختفاء المراصد
يبيت إذا يخلو المحب بحبه ممتع لذات بخمس ولائد
فقرأها على حفصة، فقالت: لعنه الله، قد سمعنا بالوارش على الطعام والواغل على الشراب، ولم نسمع اسماً لمن يعلم باجتماع محبين فيروم الدخول عليهما، فقال لها: بالله سميه لنكتب له بذلك، فقالت: أسميه الحائل، لأنه يحول بيني وبينك إن وقعت عيني عليه، فكتب له في ظهر رقعته:
يا من إذا ما أتاني جعلته نصب عيني
تراك ترضى جلوساً بين الحبيب وبيني
إن كان ذاك فماذا تبغي سوى قرب حيني
стр. 2197
والآن قد حصلت لي بعد المطال بديني
فإن أتيت فدفعاً منها بكلتا اليدين
أو ليس تبغي وحاشا ك أن ترى طير بين
وفي مبيتك بالخم س كل قبح وشين
فليس حقك إلا ال خلو بالقمرين
وكتب له تحت ذلك ما كان منها من الكلام، وذيل ذلك بقوله:
سماك من أهواه حائل إن كنت بعد العتب واصل
مع أن لونك مزعج لو كنت تحبس بالسلاسل
فلما رجع إليه الرسول وجده قد وقع بمطمورة نجاسة، وصار هتكة، فلما قرأ البيات قال للرسول: أعلمها بحالي، فرجع الرسول، وأخبرهما بذلك، فكاد أن يغشى عليهما من الضحك، وكتب إليه كل واحد بيتاً، وابتدأ أبو جعفر فقال:
قل للذي خلصنا منه الوقوع في الخرا
ارجع كما شاء الخرا يا ابن الخرا إلى ورا
وإن تعد يوماً إلى وصالنا سوف ترى
يا أسقط الناس ويا أنذلهم بلا مرا
هذا مدى الدهر تلا قي لوأتيت في الكرى
يا لحية تشغف في ال خرء وتشنا العنبرا
لا قرب الله اجتما ... عاً بك حتى تقبرا (١) ومن شعرها:
سلام يفتح في زهره ال كمام وينطق ورق الغصون
стр. 2198
على نازح قد ثوى الحشا وإن كان تحرم منه الجفون
فلا تحسبوا البعد ينسيكم (١) ... فذلك والله ما لا يكون وقولها من أبيات:
ولو لم يكن نجماً لكان ناظري وقد غبت عنه مظلماً بعد نوره
سلام على تلك المحاسن من شج تناءت بنعماه وطيب سروره
وقولها:
سلوا البارق الخفاق والليل ساكن أظل بأحبابي يذكرني وهنا
لعمري لقد أهدى لقلبي خفقة وأمطرني منهل عارضه الجفنا
ونسب بعض إليها البيتين الشهيرين (٢) :
أغار عليك من عيني رقيبي ومنك ومن زمانك والمكان
ولو أني خبأتك في عيوني إلى يوم القيامة ما كفاني
والله تعالى أعلم.
وكتبت إلى أبي جعفر:
رأست فما زال العداة بظلمهم ... وعلمهم النامي يقولون ما (٣) رأس وهل منكر أن ساد أهل زمانه جموح إلى العليا حرون عن الدنس
وقال ابن دحية: حفصة من أشراف غرناطة، رخيمة الشعر، رقيقة النظم والنثر، انتهى.
