الحر وايم الله لوتجسم لكان ملكاً ولوتنسم لكان مسكاً ولوقبس لكان شهاباً ولولبس لكان شباباً فحل مني علم الله تعالى محل البرء من المريض وأعاد الأنس من التعريض والكلم المزرية بقطع الروض الأريض فقبلته عن راحتكم وتخليت أنه مقيم بساحتكم ثم وردت معينه الأصفى وكلت من بركات مواعظه بالمكيال الأوفى وليست بأول أياديكم وإحالتكم على الله فهوالذي يجازيكم وبالجملة فالأمور بيد الأقدار لا إلى المراد والاختيار:
وما كل ما ترجوالنفوس بنافعٍ ... ولا كل ما تخشى النفوس بضرار انتهى.
قات أين هذا الكتاب من الذي قدمناه عنه في الباب الثاني حين أظلم بينه وبين لسان الدين الجووعطفه إلى مهاجا ته ثاني وسفر في أمره إلى العدوة واجتهد في ضرره بعد أن كان له به القدوة وقد قابله لسان الدين بما أذهب عن جفنه الوسن وألف فيه كما سبق " خلع الرسن ".
[ترجمة النباهي]
على أنه عرف به في " الإحاطة " أحسن تعريف وشرفه بحلاه أجمل تشريف إذ قال ما ملخصه (١) : علي بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الله ابن الحسن بن محمد بن الحسن الجذامي المالقي أبوالحسن، ويعرف بالنباهي، هذا الفاضل قريع بيت مجادة وجلالة، وبقية تعين وأصالة، عف النشأة، طاهر الثوب، مؤثر للوقار والحشمة، خاطب للشيخوخة، مستعجل للشيبة، ظاهر الحياء، متحرك مع السكون، بعيد الغور، مرهف الجوانب
стр. 3292
مع الانكماش في والآلة متاظهر بالسذاجة بريء من النوك والغفلة يقظ للمعاريض مهتدٍ إلى الملاحن طرف في الجود (١) ، حافظ مقيد طلعة إخباري قائم على تاريخ بلده شرع في تكميل ما صنف فيه ملازم للتقييد والتطرير (٢) ، منقر عن الإجادات والفوائد استفدت منه في هذا الغرض وغيره كثيراً حسن الخط ناظم ناثر نثره يشف على نظمه ذاكر للكثير استظهر محفوظات منها النوادر لقالي وناهيك به محفوظاً مهجوراً ومسكاً غفلاً فما ظنك بسواه نشا ببلده حر الطعمة فاضل الأبوة وقرأ به ثم ولى القضاء بملتماس (٣) ثم ببلش وعملها فسيح الخطة مطلق الجراية بعيد المدى في باب النزاهة ماضياً غير هيوب حتى أربى في الزمن القريب على المحتنكين وغبر في وجوه أهل الدربة وجرت أحكامه مستندة إلى الفتيا جارية على المسائل المشهورة ثم نقل منها إلى النظر في أمور الحل والعقد بمالقة مضافة إليه الخطط النبيهة وصدر له منشور من إملائي إلى أن قال في ترجمة نظمه قال نظمت سمح الله تعالى لي قطعتين موطئاً فيهما على البيتين المشهورين إحداهما:
بنفسي من غزلان حزوى غزالةٌ ... جمال محياهاعن النسك زاجر
تصيد بلحظ الطرف من رام صيدها ... ولو أنه النسر الذي هو طائر
معطرة الأنفاس رائقة الحلى ... هواها بقلبي في المهامة سائر
" إذا رمت عنها سلوة قال شافعٌ ... من الحب ميعاد السلو المقابر " والأخرى:
وقائلةٍ لما رأت شيب لمتي ... لئن ملت عن سلمى فعذرك ظاهرُ
стр. 3293
زمان التصابي قد مضى لسبيله ... وهل لك بعد الشيب في الحب عاذ
فقلت لها كلا وإن تلف الفتى ... فما لهواها عند مثلي آخ
" سيبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ود يوم تبلى السرائر " وكتب على مثال النعل الكريم وأهداه لمزمع سفر:
فديتك لا يهدى إليك أجل من ... حديث نبي الله خاتم رسله
ومن ذلك الباب المثال الذي أتى ... به الأثر المأثور في شأن نعله
