لا حملوا بعض الذي حملوا ... يوم تولت بالقباب الحمول
إن غبتم يا أهل نجد ففي ... قلبي أنتم وضلوعي حلول (١) ثم قال: ناب في القيادة البحرية عن خاله القائد أبي علي الرنداحي، وولي أسطول المنكب (٢) برهة، وتوفي بمراكش عام خمسة وخمسين وسبعمائة، رحمه الله تعالى؛ انتهى.
[٢٣ - من ابن راجح إلى لسان الدين]
وقال لسان الدين: كتب إلي أبوعبد الله ابن راجح التونسي بما يظهر من أبياته، وهي:
أما والذي لي في حلاك من الحمد ... ومالك ملاكي لدي من الرفد
لقد أشعرتني النفس أنك معرض ... عن المسرف الآتي لفضلك يستجدي
فإن زلة مني بدت لك جهرة ... فصفحاً فما والله أذنبت عن قصد [٢٤ - جواب لسان الدين]
فراجعته بقولي:
أجلك عن عتب يغض من الود ... وأكرم وجه العذر منك عن الرد
ولكنني أهدي إليك نصيحتي ... وإن كنت قد أهديتها ثم لم تجد
إذا مقول الإنسان جاوز حده ... تحولت الغراض منه إلى الضد
فأصبح منه الجد هزلاً مذمماً ... وأصبح منه الهزل في معرض الجد
فما اسطعت قبضاً للعنان فإنه ... أحق السجايا بالعلاء وبالمجد
стр. 3257
[ترجمة ابن راجح]
وقال في " الإحاطة " في حق ابن راجح المذكور ما محصله (١) : محمد بن علي بن الحسن بن راجح، باعترافه " ولا تزر وازرة وزر أخرى " (الزمر:٧، الإسراء:١٥، والأنعام:١٦٤) تونسي، أبوعبد الله، يعرف بابن راجح، صاحب رواء وأبهة (٢) ، نظيف البزة، فاره المركب، مطفف مكيال الإطراء، جموح في إيجاب الحقوق، مترام إلى أقصى أماد التوغل، سخي السان بالثناء ثرثاره، مرسل لعنانه في كل المحافل، متواضع متودد فكه مطبوع حسن الخلق عذب الفكاهة، مخصوص حيث حل من الملوك والأمراء بالإثرة، وممن دونهم بالمداخلة والصحبة، ينظم الشعر ويحاضر بالأبيات، ويقوم على تاريخ بلده، ويثابر على لقاء أهل المعرفة، والأخذ عن أولي الرواية، قدم الأندلس عام خمسين وسبعمائة مفلتاً من الوقيعة بالسلطان ابي الحسن، فمهد له سلطانها كنف بره، وآواه لإلى سعة رعيه، وتأكدت بيني وبينه صحبة.
[٢٥ - من لسان الدين إلى ابن راجح]
كتبت إليه أول قدومه بما نصه أحذوحذوأبيات ذكر أن شيخنا أبا محمد الحضرمي خاطبه بها:
أمن الغربي نفحة بارح ... سرت منه أرواح الجوى في الجوارح
قدحت بها زند الغرام وإنما ... تجافيت في دين السلو لقادح
وما هي إلا نسمة حاجرية ... رمى الشوق منها كل قلب بقادح
رجحنا من غير شك كأنها ... شمائل أخلاق الشريف ابن راجح
стр. 3258
فتى هاشم سبقاً إلى كل غاية ... وصبراً، مغار الفتل في كل فادح
أصيل العلا جم السيادة، ذكره ... طراز ندار في برود المدائح
وفرقان مجد يصدع الشك نوره ... حبا الله منه كل صدر بشارح
وفارس ميدان البيان إذا انتضى ... صحائفه أنست مضاء الصفائح
رقيق كما راقتك نغمة ساجع ... وجزل كما راعتك صولة جارح
إذا ما أحتبى مستحضراً في بلاغة ... وخوض خضيم القول منه بسابح
وقد شرعت في مجمع الحفل (١) نحوه ... أسنة حرب للعيون اللوامح
فما ضعضعت منه لصولة صادع ... ولا ذهبت منه بحمة ناصح
تذكرت قساً قائماً في عكاظه ... وقد غص بالشم الأنوف الجحاجح
ليهنك شمس الدين ما حزت من علا ... خواتمه موصولة بالفواتح
رعى الله ركباً أطلع الصبح مسفراً ... لمرآك من فوق الربى والبطائح
ولله ما أهدته كوماء أوضعت ... برحلك في قفر عن الأندلس نازح
أقول لقومي عندما حط كورها ... وساعدها السعدان وسط الأباطح
ذروها وأرض الله لا تعرضوا لها ... بمعرض سوء فهي ناقة صالح
إذا ما أردنا القول فيه فمن لنا ... بطوع القوافي وانبعاث القرائح
بقيت مني نفس وتحفة قادم ... ومورد ظمآن وكعبة مادح
ولا زلت تلقى البر والرحب حيثما ... أرحت السرى من كل غاد ورائح [٢٦ - جواب ابن راجح]
فأجابني بما نصه:
أمن مطلع الأنوار لمحة لامح ... تعاد لمفؤود عن الحي نازح
وهل بالمنى من مورد الوصل يرتوي ... غليل عليل للتواصل جانح
стр. 3259
فيا فيض عين الدمع مالك والحمى ... ورند الحمى والشيح شيح الأشايح
مرابع آرامي ومورد ناقتي ... فسقياً لها سقياً لناقة صالح
سقى الله ذاك الحي ودقاً فإنه ... حمى لمحات العين عن لمح لامح
وأبدى لنا حر الخيام تزف في ... حلى الحسن والحسنى وحلي الملامح
ترى حي تلك الحور للحور مهيع ... يدل، وهل حسم لداء التبارح
ويا دوحة الريحان هل لي عودة ... لعفر عفار الأندلس بين الأباطح
وهل أنت إلا حلة حاتمية ... تغص نواديها بغاد ورائح
أقام بها الفخر الخطيب منابراً ... لترتيل آيات الندى والمنائح
وشفع بالإنجيل حمد مديحه ... وأوتر بالتوراة شفع المدائح
وفرق بالفرقان كل فريقة ... نأت عن رشاد فيه محض النصائح
وهل هو إلا للبرية مرشد ... لكل هدى هاد لأرجح راجح
فبشرى لسان الدين ساد بك الورى ... وأورى الهدى للرشد أوضح واضح
متى قلت لم تترك مقال لقائل (١) ... وإن لم تقل لم يغني مدح لمادح
فمن حام بالحي الذي أنت ربه ... وعام ببحر من عطاياك طافح
يحق له أن يشفع الحمد بالثنا ... ويغدو بذاك البحر أسبح سابح
ويا فوز ملك دمت صدر صدروه ... وبشرى له قد راح أربح رابح (٢)
بآرائك اللاتي تدل على الهدى ... ويبدي لمن خصصت سبل المناجح
ملكت خصال السبق في كل غاية ... وملكت ما ملكت يا ابن الجحاجح
مطامح (٣) آمال لأشرف همة ... أقل مراميها أجل المطامح
فدونكها يا مهدي المدح مدحة ... أجبت بها عن مدح أشرف مادح
стр. 3260
تهنيك بالعام الذي عم مدحه ... مواهب هاتيك البحار الطوافح
فخذها سمي الفخر يا خير مسبل ... على الخلق إغضاء ستور التسامح
ودم خاطب العليا بها خير خاطب ... وأتوق تواق واطمح طامح [بقية ترجمة ابن راجح]
ثم قال لسان الدين: توفي يوم الخميس ثالث شعبان سنة خمس وستين وسبعمائة، وقد ناهز السبعين، ودفناه بروضتنا بباب إلبيرة، وأعفي شارب الشعر من ثاني (١) مقصه، عفا الله تعالى عنا وعنه؛ انتهى.
قلت: رأيت بخط البدر البشتكي في اختصاره لإحاطة لسان الدين وسماه بمركز الإحاطة في هذا المحل ما نصه: قال كاتبه: لو وفق الله تعالى هذا الرجل لم يجب عن مثل تلك الحائية بهذا الهذاء، ولعل ما في كتاب أبي البركات الذي اسمه شعر من لا شعر له أنزل من هذه الطبقة؛ انتهى.
ولقد أشار لسان الدين لهذا بقوله السابق: وأعفي شارب الشعر من ثاني مقصه، فلله دره من لوذعي زان خاتم البراعة بفصه، فلكم له من عبارة وجيزة يقضي بها ما لم يستطع غيره أن يعبر عنه بإطنابه، فعلى كل من يروم التعبير، عما في الضمير، أن يتمسك بأطنابه.
وقال ابن خاتمة: حدثني الشريف الأديب أبوعبد الله ابن راجح التونسي مقدمه علينا بالمرية قال: سجن القاضي أبوعبد الله ابن عبد السلام شاباً وسيماً لحق تعين عليه، فأنشدته مداعباً:
أقاضي المسلمين حكمت حكماً ... غدا (٢) وجه الزمان له عبوسا
стр. 3261
سجنت على الدراهم ذا الجمال ... ولم تسجنه إذ غصب النفوسا فأجابني بأن قال: إنما شكاه لي أرباب الدراهم، دون أرباب النفوس؛ انتهى.