стр. 2199
ومن قولها في السيد أبي سعيد ملك غرناطة تهنئه بيوم عيد، وكتبت بذلك إليه:
يا ذا العلا وابن الخلي فة والإمام المرتضى
يهنيك عيد قد جرى فيه بما تهوى القضا
وأتاك من تهواه في قيد الإنابة والرضى
ليعيد من لذاته ما قد تصرم وانقضى
وذكر الملاحي في تاريخه أنها سألتها امرأة من أعيان أهل غرناطة أن تكتب لها شيئاً بخطها، فكتبت إليها:
يا ربة الحسن، بل يا ربة الكرم غضي جفونك عما خطه قلمي
تصفحيه بلحظ الود منعمة لا تحفلي برديء الخط والكلم
واتفق أن بات أبو جعفر ابن سعيد معها في بستان بحور مؤمل، على ما يبيت به الروض والنسيم، من طيب النفحة ونضارة النعيم، فلما حان الانفصال، قال أبو جعفر وكان يهواها كما سبق:
رعى الله ليلاً لم يرح بمذمم عشية وارانا بحور مؤمل
وقد خفقت من نحو نجد أريجة إذا نفحت هبت بريا القرنفل
وغرد قمري على الدوح وانثنى قضيب من الريحان من فوق جدول
يرى الروض مسروراً بما قد بدا له: عناق وضم وارتشاف مقبل
وكتب بها إليها بعد الافتراق، لتجيبه على عادتها في مثل ذلك، فكتبت إليه بقولها:
لعمرك ما سر الرياض بوصلنا ولكنه أبدا لنا الغل والحسد
ولا صفق النهر ارتياحاً لقربنا ولا غرد القمري إلا لما وجد
стр. 2200
فلا تحسن الظن الذي أنت أهله فما هو في كل المواطن بالرشد
فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه لأمر سوى كيما تكون لنا رصد
وقال ابن سعيد في الطالع السعيد: كتبت حفصة الركونية إلى بعض أصحابها:
أزورك أم تزور فإن قلبي إلى ما تشتهي أبداً يميل
فثغري مورد عذب زلال وفرع ذؤابتي ظل ظليل
وقد أملت أن تظمى وتضحى إذا وافى إليك بي المقيل
فعجل بالجواب فما جميل إباؤك عن بثينة يا جميل
٦٦٦ - سلمى بنت القراطيسي
قال التجاني: تشبه أبيات حفصة هذه أبيات أنشدها ابن أبي الحصين في تاريخه لسلمى بنت القراطيسي من أهل بغداد، وكانت مشهورة بالجمال، وهي:
عيون مها الصريم فداء عيني وأجياد الظباء فداء جيدي
أزين بالعقود وإن نحري لأزين للعقود من العقود
ولا أشكو من الأوصاب ثقلاً وتشكو قامتي ثقل النهود
وبلغت هذه الأبيات المقتفي أمير المؤمنين فقال: اسألوا هل تصدق صفتها قولها فقالوا: ما يكون أجمل منها، فقال: اسألوا عن عفافها، فقالوا: هي أعف الناس، فأرسل إليها مالاً جزيلاً، وقال: تستعين به على صيانة جمالها، ورونق بهجتها، انتهى.
رجع إلى حفصة:
وقال أبو جعفر ابن سعيد: أقسم ما رأيت ولا سمعت بمثل ححفصة، ومن
стр. 2201
بعض ما أجعله دليلاً على تصديق عزمي، وبر قسمي، أني كنت يوماً في منزلي مع من يحب أن يخلى معه من الأجواد الكرام على راحة سمحت بها غفلات الأيام، فلم نشعر إلا بالباب يضرب، فخرجت جارية تنطر من الضارب، فوجدت إمرأة، فقالت لها: ما تريدين فقالت: ادفعي لسيدك هذه الرقعة، فجاءت برقعة فيها:
زائر قد أتى بجيد الغزال مطلع تحت جنحه للهلال
بلحاظ من سحر بابل صيغت ورضاب يفوق بنت الدوالي
يفضح الورد ما حوى منه خد وكذا الثغر فاضح للآلي
ما ترى في دخوله بعد إذن أو تراه لعارض في انفصال
قال: فعلمت أنها حفصة، وقمت مبادراً للباب، وقابلتها بما يقابل به من يشفع له حسنه وآدابه والغرام به، وتفضله بالزيارة دون طلب في وقت الرغبة في الأنس به، انتهى.
