فويل أهل القلى من حيّة ذكرٍ للمتلئبّ المهام المجر ملتقم
راموا عداوة من إن شاء غادرهم من الأحاديث عن عادٍ وعن إرم
فسوف يأكلهم من جيشه لجبٌ بكلّ قرمٍ إلى لحمانهم قرم
وإنّ آلاعراب إذ ساروا لغايته لسائرون إلى لقمٍ على لقم
وهم كما قاله ماضٍ " أرى قدمي بسعيه نحو حتفي قد أراق دمي "
فقل إذاً للمناوي الناو لان أذىً يا غرّ غرك ما أبصرت في الحلم
له صوارم لو ناجتك ألسنها لبشّرتك بعمرٍ منك منصرم
وأنّ روحك عن قربٍ سيقبضه قبض المسلّم ما قد حاز من سلم
فهو الذي ما له ندٌّ يشابهه من كلّ متّصفٍ بالدهي متّسم
يدبّر الأمر تدبيراً يخلّصه ممّا عسى أن يرى فيه من الوهم
ويبصر الغيب لحظ الذهن منه إذا تعمى عن آدراكه ألحاظ كلّ عمي
وينعم النّظر المفضي بناظره لصوب وجه صواب واضح اللقم
ذو منطقٍ لم تزل تجلو نتائجه عن مبطل بخصام المبطل الخصم
ومسمعٍ ليس يصغي للوشاة فلم ينفق لديه الذي عنهم إليه نمي
فعقله لا توازيه العقول، وهل يوازن الطود ما قد طال من أكم
إيهٍ جميع الورى من بدو آو حضر نداء مرتبط بالنّصر مرتسم
شدوا وجدّوا ولا تعنوا ولا تهنوا قد لفّها الليل بالسّوّاقة الحطم
هذا الإمام المريني السعيد له سعدٌ يؤيده في كل مصطدم
قد أقسمت أنّه المنصور ألسنةٌ من نخبة الأوليا مبرورة القسم
فشيّعوه ووالوه تروا عجباً وتظفروا معه بالأجر والغنم
والحمد لله إذ أبقى خلافته كهفاً لنا من يخيّم فيه لم يرم
حرز حريزٌ وعزٌّ قائمٌ وندىً غمرٌ دراكٌ بلا منّ ولا سأم
دامت ودام لها سعدٌ يساعدها في كلّ مبتدإ منه ومختتم
فالله عزّ اسمه قد زانها بحلىً من غرّ أمداحه كالدّرّ في النّظم
стр. 2557
الواهب الألف بعد الألف من ذهبٍ كالجمر يلمع في مستوقد الضّرم
والفاعل الفعل لم يهمم به أحدٌ والقائل القول فيه حكمة الحكم
ذاكم هو الشيخ فاعجب أنّه هرمٌ جوداً وحاشاه أن يعزى إلى هرم
وحسبنا أن أيدينا به اعتصمت من حبله بوثيقٍ غير منفصم
فما مخالفه يوماً بمضطهدٍ ولا مؤالفه يوماً بمهتضم
ولا موافيه في جهدٍ بمطّرحٍ ولا مصافيه في ودٍّ بمتّهم
ولا محيّا محيّيه بمنكسفٍ ولا رجاء مرجّيه بمنخرم
وما تكرّمه سرّاً بمنكشفٍ ولا تنكّره جهراً بمكتتم
وليس لامح مرآه بمكتئبٍ وليس راضع جدواه بمنفطم
ولا مقبّل يمناه الكريمة في محلّ ممتهنٍ بل دست محترم
وما وسيلتنا العظمى إليه سوى ما ليس ينكر ما فيها من العظم
وإنما هي وما أدراك ما هي من وسيلةٍ ردّها أدهى من الوخم
نبيّنا المصطفى الهادي بخير هدىً محمّدٌ خير خلق الله كلّهم
داعي الورى من أولي خيم وأهل قرى إلى طريق رشادٍ لاحبٍ أمم
عليه منّا صلاة الله ما ذكرت ... " أمن تذكّر جيرانٍ بذي سلم " (١) وما تشفّع فيها بالشّفيع له دخيل حرمته العلياء في الحرم
ربنا ظلمكنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم، نعم المولى ونعم النصير.
أما بعد حمد الله الذي لا يحمد على السراء والضراء سواه، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الذي طلع طلوع الفجر بل البدر فلاح، يدعو إلى سبيل
стр. 2558
كل فلاح، أولي قلوب غافلة ونفوس سواه، والرضى عن آله وأصحابه وعترته الأكرمين وأحزابه الذين تلقوا بالقبول ما أورده عليهم من أوامر ونواه، وعزروه ونصروه في حال قربه ونواه، فيما مولانا الذي أولانا من النعم ما أولانا لا حط الله تعالى لكم من العزة رواقاً، ولا أذوى لدوحة دولتكم أغصاناً ولا أوراقاً، ولا زالت مخضرة العود، مبتسمةً عن زهرات البشائر متحفة بثمرات السعود، ممطورة بسحائب البركات المتداركات دون بروق ولا رعود، هذا مقام العائذ بمقامكم، المتعلق بأسباب ذمامكم، المترجي لعواطف قلوبكم وعوارف إنعامكم، المقبل الأرض تحت أقدامكم، المتلجلج اللسان عند محاولة مفاتحة كلامكم، وما الذي يقول من وجهه خجل، وفؤاده وجل، وقضيته المقضية عن لتنصل والاعتذار تجل، بيد أني أقول لكم ما أقوله لربي واجترائي عليه أكثر، واحترامي إليه أكبر: اللهم لا بريء (١) فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، لكني مستقيل، مستنيل مستعتب مستغفر " وما أبرّئ نفسي، إنّ النّفس لأمّارةٌ بالسّوء "، هذا على طريق التنزل والإنصاف، بما تقتضيه الحال ممن يتحيز إلى حيز الإنصاف، وأما على جهة التحقيق، فأقول ما قالته الأم ابنة الصديق (٢) : " والله إني لأعلم أني إن أقررت بما يقوله الناس والله يعلم أني منه بريئة لأقول ما لم يكن، ولئن أنكرت ما تقولون لا تصدقوني، فأقول ما قاله أبو يوسف: صبر جميل والله المستعان على ما تصفون ". على أني لا أنكر عيوبي فأنا معدن العيوب، ولا أجحد ذنوبي فأنا جبل الذنوب، إلى الله أشكو عجري وبجري، وسقطاتي وغلطاتي، نعم كل شيء ولا ما يوله المتقول، المشنع المهول، الناطق بفم الشيطان المسول، ومن أمثالهم " سبني واصدق، ولا تفتر ولا تخلق "، أفمثلي كان يفعل أمثالها، ويحتمل من الأوزار أحمالها ويهلك نفسه ويحبط أعمالها، عياذاً بالله
стр. 2559
من خسران الدين، وإيثار الجاحدين والمعتدين، قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، وايم الله لو علمت شعرة في فودي تميل إلى تلك الجهة لقطعتها، بل لقطفت ما تحت عمامتي من هامتي وقطعتها، غير أن الرعاع في كل وقت وأوان، للملك أعداء وعليه أحزاب وأعوان، كان أحمق أو أجهل من أبي ثروان (١) ، أو أعقل أو أعلم من أشج بني مروان (٢) ، رب متهم بري ومسربلٍ بسربال وهو منه عري، وفي الأحاديث صحيح وسقيم، ومن التراكيب المنطقية منتج وعقيم، ولكن ثم ميزان عقل، تعتب ربه أوزان النقل، وعلى الراجح الاعتماد، ثم إشاعة الأحماد، المتصل المتماد، وللمرجوح الاطراح، ثم التزام (٣) الصراح، بعد النفض من الراح، وأكثر ما تسمعه الكذب، وطبع جمهور الخلق إلا من عصمه الله تعالى إليه منجذب، ولقد قذفنا من الأباطيل بأحجار، ورمينا بما لا يرمى به الكفار، فضلاً عن الفجار، وجرى من الأمر المنقول على لسان زيد وعمر ما لديكم منه حفظ الجار، وإذا عظم الإنكاء، فعلى تكاءة التجلد الاتكاء، أكثر المكثرون، وجهد في تعثيرنا المتعثرون، ورمونا عن قوس واحدة، ونظمونا في سلك الملاحدة، أكفراً أيضاً كفراً، غفراً (٤) اللهم غفراً، أعد نظراً يا عبد قيس، فليس الأمر على ما خيل لك ليس، وهل زدنا على أن طلبنا حقنا، ممن رام محقه ومحقنا، فطاردنا في سبيله عداة كانوا لنا غائظين، فانفتق علينا فتقٌ لم يمكنا له رتق، وما كنا للغيب حافظين. وبعد فاسأل أهل الحل والعقد، والتمييز والنقد، فعند جهينتهم تلقى الخبر يقينا، وقد رضينا بحكمهم يؤثمنا فيوبقنا أو يبرئنا فيقينا، إيه يا من اشرأب إلى ملامنا، وقدح حتى في إسلامنا، رويداً رويداً، فقد وجدت قوةً وأيداً، ويحك إنما طال لسانك علينا، وامتد بالسوء
