التفويض له والتسليم، ويا عجباً لبني الأصفر أنسيت مرج الصفر، ورميها يوم اليرموك بكل أغلب غضنفر دع ذا فالعهد به بعيد، ومن اتعظ بغيره فهو سعيد، هلا تذكرت العامرية وغزواتها، وهابت العمرية وهبواتها، أما الجزيرة بخيلها محدقة، وبأحاديث فتحها مصدقة، هذا الوقت المرتقب، والزمان الذي زجيت له الشهور والحقب، وهذه الإمامة أيدها الله تعالى هي المنقذة من أسرها، والمنفذة لسلطانهم مراسم نصرها، فيتاح الأخذ بالثار، ويزاح عن الجنة أهل النار، ويعلم الكافر لمن عقبى الدار.
حاورت سيدي بمثار الفاجي الفاجع، وحاولت برء الجوى من جوابه بالعلاج الناجع، وبودي لو تقع في الأرجاء مصاقبة، فترفع من الأرزاء معاقبة، أليس لدبه أسو المكلوم، وتدارك المظلوم وبيديه أزمة المنثور والمنظوم: خيال يختر () في إقناع إياد، وصوغ ما لم يخطر على قلب زيد ولا بخاطر زياد، بست الجبال الطوامح فما بست وأبو فتحها (١) ، وغيضت البحار الطوافح فمن يعبأ بالركايا ومتحها، أين أبو الفضل ابن العميد من العماد الفاضل، وصمصامة عمرو من قلمه الفاصل هذا مدرهها الذي فعل الأفاعيل، وأحمدها (٢) الذي سما على إبراهيم وإسماعيل (٣) ، وهما إماما الصناعة، وهماما البراعة واليراعة، بهما فخر من نطق بالضاد، وبسببها حسدت الحروف الصاد، لكن دفعهم بالراح، وأعرى مدرعهم من المراح، وشرف دونهم ضعيف القصب على صم الرماح، أبقاه الله تعالى وبيانه صادق الأنواء، وزمانه كاذب الأسواء، ولا زال مكانه مجاوزاً ذؤابة الجوزاء، وإحسانه مكافأ بأحسن الجزاء، والسلام.
стр. 2522
فصول من درر السمط لابن الأبار
وقد عرفت بابن الأبار في " أزهار الرياض " بما لا مزيد عليه، غير أني رأيت هنا أن أذكر فصولاً مجموعة من كلامه في كتابه المسمى ب " درر السمط في خبر البسط ".
قال رحمه الله تعالى (١) : رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، فروع النبوة والرسالة، وينابيع السماحة والبسالة، صفوة آل أبي طالب، وسراة (٢) بني لؤي بن غالب الذين حباهم (٣) الروح الأمين، وحلاهم الكتاب المبين، فقل في قوم شرعوا الدين القيم، ومنعوا اليتيم أن يقهر والأيم، ما قد من أديم آدم أطيب من أبيهم طينة، ولا أخذت الأرض أجمل من مساعيهم زينة، لولاهم ما عبد الرحمن، ولا عهد الإيمان، وعقد الأمان، ذؤابة غير أشابة، فضلهم ما شأنه نقص ولا شايه، سرارة محلتهم سر المطلوب، وقرارة محبتهم حبات القلوب، أذهب الله عنهم الرجس، وشرف بخلقهم الجنس، فإن تميزوا فبشريعتهم البيضاء، أو تحيزوا فلعشيرتهم الحمراء، من كل يعسوب الكتيبة، منسوب لنجيب ونجيبة، نجاره الكرم، وداره الحرم، نمته العرانين من هاشم إلى النسب الأصرح الأوضح (٤) ، إلى نبعة فرعها في السماء ومغرسها سرة الأبطح، أولئك السادة أحيي وأفدي، والشهادة بحبهم أوفي وأودي، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه.
فصل (٥) - ما كانت خديجة لتأتي بخداج (٦) ، ولا الزهراء لتلد إلا أزاهر
стр. 2523
كالسراج، مثل النحلة لا تأكل إلا طيباً، ولا تضع إلا طيباً، خلدت بنت خويلد ليزكو عقبها من الحاشر العاقب (١) ، ويسمو مرقبها على النجم الثاقب، لم تخد بمثلها المهارى، ولم يلد له عيرها من المهارى، آمت من بعولتها قبلة، لتصل السعادة بحبلها حبله، ملاك العمل خواتمه، رب ربات حجال، أنفذ من فحول رجال:
وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ... ولا التذكير فخرٌ للهلال (٢) هذه خديجة من أخيها حزام أحزم، ولشعار الصدق من شعارات القص ألزم، ركنت إلى الركن الشديد، وسددت للهدى كما هديت للتسديد، يوم نبىء خاتم الأنبياء، وأنبىء بالنور المنزل عليه والضياء.
فصل (٣) - وكان قبيل المبعث، وبين يدي لم الشعث، يثابر على كل حسنى وحسنة، ويجاور شهراً من كل سنة، يتحرى حراء بالتعهد، ويزجي تلك المدة في التعبد، وذلك الشهر المقصور على التبرر، المقدور فيه رفع التضرر، شهر رمضان، المنزل (٤) فيه القرآن، فبيناه، لاينام قلبه وإن نامت عيناه، جاءه الملك مبشراً بالنجح، وقد كان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، فغمره بالكلاءة، وأمره بالقراءة، وكلما تحبس له غطه ثم أرسله، وإذا أراد الله بعبد خيراً عسله:
تريدين إدراك المعالي رخيصة ولا بدّ دون الشهد من إبر النحل
كذلك حتى عاذ بالأرق من الفرق، وقد علق فاتحة العلق، فلا يجري
стр. 2524
غيرها على لسانه، وكأنما كتب في جنانه.
فصل (١) - ولما أصبح يؤم الأهل، وتوسط الجبل يريد السهل، وقد قضى الأجل، وما نضا الوجل، نوجي بما في الكتاب المسطور، ونودي كما نودي موسى من جانب الطور، فعرض له في طريقه، ما شغله عن فريقه، فرفع رأسه متأملاً، فأبصر الملك في صورة رجل متمثلاً يشرفه بالنداء، ويعرفه بالاجتباء، وإنما عضد خبر الليلة بعيان اليوم، وأري في اليقظة مصداق ما أسمع في النوم، ليحق الله الحق بكلماته، وعلى ما ورد في الأثر، وسرد رواة السير، فذلك اليوم كان عيد فطرنا الآن وغير بدع ولا بعيد، أن يبدأ الوحي بعيد كما ختم بعيد " اليوم أكملت لكم دينكم " المائدة:٣ فبهت ﵇ لما سمعه وراءه، وثبت لا يتقدم أمامه ولا يرجع وراءه:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متقدمٌ عنه ولا متأخر (٢) ثم جعل في الخوف والرجاء (٣) ، لايقلب وجهه في السماء، إلا تعرض له في تلك الصورة، وعرض عليه ما أعطاه الله سبحانه من السورة، فيقف موقف التوكل، ويمسك حتى عن التأمل (٤) :
تتوق إليك النفس ثم أردها حياء، ومثلي بالحياء حقيق
أذود سوام (٥) الطرف عنك، وما له ... إلى أحد إلا إليك طريق فصل (٦) - وفطنت خديجة لاحتباسه، فأمعنت في التماسه، تزوجوا الودود
стр. 2525
الولود، ولفورها بل لفوزها بعثت في طلبه رسلها، وانبعثت تأخذ عليه شعاب مكة وسبلها:
إن المحب إذا لم يستزر زارا
طال عليها الأمد، فطار إليها الكمد، والمحب حقيقة، من لايفيق فيقة، بالنفس النفيسة سماحه وجوده، وفي وجود المحبوب الأشرف وجوده (١) :
كأن بلاد الله ما لم تكن بها وإن كان فيها الخلق طراً بلا نقع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني والهم بالليل حامع
نهاري نهار الناس حتى إذا دجا لي الليل هزتني إليك المضاجع
لقد ثبتت في القلب منك محبة كما ثبتت في الراحتين الأصابع
فصل (٢) - وبعد لأي ما ورد عليها، وقعد مضيفاً إليها، فطفقت بحكم الإجلال تمسح أركانه، وتفسح مجال السؤال عما خلف له مكانه، فباح لها بالسر المغيب، وقد لاح وسم الكرامة على الطيب المطيب، فعلمت أنه الصادق المصدوق، وحكمت بأنه السابق لا المسبوق، اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، وما زالت حتى أزالت ما به من الغمة، وقالت: إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة:
إني تفرست فيك الخير أعرفه والله يعلم أن ما خانني البصر
أنت النبي ومن يحرم شفاعته يوم الحساب فقد أزرى به القدر
لا ترهب فسوف تبهر، وسيبدو أمر الله تعالى ويظهر، أنت الذي سجعت به الكهان، ونزلت له من صوامعها الرهبان، وسارت بخبر كرامته الركبان، أنت الذي ما حملت أخف منه حامل، ودرت ببركته الشاة فإذا هي حافل:
стр. 2526
وأنت لما ولدت أشرقت ال أرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النو ر وسبل الرشاد تخترق
فصل (١) - وما لبثت أن غلقت أبوابها، وجمعت عليها أثوابها، وانطلقت إلى ورقة بن نوفل، تطلبه بتفسير ذلك المجمل، وكان يرجع إلى عقل حصيف، ويبحث عمن يبعث بالدين الحنيف، فاستبشر به ناموسا، وأخبر أنه الذي كان يأتي موسى، فازدادت إيماناً، وأقامت على ذلك زماناً، ثم رأت أن خبر الواحد قد يلحقه التنفيذ، ودرت أن المجتهد لايجوز له التقليد، طلب العلم فريضة على كل مسلم، فرجعت أدراجها في ارتياد الإقناع، وألقي في روعها إلقاء الخمار والقناع، فهناك وضح لها البرهان، وصح لها (٢) أن الآتي ملك لا شيطان:
تدلى عليه الروح من عند ربه ينزل من جو السماء ويرفع
نشاوره فيما نريد وقصدنا إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع
فصل (٣) - سبقت لها من الله تعالى الحسنى، فصنعت حسناً وقالت حسنا، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، ما فتر الوحي بعدها، ولا مطل الحق الحي وعدها، وعد الله لا يخلف الله وعده، دانت لحي ذي الإسلام (٤) ، فحياها الملك بالسلام من الملك السلام، من كان لله كان الله له، أغنت غناء الأبطال، فغناها (٥) لسان الحال:
هل تذكرين فدتك النفس مجلسنا يوم التقينا فلم أنطق من الحصر
стр. 2527
لا أرفع الطرف حولي من مراقبة بقياً علي، وبعض الحزم في الحذر
يسرت لاحتمال الأذى والنصب، فبشرت ببيت في الجنة من قصب، هل أمنت (١) إذ آمنت من الرعب، حتى غنيت عن الشبع بما في الشعب:
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا (٢) واهاً لها احتملت عض الحصار، وما أطاقت فقد المختار:
يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وشهر (٣) نلتقي فيه قصير (٤) والحبيب سمع المحب وبصره، وله طول محياه وقصره:
أنت كل الناس عندي فإذا غبت عن عيني لم ألق أحد
مكثت للرياسة (٥) مواسية وآسية، فثلثت في بحبوحة الجنة مريم وآسية، ثم ربعت البتول فبرعت، نطقت بذلك الآثار وصدعت، خير نساء العالمين أربع.