٦٦٧ - أبو جعفر ابن سعيد
قلت: وإذ قد جرى ذكر أبي جعفر ابن سعيد سابق الحلبة فلنلم ببعض أحواله فنقول (١) : هو أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي، قال قريبه أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد في المغرب: سمعت أبي يقول: لا أعلم في بني سعيد أشعر منه، بل لا أعلم في بلده، وعشق حفصة شاعرة الأندلس، وكانا يتجاوبان تجاوب الحمام، ولما استبد والده بأمر القلعة حين ثار أهل الأندلس بسبب صولة بني عبد المؤمن على الملثمين اتخذه وزيراً، واستنابه في
стр. 2202
أموره، فلم يصبر على ذلك، واستعفى فلم يعفه، وقال: أفي مثل هذا الوقت الشديد تركن إلى الراحة فكتب إليه:
مولاي في أي وقت أنال في العيش راحه
إن لم أنلها وعمري ما إن أنار صباحه
وللملاح عيون تميل نحو الملاحه
وكأس راحي ما إن تمل مني راحه
والخطب عني أعمى لم يقترب لي ساحه
وأنت دوني سور من العلا والرجاحه
فأعفني وأقلني مما رأيت صلاحه
ما في الوزارة حظ لمن يريد ارتياحه
كل وقال وقيل ممن يطيل نباحه
أنسي أتى مستغيثاُ فاترك فديت سراحه
فلما قرأ الأبيات قال: لا ينفع الله بما لا يكون مركباً في الطبع مائلة له النفس، ثم وقع على ظهر ورقته: قد تركنا سراح أنسك، وألحقنا يومك بأمسك.
ولما رجع ثوار الأندلس إلى عبد المؤمن وبايعه عبد الملك بن سعيد فغمره إحساناً وبراً، وولي السيد أبو سعيد ابن عبد المؤمن غرناطة طلب كاتباً من أهلها، فوصف له فضل أبي جعفر وحسبه وأدبه، فاستكتبه، فطلب أن يعفيه، فأبى إلى أن شرب أبو جعفر يوماً مع خواصه، وخرج ثاني يوم إلى الصيد وكان اليوم ذا غيم وبرد، ولما اشتد البرد مالوا يوماً مع خواصه، وخرج ثاني يوم إلى الصيد وكان اليوم ذا غيم وبرد، ولما اشتد البرد مالوا إلى خيمة ناطور، وجعلوا يصطلون ويشربون على ما اصطادوا، فحمل أبا جعفر بقية السكر على أن قال يصف يومه، ويستطرد بما في نفسه:
ويوم تجلى فيه الأفق بعنبر من الغيم لذنا فيه باللهو والقنص
وقد بقيت فينا من الأمس فضلة من السكر تغرينا بمنتهب الفرص
стр. 2203
ركبنا له صبحاً وليلاً وبعضنا أصيلاً وكل إن شدا جلجل رقص
وشهب بزاة قد رجمنا بشهبها طيوراً يساغ اللهو إن شكت الغصص
وعن شفق تغري الصباح أو الدجى إذا أوثقت ما قد تحرك أو قمص
وملنا وقد نلنا من الصيد سؤلنا على قنص اللذات والبرد قد قرص
بخيمة ناطور توسط عذبها جحيم به من كان عذب قد خلص
أدرنا عليه مثله ذهبية دعته إلى الكبرى فلم يجب الرخص
فقل لحريص أن يراني مقيداً بخدمته لا يجعل الباز في القفص
وما كنت إلا طوع نفسي فهل أرى مطيعاً لمن عن شأو فخري قد نقص
فكان في أصحابه من حفظ هذين البيتين، ووشى بهما للسيد، فعزله أسوأ عزل، ثم بلغه بعد ذلك أنه قال لحفصة الشاعرة: ما تحبين في ذلك الأسود وأنا أقدر أن أشتري لك من سوق العبيد عشرة خيراً منه (١) وكان لونه مائلاً إلى السواد، فأسرها في نفسه إلى أن فر عبد الرحمن بن عبد الملك بن سعيد إلى ملك شرق الأندلس محمد بن مردنيش، فوجد له بذلك سبباً، فقتله صبراً بمالقة.
