المحقق أبي محمد بن أحمد المسفيوي المراكشي (١) أحد مشاهير الكتاب بباب أمير المؤمنين المنصور بالله أبي العباس الشريف الحسني ملك المغرب، صب الله تعالى على الجميع أمطار الرضوان مما كتب في بعض مباني صاحبنا الوزير العلامة الأجل سيدي عبد العزيز الفشتالي رحمه الله تعالى، وهو:
أجل المعلى من قداح سروري ... وأدر كؤوس الأنس دون شرور
خلعت على عطف البهاء محاسني ... فكست به الآفاق ثوب حبور
وتناسق الوشي المفوف حلتي ... نسق الشذور على نحور الحور
شأو القصور قصورها عن رتبة ... لي بالسنا الممدود والمقصور (٢)
في المبتنى المراكشي وأفقه ... أزرى على الزوراء والخابور
أعلى مقامي البارع الأسمى الذي ... قد حاز سبق النظم والمنثور
فإذا أقل بنانه أقلامه ... نفثت (٣) عقود السحر بين سطور
عبد العزيز أخ الجلالة كاتب ... سر الخليفة أحمد المنصور
لا زال في يمن وأمن ما شدت ... ورق ورق بالندى ممطور وبعضه كتبته بالمعنى من حفظي لطول العهد، والغاية في هذا الباب ما أنشدنيه لنفسه الوزير أبو فارس عبد العزيز الفشتالي المذكور، وهي جملة من قصائد كتبت في المباني الملوكية، المنصورية بالحضرة المراكشية، حاطها الله تعالى، فمنها ما كتب خارج القبة الخمسينية أي التي فيها خمسون ذراعاً بالعمل، وذلك قوله رحمه الله تعالى على لسان القبة (٤) :
стр. 3222
سموت فخر البدر دوني وانحطا ... وأصبح قرص الشمس في أذني قرطا
وصغت من الإكليل تاجاً لمفرقي ... ونيطت بي الجوزاء في عنقي سمطا
ولاحت بأطواقي الثريا كأنها ... نثير جمان قد تتبعته لقطا
وعديت عن زهر النجوم لأنني ... جعلت على كيوان رحلي منحطا
وأجريت من فيض السماحة والندى ... خليجاً على نهر المجرة قد غطى
عقدت عليه الجسر للفخر فارتمت ... إليه وفود البحر تغرف ما أنطى
تنضنض ما بين الغروس كأنه ... وقد رقرقت حصباؤه حية رقطا
حواليه من دوح الرياض خرائد ... وغيد تجر (١) من خمائلها مرطا
إذا أرسلت لدن الفروع وفتحت ... جنى الزهر لاح في ذوائبها وخطا
يرنحها مر النسيم إذا سرى ... كما مال نشوان تشرب إسفنطا
يشق رياضاً جادها الجود والندى ... سواء لديها الغيث أسكب أم أخطا
وسالت بسلسال اللجين حياضه ... بحاراً غدا عرض البسيط لها شطا
تطلع منها وسط وسطاه دمية ... هي الشمس لا تخشى كسوفاً ولا غمطا
حكت وحباب الماء في جنباتها ... سنا البدر حل من نجوم السما وسطا
إذا غازلتها الشمس ألقى شعاعها ... على جسمها الفضي نهراً بها لطا
توسمت فيها من صفاء أديمها ... نقوشاً كأن المسك ينقطها نقطا
إذا اتسقت بيض القباب قلادة ... فإني لها في الحسن درتها الوسطى
تكنفني بيض الدمى فكأنها ... عذارى نضت عنها القلائد والريطا
قدود ولكن زانها الحسن عريها ... وأجمل في تنعيمها النحت والخرطا
نمت صعداً تيجانها فتكسرت ... قوارير أفلاك السماح بها ضغطا
فيا لك شأواً بالسعادة آهلاً (٢) ... بأكنافه رحل العلا والهدى حطا
стр. 3223
وكعبة مجد شادها العز فانبرت ... تطوف بمغناها أماني الورى شوطا
ومسرح غزلان الصريم كناسها ... حنايا قباب لا الكثيب ولا السقطا
فلكن به ما طاب لا الأثل والخمطا ... ووسدن فيه الوشي لا السدر والأرطى
تراه من المسك الفتيت مدبراً ... إذا مازجته السحب عاد بها خلطا
وإن باكرته نسمة سحراً سرى (١) ... إلى كل أنف عرف عنبره قسطا
أقرت له الزهراء والخلد وانتقت ... أواوين كسرى الفرس تغبطه غبطا
جناب رواق المجد فيه مطنب ... على خير من يعزى لخير الورى سبطا
إمام يسير الدهر تحت لوائه ... وترسى سفان للعلا حيثما وطا
وفتاح أقطار البلاد بفيلق ... يفلق هامات العدا بالظبى خبطا
تطلع من خرصانه الشهب فانثنت ... ذوائب أرض الزنج من ضوئها شمطا
كتائب نصر إن جرت لملمة ... جرت قبلها الأقدار تسبقها فرطا
إذا ما عقدن راية علوية ... جعلن ضمان الفتح في عقدها شرطا
فما للسما تلك الأهلة إنما ... سنابكها أبقت مثالاً بها خطا
يطاوع أيدي المعلوات عنانها ... فيعتاض من قبض الزمان بها بسطا
يد لأمير المؤمنين بكفها ... زمام يقود الفرس والروم والقبطا
أدار جداراً للعلا وسرادقاً ... يحوط جهات الأرض من رعيه حوطا وقوله مما كتب ببهوها بمرمر أسود في أبيض (٢) :
لله بهو عز منه نظير ... لما زها كالروض وهو نضير
رصفت نقوش حلاه رصف قلائد (٣) ... قد نضدتها في النحور الحور
فكأنها والتبر سال خلالها ... وشي وفضة تربها كافور
стр. 3224
وكأن أرض قراره ديباجة ... قد زاد حسن طرازها تشجير
وإذ تصعد نده نوءاً ففي ... أنماطه به نور به ممطور
شأو القصور قصورها عن وصفه ... سيان فيه خورنقٌ وسدير
فإذا أجلت اللحظ في جناباته ... يرتد وهو بحسنه محسور
وكأن موج البركتين أمامه ... حركات سجفٍ صافحته دبور
صفت بصفتها تماثل فضةٍ ... ملك النفوس بحسنها تصوير
فتدير من صفوالزلال معتقاً ... يسري إلى الأرواح منه سرور
ما بين آساد يهيج زئيرها ... وأساودٍ يسلي لهن صفير
ودحت من الأنهار أرض زجاجةٍ ... وأظلها فلكٌ يضيء منير
راقت فمن حصبائها وفواقعٍ ... تطفو (١) عليها اللؤلؤ المنثور
يا حسنه من مصنعٍ فبهاؤه ... باهى نجوم الأفق وهي تنور
وكأنما زهر الرياض بجنبه ... حيث التفت كواكبٌ وبدور
ولدسته الأسمى تخير رصفه ... فخر الورى وإمامها المنصور
ملكٌ أناف على الفراقد رتبةً ... وأقله فوق السماك سرير
قطب الخلافة تاج مفرق دولة ... رميت بجحفلها اللهام الكور
وجرى إلى أقصى العراق لرعيها (٢) ... جيشٌ على جسر الفرات عبور
نجل النبي ابن الوصي سليل من ... حقن الدماء وعف وهو قدير
بحر الندى لكنه متموجٌ ... سيف العلا لكنه مطرور
طودٌ يخف لحلمه ووقاره ... ولجيشه يوم النزال ثبير
دامت معاليه ودام مجده ... طوقٌ على جيد العلا مزرور
وتعاهدته عن الفتوح بشائرٌ ... يغدو عليه بها المسا وبكور
стр. 3225
ما دام منزل سعده يرقى به (١) ... نصرٌ يرف لواؤه المنشور
ومشت (٢) به مرحاً جياد مسرةٍ ... وأدار كأس الأنس فيه سمير وقوله مما كتب بداخل القبة المذكورة (٣) :
جمال بدائعي سحر العيونا ... ورونق منظري بهر الجفونا
وقد حسنت نقوشي واستطارت ... سناً يعشي عيون الناظرينا
وأطلع سمكي الأعلى نجوماً ... ثواقب لا تغور الدهر حينا
وجوي من دخان الند ألقى ... على أرضي الغياهب والدجونا
علوت دوائر الأفلاك سبعاً ... لذاك الدهر ما ألفت سكونا
فصغت من الأهلة والحنايا ... أساور الخلاخل والبرينا
تكنفني حياضٌ مائحاتٌ ... أمامي والشمال أو اليمينا
يقيد حسنها (٤) الطرف انفساحاً ... ويجري (٥) الفلك فيها والسفينا
تدافع نهرها نحوي فلما ... تلاقى البحر في جريٍ دفينا
ترى شهب السماء بهن غرقى ... فتحسبها بها الدر المصونا
وقد نشر (٦) الحباب على سماها ... لآلىء تزدري العقد الثمينا
فخرت وحق لي لما اجتباني ... لمجلسه أمير المؤمنينا
هو المنصور حائز خصلٍ سبقٍ ... وباني المجد بنياناً مكينا
وليث وغى إذا زأر امتعاضاً ... يروع زئيره هنداً وصينا
إذا أمت كتائبه الأعادي ... بعثن برعبه جيشاً كمينا
стр. 3226
يدير عنهم من كل حربٍ ... تدقهم رحىً أو منجنونا
إمام بالمغارب لاح شمساً ... بها الشرق اكتسى نوراً مبينا
بقيت بذي القصور الغرّ بدراً ... تلوح بأفقهن مدى السنينا
تحفّ بكم عواكف عند بابي ... ملائكة كرام كاتبونا
لك البشرى أمير المؤمنين اد ... خلوها بسلام (١) آمنينا وقوله في بعض المباني المنصورية (٢) :
معاني الحسن تظهر في المغاني ... ظهور السحر في حدق الحسان
مشابه في صفات الحسن أضحت ... تمت بها المغاني للغواني