رجع إلى ما خوطب به لسان الدين رحمه الله تعالى:
[٢٧ - من العشاب إلى لسان الدين]
ومما خاطبه به أبوعبد الله العشاب (١) التونسي في بعض الأعياد قوله:
بيمن أبي عبد الإله محمد ... تيمّن هذا القطر وانسجم القطر
أفاض علينا من جزيل عطائه ... بحوراً تديم المدّ ليس له جزر
وآنسنا لمّا عدمنا مغانياً ... إذا ذكرت في القلب ليس لها (٢) ذعر
هنيئاً بعيد الفطر يا خير ماجد ... كريم به تسموالسيادة والفخر
ودمت مدى الأيام في ظل نعمة ... تطيع لك الدّنيا ويعنولك الدهر [٢٨ - من محمد بن محمد بن عبد الملك المراكشي إلى لسان الدين]
وقال لسان الدين في ترجمة ابن عبد الملك المراكشي ماصورته: وخاطبني بقوله:
وليت ولايةً أحسنت فيها ... ليعلم أنها شرفت بقدرك
وكم والٍ أساء فقيل فيه ... دني القدر ليس لها بمدرك وقال أيضاً يخاطبني في المعنى:
стр. 3262
وليت فقيل أحسن خير وال ... ففاق مدى مداركها بفضله
وكم وال أساء فقيل فيه ... دنا فمحا محاسنها بفعله [ترجمة ولد ابن عبد الملك]
وفي الإحاطة ما محصلّه أن المذكور محمد بن محمد بن عبد الملك بن سعيد الأنصاري الأوسي، كان شديد الإنقباض، محجوب المحاسن، تنبوالعين عنه جهامة ووحشة ظاهر وغرابة شكل، وفي طي ذلك أدب غضّ، ونفس حرّة، وحديث ممتع، وأبوّة كريمة، أحد لصابرين على الجهد، المستمسكين بأسباب الحشمة، الراضين بالخصاصة، وأبوه قاضي القضاة نسيج وحده الإمام العالم التاريخي المتبحر في الآداب، تقلبت به أيدي الليالي بعد وفاته لتبعة سلطت على نشبه، فاستقر بمالقة مقدوراً عليه، لا يهتدي لمكان فضله إلا من عثر عليه، ومن شعره قوله:
من لم يصن في أمل وجهه ... عنك فصن وجهك عن ردّه
واعرف له الفضل وعرّف له ... حيث أحل النفس من قصده ثم قال: توفي في ذي القعدة عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة؛ انتهى.
[٢٩ - من المكودي إلى لسان الدين]
ومما مدح به لسان الدين قول أبي عبد الله محمد المكودي الفاسي رحمه الله تعالى:
رحماك بي فلقد خلدت في خلدي ... هوىً أكابد منه حرقة الكبد
حللت عقد سلوي عن فؤادي إذ ... حللت منه محل الروح من جسدي
مرآك بدري، التذاذ فمي ... ودين حبّك إضماري ومعتقدي
стр. 3263
ومن جمالك نور لاح في بصري ... ومن ودادك روح حل في خلدي
لا تحسبنّ فؤادي عنك مصطبراً ... فقبل حبك كان الصبر طوع يدي
وهاك جسمي قد أوحى النحول به ... فلوطلبت وجوداَ منه لم تجد
بما في طرفك من غنج ومن حور ... وما بثغرك من در ومن برد
كن بين طرفي وقلبي منصفاً فلقد ... حابيت بعضهما فلعدل ولا تحد
فقال لي: قد جعلت القلب لي وطناً ... وقد قضيت على الأجفان بالسهد
وكيف تطلب عدلً والهوى حكم ... وحكمه قط لم يعدل على أحد
من لي بأغيد لا يرثي لذي شجن ... وليس يعرف ما يلقاه ذو كمد
ما كنت من قبل إذعاني لسطوته ... إخال أن الرشا يسطوعلى الأسد
إن جاد بالوعد لم تصدق مواعده ... فإن قنعت بزور الوعد لم يعد
شكوته علتي منه فقال: ألا ... سر للطبيب فما برء الضنى بيدي
فقلت: إن شئت برئي أوشفى ألمي ... فبارتشاف لماك الكوثري جد
وإن بخلت فلي مولى يجود على ... ضعفي ويبرئ ما أضنيت من جسدي وخرج بعد هذا إلى مدح لسان الدين فأطال وأطاب، وكيف لا وقد ملأ من إحسانه الوطاب، رحم الله تعالى الجميع.
[٣٠ - من اليتيم إلى لسان الدين]
وقال لسان الدين: كتبت إلى عبد الله اليتيم (١) أسأل منه ما أثبت في كتاب " التاج " من شعره، فكتبت إلي بهذه الأبيات:
أما الغرام فلم أخلل بمذهبه ... فلم حرمت فؤادي نيل مطلبه
стр. 3264
يا معرضاً عن فؤاد لم يزل كلفاً ... بحبه، ذا حذار من تجنبه
قطعت عنه الذي عودته فغدا ... وحظه من رضاه برق خلبه
أيام وصلك مبذول، وبرك بي ... مجدد، قد صفا لي عذب مشربه
وسمع ودك عن إفك العواذل في ... شغل وبدر الدجى ناس لمغربه
لا أنت تمنعني نيل الرضا كرماً ... ولا فؤادي بوان في تطلبه
لله عرفك ما أذكى تنسمه ... لو كنت تمنحني استنشاق طيبه
أنت الحبيب الذي لم أتخذ بدلاً ... منه وحاشا لقلبي من تقلبه
يا ابن الخطيب الذي قد فقت كل سنا ... أزال عن ناظري إظلام غيهبه
محمد الحسن في خلق وفي خلق ... أكملت باسمك معنى الحسن فازه به
حضرت (١) أوغبت مالي عن هواك غنى ... لا ينقص البدر حسناً في تغيبه
سيان حال التداني والبعاد، وهل ... لمبصر البدر نيل في ترقبه
يا من أحسن ظني في رضاه وما ... ينفك يهدي قبيحاً من تغضبه
إن كان ذنبي الهوى فالقلب مني لا ... يصغي لسمع ملام من مؤنبه [٣١ - من لسان الدين إلى اليتيم]
فأجبته بهذه الرسالة، وهي ظريفة في معناه: يا سيدي الذي إذا رفعت راية ثنائه تلقيتها باليدين (٢) ، وإذا قسمت سهام وداده على ذوي اعتقاده كنت صاحب الفريضة والدين (٣) ، دام بقاؤك لطرفة تبديها، وغريبة تردفها بأخرى تليها، وعقيلة بيان تجليها، ونفس أخذ الحزن بكظمها، وكلف الدهر بشت نظمها، تؤنسها وتسليها، لم أزل أشد على بدائعك يد الضنين، وأقتني
стр. 3265
درر كلامك، ونفثات أقلامك، اقتناء الدر الثمين، والأيام بلقائك تعد ولا تسعد، وفي هذه الأيام انثالت علي سماؤك بعد القحط، وتواترت لدي آلاؤك على شحط، وزارتني من عقائل بيانك كل فاتنة الطرف، عاطرة العرف، رافلة في حلل البيان والظرف، لوضربت بيوتها بالحجاز، لأقرت لها العرب العاربة بالإعجاز، ما شئت من رصف المبنى، ومطاوعة اللفظ لغرض المعنى، وطيب الأسلوب، والتشبث بالقلوب غير أن سيدي أفرط في التنزل وخلط المخاطبة بالتغزل وراجع الالتفاف ورام استدراك مافات ويرحم الله تعالى شاعر المعرة فلقد أجاد في قوله وانكر مناجاة الشوق بعد انصرام حوله (١) :
أبعد حول تناجي الشوق ناجيةٌ ... هلاة نحن على عشرٍ من العشر (٢) " ولقد تجاوزت في الأمد وأنسيت أخبار صاحبك عبد الصمد فأقسم بألفات القدود وهمزات الجفون السود وحامل الأرواح مع الألواح بالغدووالرواح لولا بعد مزارك ما أمنت غائلة ما تحت إزارك ثم إني حققت الغرض وبحثت عن المشكل الذي عرض فقلت للخواطر (٣) انتقال ولكل مقام مقال وتختلف الحوائج باختلاف الأوقات ثم رفع اللبس خبر الثقات ".