وكان عبد الملك بن سعيد يذكر ابنه ابا جعفر لعبد المؤمن، وينشده من شعره رغبة في تشريفه بالحضور بين يديه وإنشاده في مجلسه، فأمره بحضوره، فعندما دخل عليه قبل يده وأنشد قصيدة منها قوله:
عليك أحالني داعي النجاح ... ونحوك حثني حادي (٢) الفلاح وكنت كساهر ليلا طويلا ترنح حين بشر بالصباح
وذي جهل تغلغل في قفار شكا ظمأ فدل على القراح
دعانا نحو وجهك طيب ذكر ويذكر للرياض شذا الرياح
стр. 2204
وله في غلام أسود ساق ارتجالا
أدار علينا الكاس ظبي مهفهف غدا نشره واللون للعنبر الشحري
وزاد لنا حسناً بزهر كؤوسه وحسن ظلام الليل بالانجم الزهر
وقوله فيه وقد لبس ابيض:
وغصنٍ من ألابنوس ارتدى بعاج كليل علاه فلق
يحاكي لنا الكأس في كفه صباح بجنح علاه شف
وقوله مما كتب به إلى أخيه محمد وقد ورد منه كتاب بإنعام:
وافى كتابك ينبي عن سابغ الانعام
فقلت در ودر من زاخر وغمام
وقوله يذم حماماً:
يا رب حمام لعنا بما أبدى إلينا كل حمام
أفق له قطر حميم كما أصمت سهام من يدي رامي
يخرق سحباً للدخان الذي لاح لغيم العارض الهامي
وقيم يجذبني جذبة وتارة يكسر إبهامي
وجمع الأوساخ من لؤمه في عضدي قصداً لإعلامي
وازدحم الأنذال فيه وقد ضجوا ضجيجاً دون إفهام
وجملة الأمر دخلنا بني سام وعدنا كبني حام
وله في ضد ذلك، والنصف الأخير لابن بقي:
لا أنس ما عشت حماماً ظفرت به وكان عندي أحلى من جني الظفر
نعمت جسمي في ضدين مغتنماً تنعم الغصن بين الشمس والمطر
стр. 2205
وقال له السيد أبو سعيد ابن عبد المؤمن صاحب غرناطة: ما أنت إلا حسن الفراسة وافر العقل، فقال:
نسبتم لمن هذبتموه فراسةً وعقلاً ولولاكم للازمه الجهل
وما هو أهل للثناء وإنما علاكم لتقليد الأيادي له أهل
وما أنا إلا منكم وإليكم وما في من خير فأنتم له أصل
وقال:
ولما رأيت السعد في صفح وجهه منيراً دعاني ما رأيت إلى الشكر
وأقبل يبدي لي غرائب نطقه وما كنت أدري قبله منزع السحر
فأصغيت إصغاء الجديب إلى الحيا وكان ثنائي كالرياض على القطر
وله:
لا تكثرن عتابي إن طال عنك فراقي
فما يضر بعاد يطول والود باقي
وله:
ما خدمناكم لأن تشفعوا في نا بدار الجزاء يوم الحساب
ذاك يوم أنا وأنت سواء فيه، كل يخاف سوء العقاب
إنما الشأن الذب في هذه الدن يا بسلطانكم عن الأصحاب
وإذا ما خذلتموهم بشكوى وبخلتم عنهم برد الجواب
فاعذروهم أن يطلبوا من سواكم نصرة وارفعوا حجال العتاب
وإذا أرض مجدب لفظته فله العذر في اتباع السحاب
وله وقد تقدم أمامه في ليلة مظلمة أحد أصحابه، فطفئ السراج في يده، فقال لوقته:
стр. 2206
لي من جبينك هادي في الليل نحو مرادي
فما أريد سراجاً يدلني لرشاد
أنى وكفك سحب يبدو بها ذا اتقاد
وله في قوادة:
قوادة تفخر بالعار أقود من ليل على سار