بكل عمود صبحٍ من لجينٍ ... تكون في استقامة خوط بان
مفصلة القدود مثلثاتٍ ... مواصلة العناق من التداني
تردت سابري الحسن يزري ... بحسن السابري الخسرواني
وتعطو الخيزرانة من دماها ... بسالفة القطيع البرهماني
لمجدك تنتمي لكن نماها ... إلى صنعاء ما صنع اليدان
يدين لك ابن ذي يزنٍ ويعنو ... لها غمدان في أرض اليمان
غدت حرماً ولكن حل فيها ... لوفدكم الأمان مع الأماني
مبانٍ (٣) بالخلافة آهلاتٌ ... بها يتلوالهدى السبع المثاني
هي الدنيا وساكنها إمامٌ ... لأهل الأرض من قاصٍ وداني
قصورٌ ما لها في الأرض شبهٌ ... وما في المجد للمنصور ثاني وقوله رحمه الله تعالى مما كتب في المصرية (٤) المطلة على الرياض المرتفعة
стр. 3227
على القبة الخضراء من بديع (١) المنصور وكان إنشاؤها في جمادى الأولى من عام خمسة وتسعين وتسعمائة (٢) :
باكر لدي من السرور كؤوسا ... وأرض النديم أهلةً وشموسا
واعرج على (٣) غر في المنيف سماؤها ... تلق الفراقد في حماي جلوسا
وإذا طلعت بأوجها قمر العلا ... لا ترتضي غير النجوم جليسا
شرق القصور بريقها لما اجتلت ... مني على بسط الرياض عروسا
واعتضت بالمنصور أحمد ضيغماً ... ورداً تحيز من بديعي خيسا
ملكٌ أرى كل الملوك ممالكاً ... لعلاه والدنيا عليه حبيسا
دامت وفود السعد وهي عواكفٌ ... تصل المقيل لدي والتعريسا
وهناك يا شرف الخلافة دولةٌ ... تلقى برايتها طلائع عيسى وقوله من جملة قصيدة من نمط ما تقدم لم أستحضر أولها (٤) :
سلبت تماثلها الحجى لما اغتدت ... تزهو بحسن طرازها تذهيبا
ولقد تشامخ في العلو سماكها ... فجرى على الفلك المنير جنيبا
وسما إلى الشهب الزواهر فاغتدى ال ... إكليل منها تاجها المعصوبا
هذا البديع يعز شبه بدائعٍ ... أبدعتهن به فجاء غريبا
أضنى الغزالة حسنه حسداً لذا ... أبدى عليها للأصيل شحوبا
وانقضت الزهر المنيرة إذ رأت ... زهر الرياض به ينور عجيبا
شيدتهن مصانعاً وصنائعاً ... أنجزن وعدك للعلا المرقوبا
стр. 3228
وجريت في كل الفخار لغاية ... أدركتها أوما مسست لغوبا
فانعم بملكك فيه دام مؤبداً ... تجني به فنن النعيم رطيبا
وإليكها عذراء فكر أهديت ... وجعلت مدحك مهرها الموهوبا
ونظمت من درر البلاغة عقدها ... ففدا يروق بجيدها ترتيبا
ورفعتها لمقامكم تمشي على اس ... تحيا فيزعجها الولا ترغيبا
فأتت على شرف لكم فتوقفت ... لما رأت ذاك الجلال مهيبا
شفعت إليك بحب جدك أحمد ... لتنيلها منك الرضى المرغوبا
دامت بك الدنيايروق جمالها ... وإلى القيامة أمركم مرهوبا
وكلاكم الله العظيم كلاءةً ... يرعى بها خلفاً لكم وعقيبا [رسالة من الفشتالي إلى المؤلف]
ومحاسن صاحبنا المذكور في النظم والنثر يضيق عنها هذا التأليف، وكنت أثبت منها جملة في غير هذا الموضع. ولما أحس بعزمي على الرحلة إلى الحجاز، واقتضائي من سلطان المغرب في وعده لي بها النجاز، كتب إلي من حضرة مراكش وأنا حينئذ بفاس، ما صورته بعد سطر الافتتاح:
يا نسمة عطست بها أنف الصبا ... فتضمخت بعيرها قنن الربى
هبي على ساحات أحمد واشرحي ... شوقي إلى لقياه شرحاً مطنبا
وصفي له بالمنحنى من أضلعي ... قلباً على جمر الغضا متقلبا
بان الأحبة عنه، حي قد توى ... منهم، وآخر قد نأى وتغيبا
فعساك تسعد يا زمان بقربهم ... فأقول أهلاً باللقاء ومرحبا " السيادة التي سواها الله من طينة الشرف والحسب، وغرس دوحتها الطيبة بمعدن العلم الزاكي المحتد والنسب، سيادة العالم الذي تمشي تحت علم فتياه
стр. 3229
العلماء الأعلام، وتخضع لفصاحته وبلاغته صيارفة النثر والنظام، وحملة الأقلام، كلما خط أوكتب، وإذا استطار بفكره الوقاد سواجع السجع انثالت عليه من كل أوكارها ونسلت من كل حدب، وحكت بانسجامها السيل والقطر في صبب، الفقيه العالم العلم، والمحصل الذي ساجلت العلماء لتدرك في مجال الإدراك شأوه فلم، سيدنا الفقيه الحافظ حامل لواء الفتيا، ومالك المملكة في المنقول والمعقول من غير شرط ولا ثنيا، أبوالعباس سيدي أحمد بن محمد المقري أبقاه الله تعالى للعلم يفتض أبكاره، ويجني من روضه اليانع ثماره، سلام الله عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، كتبه المحب الشاكر عن ود راسخ العماد، ثابت الأوتاد مزهر الأغوار والأنجاد، ولا جديد إلا الشوق الذي تحن إلى لقياكم ركائبه وترتاح، وتحوم على مورد الأنس بكم حوم ذات الجناح على العذب القراح، جمع الله تعالى الأرواح المؤتلفة على بساط السرور وأسرة الهنا، وأتاح للنفوس من حسن محاضرتكم قطف المشتهى وهوغض الجنى. وقد اتصل بالمحب الودود الرقيم الذي راقت من سواد النقش وبياض الطرس شياته، وأرانا معجز أحمد فبهرت آياته، وخبا سقط الزند لما أشرقت من سماء فكركم آياته، فأطربنا بتغريد طيور همزاته على أغصان ألفاته، وعوذنا بالسبع المثاني بناناً أجادت نثر زهراته على صفحاته، ثم مررنا بتضاعيفه بسوق الرقيق، فرمنا السلوك على منحاها فعمي علينا الطريق، وقلنا: واهاً على سوق ابن نباتة وكساد رقيقها، واستلاب البهجة عن نفيس دررها وأنيقها، لا كسوق نفق فيها سوق الغزل، وعلا كعب الرامح الأعزل، وتضافر على سحر النفوس والألباب هاروت الجد وماروت الهزل، وقد ألقينا السلاح وجنحنا للسلم، وتهيأنا للسباحة فوقفنا بساحل اليم، وسلمنا لمن استوت به سفينة البلاغة على الجودي، فأبنا والحمد لله على السلامة بالفهاهة والعي، وقلنا، ما لنا وللإنشاء فهوفضل الله يؤتيه من يشاء.
" وعذراً أيها الشيخ عن البيت الذي عطست به أنف الصبا فقذفت به البديهة
стр. 3230
من الفم، وشرقت به صدر قناة القلم، كما شرقت صدر القناة من الدم.
" وأما ما تحمل الرسول من كلام ن في صورة ملام، لا بل مدام، أترع به من سلاف المحبة كأس وجام، فلا وربك ما هي إلا نفحة نفحت، لا سموم لفحت ن هززنا بها جذع أدبكم كي يتساقط علينا رطباً جنياً ويهمي ودقه على الربع المحيل من أفكارنا وسمياً وولياً، فجاد وأروى، وأجاد فيما روى، وأحيا من القرائح ميتاً كان حديثاً يروى، وطرساً بين أنامل الأيام ينشر ويطوى، أحيا الله تعالى قلوبنا بمعرفته ونواسم رحمته، وعرج بأرواحنا عند الممات إلى المحل الأخص بالمؤمن من حضرته. وأهدي السلام، المزري بمسك الختام، إلى الفقيهين الأمجدين، الصدرين الأنجدين، الفذين التوأمين، الفاضلين المجيدين، فارسي البراعة واليراعة، ورئيسي الجماعة في هذه الصناعة، رضيعي لبان الأدب وواسطتي عقده، ومجيلي قدحه المعلى وموريي زنده، الممتعين بشميم عراره ورنده، الكارعين بالبحر الفياض من هزله وجده، الآتيين بالجنس والفصل من رسمه وجده، الكاتب البارع أبي الحسن سيدي علي ابن أحمد الشامي، والكاتب البليغ أبي عبد الله سيدي محمد بن علي الوجدي (١) ، وأقرر لهما الود المستحكم المعاقد، الصافي المناهل العذب الموارد، وأني قائم بورد الثناء عليكم ووعليهما لدى المقام العلي، الإمامي الناصري، دام سلطانه، وتمهدت أوطاره وأوطانه.
" وننهي إليكم أن الفقيه المحب الأستاذ سيدي محمد بن يوسف (٢) طلق اللسان بالشكر، صادح على أيك الثناء عن تلكم السيادة بما واليتموه به من جزيل الإحسان، وقابلتموه به عند الورود والصدر من البشر والكرامة وجميل الامتنان، والسلام التام معاد عليكم، ورحمة الله تعالى وبركاته، وبه وجب الكتب إليكم،
стр. 3231
والله سبحانه يرعاكم، في يوم الخميس موفي عشرين من محرم الحرام فاتح سبعة وعشرين وألف، المحب الودود الشاكر عبد العزيز بن محمد الفشتالي لطف الله تعالى به، وخار له بمنه وكرمه "، انتهى.