فصل (٦) - إلى البتول سير بالشرف التالد، وسيق الفخر بالأم الكريمة والوالد، حلت في الجيل الجيل، وتحلت بالمجد الأثيل، ثم تولت إلى الظل الظليل:
وليس يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
وأبيها إن أم أبيها، لاتجد لها شبيها، نثرة النبي، وطلة الوصي، وذات
стр. 2528
الشرف المستولي على الأمد القصي، كل ولد الرسول درج في حياته، وحملت هي ما حملت من آياته، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لا فرع للشجرة المباركة من سواها، فهل جدوى أوفر من جدواها، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، حفت بالتطهير والتكريم، وزفت إلى الكفؤ الكريم، فوردا صفو العارفة والمنة، وولدا سيدي شباب أهل الجنة، عرضت من الأمتعة الفاخرة، بسيدي الدنيا (١) والآخرة، ما أثقلنحوها طهراً، ولا بذل غير درعه مهراً، كان صفر اليدين من البيضاء والصفراء، وبحالة لا حيلة معها في إهداء الحلة السيراء، فصاهره الشارع وخالله، وقال في بعض صعلوك لا مال له، نرفع درجات من نشاء.
فصل:
أتنهب الأيام أفلاذ أحمد ... وأفلاذ من عاداهم تتعدد (٢) ويضحى ويظما أحمد وبناته وبنت زياد وردها لا يصرد
أفي دينه في أمنه في بلاده ... تضيق عليهم فسحة تتورد (٣) وما الدين إلا دين جدهم الذي به أصدروا في العالمين وأوردوا
انتهى ما سنح لي ذكره من " دررالسمط " وهو كتاب غاية في بابه، ولم أورد منه غير ما ذكرته، لأن في الباقي ما تشم منه رائحة التشيع، والله سبحانه يسامحه بمنه وكرمه.
رجع إلى ما كنا بسبيله، فنقول: قد ذكرنا في الباب الثاني رسالة أبي المطرف ابن عميرة إلى أبي جعفر ابن أمية (٤) ، وهي مشتملة على التلهف على الجزيرة الأندلسية، حين أخذ العدو بلنسية، وظهرت له مخايل الاستيلاء على ما بقي
стр. 2529
من الأندلس، فراجعها فيما سبق، وإن كان التناسب التام في ذكرها هنا فالمناسبة هناك حاصلة أيضاً، والله سبحانه الموفق. وذكرنا هنالك أيضاً جملة غيرها من كلامه - رحمه الله تعالى - تتعلق بهذا المعنى وغيره، فلتراجع ثمة.
نهاية الأندلس كما يصورها كتاب " جنة الرضى " لابن عاصم
ورأيت أن أثبت هنا ما رأيته بخط الأديب الكاتب الحافظ المؤرخ أبي عبد الله محمد بن الحداد الوادي آشي نزيل تلمسان رحمه الله تعالى ما صورته (١) :
حدثني الفقيه العدل سيدي حسن ابن القائد الزعيم الأفضل سيدي إبراهيم العراف أنه حضر مرة لإنزال الطلسم المعروف بفروج الرواح من العلية بالقصبة القديمة من غرناطة بسبب البناء والإصلاح، وأنه عاينه من سبعة معادن مكتوباً فيه:
إيوان غرناطة الغراء معتبرٌ طلسمهبولاة الحال دوار
وفارس روحه ريحٌ تدبره من الجماد، ولكن فيه أسرار
فسوف يبقى قليلاً ثم تطرقه دهياء يخرب منها الملك والدار
وقد صدق قائل هذه الأبيات، فإنه طرقت الدهياء ذلك القطر الذي ليس له في الحسن مثال، ونسل الخطب إليه من كل حدب وانثال، وكل ذلك من اختلاف رؤسائه وكبرائه، ومقدميه وقضاته وأمرائه ووزرائه، فكل يروم الرياسة لنفسه، ويجر نارها لقرصه، والنصارى - لعنهم الله تعالى - يضربون بينهم بالخداع والمكر والكيد، ويضربون عمراً منهم بزيد، حتى تمكنوا من أخذ البلاد، والاستيلاء على الطارف والتلاد. قال الرائس القاضي العلامة الكاتب الوزير أبو يحيى ابن عاصم رحمه الله تعالى في كتابه " جنة الرضى في التسليم
стр. 2530
لما قدر الله تعالى وقضى " ما صورة محل الحاجة منه (١) : ومن استقرأ التواريخ المنصوصة، علم أن النصارى - دمرهم الله تعالى - لم يدركوا في المسلمين ثاراً، ولم يرحضوا عن أنفسهم عاراً، ولم يخربوا من الجزيرة منازل ودياراً، ولم يستولوا عليها بلاداً جامعة وأمصاراً، إلا بعد تمكينهم لأسباب الخلاف، واجتهادهم في وقوع الافتراق بين المسلمين والاختلاف، وتضريبهم بالمكر والخديعة بين ملوك الجزيرة، وتحريشهم بالكيد والخلابة بين حماتها في الفتن المبيرة، ومهما كانت الكلمة مؤتلفة، والآراء لا مفترقة ولا مختلفة، والعلماء بمعاناة اتفاق القلوب إلى الله مزدلفة، فالحرب إذ ذاك سجال، ولله تعالى في إقامة الجهاد في سبيله رجال، وللممانعة في غرض المدافعة ميدان رحب ومجال، وروية وارتجال.
إلى أن قال: وتطاولت الأيام ما بين مهادنة ومقاطعة، ومضاربة ومقارعة، ومنازلة ومنازعة، وموافقة وممانعة، ومحاربة وموادعة، ولا أمل للطاغية إلا في التمرس بالإسلام والمسلمين، وإعمال الحيلة على المؤمنين، وإضمار المكيدة للموحدين، واستبطان الخديعة للمجاهدين، وهو يظهر أنه ساعٍ للوطن في العاقبة الحسنى، وأنه منطوٍ لأهله على المقصد الأسنى، ومهتم بمراعاة أمورهم، وناظر بنظر المصلحة لخاصتهم وجمهورهم، وهو يسر حسواً في ارتغائه، ويعمل الحيلة في التماس هلك الوطن وابتغائه، فتباً لعقول تقبل مثل هذا المحال، وتصدق هذا الكذب بوجهٍ أو بحال، وليت المغرور لو يقبل هذا لو فكر في نفسه، وعرض هذا المسموع على مدركات حسه، وراجع أوليات عقله وتجريبات حدسه، وقاس عدوه التي لا ترجى مودته على أبناء جنسه، فأنا أناشده الله عل بات قط بمصالح النصارى وسلطانهم مهتماً، وأصبح من خطبٍ طرقهم مغتماً، ونظر لهم نظر المفكر في العاقبة الحسنة، أو قصد لخم قصد المدبر
стр. 2531
في المعيشة المستحسنة، أو خطر على قلبه أن يحفظ في سبيل القربة أربابهم وصلبانهم، أو عمر ضميره من تمكين عزمهم بما ترضاه أحبارهم ورهبانهم، فإن لم يكن ممن يدين بدينهم الخبيث، ولم يشرب قبله حب التثليث، ويكون صادق اللهجة، منصفاً عند قيام الحجة، فسيعترف أن ذلك لم يخطر له قط على خاطر ولا مر له ببال، وأن عكس ذلك هو الذي كان به ذا اغتباط وبفعله ذا اهتبال، وإن نسب لذلك المعنى فهو عليه أثقل من الجبال، وأشد على قلبه من وقع النبال، هذا وعقده التوحيد، وصلاته التحميد، وملته الغراء، وشريعته البيضاء، ودينه الحنيف القويم، ونبيه الرؤوف الرحيم، وكتابه القرآن الحكيم، ومطلوبه بالهداية الصراط المستقيم، فكيف نعتقد هذه المريبة الكبرى، والمنقبة الشهرى، لمن عقده التثليث، ودينه المليث، ومعبوده الصليب، وتسميته التصليب، وملته المنسوخة، وقضيته المفسوخة، وختانه التغطيس، وغافر ذنبه القسيس، وربه عيسى المسيح، ونظره ليس البين ولا الصحيح، وأن ذلك الرب قد ضرج بالدماء، وسقي الخل عوض الماء، وأن اليهود قتلته مصلوباً، وأدركته مطلوباً، وقهرته مغلوباً، وأنه جزع من الموت وخاف، إلى سوى ذلك مما يناسب هذه الأقاويل السخاف، فكيف يرجى من هؤلاء الكفرة، من الخير مقدار الذرة، أو يطمع منهم في جلب المنفعة أو دفع المضرة اللهم احفظ علينا العقل والدين، واسلك بنا سبيل المهتدين.
ثم قال بعد كلام ما صورته: كانت خزانة هذه الدار النصرية مشتملة على كل نفيسة من الياقوت، ويتيمة من الجوهر، وفريدة من الزمرد، وثمينة من الفيروزج، وعلى كل واقٍ من الدروع، وحامٍ من العدة، وماضٍ من الأسلحة، وفاخر من الآلة، ونادر من الأمتعة، فمن عقود فذة، وسلوك جمة، وأقراط تفضل على قرطي مارية نفاسةً فائقة وحسناً رائقاً، ومن سيوف شواذ في الإبداع غرائب في الإعجاب، منسوبات الصفائح في الطبع، خالصات الحلى من التبر، ومن دروع مقدرة السرد متلاحمة النسج، واقية للناس في يوم
стр. 2532
الحرب، مشهورة النسبة إلى داوود نبي الله، ومن جواشن سابغة اللبسة، ذهبية الحلية، هندية الضرب، ديباجية الثوب، ومن بياضات عسجدية الطرق، جوهرية التنضيد، وزبرجدية التقسيم، ياقوتية المركز، ومن نطاق لجينية الصوغ، عريضة الشكل، مزججة الصفح، ومن درق لمطية، مصمتة المسام، لينة المجسة، معروفة المنعة، صافية الأديم، ومن قسي ناصعة الصبغة، هلالية الخلقة، منعطفة الجوانب، زارية بالحواجب، إلى آلات فاخرة من أتوار (١) نحاسية، ومنابر بلورية، وطيافير (٢) دمشقية، وسبحات زجاجية، وصحاف صينية، وأكواب عراقية، وأقداح طباشيرية، وسوى ذلك مما لا يحيط به الوصف، ولا يستوفيه العد، وكل ذلك التهبه شواظ الفتنة، والتقمه تيار الخلاف والفرقة، فرزئت الدار منه بما يتعذر إتيان الدهور بمثله، وتقصر ديار الملوك المؤثلة النعمة عن بعضه فضلاً عن كله؛ انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٣) .
ولما أخذت قواعد الأندلس مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة ومرسية وغيرها انحاز أهل الإسلام إلى غرناطة والمرية ومالقة ونحوها، وضاق الملك بعد اتساعه، وصار تنين العدو يلتقم كل وقت بلداً أو حصناً، ويهصر من دوح تلك البلاد غصناً، وملك هذا النزر اليسير الباقي من الجزيرة ملوك بني الأحمر، فلم يزالوا مع العدو في تعب وممارسة كما ذكره ابن عاصم قريباً، وربما أثخنوا في الكفار كما علم في أخبارهم، وانتصروا بملوك فاس بني مرين، في بعض الأحايين.