ومن فضله مهما يكن عند حاملٍ ... له نال ما يهواه ساعة حمله
ولا سيما إن كان ذا سفرٍ به ... فقد ظفرت يمناه بالأمن كله
فدونك منه أيها المعلم الرضى ... مثالاً كرماً لا نظير لمثله وقال مراجعاً عن أبيات يظهر منها غرضها:
إذا كنت بالقصد الصحيح لنا تهوى ... فسلم لنافي حكمنا ودع الشكوى
ولا تتبع أهواء نفسك والتفت ... لنا حيث كنا في الرخاء وفي اللأوا (١)
وكم من محب في رضانا وحبنا ... محا كل ما يبدو سوانا له محوا
رآنا عياناً عين معنى وجوده ... فعاج عن الشكوى وفوض في البلوى
وقال تحكم كيف شئت بما ترى ... رضيت بما تقضي وهمت بما تهوى
فحل لدينا بالخلوص وبالرضى ... محلٍ اختصاصٍ نال منه المنى صفوا
فإن كنت ترجوفي الصبابة والهوى ... لحاقاً بهم فاسلك طريقهم الأضوا
ومت في سبيل الحب إن كنت مخلصاً ... لنا في الهوى تحيا حياة أولي التقوى
هنالك تؤتى ما تريد وتقتضي ... ديونك منا دون مطلٍ ولا دعوى
وتشرب من عين اليقين وتغتذي ... بخمر الصفا الصرف الزلال لكي تروى
стр. 3294
وقال:
لا تلجأن لمخلوقٍ من الناس ... من يافثٍ كان أصلاً أومن الياس
وثق بربك لاتيأس تجد عجباَ ... فلا أضر على عبدٍ من اليأس وقال:
فديتك لا تصحب لئيماً ولا تكن ... معيناً له إن اللئيم خؤؤن
فلا عهد يرعى لا ولا نعمةً يرى ... ولا سر خلٍ عن عداه يصون وقال يخاطب أبا القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان:
لك الله قلبي في هواك رهين ... وروحي عني إن رحلت ظعين
ملكت بحكم الفضل كلي خالصاً ... وملكك للحر الصريح يزين
فهب لي من نطقي بمقدار ما به ... يترجم سرٌ في الفؤاد دفين
فقد شملتنا من رضاك ملابسٌ ... وسح لدينا من نداك معين
أعنت على الدهر الغشوم ولم تزل ... بدنياك في الأمر المهم تعين
وقصر من لم تعلم النفس أنه ... خذولٌ إذا خان الزمان يخون
وإني بحمد الله عنه لفي غنىً ... وحسبي صبرٌ عن سواك يصون
ابى لي مجدٌ عن كرام ورثته ... وقوفاً ببابٍ للكريم يهين
ونفسٌ سئمت فوق السماكين همةٌ ... وما كل نفسٍ بالهوان تدين
ولما رأت عيني محياك أقسمت ... بأنك للفعل الجميل ضمين
وعاد لها الأنس الذي كان قد مضى ... برية إذ شرخ الشباب خدين
بحيث نشئنا لابسين حلى التقى ... وكلٌ بكلٍ عند ذاك ضنين
أما وسنا تلك الليالي وطيبها ... ووجد غرامي والحديث شجون
وفتيان صدقٍ كالشموس وكالحيا ... حديثهم ما شئت عنه يكون
لئن نزحت تلك الديار فوجدنا ... عليها له بين الضلوع أنين
стр. 3295
إذ مر حينٌ زاده الشوق جدةً ... وليس بعابٍ للربوع حنين
وأنى بمسلاها وللبين لذعةٌ ... اقل أذاها للسليم جنون
لقد عبثت أيدي الزمان بجمعنا ... وحان أفتراقٌ لم نخله يحين
وبعد التقينا في محل تغرب ... وكل الذي دون الفراق يهون
فقابلت بالفضل الذي أنت أهله ... ومالك في حسن الصنيع قرين
وغبت وما غابت مكارمك التي ... على شكرها الرب العظيم يعين
يميناً لقد أوليتنا منك نعمةً ... تلذ بها عند العيان عيون
ويقصر عنها الوصف إذ هيا كلها ... لها وجه حرٍ بالحياء مصون
ولما قدمت الآن زاد سرورنا ... ومقدمك الأسى بذاك قمين
لأنك أنت الروح منا وكلنا ... جسومٌ فعند البعد كيف نكون
ولو كان قدر الحب فيك لقاؤنا ... إليك لكنا باللزوم ندين
ولكن قصدنا راحة المجد جهدنا ... فراحته شمل الجميع تصون