ومن أراد شيئاً من أخباره فعليه بكتابي الموسوم ب " روضة الآس العاطر الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام مراكش وفاس " وقد بلغتني وفاته رحمه الله تعالى؛ وأنا في مصر بعد عام ثلاثين وألف، رحمه الله تعالى؛ فلقد كان أوحد عصره، حتى إن سلطان المغرب كان يقول: إن الفشتالي نفتخر به على ملوك الأرض، ونباري به لسان الدين ابن الخطيب، رحم الله تعالى الجميع. الله تعالى؛ فلقد كان أوحد عصره، حتى إن سلطان المغرب كان يقول: إن الفشتالي نفتخر به على ملوك الأرض، ونباري به لسان الدين ابن الخطيب، رحم الله تعالى الجميع.
[تعريف بأبي الحسن الشامي]
والشامي الذي أشار إليه هومن أعيان أهل فاس وذوي البيوت بها، وجده قدم من الشام على حضرة فاس، فشهر بنوه بالنسبة إلى الشام وقد بلغني وفاته أيضاً بعد الثلاثين بعد الألف، وقد أجاب عن الأبيات البائية التي خاطبني بها الوزير سيدي عبد العزيز الفشتالي المذكور رحم الله تعالى الجميع بقوله:
نمت نوافح عرف أنفاس الصبا ... فنمى بها روض الوداد وأخصبا
نثرت جواهر سلكها فتتوج ال ... غصن النضير بدرها وتعصبا
ورمت محاجر منحنى ذاك الحمى ... فغدا بها خيف القلوب محصبا
وروت أحاديث الغرام صحيحة ... فشفت فؤادا ًمن بعادك موصبا
لا غروأن طارت حشاشة لبه ... طرباً فما خلوالغرام كمن صبا
لا زلتم والزهر ينشق عرفكم ... والزهر تحسد من كمالك منصبا ولنمسك عنان البنان، ونرجع إلى ما كنا بصدده من شأن لسان الدين ابن الخطيب المريع منه بمزن البلاغة والفصاحة جنان الجنان، فنقول والله سبحانه ولي التوفيق والإمداد، وليس إلا عليه الاعتماد:
стр. 3232
[١٦ - بين ابن الجياب ولسان الدين]
وقال ابن الصباغ العقيلي (١) : كان أبوالحسن ابن الجياب رئيس كتاب الأندلس وهم رؤساء غيرهم، واختص به ذوالوزارتين أبوعبد الله ابن الخطيب اختصاصاً تاماً، وأورثه رتبة من بعده، وعهد بها إليه، مشيراً بذلك على من استشاره من أعلام الحجاب عند حضور عمره، وتدرب بذكائه حتى استحق أزمته فأنسى بحسن سياسته شيخه المذكور، ونال التي لا فوقها من الحظوة، وبعد الصيت وسعادة البخت، اتفق له يوماً بعدما عزم النصراني على ورود البلد وضاقت به الصدور، فأنشد ابن الجياب بديهاً بمحضر الكتاب:
هذا العدو قد طغى ... وقد تعدى وبغى وقال لابن الخطيب: أجز أبا عبد الله، فأنشده بديهاً:
وأظهر السلم وقد ... أسر حسواً في ارتغا
فبلغ الرحمن سي ... ف النصر فيه ما ابتغى
ورده رد ثمو ... د والفصيل قد رغا
حتى يرى وليمة ... لكل مرهوب الثغا فقال ابن الجياب: هكذا وإلا فلا، وعجب الحاضرون من هذه البديهة؛ انتهى.
[١٧ - قصيدتان للبلوي يخاطب بهما لسان الدين]
ومما خوطب به لسان الدين قول الفقيه أبي يحيى البلوي المري (٢) رحم الله الجميع:
стр. 3233
عللوني ولوبوعد محال ... وصلوني ولوبطيف خيال
واعلموا أنني أسير هواكم ... لست أنفك دائماً عن عقال
فدموعي من بينكم في انسكاب ... وفؤادي من هجركم في اشتعال
يا أُهيل الحمى كفاني غرامي ... لا تزيدوا حسبي بما قد جرى لي
من مجيري من لحظ ريم ظلوم ... حلل الهجر بعد طيب الوصال
ناعس الطرف أسهر الجفن مني ... طال منه الجفا بطول الليالي
بابلي اللحاظ أصمى فؤادي ... ورماه من غنجه بنبال
وكسا الجسم من هواه نحولاً ... قصده في النوى بذاك انتحالي
ما ابتدى في الوصال يوماً بعطف ... مذ روى في الغرام باب اشتغالي
ليس لي منه في الهوى من مجير ... غير تاج العلا وقطب الكمال
علم الدين عزه وسناه ... ذروة المجد، بدر أفق الجلال
هوغيث الندى، وبحر العطايا ... هو شمس الهدى، فريد المعالي
إن وشى في الرقاع بالنقش قلنا ... صفحة الطرس حليت باللآلي
أودجا الخطب فهوفيه شهاب ... زانه الصبح في ظلام الضلال
أو نبا الأمر فهوفيه عضب ... صادق العزم عند ضيق المجال
لست تلقى مثاله في زمان ... جل في الدهر يا أخي عن مثال
قد نأى بي حبي له عن دياري ... لا لجدوى ولا لنيل نوال
لكن اشتقت أن أرى منه وجهاً ... نوره فاضح لنور الهلال
وكما همت فيه ألثم كفاً ... جاد لي بالنوال قبل السؤال
هاكها ابن الخطيب عذراء جاءت ... تلثم الأرض قبل شسع النعال
وتوفي حق الوزارة عمن ... هو ملك لها على كل حال ومن نظمه قوله يخاطبه مهنئاً في إعذاره أولاده بعد نثر نصه: يعتذر عن خدمة الإعذار، ويصل المدح والثناء على بعد الدار، بتاريخ الوسط من شهر
стр. 3234
شعبان عام تسعة وأربعين وسبعمائة:
لا عذر لي عن خدمة الإعذار ... ولئن نأى وطني وشط مزاري
أو عاقني عنه الزمان وصرفه ... تقضي الأماني عادة الاعصار
قد كنت أرغب أن أفوز بخدمتي ... وأحط رحلي عند باب الدار
بادي المسرة بالصنيع وأهله ... متشمراً فيه بفضل إزاري
من شاء أن يلقى الزمان وأهله ... ويرى جلالاً شاع في الأقطار
فليأت حي ابن الخطيب ملبياً ... فيفوز بالإعظام والإكبار
كم ضم من صيد كرام قدرهم ... يسمو ويعلوفي ذوي (١) الأقدار
إن جئت ناديه فنب عني وقل ... نلت المنى بتلطف ووقار
يا من له الشرف القديم ومن له ال ... حسب الصميم العد يوم فخار
يهنيك ما قد نلت من أمل به ... في الفرقدين النيرين لساري
نجلاك قطبا كل مجد باذخ ... أملان مرجوان في الإعسار
عبد الإله وصنوه قمر العلا ... فرعان من أصل زكا ونجار
ناهيك من قمرين في أفق العلا ... ينميهما نور من الأنوار
زاكي الأرومة معرق في مجده ... جم الفضائل طيب الأخبار
رقت طبائعه وراق جماله ... فكأنما خلقا من الأزهار
وحلت شمائل حسنه فكأنما ... خلعت عليه رقة الأسحار
فإذا تكلم قلت طل ساقط ... أو وقع در من نحور جواري
أوفت حبر المسك في قرطاسه ... فالروض غب الواكف المدرار
تبتسم الأقلام بين بنانه ... فتريك نظم الدر في الأسطار
فتخال من تلك البنان كمائماً ... ظلت تفتح ناضر النوار
стр. 3235
تلقاه فياض الندى متهللاً ... يلقاك بالبشرى والاستبشار
بحر البلاغة قسها وإيادها ... سبحانها حبر من الأحبار
إن ناظر العلماء فهو إمامهم ... شرف المعارف، واحد النظار
أربى على العلماء بالصيت الذي ... قد طار في الآفاق كل مطار
ما ضره أن لم يجئ متقدماً ... بالسبق يعرف آخر المضمار
إن كان أخره الزمان لحكمة ... ظهرت وما خفيت كضوء نهار
الشمس تحجب وهي أعظم نير ... وترى من الآفاق إثر دراري
يا ابن الخطيب خطبتها لعلاكم ... بكراً تزف لكم من الأفكار
جاءتك من خجل على قدم الحيا ... قد طيبت بثنائك المعطار
وأتت تؤدي بعض حق واجب ... عن نازح الأوطان والأوطار
مدت يد التطفيل نحوعلاكم ... فتوشحت من حليكم بنضار
فابذل لها في النقد صفحك إنها ... تشكو من التقصير في الأشعار
لا زلت في دعة وعز دائم ... ومسرة تترى مع الأعمار [ترجمة أبي يحيى البلوي]
قال لسان الدين في حق المذكور في الإحاطة هومحمد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد البلوي، من أبناء النعم وذوي البيوتات، كثير السكون والحياء، آل به ذلك أخيراً إلى لوثة لم يستفق منها لطف الله به حسن الخط مطبوع الأدب سيال الطبع معينه وناب عن بعض القضاة وهوالآن رهين ماذكر يتمنى أهله موته والله ولي المعافاة.
وجرى ذكره في " الإكليل " بما نصه " من أولي الاتصال بأولى الخلال البارعة والخصال خطاً رائقاً ونظماً بمثله (١) لائقاً ودعابة يسترها تجهم،
стр. 3236
وسكوناً في طيه إدراك وتفهم، عني بالدراية والتقييد، ومال في النظم إلى بعض التوليد، وله أصالة نبتت في السرو عروقها، وتألقت في سماء المجادة بروقها، وتصرف بين النيابة في الأحكام الشرعية، وبين الشهادات العلمية المرعية؛ انتهى.