ولما قصد ملوك الإفرنج السبعة في المائة الثامنة غرناطة ليأخذوها اتفق أهلها على أن يبعثوا لصاحب المغرب من بني مرين يستنجدونه، وعينوا للرسالة الشيخ
стр. 2533
أبا إسحاق ابن أبي العاصي والشيخ أبا عبد الله الطنجالي والشيخ ابن الزيات البلشي نفع الله تعالى بهم؛ ثم بعد سفرهم نازل الإفرنج غرناطة بخمسة وثلاثين ألف فارس ونحو مائة ألف راجل مقاتل، ولم يوافقهم سلطان المغرب، فقضى الله تعالى ببركة المشايخ الثلاثة أن كسر النصارى في الساعة التي كسر خواطرهم فيها صاحب المغرب، وظهرت في ذلك كرامة لسيدي أبي عبد الله الطنجالي رحمه الله تعالى.
ثم إن بني الأحمر ملوك الأندلس الباقية بعد استيلاء الكفار على الجل كانوا في جهاد وجلاد في غالب أوقاتهم، ولم يزل ذلك شأنهم حتى أدرك دولتهم الهرم الذي يلحق الدول، فلما كان زمان السلطان أبي الحسن علي بن سعد النصري الغالبي الأحمري، واجتمعت الكلمة عليه بعد أن كان أخوه أبو عبد الله محمد بن سعد المدعو بالزغل قد بويع بمالقة، بعد أن جاء به القواد من عند النصارى وبقي بمالقة برهة من الزمن، ثم ذهب إلى أخيه، وبقي من بمالقة من اقواد والؤساء فوضى، وآل الحال إلى أن قامت مالقة بدعوة السلطان أبي الحسن، وانقضت الفتنة.
واستقل السلطان أبو الحسن بملك ما بقي بيد المسلمين من بلاد الأندلس، وجاهد المشركين، وافتتح عدة أماكن، ولاحت له بارقة الكرة على العدو الكافر، وخافوه، وطلبوا هدنته، وكثرت جيوشه، فأجمع على عرضها كلها بين يديه، وأعد لذلك مجلساً أقيم له بناؤه خارج الحمراء قلعة غرناطة، وكان ابتداء هذا العرض يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي الحجة عام اثنين وثمانين وثمانمائة، ولم تزل الجنود تعرض عليه كل يوم إلى الثاني والعشرين من محرم السنة التي تليها، وهو يوم ختام العرض، وكان معظم المتنزهين والمتفرجين بالسبيكة وما قارب ذلك، فبعث الله تعالى سيلاً عارماً على وادي حدره بحجارة وماء غزير كأفواه القرب، عقاباً من الله سبحانه وتأديباً لهم لمجاهرتهم بالفسق والمنكر، واحتمل الوادي ما على حافتيه من المدينة من حوانيت ودور ومعاصر وفنادق وأسواق وقناطر وحدائق، وبلغ تيار السيل إلى رحبة الجامع الأعظم
стр. 2534
ولم يسمع بمثل هذا السيل في تلك البلاد.
وكان بين رؤساء الإفرنج في ذلك الوقت اختلاف، فبعضهم استقل بملك قرطبة، وبعض بإشبيلية، وبعض بشريش، وعل ذلك كان صاحب غرناطة السلطان أبو الحسن قد استرسل في اللذات، وركن إلى الراحات، وأضاع الأجناد، وأسند الأمر إلى بعض وزرائه، واحتجب عن الناس، ورفض الجهاد والنظر في الملك، ليقضي الله تعالى ما شاء، وكثرت المغارم والمظالم، فأنكر الخاصة والعامة ذلك منه، وكان أيضاً قد قتل كبار القواد وهو يظن أن النصارى لا يغزون بعد البلاد، ولا تنقضي بينهم الفتنة ولا ينقطع الفساد.
وافق أن صاحب قشتالة تغلب على بلادها بعد حروب، وانقاد له رؤساء الشرك المخالفون، ووجدت النصارى السبيل إلى الإفساد، والطريق إلى الاستيلاء على البلاد، وذلك أنه كان للسلطان أبي الحسن ولدان محمد ويوسف وهما من بنت عمه السلطان أبي عبد الله الأيسر، وكان قد اصطفى على أمهما رومية كان لها منه بعض ذرية، وكانت حظية عنده مقدمة في كل قضية، فخيف أن يقدم أولاد الرومية، على أولاد بنت عمه السنية، وحدث بين خدام الدولة التنافر والتعصب، لميل بعضهم إلى أولاد الحرة، وبعض إلى أولاد الرومية، وكان النصارى أيام الفتنة بينهم هادنوا السلطان لأمدٍ حددوه وضربوه، ولما تم أمد الصلح وافق وقته هذا الشأن بين أولياء الدولة بسبب الأولاد، وتشكى الناس مع ذلك بالوزير والعمال لسوء ما عاملوا به الناس من الحيف والجور، فلم يصغ غليهم، وكثر الخلاف واشتد الخطب، وطلب الناس تأخير الوزير، وتفاقم المر، وصح عند النصارى - لعنهم الله تعالى - ضعف الدولة واختلاف القلوب فبادروا إلى الحامة (١) فأخذوها غدراً آخر أيام الصلح على يد صاحب قادس سنة سبع وثمانين وثمانمائة، وغدوا للقلعة، وتحصنوا بها، ثم شرعوا في أخذ البلد، فملأوا الطرق خيلاً ورجالاً، وبذلوا السيف فيمن ظهر من المسلمين، ونهبوا
стр. 2535
الحريم، والناس في غفلة نيام من غير استعداد كالسكارى، فقتل من قضى الله تعالى بتمام أجله، وهرب البعض وترك أولاده وحريمه، واحتوى العدو على البلد بما فيه، وخرج العامة والخاصة من أهل غرناطة عندما بلغهم العلم، وكان النصارى عشرة آلاف بين ماشٍ وفارس، وكانوا عازمين على الخروج بما غنموه، وإذا بالسرعان من أهل غرناطة وصلوا، فرجع العدو إلى البلد، فحاصرهم المسلون، وشددوا في ذلك، ثم تكاثر المسلمون خيلاً ورجالاً من جميع بلاد الأندلس، ونازلوا الحامة، وطمعوا في منع الماء عن العدو، وتبين للعامة أن الجند لمينصحوا، فأطلقوا ألسنتهم بأقبح الكلام فيهم وفي الوزير، وبينما هم كذلك إذا بالنذير جاء أن النصاى أقبلوا في جمع عظيم لإغاثة من بالحامة من النصارى، فأقلع جند المسلمين من الحامة، وقصدوا ملاقاة الواردين من بلاد العدو، ولما علم بهم العدو ولوا الأدبار من غير ملاقاة محتجين بقتلهم، وكان رئيسهم صاحب قرطبة.
ثم إن صاحب إشبيلية جمع جنداً عظيماً من جيش النصارى الفرسان والرجالة، وأتى لنصره من في الحامة من النصارى، وعندما صح هذا عند العسكر اجتمعوا، وأشاعوا عند الناس أنهم خرجوا بغير زاد ولا استعداد، والصلاح الرجوع إلى غرناطة، ليستعد الناس ويأخذوا ما يحتاج إليه الحصار من العدة والعدد، فعندما أقلع المسلمون عنها دخلتها النصارى الواردون، وتشاوروا في إخلائها أو سكناها، واتفقوا على الإقامة بها، وحصنوها، وجعلوا فيها جميع ما يحتاج إليه، وانصرف صاحب إشبيلية، وترك أجناده، وفرق فيهم الأموال، ثم عاد المسلمون لحصارها، وضيقوا عليها، وطمعوا فيها من جهة موضع كان النصارى في غفلة عنه، ودخل على النصارى جملة وافرة من المسلمين، وخاب السعد بذلك بأن شعر بهم النصارى، فعادوا عليهم، وتردى بعضهم من أعلى الجبل، وقتل أكثرهم، وكانوا من أهل بسطة ووادي آش، فانقطع أمل الناس من الحامة، ووقع الإياس من ردها.
стр. 2536
وفي جمادى الأولى من السنة تواترت الأخبار أن صاحب قشتالة أتى في جنود لا تحصى ولا تحصر، فاجتمع الناس بغرناطة، وتكلموا في ذلك، وإذا به قصد لوشة ونازلها قصداً أن يضيفها إلى الحامة، وجاء بالعدة والعدد، وأغارت على النصارى جملة من المسلمين، فقتلوا من لحقوه، وأخذوا جملة من المافع الكبار، ثم جاءت جماعة أخرى من أهل غرناطة، وناوشوا النصارى، فألجؤوهم إلى الخروج عن الخيام، وأخذوها وغيرها، فهرب النصارى، وتركوا طعاماً كثيراً وآلة ثقيلة، وذلك في السابع والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة.
وفي هذا اليوم بعينه هرب الأميران أبو عبد الله محمد وأبو الحجاج يوسف خوفاً من أبيهما أن يفتك بهما بإشارة حظيته الرومية ثريا، واستقرا بوادي آش، وقامت بدعوتهما، ثم بايعتهما تلك المرية وبسطة وغرناطة، وهرب أبوهما السلطان أبو الحسن إلى مالقة.
وفي صفر سنة ثمان وثمانين وثمانمائة اجتمع جميه رؤساء النصارى، وقصدوا قرى مالقة وبلش، في نحو الثمانية آلاف، وفيهم صاحب إشبيلية وصاحب شريش وصاحب إستجة وصاحب أنتقيرة وغيرهم، فلم يتمكنوا من أخذ حصن، ونشبوا في أوعار ومضايق وخنادق وجبال، واجتمع عليهم أهل بلش ومالقة، وصار المسلمون ينالون منهم في كل محل، حتى بلغوا مالقة، ففر كبيرهم، ومن بقي أسر أو قتل، وكان السلطان أبو الحسن في ذلك الوقت قد تحرك لنواحي المنكب، وبقي أخوه أبو عبد الله بمالقة ومعه بعض الجند، وقتل من النصارى في هذه الوقعة نحو ثلاثة آلاف، وأسر نحو ألفين، ومن جملتها خال السلطان وصاحب إشبيلية وصاحب شريش وصاحب أنتقيرة وغيرهم، وهم نحو الثلاثين من الأكابر، وغنم المسلمون غنيمة وافرة من الأنفس والأموال والعدة والذهب والفضة، وبعقب ذلك سافر أهل مالقة لبلاد النصارى، فكسوا هنالك كسرة شنيعة قتل فيها أكثر قواد غرب الأندلس.
стр. 2537
ولما استقر السلطان أبو عبد الله ابن السلطان أبي الحسن بغرناطة وطاعت له البلاد غير مالقة والغربية تحرك السلطان أبو الحسن على المنكب ونواحيها، وأتى ابنه السلطان أبو عبد الله في جند غرناطة والجهة الشرقية، والتقوا في موضع يعرف بالدب، فكسر السلطان أبو عبد الله.
ولما سمع السلطان أبو عبد الله صاحب غرناطة بأن عمه بمالقة غنم من النصارى أعمل السفر للغزو بأهل بلاده من غرناطة والشرقية، وذلك في ربيع الأول من السنة، إلى أن بلغ نواحي لشانة، وقتل وأسر وغنم، فتجمعت عليه النصارى من جميع تلك النواحي ومعه كبير قبرة، وحالوا بين المسلمين وبلادهم في جبال وأوعار، فانكسر الجند، وأسر من الناس كثير وقتل آخرون، وكان في جملة من أسر السلطان أبو عبد الله، ولم يعرف، ثم علم به صاحب لشانة، وأراد صاحب قبرة أن يأخذ منه، فهرب به ليلاً، وبلغه إلى صاحب قشتالة، ونال بذلك عنده رفعة على جميع القواد، وتفاءل به، فقلما توجه لجهةٍ أو بعث سريةً إلا وبعثه فيها.