هنيئاً هنيئاً أيها العلم الرضى ... بما لك في طي القلوب كمين
لك الحسن والإحسان والعلم والتقى ... فحبك دنيا للمحب ودين
وكم لك في باب الخلافة من يد ... أقرت لها بالصدق منك مرين
وقامت عليها للملوك أدلةٌ ... فأنت لديها ما حييت مكين
فلا وجه إلا وهوبالبشر مشرقٌ ... ولا نطق إلا عن علاك مبين
بقيت لربع الفضل تحمي ذماره ... صحيحاً كما قد صح منك يقين
ودونك يا قطب المعالي بنيةً ... من الفكر عن حال المحب تبين
أتتك ابن رضوان تمت بودها ... وما لسوى الإغضاء منك ركون
فخل انتقاد البحث عن هفواتها ... ومهد لها بالسمح حيث تكون
وخذها على علاتها فحديثها ... حديث غريبٍ قد عراه سكون وهوبحاله الموصوفة؛ انتهى باختصار.
стр. 3296
[٤٣ - مخاطبات بين لسان الدين وابن الجياب]
ولما كتب لسان الدين إلى شيخه الرئيس الكاتب أبي الحسن الجياب قصيدة أولها (١) :
أمستخرجا كنز العقيق بآماقي ... أناشدك الرحمن بالرمش الباقي
فقد ضعفت عن حمل صبري طاقتي ... عليك وضاقت عن زفيري أطواقي وهي طويلة أجابه عنها بقوله:
سقاني فأهلاً بالمدامة (٢) والساقي ... سلافاً بها قام السرور على ساق
ولا نقل إلا من بدائع حكمةٍ ... ولا كاس إلا من سطورٍ وأوراق
فقد أنشأت لي نشوةً بعد نشوةٍ ... تمد بروحانيةٍ ذات أذواق
فمن خطها الفاني (٣) متاع لناظري ... وسمعي وحظ الروح من خطها الباقي
أعادت شبابي بعد سبعين حجةً ... فأثوابه قد جددت بعد إخلاقي
ولا خالطن لحمي ولا مازجت دمي ... كفى شرها مولاي فالفضل للواقي
وهذا على عهد الشباب فكيف لي ... بها بعد ماءٍ للشبيبة مهراق
تبصر فحكما القهوتين تخالفا ... فكم بين إثبات لعقلٍ وإزهاق
وشتان بين المدامين فاعتبر ... فكم بين إنجاح لسعي وإخفاق
فتلك تهادى بين ظلمٍ وظلمةٍ ... وهذي تهادى بين عدلٍ وإشراق
أيا علم الإحسان غير منازعٍ ... شهادة إجماعٍ عليها وإصفاقٍ (٤)
стр. 3297
فضائلك الحسنى علي تواترت ... بمنهمرٍ من سحب فكرك غيداق
خزائن آداب بعثت بدرها ... إلي ولم تمنن بخشية إنفاق
ولا مثل بكرٍ حرة عربية ... زكية أخلاقٍ كريمة أعراق
فأقسم ما البيض الحسان تبرجت ... تناجيك سراً بين وحي وإطراق
بدورٌ بدت من أفق أطواقها على ... رياض شدت في قطبها ذات أطواق
فناظر منها الأقحوان ثغورها ... وقابل منها نرجس سحر (١) أحداق
وناسب منها الورد خداً مورداً ... سقاه الشباب النضر بورك من ساق
وألبسن من صنعاء وشياً منمنماً ... وحلين من درٍ نفائس أعلاق
بأحلى لأفواهٍ وأبهى لأعين ... وأحيى لألباب وأشهى لعشاق
رأيت بها شهب السماء تنزلت ... إلي تحييني تحية مشتاق
ألا إن هذا السحر لا سحر بابلٍ ... فقد سحرت قلبي المعنى فمن راق
لقد أعجزت شكري فضائل ماجدٍ ... أبر بأحباب وأوفى بميثاق
تقاضى ديون الشعر مني منبهاً ... رويدك لاتعجل علي يإرهاق
فلونشر الصادان من ملحديهم ... لإنصاف هذا الدين لاذا بإملاق (٢)
فخذ بزمام الرفق شيخاً تقاصرت ... خطاه وعاهده بمعهود إشفاق
فلا زلت تحيي للمكارم رسمها ... وقدرك في أهل العلا والنهي راق قال وكتبت إليه في غرض العتاب قصيدة أولها:
أدرنا وضوء الأفق قد صدع الفضا ... مدامة عتب بيننا نقلها الرضى
فلله عينا من رآنا وللحيا ... حبي بآفاق البشاشة أومضا
стр. 3298
نفر إلى عدل الزمان الذي أتى ... ونبرأ من جور الزمان الذي مضى