ورأيت بخط أبي الحسن علي بن لسان الدين على هامش هذا المحل من الإحاطة ما صورته: رحمة الله عليه ما أعذب حلاوته، وأعظم مروءته، وأكرم أصالته، وبنوالبلوى ذووحسب، وأهل نعيم، وتربية ملوكية، حياهم الله وبياهم! قال ذلك حبيبهم وأخوهم علي بن الخطيب؛ انتهى.
[١٨ - من ابن مرزوق إلى لسان الدين]
وقال لسان الدين رحمه الله تعالى عند ذكر الخطيب الرئيس أبي عبد الله محمد بن مرزوق التلمساني ما صورته: ولما قدمت على مدينة فاس في غرض الرسالة خاطبني بمنزل (١) الشاطبي على مرحلة منها بما نصه:
يا قادماً وافى بكل نجاح ... أبشر بما تلقاه من أفراح
هذي ذرى ملك الملوك فلذ بها ... تنل المنى وتفز بكل سماح
مغنى الإمام أبي عنان يممن ... تظفر ببحر في العلا طفاح
من قاس جود أبي عنان في الندى ... بسواه قاس البحر بالضحضاح
ملك يفيض على العفاة نواله ... قبل السؤال وقبل بسطة راح
فلجود كعب وابن سعدى (٢) في الندى ... ذكر محاه عن نداه ماحي
ما إن سمعت ولا رأيت بمثله ... من أريحي للندى مرتاح
بسط الأمان على الأنام فأصبحوا ... قد ألحفوا منه بظل جناح
وهمى على العافين سيب نواله ... حتى حكى سح الغمام الساحي
стр. 3237
فنواله وجلاله وفعاله ... فاقت وأعيت ألسن المداح
وبه الدنا أضحت تروق وأصبحت ... كل المنى تنقاد بعد جماح
من كان ذا ترح فرؤية وجهه ... متلافة الأحزان والأتراح
فانهض أبا عبد الإله تفز بما ... تبغيه من أمل ونيل نجاح
لا زلت ترتشف الأماني راحة ... من راحة المولى بكل صباح فالحمد لله يا سيدي وأخي على نعمه التي لا تحصى، حمداً يؤم به جميعنا المقصد الأسنى فيبلغ الأمد الأقصى، فطالما كان معظم سيدي للأسى في خبال، وللأسف بين اشتغال بال، واشتعال بلبال، ولقدومكم على هذا المقام المولوي في ارتقاب، ولمواعيدكم بذلك في تحقق (١) وقوعه من غير شك ولا ارتياب، فها أنت تجتلي من هذا المقام العلي بتشيعك وجوه المسرات صباحاً، وتتلقى أحاديث مكارمه ومواهبه مسندة صحاحاً، بحول الله تعالى، ولسيدي الفضل في قبول مركوبه الواصل إليه بسرجه ولجامه، فهومن بعض ما لدى المعظم من إحسان مولاه وإنعامه، ولعمري لقد كان وافداً على سيدي في مستقره مع غيره، فالحمد لله الذي يسر في إيصاله، على أفضل أحواله.
[١٩ - جواب لسان الدين]
فراجعته بما نصه:
راحت تذكرني كؤوس الراح ... والقرب يخفض للجنوح جناحي
وسرت تدل على القبول كأنما ... دل النسيم على انبلاج صباح
حسناء قد غنت بحسن صفاتها ... عن دملج وقلادة ووشاح
أمست تحض على اللياذ بمن جرت ... بسعوده الأقلام في الألواح
стр. 3238
بخليفة الله المؤيد فارس ... شمس المعالي الأزهر الوضاح
ما شئت من شيم ومن همم غدت ... كالزهر أوكالزهر في الأدواح
فضل الملوك فليس يدرك شأوه ... أنى يقاس الغمر بالضحضاح
أنسى بني عباسهم بلوائه ال ... منصور، أو بحسامه السفاح
وغدت مغاني الملك لما حلها ... تزهى ببدر هدى وبحر سماح
وحياة من أهداك تحفة قادم ... في العرف منها راحة الأرواح
ما زلت أجعل ذكره وثناءه ... روحي وريحاني الأريج وراحي
ولقد تمازج حبه بجوارحي ... كتمازج الأجسام بالأرواح
ولوأنني أبصرت يوماً في يدي ... أمري لطرت إليه دون جناح
فالآن ساعدني الزمان وأيقنت ... من قربه نفسي بفوز قداحي
إيه أبا عبد الإله، وإنه ... لنداء ود في علاك صراح
أما إذا استنجدتني من بعد ما ... ركدت لما جنت الخطوب رياحي
فإليكها مهزولة وأنا امرؤ ... قررت عجزي واطرحت سلاحي " سيدي أبقاك الله لعهد تحفظه، وولي بعين الوفاء تلحظه، وصلتني رقعتك التي أبدعت، وبالحق من مولى الخليقة صدعت، وألفتني وقد سطت بي الأوجال، حتى كادت تتلف الرحال، والحاجة إلى الغذاء قد شمرت كشح البطين، وثانية العجماوين قد توقع فوات وقتها وإن كانت صلاتها صلاة الطين، والفكر قد غاض معينه، وضعف وعلى الله جزاء المولى الذي يعينه، فغرتني بكتيبة بيان أسدها هصور، وعلمها منصور، وألفاظها ليس فيها قصور، ومعانيها عليها الحسن مقصور، واعتراف مثلي بالعجز في المضايق حول ومنة، " وقول لا أدري " للعالم فكيف لغيره جنة، لكنها بشرتني بما يقل لمؤديه بذل النفوس وإن جلت، وأطلعتني من السراء على وجه تحسده الشمس إذا تجلت، بما أعلمتني به من جميل اعتقاد مولانا أمير المؤمنين أيده الله في
стр. 3239
عبده، وصدق المخيلة في كرم مجده، وهذا هوالجود المحض، والفضل الذي شكره هوالفرض، وتلك الخلافة المولوية تتصف بصفات من يبدأ بالنوال، من قبل الضراعة والسؤال، من غير اعتبار للأسباب ولا مجازاة للأعمال، نسأل الله تعالى ان يبقي منها على الإسلام أوفى الظلال، ويبلغها من فضله أقصى الآمال، ووصل ما بعثه سيدي صحبتها من الهدية، والتحفة الودية، وقبلتها امتثالاً واستجليت (١) منها عتقاً وجمالاً وسيدي في الوقت أنسب لاتخاذ ذلك الجنس، وأقدر على الاستكثار من إناث البهم والإنس، وأنا ضعيف القدرة، غير مستطيع على ذلك إلا في الندرة، فلوراء سيدي ورأيه سداد، وقصده فضل ووداد، أن ينقل القضية إلى باب العارية من باب الهبة، مع وجود الحقوق المترتبة، لبسط خاطري وجمعه، وعمل في رفع المؤونة على شاكلة حالي معه، وقد استصحبت مركوباً يشق علي هجره، وسيدي في الإسعاف على الله أجره، وهذا أمر عرض، وفرض فرض، وعلى نظره المعول، واعتماد إغضائه هوالمعقول الأول، والسلام على سيدي من معظم قدره، وملتزم بره، ابن الخطيب، في ليلة الأحد السابع وال عشرين لذي قعدة خمس وخمسين وسبعمائة، والسماء قد جادت بمطر سهرت منه الأجفان، وظن أنه الطوفان، واللحاق في غدها بالباب المولوي مؤمل بحول الله " انتهى.
[٢٠ - من البرجي إلى لسان الدين]
وكتب القاضي أبوالقاسم البرجي (٢) للسان الدين في غرض الشفاعة لبعض قرابته قوله (٣) :
стр. 3240
أيا سابقاً في مجال البراعه ... وفارس ميدان أهل اليراعه
ومن بدره في سماء المعالي ... يزين بوصف الكمال ارتفاعه
بما لك في الفضل من حجة ... ومن إمرة في ذويه مطاعه
قضائك في معسر حل دين ... عليه فإرجاؤه قد أضاعه
وقد كان يبغي لديكم شفيعاً ... توسط عندكم في شفاعه
على أنه في اقتضاء الوداد ... يوفى موازينه أوصواعه
وما هوفي سوق تقريظكم ... ونشر حلالكم بمزجى البضاعه " كتبت يا سيدي أدام الله تعالى علاكم، وحرس مجدكم الطاهر وسناكم، وأنا بين خجل مفحم وعجل مقحم، أتذكر تسويقي بلقائكم، حين سمع الدهر بإقترابكم، فأحجم وأفكر في أن إحجامي عند ذلك بإرجائي، عسى أن يكون وفق رجائي، أفاتني المقصود فأرى الحزم في أن أقدم، وموقفها بين يديكم فلان، يطالبني مطالبة الغريم، وأروم مطاله فلا يبرح ولا يريم، والانقياد في زمام طاعته مما توجبه المروة بعدما أوجبه الشارع إذ جعل له حظاً في الأبوة، وقد أعلقته من ذمام علائكم بالحبل المتين، وأنزلته من حماكم بربوة ذات قرار ومعين، فإن أعرتموه من لحظكم الجميل طرف اهتبال، وأقبلتموه من اعتنائكم الجزيل وجه إقبال، فقد عاد دهره بعد النفار مواتياً ونزل على أهل المهلب شاتياً ومجدكم كفيل بتبليغ أمله، وتوسيع جذله، وذلكم يد على معظمكم شكرها، وعلى الله أجرها "؛ انتهى.