ولاجة في كل دار وما يدري بها من حذقها داري
ظريفة مقبولة الملتقى خفيفة الوطء على الجار
لحافها لا ينطوي دائماً أقلق من راية بيطار
قد ربيت مذ عرفت نفعها ما بين فتاك وشطار
جاهلة حيث ثوى مسجد عارفة حانة خمار
بسامة مكثرة برها ذات فكاهات وأخبار
علم الرياضيات حوته وسا سته بتقويم وأسحار
مناعة للنعل من كيسها موسرة في حال إعسار
تكاد من لطف أحاديثها تجمع بين الماء والنار
وما سمعنا في هذا الباب أحسن من هذا، والبيت السائر:
تقود، من السياسة، ألف بغل إذا حرنت، بخيط العنكبوت
وشرب ليلة مع أصحاب له وفيهم وسيم، فأعرض بجانبه وقطب، فتكدر المجلس، فقال أبو جعفر:
يا من نأى عنا إلى جانب صد كميل الشمس عند الغروب
لا تزو عنا وجهك المجتلى فالشمس لا يعهد منها قطوب
إن دام هذا الحال ما بيننا فإننا عما قريب نتوب
стр. 2207
ما تشتكي الدهر ولا خطبه لولاك ما دارت علينا خطوب
وله أيضاً:
أيا لائمي في حمل صحبة جاهل قطوب المحيا سيء اللحظ والسمع
لمنفعة ترجى لديه صحبته وإن كان ذا طبع يخالفه طبعي
كما احتمل الإنسان شرب مرارة ال دواء لما يرجو لديه من النفع
وله، وقد أحسن ما شاء:
تركتكم لا كارهاً في جنابكم ولكن أبى ردي إلى بابكم دهري
وطاحت بي الأطماع غي كل وجهة تنقلني من كل سهل إلى وعر
وما باختيار فارق الخلد آدم وما عن مراد لاذ أيوب بالصبر
ولكنها الأيام ليست مقيمة على ما اشتهاه مشته أمد الدهر
وإنك إن فكرت فيما أتيته تيقنت أن الترك لم يك عن غدر
ولكن لجاج في النفوس إذا انقضى رجعت كما قد عاد طير إلى وكر
وإني لمنسوب إليكم وإن نأت بي الدار عنكم والغدير إلى القطر
وإني لمثن بالذي نلت منكم مقيم على ما تعلمون من البر
وإن خنتكم يوماًفخانني المنى وساء لديكم بعد إحماده ذكري
على أنني أقررت أني مذنب وذو المجد من يغني المقر عن العذر
وله يصف ناراً:
نظرت إلى نار تصول على الدجى إذا ما حسبناها تدانت يبعد
ترفعها أيدي الرياح، وتارة تخفضها مثل المكبر يسجد
وإلا فمن لا يملك الصبر قلبه يقوم به غيظ هناك ويقعد
لها ألسن تشكو بها ما أصابها وقد جعلت من شدة القر ترعد
стр. 2208
وله على لسان إنسان أخلقت بردته:
مولاي هذي بردتي أخلقت وليس شيء دونها أملك
وصرت من بأس ومن فاقة أبكي إذا أبصرتها تضحك
وله يستدعي أحد أبناء الرؤساء إلى يوم اجتماع:
تداركنا فإنا في سرور وما بسواك يكتمل السرور
أهلة أنسنا بك في تمام أليس تتم بالشمس البدور
وله، وقد خطر على منزله من إليه له ميل، وقال: لولا أخاف التثقيل لدخلت، وانصرف، فلما أعلم أبو جعفر كتب إليه:
مولاي لم تقصد تعذيب من يهوى وما قصدك مجهول
طلبت تخفيفاً ببعد وفي تخفيف من تهواه تثقيل
غيرك إن زار جنى ضجرة ولج منه القال والقيل