ولما أسر السلطان أبو عبد الله اجتمع كبراء غرناطة وأعيان الأندلس، وذهبوا به لغرناطة، وبايعوه، مع أنه كان أصابه مثل الصرع إلى أن ذهب بصره، وأصابه ضرر، ولما تعذر أمره قدم أخاه أبا عبد الله، وخلع له نفسه، ونزل بالمنكب، فأقام بها إلى أن مات، واستقل أخوه أبو عبد الله المعروف بالزغل بالملك بعده. وأما عبد الله ابن السلطان أبي الحسن فهو في أسر العدو.
وفي شهر ربيع الآخر من سنة تسعين وثمانمائة خرج العدو في قوة إلى نواحي مالقة، بعد أن كان في السنة قبلها استولى على حصون، فاستولى هذه السنة على بعض الحصون، وقصد ذكوان، فهد أسوارها، وكان جملة من أهل الغربية ورندة، ودخل ألف مدرع ذكوان عنوة، فأظفر الله تعالى بهم أهل ذكوان، فقتلوهم جميعاً، ثم طلبوا الأمان وخرجوا.
стр. 2538
ثم انتقل في جمادى الأولى إلى رندة وحاصرها، وكان أهلها خرجوا إلى نصرة ذكوان وسواها، فحاصر رندة وهد أسوارها، وخرج أهلها على الأمان، وطاعت له جميع تلك البلاد، ولم يبق بغربي مالقة إلا من دخل في طاعة الكافر وتحت ذمته، وضيق بمالقة، وفرق حصصه على بعض الحصون ليحاصروا مالقة، وعاد إلى بلاده.
وفي تاسع عشر شعبان من العام سافر صاحب غرناطة لتحصين بعض البلاد، وبينما هو كذلك إذا بالخبر جاءه أن محلة العدو خارجة لذلك الحصن.
وفي صبيحة الثاني والعشرين من شعبان أصبحت جنود النصارى على الحصن، كانوا قد سروا إليه ليلاً، وأصبحوا عند الفجر مع جند المسلمين، فقاتلهم المسلمون من غير تعبية، فاختل نظام المسلمين، ووصل النصارى إلى خباء السلطان، ثم التحم القتال واشتد، وقوى الله تعالى المسلمين فهزموا النصارى شر هزيمة، وقتل منهم خلائق، وقصر المسلمون خوفاً من محلة السلطان النصارى إذ كانت قادمة في أثر هذه، ولما رجعت إليهم الفلول رجعوا القهقرى، واستولى المسلمون على غنائم كثيرة وآلات، وجعلوا ذلك كله بالحصن، ولم يحدث شيء بعد إلى رمضان، فتوجه الكافر إلى حصن قنبيل ونازله وهد أسواره، ولم رأى المسلمون أن الحصن قد دخل طلبوا الأمان، وخرجوا بأموالهم وأولادهم مؤمنين، وفر الناس من تلك المواضع مع البراجلة هاربين، واستولى العدو على عدة حصون مثل مشاقر وحصن اللوز، وضيق العدو بجميع بلاد المسلمين، ولم يتوجه إلى ناحية إلا استأصلها، ولا قصد جهة إلا أطاعته وحصلها، ثم إن العدو دبر الحيلة مع ما هو عليه من القوة، فبعث إلى السلطان أبي عبد الله الذي تحت أسره وكساه ووعده بكل ما يتمناه، وصرفه لشرقي بسطة، وأعطاه المال والرجال، ووعده أن من دخل تحت حكمه من المسلمين وبايعه من أهل البلاد فإنه في الهدنة والصلح والعهد والميثاق الواقع بين السلطانين، وخرج لبلش فأطاعه أهلها، ودخلت بلش في طاعته، ونودي بالصلح في الأسواق، وصرخت
стр. 2539
به في تلك البلاد الشياطين، وسرى هذا الأمر حتى بلغ أرض البيازين من غرناطة، وكانوا من التعصب وحمية الجاهلية والجهل بالمقام الذي لا يخفى، وتبعهم بعض المفسدين المحبين في تفريق كلمة المسلمين، وممن مال إلى الصلح عامة غرناطة لضعف الدولة، ووسوس للناس شياطين الفتنة وسماسرتها بتقبيحٍ وتحسينٍ، إلى أن قام ربض البيازين بدعوة السلطان الذي كان مأسوراً عند المشركين، ووقعت فتنة عظيمة في غرناطة نفسها بين المسلمين لما أراده الله تعالى من استيلاء العدو على تلك الأقطار، ورجموا البيازين بالحجارة من القلعة، وعظم الخطب، وكانت الثورة ثالث شهر ربيع الأول عام أحد وتسعين وثمانمائة، ودامت الفتنة إلى منتصف جمادى الأولى من العام، وبلغ الخبر أن السلطان الذي قاموا بدعوته قدم على روشة ودخلها على وجه رجاء الصلح بينه وبين عمه الزغل صاحب قلعة غرناطة، بأن العم يكون له الملك، وابن أخيه تحت إيالته بلوش أو بأي المواضع أحد، ويكونون يداً واحدة على عدو الدين، وبينهم في هذا إذا بصاحب قشتالة قد خرج بجند عظيم ومحلة قوية وعدد وعدد، ونازل لوشة حيث السلطان أبو عبد الله الذي كان أسيراً، وضيق بها الحصار، وكان قد دخلها جماعة من أهل البيازين بنية الجهاد ولمعاضدة وليهم، وخاف أهل غرناطة وسواها من أن يكون ذلك حيلة، فلم يأت لنصرته غيرالبيازين، واشتد عليهم الحصار، وكثرت الأقاويل، وصرحت الألسن بأن ذلك باتفاق بين السلطان المأسور وصاحب قشتالة، ودخل على أهل لوشة في ربضهم، وخافوا من الاستئصال، فطلبوا الأمان في أموالهم وأنفسهم وأهليهم، فوفى لهم صاحب قشتالة بذلك، وأخذ البلد في السادس والعشرين لجمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وثمانمائة. وهي - أعني لوشة - كانت بلد سلف الوزير لسان الدين ابن الخطيب، كما ذكرناه مستوفى في غير هذا الموضع، وهاجر أهل لوشة إلى غرناطة، وبقي السلطان أبو عبد الله الذي كان مأسوراً مع النصراني في لوشة، فصرح عند ذلك أهل غرناطة بأنه ما جاء للوشة إلا ليدخل إليها العدو الكافر
стр. 2540
ويجعلها فداء له، وقيل: إن سرح له حينئذٍ ابنه إذ كان مرهوناً في الفداء، وكثر القيل والقال بينهم وبين أهل البيازين، فظهر بذلك ما كان كامناً بالقلوب، ثم رجع صاحب قشتالة إلى بلاده ومعه السلطان المذكور.
وفي نصف جمادى الثانية خرج إلى إلبيرة فهد بعض الأسوار، وتوعد الناس، فأعطاه أهله الحصن على الأمان، فخرجوا وقدموا على غرناطة، ثم فعل بحصن المتلين (١) مثل ذلك، وقاتلوا قتالاً شديداً، ولما ضاقوا ذرعاً أعطوه بالمقادة على الأمان، فخرجوا إلى غرناطة وأطاع أهل قلنبيرة من غير قتال، فخرجوا إلى غرناطة ثم وصل العدو إلى منتفريد، فرمى عليهم بالمحروقات وغيرها وأحرق دارالعدة، وطلبوا الأمان، وخرجوا إلى غرناطة، وانتقل للصخرة فأخذها، وحصن هذه الحصون كلها، وشحنها بالرجال والعدة، ورتب فيها الخيل لمحاصرة غرناطة، ثم عاد الكافر لبلاده، وتعاهد مع السلطان الذي في أسره بأن من دخل في حكمه وتحت أمره فهو في الأمان التام، وأشاعوا أن ذلك بسبب فتنة وقعة بينه وبين صاحب إفرنسية، فخرج لبلش وأطاعته، ثم بعث لمن والاه من البلاد أنه أتى بصلح صحيح وعقد وثيق، وأن من دخل تحت أمره أمن من حركة النصارى عليه، وأن معه وثائق بخطوط السلاطين، فلم يقبل الناس ذلك، إلا القليل منهم مثل أهل البيازين، فلهجوا بهذا الصلح وأقاموا على صفحته الدلائل، وتكلموا في أهل غرناطة بالكلام القبيح، مع تمكن الفتنة والعداوة في القلوب، فبعث له أهل البيازين أنه إذا قدم بهذه الحجج لتلك الجهات اتبعه الناس، وقاموا بدعوته من غير التباس، فأتى على حين غفلة، ولم يكن يظن اتيانه بنفسه، فأتى البيازين ودخلها ونادى في أسواقها بالصلح التام الصحيح، فلم يقبل ذلك منه أهل غرناطة، وقالوا: ما بعهد لوشة من قدم، ودخل ربض البيازين سادس شوال سنة إحدى وتسعين وثمانمائة، وعمه بالحمراء،
стр. 2541
انتقل للقلعة، واشتد أمر الفتنة، ثم إن صاحب قشتالة أمد صاحب البيازين بالرجال والعدة والمال والقمح والبارود وغيرها، واشتد أمره بذلك، وعظمت أسباب الفتنة، وفشا في الناس القتل والنهب، ولم يزل الأمر كذلك إلى السابع والعشرين من محرم سنة اثنين وتسعين وثمانمائة، فعزم أهل غرناطة مع سلطانهم على الدخول على البيازين عنوةً، وتكلم أهل العلم في من النتصر بالنصارى ووجوب مدافعته، ومن أطاعه عصى الله ورسوله، فدخلوا على أهل البيازين دخول فشل، ثم إن صاحب غرناطة بعث إلى الأجناد والقواد من أهل بصرة ووادي آش والمرية والمنكب وبلش ومالقة وجميع الأقطار، وتجمعوا بغرناطة، وتعاهدوا، وتحالفوا على أن يدهم واحدة على أعداء الدين، ونصرة من قصده العدو من المسلمين، وخاف صاحب البيازين فبعث لصاحب قشتالة في ذلك فخرج لمحلته قاصداً نواحي بلش، وكان صاحب البيازين بعث وزيره إلى ناحية مالقة وإلى حصن المنشأة يذكر ويخوف، ومعه نسخة من عقود الصلح، فقامت مالقة وحصن المنشأة بعوته، ودخلوا في إيالته خوفاً من صاحب قشتالة وصولته، وطمعاً في الصلح وصحته، ثم اجتمع كبار مالقة مع أهل بلش وذكروا لهم سبب دخولهم في هذه الدعوة، والسبب الحالمل لهم على ذلك، فلم يرجع أهل بلش عما عاهدوا عليه أهل غرناطة وسائر الأندلس من العهود والمواثيق، وخرج صاحب قشتالة قاصداً بلش مالقة، ونزل عليها في ربيع الثاني سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة وحاصرها، ولما صح عند صاحب غرناطة ذلك اجتمع بالناس، فأشاروا بالمسير لإغاثة بلش للعهد الذي عقدوه، وأتى أهل وادي آش وغيرها وحشود البشرات، وخرج صاحب غرناطة منها في الرابع والعشرين لربيع الثاني من السنة، ووصل بلش، فوجد العدو نازلاً عليها براً وبحراً، فنزل بجبلٍ هنالك، وكسر لغط الناس، وحملوا على النصارى من غير تعبية، وحين حركتهم بالحملة بلغ السلطان الزغل أن غرناطة بايعت صاحب البيازين، فالتقوا مع النصارى فشلين وقبل الالتحام انهزموا، وتببد جموعهم مع كون
стр. 2542
النصارى خائفين وجلين منهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فرجعوا منهزمين، وقد شاع عند الخواص ثورة غرناطة على السلطان، فقصدوا وادي آش، وعاد النصارى إلى بلش بعد أن كانوا رتبوا جيوشهم للقاء السلطان وأهل غرناطة، فلما عادوا إلى بلش دخلوا عنوة ربضها، وضيقوا بها، وكانت ثورة غرناطة، خامس جمادى الأولى.