[ترجمة أبي القاسم البرجي]
والبرجي المذكور هومحمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن علي بن إبراهيم، الغساني البرجي، يكنى أبا القاسم، من أهل غرناطة، قال في " الإحاطة ": هوفاضل مجمع على فضله، صالح الأبوة ن طاهر النشأة، بادي الصيانة والعفة
стр. 3241
طرف في الخير والحشمة، صدر في الأدب جم المشاركة، ثاقب الفهم، جميل العشرة، ممتع المجالسة حسن الشعر والخط والكتابة، فذ في الانطباع، صناع اليد (١) ، محكم لعمل الكثير من الآلات العلمية، ويجيد تسفير الكتب، رحل إلى العدوة ولقي جلة، وتوسل إلى ملكها مجدد الرسم ومعتام أولي الشهرة وعامر دست الشعر والكتابة، أمير المسلمين أبي عنان، فاشتمل عليه، ونوه به وملأ بالخير يده، فاقتنى جدة وحظوة، وذكراً وشهرة، وانقبض مع استرسال الملك لفضل عقله، حتى تشكى إلي سلطانه بث ذلك عند قدومي عليه، وآثر الراحة، وجهد في التماس الرحلة الحجازية، ونبذ الكل، وقصر الخطوة (٢) ، وسلا الحظوة، فأسعفه سلطانه بغرضه، وجعل حبل همه (٣) على غاربه، وأصحبه إلى النبي الكريم صلوات الله عليه رسالة من إنشائه وقصيدة من نظمه، وكلاهما يعلن في الخلفاء ببعد شأوه، ورسوخ قدم علمه، وعراقة البلاغة في نسب خصله، ولما هلك وولي ابنه [قدمه] قاضياً بمدينة (٤) ملكه وضاعف له التنويه، فأجرى الخطة على سبيل من السداد والنزاهة، ثم لما ولي السلطان أبوسالم عمه أجراه على الرسم المذكور، واستجلى المشكلات بصدقه، وهوالآن بحاله الموصوفة مفخر من مفاخر ذلك الباب السلطاني على تعدد مفاخره.
شعره - ثبت في كتاب " نفاضة الجراب " من تأليفنا عند ذكر المدعى الكبير بباب ملك المغرب ليلة ميلاد رسول الله ﷺ ، وذكر من أنشد ليلتئذ من الشعراء ما نصه: وتلاه الفقيه الكاتب الحاج القاضي جملة السذاجة (٥) وكرم الخلق وطيب النفس وخدن العافية وابن الصلاح والعبادة ونشأة القرآن
стр. 3242
المتحيز إلى حزب السلامة المنقبض عن الغمار العزوف عن فضول القول والعمل جامع المحاسن الأشتات (١) من عقل رصين وطلب ممتع وأدب نقاوة ويد صناع أبوالقاسم بن أبي زكريا البرجي، فأنشدت له على الرسم المذكور هذه القصيدة الفريدة (٢) :
أصغى إلى الوجد لما جد عاتبه ... صب له شغل عمن يعاتبه
لم يعط للصبر من بعد الفراق يداً ... فضل من ظل إرشاداً يخاطبه
لولا النوى لم يبت حران مكتئباً ... يغالب الوجد كتما ًوهوغالبه
يستودع الليل أسرار الغرام وما ... تمليه أشجانه فالدمع كاتبه
لله عصر بشرقي الحمى سمحت ... بالوصل أوقاته لوعاد ذاهبه
يا جيرة أودعوا إذ ودعوا حرقاً ... يصلى بها من صميم القلب ذائبه
يا هل ترى تجمع (٣) الأيام ألفتنا ... كعهدنا أويرد القلب سالبه
ويا أهيل ودادي، والنوى قذف ... والقرب قد أبهمت دوني مذاهبه
هل ناقض العهد بعد البعد حافظه ... وصادع الشمل يوم الشعب شاعبه
ويا ربوع الحمى لا زلت ناعمة ... يبكي عهودك مضنى الجسم شاحبه
يا من لقلب مع الأهواء منعطف ... في كل أوب له شوق يجاذبه
يسمو إلى طلب الباقي بهمته ... والنفس بالميل للفاني تطالبه
وفتنة المرء بالمألوف معضلة ... والأنس بالإلف نحوالإلف جاذبه
أبكي لعهد الصبا والشيب يضحك بي ... يا للرجال سبت جدي ملاعبه
ولن ترى كالهوى، أشجاه سالفه ... ولا كوعد المنى، أحلاه كاذبه
وهمة المرء تغليه وترخصه ... من عز نفساً لقد عزت مطالبه
стр. 3243
ما هان كسب المعالي أوتناولها ... بل هان في ذاك ما يلقاه طالبه (١)
لولا سرى الفلك السامي لما ظهرت ... آثاره ولما لاحت كواكبه
في ذمة الله ركب للعلا ركبوا ... ظهر السرى فأجابتهم نجائبه
يرمون عرض الفلا بالسير عن عرض ... طي السجل إذا ما جد كاتبه
كأنهم في فؤاد الليل سر هوى ... لولا الضرام لما خفت جوانبه
شدوا على لهب الرمضاء وطأتهم ... فغاض في لجة الظلماء راسبه
وكلفوا الليل من طول السرى شططاً ... فخلفوه وقد شابت ذوائبه
حتى إذا أبصروا الأعلام مائلة ... بجانب الحرم المحمي جانبه
بحيث يأمن من مولاه خائفه ... من ذنبه وينال القصد راغبه
فيها وفي طيبة الغراء لي أمل ... يصاحب القلب منه ما يصاحبه
إن أنس (٢) لا أنس أياماً بظلهما ... سقى ثراه عميم الغيث ساكبه
شوقي إليها وإن شط المزار بها ... شوق المقيم وقد سارت حبائبه
إن ردها الدهر يوماً بعدما عبثت ... في الشمل منا يداه لانعاتبه
معاهد شرفت بالمصطفى فلها ... من فضله شرف تعلو مراتبه (٣)
محمد المجتبى الهادي الشفيع إلى ... رب العباد أمين الوحي عاقبه
أوفى الورى ذمماً، أسماهم همماً ... أعلاهم كرماً، جلت مناقبه
هو المكمل في خلق وفي خلق ... زكت حلاه كما طابت مناسبه
عناية قبل بدء الخلق سابقة ... من أجلها كان آتيه وذاهبه
جاءت تبشرنا الرسل الكرام به ... كالصبح تبدو تباشيراً كواكبه
أخباره سر علم الأولين وسل ... بدير تيماء ما أبداه راهبه
تطابق الكون في البشرى بمولده ... وطبق الأرض أعلاماً تجاوبه
стр. 3244
فالجن تهتف إعلاناً هواتفه ... والجن تقذف إحراقاً ثواقبه
ولم تزل عصمة التأييد تكنفه ... حتى انجلى الحق وانزاحت شوائبه
سرى وجنح ظلام الليل منسدل ... والنجم لا يهتدي في الأفق ساربه
يسمو لكل سماء منه منفرد ... عن الأنام وجبرائيل صاحبه
لمنتهى وقف الروح الأمين به ... وامتاز قرباً فلا خلق يقاربه
لقاب قوسين أوأدنى فما علمت ... نفس بمقدار ما أولاه واهبه
أراه أسرار ما قد كان أودعه ... في الخلق والأمر باديه وغائبه
وآب والبدر في بحر الدجى غرق ... والصبح لما يؤب للشرق آيبه
فأشرقت بسناه الأرض واتبعت ... سبل النجاة بما أبدت مذاهبه
وأقبل الرشد والتاحت زواهره ... وأدبر الغي فانجابت غياهبه
وجاء بالذكر آيات مفصلة ... يهدى بها من صراط الله لاحبه
نور من الحكم لا تخبو سواطعه ... بحر من العلم لا تفنى عجائبه
له مقام الرضى المحمود شاهده ... في موقف الحشر إذ نابت نوائبه
والرسل تحت لواء الحمد يقدمها ... محمد أحمد السامي مراتبه
له الشفاعات مقبولاً وسائلها ... إذا دهى الأمر واشتدت مصاعبه
والحوض يروي الصدى من عذب مورده ... لا يشتكي غلة الظمآن شاربه
محامد المصطفى لا ينتهي أبداً ... تعدادها، هل يعد القطر حاسبه
فضل تكفل بالدارين يوسعها ... نعمى ورحمى فلا فضل يناسبه
حسبي التوسل منها بالذي سمحت ... به القوافي وجلتها غرائبه
حياه من صلوات الله صوب حياً ... تحدى إلى قبره الزاكي نجائبه
وخلد الله ملك المستعين به ... مؤيد الأمر منصوراً كتائبه
إمام عدل بتقوى الله مشتمل ... في الأمر والنهي يرضيه يراقبه
مسدد الحكم، ميمون نقيبته ... مظفر العزم، صدق الرأي صائبه
стр. 3245
مشمرٌ للتقى أذيال مجتهدٍ ... جرار أذيال سحب الجود ساحبه
قد أوسعت أمل الراجي مكارمه ... وأحبست رغبة العافي رغائبه
وفاز بالأمن محبوراً مسالمه ... وباء بالخزي مقهوراً محاربه
كم وافدٍ آملٍ معهود نائله ... أثنى وأثنت بما أولى حقائبه
ومستجيرٍ بعز من مثابته ... عزت مراميه وانقادت مآربه
وجاء الدهر يسترضيه معتذراً ... مستغفراً من وقوع الذنب تائبه
لولا الخليفة إبراهيم لانبهمت ... طرق المعالي ونال الملك غاصبه
ينميه للعز والعليا أبو حسنٍ ... سمح الخلائق محمودٌ ضرائبه
من آل يعقوب حسب الملك مفتخراً ... بباب عزهم السامي تعاقبه
أطواد حلمٍ رسا بالأرض محتده ... وزاحمت منكب الجوزا مناكبه
تحفها من مرين أبحرٌ زخرت ... أمواجها وغمامٌ ثار صائبه
بكل نجمً لدى الهيجاء ملتهبٍ ... ينقض وسط سماء النقع ثاقبه
أكفهم في دياجيها مطالعه ... وفي نحور أعيادهم مغاربه
يا خير من خلصت لله نيته ... في الملك أوخطب العلياء خاطبه
جردت والفتنة الشعواء ملبسةٌ ... سيفاً من العزم لا تنبو مضاربه
وخضتها غير هياب ولا كلٍ (١) ... وقلما أدرك المطلوب هائبه
صبرت نفساً لعقبى الصبر حامدةً ... والصبر مذ كان محمودٌ عواقبه
فليهن دين الهدى إذ كنت ناصره ... أمنٌ يواليه أوخوفٌ يجانبه
لا زال ملكك والتأييد يخدمه ... تقضي بخفض مناوبه قواضبه
ودمت في نعمٍ تضفوملابسها ... في ظل عز علاً تصفو مشاربه
ثم الصلاة على خير البرية ما ... سارت إليه بمشتاقٍ ركائبه
стр. 3246
ومن شعره ما قيده لي بخطه صاحب قلم الإنشاء بالحضرة المرينية الفقيه الرئيس الصدر المتفن أبوزيد ابن خلدون (١) :
صحا القلب عما تعلمين فاقلعا ... وعطل من تلك المعاهد أربعا
وأصبح لا يلوي على حد منزلٍ ... ولا يتبع الطرف الخلي المودعا
وأضحى من السلوان في حرز معقلٍ ... بعيد عن الأيام أن يتضعضعا
يرد الجفون النجل عن شرفاته ... وإن لحظت عن كل أجيد أتلعا
عزيزٌ على داعي الغرام انقياده ... وكان إذا ناداه للوجد أهطعا
أهاب به للشيب أنصح واعظٍ ... أصاخ له قلباً منيباً ومسمعا
وساف في أفق التفكير والحجى ... زواهره لاتبرح الدهر طلعا
لعمري لقد أنضيت عزمي تطلباً ... وقضيت عمريرقبةً وتطلعا
وخضت عباب البحر أخضر مزبداً ... ودست أديم الأرض أغبر أسفعا وقال حسبما قيده المذكور (٢) :
نهاه النهى بعد طول التجارب ... ولاح له منهج الرشد لاحب
وخاطبه دهره ناصحاً ... بألسنة الوعظ من كل جانب
فأضحى إلى نصحه واعياً ... وألغى حديث الأماني الكواذب
وأصبح لا تستبيه الغواني ... ولا تزدريه حظوظ المناصب ثم قال في الإحاطة ": وإحسانه كثير في النثر والنظم والقصار والمطولات واستعمل في السفارة إلى ملك مصر وملك قشتالة وهوالآن قاضي حضرة الملك
стр. 3247
نسيج وحده في السلامة والتخصص واجتناب فضول القول والعمل كان الله له؛ انتهى.