وأنت إن زرت حياة وما ال ... عيش إذا ما طال مملول (١) وله، وقد جلس إلى جانبه رجل تكلم فأنبأ عن علو قدر، فسأله عن بلده، فقال: إشبيلية، ففكر ثم قال:
يا سيداً لم أكن من قبل أعرفه حتى تكلم مثل الروض بالعبق
وزادني أن غدا في حمص منشؤه لقد تشاكل بين البدر والأفق
وله وقد حضر مجلساً مع إخوان له في انبساط ومزاح، فدخل عليهم أحد ظرفاء (٢) الغرباء بوجه طلق وبشاشة، فاهتز لما سمع بينهم، وجعل يصل ما
стр. 2209
يحتاج من مزاحهم إلى صلة بأحسن منزع وأنبل مقصد، فأنشده أبو جعفر ارتجالاً:
يا سيداً قد ضمه مجلس حل به للمزح إخوان
لم نلق من فجأته خجلة ولا ثنانا عنه كتمان
كأنه من جمعنا واحد لم ينب منا عنه إنسان
ولم نكن ندريه لكن بدا في وجهه للظرف عنوان
وله وقد لقي أحد إخوانه وكان قد أطال الغيبة عنه، فدار بينهما ما أوجب أن قال:
إن لحت لم تلمح سواك الأعين أو غبت لم تذكر سواك الألسن
أنت الذي ما إن يمل حضوره ومغيبه السلوان عنه يؤمن
وله وهو من آياته:
إني لأحمد طيفها وألومها والفرق بينهما لدي كبير
هي إن بدت لي شيبة في جفوة والطيف في حين المشيب يزور
وإذا توالى صدها أو بينها وافى على أن المزار عسير
وله وقد سافر بعض الأرذال بماله، فنكب في سفره، وعاد فقيراً بأسوإ أحواله:
اغد (١) ولا يغن عنك القيل والقال ... فالجود مبتسم والفضل يختال قالوا فلان رماه الله في سفر رآه رأياً بما حالت به الحال
فآب منه سليباً مثل مولده عليه ذل وتفجيع وإقلال
فقلت لا خفف الرحمن عنه، فلم يكن لديه على القصاد إقبال
فقل له: دام في ذل ومسغبة ولا أعيدت له في المال آمال
стр. 2210
قد كان حمقك حسن المال يستره فاليوم أصبحت لا عقل ولا مال
وله وقد سافر أحد الرؤساء من أصحابه:
أيا غائباً لم يغب ذكره ولا حال عن وده حائل
لئن مال دهري بي عنكم فقلبي نحوكم مائل
فإني شاهدت منكم علاً من العجز قس بها باقل
لئن طال بي البعد عن لحظكم فما في حياتي إذاً طائل
وله وهو من حسناته:
شقت جيوب فرحاً عندما آبت، وفي البعد تشق القلوب
فقلت هذا موقف ما يشق ال جيب فيه غير صب طروب
فابتسمت زهواً وقالت كذا ال أفق لعود الشمس شق الجيوب
وله وقد أجمع (١) رأيه على أن يفد على أمير المؤمنين عبد المؤمن، فأخذ في ذلك مع أصحاب له، فجعلوا يثنونه عن ذلك، وظهر عليهم الحسد له، فقال:
سر نحو ما تختار لا تسمعن ما قاله زيد ولا عمرو
كلهم يحمد ما رمته مهما يساعد رأيك الدهر
عجبت ممن رام صدر العلا يروم أن يصفو له دهر
فقالوا له: اتهمتنا في الود، فقال: لو لم أتهمكم كنت أتهم عقلي، والعياذ بالله تعالى من ذلك، وكيف لا أتهمكم وقد غدوتم تثنونني عن زيارة خليفة لوالدي عنده مكان، وله علينا إحسان، ولي شافع عنده مقرب لمجلسه عقلي ولساني، ولكنني أنا المخطئ الذي عدلت عن العمل بقول القائل (٢) :