ونأسو كلوم اللفظ باللفظ عاجلاً ... كذا قدح الصهباء داوى وأمرضا فراجعني عنها بهذه القصيدة:
ألا حبذا ذاك العتاب الذي مضى ... وإن جره واش بزور تمضمضا
أغارت له خيل فما ذعرت حمى ... ولكنها كانت طلائع للرضى
تألق منه بارق صاب مزنه ... على معهد الحب الصميم فروضا
تلألأ نوراً للصداقة حافظاً ... وإن ظن سيفاً للقطيعة منتدى
فإن سود الشيطان منه صحيفة ... أتى ملك الرحمى عليها فبيضى
وما حب أحكم الصدق عهده ... ليرمى بوسواس الوشاة فيرفضا
أعيذ وداداً زاكي القصد وافياً ... تخلص من أدرانه فتمحضا
ونية صدق في رضى الله أخلصت ... سناها بآفاق البسيطة قد أضا
من الآفك الساعي ليخفي نورها ... أيخفي شعاع الشمس قد ملأ الفضا
وكيف يحل المبطلون بإفكهم ... معاقد حب أحكمتها يد القضا
تعرض يبغي هدمها فكأنه ... لتشييد مبناها الوثيق تعرضا
وحرض في تنفيره فكأنما ... على البر والتسكين والحب حرضا
وأوقد ناراً فهو يصلى جحيمها ... يقلب منها القلب في موقد الغضى
أيا واحدي المعدود بالألف وحده ... ويا ولدي البر الزاكي إن ارتضى
بعثت من الدار النفيس قلائداً ... على ما ارتضى حكم المحبة واقتضى
نتيجة آداب وطبع مهذب ... أطال مداه في البيان وأعرضا
ولا مثل بكر باكرتني آنفا ... كزورة خل بعد ما كان أعرضا
هي الروضة الغناء أينع زهرها ... تناظر حسناً مذهباً ومفضضا
أو الغادة الحسناء راقت فينقضي ... مدى العمر في وصفي لها وهو ما انقضى
تطابق منها شعرها وجبنها ... فذا الليل مسوداً وذا الصبح أبيضا
стр. 3299
أو الشهب منها زينة وهداية ... ورجم لشيطان إذا هو قيضا
أتت بديع الشعر طوراً مصرحاً ... بآياتك الحسنى، وطوراً معرضا
ومهدت الأعذار دون جناية ... ولو أنك الجاني لكنك المغمضا
لك الله من بر وفي وصاحب ... محضت له صدق الضمير فأمحضا
لسانك في شكري مفيض تفضلاً ... فيا حسن ما أهدى وأسدى وأقرضا
وقبلك فاضت فيه أنوار خلتي ... فألقى يدي تسليمه لي مفوضا
وقصدك مشكور، وعهدك ثابت ... وفضلك منشور، وفعلك مرتضى
فهل مع هذا ريبة في مودة ... بحال وإن رابت فما أنا معرضا
فثق بولائي إنني لك مخلص ... هوى ثابتاً يبقى فليس له انقضا
عليك سلام الله ما هبت الصبا ... وما بارق جنح الدجنة أومضا وقال لسان الدين: من غريب ما خاطبني به قوله (١) :
أقسم بالقيسين والنابغتين ... وشاعري طيْ المولدين
وبابن حجر وزهير وابنه ... والأعشيين بعد ثم الأعميين
ثم بعشاق الثريا والرق ... يات وعزة ومي وبثين
وبأبي الشيص ودعبل ومن ... كشاعري خزاعة المخضرمين
وولد المعتز والرضي وال ... سري ثم حسن وابن الحسين
واختم بقس وسبحان وإن ... أوجب حق أن يكونا أولين
وحلبتي نثرهم ونظمهم ... في مشرقي أقطارهم والمغربين
إن الخطيب ابن الخطيب سابق ... بنثره ونظمه للحلبتين
راقتني الصحيفة الحسنا التي ... شاهدت فيها المكرمات رأي العين
تجمع من براعة المعنى إلى ... براعة الألفاظ كلتا الحسنيين
стр. 3300
أشهد أنك الذي سبقت في ... طريقي الآداب أقصى الأمدين
شعر حوى جزالة ورقة ... تصاغ منه حلة للشعريين
رسائل أزهارها منثورة ... سرور قلب ومتاع ناظرين
يا أحوذياً يا نسيج وحده ... شهادة تنزهت عن قول مين
بقيت في مواهب الله التي ... تقر عينيك وتملأ اليدين انتهى.