стр. 2560
إلينا لأن الزمان لنا مصغر ولك مكبر، والأمر عليك مقبل وعنا مدبر، كما قال كاتب الحجاج الموبر، وعلى الجملة فهبنا صرنا إلى تسليم مقالك جدلاً، وذهبنا فأقررنا بالخطإ في كل ورد وصدر، فلله در القائل (١) :
" إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر " ... وكأنا بمعتسف إذا وصل إلى هنا، وعدم إنصافه يعلمه إلهنا، قد ازور متجانفاً، ثم افتر متهانفاً، وجعل يتمثل بقولهم: إذا عيروا قالوا مقادير قدرت، وبقولهم: المرء يعجزه المحال، فيعارض الحق بالباطل، والحالي بالعاطل، ومنزع بقول القائل: رب مسمع هائل، وليس تحته [من] طائل، وقد فرغنا أول أمس من جوابه، وتركنا الضغن يلصق حرارة (٢) الجوى به. وسنلم الآن بما يوسعه تسكيتاً، ويقطعه تبكيتاً، فنقول له: ناشدناك الله تعالى، هل اتفق لك قط وعرض، خروج أمر ما عن القصد منك فيه والغرض مع اجتهادك أثناءه في إصدارك وإيرادك، في وقوعه على وفق اقتراحك ومرادك، أو جميع ما تزاوله بإدارتك، ل يقع إلا مطابقاً لإرادتك، أو كل ما تقصده وتنويه، تحرزه كما تشاء وتحويه فلا بد أن يقر اضطراراً، بأن مطلوبه يشذ عنه مراراً، بل كثيراً ما يفلت صيده من أشراكه. ويطلبه فيعجز عن إدراكه، فنقول: ومسألتنا من هذا القبيل، أيها النبيه النبيل، ثم نسرد له من الأحاديث النبوية ما شينا، مما يسايرنا في غرضنا ويماشينا، كقوله ﷺ " كل شيء بقضاء وقدر، حتى العجز والكيس " وقوله أيضاً " لو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه " أو كما قال، ﷺ ،
стр. 2561
فأخلق أن يلوذ بأكناف الإحجام، ويزم على نفثة فيه كأنما ألجم بلجام، حينئذٍ نقول له والحق قد أبان وجهه وجلاه، وقهره بحجته وعلاه: ليس لك من الأمر شيء قل إن الأمر كله لله، وفي محاجة آدم وموسى ما يقطع لسان الخصم، ويرخص عن أثواب أعراضنا ما عسى أن يعلق بها من درن الوصم، وكيفما كانت الحال، وإن ساء الرأي والانتحال، ووقعنا في أوجال وأوحال، فثل عرشنا، وطويت فرشنا، ونكس لوانا، وملك مثوانا، فنحن أمثل من سوانا، وفي الشر خيار، ويد اللطائف تكسر من صولة الأغيار، فحتى الآن لم نفقد من اللطيف تعالى لطفاً، ولا عدمنا أدوات أدعية تعطف بلا مهلة على جملتنا المقطوعة جمل النعم الموصولة عطفاً، وإلا فتلك بغداد دار السلام، ومتبوأ الإسلام، المحفوف بفرسان السيوف والأقلام، مثابة الخلافة العباسية، ومقر العلماء والفضلاء أولي السير الأويسية (١) ، والعقول الإياسية (٢) ، قد نوزلت بالجيوش ونزلت، وزوولتت بالزحوف وزلزلت، وتحيف جوانبها الجيف، ودخلها كفار التتار عنوة بالسيف، ولا تسل إذ ذاك عن كيف، أيام تجلت عروس المنية كاشفة عن ساقها مبدية، وجرت الدماء في الشوارع والطرق كالأنهار والأودية، وقيد الأئمة والقضاة تحت ظلال السيوف المنتضاة بالعمائم في رقابهم والأردية، وللنجيع سيول، تخوضها الخيول، فتخضبها إلى أرساغها، وتهم ظماؤها بوردها فتنكل عن تجرعها ومساغها، فطاح عاصمها ومستعصمها، وراح ولم يعد ظالمها ومتظلمها، وخربت مساجدها وديارها، واصطلم بالحسام أشرارها وخيارها، فلم يبق من جمهور أهلها عين تطرف، حسبما عرفت أو حسبما تعرف، فلا تك متشككاً متوقفاً، فحديث تلك الواقعة الشنعاء أشهر عند المؤرخين من قفا، فأين تلك الجحافل، والآراء المدارة في المحافل حين أراد الله تعالى
стр. 2562
بإدالة الكفر، لم تجد ولا قلامة ظفر، فمن سلمت له نفسه التي هي رأس ماله، وعياله وأطفاله اللذان هما من أعظم آماله، وكل أو جل أو أقل (١) رياشه، وأسباب معاشه الكفيلة بانتهاضه وانتعاشه، ثم وجد مع ذلك سبيلاً إلى الخلاص، في حال مياسرة ومساهلة دون تعصب واعتياص، بعد أن ظن كل الظن أن لا محيد ولا مناص، فما أحقه حينئذٍ وأولاه، أن يحمد خالقه ورازقه ومولاه، على ما أسداه غليه من رفده وخيره، ومعافاته مما ابتلي به كثير من غيره، ويرضى بكل إيراد وإصدار، تتصرف فيهما الأحكام الإلهية والأقدار، فالدهر غدار، والدنيا دار مشحونة بالأكدار، والقضاء لا يرد، ولا يصد، ولا يغالب، ولا يطالب، والدائرات تدور، ولا بد من نقص وكمال للبدور، والعبد مطيع لا مطاع، وليس يطاع إلا المستطاع، وللخالق القدير جلت قدرته في خليقته علم غيبٍ للأذهان عن مداه انقطاع.
ومالي والتكلف لما لا أحتاج إليه من هذا القول، بين يدي ذي الجلالةالمجادة والفضل والطول فله من العقل الأرجح، ومن الخلق الأسجح، ما لا تلتاط معه تهمتي بصفره (٢) ، ولا تنفق عنده وشاية الواشي لا عد من نفره، ولا فاز قدحه بظفره، والمولى يعلم أن الدنيا تلعب باللاعب، وتجر براحتها إلى المتاعب، وقديماً للأكياس من الناس خدعت، وانحرفت عن وصالهم أعقل ما كانوا وقطعت، وفعلت بهم ما فعلت بيسار الكواعب تلك التي جبت وجدعت، ولئن رهصت وهصرت، فقد نبهت وبصرت، ولئن قرعت وأمعضت، لقد ارشدت ووعظت، ويا ويلنا من تنكرها لنا بمرة، ورميها لنا في غمرةٍ أي غمرة، أيام قلبت لنا ظهر المجن، وغيم أفقها المصحي وادجن، فسرعان ما عاينا حبالها منيتة، ورأينا منه مالم نحتسب كما تقوم الساعة بغتة، فمن استعاذ من شيء
стр. 2563
فليستعذ مما صرنا إليه من الحور بعد الكور، والانحطاط من النجد إلى الغور:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقةٌ تتنصّف (١) فأفٍّ لدنيا لا يدوم نعيمها تقلّب تاراتٍ بنا وتصرّف
وأبيها لقد أرهقتنا إرهاقاً، وجرعتنا من صاب الأوصاب كأساً دهاقاً، ولم نفزع إلى غير بابكم المنيع الجناب، المنفتح حين سدت الأبواب، ولك نلبس غير لباس نعمائكم حين خلعنا ما ألبسنا الملك من الأثواب، وإلى أمه يلجأ الطفل لجأ اللهفان، وعند الشدائد تمتاز السيوف في الأجفان من الأجفان، ووجه الله تعالى يبقى وكلّ من عليها فانٍ، وإلى هنا ينتهي القائل ثم يقول: حسبي هذا وكفان.
ولا ريب في اشتمال العلم الكريم، على ما تعارفته الملوك بينها في الحديث والقديم، من الأخذ باليد عند زلة القدم، وقرع الأسنان وعض البنان من الندم، ديناً تدينت حتى مع اختلاف الأديان، وعادة اطردت فيهم على تعاقب الأزمان والأحيان.
ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة خير فيها، وأعطى من أمانه المؤكد فيه خطه بأيمانه ما يقنع النفوس ويكفيها، فلم نر ونحن من سلالة الأحمر، مجاورة الصفر، ولا سوغ لنا الإيمان الإقامة بين ظهراني الكفر، ما وجدنا عن ذلك مندوحة ولو شاسعة، وأمنا من المطالب المشاغب حمة شرٍ لنا لاسعة، وادكرنا أي ادكار، قول الله تعالى المنكر لذلك غاية الإنكار " ألم تكن أرض الله واسعة " وقول الرسول، ﵊، المبالغ في ذلك بأبلغ الكلام " أنا بريء من مؤمن مع كافر لا تتراءى ناراهما " (٢) وقول الشاعر الحاث على
стр. 2564
حث المطية، المتثاقلة عن السير في طريق منجاتها البطية:
وما أنا والتلدّد نحو نجد ... وقد غصّت تهامة بالرجال ووصلت أيضاً من الشرق إلينا، كتبٌ كريمة المقاصد لدينا، تستدعي الانحياز إلى تلك الجنبات، وتتضمن ما لا مزيد عليه من الرغبات، فلم نختر إلا دارنا التي كانت دار آبائنا من قبلنا، ولم نرتض الإنضواء إلا لمن بحبله وصل حبلنا، وبريش نبله ريش نبلنا، إدلالاً على محل إخاء متوارث لا عن كلالة، وامتثالاً لوصاة أجداد لأنظارهم وأقدارهم أصالة وجلالة، إذ قد روينا عمن سلف من أسلافنا، في الإيصاء لمن يخلف بعدهم من أخلافنا، أن لا يبتغوا إذا دهمهم داهم بالحضرة المرينية بدلاً، ولا يجدوا عن طريقها في التوجه إلى فريقها (١) معدلاً، فاخترقنا إلى الرياض الأريضة الفجاج، وركبنا إلى البحر الفرات ظهر البحر الأجاج، فلا غرو أن نرد منه على ما يقر العين، ويشفي النفس الشاكية من ألم البين، ومن توصل هذا التوصل، وتوسل بمثل ذلك التوسل، تطارحاً على سدة أمير المؤمنين، المحارب للمحاربين، والمؤمن للمستأمنين، فهو الخليق الحقيق بأن يسوغ أصفى مشاربه، ويبلغ أوفى مآربه، على توالي الأيام والشهور والسنين، ويخلص من الثبور إلى الحبور، ويخرج من الظلمات إلى النور، خروج الجنين، ولعل شعاع سعادته يفيض علينا، ونفحة قبول إقباله تسري إلينا، فتخامرنا أريحية تحملنا على أن نبادر، لإنشاد قول الشريف الرضي في الخليفة القادر (٢) :
عطفاً أمير المؤمنين فإنّنا ... في دوحة العلياء لا نتفرّق
ما بيننا يوم الفخار تفاوتٌ ... أبداً، كلانا في المعالي معرق
إلاّ الخلافة ميّزتك، فإنّني ... أنا عاطلٌ منها وأنت مطوّق
стр. 2565
لا بل الأحرى بنا والأحجى، والأنجح لسعينا والأرجى، أن نعدل عن هذا المنهاج، ويقوم وافدنا بين يدي علاه مقام الخاضع المتواضع الضعيف المحتاج، وينشد ما قال في الشيرازي ابن حجاج (١) :
الناس يفدونك اضطراراً ... منهم، وأفديك باختياري
وبعضهم في جوار بعضٍ ... وأنت حتى أموت جاري
فعش لخبزي وعش لمائي ... وعش لداري وأهل داري ونستوهب من الوهاب تعالى جلت أسماؤه، وتعاظمت نعماؤه، رحمةً تجعل في يد الهداية أعنتها، وعصمةً تكون في مواقف المخاوف جنتنا، وقبولاً يعطف علينا نوافر القلوب، وصنعاً يسني لنا كل مرغوب ومطلوب، ونسأله وطالما بلغ السائل سؤالاً ومأمولاً، متاباً صادقاً على موضوع الندم محمولاً، ثم عزاءً حسناً وصبراً جميلاً، عن أرض أورثها من شاء من عباده معقباً لهم ومديلاً، وسادلاً عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولاً " سنة الله التي قد خلت من قيل ولن تجد لسنة الله تبديلاً " فليطر طائر الوسواس المرفرف مطيراً، كان ذلك في الكتاب مسطوراً، لم نستطع عن مورده صدوراً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
ألا وإن لله سبحانه، في مقامكم العلي الذي أيده وأعانه، سراص من النصر يترجم عنه لسان من النصل، وترجع فروع البشائر الصادقة، بالفتوحات المتلاحقة، من قاعدته المتأصلة، إلى أصل، فبمثله يجب اللياذ، والعياذ، ولشبهه يحق الالتجاء، والارتجاء، ولأمر ما آثرناه واخترناه، بعد أن استرشدنا الله سبحانه واستخرناه، ومنه ﷻ نرغب أن يخير لنا ولجميع المسلمين ويأوينا من حمايته ووقايته إلى معقل منيع وجناب رفيع أمين، آمين آمين، ونرجو أن يكون ربنا، الذي هو في جميع الأمور حسبنا، قد خار لنا حيث أرشدنا وهدانا،
стр. 2566
وساقنا توفيقه وحدانا، إلى الإستجارة بملك حفي، كريم وفي، أعز جاراً من أبي داوود، وأحمى أنفاً من الحارث بن عباد، يشهد بذلك الداني والقاصي والحاضر والباد، إن أغاث ملهوفاً فما الأسود ابن قنان يذكر، وإن أنعش حشاشة هالكٍ فما كعب بنم مامة (١) على فعله وحده يشكر، جليسه كجليس القعقاع ابن شور (٢) ، ووذاكره كمذاكر سفيان المنتسب من الرباب إلى ثور (٣) ، إلى التحلي بأمهات الفضائل، التي أضدادها أمهات الرذائل، وهي الثلاث: الحكمة والعدل والعفة التي تشملها الثلاثة الأقوال والأفعال والشمائل، وينشأ منها ما شئت من عزم وحزم، وعلم وحلم، وتيقظ وتحفظ، واتقاء وارتقاء، وصول وطول، وسماح ونائل، فبنور حلاه المشرق، يفتخر المغرب على المشرق، وبمحتده السامي خطره في الأخطار، وبيته الذي ذكره في النباهة والنجابة قد طار، يباهي جميع ملوك الجهات والأقطار، وكيف لا وهو الرفيع المنتمى والنجار، الراضع من الطهارة صفو ألبان، الناشئ من السراوة وسط أحجار، في ضئضئ المجد وبحبوح الكرم، وسراوة أسرة المملكة التي أكنافها حرم، وذؤابة الشرف التي مجاذبتها لم ترم، من معشر أي معشر بخلوا إن وهبوا ما دون أعمارهم، وجبنوا إن لم يحموا سوى ذمارهم، بنو مرين، وما أدراك ما بنو مرين:
سمّ العداة وآفة الجزر (٤) ...
النازلون بكلّ معتركٍ ... والطيبون معاقد الأزر لهم من الهفوات انتفاء، وعندهم من السير النبوية اكتفاء، انتسبوا إلى بر
стр. 2567
ابن قيس، فخرجوا في البر عن القيس (١) ، ما لهم القديم المعروف، قد نفد في سبيل المعروف، وحديثهم الذي نقلته رجال الزحوف، من طرق القنا والسيوف، على الحسن من المقاصد موقوف، تحمد من صغيرهم وكبيرهم ولدنهم، فلله آباء أنجبوهم وأمهات ولدنهم:
شمّ الأنوف من الطراز الأوّل (٢) ... إليهم في الشدائد الاستناد وعليهم في الأزمات المعول، ولهم في الوفاء والصفاء والاحتفاء والعناية والحماية والرعاية الخطو الواسع والباع الأطول، كأنما عناهم بقوله جرول (٣) :
أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا
وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا
وتعذلني أبناء سعدٍ عليهم ... وما قلت إلاّ بالتي علمت سعد وبقوله الوثيق مبناه، البليغ معناه (٤) :
قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا (٥) يزيحون عن النزيل كل نازح قاصم، وليس له منهم عائب ولا واصم، فهم أحق بما قاله في منقر قيس بن عاصم (٥) :
стр. 2568
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جوارهم فطن حلاهم هذه الغريزة التي ليست باستكراه ولا جعل، وأمير المؤمنين دام نصره قسيمهم فيها حذو النعل بالنعل، ثم هو عليهم وعلى من سواهم بالأوصاف الملوكية مستعل، ارفض مزنهم منه عن غيث ملثٍ يمحو آثار اللزبة، وانشق غيلهم منه عن ليث ضارٍ متقبض على براثنه للوثبة، فقل لسكان الفلا: لا تغرنكم أعدادكم وأمدادكم، فلا يبالي السرحان المواشي سواء مشى إليها النقرى أو الجفلى (١) ، بل يصدمهم صدمة تحطم منهم كل عرنين، ثم يبتلع بعد أشلائهم المعفرة ابتلاع التنين، فهو كما عرفوه، وعهدوه وألفوه، أخو المنايا، وابن جلا وطلاع الثنايا، مجتمع أشده، قد احتنكت سنه وبان رشده، جاد مجد، محتزم بحزام الحزم مشمر عن ساعد الجد:
لا يشرب الماء إلا من قليب دم ... ولا يبيت له جار على وجل (٢) أسدي القلب آدمي الرواء، لابس جلد النمر يزوي العناد والنواء (٣) :
وليس بشاوي (٤) عليه دمامة ... إذا ما سعى يسعى بقوس وأسهم ولكنه يسعى عليه مفاضة دلاص كأعيان الجراد المنظم
فالنجاء النجاء سامعين له طائعين، والوحى الوحى (٥) لاحقين به خاضعين، قبل أن تساقوا إليه مقرنين في الأصفاد، ويعيا الفداء بنفائس النفوس والأموال على الفاد، حينئذ يعض ذو الجهل والفدامة، على يديه حسرة وندامة، إذا رأى
стр. 2569
أبطال الجنود، تحت خوافق الرايات والبنود، قد لفحتهم نار ليست بذات خمود، وأخذتهم صاعقة مثل صاعقة الذين من قبلهم عاد وثمود، زعقات تؤز الكتائب أزاً، وهزاً محققاً للخيل بعد المد المشبع للأعنة همزاً (١) ، وسلاً للهندية سلاً وهزاً للخطية هزاً، حتى يقول النسر للذئب: " هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً "، ثق خليفة الله بذاك، في كل من رام أذى رعيتك أو أذاك، فتلك عادة الله في ذوي الشقاق والنفاق، الذين يشقون عصا المسلمين ويقطعون طريق الرفاق، وينصبون حبائل البغي والفساد في جميع النواحي والآفاق، فلم يجعلهم الله من الآمنين، أنى وكيف وقد أفسدوا وخانوا وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين، وها نحن قد وجهنا إلى كعبة مجدكم وجوه صلوات التقديس والتعظيم، بعدما زينا معاطفها باستعطافكم بدر سناء أبهى من در العقد النظيم، منتظمين في سلك أوليائكم، متشرفين بخدمة عليائكم، ولا فقد عزة ولا عدمها، من قصد مثابتكم العزيزة وخدمها، وإن المترامى على سنائكم، لجدير بحرمتكم واعتنائكم، وكل ملهوف تبوأ من كنفكم حصناً حصيناً، عاش بقية عمره محروساً من الضيم مصوناً، وقد قيل في بعض الكلام: من قعدت به نكاية الأيام، أقامته إغاثة الكرام، ومولانا أيده الله تعالى ولي ما يزفه إلينا من مكرمة بكر، ويصنعه لنا من صنيع حافل يخلد في صحائف حسن الذكر، ويروي معنعن حديث حمده، وشكره طرس عن قلم عن بنان عن لسان عن فكر، وغيره من ينام عن ذلك فيوقظ، ويسترسل مع الغفلة حتى يذكر ويوعظ، وما عهد منذ وجد إلا سريعاً إلى داعي الندى والتكرم، بريئاً من الضجر بالمطال والتبرم، حافظاً للجار الذي أوصى النبي، ﷺ ، بحفظه، مستفرغاً وسعه في رعيه المستمر ولحظه، آخذاً من حسن الثناء في جميع الأوقات والآناء بحظه:
стр. 2570
فهو من دوحة السنا فرع عز ... ليس يحتاج مجتنيه لهز
كفه في الأمحال أغزر وبل ... وذراه في الخوف أمنع حرز
حلمه يسفر اسمه لك عنه ... فتفهم يا مدعي الفهم لغزي
لا تسله شيئاً ولا تستنله ... نظرة منه فيك تغني وتجزي
فنداه هو الفرات الذي قد ... عام فيه الأنام عوم الأوز
وحماه هو المنيع الذي تر ... جع عنهالخطوب مرجع عجز
فدعوا ذهنه يزاول قولي ... فهو أدرى بما تضمن رمزي
دام يحيا بكل صنع ومل ... ويعافى من كل بؤس ورجز وكأنا به قد عمل على شاكلة جلاله، من مد ظلاله، وتمهيد حلاله، وتلقى ورودنا بحسن تهلله واستهلاله، وتأنيسنا بجميل قبوله وإقباله، وإيرادنا على حوض كوثره المترع بزلاله، والله سبحانه يسعد مقامه العلي ويسعدنا به في حله وارتحاله، ومآله وحاله، ويؤيد جنده المظفر ويؤيدنا بتأييده على نزال عدوه واستنزاله، وهز الذوابل لإطفاء ذباله، وهو المسؤول أن يريه قرة العين في نفسه وأهله وخدامه وأمواله، وأنظاره وأعماله، وكافن شؤونه وأحواله، وأحق ما نصل بالسلام وأولى، على المقام الجليل مقام الخليفة المولى، أزكى الصلاة والسلام على خاتمة أنبياءه وأرساله، سيدنا ومولانا محمد، ﷺ وعلى جميع أصحابه وآله، صلاة وسلاماً دائمين أبداً موصولين بدوام الأبد واتصاله، ضامنين لمجددهما ومرددهما صلاح فاسد أعماله، وبلوغ غاية آماله، وذلك بمشيئة الله تعالى وإذنه وفضله وإفضاله، انتهى.
[ترجمة محمد العربي كاتب الرسالة نقلاً عن الوادي آشي]
وكاتب هذه الرسالة على لسان السلطان المخلوع، قال الوادي آشي في حقه (١) :
стр. 2571
إنه إمام الصناعة، وفارس حلبة القرطاس واليراعة، وواسطة عقد البلاغة والبراعة الذي قطف الكمال لما نور، ورتب محاسن البديع في درر فقره وطور، وغرف من بحر عجاج، واقتطف من خاطر وهاج، أبو عبد الله محمد بن عبد الله العربي العقيلي، وما أحسن قوله فيمن قد ظفر به المسلمون:
ألا رب مغرور تنصر ضلة ... فحاق به شؤم الضلال وشره
فإن يرتفع عند النصارى بالابتدا ... فكم عندنا من حرف حبل يجره وقال الوادي آشي أيضاً في موضع آخر ما نصه: ولشاعر العصر، ومالك زمامي النظم والنثر، والفقيه العالم المتقن المتفنن العارف الأوحد النبيه النبل، سيدي محمد العربي وصلى الله تعالى رفعة قدره، وحرس من غير الأيام أشعة بدره (١) :
الحب في جمهور أنواره ... فأين الإخوان والأحباب
وأين أين الإجتماعات، قد ... تهيأت لهن الأسباب
وأين بنت الجبن مهما بدت ... طارت إليها شوقاً الباب
وأين الألبان لأكوابها ... في برم الأرز تسكاب
واللحم بالبسباس قد ألفت ... لطبخه في القدر الأحطاب
والعود ذو دندنة يطبي ... آثارها للطاري دبداب
وملح الأصوات قد طورحت ... وجاء معبدٌ وزرياب (٢)
وفض للهو ختام ولم ... يسد في وجه الهوى باب
وقيل للوقار قم قبل أن ... تسلب عنك الآن الاثواب
وكلّ إنسانٍ وما يشتهي ... ليس على مناه حجاب
стр. 2572
مسترسلاً ليس له عذل ... كلا ولا عليه رقاب
في راحة خلعت أرسانها ... لمثلها تعصر الأعناب
فكل بستان قد استأسدت ... فيه النواوير والاعشاب
وأطلع التراب أدواحه ... كأنها العرب الاتراب
لما تحلت بحلى زهرها ... داخلها بالحسن الاعجاب
عرائس ليس لها في سوى ... ماية أو ينية خطاب
أيام تبدي ثمرات بدا ... في جنباتهن الارطاب
كأنه في العيتن يافوت أو ... كأنه في الفم جلاب
هيهات هيهات أمان لها ... خلب برق لك خلاب
ما حوت الرؤوس أمثالها ... فكيف تحويهن الأذناب
قد عاق عن ذلك دهر به ... تعدم الأفراح والأطراب
يروم الإنسان غلاباً له ... والدهر للإنسان غلاب وقال رحمه الله تعالى لما نزل النصارى لمحاصرة غرناطة:
بالطبل في كل يوم ... وبالنفير نراع
وليس من بعد هذا ... وذاك إلا القراع
يا رب جبرك يرجو ... من هيض منه الذراع
لا تسلبني صبراً ... منه لقلب ادراع وله رحمه الله تعالى في الموشحات اليد الطولى، فمن ذلك قوله:
بدر أهل الزمان ... الرفيع القدر
لا تزل في أمان ... من كسوف البدر
стр. 2573
هل يصح الأمان ... من شبيه البدر
وهو مثل الزمان ... منتم للغدر
لم يغر الأغر ... غير غمر جاهل
عيشه الحلو مر ... وهو فيه ناهل
والصبا الغض مر ... وهو عنه ذاهل
مرشف البهرمان ... فوق ثغر الدرر
مطمع للأمان ... باقتراب الدر وعارض رحمه الله تعالى بهاتين الموشحتين الموشحة المشهورة:
ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان ... وحواه صدري وممن عارض هذه الموشحة ابن أرقم إذ قال:
مبسم البهرمان ... في المحيا الدري
صاد قلبي وبان ... وأنا لم أدري والإنصاف أن معارضة العربي أحسن من هذه.