ومنها - " وتعرفت ما كان من مراجعة سيدي لحرفة التكتيب والتعليم، والحنين إلى العهد القديم، فسررت باستقامة حاله، وفضل ماله، وإن لاحظ
стр. 3266
اللاحظ ما قال الجاحظ (١) ، فاعتراض لا يرد وقياس لا يطرد حبذا والله عيش التأديب فلا بالضنك ولا بالجديب معاهدة الإحسان ومشاهدة الصور الحسان (٢) . يميناً إن المعلمين لسادة المسلمين وإني لأنظر منهم كلما خطرت على المكاتب أمراء فوق المراتب من كل مسيطر الدرة متقطب الأسرة متنمر للوارد تنمر الهرة يغدوإلى مكتبه كالأمير في موكبه حتى إذا أستقل في فرشه (٣) ، واستوى على عرشه وترنم بتلاوة قالونه وورشه (٤) ، أظهر للخلق احتقار أوأزرى بالجبال وقاراً ورفعت إليه الخصوم ووقف بين يديه الظالم والمظلوم فتقول كسرى في إيوانه والرشيد في أوانه أوالحجاج بين أعوانه فإذا استولى على البدر السرار وتبين للشهر الغرار تحرك إلى الخرج تحرك العود إلى الفرج استغفر الله مما يشق على سيدي سماعه وتشمئز من ذكره طباعه شيم اللسان خلط الإساءة بالإحسان والغفلة من صفات الإنسان فأي عيش كهذا العيش وكيف حال أمير هذا الجيش طاعة معروفة ووجوه إليه مصروفة فإن أشار بالإنصات لتحقق القصات فكأنما طمس على الأفواه ولأم بين الشفاه وإن أمر بالإفصاح وتلاوة الألواح علا الضجيج والعجيج وحف به كما حف بالبيت الحجيج وكم من بين ذلك رشوة تدس وغمزة لا تحس ووعد يستنجز وحاجة تستعجل وتحفز هنأ الله سيدي ما خوله أنساه بطيب أخراه أوله وقد بعثت بدعابتي مع إجلال قدره والثقة وبسعة صدره فليتها بيمينه ويفسح لها في المرتبة بينه وبين خدينه ويفرغ لمراجعتها وقتاً من أوقاته عملاً بمقتضى دينه وفضل يقينه؛ والسلام ".
стр. 3267
[ترجمة أبي عبد الله اليتيم]
ثم قال ومن المداعبة التي وقعت إليها الإشارة ما كتب به إليه صديقه أبوعلي ابن عبد السلام:
أبا عبد الإله نداء خل ... وفي جاء يمنحك النصيحة
إلى كم تألف الشبان غياً ... وخذلاناً أما تخشى الفضيحة فأجبه بقوله:
فديتك صاحب السمة المليحه ... ومن طابت ارومته الصريحة
ومن قلبي وضعت له محلاً ... فما عنه يحل بأن أزيحه
نأيت فدمع عيني في انسكاب ... واكبادي لفرقتكم قريحة
وطرفي لا يتاح له رقادٌ ... وهل نومٌ لأجفانٍ جريحه
وزاد تشوقي أبيات شعرٍ ... أتت منكم بألفاظٍ فصيحه (١)
ولم تقصد بها جداً ولكن ... قصدت بها مداعبة وقيحه
فقلت أتألف الشبان غياً ... وخذلاناً أما تخشى الفضيحة
ففيهم حرفتي وقوام عيشي ... وأحوالي بخلطتهم نجيحه
وامري فيهم أمرٌ مطاعٌ ... وأوجههم مصابيحٌ صبيحة
وتعلم أنني رجلٌ حصور ... وتعرف ذاك معرفةً صحيحة ثم قال لسان الدين - بعد إيراده ما مر - ما صورته ولم اشتهر المشيب بعارضه ولمته وخفر الدهر بعهود صباه وأذمته أقلع استرجع وتألم لما فرط وتوجع وهوالآن من جلة (٢) الخطباء طاهر العرض والثوب خالص
стр. 3268
من الثوب بادٍ عليه قبول قابل التوبة وتوفي في أخريات صفر سنة خمسين وسبعمائة في الطاعون رحمه الله تعالى وغفر له؛ انتهى.
واليتيم المذكور هوأبوعبد الله بن محمد بن علي العبدري المالقي وفي حقه يقول لسان الدين في التاج ما مثاله: هومجموع أدوات حسان من خط ونغمة (١) لسان أخلاقه روض تتضوع نسماته وبشره صبح تتألق قسماته ولاتخفى سماته يقرطس أغراض الدعابة ويصميها ويفوق سهام الفكاهة إلى مراميها فكلما صدرت في عصره هازلة أوأبيات منحطة عن الإجادة نازلة خمس أبياتها وذيلها وصرف معانيها وسيلها وتكها سمر الندمان وأضحوكة الأزمان وهوالآن خطيب المسجد الأعلى بمالقة متحل بوقار وسكينة حال من أهلها بمكانة مكينة لسهولة جانبه واتضاح مقاصده في الخير ومذاهبه واشتغل لأول أمره بالتكتيب وبلغ الغاية في التعليم والترتيب والشباب لم ينصل خضابه ولا سلت للمشيب عضابه ونفسه بالمحاسن كلفة صبة وشأنه كله هوى ومحبة ولذلك ماخاطبه بعض أودائه وكلاهما رمى أخاه بدائه حسبما يأتي خلال هذا المقول وفي أثنائه؛ انتهى.
وذكر نحوما تقدم ذكره سامح الله الجميع بفضله
[٣٢ - مخاطبة الكرسوطي للسان الدين]
وقال لسان الدين في ترجمة أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الكرسوطي الفاسي (٢) نزيل مالقة ما صورته: وأنشدني وأنا بمالقة أحاول لوث العمامة وأستعين بالغير على الإحكام لها:
стр. 3269
أمعممّاً قمراً تكامل حسنه ... أربى على الشمس المنيرة في البها
لا تلتمس ممّن لديك زيادةً ... فالبدر لا يمتار من نور السها [ترجمة ابي عبد الله الكرسوطي]
قال لسان الدين: وهوفقيه محدث متكلم، ألف كتباً منها الغرر في تكميل الطرر، طرر أبي إبراهيم الأعرج، ثم كتاب الدرر في إختصار الطّرر، المذكور، وتقييدان على الرسالة كبير وصغير، ولخص التهذيب لابن بشير، وحذف أسانيد المصنفات الثلاثة، والتزم إسقاط التكرار، واسترك الصحاح الواقعة في الترمذي على البخاري ومسلم، وقيد على مختصر الطليطلي، وشرع في تقييد على قواعد الإمام أبي الفضل عيّاض بن موسى برسم ولدي، ويصدر منه الشعر مصدراً لاتكنفه منه العناية، وكانت له اليد الطولى في عبارة الرؤيا، ومولده بفاس عام تسعين وستمائة، انتهى ملخصاً.
[٣٣ - مخاطبة ابن الزبير للسان الدين]
وقال في ترجمة أبي عمروبن الزبير ما صورته: ومما خاطبني به عند إيابي من العدوة في غرض الرسالة قوله:
نوالي الشكر للرحمن فرضاً ... على نعم كست طولاً وعرضا
وكم لله من لطف خفي ... لنا منه الذي قد شا وأمضى
بمقدمك السعيد أتت سعود ... ننال بها نعيم الدهر محضا
فيا بشرى لأندلس بما قد ... به والاك بارينا وأمضى
ويا لله من سفر سعيد ... قد أقرضك المهيمن فيك قرضا
ورحت بنية أخلصت فيها ... فأبت بكل ما يبغى ويرضى
وثبت لنصرة الإسلام لمّا ... علمت بأن الأمر إليك أفضى
стр. 3270
لقد أحييت بالتقوى رسوماً ... كما أرضيت بالتمهيد أرضا
وقمت بسنة المختار فينا ... تمهد سنة وتقيم فرضا
ورضت من العلوم الصعب حتى ... جنيت ثمارها رطباً وغضاً
فرأيك راجح فيما تراه ... وعزمك من مواضي الهند أمضى
تدبر أمر مولانا فيلقى ال ... مسيء لديك إشفاقاً وإغضا
فأعقبنا شفاء وانبساطاً ... وقد كانت قلوب الناس مرضى
ومن أضحى على ظماء وأمسى ... يرد إن شاء من نعماك حوضا
أبا عبد الإله إليك أشكو ... زماني حين زاد الفقر عضا
ومن نعماك أستجدي لباساً ... تفيض به علي الجاه فيضا
بقيت مؤملاً ترجى وتخشى ... ومثلك من إذا جاد أرضى [ترجمة أبي عمرو ابن الزبير]
وأبوعمرو المذكور هومحمد بن أحمد بن إبراهيم بن الزبير، أبوه الأستاذ أبوجعفر ابن الزبير، أستاذ الزمان شيخ أبي حيان وغيره، وقال في الإحاطة في حقه: إنه فكه حسن الحديث، ركض طرف الشبيبة في ميدان الراحة منكباً عن سنن أبيه وقومه، مع شفوف وإدراك، وجودة وحفظ، كانا يطمعان والده في نجابته، فلم يعلم قادحاً، شرق فنال حظوة، وجرت عليه خطوب، ثم عاد إلى الأندلس فتطور بها، وهوالأن قد نال منه الكبر يزجي لوقته (١) بمالقة متعللاً برمق من بعض الخدم المخزنية (٢) ، إستجاز له والده الطم والرم من أهل المغرب والمشرق، وبضاعته في الشعر مزجاة، ثم قال: مات تاسع المحرم عام خمسة وستين وسبعمائة؛ انتهى.