[٤٤ - من سعيد الغرناطي إلى لسان الدين]
وحكى لسان الدين أن سعيد بن محمد الغرناطي الغساني استعار منه كتاباً، فأرسله إليه وعلى ظهره هذه الأبيات:
هذا كتاب كله معجم ... أفحمني معناه إفحاما
أعجمه منشئه أولاً ... وزاده الناسخ إعجاما
أسقط من إجماله جملة ... وزاد في التفصيل أقساما
وغير الألفاظ عن وضعها ... وصير الإيجاد إعداماً
فليس في إصلاحه حيلة ... ترجى، ولوقوبل أعواما ولم أقف على جواب لسان الدين له عنها، والله تعالى أعلم.
وولد سعيد المذكور سنة٦٩٩.
[٤٥ - مخاطبات بين ابن البناء ولسان الدين]
ومما خوطب به لسان الدين لما تقلد الكتابة العليا قول أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن البناء الوادي آشي رحمه الله تعالى:
هو العلاء جرى باليمين طائره ... فكان منك على الآمال ناصره
стр. 3301
ولو جرى بك ممتداً إلى أمد ... لأعجز الشمس ما آبت عساكره
لقد حباه منيع العز خالقه ... بفاضل منك لا تحصى مآثره
فليزه فخراً فما خلق يعارضه ... ولا علاء مدى الدنيا يفاخره
لله أوصافك الحسنى لقد عجزت ... من كل ذي لسن عنها خواطره
هيهات ليس عجيباً عجز ذي لسن ... عن وصف بحر رمى بالدار زاخره
هل أنت إلا الخطيب ابن الخطيب ومن ... زانت حلى الدين والدنيا مفاخره
فإن يقصر عن الوصاف ذو أدب ... فما بدا منك في التقصير عاذره
يا ابن الكرام الألى ما شب طفلهم ... إلا وللمجد قد شدت مآزره
مهلاً عليك فما العلياء قافية ... ولا العلاء بسجع أنت ناثره
ولا المكارم طرساً أنت راقمه ... ولا المناقب طباً أنت ماهره
ماذا على سابق يسري إلى سنن ... إن كان من رفقه خل يسايره
سر حيث شئت من العلياء متئداً ... فما أمامك سباق تحاذره
أنت الإمام لأهل الفخر إن فخروا ... أنت الجواد الذي عزت أوافره
ما بعد ما حزته من عزة وعلا ... شأو يطارد فيه المجد كابره
نادت بك الدولة النصري محتدها ... نداء مستنجد أزراً يوازره
حليتها برداء مرتدياً ... وصبح يمنك فجر السعد سافره
فالملك يرفل في أبراده مرحاً ... قد عمت الأرض إشراقاً بشائره
فاهنأ بها نعمة ما إن يقوم لها ... من اللسان ببعض الحق شاكره
وليهنها أنها نعمة ما إن يقوم مقالدها ... إلى زكي زكت منه عناصره
فإنه بدر تم في مطالعها ... قد طبق الأرض بالأنوار نائره وقال لسان الدين: وأهدي إلي قباقب خشب جوز وكتب معها:
هاكها ضمراً مطايا حسانا ... نشأت في الرياض قضباً لدانا
وثوت بين روضة وغدير ... مرضعات من النمير لبانا
стр. 3302
لابسات من الظلال بروداً ... دونها القضب رقة وليانا
ثم لما أراد إكرامها الله ... وسنى لها المنى والأمانا
قصدت بابك العلي ابتداراً ... ورجت في قبولك الإحسانا قال: فأجبته:
قد قبلنا جيادك الدهم لما ... أن بلونا منها العتاق الحسانا
أقبلت خلف كل حجر تبيع ... خلعت وصفها عليها عيانا
فعنينا برعيها وفسحنا ... في ربوع العلا لها ميدانا