ولما رأى أهل بلش تكالب العدو عليهم وإدبار جيوش المسلمين عنهم طلبوا الأمان، فخرجوا يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى من السنة، وأطاعت النصارى جميع البلاد التي بشرقي مالقة وحصن قمارش.
ثم انتقل العدو إلى حصار مالقة، وكان أهل مالقة قد دخلوا في الصلح وأطاعوا صاحب البيازين، وأتى إليها النصارى بالميرة، ولما نزل بلش بعثوا هدية لصاحب قشتالة مع قائدهم وزير صاحب البيازين وقائد شريش الذي كان مأسوراً عندهم، فلم يلتفت إليهم صاحب قشتالة لقيام جبل فاره وهو حصن مالقة بدعوة صاحب وادي آش، وارتحل صاحب قشتالة إلى مالقة ونازلها براً وبحراً، وقاتله أهلها قتالاً عظيماً بمدافعهم وعدتهم وخيلهم ورجلهم، وطال الحصار حتى أداروا على مالقة من البر الخنادق والسور والأجفان من البحر، ومنع الداخل إليها، ولم يدخلها غير جماعة من المرابطين حال الحصار، وحاربوا حرباً شديداً، وقربوا المدافع ودخلوا الأرباض، وضيقوا عليهم بالحصار إلى أن فني ما عندهم من الطعام (١) فأكلوا المواشي والخيل والحمير، وبعثوا الكتب للعدوتين وهم طامعون في الإغاثة فلم يأت إليهم أحد، وأثر فيهم الجوع، وفشا في أهل نجدتهم القتل، ولم يظهروا مع ذلك هلعاً ولا ضعفاً، إلى أن ضعف حالهم، ويئسوا من ناصر أو مغيث من البر والبحر، فتكلموا مع النصارى في الأمان كما وقع ممن سواهم، فعوتبوا على ما صدر منهم وما وقع من الجفاء، وقيل لهم
стр. 2543
لما تحقق العدو التجاءهم: تؤمنون من الموت، وتعطون مفتاح القلعة والحصن، والسلطان ما يعاملكم إلا بالخير إذا فعلتم، وهذا خداع من الكفار، فلما تمكن العدو منهم أخذهم أسرى، وذلك أواخر شعبان سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، ولم يبق في تلك النواحي موضع إلا وملكه النصارى.
وفي عام ثلاثة وتسعين وثمانمائة خرج العدو الكافر إلى الشرقية وبلش التي كانت في الصلح، فاستولى عليها، واحتجوا بالصلح، فلم يلتفت إليهم، وأخذ تلك البلاد كلها صلحاً، ثم رجع لبلاده.
وفي عام أربعة وتسعين وثمانمائة خرج لبعض حصون بسطة فأخذها بعد حرب، واستولى على ما هنالك من الحصون، ثم نازل بسطة، وكان صاحب وادي آِ لما تعين العدو بمحلته بعث جميع جنده وقواده، وحشد أهل نجدة تلك البلاد من وادي آش والمرية والمنكب والبشرات، فلما نزل العدو بسطة أتت الحشود المذكورة ودخلوها ووقعت بين المسلمين والنصارى حروب عظيمة حتى تقهقر العدو عن قرب بسطة، ولم يقدر على منع الداخل والخارج، وبقي الأمر كذلك رجباً وشعبان ورمضان ومحلات المسلمين نازلة خارج البلد، ثم إن العدو شد الحصاروجد في القتال، وقرب المدافع والآلات من الأسوار حتى منع الداخل والخارج بعض منعٍ، واشتد الحال في ذي القعدة وذي الحجة وقل الطعام، وفي آخر ذي الحجة اختبروا الطعام في خفية فلم يجدوا إلا القليل، وكانوا طامعين في إقلاع العدو عند دخول فصل الشتاء، وإذا بالعدو بنى وعزم على الإقامة، وقوي اليأس على المسلمين، فتكلموا في الصلح على ما فعل غيرهم من الأماكن، وظن العدو أن الطعام لم يبق منه شيء، وأن ذلك هو الملجئ لهم للكلام، وفهموا عنه ذلك، فاحتالوا في إظهار جميع أنواع الطعام بالأسواق، وأبدوا للعدو القوة مع كونهم في غاية الضعف، والحرب خدعة، فدخل بعض كبار النصارى للتكلم معهم وهو عين ليرى ما عليه البلد وما صفة الناس، وعند تحققهم بقاء الطعام والقوة أعطوهم الأمان على أنفسهم دون من أعانهم من أهل
стр. 2544
وادي آش والمنكب والمرية والبشرات، فإن دفعوا هؤلاء عنهم صح لهم الأمان، وإلا فلا، فلم يوافق أهل البلد على هذا، وطال الكلام، وخاف أهل البلد من كشف الستر، فاتفقوا أن تكون العقدة على بسطة ووادي آش والمرية والمنكب والبشرات، ففعلوا ذلك، ودخل جميع هؤلاء في طاعة العدو على شروط شرطوها وأمور أظهروها بعضها للناس وبعضها مكتوم، وقبض الخواص مالاً، وحصلت لهم فوائد.
وفي يوم الجمعة عاشر محرم سنة خمس وتسعين وثمانمائة دخل النصارى قلعة بسطة وملكوها، ولم يعلم العوام كيفية ما وقع عليه الشرط والالتزام، وقالوا لهم: من بقي بموضعه فهو آمن، ومن انصرف خرج بماله وسلاحه سالماً، ثم أخرج العدو المسلمين من البلد، وأسكنهم بالربض خوف الثورة، ثم ارتحل العدو للمرية، وأطاعته جميع تلك البلاد، ونزل صاحب وادي آش للمرية ليلقاه بها، فلقيه وأخذ الحصون والقلاع والبروج، وبايع له السلطان أبو عبد الله على أن يبقى تحت طاعته في البلاد التي تحت حكمه كما أحب، فوعده بذلك، وانصرف معه إلى وادي آش، ومكنه من قلعتها أوائل صفر من العام المذكور، وأطاعته جميع البلاد، ولم يبق غير غرناطة وقراها، وجميع ما كان في حكم صاحب وادي آش صار للنصارى في طرفة عين، وجعل في كل قلعة قائداً نصرانياً، وكان قائد من المسلمين أصحاب هذه البلاد دفع لهم الكفار مالاً من عند صاحب قشتالة إكراماً منه لهم بزعمهم، فتباً لعقولهم، وما ذلك منه إلا توفير لرجاله وعدته ودفع بالتي هي أحسن، ثم أخذ برج الملاحة وغيره، وبناه وحصنه، وشحن الجميع بالرجال والذخيرة، وأظهر الصحبة والصلح مع صاحب وادي آش، وأباح الكلام بالسوء في حق صاحب غرناطة مكراً منه وخداعاً ودهاء، ثم بعث في السنة نفسها رسلاً لصاحب غرناطة أن يمكنه من الحمراء كما مكنه عمه من القلاع والحصون، ويكون تحت إيالته، ويعطيه مالاً جزيلاً على ذلك، وأي بلاء شاء من الأندلس يكون فيها تحت حكمه، قالوا:
стр. 2545
وأطعمه صاحب غرناطة في ذلك، فخرج العدو في محلاته لقبض الحمراء والاستيلاء على غرناطة، وهذا في سر بين السلطانين، فجمع صاحب غرناطة الأعيان والكبراء والأجناد والفقهاء والخاصة والعامة وأخبرهم بما طلب منه العدو وأن عمه أفسد عليه الصلح الذي كان بينه وبين صاحب قشتالة بدخوله تحت حكمه، وليس لنا إلا إحدى خصلتين: الدخول تحته، أو القتال، فاتفق الرأي على الجهاد والوفاء بما عقده من صلح، وخرج بمحلته.
ثم إن صاحب قشتالة نزل على مرج غرناطة، وطلب من أهل غرناطة الدخول في طاعته، وإلا أفسد عليهم زروعهم، فأعلنوا بالمخالفة، فأفسد الزرع، وذلك في رجب سنة خمس وتسعين وثمانمائة، ووقعت بين المسلمين والعدو حروب كثيرة، ثم ارتحل العدو عند الإياس منهم ذلك الوقت، وهدم بعض حصون، وأصلح برج همدان والملاحة، وشحنهما بما ينبغي، ثم رجع إلى بلاده، وعند انصرافه نزل صاحب غرناطة بمن معه إلى بعض الحصون التي في يد النصارى ففتحها عنوة، وقتل من فيها من النصارى، وأسكنها المسلمين، ورجع لغرناطة، ثم أعمل الرحلة إلى البشرات في رجب المذكور، فأخذ بعض القرى، وهرب من بها من النصارى والمرتدين أصحابهم، ثم أتى حصن أندرش فتمكن منه، وأطاعته البشرات، وقامت دعوة الإسلام بها، وخرجوا عن ذمة النصارى، وهنالك عمه أبو عبد الله محمد بن سعد بجملة وافرة، فقصدهم في شعبان من غرناطة، واستقر عمه بالمرية، وأطاعت صاحب غرناطة جميع البشرات إلى برجة، ثم تحرك عمه مع النصارى إلى أندرش فأخذها لرمضان، ورج صاحب غرناطة لقرية همدان، وكان برجها العظيم مشحوناً بالرجال والعدة والطعام، فحاصره أهل غرناطة، ونصبوا عليه أنواعاً من الحرب، ومات فيه خلق كثير منهم، ونقبوا البرج الأول والثاني والثالث، وألجؤوهم للبرج الكبير، وهو القلعة، فنقبوها ثم أسروا من كان بها، وهو ثمانون ومائة، واحتووا على ما هنالك من عدة وآلات حرب.