стр. 3271
[ترجمة أبي يحيى الأكحل]
وقال في ترجمة أبي يحيى محمد بن أحمد بن محمد بن الأكحل ما صورته:
شيخ هيدوري (١) الذقن، خدوع الظاهر، خلوب اللفظ، شديد اللفظ، شديد الهوى إلى الصوفية، والكلف بإطراء أهل الخير، من بيت صون وحشمة، متقدم في معرفة الأمور العلمية، خائض في غمار التصوف، وانتحال في كيمياء السعادة، راكب متن دعوى عريضة في مقام التوحيد، تكذبها أحوالها الراهنة، لمعاصاة خلقه على الرياضة واستيلاء الشره، وغلبة سلطان الشهوة، والمشاحة أيام الولاية، والسباب (٢) الشاهد بالشدة، والحلف المتصل بياض اليوم في ثمن الخردلة باليمين التي فيها فساد الأنكحة، والغضب الذي يقلب العين.
[٣٤ - مخاطبة الأكحل للسان الدين]
خاطبني بين يدي نكبته ولم أظن الشعر مما تلوكه جحفلته (٣) ، ولكنه من أهل الكفاية:
رجوتك بعد الله يا خير منجد ... واكرم مأمول وأعظم مرفد
وأفضل من أملت للحادث الذي ... فقدت به صبري وما ملكت يدي
وحاشا وكلا أن يخيب مؤملي ... وقد علقت بابن الخطيب محمد
وما أنا إلا عبد نعمته التي ... عهدت بها يمني وإنجاح مقصدي
وأشرف من حض الملوك على التقى ... وأبدى لهم رشداُ نصيحة (٤) مرشد
стр. 3272
وساس الرعايا الآن خير سياسة ... مباركة في كل غيب ومشهد
وأعرض عن دنياه زهداً وإنها ... لمظهرة طوعاً له عن تودد
وما هو إلا الليث إن أتى ... له خائف أوجاء مغناه مجتدي
وبحر علوم دره كلماته ... إذا رددت في الحفل أي تردد
صقيل مراء الفكر رب لطائف ... محاسنها تجلى بحسن تعبد
بديع عروج النفس للملأ الذي ... تجلت له الأسرار في كل مصعد
شفيق رفيق دائم الحلم راحم ... ورأي جميل للجميل معود
صفوح عن الجاني على حين قدرة ... مواصل تقوى الله في اليوم والغد
أيا سيدي يا عمدتي عند شدتي ... ويا مشربي مهما ظمئت وموردي
حنانينك والطف بي وكن لي راحماً ... ورفقاً على شيخ ضعيف منكد
رجاك رجاء للذي أنت أهله ... ووافاك يهدي للثناء المجدد
وأمك مضطراً لرحماك شاكياً ... بحال كحر الشمس حر توقد
وعندي افتقار لا يزال مواصلاً ... لأكرم مولى حاز أجراً وسيد
ترفق بأولاد صغار بكائهم ... يزيد لوقع الحادث المتزيد
وليس لهم إلا إليك تطلع ... إذا مسهم ضر أليم التعهد
أنلهم أيا مولاي نظرة مشفق ... وجد بالرضى وانظر لشمل مبدد
وعامل أخا الكرب الشديد برحمة ... وأسعف بغفران الذنوب وأسعد
ولا تنظرن إلا لفضلك لا إلى ... جريمة شيخ عن محلك مبعد
وإن كنت قد أذنبت إني تائب ... فعود لي الفعل الجميل وجدد (١)
بقيت بخير لا يزال وعزة ... وعيش هنيْ كيف شئت وأسعد
وسخرك الرحمن للعبد؛ إنه ... لمثن وداع للمحل الممجدد ثم قال: وهوالآن من مسطري الأعمال على تهور واقتحام كبرة (٢) ، من
стр. 3273
خط لا غاية وراءه في الركاكة، كما قال المعري (١) :
تمشت (٢) فوقه حمر المنايا ... ولكن بعدما مسخت نمالا (٣) [٣٥ - مخاطبة ابن عياش للسان الدين]
وقال في ترجمة أبي عبد الله محمد بن علي بن عياش بن مشرف الأمي: إنه من أهل الأصالة والحسب، ظهرت منه على حداثة السن أبيات، ونسب إليه شعر توسل بهن وتصرف في الإشراف، فحمدت سيرته، وكتب إلي بقوله:
وسفرت شموس اليمن والإقبال ... وبدت بدور السعد ذات كمال
لقدوم سيدنا الوزير محمد ... أعزز به من سيد مفضال
قمر تجلى بين زهر تجتلي ... يهدي لفعل الخير لا الإضلال
سر آمناً لا تكترث، فلأنت في ... حفظ الإله الواحد المتعالي
براً وبحراً لا تخاف ململة ... وعدو ذاتك خلف ظهرك صالي
لا يستقر له قرار بعدكم ... مما يحل به من الأوجال
والآن ترجع سالماً ومبشراً ... ببلوغ كل مسرة ومنال وهي طويلة، نمطها متخلف عن الإجادة، وهي من مثله مما يستظرف؛ انتهى.
[٣٦ - مخاطبة أبي عبد الله الوادي آشي للسان الدين]
وقال في ترجمة أبي عبد الله محمد العراقي الوادي آشي: فاضل
стр. 3274
الأبوة، بادي الاستقامة، حسن الأخلاق، تولى أعمالاً، كتب إلي وقد أبى عملاً عرض عليه بقوله:
أأصمت ألفاً ثم أنطق بالخلف ... وأفقد إلفاً ثم آنس بالجلف
وأمسك دهري ثم أفطر علقماً ... ويمحق بدري ثم ألحق بالخسف
وعزكم لا كنت بالذل عاملاً ... ولو أن ضعفي ينتهي بي إلى الحتف
فإن تعلموني في تصرف عزة ... وعدل وإلا فاحسموا علة الصرف
بقيتم وسحب العفومنكم تظلني ... وحظ ثنائي دائماًثاني العطف [٣٧ - مخاطبة أبي محمد الأزدي للسان الدين]
وقال في ترجمة أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأزدي ما صورته: وخاطبني لما وليت خطة الإنشاء وغيرها في أواخر عام تسعة وأربعين وسبعمائة بما نصه:
حشاشة نفس أعلنت لمذيبها ... بتذكار أيام الوصال وطيبها
ونادته رحمى أحييها نفس مد نف ... تموت إذا لم تحيها بوجيبها
فداو بقرب منك لاعج وجدها ... وفيض أماقيها، وطول نحيبها
وقد بلغت حداً به صح في الهوى ... وأحكامه ثوب الضنى في نصيبها
وهل يتداوى داء نفس تعيسة ... إذا كان يوماً داؤها من طبيبها
لعل أوار الوجد تخمد ناره ... فيبرد عنها ما بها من لهيبها
إليك حداها الشوق يا بدرها الذي ... يعز عليها منه طول مغيبها
سلكت بها سبل الهوى فهي تبتغي ... لقاك وتبغي غفلة من رقيبها
اجبها بإبقاء عليها فإنها ... ستفنى إذا ما لم تكن بمجيبها
ومل نحوها بالود فهي قد أذعنت ... كما تذعن الأقلام لابن خطيبها
وحيد الزمان الماهر الباهر الحلى ... وجهبذ آداب العلا وأديبها
إمام معاليها، وبحر علومها ... وبدر دياجيها، وصدر شعوبها
стр. 3275
مصرفها كيف اثنت ومعيدها ... ومبدئها حيث انتهت ومصيبها
ورافع أعلام البلاغة والذي ... أتى ناثراً أوناظماً بعجيبها
وحامل رايات الرياسة رفعة ... قضى المجد تخصيصاً لها بوجوبها
من الغر لمن أوجبت لشبابها ... معاليهم الفضل العظيم وشيبها
من أبناء أرباب المنابر والألى ... سما فخرهم بين الورى بركوبها
خلال ابن عبد الله طود الحجى أبي ... محمد باد حسنها من ضروبها
أجاد وأجدى فأسل عن ذكر طيْ ... وحاتمها زهواً به وحبيبها
ففي كل ما يبدي محمد عبرة ... محاسنها تنبي بسر عيوبها