وأردنا امتطائها فاتخذنا ... من شراك الأديم فيها عنانا
قدمت قبلها كتيبة سحرٍ ... من كتاب سبت به الأذهانا
مثلما تجنب الجيوش المذاكي ... عدةً للقاء مهما كانا
لم يرق مقلتي ولا راق قلبي ... كعلاها براعةً وبيانا
من يكن مهدياً فمثلك يهدي ... لم أجد للثنا عليك لسانا وقال لسان الدين: ومن أبدع ما هز به إلى إقامة سوقه، ورعي حقوقه قوله:
يا معدن الفضل مورثاً ومكتسباً ... وكل مجدٍ إلى عليائه انتسبا
بباب مجدكم الأسمى أخو أدبٍ ... مستصرخٌ بكم يستنجد الأدبا
ذل الزمان له طوراً فبلغه ... من بعض آماله فوق الذي طلبا
والآن اركبه من كل نائبةٍ ... صعب الأعنة لا يألوبه نصبا
فحملته دواعي حبكم وكفى ... بذاك شافع صدقٍ يبلغ الأربا
فهل سرى نسمة من جاهكم فبها ... خليفة الله فينا يمطر الذهبا
стр. 3303
[ترجمة ابن البناء]
وقال لسان الدين في " الإكليل " في حق المذكور ما صورته: فاضل يروقك وقاره وصقر بعد مطاره قدم من بلده يروم اللحاق بكتاب الإنشاء وتوسل بنظم أنيق ونسيب في نسب الإجادة عريق تعرب براعته عن لسان ذليق وطبع طليق وذكاء بالأثرة خليق وبينما هويلحم في ذلك الغرض ويسدي ويعيد ويبدي وقد كادت وسائله أن تنجح وليل رجائه أن يصبح اغتاله الحمام وخانته الأيام والبقاء لله تعالى والدوام توفي بالطاعون في عام واحد وخمسين وسبعمائة وسنه دون الثلاثين، رحمه الله تعالى؛ انتهى.
[٤٦ - رسالة من لسان الدين إلى سلطان تونس]
ولما خوطب لسان الدين من سلطان تونس بما لم يحضرني الآن أجاب عنه بما نص " المقام الإمامي الإبراهيمي المولوي المستنصري الحفصي الذي كرم فرعاً وأصلاً وشرف جنساً وفصلاً وتملى في ظلل رعاية المجد من لدن المهد كرماً وخصلاً وصرفت متجردة الأقلام إلى مثابة خلافته المنصورة الأعلام وجوه عبارة الكلام فاتخذ من مقام إبراهيم مصلى مقام مولانا أمير المؤمنين الخليفة الإمام أبي إسحاق ابن مولانا أبي يحيى أبي بكر ابن الخلفاء الراشدين أبقاه الله تعالى تهوي إليه الأفئدة كلما انتشت بذكره وتتنافس الألسنة في إحراز غاية حمده وشكره وتتكفل الأقدار بإنفاذ نهيه وأمره وتغرى عوامل عوامله بحذف زيد عدوه وعمره ويتبرع أسمر الليل وأبيض النهار بإعمال بيضه وسمره ولازال حسامه الماضي يغني يومه في النصر عن شهره والروض يحييه بمباسم زهره ويرفع إليه رقع الحمد ببنان قبضه الناشئة من معصم نهره وولي الدنيا والآخرة يمتعنا بهما بعد الإعانة على مهره يقبل بساطه المعود الاستلام بصفحات الخدود، الرافع
стр. 3304