وله أيضاً معارضتان غير ماتقدم: الأولى قوله:
بان لي ثم بان ... ذا خدود حمر
ينثني مثل بان ... في ثياب خضر والثانية قوله:
هل لمرآك ثان ... في ثناه الدري
أو لحوباه ثان ... عن هواها العذري
стр. 2574
يا مليحاً جلا ... عن محيا جميل
همت فيه ولا ... هيمان جميل
مل قليلاً إلى ... من إليك يميل
عاشق فيك فان ... كاتم للسر
لك منه مكان ... في صميم الصدر ومن نظم العربي المذكور لما عرض عليه السلطان رياسة كتابه من قصيدة:
أوجه سعدى انحط عنه اللثام ... أم بدر أفق فض عنه الغمام
أم أنا في حالي لا عقل لي ... أم حلم قد لاح لي في المنام
يا لك مرأى من رأى حسنه ... هيج للقلب غراماً فهام
كأنما أقبس نور البها ... من وجه مولانا الإمام الهمام
ابن أبي الحسن الأسرى الذي ... قد كان للأملاك مسك الختام
ضرغام قد (١) أنجب شبهاً له ... في صدق بأس ومضاء اعتزام
حام وسام فأفاعيله ... تنقلها أبناء سام وحام
دام له النصر الذي جاءه ... والسيف من طلى أعاديه دام
فيا أمير المؤمنين الذي ... له بعروة اليقين اعتصام
أبشر بجد مقبل لم يؤل ... إلى انصراف لا ولا لانصرام
وعزة لم يفض بنيانها ... إلى انهداد لا ولا لانهدام
لله منك ملك جنده ... زهر النجوم (٢) وهو بدر التمام ومنها:
يطرب من مادحه مثلما ... يطرب قلب الصب سجع الحمام
стр. 2575
فيفعل الشعر بأعطافه ... ما ليس تفعل بهن المدام
وإن حكى في حسنه يوسفاً ... فمدحه يشبه زهر الكمام ومنها:
فداره ليست ببغدادهم ... مع أنها تدعى بدار السلام ومنها:
أسأله الإعفاء من كل ما ... أعجز عن حمل له والتزام ومنها:
مستشفعاً له بخير الورى ... محمد عليه أزكى السلام ومنها:
وكل إنسان وما اختاره ... ورب ذي عذر قد أضحى يلام وآخرها:
فالحمد لله على أن غدا ... للشمل بعد الانصداع التئام ولنختم هذه الترجمة بقوله (١) :
جز بالبساتين والرياض فما ... أبهج مرئيها (٢) وأحلاه
واعجب بها للنبات ولتك في ... أسفله ناظراً وأعلاه
وقدس الله عند ذاك وقل ... سبحانه لا إله إلا هو سبحان وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين والحمد لله رب العالمين.
انتهى المجلد الرابع
стр. 2576
القسم الثاني
في التعريف بلسان الدين ابن الخطيب، وذكر أنبائه التي يروق سماعها ويتأرج نفحها ويطيب، وما يناسبها من أحوال العلماء الأفراد، والأعلام الذين اقتضى ذكرهم شجون الكلام والاستطراد، وفيه أيضاً من الأبواب ثمانية، موصلة إلى جنات أدبٍ قطوفها دانية، وكل غصن منها رطيب
стр. 2577
فراغ
стр. 2578
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الباب الأول
في أولية لسان الدين وذكر أسلافه، الذين ورث عنهم
المجد وارتضع در أخلافه، وما يناسب ذلك مما لا
يعدل المنصف إلى خلافه
أقول: هو الوزير، الشهير الكبير، لسان الدين الطائر الصيت في المغرب والمشرق المزري عرف الثناء عليه بالعنبر والعبير، المثل المضروب في الكتابة والشعر والطب ومعرفة العلوم على اختلاف أنواعها ومصنفاته تخبر عن ذلك ولا ينبئك مثل خبير، علم الرؤساء الأعلام، الوزير الشهير الذي خدمته السيوف والأقلام، وغني بمشهور ذكره عن مسطور التعريف والإعلام، واعترف له بالفضل أصحاب العقول الراجحة والأحلام.
قال سليل السلاطين الأمير العلامة إسماعيل بن يوسف ابن السلطان القائم بأمر الله محمد بن الأحمر نزيل فاس ﵀ في كتابه المسمى بفرائد الجمان فيمن نظمني وإياه الزمان في حق المذكور ما نصه (١) : ذو الوزارتين، الفقيه الكاتب أبو عبد الله ابن محمد الرئيس الفقيه الكاتب المنتزي ببلده لوشة عبد الله ابن الفقيه الكاتب القائد سعيد بن عبد الله، ابن الفقيه الصالح ولي الله الخطيب سعيد، السلماني اللوشي المعروف بابن الخطيب.
стр. 2579
وقال القاضي ابن خلدون المغربي المالكي ﵀ في تاريخه الكبير (١) ، عندما أجرى ذكر لسان الدين، ما نصه: أصل هذا الرجل من لوشة، على مرحلة من غرناطة في الشمال من البسيط الذي في ساحتها المسمى بالمرج، وعلى وادي شنحيل - ويقال شنيل - المخترق (٢) في ذلك البسيط من الجنوب إلى الشمال، كان له بها سلك معدود في وزرائها (٣) ، وانتقل أبوه عبد الله إلى غرناطة، واستخدم لملوك بني الأحمر، واستعمل على مخازن الطعام؛ انتهى.
وقال غيره (٤) : إن بيتهم يعرف قديماً ببني الوزير، وحديثاً ببني الخطيب، وسعيد جده الأعلى أول من تلقب بالخطيب، وكان من أهل العلم والدين والخير، وكذلك سعيد جده الأقرب كان على خلال حميدة من خط وتلاوة وفقه وحساب وأدب، خيراً صدراً، توفي عام ثلاثة وثمانين وستمائة، وأبوه عبد الله كان من أهل العلم بالأدب والطب، وقرأ على أبي الحسن البلوطي وأبي جعفر ابن الزبير وغيرهما وأجازه طائفة من أهل المشرق، وتوفي بطريف عام أحد وأربعين وسبعمائة شهيداً يوم الاثنين السابع من جمادى الأولى من العام المذكور مفقوداً ثابت الجأش (٥) ، شكر الله فعله.
قلت: وما ذكره هؤلاء أكثره مأخوذ من كلامه عند تعريفه ﵀ بنفسه آخر الإحاطة، ولنذكر ملخصه إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه، مع ما فيه من الزيادة على ما سبق، وهي تتم للطالب أمله وتوفيه.
قال ﵀ (٦) : يقول مؤلف هذا الديوان تغمد الله خطله في ساعات (٧)
стр. 2580
أضاعها، وشهوة من شهوات اللسان أطاعها، وأوقات للاشتغال بما لا يعنيه استبدل بها اللهو لما باعها: أما بعد حمد الله الذي يغفر الخطية، ويحث من النفس اللجوج المطية، فتحرك ركائبها البطية، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد مسير السبل الخير الوطية (١) ، والرضى عن آله وصحبه منتهى الفضل ومناخ الطية (٢) ، فإنني لما فرغت من تأليف هذا الكتاب الذي حمل عليه فضل النشاط، مع الالتزام لمراعاة السياسة (٣) السلطانية والارتباط، والتفت إليه فراقني منه صوان درر، ومطلع غرر، قد تخلدت مآثرهم مع ذهاب أعيانهم، وانتشرت مفاخرهم بعد انطواء زمانهم، نافستهم في اقتحام تلك الأبواب، ولباس تلك الأثواب (٤) ، وقنعت باجتماع الشمل بهم ولو في الكتاب، وحرصت على أن أنال منهم قرباً، وأخذت أعقابهم أدباً وحباً (٥) ، وكما قيل: ساقي القوم آخرهم شرباً، فأجريت نفسي مجراهم في التعريف، وحذوت بها حذوهم في بابي النسب والتصريف بقصد التشريف (٦) ، والله سبحانه لا يعدمني وإياهم واقفاً يترحم، وركاب الاستغفار بمنكبه يزحم، عندما ارتفعت (٧) وظائف الأعمال، وانقطعت من التكسبات حبال الآمال، ولم يبق إلا رحمة الله التي تنتاش النفوس وتخلصها وتعينها بميسم السعادة وتخصصها، جعلنا الله ممن حسن ذكره، ووقف على التماس ما لديه فكره، بمنه.
محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن علي بن أحمد السلماني، قرطبي الأصل، ثم طليطليه، ثم لوشيه، ثم غرناطيه (٨) ، يكنى أبا عبد الله،
стр. 2581
ويلقب من الألقاب المشرقية بلسان الدين.
أوليتي: يعرف بيتنا في القديم بوزير (١) ، ثم حديثاً بلوشة ببني الخطيب، انتقلوا مع أعلام الجالية القرطبية كيحيى بن يحيى الليثي وأمثاله عند وقعة الربض الشهيرة، إلى طليطلة، ثم تسربوا (٢) محومين على وطنهم قبل استيلاء الطاغية عليه، فاستقر منهم بالموسطة الأندلسية جملة من النبهاء تضمن منهم ذكر خلق، كعبد الرحمن قاضي كورة باغه، وسعيد المستوطن بلوشة الخطيب بها، المقرون اسمه بالتسويد عند أهلها، جارياً مجرى التسمية بالمركب في تاريخ الغافقي وغيره، وسكن عقبهم بها، وسكن بعضهم منتقرير مملكين إياها مختطين جبل التحصن والمنعة فنسبوا إليها.
وكان سعيد هذا من أهل العلم والخير والصلاح والدين والفضل وزكاء الطعمة (٣) ، أوقفني الوزير (٤) أبو الحكم ابن محمد المنتقريري - وهو بقية هذا البيت وإخباريه - على جدار برج ببعض ربى أملاكنا بلوشة تطؤه الطريق (٥) المارة من غرناطة إلى إشبيلية، وقال: كان جدك يذيع بهذا المكان فصولاً من العلم، ويجهر بتلاوة القرآن، فيستوقف الرفاق المدلجة الحنين إلى نغمته، والخشوع إلى صدقه (٦) ، فتعرس رحالها لصق جداره، وتريح ظهرها موهناً إلى أن يأتي على ورده. وتوفي وقد أصيب بأهله وحرمه عندما تغلب العدو على بلده عنوة في خبر طويل. وقفت على مكتوبات من المتوكل على الله محمد بن يوسف بن هود أمير المسلمين بالأندلس في غرض إعانته والشفاعة إلى الملكة زوج سلطان قشتالة بما يدل على نباهته قديماً
стр. 2582
ويفيد إثارة عبرة، واستقالة عثرة.