تجيب القوافي إن دعا ببعيدها ... وتنقاد طوعاً إن دعا بقريبها
تخير أخلاق الكرام فلم يكن ... نهى ولهى يرضى بغير رحيبها
تقدم في دار الخلافة حاجباً ... لينجدها في سلمها وحروبها
وقام لها في ساحة العز كاتباً ... بمحضرها أسرارها ومغيبها
فأبدى من أنواع الفضائل أوجها ... تقر لها بالحسن عين لبيبها
هنيئاً به يمناً بأسعد ماثل ... لغرناطة قاض بصرف خطوبها
فللسعد تأثير يجيْ إذا جرى ... به قدر كالريح عند هبوبها
أموقد نار الفكر يقدح زندها ... فيسبي به الألباب سحر نسيبها
حداني إليك الحب قدماً ومال بي ... حديث لآمال خلت عن غريبها
فقدمتها نظماً قوافي قصرت ... لديك بذاوي فكرتي ورطيبها
وكنت كمن وافى لدى الدار بالحصى ... يرفع منها ساهياً عن عيوبها
فصلها وخذ بالعفوفيها فلم أصل ... لأبلغ منها فأغتفر من ذنوبها [قطع من شعر الأزدي]
وصاحب هذا النظم من أهل بلش، وله اقتدار على النظم والنثر، قال في
стр. 3276
الإحاطة ما محصله: ومما وقع له أثناء مقامات وأغراض تشهد باقتداره مهملأً:
رعى الله عهداً حوى ما حوى ... لأهل الوداد وأهل الهوى
أراهم أموراً حلا وردها ... وأعطاهم السؤال كلاً سوا
ولما حلا الوصل صالوا له ... وراموه مأوى وماء روا
وأوردهم سر أسرارهم ... ورد إلى كل داء دوا
وما أمل طال إلا وهي ... وما آمل صال إلا هوى وقال معجمة:
بث بيني يبثني فيض جفني ... شغفي شفني فشبت ببيني
فتنتني بغنج ظبي تجنى ... تبتغي نقض نيتي بتجني
بزة زينت قضيب تثني ... قضيت بغيتي ففزت بفن
خفت تشتيت بنيتي فجفتني ... ثقة تثني فخيب ظني وقال كلمة وكلمة:
الهوى شفني وأهمل جفني ... أدمعاً تثني دماً بتثني
احور شب حر بثي لما ... نقض العهد بين طول تجني
حاكم يتقى ولا ذنب إلا ... شغف لم يخب لمسعاه ظني
ماله ينقض العهود فيشجي ... ولها يثني مسهد جفن
لم يجز وصله فبت محالاً ... يقتضي حل بغيتي كل فن وقال يرثي ديكاً فقده، ويصف الوجد الذي وجده، ويبكي عدم أذانه، إلى غير ذلك من مستظرف شانه:
أودى به الحتف لما جاءه الأجل ... ديكاً فلا عوض منه ولا بدل
стр. 3277
قد كان لي أمل في أن يعيش فلم ... يثبت مع الحتف في بقياه لي أمل
فقدته فلعمري إنها عظة ... وبالمواعظ تذري دمعها المقل
ما كان أبدع مرآه ومنظره ... وصفاً به كل حين يضرب المثل
كأن مطرف وشي فوق ملبسه ... عليه من كل حسن باه حلل
كأن إكليل كسرى فوق مفرقه ... وتاجه فهوعالي الشكل محتفل
موقت لم يكن يعزى له خطأ ... فيما يرتب من ورد ولا خلل
كأن زرقال (١) فيما مر علمه ... علم المواقيت مما رتب الأول
يرحل الليل، يحيي بالصراخ فما ... يصده كلل عنه ولا ملل
رأيته قد وهت منه القوى فهوى ... للأرض فعلأً يريه الشارب الثمل
لو يفتدى بديوك الأرض قل له ... ذاك الفداء ولكن فاجأ الأجل
قالوا الدواء فلم يغن الدواء ولم ... ينفعه من ذاك ما قالوا وما فعلوا
أملت فيه ثواباً أجر محتسب ... إن نلت ذلك صح القول والعمل وأمره السلطان أبوعبد الله سادس الملوك النصريين، وقد نظر إلى شلير وقد تردى بالثلج وتعمم، وكمل ما أراد من بزته وتمم، أن ينظم في وصفه، فقال بديهاً:
وشيخ جليل القدر قد طال عمره ... وما عنده علم بطول ولا قصر
عليه لباس أبيض باه السنا ... وليس بثوب أحكمته يد البشر
فطوراً تراه كله كاسياً به ... وكسوته فيها لأهل النهى عبر
وطوراً تراه عارياً ليس يكتسي ... بحر ولا برد من الشمس والقمر
وكم مرت الأيام وهوكما ترى ... على حاله لم يشك ضعفاً ولا كبر
وذاك شلير شيخ غرناطة التي ... لبهجتها في الأرض ذكر قد اشتهر
стр. 3278
بها ملك سامي المراقي، أطاعه ... كبار ملوك الأرض في حالة الصغر
تولاه رب العرش منه بعصمة ... تقيه مدى الأيام من كل ما ضرر وتوفي المذكور في بلده بلش في طاعون خمسين وسبعمائة؛ انتهى.
[٣٨ - من لسان الدين إلى ابن رضوان]
وقال في " الإحاطة " في ترجمة صاحب القلم الأعلى بالمغرب أبي القاسم بن رضوان النجاري (١) ما صورته: ولما ولي الإنشاء بباب ملك المغرب ظهر لسلطاننا بعض قصور في المراجعات، فكتبت إليه (٢) :
أبا القاسم (٣) لا زلت للفضل قاسماً ... بميزان عدل ينصر الحق من نصر
مدادك وهوالمسك طيباً ومنظراً ... وإلا سواد القلب والفود والبصر
عهدناه في كل المعارف مطنباً ... فما باله في حرمة الود مختصر
أظنك من ليل الوصال انتخبته ... إلينا، وذاك الليل يوصف بالقصر
أردنا بك العذر الذي أنت أهله ... ومثلك لا يرمي بعي ولا حصر [٣٩ - جواب ابن رضوان]
فراجعني، ولا أدري أهي من نظمه أم نظم غيره:
стр. 3279
حقيق أبا عبد الإله بك الذي ... لمذهبه في البر يتضح الأثر
وإن الذي نبهت مني لم يكن ... نؤوماً وحاشا الود أن أغمط الأثر
ورب اختصار لم يشن نظم ناظم ... ورب اقتصار لم يعب نثر من نثر
وعذرك عني من محاسنك التي ... نظام حلاها في الممادح ما انتثر
ومن عرف الوصف المناسب منصفاً ... تأتى له نهج من العذر ما دثر [ترجمة ابن رضوان]
وهوعبد الله ابن يوسف بن لرضوان بن يوسف بن رضوان النجاري، من أهل مالقة، صاحب العلامة العلية والقلم الأعلى بالمغرب، قرأ على جماعة منهم بتونس قاضي الجماعة ابن عبد السلام، قال في التاج فيه أيام لم يفهق حوضه، ولا أزهر روضه، ما نصه: أديب أحسن ما شاء، ومتح قليبه فملأ الدلووبل الرشاء، وعانى على حداثته الشعر والإنشاء، وله ببلده بيت معمور بفضل وأمانة، ومجد وديانة، ونشأ هذا الفاضل على أتم العفاف والصون، فما مال إلى فساد بعد الكون، وله خط بارع، وفهم إلى الغوامض مسارع، وقد أثبت من كلامه، ونفثات أقلامه، كل محكم العقود، زار بابنة العنقود، فمن ذلك قوله (١) :
لعلكما أن ترعيا لي وسائلا ... فبالله عوجا بالركاب وسائلا ومنها:
لقد جار دهري إذ نأى بمطالبي ... وظل بما أبغى من القرب ماطلا
عتبت عليه فاغتدى لي عتباً ... وقال: أصخ لي لا تكن قط عاذلا
أتعبتني أن قد أفدتك موقفاً ... لدى أعظم الأملاك حلماً ونائلا
стр. 3280
مليك حباه الله بالخلق الرضى ... وأعلى له في المكرمات المنازلا وهي طويلة.