عماده ظل العدوالممدود عبد مقامه المحمود ووارد غمر إنعامه غير المنزور ولا المثمود المثني على نعمه العميمة ومنحه الجسيمه ثناء الروض المجود على العهود ابن الخطيب من باب المولى الموجب حقه المتأكد الفروض الثابت العهود المعتد منه بالود الجامع الرسوم والحدود والفضل المتوارث عن الآباء والجدود يسلم على مثابتها سلام متلوعلى مثلها إن وجد المثل في الثاني ويعوذ كمالها بالسبع المثاني ويدعوالله تعالى لسلطانها بتشييد المباني وتسيير الأماني وينهي إلى علوم تلك الخلافة الفاروقية المقدسة بمنايب التوحيد المستولية من مدارك الآمال إلى الأمد البعيد أن مخاطبتها المولوية تاهت على الملوك فارعة العلا مزعفرة الحلل والحلى ذهبية المجلى تفيد العز المكين والدنيا والدين وترعى في الآباء والبنين على مر السنين " صفراء فاقع لونها تسر الناظرين " (البقرة ٦٩) وقد حملت من مدحها الكريم ما أخفى للملوك من قرة عين ودرة زين جبين الشرف الوضاح ومستوجب الحق على مثله من الخلق بالنسب الصراح والغرر والأوضاح والأرج الفواح فاقتنى درها النفيس ووجد المروع (١) في جانب الخلافة التنفيس وقراه لما قراه التعظيم والتقديس وقال ﴿يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتابٌ كريم﴾ (النمل ٢٩) وإن لم يكن بلقيس أعلى الله تعالى تلك اليد مطوقة الأيادي ومخجلة الغمائم والغوادي وأبقاها عامرة النوادي غالبة الأعادي وجعل سيفها السفاح ورأيها الرشيد وعلمها الهادي ووصل ما ألطف به رعيها من أشتات بر بلغت وموارد فضل سوغت أمدتها سعادة المولى بمدد لم يضر معه البحر الهائل ولا العدوالغائل وأقام أودها عند الشدائد الفلك المائل لا بل الملك الذي له إلى الله الوسائل وحسب الجفن رسالتكم الكريمة لحظاً فصان وأكرم وعوذةً فتعوذ بها وتحرم وتولى الملوك تنفيق عروضها
стр. 3305
بانشراح صدره وعلى قدره فوقعت الموقع الذي لم يقع سواها فاما الخيل فأكرم مثواها وجعلت جنان (١) الصون مأواها ولوكسيت الربيع المزهر حللاً واوردت في نهر المجرة علاً ونهلاً وقلدت النجوم العواتم صحلاً ومسحت أعطافها بمنديل النسيم والحفت بأردية الصباح الوسيم وافترشت لمرابطها الحشايا وأقضمت حبات القلوب بالعشايا لكان بعض ما يجد لحقها الذي لا يجحد فضله ولا يحتجب وما عداها من الرقيق والفتيان رعاة ذلك الفريق تكفله الاستحسان وأطنب الاعتقاد وإن قصر اللسان تولى الله تعالى تلك الخلافة بالشكر الذي يحسب العطاء والحفظ الذي يسبل الغطاء والصنع الذي ييسر من مطا الأمل الامتطاء واما ما يختص بالملوك فقد خصه بقبوله تبركاً بتلك المقاصد التي سددها الدين وعددها الفضل المبين وأنشد الخلافة التي راق من مجدها الجبين:
قلدتني بفرائد أخرجتها ... من بحر جودك وهوملتطم الثبج
ورعيت نسبتها فإن سبيكة ... مما يلائم لونها قطع السبج والمملوك بهذا الباب النصري أعزه الله تعالى على قدم خدمة وقائم بشكر منة لكم ونعمة وحاضر في جملة الأولياء بدعائه وحبه ومتوسل في دوام بقاء أيامكم ونصر أعلامكم إلى ربه وإن بعد بجسمه فلم يبعد نقلبه والسلام الكريم الطيب البر العميم يخصها دائماً متصلاً ورحمة الله وبركاته " انتهى.