стр. 2546
وفي آخر رمضان خرج صاحب غرناطة بقصد المنكب، فلما وصل حصن شلوبننية نزله، وأخذه عنوة بعد حصارة، وامتنعت القلعة، وجاءتهم الأمداد من مالقة بحراً فلم تقدر على شيء، وضيقوا بالقلعة، فوصلهم الخبر أن صاحب قشتالة خرج بمحلته لمرج غرناطة، فارتحل صاحب غرناطة عن قلعة شلوبانية، وجاء غرناطة ثالث شوال، وبعد وصولهم غرناطة وصل العدو إلى المرج ومعه المرتدون والمدجنون، وبعد ثمانية أيام ارتحل العدو لبلاده بعد هدم برج الملاحة وإخلائه وبرج آخر، وتوجه إلى وادي آش، فأخرج المسلمين منها، ولم يبق بها مسلم في المدينة ولا الربض، وهدم قلعة أندرش، وحاف على البلاد، ولما رأى ذلك السلطان الزغل وهو أبو عبد الله محمد بن سعد عم سلطان غرناطة بادر بالجواز لبر العدوة فجاز لوهران، ثم لتلمسان، واستقر بها، وبها نسله إلى الآن يعرفون ببني سلطان الأندلس، ودخل صاحب قشتالة لأقاصي مملكته بسبب فتنة بينه وبين الإفرنج ثم تحرك صاحب غرناطة على برشانة وحاصرها وأخذها، وأسر من كان بها من النصارى وأرادت فتيانه (١) القيام على النصارى، فجاء صاحب وادي آش ففتك فيهم.
وفي ذي القعدة من السنة رفع صاحب غرناطة من الند وخلت تلك الأوطان من الانس.
وفي ثاني عشري جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وثمانمائة خرج العدو بمحلاته إلى مرج غرناطة، وأفسد الزرع، ودوخ الأرض، وهدم القرى، وأمر ببناء موضع بالسور والحفير، وأحكم بناءه، وكانوا يذكرون أنه عزم على الانصراف فإذا به صرف الهمة إلى الحصار والإقامة، وصار يضيق على غرناطة كل يوم، ودام القتال سبعة أشهر، واشتد الحصار بالمسلمين، غبر أن النصارى على بعد، والطريق بين غرناطة والبشرات متصلة بالمرافق والطعام من ناحية
стр. 2547
جبل شلير، إلى أن تمكن فصل الشتاء، وكلب البرد، ونزل الثلج، فانسد باب المرافق، وقطع الجالب، وقل الطعام، واشتد الغلاء، وعظم البلاء، واستولى العدو على أكثر الأماكن خارج البلد، ومنع المسلمين من الحرث والسبب، وضاق الحال، وبان الاختلال، وعظم الخطب، وذلك أول عام سبعة وتسعين وثمانمائة، وطمع العدو في الاستيلاء على غرناطة بسبب الجوع والغلاء دون الحرب، ففر ناس كثيرون من الجوع إلى البشرات، ثم اشتد الأمر في شهر صفر من السنة، وقل الطعام، ثم تفاقم الخطب، فاجتمع ناس مع من يشار إليه من أهل العلم، وقالوا: انظروا في أنفسكم وتكلموا مع سلطانكم، فأحضر السلطان أهل الدولة وأرباب المشورة، وتكلموا في هذا المعنى، وأن العدو يزداد مدده كل يوم، ونحن لا مدد لنا، وكان ظننا أنه يقلع عنا في فصل الشتاء، فخاب الظن، وبنى وأسس، وأقام، وقرب منا، فانظروا لأنفسكم وأولادكم، فاتفق الرأي على ارتكاب أخف الضررين، وشاع أن الكلام وقع بين النصارى ورؤساء الأجناد قبل ذلك في إسلام البلد خوفاً على نفوسهم وعلى الناس، ثم عددوا مطالب وشروطاً أرادوها، وزادوا أشياء على ما كان في صلح وادي آش: منها أن صاحب رومة يوافق على الالتزام والوفاء بالشرط إذا أمكنوه من حمراء غرناطة والمعاقل والحصون، ويحلف على عادة النصارى في العهود، وتكلم الناس في ذلك، وذكروا أن رؤساء أجناد المسلمين لما خرجوا للكلام في ذلك امتن عليهم النصارى بمال جزيل وذخائر، ثم عقدت بينهم الوثائق على شروط قرئت على أهل غرناطة، فانقادوا إليها، ووافقوا عليها، وكتبوا البيعة لصاحب قشتالة، فقبلها منهم، ونزل سلطان غرناطة من الحمراء.
وفي ثاني ربيع الأول من السنة - أعني سنة سبع وتسعين وثمانمائة - استولى النصارى على الحمراء ودخلوها بعد أن استوثقوا من أهل غرناطة بنحو خمسمائة من الأعيان رهناً خوف الغدر، وكانت الشروط سبعة وستين منها: تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال وإبقاء الناس في أماكنهم ودورهم ورباعهم
стр. 2548
وعقارهم، ومنها إقامة شريعتهم على ما كانت ولا يحكم أحد عليهم إلا بشريعتهم، وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك، وأن لايدخل النصارى دار مسلم ولا يغصبوا أحداً، وأ، لايولى على المسلمين إلا مسلم أو يهودي ممن يتولى عليهم من قيل سلطانهم قبل، وأن يفتك جميع من أسر في غرناطة من حيث كانوا، وخصوصاً أعياناً نص عليهم، ومن هرب من أسارى المسلمين ودخل غرناطة لا سبيل عليه لمالكه ولا سواه، والسلطان يدفع ثمنه لمالكه، ومن أراد الجواز للعدوة لا يمنع، ويجوزون في مدة عينت في مراكب السلطان لا يلزمهم إلا الكراء ثم بعذ تلك المدة يعطون عشر مالهم والكراء (١) ، وأن لايؤخذ أحد بذنب غيره، وأن لا يقهر من أسلم على الرجوع للنصارى ودينهم، وأن من تنصر من المسلمين يوقف أياماً حتى يظهر حاله ويحضر له حاكم من المسلمين وآخر من النصارى، فإن أبى الرجوع إلى الإسلام تمادى على ما أراد، ولا يعاتب على من قتل نصرانياً أيام الحرب، ولا يؤخذ منه ما سلب من النصارى أيام العداوة، ولا يكلف المسلم بضيافة أجناد النصارى (٢) ولا يسفر لجهة من الجهات، ولا يزيدون على المغارم المعتادة، وترفع عنهم جميع المظالم والمغارم المحدثة، ولا يطلع نصراني للسور، ولا يتطلع على دور المسلمين، ولا يدخل مسجداً من مساجدهم، ويسير المسلم في بلاد النصارى آمناً في نفسه وماله، ولا يجعل علامة كما يجعل اليهود وأهل الدجن، ولا يمنع مؤذن ولا مصلٍ ولا صائم ولا غيره من أمور دينه، ومن ضحك منه يعاقب، ويتركون من المغارم سنين معلومة، وأن يوافق على كل الشروط صاحب رومة ويضع خط يده، وأمثال هذا مما تركنا ذكره. م بعذ تلك المدة يعطون عشر مالهم والكراء، وأن لايؤخذ أحد بذنب غيره، وأن لا يقهر من أسلم على الرجوع للنصارى ودينهم، وأن من تنصر من المسلمين يوقف أياماً حتى يظهر حاله ويحضر له حاكم من المسلمين وآخر من النصارى، فإن أبى الرجوع إلى الإسلام تمادى على ما أراد، ولا يعاتب على من قتل نصرانياً أيام الحرب، ولا يؤخذ منه ما سلب من النصارى أيام العداوة، ولا يكلف المسلم بضيافة أجناد النصارى ولا يسفر لجهة من الجهات، ولا يزيدون على المغارم المعتادة، وترفع عنهم جميع المظالم والمغارم المحدثة، ولا يطلع نصراني للسور، ولا يتطلع على دور المسلمين، ولا يدخل مسجداً من مساجدهم، ويسير المسلم في بلاد النصارى آمناً في نفسه وماله، ولا يجعل علامة كما يجعل اليهود وأهل الدجن، ولا يمنع مؤذن ولا مصلٍ ولا صائم ولا غيره من أمور دينه، ومن ضحك منه يعاقب، ويتركون من المغارم سنين معلومة، وأن يوافق على كل الشروط صاحب رومة ويضع خط يده، وأمثال هذا مما تركنا ذكره.
وبعد انبرام ذلك ودخول النصارى للحمراء والمدينةة جعلوا قائداً بالحمراء وحكاماً ومقدمين بالبلد، ولما علم ذلك أهل البشرات دخلوا في هذا الصلح، وشملهم حكمه على هذه الشروط، ثم أمر العدو الكافر ببناء ما يحتاج إليه في
стр. 2549
الحمراء وتحصينها، وتجديد بناء قصورها وإصلاح سورها، وصار الطاغية يختلف إلى الحمراء نهاراً ويبيت بمحلته ليلاً إلى أن اطمأن من خوف الغدر، فدخل المدينة، وتطوف بها، وأحاط خبراً بما يرومه، ثم أمر سلطان المسلمين أن ينتقل لسكنى البشرات وأنها تكون له وسكناه بأندرش، فانصرف إليها وأخرج الأجناد منها، ثم احتال في ارتحاله لبر العدوة، وأظهر أن ذلك طلبه منه المذكور، فكتب لصاحب المرية أنه ساعة وصول كتابي هذا لا سبيل لأحد أن يمنع مولاي أبا عبد الله من السفر حيث أراد من بر العدوة، ومن وقف على هذا الكتاب فليصرفه ويقف معه وفاء بما عهد له، فصرف في الحين بنص هذا الكتاب، وركب البحر، ونزل بمليلة، واستوطن فاساً، وكان قبل طلب الجواز لناحية مراكش، فلم يسعف بذلك وحين جوازه لبر العدوة لقي شدة وغلاء ووباء.
ثم إن النصارى نكثوا العهد، ونقضوا الشروط عروة عروة، إلى أن آل الحال لحملهم المسلمين على التنصر سنة أربع وتسعمائة، بعد أمور وأسباب أعظمها وأقواها عليهم أنهم قالوا: إن القسيسين كتبوا على جميع من كان أسلم من النصارى أن يرجعوا قهراً للكفر، ففعلوا ذلك، وتكلم الناس ولا جهد لهم ولا قوة، ثم تعدوا إلى أمر آخر، وهو أن يقولوا للرجل المسلم: إن جدك كان نصرانياً فأسلم فترجع نصرانياً، ولما فحش هذا الأمر قام أهل البيازين على الحكام وقتلوهم، وهذا كان السبب للتنصر، قالوا: لأن الحكم خرج من السلطان أن من قام على الحاكم فليس إلا الموت إلا أن يتنصر فينجو من الموت، وبالجملة فإنهم تنصروا عن آخرهم وبادية وحاضرة، وامتنع قوم من التنصر، واعتزلوا الناس، فلم ينفعهم ذلك، وامتنعت قرى وأماكن كذلك منها بلفيق وأندرش وغيرهما، فجمع لهم العدو الجموع، واستأصلهم عن آخرهم قتلاً وسبياً، إلا ما كان من جبل بللنقة فإن الله تعالى أعانهم على عدوهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة مات فيها صاحب قرطبة، وأخرجوا على الأمان إلى فاس بعيالهم وما خف من مالهم دون الذخائر، ثم بعد هذا كله كان من أظهر التنصر من المسلمين
стр. 2550
يعبد الله في خفية ويصلي، فشدد عليهم النصارى في البحث، حتى إنهم أحرقوا منهم كثيراً بسبب ذلك، ومنعوهم من حمل السكين الصغيرة فضلاً عن غيرها من الحديد، وقاموا في بعض الجبال على النصارى مراراً ولم يقيض الله لهم ناصراً، إلى أن كان إخراج النصارى إياهم بهذا العصر القريب أعوام سبعة عشر وألف، فخرجت ألوف بفاس، وألوف أخر بتلمسان من وهران، وجمهورهم خرج بتونس، فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى في الطرقات، ونهبوا أموالهم،وهذا ببلاد تلمسان وفاس، ونجا القليل من هذه المعرة، وأما الذين خرجوا بنواحي تونس فسلم أكثرهم، وهم لهذا العهد عمروا قراها الخالية وبلادها، وكذلك بتطاوين وسلا ومتيجة (١) الجزائر. ولما استخدم سلطان المغرب الأقصى منهم عسكراً جراراً وسكنوا سلا كان منهم من الجهاد في البحر ما هو مشهور الآن، وحصنوا قلعة سلا، وبنوا بها القصور والدور والحمامات وهم الآن بهذا الحال، ووصل جماعة إلى القسطنطينية العظمى وإلى مصر والشام وغيرها من بلاد الإسلام، وهم لهذا العهد على ما وصف، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
والسلطان المذكور الذي أخذت على يده غرناطة هو أبو عبد الله محمد الذي انقرضت بدولته مملكة الإسلام بالأندلس، ومحيت رسومها، ابن السلطان أبي الحسن ابن السلطان سعد ابن الأمير علي ابن السلطان يوسف ابن السلطان محمد الغني بالله، واسطة عقدهم، ومشيد مبانيهم الأنيقة، وسلطان دولتهم على الحقيقة، وهو المخلوع الوافد على الأصقاع المرينية بفاس، العائد منها لملكه في أرفع الصنائع الحمانية العاطرة الأنفاس، وهوسلطان لسان الدين ابن الخطيب، وقد ذكرنا جملة من أخباره في غبر هذا الموضع، ابن السلطان أبي الحجاج يوسف ابن السلطان اسماعيل قاتل سلطان النصارى دون بطره بمرج غرناطة ابنفرج "
стр. 2551
[ابن اسماعيل] بن يوسف بن نصر بن قيس، الأنصاري، الخزرجي، رحمهم الله تعالى جميعاً.