ومن نظم ابن لرضوان المذكور (١) :
تبرأت من حولي إليك وأيقنت ... برحماك آمالي أصح يقين
فلا أرهب الأيام إذ كنت ملجأ ... وحسبي يقيني باليقين يقيني وكلفه أبوعنان وصف صيد من غدير فقال من أبيات (٢) :
ولرب يوم في حماك شهدته ... والسرح ناشرة عليك ظلالها
حيث الغدير يريك من صفحاته ... درعاً تجيد به الرياح صقالها
والمنشآت به تدير حبائلأً ... للصيد في حيل تدير حبالها
وتريك إذ يلقي بها اليم الذي ... أخفت جوانحه وغاب خلالها
فحسبتها زرداً وأن (٣) عوالياً ... تركت به عند الطعان نصالها وقال فيه أيضاً:
أبصرت في يوم الغدير عجائباً ... جاءت بآيات العجائب مبصره
سمكاً لدى شبك فقل ليل بدت ... فيه الزواهر للنواظر نيره
فكأن ذا (٤) زرد تضاعف نسجه ... وكأن تلك أسنة متكسره ومما نظمه عن أمر الخلافة المستعينية ليكتب في طرة قبة رياض الغزلان
стр. 3281
من حضرته (١) :
هذا محل المنى بالأمن معمور ... من حله فهوبالآمال محبور
مأوى النعيم به ما شئت من ترف ... تهوى محاسنه الولدان والحور
ويطلع الروض منه مصنعاً عجباً ... يضاحك النور من لألائه النور
ويسطع الزهر من أرجائه أرجاً ... ينافح الند نشر منه منشور
مغنى السرور سقاه الله ما حملت ... غر الغمام وحلته الأزاهير
انظر إلى الروض تنظر كل معجبة ... مما ارتضاه لرأي العين تحبير
مر النسيم به يبغي القرى فقرى ... دراهم النور تبديد وتنثير
وهامت الشمس في حسن الظلال به ... ففرقت فوقها منه دنانير
والدوح ناعمة تهتز من طرب ... همساً، وصوت غناء الطير مجهور
كأنما الطير في أفنائها صدحت ... بشكر مالكها، والفضل مشكور
والنهر شق بساط الروض تحسبه ... سيفاً ولكنه في السلم مشهور
ينساب للجة الخضراء أزرقه ... كالأيم جد انسياباً وهو مذعور
هذي المصانع مولانا التي جمعت ... شمل السرور، وأمر السعد مأمور
وهذه القبة الغراء ما نظرت ... لشكلها العين إلا عز تنظير
ولا يصورها في الفهم ذو فكر ... إلا ومنه لكل الحسن تصوير
ولا يرام بحصر وصف ما جمعت ... من المحاسن إلا صد تقصير
فيها المقاصير تحميها مهابته ... لله ما جمعت تلك المقاصير
كأنها الأفق تبدوالنيرات به ... ويستقيم بها في السعد تسيير
وينشأ المزن في أرجائه وله ... من عنبر الشحر إنشاء وتسخير
وينهمي القطر منه وهو منسكب ... ماء من الورد يذكو منه تقطير
стр. 3282
وتخفق الريح منه وهي ناسمة ... مما أهب به مسك وكافور
ويشرق الصبح منه وهو من غرر ... غر تلألأ منهن الأسارير
وتطلع الشمس فيه من سنا ملك ... تبسم الدهر منه وهو مسرور
لله منه إمام عادل بهرت ... أوصافه فهي للأمداح تحبير
غيث السماح وليث البأس فالق به ... محيي الهدى وهوللعادين تتبير
قل للمباري وإن لم تلقه أبداً ... ورب فرض محال وهو تقدير
فخر الأنام أحل الفخر منزله ... فكل مدح على علياه مقصور
إذا أبوسالم مولى الملوك بدا ... بدراً تضيْ بمرآه الدياجير
فأي خطب يخاف الدهر آمله ... وأي سؤل له في النيل تعذير
بشراك بشراك يا نجل الخلافة ما ... خولت من نيلها والضد مقهور
لك الخلود بعز الملك في نعم ... لا يعتري صفوها في الدهر تكدير
فانعم هنيئاً بلذات مواصلة ... لا يأتليهن إلمام وتكرير
لازلت تلقى المنى في غبطة أبداً ... ما دام لله تهليل وتكبير وقال وكتب به على قلم فضة:
إذا شهدت بالنصر خطية القنا ... فملكت أمر الفتح من دون ما شرط
كفى شاهداً مني بفضلك ناطقاً ... لساني مهما أفصحت ألسن الخطي وقال وكتب به على سكين:
أروح بأمر المستعين وأغتدي ... لإذهاب طغيان اليراع الرواقم
ويفل في الأقلام حدي مصلحاً ... كفعل ظبي أسيافه في الأقالم قال: ومما كتب به على قصيدة عيدية:
لما رأيت هدايا أعظمها ... هدية الطيب في حسن وتعجيب
стр. 3283
ولم أجد في دروب العاطرات شذا ... يحكي ثنائك في نشر وفي طيب
أهديت نحوك منه كل ذي أرج ... أنفاسه بين تشريق وتغريب
وفي القبول منال السعد فالق به ... تلق الأماني بتأهيل وترحيب وقال في رجل يلقب بالبعير:
وذي لقب عنت له عند صحبه ... مآرب لم يسعد عليهن مسعد
دعوه بعيراً فاستشاط فقال مه ... أبا أحمد، وارتد عنهم يهدهد
فقلت له عد نحوهم لتعود من ... مرامك بالمطلوب توفى وتحمد
فقال وقد غص الفضاء بصوته ... وقد هدرت منه الشقاشق تزبد
لئن عدت نادوني بعيراً كمثلها ... فقلت له لا تخشى فالعود (١) أحمد وقال (٢) :
وبخيل لما دعوه لسكنى ... منزل بالجنان ضن بذلك
قال لي مخزن بداري فيه ... كل مالي فلست للدار تارك
قلت وفقت للصواب فحاذر ... قول خل مرغب في انتقالك
لا تعرج على الجنان بسكنى ... ولتكن ساكناً بمخزن مالك (٣) وقال رحمه الله تعالى في مركب:
يا رب منشأة عجبت لشأنها ... وقد احتوت في البحر أعجب شان
سكنت بجنبيها عصابة شدة ... حلت محل الروح في الجثمان
فتحركت بإرادة مع أنها ... في جنسها ليست من الحيوان
стр. 3284
وجرت كما قد شاءه سكانها ... فعلمت أن السر في السكان (١) وقال رحمه الله تعالى:
وذي خدع دعوه لاشتغال ... وما عرفوه غثاً من سمين
فأظهر زهده وغنى بمال ... وجيش الحرص منه في كمين
وأقسم لا فعلت يمين خب ... فيما عجباً لحلاف مهين
يغر بيسره ويمين حنث ... ليأكل باليسار وباليمين وهوالآن بحالة الموصوفة؛ انتهى.
[٤٠ - مخاطبة أبي بكر بن عبد الله للسان الدين]
وقال لسان الدين رحمه الله تعالى: خاطبني أبوبكر عبد الرحمن بن عبد الملك مستدعياً إلى إعذاره ولده بقوله:
أريد من سيدي الأعلى تكلفه ... إلى الوصول إلى داري صباح غد
يزيدني شرفاً منه ويبصر لي ... صناعة القاطع الحجام في ولدي فأجبته:
يا سيدي الأوحد الأسمى ومعتمدي ... وذا الوسيلة من أهلي ومن بلدي
دعوت في يوم الاثنين الصحاب ضحى ... وفيه ما ليس في سبت ولا أحد
يوم السلام على المولى وخدمته ... فاصفح وإن عثرت رجلي فخذ بيدي
والعذر أوضح من نار على علم ... فعد إن غبت عن لوم وعن فند
بقيت في ظل عيش لا نفاذ له ... مصاحباً غير محصور إلى أمد
стр. 3285
[ترجمة أبي بكر بن عبد الملك]
وأبوبكر المذكور أصله من باغه، ونشأ بلوشة، وهومحسوب من الغرناطيين.
وفي " التاج " حقه ما صورته: فارض هاجي، مداهن مداجي، أخبث من نظر من طرف خفي، وأغدر من تلبس بشعار وفي، إلى مكيدة مبثوثة الحبائل، وإغراء يقطع بين الشعوب والقبائل، من شيوخ طريقة العمل، المتقلبين من أحوالها بين الصحو والثمل، المتعللين برسومها حين اختلط المرعي بالهمل، وهوناظم أرجاز، ومستعمل حقيقة ومجاز، نظم مختصر السيرة، في الألفاظ اليسيرة، ونظم رجزاً في الزجر والفال، نبه به تلك الطريقة بعد الإغفال؛ انتهى.
قال: ومن شعره:
إن الولاية رفعة لكنها ... أبداً إذا حققتها تتنقل
فانظر فضائل من مضى من أهلها ... تجد الفضائل كلها لا تعزل توفى بالطاعون بغرناطة عام خمسين وسبعمائة؛ انتهى.
[٤١ - مخاطبة أبي سلطان للسان الدين]
وقال في ترجمة أبي سلطان عبد العزيز بن علي الغرناطي بن يشت ما صورته (١) : ومما خاطبني به قوله:
أطلت عتب زمان فل من أملي ... وسمته الذم في حل ومرتحل
عاتبته ليلين العتب جانبه ... فما تراجع عن مطل ولا بخل
стр. 3286
فعدت أمنحه العتبى ليشفق لي ... فقال لي إن سمعي عنك في شغل
فالعتب عندي كالعتبى فلست أرى ... أصغي لمدحك إذ لم أصغ للعذل
فقلت للنفس كفي عن معاتبةٍ ... لا تنقضي وجوابٍ صيغ من وجل
من يتعلق في الدنا بابن الخطيب فقد ... سما عن الذل واستولى على الجذل
قالت فمن لي بتقريبي لخدمته ... فقد أجاب قريباً من جوابك لي
فقال للناس كفوا عن محادثتي ... فليس ينفعكم حولي ولا حيلي
قد أشتغلت عن الدنيا بآخرتي ... وكان ما كان من أيامي الأول
وقد رعيت وما أهملت من منح ... فكيف يختلط المرعي بالهمل
ولست أرجع للدنيا وزخرفها ... من بعد شيب غدا في الرأس مشتعل
ألست تبصر أطماري وبعدي عن ... نيل الحظوظ وإغذاذي إلى أجلي
فقلت ذلك قولٌ صح مجمله ... لكن من شأنه التفصيل للجمل
ما أنت جالب أمرٍ نستعين به ... على المظالم في حال ومقتبل
ولا تحل حراماً أو تحرم ما ... أحل ربك في قولٍ ولاعمل
ولا تبع آجل الدنيا بعاجلها ... كما الولاة تبيع اليم بالوشل
وأين عنك الرشا إن ظلت تطلبها ... هذا لعمري أمرٌ غير منفعل
هل أنت تطلب إلا أن تعود إلى ... كتب المقال الرفيع القدر في الدول
فما لأوحد هذا الكون قاطبةً ... وأسمح الخلق من حافٍ ومنتعل
لم يلتفت نحوما تبغيه من وطرٍ ... ولم يسد الذي قد بان من خلل
إن لم تقع نظرةٌ منه عليك فما ... يصفو لديك الذي أملت من أمل
فدونك السيد الأعلى فمطلبكم ... قد نيط منه بفضلٍ غير منفصل
قد خبرت بني الدنيا بأجمعهم ... من عالمٍ وحكيم عارفٍ وولي
فما رأيت له في الناس من شبهٍ ... قل النظير له عندي فلا تسل
وقد قصدتك يا أسمى الورى همماً ... وليس لي عن حمى علياك من حول
فما سواك لما أملت من أملٍ ... وليس لي عنك من زيغ ولا ميل
стр. 3287
فأنظر لحالتي فقد ترق الحسود لها ... واحسم زمانة ما قد ساء من علل
ودم لنا ولدين الله ترفعه ... ما أعقبت بكر الإصباح بالأصل
لازلت معاتباً عن كل حادثةٍ ... كما علت ملة الإسلام في الملل انتهى.