وكتب ابن الصنف بهامش تذكرة المذكور من الإحاطة ما صورته: سيدي وشيخي علامة المغرب اليوم وحائز رتبة العلية من خطابة وقضاء وعلامة وهوأحق بها لخلاله الحميدة أبقاه الله تعالى قال محبه علي بن الخطيب؛ انتهى.
وكتب على القصيدة الميلادية المتقدمة ما نصه رويتها عنه وسمعتها من لفظه واجازني إياها بتلمسان؛ انتهى.
وكتب على حاشية قصيدته " صحا القلب - إلى آخره " ما صورته: سمعتها من لفظ سيدي وشقيق روحي الإمام العلامة الرائس أبي زيد ابن خلدون بالأندلس أمتع الله به تعالى قال ذلك أخوه علي بن الخطيب؛ انتهى.
[٢١ - مخاطبات ابن زمرك للسان الدين]
وقال في الإحاطة وفي ترجمة ابن زمرك ما صورته (١) : وشعره مترامٍ إلى هدف الإجادة خفاجي النزعة كلف بالمعاني البديعة والألفاظ الصقيلة غزير المادة فمن ذلك ماخاطبني به وهي من أول ما نظمه قصيدة مطلعها:
" أما وانصداع النور من مطلع الفجر " ... يقول فيها بعد أبيات:
لك الله من فذ الجلالة أوحدٍ ... تطاوعه الآمال في النهي والأمر
لك القلم الأعلى الذي طال فخره ... على المرهفات البيض والأسل السمر
يقلد أجياد الطروس تمائماً ... بصنفي لآل من نظامٍ ومن نثر
стр. 3248
تهيبك القرطاس فاحمر إذ غدا ... يقل بحوراً من أناملك العشر
كأن رياض الطرس خدٌ موردٌ ... يطرزه وشي العذار من الحبر
فشارة هذا الملك رائقة الحلى ... بألويةٍ حمرٍ وبالصحف الحمر
ومروضةٌ غناء عاهدتها الحيا ... تحوك بها وشي الربيع يد القطر
تغني قيان الطير في جنباتها ... فيرقص غصن البان في حللٍ خضر
تمد لأكواس العرار أناملً ... من السوسن الغض المختم بالتبر
ويحرس خد الورد صارم نهرها ... ويمنع ثغر النور بالذابل النضر
يفاخر مرآها السماء محاسناً ... وتزري نجوم الزهر منها على الزهر
إذا مسحت كف الصبا جفن نورها ... تنفس ثغر الزهر عن عنبر الشحر
بأعطر من ريا ثنائك في السرى ... وأبهر حسناً من شمائلك الغر
عجبت له يحكي خلال خميلةٍ ... وتفرق منه الأسد في موقف الذعر
إذا أضرمت من بأسها الحرب جاحماً ... تأجج منه العضب في لجة البحر
وغن كلح الأبطال في حومة الوغى ... ترقرق ماء البشر في صفحة البدر
لك الحسب الوضاح والسؤدد الذي ... يضيق نطاق الوصف فيه عن الحصر
تشرف افقٌ أنت بدر كماله ... فغرناطةٌ تختال تيهاً على مصر
تكلل تاج الملك منك محاسناً ... وفاخرت الأملاك منك بنو نصر
بعزمة مضمون السعادة أوحدٍ ... وغرة وضاح المكارم والنجر
طوى الحيف منشور اللواء مؤيداً ... فعز حمى الإسلام بالطي والنشر
ومد ظلال الأمن إذ قصر العدا ... فيتلى سناء الملك بالمد والقصر
إذا احتفل الإيوان يوم مشورة ... وتضطرب الآراء من كل ذي حجر
صدعت بفصل القول غير منازعٍ ... وأطلعت آراء قبسن من الفجر
فإن تظفر الخيل المغيرة بالضحى ... فعن رأيك الميمون تظفر بالنصر
فلا زلت للعلياء تحمي ذمارها ... وتسحب أذيال الفخار على النسر
стр. 3249
وللعلم فخر الدين والفتك بالعدا ... بأوت به يا ابن الخطيب على الفخر
فيهنيك عيد الفطر ... ويثني بما أوليت من نعمٍ غر
جبرت مهيضاً من جناحي ورشته ... وسهلت لي من جانب الزمن الوعر
وبوأتني من ذروة العز معتلى ... وشرفتني من حيث أدري ولا أدري
وسوغتني الآمال عذباً مسلسلاً ... وأسميت من ذكري ورفعت من قدري
فدهري عيدٌ بالسرور وبالمنى ... وكل ليالي العمر لي ليلة القدر
فأصبحت مغبوطاً على خير نعمةٍ ... يقل لأدناها الكثير من الشكر وهي طويلة؛ انتهى.