وانتهى السلطان المذكور بعد نزوله بمليلة إلى مدينة فاس بأهله وأولاده معتذراً عما أسلفه، متلهفاً على ما خلفه، وبنى بفاس بعض قصور على طريق بنيان الأندلس، رأيتها ودخلتها، وتوفي رحمه الله تعالى بفاس عام أربعين وتسعمائة، ودفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة وخلف ولدين اسم أحدهما يوسف والآخر أحمد وعقب هذا السلطان بفاس إلى الآن، وعهدي بذريته بفاس سنة ١٠٢٧،يأخذون من أوقاف الفقراء والمساكين، ويعدون من جملة الشحاذين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
رسالة المخلوع أبي عبد الله إلى الشيخ الوطاسي
وقد رأيت أن أذكر هنا الرسالة التي كتب بها المخلوع المذكور إلى سلطان فاس الشيخ الوطاسي (١) ، وهي من إنشاء الكاتب المجيد البارع البليغ أبي عبد الله محمد بن عبد الله العربي العقيلي رحمه الله تعالى وسماها ب " الروض العاطر الأنفاس في التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس " ونصها بعد الافتتاح:
مولى الملوك ملوك العرب والعجم رعياً لما مثله يرعى من الذّمم
بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن جار الزّمان عليه جور منتقم
حتى غدا ملكه بالرغم مستلباً وأفظع الخطب ما يأتي على الرغم
حكمٌ من الله حتمٌ لا مردّ له وهل مردٌّ لحكمٍ منه منحتم
وهي الليالي وقاك الله صولتها تصول حتى على الآساد في الأجم
كنّا ملوكاً لنا في أرضنا دولٌ نمنا بها تحت أفنانٍ من النعم
стр. 2552
فأيقظتنا سهام للردى صيب يرمى بأفجع حتف من بهن رمي
فلا تنم تحت ظلّ الملك نومتنا وأيّ ملكٍ بظلّ الملك لك ينم
يبكي عليه الذي قد كان يعرفه بأدمعٍ مزجت أمواهها بدم
كذلك الدّهر لم يبرح كما زعموا يشمّ بوّ الصّغار الأنف ذا الشمم
وصل أواصر قد كانت لنا اشتبكت فالملك بين ملوك الأرض كالرحم
وابسط لنا الخلق المرجوّ باسطه واعطف ولا تنحرف واعذر ولا تلم
لا تأخذنّا بأقوال الوشاة ولم ... نذنب ولو كثرت أقوال ذي الوخم (١) فما أطقنا دفاعاً للقضاء، ولا أرادت آنفسنا ما حلّ من نقم
ولا ركوباً بإزعاجٍ لسابحةٍ في زاخر بأكفّ الموج ملتطم
والمرء ما لم يعنه الله أضيع من طفلٍ تشكّى بفقد الأم في اليتم
وكل ما كان غير الله يحرسه فإنّ محروسه لحمٌ على وضم
كن كالسموأل إذ سار الهمام له ... في جحفلٍ كسواد اللّيل مرتكم فلم يبح أدرع الكندي وهو يرى أن ابنه البر قد أشفى على الرجم
أو كالمعلّى مع الضليل الأروع إذ أجاره من أعاريب ومن عجم
وصار يشكره شكراً يكافئ ما أسدى إليه من الآلاء والنّعم
ولا تعاتب على أشياء قد قدرت وخطّ مسطورها في اللوح بالقلم
" وعدّ عمّا مضى إذ لا ارتجاع له " (٣) ... وعدّ أحرارنا في جملة الخدم
إيهٍ حنانيك يا ابن الأكرمين على ... " ضيفٍ ألمّ بفاسٍ غير محتشم " (٤)
стр. 2553
فأنت أنت ولولا أنت ما نهضت بنا إليها خطا الوخّادة الرّسم
رحماك يا راحماً ينمى إلى رحما في النفس والأهل والأتباع والحشم
فكم مواقف صدقٍ في الجهاد لنا والخيل عالكة الأشداق للّجم
والسيف يخضب بالمحمرّ من علق ما ابيضّ من سبلٍ واسودّ من لمم
ولا ترى صدر عضب غير منقصف ولا ترى متن لدن غير منحطم
حتى دهينا بدهيا لا اقتدار لها سوى على الصون للأطفال والحرم
فقال من لم يشاهدها فربّتما يخال جامحها يقتاد بالخطم
هيهات لو زبنته الحرب كان بها ... أعيى يداً من يدٍ جالت على رحم (١) تالله ما أضمرت غشّاً ضمائرنا ولا طوت صحّةً منها على سقم
لكن طلبنا من الأمر الذي طلبت ولاتنا قبلنا في الأعصر الدّهم
فخاننا عنده الجدّ الخؤون، ومن تقعد به نكبات الدهر لم يقم
فاسودّ ما اخضرّ من عيشٍ دهته عداً بالأسمر اللّدن أو بالأبيض الخذم
وشتت البين شملاً كان منتظماً والبين أقطع للموصول من جلم
فربّ مبنى شديد قد أناخ به ركب البلا فقرته أدمع الديم
قمنا لديه أصيلاناً نسائله ... أعيا جواباً وما بالربع من إرم (٢) وما ظننّا بأن نبقى إلى زمن نرى به غرر الأحباب كالحمم
لكن رضىً بالقضا الجاري وإن طويت منّا الضلوع على برحٍ من الألم
لبّيك يا من دعانا نحو حضرته دعاء إبراهم الحجّاج للحرم
واعط الأمان الذي رصّت قواعده على أساس وفاء غير منهدم
خليفة الله وافاك العبيد فكن في كلّ فضلٍ وطولٍ عند ظنهم
وبين أسلافنا ما قد علمت به من اعتقاد بحكم الإرث مقتسم
стр. 2554
وأنت منهم كأصلٍ مطلع غصناً أو كالشراك الذي قد قدّ من أدم
وقد خطوت خطاهم في مآثرهم فلم يذموا إذن فيها ولم تذم
وصيت مولى الورى الشيخ الإمام غدا في الناس أشهر من نارٍ على علم
سلالة الأمراء الجلّة الكبراء العلية الظهراء القادة البهم
بنو مرين ليوثٌ في عرين ابوا رؤيا قرينٍ لهم في البأس والكرم
النازلين من البيضاء وسط حمىً أحمى من الأبلق السامي ومن إرم
والجائسين بدهم الخيل كل ذرا والداعسين بسمر الخط كل كمي
يريك فارسهم إن هزّ عامله في مارقٍ بلظى الهيجاء مضطرم
ليثاً على أجدلٍ عارٍ من آجنحةٍ يسطو بأرقم لدّاغ بغير فم
في اللاّم يدغم من عسّاله ألفاً ولم نجد ألفاً أصلاً بمدّغم
أهل الحفيظة يوم الروع يحفظهم من عصمة الله ما يربي على العصم
يا من تطير شرارٌ منه محرقةٌ لكلّ مدّرعٍ بالحزم محتزم
هم بطائفة التثليث قد فتكوا كمثل ما يفتك السرحان بالغنم
وإن يلثمهم يوم الوغى رهجٌ أنسوك ما ذكروه عن ذوي اللثم
تضيء آراؤهم في كلّ معضلةٍ إضاءة السّرج في داجٍ من الظّلم
هذا ولو من حياءٍ ذاب محتشمٌ لذاب منهم حياءً كلّ محتشم
طابت مدائحهم إذ طابت آنفسهم فاشتقّت النسمات آسماً من النسم
لله درّهم والسّحب باخلة بدرّهن على الأنعام والنعم
بحيث آلافق يرى من لون حمرته كالشيب يخضب بالحنّاء والكتم
هناك تنهلّ أيديهم بصوب حياً يحيي بالاجداث ما فيها من الرّمم
وأنّ بيتي زيادٍ (١) طالما ذكرا ... إذ ألمّت أحاديث بذكرهم أحلام عادٍ وأجسامٌ مطهّرةٌ من لمعقّة والآفات والأثم
стр. 2555
يرون حقاًعليهم حفظ جارهم فلم يضر نازلٌفيهم ولم يضم
فروعه بالدواهي لا يراع، ولا يغمّ منها بما يعرو من الغمم
هم البحار سماحاً غير أنّ بها ما قد أناف على الأطواد من همم
وليس يسلم من حتفٍ محاربهم حتى يكون إليهم ملقي السّلم
كم فيهم من أميرٍ أوحد ندسٍ يقرطس الغرض المقصود بالفهم
ولا كبسط أبي حسون (١) من حسنت ... أمداحه حسن ما فيه من الشيم هذاكم ابن أبي ذكرى الهمام فقل في أصله المنتقى من مجده العمم
خليفة الله حقّاً في خليقته كنائب ناب في حكمٍ عن الحكم
مهما تنر قسماتٌ منه نيرةٌ تنل بنازله ما جلّ من نعم
فوجهه بدجىً أو كفّه بجدىً أبهى من الزهر أو أندى من الديم
وفضله وله الفضل المبين جرى كجري آلامثال في الأقطار والأمم
وجوده المتوالي للبريّة ما وجوده بينها طرّاً بمنهدم
إذا ابتغت نعماً منه العفاة له لم يسمعوا كلمةً منه سوى نعم
وإن يعبّس زمانٌ في وجوههم لم يبصروا غير وجهٍ منه مبتسم
وجه تبين سمات المكرمات به كما تبين سمات الصدق في الكلم
وراحةٌ لم تزل في كلّ آونةٍ في نيلها راحة الشاكي من العدم
لله ما التزمته من نوافله أيّام لا فرض مفروضٍ بملتزم
أنسى الخلائف في حلمٍ وفي شرفٍ وفي سخاءٍ وفي علمٍ وفي فهم
فجاز معتمداً منهم ومعتضداً وامتاز عن واثقٍ منهم ومعتصم
وناصر الدين في الإقبال فاق، وفي محبّة العلم أزرى بابنه الحكم
أفعال أعدائه معتلّةٌ أبداً متى يرم جذمها بالحذف تنجزم
стр. 2556
فويل أهل القلى من حيّة ذكرٍ للمتلئبّ المهام المجر ملتقم
راموا عداوة من إن شاء غادرهم من الأحاديث عن عادٍ وعن إرم
فسوف يأكلهم من جيشه لجبٌ بكلّ قرمٍ إلى لحمانهم قرم
وإنّ آلاعراب إذ ساروا لغايته لسائرون إلى لقمٍ على لقم
وهم كما قاله ماضٍ " أرى قدمي بسعيه نحو حتفي قد أراق دمي "
فقل إذاً للمناوي الناو لان أذىً يا غرّ غرك ما أبصرت في الحلم
له صوارم لو ناجتك ألسنها لبشّرتك بعمرٍ منك منصرم