[ترجمة عبد العزيز أبي سلطان]
والمذكور هوعبد العزيز بن علي بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد العزيز بن يشت، من غرناطة، يكنى أبا سلطان قال في " الإحاطة " في حقه: فاضل حيي حسن الصورة بادي الحشمة فاضل البيت سريه كتب في ديوان الأعمال فأتقن وترقى إلى الكتابة السلطانية وسفر في بعض الأغراض الغربية ولازم الشيخ أبا بكر عتيق بن مقدم من مشيخة الصوفية بالحضرة فظهرت عليه آثار ذلك في نظمه ومقاصده فمن نظمه ومقاصده فمن نظمه ما أنشده ليلة الميلاد المعظم:
القلب يعشق والمدامع تنطق ... برح الخفاء فكل عضو منطق
إن كنت أكتم ما أكن من الجوى ... فشحوب لوني في الغرام مصدق
وتذللي عند اللقا وتملقي ... إن المحب إذا دنا يتملق
فلكم سرت عن الوجود محبتي ... والدمع يفضح ما يسر المنطق
ولكم أموه بالطلول وبالكنى ... وأخوض بحر الكتم وهو الأليق
ظهر الحبيب فلست لأبصر غيره ... فبكل مرئي أرى يتحقق
ما في الوجود تكثرٌ لمكثرٍ ... إنا لمكثر بالأباطل يعلق
فمتى نظرت فأنت موضع نظرتي ... ككل اللسان وكل عنه المنطق
فاسلك مقامات الرجال محققاً ... إن المحقق شأوه لا يلحق
مزق حجاب الوهم لا تحفل به ... فالوهم يستر ما العقول تحقق
стр. 3288
واخلص إذا شئت الوصول ولاتئل (١) ... فالعجز عن طلب المعارف موبق
إن التحلي في التخلي فاقتصد ... ذاك الجناب فبابه لا يغلق
ولتقتبس نار الكليم ولاتخف ... والغ السوى إن كنت منها تفرق
ومتى تجلى فيك سر جماله ... فصعقت خوفاً فالمكلم يصعق
دع رتبة (٢) التقليد عنك ولاتته ... تلق الذي قيدت وهوالمطلق
واقطع حبال علائقٍ وعوائقٍ ... إن العوائق بالمكاره تطرق
جرد حسام النفس عن جفن الهوى ... إن العوائد بالتجرد تخرق
فإذا فهمت السر منك فلا تبح ... فالسيف من بث الحقائق أصدق
بالذوق لا بالعلم يدرك علمنا ... سر بمكنون الكتاب يصدق
رفعت له الحجب التي لم ترتفع ... إلا إليه فكل ستر يخرق
ورقي مقاماً قصرت عن كهنه ... رتب الوجود وكع عنه السبق
وطئ البساط تدللاً وجرى إلى ... أمد تناهى ما إليه مسبق
إنسان عين الكون مبلغ سره ... قطب الجمال وغيثه المتدفق
سر الوجود ونكتة الدهر الذي ... كل الوجود بجوده يتعلق
من جاء بالآيات يسطع نورها ... والذكر فهو عن الهوى لا ينطق
يا سيد الأرسال غير مدافعٍ ... وأجلهم سبقاً وإن هم أعنقوا
بالفقر جئتك مؤلي لا بالغنى ... فالذل والإذعان عندك ينفق
فاجبر كسير جرائرٍ وجرائمِ ... فالقلب من عظم الخطايا يقلق
стр. 3289
أرجوك يا غوث الأنام فلا تدع ... باب الرضى دوني يسد ويغلق
حاشاك تطرد من أتاك مؤملاً ... فلأنت لي مني أن وأرفق
ومحبتي تقتضي بأنك منقذي ... مما أخاف فما بغيرك أعلق
يا هل تساعدني الأماني والمنى ... وأحل حيث سنا الرسالة يشرق
فعليك يا أسنى الوجود تحيةٌ ... من طيب نفحتها البسيطة تعبق
وعلى صحابتك الذين تأنقوا ... رتب الكمال ومثلهم يتأنق
وعلى الألى آووك في أوطانهم ... نالوا بذلك رتبةً لا تلحق
أعظم بأنصار النبي وحزبه ... وبمن أتى بعباءة يتعلق
من مثل سعدٍ أو كقيسٍ نجله ... عرف السيادة من حماهم ينشق
أكرم بهم وبمن أتى من سرهم ... عز النظير فمجدهم لا يلحق
من مثل نصرٍ أوبنيه ملوكنا ... كل الأنام لعزهم يتملق
بمحمدٍ نجل الخليفة يوسفٍ ... عز الهدى فحماه ما إن يطرق
مولى الملوك وتاج مفرق عزهم ... وأجل من تحدى إليه الأنيق
ملكٌ يرى أن التقدم مغنمٌ ... مهما تعرض موكبٌ أو فيلق
تروى أحاديث الوغى عن بأسه ... فالسيف يسند والعوالي تطلق
ملك البسالة والمكارم والنهى ... فعداته منه تغص وتفرق
ملئت قلوب عداه منه مهابةً ... فمغربٌ من خوفه ومشرق
مولاي يا أسمى الملوك ومن غدت ... عين الزمان إلى سناه تحدق
لا تقطعوا عني الذي عودتم ... فالعبد من قطع العوائد يشفق
لا تحرموني مطلبي فمحبتي ... تقضي لسعيي أنه لا يخفق
فانعم بردي في بساطك كاتباً ... وأعد لما قد كنت فهوالأليق
فاسلم أمير المسلمين لأمةٍ ... أفواههم ما إن بغيرك تنطق
стр. 3290
وأهنأ بها من ليلةٍ نبويةٍ ... جاءت بأكرم من به يتعلق
صلى عليه الله ما هبت صباً ... واهتز غصنٌ في الحديقة مورق ثم قال وهوبحالته الموصوفة؛ انتهى.
[٤٢ - رسالة من النباهي للسان الدين]
ومما خوطب به لسان الدين رحمه الله تعالى ما حكاه في الإحاطة في ترجمة القاضي أبي حسن النباهي إذ قال ما نصه وخاطبني بسبتة وأنا يومئذ بسلا بقوله يا أيتها الآية البالغة وقد طمست الأعلام والغرة الواضحة وقد تنكرت الأيام والبقية الصالحة وقد ذهب الكرام أبقاكم الله تعالى البقاء الجميل وأبلغكم غاية المراد ومنتهى التأميل أبي الله أن يتمكن المقام بالأندلس بعدكم وأن يكون سكون النفس إلا عندكم سرٌ من الكون غريب ومعنى في التشاكل عجيب أختصر لكم الكلام فأقول بعد التحية والسلام تفاقمت الحوداث وتعاظمت الخطوب والكوارث واستأسدت الذئاب الأخابث ونكث الأكثر من ولد سام وحام ويافث فلم يبق إلا كاشح باحث أومكافح عابث وياليت شعري من الثالث فحينئذ وجهت وجهي للفاطر البعث ونجوت بنفسي لكن منجى الحارث وقد عبرت البحر كسير الجناح دامي الجراح وإني لأرجوالله سبحانه بحسن نيتكم أن يكون الفرج قريباً والصنع عجيباً فعمادي أعان الله على القيام بواجبه هوالركن الذي مازلت أميل على جوانبه ولا تزيدني الأيام إلا بصيرة في الإقرار بفضله والاعتداد به وقد وصلني خطاب سيدي الذي جلى الشكوك بنور يقينه ونصح النصح اللائق بعلمه ودينه وكأنه نظر إلى الغيب من وراء حجاب فأشار بما أشار به على سارية عمر بن الخطاب ومن العجب أني علمت بمقتضى إشارته قبل بلوغ إضبارته فلله ما تضمنه مكتوبكم الكريم من الدر وحرره من الكلام
стр. 3291
الحر وايم الله لوتجسم لكان ملكاً ولوتنسم لكان مسكاً ولوقبس لكان شهاباً ولولبس لكان شباباً فحل مني علم الله تعالى محل البرء من المريض وأعاد الأنس من التعريض والكلم المزرية بقطع الروض الأريض فقبلته عن راحتكم وتخليت أنه مقيم بساحتكم ثم وردت معينه الأصفى وكلت من بركات مواعظه بالمكيال الأوفى وليست بأول أياديكم وإحالتكم على الله فهوالذي يجازيكم وبالجملة فالأمور بيد الأقدار لا إلى المراد والاختيار:
وما كل ما ترجوالنفوس بنافعٍ ... ولا كل ما تخشى النفوس بضرار انتهى.