وتخلف ولده عبد الله جارياً مجراه في التجلد والتمعش من حر النشب، والتزيي بالانقباض، والتحلي بالنزاهة، إلى أن توفي وتخلف ولده سعيداً جدنا الأقرب، وكان صدراً خيراً مستولياً على خلال حميدة، من خط وتلاوة وفقه وحساب وأدب، نافس جيرته بني الطنجالي الهاشميين، وتحول إلى غر ناطة عندما شعر بعملهم على الثورة، واستطلاعهم على النزوة التي خضدت الشوكة، واستأصلت منهم الشأفة، وصاهر بها الأعيان من بني أضحى بن عبد اللطيف الهمداني أشراف جند حمص الداخلين إلى الجزيرة في طليعة (١) بلج بن بشر القشيري، ولحقه من جراء منافسيه لما جاهروا السلطان بالخلعان اعتقال أعتبه السلطان بعده، وأحظاه على تفئته، وولاه الأعمال النبيهة والخطط الرفيعة.
حدثني من أثق به قال: عزم السلطان على أن يقعد جدك أستاذاً لولده، فأنفت من ذلك أم الولد إشفاقاً عليه من فظاظة كانت فيه، ثم صاهر القواد من بني الجعدالة على أم أبي، ومتت إلى زوج السلطان ببنوة الخؤولة (٢) ، فنبه القدر، وانفسحت الخطوة، وانثال على البيت الرؤساء والقرابة، وكان - على قوة شكيمته وصلابة مكسره - مؤثراً للخمول، محباً في الخير، حدثني أبي عن أمه قالت: قلما تهنأنا نحن وأبوك (٣) طعاماً حافلاً لإيثاره به من كان يكمن بمسجد جواره من أهل الحاجة وأحلاف الضرورة، يهجم علينا منهم بكل وارد، ويجعل يده مع يده (٤) ، ويشركه في أكيلته (٥) ، ملتذاً بموقعها من فؤاده. وتوفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، صهرته الشمس مستسقياً في بعض المحول،
стр. 2583
وقد استغرق في ضراعته، فدلت الحتف على نفسه.
وتخلف والدي نابتاً في الترف نبت العليق يكنفه رعي أم تجر ذيل نعمة وتحنو منه على واحد تحذر عليه النسيم إذا سرى، ففاته لترفه حظ كبير من الاجتهاد؛ وعلى ذلك فقرأ على الخطيب أبي الحسن البلوطي (١) والمقرئ أبي عبد الله ابن مسمغور (٢) وأبي جعفر ابن الزبير (٣) خاتمة الجلة، وكان يفضله. وانتقل إلى لوشة بلد سلفه مخصوصاً بلقب الوزارة إلى أن قصدها السلطان أبو الوليد متخطياً إلى الحضرة هاوياً إلى الملك البيضة، فعضد أمره، وأدخله بلده، لدواع يطول استقصاؤها، ولما تم له الأمر صحب ركابه إلى دار ملكه مستأثراً بشقص (٤) عريض من دنياه، وكان من رجال الكمال، طلق الوجه، مع الظرف، وتضمن كتاب التاج المحلى والإحاطة رائقاً من شعره، وفقد في الكائنة العظمى بطريف يوم الاثنين سابع جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ثابت الجأش، غير جزوع ولا هيابة. حدثني الخطيب بالمسجد الجامع من غرناطة الفقيه أبو عبد الله ابن اللوشي قال: كبا بأخيك الطرف، وقد غشي العدو، وجنحت إلى إردافه، فانحدر إليه والدك، وصرفني، وقال: أنا أولى به، فكان آخر العهد بهما؛ انتهى.
ومما رثي به والد لسان الدين وأخوه ما ذكره في الإحاطة في ترجمة أبي محمد عبد الله الأزدي إذ قال ما نصه (٥) : ومما كتب إلي فيما أصابني بطريف:
خطب ألم فأذهب الأخ والأبا رغماً لأنف شاء ذلك أو أبى
قدر جرى في الخلق لا يجد امرؤ عما به جرت المقادر مهربا
إما جزعت له فعذر بين قضت الدواهي أن تحل له الحبا
стр. 2584
لا كان يومهما الكريه فكم وكم ... فيه المجلي والمصلي قد كبا
يوم لوى ليانه لم يبق لل ... إسلام حد مهند إلا نبا
وتجمعت فيه الضلال فقابلت ... فيه الهدى فتفرقت أيدي سبا
آهاً لعز المحتدين صرامة ... لأذل عز المهتدين وأذهبا
دهم المصاب فعم إلا أنه ... فيما يخصك ما أمر وأصعبا
يا ابن الخطيب خطاب مكترث لما ... قد ألزم البث الألد وأوجبا
قاسمتك الشجو المقاسمة التي ... صارت بخالص ما محضتك مذهبا
لم لا وأنت لدي سابق حلبة ... تزهى بمن في السابقين تأدبا
لا عاد يوم نال منك ولا أتت ... سنة به ما الليل أبدى كوكبا
يهني الشهيدين الشهادة إنها ... سبب يزيد من الإله تقربا
وردا على دار النعيم وحورها ... كلفاً ببرهما يزدن ترحبا
فاستغن بالرحمن عمن قد ثوى ... من حزب خير من ارتضى ومن اجتبى فأجبته بقولي:
أهلاً بمقدمك السني ومرحبا ... فلقد حباني الله منك بما حبا
وافيت والدنيا علي كأنها ... سم الخياط وطرف صبري قد كبا
والدهر قد كشف القناع ولم يدع ... لي عدة للروع إلا أذهبا
صرف العنان إلي غير مدافع ... عني، وأثبت دون نصرتي الشبا (١)
خطب تأوبني يضيق لهوله ... رحب الفضا وتهي لموقعه الربى
لو كان بالورق الصوادح في الدجى (٢) ... ما بي لعاق الورق عن أن تندبا
فأنرت من ظلماء همي ما دجا ... وقدحت من زند اصطباري ما خبا
стр. 2585
فكأنني لعب الهجير بمهجتي ... وبعثت لي من نفحها نفس الصبا (١)
لا كان يومك يا طريف فطالما ... أطلعت للآمال برقاً خلبا
ورميت دين الله منك بفادح ... عم البسيط مشرقاً ومغربا
وخصصتني بالزرء والثكل الذي ... أوهى القوى مني وهد المنكبا
لا حسن للدنيا لدي ولا أرى ... للعيش بعد أبي وصنوي مأربا
لولا التعلل بالرحيل وأننا ... ننضي من الأعمار فيها مركبا
فإذا ركضنا للشبيبة أدهماً ... حال المشيب به فأصبح أشهبا
والملتقى كثب وفي ورد الردى ... نهل الورى من شاء ذلك أو أبى
لجريت طوع الحزن دون نهاية ... وذهبت من خلع التصبر مذهبا
والصبر أولى ما استكان له الفتى ... رغماً، وحق العبد أن يتأدبا (٢)
وإذا اعتمدت الله يوماً مفزعاً ... لم تلف منه سوى إليه المهربا [واقعة طريف]
وواقعة طريف هذه استشهد فيها جماعة من الأكابر وغيرهم، وكان سببها أن سلطان فاس أمير المسلمين أبا الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق المريني أجاز البحر إلى جزيرة الأندلس برسم الجهاد ونصرة أهلها على عدوهم، حسبما جرت بذلك عادة سلفه وغيرهم من ملوك العدوة، وشمر عن ساعد الاجتهاد، وجر من الجيوش الإسلامية نحو ستين ألفاً، وجاء إليه أهل الأندلس بقصد الإمداد، وسلطانهم ابن الأحمر ومن معه من الأجناد، فقضى الله الذي لا مرد لما قدره، أن صارت تلك الجموع مكسرة، ورجع السلطان أبو الحسن مفلولاً، وأضحى حسام الهزيمة عليه وعلى من معه مسلولاً، ونجا برأس طمرة
стр. 2586
ولجام (١) ، ولا تسل كيف، وقتل جمع من أهل الإسلام، ولمة وافرة من الأعلام، وأمضى فيهم حكمه السيف، وأسر ابن السلطان وحريمه وخدمه، ونهبت (٢) ذخائره، واستولت على الجميع أيدي الكفر والحيف، واشرأب العدو الكافر لأخذ ما بقي من الجزيرة ذات الظل الوريف، وثبتت قدمه إذ ذاك في بلد طريف، وبالجملة فهذه الواقعة من الدواهي المعضلة الداء، والأرزاء التي تضعضع لها ركن الدين بالمغرب، وقرت بذلك عيون الأعداء، ولولا خشية الخروج عن المقصود لأوردت قصتها الطويلة، وسردت منها ما يحق لسامعه أن يكثر بكاءه وعويله، وقد ألم بها الولي قاضي القضاة ابن خلدون المغربي في كتاب " العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر " (٣) فليراجعه من أراده في المجلد الثامن من هذا التاريخ الجامع، فإنه ذكر حين ساق هذه الكائنة ما يخرس الألسن ويصم المسامع، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
[واقعة الربض]
وقول لسان الدين ﵀ في أولية سلفه إنهم انتقلوا مع أعلام الجالية القرطبية - إلى آخره، أشار بذلك إلى واقعة الربض الشهيرة التي ذكرها ابن حيان في تاريخه الكبير المسمى بالمقتبس في تاريخ الأندلس وقص أمرها غير واحد كابن الفرضي وابن خلدون، وملخصها أن أهل ربض قرطبة ثاروا على الأمير الحكم الأموي، وفيهم علماء أكابر مثل يحيى بن يحيى الليثي صاحب إمامنا مالك ﵁ وغيره، فكانت النصرة للحكم، فلما ظفر وقتل من
стр. 2587
شاء أجلى من بقي إلى البلاد، وبعضهم إلى جزيرة إقريطش ببحر الإسكندرية، وفي قصتهم طول، وليس هذا محلها.