قلت هذا الرئيس ابن زمرك صرح هنا بأنه بجاه لسان الدين ابن الخطيب أدرك من العز ما أدرك ثم أنقلب عليه مع الدهر وكفر نعمته وبها أشرك وحرك من دواعي قتله ما حرك وكم من صديق لك ضرك وعقك بعدما برك وسائك إثر ما سرك ولذا رأيت بخط ابن لسان الدين على هامش قوله في هذه القصيدة " ومد ظلال الأمن - إلخ " ما صورته: هذا مدحه لحاه الله وعلى قوله " وبوأتني من ذروة العز - إلخ " ما مثاله هكذا شهادتك لحقه ثم تحولك عنه وكفر نعمته اغرب أغرب أخزاك الله؛ وانتهى
وكتب بهامش أول ترجمته من الإحاطة ما نصه: اتبعه الله خزياً وعامله بما يستحقه فبهذا ترجمه والدي مولاه الذي رفع من قدره فيه ولم يقتله أحد غيره كفانا الله تعالى شر من أحسنا إليه. وكتب أيضا تحت هذا ما مثاله: هذا الوغد ابن زمرك من شياطين الكتاب ابن حداد بالبيازين قتل أباه بيده أوجعه ضرباً فمات من ذلك وهوأخس عباد الله تربية وأحقرهم صورة وأخملهم شكلاً استعمله أبي في الكتابة السلطانية فجنينا أيام تحولنا عن الأندلس منه كل شر وهوكان السبب في قتل أبي مصنف هذا الكتاب الذي رباه وأدبه واستخدمه، حسبما هومعروف
стр. 3250
وكفانا الله شر من أحسنا إليه وأساء إلينا؛ انتهى
وقد ألممنا بترجمته في هذا الكتاب في باب تلامذة لسان الدين فلتراجع هنالك ومما كتب به ابن زمرك المذكور إلى لسان الدين ابن الخطيب جواباً عن رسالة قوله (١) :
حيت صباحاً فأحيت ساكني القصبه ... واسترجعت أنفساً بالشوق مغتصبه
قضى البيان لها أن لانظير لها ... فأحرزت من معاني خصله قصبه
ناجت طليح سرىً لا يستفيق لها ... هدت جوارحه واستوهنت عصبه
فحركته على فتك الكلال به ... وأذهبت بسرور الملتقى نصبه
وأذكرت عهد مهديها على شحطٍ ... فعاود القلب من تذكاره وصبه
ما كنت أسمح من دهري بجوهره ... لو كان يسمح لي بالقلب من غصبه
سل أدمع الصب من أعدى السحاب بها ... وقلبه بجمار الشوق من حصبه
فالله يحمد مهديها ويشكره ... فوجهها بعصاب الحسن قد عصبه
من كان وارث آداب يشعشعها ... بالفرض إني في إرثي لها عصبه
هوالملاذ ملاذ الناس قاطبةً ... سبحان من لغاث الخلق قد نصبه وخاطبه كذلك بقوله (٢) :
يكلفني مولاي رجع جوابه ... وما لتعاطي المعجزات وما ليا
أجيبك للفضل الذي أنت أهله ... وأكتب مما قد أفدت الأماليا
فأنت الذي طوقتني كل منةٍ ... وأحسبت آمالي وأكسبت ماليا
وأنت الذي أعدى الزمان كماله ... وصيرت أحرار الزمان مواليا
فلازلت للفعل الجميل مواصلاً ... ولازلت للشكر الجزيل مواليا
стр. 3251
وخاطبه كذلك بقوله (١) :
طالعتها دون الصباح صباحا ... لما جلت غرور البيات صباحا
ولقد رأيت وما رايت كحسنها ... وجهاً أغر ومبسماً وضاحا
عذراء أرضعتها البيان لبانه ... وأطال مغدى عندها ومراحا
فأتت كما شاءت وشاء نجيبها ... تذكي الحجى وتنعم الأرواحا
لا بل كمثل الروض باكره الحيا ... وسقى به زهر الكمام ففاحا
وطوت بساط الشوق مني بعدما ... نشرت علي من القبول جناحا وخاطبه كذلك بقوله (٢) :
ذروني فإني بالعلاء خبير ... اسير فإن النيرات تسير
وكم بت أطوي الليل في طلب العلا ... كأني إلى نجم السماء سفير
بعزمٍ إذا ما الليل مد رواقه ... يكر على ظلمائه فينير
أخو كلفٍ بالمجد لا يستفزه ... مهادٌ إذا جن الظلام وثير
إذا ما طوى يوماً على السر كشحه ... فليس له حتى الممات نشور
وإني وإن كنت الممنع جاره ... لتسبي فؤادي أعين وثغور
وما تعتريني فترة ٌفي مدى العلا ... إلى أن أرى لحظاًعليه فتور
وفي السرب من نجدٍ تعلقت ظبيةً ... تصول على ألبابنا وتغير
وتمنع ميسور الكلام أخا الهدى ... وتبخل حتى بالخيال يزور
أسكان نجدٍ جادها واكف الحي ... هواكم بقلبي منجدٌ ومغير
ويا سكني بالأجرع الفرد من منىً ... وأيسر حظ من رضاك كثير
ذكرتك فوق البحر والبعد بيننا ... فمدته من فيض الدموع بحور
стр. 3252
وأومض خفاق الذؤابة بارقٌ ... فطارت بقلبي أنهٌ وزفير
ويهفو فؤادي كلما هبت الصبا ... أما لفؤادي في هواك نصير
ووالله ما أدري أذكرك هزتي ... أم الكأس ما بين الخيام تدور
فمن مبلغٌ عني النوى ما يسوءها ... وللبين حكمٌ يتعدى ويجور
بأنا غداً أوبعده سوف نلتقي ... ونمسي ومنا زائرٌ ومزور
إلى كم أرى أكني ووجدي مصرحٌ ... وأخفي اسم من أهواه وهو شهير
أمنجد آمالي، ومغلي كاسدي ... ومصدر جاهي، والحديث كثير
أأنسى، ولا أنسى، مجالسك التي ... بها تلتقي نضرةٌ وسرور
نزورك في جنح الظلام وننثني ... وبين يدينا من حديثك نور
على أنني إن غبت عنك فلم تغب ... لطائف لم يحجب لهن سفور
نروح ونغدو كل يوم وعندها ... رواحٌ علينا دائمٌ وبكور
فظلك فوقي حيثما كنت وارفٌ ... ومورد آمالي لديك نمير
وعذراً فإني إن أطلت فإنما ... قصاراي من بعد البيان قصور وكتب إليه خاتمة رسالة كذلك:
وحقك ما استطعمت بعدك غمضةً ... من النوم حتى آذن النجم بالغروب
وعارضت مسرى الريح قلت لعلها ... تنم بريا منك عاطرة الهبوب
إلى أن بدا وجه الصباح كأنه ... محياك إذا يجلوبغرته الخطوب
فقلت لقلبي استشعر الأنس وابتهج ... فإن تبعد الأجسام لم تبعد القلوب
وسر في ضمان الله حيث توجهت ... ركابك لا تخشى الحوادث أن تنوب قلت هذه غاية في معناها، ولولا خروجها عن القواعد في ترتيب قافيتها ومبناها، فانظر إلى تحوله عن لسان الدين بعد هذه المدائح، ونسبته إليه بعده القبائح، والإنسان خوان، إلا النادر من الإخوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 3253
[٢٢ - من ابن سلبطور إلى لسان الدين]
قال في " الإحاطة " في ترجمة ابن سلبطور ما نصه: ومما خاطبني به:
تالله ما أورى زناد القلق ... سوى بريق لاح لي بالأبرق
أيقنت بالحين فلولا نفحةٌ ... نجديةٌ منكم تلافت رمقي
لكنت أقضي بتلظي زفرةٍ ... وحسرةٍ بين القلوب موقف التفريق
فآه من هول النوى وما جنى ... على القلوب موقف التفرق
يا حاكي الغصن انثني متوجاً ... بالبدر تحت لمة من غسق
الله في نفس معنى أقصدت ... من لاعج الشوق بما لم تطق
أتى على أكثرها برح الأسى ... دع ما مضى منها وأدرك ما بقي
ولو بإلمام خيالٍ في الكرى ... إن ساعد الجفن رقيب الأرق
فرب زورٍ من خيالٍ زائر ... أقر عيني وإن لم يصدق
شقيت من برح الأسى لو أن من ... أصبح رقي في يديه معتقي
ففي معاناة الليالي عائقٌ ... عن التصابي وفنون العلق
وفي ضمان ما يعاني المرء من ... نوائب الدهر مشيب المفرق
هذا لعمري مع أني لم أبت ... منها بشكوى روعة أوفرق
فقد أخذت من الخطوب غدرها ... بابن الخطيب الأمن مما أتقى
فخر الوزارة الذي ما مثله ... بدرٌ علا في مغربٍ أومشرق
ومذ أرانيه زماني لم أبل ... من صرفه بمرعدٍ أومبرق
لاسيما منذ حططت في حمى ... مقامه (١) الأمنع رحل أينقى
أيقنت أني في رجائي لم أخب ... وأن مسعى بغيتي لم يخفق
ندبٌ له في كل حسنٍ آيةٌ ... تنساب في الخلق أوفي الخُلُقِ
стр. 3254
في وجه مسحة بشر إن بدت ... تبهرجت أنوار شمس الأفق
تعتبر الأبصار في اللألاء ما ... عليه من نور السماح المشرق
كالدهر في استينائه وبطشه ... كالسيف في حد الظبى والرونق
إن بخل الغيث استهلت يده ... بوابلٍ من غيث جودٍ غدق
وإن وشت صفحة طرسٍ انجلى ... ليل دجاها عن سنا مؤتلق
بمثلها من حبراتٍ أخجلت ... حواشي الروض خدود المهرق
ما راق في الآذان أشنافٌ سوى ... ملتقطات لفظه المفترق
تود أجياد الغواني أن يرى ... حليها من در ذاك المنطق
فسل به هل آداه الأمر الذي ... حمل في شرخ الشباب المونق
إذا رأى الرأي فلا يخطئه ... يمن اختيار للطريق الأوفق
إيهٍ أبا عبد الإله هاكها ... عذراء تحثو في وجوه السبق
خذها إليك بكر فكرٍ يزدري ... لديك بالأعشى لدى المحلق
لازلت مرهوب الجناب مرتجىً ... موصول عز في سعود ترتقي
مبلغ الآمال فيما تبتغي ... مؤمن الأغراض مما تتقي [ترجمة ابن سلبطور]
وابن سلبطور هو: محمد بن محمد بن أحمد بن سلبطور الهاشمي.
قال في الإحاطة ": من أهل المرية يكنى أبا عبد الله من وجوه بلده وأعيانه نشأ نبيه البيت ساجباً بنفسه وبما له ذيل الحظوة متحلياً بخصل من خط وأدب وزيراً متجنداً ظريفاً درباً على ركوب البحر وقيادة الأساطيل ثم انحط في هواه انحطاطاً أضاع مروءته واستهلك عقاره وهد بيته وألجأه أخيراً إلى اللحاق بالعدوة فهلك بها.
وجرى ذكره في الإكليل بما نصه مجموع شعر وخط وذكاء عن
стр. 3255
درجة الظرفاء غير منحط إلى مجادة أثيلة البيت شهيرة الحي والميت نشأ في حجر الترف والنعمة محفوفاً بالمالية الجمة فلما عقل عن ذاته وترعرع بين لداته أجرى خيول لذاته فلم يدع منها ربعاً إلا أقفره، ولاعقاراً إلاعقره حتى حط بساحلها واستولى بسفر الإنفاق على جميع مراحلها إلا انه خلص بنفس طيبة وسراوة سماؤها صيبة وتمتع ما شاء من وزير وبم وتأنس لم يعط القياد لهم وفي عفوالله سعة وليس مع التوكل عليه ضعة.
شعره - من شعر قوله يمدح السلطان وأنشدها إياه بالمضارب من وادي الغيران عند قدومه المرية:
أثغرك أم سمطٌ من الدر ينظم ... وريقك أم مسكٌ به الراح تختم
ووجهك أم بادٍ من الصبح نيرٌ ... وفرعك أم داج ٍمن الليل مظلم
أعلل منك الوجد والليل ملتفي ... وهل ينفع التعليل والخطب مؤلم
وأقنع من طيف الخيال بزورةٍ ... لو أن جفوني بالمنام تنعم ثم سرد لسان الدين القصيدة وهي طويلة.