وأنّ روحك عن قربٍ سيقبضه قبض المسلّم ما قد حاز من سلم
فهو الذي ما له ندٌّ يشابهه من كلّ متّصفٍ بالدهي متّسم
يدبّر الأمر تدبيراً يخلّصه ممّا عسى أن يرى فيه من الوهم
ويبصر الغيب لحظ الذهن منه إذا تعمى عن آدراكه ألحاظ كلّ عمي
وينعم النّظر المفضي بناظره لصوب وجه صواب واضح اللقم
ذو منطقٍ لم تزل تجلو نتائجه عن مبطل بخصام المبطل الخصم
ومسمعٍ ليس يصغي للوشاة فلم ينفق لديه الذي عنهم إليه نمي
فعقله لا توازيه العقول، وهل يوازن الطود ما قد طال من أكم
إيهٍ جميع الورى من بدو آو حضر نداء مرتبط بالنّصر مرتسم
شدوا وجدّوا ولا تعنوا ولا تهنوا قد لفّها الليل بالسّوّاقة الحطم
هذا الإمام المريني السعيد له سعدٌ يؤيده في كل مصطدم
قد أقسمت أنّه المنصور ألسنةٌ من نخبة الأوليا مبرورة القسم
فشيّعوه ووالوه تروا عجباً وتظفروا معه بالأجر والغنم
والحمد لله إذ أبقى خلافته كهفاً لنا من يخيّم فيه لم يرم
حرز حريزٌ وعزٌّ قائمٌ وندىً غمرٌ دراكٌ بلا منّ ولا سأم
دامت ودام لها سعدٌ يساعدها في كلّ مبتدإ منه ومختتم
فالله عزّ اسمه قد زانها بحلىً من غرّ أمداحه كالدّرّ في النّظم
стр. 2557
الواهب الألف بعد الألف من ذهبٍ كالجمر يلمع في مستوقد الضّرم
والفاعل الفعل لم يهمم به أحدٌ والقائل القول فيه حكمة الحكم
ذاكم هو الشيخ فاعجب أنّه هرمٌ جوداً وحاشاه أن يعزى إلى هرم
وحسبنا أن أيدينا به اعتصمت من حبله بوثيقٍ غير منفصم
فما مخالفه يوماً بمضطهدٍ ولا مؤالفه يوماً بمهتضم
ولا موافيه في جهدٍ بمطّرحٍ ولا مصافيه في ودٍّ بمتّهم
ولا محيّا محيّيه بمنكسفٍ ولا رجاء مرجّيه بمنخرم
وما تكرّمه سرّاً بمنكشفٍ ولا تنكّره جهراً بمكتتم
وليس لامح مرآه بمكتئبٍ وليس راضع جدواه بمنفطم
ولا مقبّل يمناه الكريمة في محلّ ممتهنٍ بل دست محترم
وما وسيلتنا العظمى إليه سوى ما ليس ينكر ما فيها من العظم
وإنما هي وما أدراك ما هي من وسيلةٍ ردّها أدهى من الوخم
نبيّنا المصطفى الهادي بخير هدىً محمّدٌ خير خلق الله كلّهم
داعي الورى من أولي خيم وأهل قرى إلى طريق رشادٍ لاحبٍ أمم
عليه منّا صلاة الله ما ذكرت ... " أمن تذكّر جيرانٍ بذي سلم " (١) وما تشفّع فيها بالشّفيع له دخيل حرمته العلياء في الحرم
ربنا ظلمكنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم، نعم المولى ونعم النصير.
أما بعد حمد الله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الذي طلع طلوع الفجر بل البدر فلاح، يدعو إلى سبيل
стр. 2558
كل فلاح، أولي قلوب غافلة ونفوس سواه، والرضى عن آله وأصحابه وعترته الأكرمين وأحزابه الذين تلقوا بالقبول ما أورده عليهم من أوامر ونواه، وعزروه ونصروه في حال قربه ونواه، فيما مولانا الذي أولانا من النعم ما أولانا لا حط الله تعالى لكم من العزة رواقاً، ولا أذوى لدوحة دولتكم أغصاناً ولا أوراقاً، ولا زالت مخضرة العود، مبتسمةً عن زهرات البشائر متحفة بثمرات السعود، ممطورة بسحائب البركات المتداركات دون بروق ولا رعود، هذا مقام العائذ بمقامكم، المتعلق بأسباب ذمامكم، المترجي لعواطف قلوبكم وعوارف إنعامكم، المقبل الأرض تحت أقدامكم، المتلجلج اللسان عند محاولة مفاتحة كلامكم، وما الذي يقول من وجهه خجل، وفؤاده وجل، وقضيته المقضية عن لتنصل والاعتذار تجل، بيد أني أقول لكم ما أقوله لربي واجترائي عليه أكثر، واحترامي إليه أكبر: اللهم لا بريء (١) فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، لكني مستقيل، مستنيل مستعتب مستغفر " وما أبرّئ نفسي، إنّ النّفس لأمّارةٌ بالسّوء "، هذا على طريق التنزل والإنصاف، بما تقتضيه الحال ممن يتحيز إلى حيز الإنصاف، وأما على جهة التحقيق، فأقول ما قالته الأم ابنة الصديق (٢) : " والله إني لأعلم أني إن أقررت بما يقوله الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقول ما لم يكن، ولئن أنكرت ما تقولون لا تصدقوني، فأقول ما قاله أبو يوسف: صبر جميل والله المستعان على ما تصفون ". على أني لا أنكر عيوبي فأنا معدن العيوب، ولا أجحد ذنوبي فأنا جبل الذنوب، إلى الله أشكو عجري وبجري، وسقطاتي وغلطاتي، نعم كل شيء ولا ما يوله المتقول، المشنع المهول، الناطق بفم الشيطان المسول، ومن أمثالهم " سبني واصدق، ولا تفتر ولا تخلق "، أفمثلي كان يفعل أمثالها، ويحتمل من الأوزار أحمالها ويهلك نفسه ويحبط أعمالها، عياذاً بالله
стр. 2559
من خسران الدين، وإيثار الجاحدين والمعتدين، قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، وايم الله لو علمت شعرة في فودي تميل إلى تلك الجهة لقطعتها، بل لقطفت ما تحت عمامتي من هامتي وقطعتها، غير أن الرعاع في كل وقت وأوان، للملك أعداء وعليه أحزاب وأعوان، كان أحمق أو أجهل من أبي ثروان (١) ، أو أعقل أو أعلم من أشج بني مروان (٢) ، رب متهم بري ومسربلٍ بسربال وهو منه عري، وفي الأحاديث صحيح وسقيم، ومن التراكيب المنطقية منتج وعقيم، ولكن ثم ميزان عقل، تعتب ربه أوزان النقل، وعلى الراجح الاعتماد، ثم إشاعة الأحماد، المتصل المتماد، وللمرجوح الاطراح، ثم التزام (٣) الصراح، بعد النفض من الراح، وأكثر ما تسمعه الكذب، وطبع جمهور الخلق إلا من عصمه الله تعالى إليه منجذب، ولقد قذفنا من الأباطيل بأحجار، ورمينا بما لا يرمى به الكفار، فضلاً عن الفجار، وجرى من الأمر المنقول على لسان زيد وعمر ما لديكم منه حفظ الجار، وإذا عظم الإنكاء، فعلى تكاءة التجلد الاتكاء، أكثر المكثرون، وجهد في تعثيرنا المتعثرون، ورمونا عن قوس واحدة، ونظمونا في سلك الملاحدة، أكفراً أيضاً كفراً، غفراً (٤) اللهم غفراً، أعد نظراً يا عبد قيس، فليس الأمر على ما خيل لك ليس، وهل زدنا على أن طلبنا حقنا، ممن رام محقه ومحقنا، فطاردنا في سبيله عداة كانوا لنا غائظين، فانفتق علينا فتقٌ لم يمكنا له رتق، وما كنا للغيب حافظين. وبعد فاسأل أهل الحل والعقد، والتمييز والنقد، فعند جهينتهم تلقى الخبر يقينا، وقد رضينا بحكمهم يؤثمنا فيوبقنا أو يبرئنا فيقينا، إيه يا من اشرأب إلى ملامنا، وقدح حتى في إسلامنا، رويداً رويداً، فقد وجدت قوةً وأيداً، ويحك إنما طال لسانك علينا، وامتد بالسوء
стр. 2560
إلينا لأن الزمان لنا مصغر ولك مكبر، والأمر عليك مقبل وعنا مدبر، كما قال كاتب الحجاج الموبر، وعلى الجملة فهبنا صرنا إلى تسليم مقالك جدلاً، وذهبنا فأقررنا بالخطإ في كل ورد وصدر، فلله در القائل (١) :
" إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر " ... وكأنا بمعتسف إذا وصل إلى هنا، وعدم إنصافه يعلمه إلهنا، قد ازور متجانفاً، ثم افتر متهانفاً، وجعل يتمثل بقولهم: إذا عيروا قالوا مقادير قدرت، وبقولهم: المرء يعجزه المحال، فيعارض الحق بالباطل، والحالي بالعاطل، ومنزع بقول القائل: رب مسمع هائل، وليس تحته [من] طائل، وقد فرغنا أول أمس من جوابه، وتركنا الضغن يلصق حرارة (٢) الجوى به. وسنلم الآن بما يوسعه تسكيتاً، ويقطعه تبكيتاً، فنقول له: ناشدناك الله تعالى، هل اتفق لك قط وعرض، خروج أمر ما عن القصد منك فيه والغرض مع اجتهادك أثناءه في إصدارك وإيرادك، في وقوعه على وفق اقتراحك ومرادك، أو جميع ما تزاوله بإدارتك، ل يقع إلا مطابقاً لإرادتك، أو كل ما تقصده وتنويه، تحرزه كما تشاء وتحويه فلا بد أن يقر اضطراراً، بأن مطلوبه يشذ عنه مراراً، بل كثيراً ما يفلت صيده من أشراكه. ويطلبه فيعجز عن إدراكه، فنقول: ومسألتنا من هذا القبيل، أيها النبيه النبيل، ثم نسرد له من الأحاديث النبوية ما شينا، مما يسايرنا في غرضنا ويماشينا، كقوله ﷺ " كل شيء بقضاء وقدر، حتى العجز والكيس " وقوله أيضاً " لو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه " أو كما قال، ﷺ ،