[والد لسان الدين]
وقال لسان الدين ﵀ أيضاً في حق والده ما حاصله (١) : عبد الله بن سعيد ابن عبد الله بن سعيد بن أحمد بن علي السلماني أبو محمد، غرناطي الولادة والاستيطان، لوشي الأصل، طليطليه قرطبيه.
وقال في الإكليل: إن طال الكلام، وجمحت الأقلام، كنت كما قيل: مادح نفسه يقرئك السلام، وإن أجحمت، فما سديت في الثناء ولا ألحمت، وأضعت الحقوق، وخفت ومعاذ الله العقوق، وهذا ولو أني زجرت طير البيان من أوكاره، وجئت بعون الإحسان وأبكاره، لما قضيت حقه بعد، ولا قلت إلا بالتي علمت سعد (٢) ، فقد كان ﵀ ذمر عزم، ورجل رخاء وأزم، تروق أنوار خلاله الباهرة، وتضيء مجالس الملوك من صورتيه الباطنة والظاهرة، ذكاء يتوقد، وطلاقة يحسد نورها الفرقد، وكانت له في الأدب فريضة، وفي النادرة العذبة منادح (٣) عريضة، تكلمت يوماً بين يديه في مسائل من الطب وأنشدته أبياتاً من شعري ورقاعاً من إنشائي فتهلل، وما برح أن ارتجل (٤) :
الطب والشعر والكتابه ... سماتنا في بني النجابه
هن ثلاث مبلغات ... مراتباً بعضها الحجابه
стр. 2588
ووقع لي يوماً بخطه على ظهر أبيات بعثتها إليه أعرض عليه نمطها:
وردت كما صدر (١) النسيم بسحرة ... عن روضة جاد الغمام رباها
وكأنما هاروت أودع سحره ... فيها وآثرها به وحباها
مصقولة الألفاظ يبهر حسنها ... فبمثلها افتخر البليغ وباهى
فقررت عيناً عند رؤية حسنها ... إني أبوك، وكنت أنت أباها ومن نظمه قوله:
وقالوا: قد دنا فاصبر ستشفى ... فترياق الهوى بعد الديار
فقلت: هبوا بأن الحق هذا ... بقلبي يمموا فبم اصطباري وقال:
عليك بالصمت فكم ناطق ... كلامه أدى إلى كلمه
إن لسان المرء أهدى إلى ... غرته والله من خصمه
يرى صغير الجرم مستضعفاً ... وجرمه أكبر من جرمه وقال:
أنا بالدهر يا بني خبير ... فإذا شئت علمه فتعالا
كم مليك قد ارتعى منه روضاً ... لم يدافع عنه الردى ما ارتعى لا
كل شيء تراه يفنى، ويبقى ... ربنا الله ذو الجلال تعالى مولده بغرناطة في جمادى الأولى عام اثنين وسبعين وستمائة، وفقد يوم الوقيعة الكبرى بظاهر طريف، يوم الاثنين سابع جمادى الأولى عام واحد وأربعين وسبعمائة، ورثيته بقصيدة أولها (٢) :
стр. 2589
سهام المنايا لا تطيش ولا تخطي ... وللدهر كف تسترد الذي تعطي
وإنا وإن كنا على ثبج الدنا ... فلا بد يوماً أن نحل على الشط
تساوى على ورد الردى كل وارد ... فلم يغن رب السيف عن ربة القرط
وسيان ذل الفقر أو عزة الغنى ... ومن أسرع السير الحثيث ومن يبطي وهي طويلة.
قال: ورثاه شيخنا أبو زكريا ابن هذيل بقصيدة يقول فيها:
إذا أنا لم أرث الصديق فما عذري ... إذا قلت أبياتاً حساناً من الشعر
ولو كان شعري لم يكن غير ندبة ... وأجريت دمعي لليراع عن الحبر
لما كنت أقضي حق صحبته التي ... توخيتها عوناً على نوب الدهر
رماني عبد الله يوم وداعه ... بداهية دهياء قاصمة الظهر
قطعت رجائي حين صح حديثه ... فإن يوف لي دمعي فقد (١) خانني صبري
وهل مؤنس كابن الخطيب لوحشتي ... أبث له همي وأودعه سري ومنها:
تولى وأخبار الجلالة بعده ... مؤرجة الأنباء طيبة النشر
رضينا بترك الصبر من بعد بعده ... على قدر ما في الصبر من عظم الأجر
أتى بفتيت المسك فوق جبينه ... نجيعاً يفوق المسك في موقف الحشر
لقد لقي الكفار منها بعزمة ... لها لقيته الحور بالبر والبشر
تجلت عروساً جنة الخلد في الوغى ... تقول لأهل الفوز: لا يغلكم مهري
فكان من القوم الذين تبادروا ... إلى العالم الأعلى مع الرفقة الغر
تعالوا بنا نسقي الأباطح والربى ... بقطر دموع غالبات على القطر
стр. 2590
ألا لا تلم عيني لسكب دموعها ... فما سكبت إلا على الماجد الحر ومنها:
أإخواننا جدوا فكم (١) جد غيركم ... وسيروا على خف من الحوب والوزر
على سفر انتم لدار تأخرت ... وما الفوز في الأخرى سوى خفة الظهر
وما العيش إلا يقظة مثل نومة ... وما العمر إلا كالخيال الذي يسري
على الحق أنتم قادمون فشمروا ... فليس لمخذول هنالك من عذر وهي طويلة، تجاوز الله عنا وعنهم أجمعين؛ انتهى ما لخصته من كلام لسان الدين ﵀.
[ترجمة أبي بكر بن عاصم]
قلت: على منوال كلامه في تحلية أبيه النبيه نسج الوزير الكاتب الشهير القاضي أبو يحيى ابن عاصم القيسي الأندلسي ﵀ في وصف أبيه القاضي أبي بكر ابن عاصم (٢) صاحب التحفة في علم القضاء، وهو محمد بن محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي، قاضي الجماعة، الرئيس أبو بكر، ونص المحتاج إليه في هذا المحل من كلام ولده قوله ﵀: إن بسطت القول، أو عددت الطول، وأحكمت الأوصاف، وتوخيت الإنصاف، أنفدت الطروس، وكنت كما يقول الناس في المثل من مدح العروس، وإن أضربت عن ذلك صفحاً فلبئسما صنعت، ولشر ما أمسكت المعروف ومنعت، ولكم من حقوق الأبوة
стр. 2591
أضعت، ومن ثدي للمعقة رضعت (١) ، ومن شيطان لغمصة الحق أطعت، ولم أرد إلا الإصلاح ما استطعت، وإن توسطت واقتصرت، وأوجزت واختصرت، فلا الحق نصرت، ولا أفنان البلاغة هصرت، ولا سبيل الرشد أبصرت، ولا عن هوى الحسدة أقصرت، هذا ولو أني أجهدت ألسنة البلاغة فجهدت، وأيقظت عيون الإجادة فسهدت، واستعرت مواقف عكاظ على ما عهدت، لما قررت من الفضل إلا ما به الأعداء قد شهدت، ولا استقصيت من المجد إلا ما أوصت به الفئة الشانئة لخلفها الأبتر وعهدت، فقد كان ﵀ علم الكمال، ورجل الحقيقة، وقاراً لا يخف راسيه، ولا يعرى كاسيه، وسكوناً لا يطرق جانبه، ولا يرهب غالبه، وحلماً لا تزل حصاته، ولا تهمل وصاته، وانقباضاً لا يتعدى رسمه، ولا يتجاوز حكمه، ونزاهة لا ترخص قيمتها، ولا تلين عزيمتها، وديانة لا تحسر أذيالها، ولا يشف سربالها، وإدراكاً لا يفل نصله، ولا يدرك خصله، وذهناً لا يخبو نوره، ولا ينبو مطروره، وفهماً لا يخفى فلقه، ولا يهزم فيلقه، ولا يلحق بحره، ولا يعطل نحره، وتحصيلاً لا يفلت قنيصه، ولا يسام حريصه، بل لا يحل عقاله، ولا يصدأ صقاله، وطلباً لا تتحد فنونه، ولا تتعين عيونه، بل لا تحصر معارفه، ولا تقصر مصارفه، يقوم أتم قيام على النحو على طريقة متأخري النحاة، جمعاً بين القياس والسماع، وتوجيه الأقوال البصرية، واستحضار الشواهد الشعرية، واستظهار (٢) اللغات والأعربة، واستبصار في مذاهب المعربة، محلياً أجياد تلك الأعاريب، من علمي البديع والبيان بجواهر أسلاك، ومجلياً في آفاق تلك الأساليب، من فوائد هذين الفنين زواهر أفلاك، إلى ما يتعلق بذلك من قافية للعروض وميزان، وما للشعر من بحور وأوزان، تضلع بالقراءات أكمل اضطلاع، مع التحقيق والاطلاع،
стр. 2592
فيقنع ابن الباذش في إقناعه، ويشرح لابن شريح ما أشكل في أوضاعه، ويقصر عن رتبته الداني، ويحوز صدر المنصة من حرز الأماني، ويشارك في المنطق وأصول الفقه والعدد والفرائض والأحكام مشاركة حسنة، ويتقدم في الأدب نظماً ونثراً وكتباً وشعراً، إلى براعة الخط، وإحكام الرسم، وإتقان بعض الصنائع العملية، كتفسير الكتب، وتنزيل الذهب، وغيرهما. نشأ بالحضرة العلية لا يغيب عن حلقات المشيخة، ولا يريم عن مظان الاستفادة، ولا يفتر عن المطالعة والتقييد، ولا يسأم من المناظرة والتحصيل، مع المحافظة التي لا تنخرم ولا تنكسر، والمفاوضة في الأدب ونظم القريض والفكاهة التي لا تقدح في وقار، انتهى ملخصاً.