ثم قال ومن شعره مذيلاً على البيت الأخير حسبما نسب إليه ببلده:
نامت جفونك يا سؤلي ولم أنم ... وما ذاك إلا لفرط الوجد والسقم
أشكو إلى الله ما بي من محبتكم ... فهو العليم بما ألقى من الألم
إن كان سفك دمي أقصى مرادكم ... فما غلت نظرةٌ منكم بسفك دمي ومما ينسب إليه كذلك:
قف بي ونادِ بين تلك الطلول ... أين الألى كانوا عليها نزول
أين ليالينا بهم والمنى ... نجنيه غضا ًبالرضى والقبول
стр. 3256
لا حملوا بعض الذي حملوا ... يوم تولت بالقباب الحمول
إن غبتم يا أهل نجد ففي ... قلبي أنتم وضلوعي حلول (١) ثم قال: ناب في القيادة البحرية عن خاله القائد أبي علي الرنداحي، وولي أسطول المنكب (٢) برهة، وتوفي بمراكش عام خمسة وخمسين وسبعمائة، رحمه الله تعالى؛ انتهى.
[٢٣ - من ابن راجح إلى لسان الدين]
وقال لسان الدين: كتب إلي أبوعبد الله ابن راجح التونسي بما يظهر من أبياته، وهي:
أما والذي لي في حلاك من الحمد ... ومالك ملاكي لدي من الرفد
لقد أشعرتني النفس أنك معرض ... عن المسرف الآتي لفضلك يستجدي
فإن زلة مني بدت لك جهرة ... فصفحاً فما والله أذنبت عن قصد [٢٤ - جواب لسان الدين]
فراجعته بقولي:
أجلك عن عتب يغض من الود ... وأكرم وجه العذر منك عن الرد
ولكنني أهدي إليك نصيحتي ... وإن كنت قد أهديتها ثم لم تجد
إذا مقول الإنسان جاوز حده ... تحولت الغراض منه إلى الضد
فأصبح منه الجد هزلاً مذمماً ... وأصبح منه الهزل في معرض الجد
فما اسطعت قبضاً للعنان فإنه ... أحق السجايا بالعلاء وبالمجد
стр. 3257
[ترجمة ابن راجح]
وقال في " الإحاطة " في حق ابن راجح المذكور ما محصله (١) : محمد بن علي بن الحسن بن راجح، باعترافه " ولا تزر وازرة وزر أخرى " (الزمر:٧، الإسراء:١٥، والأنعام:١٦٤) تونسي، أبوعبد الله، يعرف بابن راجح، صاحب رواء وأبهة (٢) ، نظيف البزة، فاره المركب، مطفف مكيال الإطراء، جموح في إيجاب الحقوق، مترام إلى أقصى أماد التوغل، سخي السان بالثناء ثرثاره، مرسل لعنانه في كل المحافل، متواضع متودد فكه مطبوع حسن الخلق عذب الفكاهة، مخصوص حيث حل من الملوك والأمراء بالإثرة، وممن دونهم بالمداخلة والصحبة، ينظم الشعر ويحاضر بالأبيات، ويقوم على تاريخ بلده، ويثابر على لقاء أهل المعرفة، والأخذ عن أولي الرواية، قدم الأندلس عام خمسين وسبعمائة مفلتاً من الوقيعة بالسلطان ابي الحسن، فمهد له سلطانها كنف بره، وآواه لإلى سعة رعيه، وتأكدت بيني وبينه صحبة.
[٢٥ - من لسان الدين إلى ابن راجح]
كتبت إليه أول قدومه بما نصه أحذوحذوأبيات ذكر أن شيخنا أبا محمد الحضرمي خاطبه بها:
أمن الغربي نفحة بارح ... سرت منه أرواح الجوى في الجوارح
قدحت بها زند الغرام وإنما ... تجافيت في دين السلو لقادح
وما هي إلا نسمة حاجرية ... رمى الشوق منها كل قلب بقادح
رجحنا من غير شك كأنها ... شمائل أخلاق الشريف ابن راجح
стр. 3258
فتى هاشم سبقاً إلى كل غاية ... وصبراً، مغار الفتل في كل فادح
أصيل العلا جم السيادة، ذكره ... طراز ندار في برود المدائح
وفرقان مجد يصدع الشك نوره ... حبا الله منه كل صدر بشارح
وفارس ميدان البيان إذا انتضى ... صحائفه أنست مضاء الصفائح
رقيق كما راقتك نغمة ساجع ... وجزل كما راعتك صولة جارح
إذا ما أحتبى مستحضراً في بلاغة ... وخوض خضيم القول منه بسابح
وقد شرعت في مجمع الحفل (١) نحوه ... أسنة حرب للعيون اللوامح
فما ضعضعت منه لصولة صادع ... ولا ذهبت منه بحمة ناصح
تذكرت قساً قائماً في عكاظه ... وقد غص بالشم الأنوف الجحاجح
ليهنك شمس الدين ما حزت من علا ... خواتمه موصولة بالفواتح
رعى الله ركباً أطلع الصبح مسفراً ... لمرآك من فوق الربى والبطائح
ولله ما أهدته كوماء أوضعت ... برحلك في قفر عن الأندلس نازح
أقول لقومي عندما حط كورها ... وساعدها السعدان وسط الأباطح
ذروها وأرض الله لا تعرضوا لها ... بمعرض سوء فهي ناقة صالح
إذا ما أردنا القول فيه فمن لنا ... بطوع القوافي وانبعاث القرائح
بقيت مني نفس وتحفة قادم ... ومورد ظمآن وكعبة مادح
ولا زلت تلقى البر والرحب حيثما ... أرحت السرى من كل غاد ورائح [٢٦ - جواب ابن راجح]
فأجابني بما نصه:
أمن مطلع الأنوار لمحة لامح ... تعاد لمفؤود عن الحي نازح
وهل بالمنى من مورد الوصل يرتوي ... غليل عليل للتواصل جانح
стр. 3259
فيا فيض عين الدمع مالك والحمى ... ورند الحمى والشيح شيح الأشايح
مرابع آرامي ومورد ناقتي ... فسقياً لها سقياً لناقة صالح
سقى الله ذاك الحي ودقاً فإنه ... حمى لمحات العين عن لمح لامح
وأبدى لنا حر الخيام تزف في ... حلى الحسن والحسنى وحلي الملامح
ترى حي تلك الحور للحور مهيع ... يدل، وهل حسم لداء التبارح
ويا دوحة الريحان هل لي عودة ... لعفر عفار الأندلس بين الأباطح
وهل أنت إلا حلة حاتمية ... تغص نواديها بغاد ورائح
أقام بها الفخر الخطيب منابراً ... لترتيل آيات الندى والمنائح
وشفع بالإنجيل حمد مديحه ... وأوتر بالتوراة شفع المدائح
وفرق بالفرقان كل فريقة ... نأت عن رشاد فيه محض النصائح
وهل هو إلا للبرية مرشد ... لكل هدى هاد لأرجح راجح
فبشرى لسان الدين ساد بك الورى ... وأورى الهدى للرشد أوضح واضح
متى قلت لم تترك مقال لقائل (١) ... وإن لم تقل لم يغني مدح لمادح
فمن حام بالحي الذي أنت ربه ... وعام ببحر من عطاياك طافح
يحق له أن يشفع الحمد بالثنا ... ويغدو بذاك البحر أسبح سابح
ويا فوز ملك دمت صدر صدروه ... وبشرى له قد راح أربح رابح (٢)
بآرائك اللاتي تدل على الهدى ... ويبدي لمن خصصت سبل المناجح
ملكت خصال السبق في كل غاية ... وملكت ما ملكت يا ابن الجحاجح
مطامح (٣) آمال لأشرف همة ... أقل مراميها أجل المطامح
فدونكها يا مهدي المدح مدحة ... أجبت بها عن مدح أشرف مادح
стр. 3260
تهنيك بالعام الذي عم مدحه ... مواهب هاتيك البحار الطوافح
فخذها سمي الفخر يا خير مسبل ... على الخلق إغضاء ستور التسامح
ودم خاطب العليا بها خير خاطب ... وأتوق تواق واطمح طامح [بقية ترجمة ابن راجح]
ثم قال لسان الدين: توفي يوم الخميس ثالث شعبان سنة خمس وستين وسبعمائة، وقد ناهز السبعين، ودفناه بروضتنا بباب إلبيرة، وأعفي شارب الشعر من ثاني (١) مقصه، عفا الله تعالى عنا وعنه؛ انتهى.
قلت: رأيت بخط البدر البشتكي في اختصاره لإحاطة لسان الدين وسماه بمركز الإحاطة في هذا المحل ما نصه: قال كاتبه: لو وفق الله تعالى هذا الرجل لم يجب عن مثل تلك الحائية بهذا الهذاء، ولعل ما في كتاب أبي البركات الذي اسمه شعر من لا شعر له أنزل من هذه الطبقة؛ انتهى.
ولقد أشار لسان الدين لهذا بقوله السابق: وأعفي شارب الشعر من ثاني مقصه، فلله دره من لوذعي زان خاتم البراعة بفصه، فلكم له من عبارة وجيزة يقضي بها ما لم يستطع غيره أن يعبر عنه بإطنابه، فعلى كل من يروم التعبير، عما في الضمير، أن يتمسك بأطنابه.
وقال ابن خاتمة: حدثني الشريف الأديب أبوعبد الله ابن راجح التونسي مقدمه علينا بالمرية قال: سجن القاضي أبوعبد الله ابن عبد السلام شاباً وسيماً لحق تعين عليه، فأنشدته مداعباً:
أقاضي المسلمين حكمت حكماً ... غدا (٢) وجه الزمان له عبوسا