قات أين هذا الكتاب من الذي قدمناه عنه في الباب الثاني حين أظلم بينه وبين لسان الدين الجووعطفه إلى مهاجا ته ثاني وسفر في أمره إلى العدوة واجتهد في ضرره بعد أن كان له به القدوة وقد قابله لسان الدين بما أذهب عن جفنه الوسن وألف فيه كما سبق " خلع الرسن ".
[ترجمة النباهي]
على أنه عرف به في " الإحاطة " أحسن تعريف وشرفه بحلاه أجمل تشريف إذ قال ما ملخصه (١) : علي بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الله ابن الحسن بن محمد بن الحسن الجذامي المالقي أبوالحسن، ويعرف بالنباهي، هذا الفاضل قريع بيت مجادة وجلالة، وبقية تعين وأصالة، عف النشأة، طاهر الثوب، مؤثر للوقار والحشمة، خاطب للشيخوخة، مستعجل للشيبة، ظاهر الحياء، متحرك مع السكون، بعيد الغور، مرهف الجوانب
стр. 3292
مع الانكماش في والآلة متاظهر بالسذاجة بريء من النوك والغفلة يقظ للمعاريض مهتدٍ إلى الملاحن طرف في الجود (١) ، حافظ مقيد طلعة إخباري قائم على تاريخ بلده شرع في تكميل ما صنف فيه ملازم للتقييد والتطرير (٢) ، منقر عن الإجادات والفوائد استفدت منه في هذا الغرض وغيره كثيراً حسن الخط ناظم ناثر نثره يشف على نظمه ذاكر للكثير استظهر محفوظات منها النوادر لقالي وناهيك به محفوظاً مهجوراً ومسكاً غفلاً فما ظنك بسواه نشا ببلده حر الطعمة فاضل الأبوة وقرأ به ثم ولى القضاء بملتماس (٣) ثم ببلش وعملها فسيح الخطة مطلق الجراية بعيد المدى في باب النزاهة ماضياً غير هيوب حتى أربى في الزمن القريب على المحتنكين وغبر في وجوه أهل الدربة وجرت أحكامه مستندة إلى الفتيا جارية على المسائل المشهورة ثم نقل منها إلى النظر في أمور الحل والعقد بمالقة مضافة إليه الخطط النبيهة وصدر له منشور من إملائي إلى أن قال في ترجمة نظمه قال نظمت سمح الله تعالى لي قطعتين موطئاً فيهما على البيتين المشهورين إحداهما:
بنفسي من غزلان حزوى غزالةٌ ... جمال محياهاعن النسك زاجر
تصيد بلحظ الطرف من رام صيدها ... ولو أنه النسر الذي هو طائر
معطرة الأنفاس رائقة الحلى ... هواها بقلبي في المهامة سائر
" إذا رمت عنها سلوة قال شافعٌ ... من الحب ميعاد السلو المقابر " والأخرى:
وقائلةٍ لما رأت شيب لمتي ... لئن ملت عن سلمى فعذرك ظاهرُ
стр. 3293
زمان التصابي قد مضى لسبيله ... وهل لك بعد الشيب في الحب عاذ
فقلت لها كلا وإن تلف الفتى ... فما لهواها عند مثلي آخ
" سيبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ود يوم تبلى السرائر " وكتب على مثال النعل الكريم وأهداه لمزمع سفر:
فديتك لا يهدى إليك أجل من ... حديث نبي الله خاتم رسله
ومن ذلك الباب المثال الذي أتى ... به الأثر المأثور في شأن نعله
ومن فضله مهما يكن عند حاملٍ ... له نال ما يهواه ساعة حمله
ولا سيما إن كان ذا سفرٍ به ... فقد ظفرت يمناه بالأمن كله
فدونك منه أيها المعلم الرضى ... مثالاً كرماً لا نظير لمثله وقال مراجعاً عن أبيات يظهر منها غرضها:
إذا كنت بالقصد الصحيح لنا تهوى ... فسلم لنافي حكمنا ودع الشكوى
ولا تتبع أهواء نفسك والتفت ... لنا حيث كنا في الرخاء وفي اللأوا (١)
وكم من محب في رضانا وحبنا ... محا كل ما يبدو سوانا له محوا
رآنا عياناً عين معنى وجوده ... فعاج عن الشكوى وفوض في البلوى
وقال تحكم كيف شئت بما ترى ... رضيت بما تقضي وهمت بما تهوى
فحل لدينا بالخلوص وبالرضى ... محلٍ اختصاصٍ نال منه المنى صفوا
فإن كنت ترجوفي الصبابة والهوى ... لحاقاً بهم فاسلك طريقهم الأضوا
ومت في سبيل الحب إن كنت مخلصاً ... لنا في الهوى تحيا حياة أولي التقوى
هنالك تؤتى ما تريد وتقتضي ... ديونك منا دون مطلٍ ولا دعوى
وتشرب من عين اليقين وتغتذي ... بخمر الصفا الصرف الزلال لكي تروى
стр. 3294
وقال:
لا تلجأن لمخلوقٍ من الناس ... من يافثٍ كان أصلاً أومن الياس
وثق بربك لاتيأس تجد عجباَ ... فلا أضر على عبدٍ من اليأس وقال:
فديتك لا تصحب لئيماً ولا تكن ... معيناً له إن اللئيم خؤؤن
فلا عهد يرعى لا ولا نعمةً يرى ... ولا سر خلٍ عن عداه يصون وقال يخاطب أبا القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان:
لك الله قلبي في هواك رهين ... وروحي عني إن رحلت ظعين
ملكت بحكم الفضل كلي خالصاً ... وملكك للحر الصريح يزين
فهب لي من نطقي بمقدار ما به ... يترجم سرٌ في الفؤاد دفين
فقد شملتنا من رضاك ملابسٌ ... وسح لدينا من نداك معين
أعنت على الدهر الغشوم ولم تزل ... بدنياك في الأمر المهم تعين
وقصر من لم تعلم النفس أنه ... خذولٌ إذا خان الزمان يخون
وإني بحمد الله عنه لفي غنىً ... وحسبي صبرٌ عن سواك يصون
ابى لي مجدٌ عن كرام ورثته ... وقوفاً ببابٍ للكريم يهين
ونفسٌ سئمت فوق السماكين همةٌ ... وما كل نفسٍ بالهوان تدين
ولما رأت عيني محياك أقسمت ... بأنك للفعل الجميل ضمين
وعاد لها الأنس الذي كان قد مضى ... برية إذ شرخ الشباب خدين
بحيث نشئنا لابسين حلى التقى ... وكلٌ بكلٍ عند ذاك ضنين
أما وسنا تلك الليالي وطيبها ... ووجد غرامي والحديث شجون
وفتيان صدقٍ كالشموس وكالحيا ... حديثهم ما شئت عنه يكون
لئن نزحت تلك الديار فوجدنا ... عليها له بين الضلوع أنين
стр. 3295
إذ مر حينٌ زاده الشوق جدةً ... وليس بعابٍ للربوع حنين
وأنى بمسلاها وللبين لذعةٌ ... اقل أذاها للسليم جنون
لقد عبثت أيدي الزمان بجمعنا ... وحان أفتراقٌ لم نخله يحين
وبعد التقينا في محل تغرب ... وكل الذي دون الفراق يهون
فقابلت بالفضل الذي أنت أهله ... ومالك في حسن الصنيع قرين
وغبت وما غابت مكارمك التي ... على شكرها الرب العظيم يعين
يميناً لقد أوليتنا منك نعمةً ... تلذ بها عند العيان عيون
ويقصر عنها الوصف إذ هيا كلها ... لها وجه حرٍ بالحياء مصون
ولما قدمت الآن زاد سرورنا ... ومقدمك الأسى بذاك قمين
لأنك أنت الروح منا وكلنا ... جسومٌ فعند البعد كيف نكون
ولو كان قدر الحب فيك لقاؤنا ... إليك لكنا باللزوم ندين
ولكن قصدنا راحة المجد جهدنا ... فراحته شمل الجميع تصون
هنيئاً هنيئاً أيها العلم الرضى ... بما لك في طي القلوب كمين
لك الحسن والإحسان والعلم والتقى ... فحبك دنيا للمحب ودين
وكم لك في باب الخلافة من يد ... أقرت لها بالصدق منك مرين
وقامت عليها للملوك أدلةٌ ... فأنت لديها ما حييت مكين
فلا وجه إلا وهوبالبشر مشرقٌ ... ولا نطق إلا عن علاك مبين
بقيت لربع الفضل تحمي ذماره ... صحيحاً كما قد صح منك يقين
ودونك يا قطب المعالي بنيةً ... من الفكر عن حال المحب تبين
أتتك ابن رضوان تمت بودها ... وما لسوى الإغضاء منك ركون
فخل انتقاد البحث عن هفواتها ... ومهد لها بالسمح حيث تكون
وخذها على علاتها فحديثها ... حديث غريبٍ قد عراه سكون وهوبحاله الموصوفة؛ انتهى باختصار.