وقد أطال في تعريفه بأوراق عدة، ثم قال: مولده في الربع الثالث من يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى من عام ستين وسبعمائة كما نقلته من خط ابنه، ثم قال: وله مسائل متعددة في فنون شتى ضمنها كل سديد من البحث وصحيح النظر، وأما كتبه فالدر النفيس، والياقوت الثمين، والروض الأنف، والزهر النضير، نصاعة لفظ، وأصالة غرض، وسهولة تركيب، ومتانة أسلوب، انتهى.
ثم ذكر مشيخته وأطال، ثم سرد تآليفه: الأرجوزة المسماة ب " تحفة الحكام "، والأرجوزة المسماة ب " مهيع الوصول في علم الأصول " أصول الفقه، والأرجوزة الصغرى المسماة ب " مرتقى الوصول للأصول " كذلك، والأرجوزة المسماة ب " نيل المنى في اختصار الموافقات "، والقصيدة المسماة ب " إيضاح المعاني في القراءات الثماني "، والقصيدة المسماة ب " الأمل المرقوب في قراءة يعقوب "، والقصيدة المسماة ب " كنز المفاوض في علم الفرائض "، والأرجوزة المسماة ب " الموجز في النحو "، حاذى بها رجز ابن مالك في غرض البسط له والمحاذاة لقصده، والكتاب المسمى ب " الحدائق " في أغراض شتى من الآداب والحكايات.
توفي بين العصر والمغرب يوم الخميس حادي عشر شوال عام تسعة وعشرين
стр. 2593
وثمانمائة؛ انتهى كلام الوزير ابن عاصم، وإنما ذكرته لأن أهل الأندلس يقولون في حقه: إنه ابن الخطيب الثاني، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعض إنشائه ونظمه، فإنه في الذروة العليا، وقد ذكرت جملة من ذلك في أزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به للنفس ارتياح وللعقل ارتياض.
ولنرجع إلى الترجمة المقصودة، فنقول: والسلماني نسبة إلى سلمان - بإسكان اللام على الصحيح - قال ابن الأثير: والمحدثون يفتحون اللام، وسلمان: حي من مراد من عرب اليمن القحطانيين، دخل الأندلس منهم جماعة من الشام وسلف لسان الدين رحمه الله تعالى ينتسبون إليهم كما سبق في كلامه، وهو مشهور إلى الآن بالمغرب بابن الخطيب السلماني، ولذلك خاطبه شيخه شيخ الكتاب الرئيس أبو الحسن ابن الجياب حين حل مالقة بقوله (١) :
أيا كتابي إذا ما جئت مالقة ... دار المكارم من مثنى ووحدان
فلا تسلم على ربع لذي سلم ... بها وسلم على ربع لسلمان فأجابه لسان الدين رحم الله تعالى الجميع بقوله:
يا ليت شعري هل يقضى تألفنا ... ويثني الشوق عن غاياته الثاني
أو هل يحن على نفسي معذبها ... أو هل يرق لقلبي قلبي الثاني [عبد العزيز الفشتالي ونونيته]
وعلى ذكر نسبة ابن الخطيب لسلمان فقد تذكرت هنا بيتاً أنشدنيه لنفسه صاحبنا الوزير الشهير الكبير البليغ صاحب القلم الأعلى سيدي أبو فارس عبد العزيز الفشتالي (٢) - صب الله تعالى عليه شآبيب رحماه - من قصيدة نونية مدح
стр. 2594
بها سيد الوجود، ﷺ ، وتخلص إلى مدح مولانا السلطان المنصور بالله أبي العباس أحمد الحسني أمير المؤمنين صاحب المغرب رحمه الله تعالى، وهو:
أولئك فخري إن فخرت على الورى ... ونافس بيتي في الولا بيت سلمان وأراد - كما أخبرني - بيت سلمان القبيلة التي منها لسان الملة والدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى، أشار إلى ولاء الكتابة للخلافة، كما كان لسان الدين السلماني رحمه الله تعالى كذلك، وفيه مع ذلك تورية بسلمان الفارسي ﵁ وأرضاه.
وقد رأيت أن أسرد هنا هذه القصيدة الفريدة، لبلاغتها التي بذت شعراء " اليتيمة " و " الخريدة "، ولأن شجون الحديث الذي جر إليها، شوقني إلى معاهدي المغربية التي أكثر البكاء عليها، بحضرة المنصور بالله الإمام، سقى الله تعالى عهادها صوب الغمام، حيث الشباب غض يانع، والمؤمل لم يحجبه مانع، والسلطان عارف بالحقوق، والزمان وهو أبو الورى لم يشب بره بالعقوق، والليالي مسالمة غير رامية من البين بنبال، والغربة الجالية للكربة لم تخطر ببال، ورؤساء الدولة الحسنية السنية ساعون فيما يوافق الغرض ويلائم، والأيام ثغورها بواسم، وأوقاتها أعياد ومواسم، وأفراح وولائم، فلله فيها عيش ما نسيناه، وعز طالما اقتبسنا نور الهدى من طورسيناه:
مضى ما مضى من حلو عيش ومره ... كأن لم يكن إلا كأضغاث أحلام وهذا نص القصيدة (١) :
هم سلبوني الصبر والصبر من شاني ... وهم حرموا من لذة الغمض أجفاني
وهم أخفروا في مهجتي ذمم الهوى ... فلم يثنهم عن سفكها حبي الجاني
стр. 2595
لئن أترعوا من قهوة البين أكؤسي ... فشوقهم أضحى سميري وندماني
وإن غادرتني بالعراء حمولهم ... لقى إن قلبي جاهد إثر أظعاني
قف العيس واسأل ربعهم أية مضوا ... أللجزع ساروا مدلجين أم البان
وهل باكروا بالسفح من جانب اللوى ... ملاعب آرام هناك وغزلان
وأين استقلوا: هل بهضب تهامة ... أناخوا المطايا أم على كثبان نعمان
وهل سال في بطن المسيل تشوقاً ... نفوس ترامت للحمى قبل جثمان
وإذ زجروها بالعشي فهل ثنى ... أزمتها الحادي إلى شعب بوان
وهل عرسوا في دير عبدون أم سروا ... يؤم بهم رهبانهم دير نجران
سروا والدجى صبغ المطارف فانثنى ... بأحداجهم شتى صفات وألوان
وأدلج في الأسحار بيض قبابهم ... فلحن نجوماً في معارج كثبان
لك الله من ركب يرى الأرض خطوة ... إذا زمها بدناً نواعم أبدان
أرحها مطايا قد تمشى بها الهوى ... تمشي الحميا في مفاصل نشوان
ويمم بها الوادي المقدس بالحمى ... به الماء صداً والكلا نبت سعدان
وأهد حلول الحجر منه تحية ... تفاوح عرفاً ذاكي الرند والبان
لقد نفحت من شيح يثرب نفحة ... فهاجت مع الأسحار شوقي وأشجاني
وفتت منها الشرق في الغرب مسكة ... سحبت بها في أرض دارين أرداني
وأذكرني نجداً وطيب عراره ... نسيم الصبا من نحو طيبة حياني
أحن إلى تلك المعاهد، إنها ... معاهد راحاتي وروحي وريحاني
وأهفو مع الأشواق للوطن الذي ... به صح لي أنسي الهني وسلواني
وأصبو إلى أعلام مكة شائقاً (١) ... إذا لاح برق من شمام وثهلان
أهيل الحمى ديني على الدهر زورة ... أحث بها شوقاً لكم عزمي الواني
متى يشتفي جفني القريح بلحظة ... تزج بها في نوركم عين إنساني