[٤٧ - مخاطبة من ابن البربري المالقي إلى لسان الدين]
ومما خوطب به لسان الدين قول أبي الحسن علي بن يحيى الفزاري المالقي
стр. 3306
المعروف بابن البربري، وكان ممن يمدح الملوك والكبراء:
لبابك أم الآملون ويمموا ... وفي ساحتي رحماك حطوا وخيموا
ومن راحتي كفيك جدواك تنهمي ... فتروى عطاش من نداك وتنعم
وأنت لما راموه كعبة حجهم ... إذا شاهدوا مرآك لبوا وأحرموا
يطوفون سبعاً حول بابك عندما ... يلوح لهم ذاك المقام المعظم
فيمناك يمن للرعايا ومنة ... ويسراك يسر للعفاة ومغنم
ولقياك بشر للنفوس وجنة ... ترن بها ورق المنى وترنم
فيا واحد الأزمان علماً ومنصباً ... ويا من به الدنيا تروق وتبسم
ومن وجهه كالبدر يشرق نوره ... ومن جوده كالغيث بل هو أكرم
ومن ذكره كالمسك فض ختامه ... وكالشمس نوراً بشره المتوسم
لقد حزت فضل السبق غير منازع ... فأنت على أهل السباق مقدم
حويت من العلياء كل كريمة ... بها الروض يندى والربى تتبسم
وباهيت أقلام الأنام براعة ... فلا قلم إلا يراعك يخدم
إذا فاخر الأمجاد يوماً فإنما ... لمجدك في حال الفخار يسلم
وإن سكتوا كنت البليغ لديهم ... تعبر عن سر العلا وتترجم ومنها:
فيا صاحبي نجواي عوجا برامة ... على ربعه حيث الندى والتكرم
وقولا له عبد ببابك يرتجي ... قضاء لبانات لديك تتمم
فليس له إلا علاك وسيلة ... ولا شيْ أسمى من علاك وأعظم
فجد بالذي يرجوه منك فما له ... كعقد ثمين من ثنائك ينظم
بقيت ونجم السعد عندك طالع ... يضيء له بدر وتشرق أنجم توفي المذكور بالطاعون عام خمسين وسبعمائة؛ انتهى.
стр. 3307
[٤٨ - مخاطبة من الحرالي إلى لسان الدين]
ومما خوطب به قول أبي القاسم اسم بن محمد الحرالي المالقي القاضي بانتقيرة (١) قبل وفاته:
عليك قصرت المدح يا خير ماجد ... وأفضل موصوف بكل المحامد
ويا كهف ملهوف، وملجأ خائف ... ومورد جود قد كفى كل وارد
لقد شهرت بالمجد منك شمائل ... محاسنها أزكى وأعدل شاهد
وكل الذي يبدو من الفضل بعض ما ... حبيت به، أعظم بها من محامد
إذا أملت منك المكارم ألفيت ... تنادي هلموا فزتم بالمساعد
عطاؤكم جزل فمن أمل الغنى ... فمثلكم يبغي فيا سعد قاصد
وراثة مجد كابراً بعد كابر ... وأصل زكي الفرع عذب الموارد [ترجمة أبي القاسم الحراني]
وتوفي المذكور بالطاعون عام خمسين وسبعمائة، وفي حقه يقول في الإكليل: مشمر في الطلب عن ساق، مثابر على اللحاق بدرجات الحذاق، منتحل للعربية، جاد في إحصاء خلافها، ومعاطاة سلافها، وربما شرست في المذاكرة أخلاقه، إذا بهرجت أعلاقه، ونوزع تمسكه بالحجة واعتلاقه.
وقال لسان الدين في ترجمة شعر المذكور: إنه ضعيف مهزول؛ انتهى.
[٤٩ - رسالة من المنتشاقري إلى لسان الدين]
وما خوطب به قول أبي الحجاج يوسف بن موسى الجذامي المنتشاقري من أهل رندة، ونصه:
حباك فؤادي نيل بشرى وأحياكا ... وحيد بآداب نفائس حياكا
стр. 3308
بدائع أبداها بديع زمانه ... فطاب بها يا عاطر الروض رياكا
أمهديها أودعت قلبي علاقة ... وإن لم يزل مغزى قديماً بعياكا
إذا ما أشار العصر نحو فريده ... فإياك يعني بالإشارة إياكا
لأتحفني لقياك أسنى مؤملي ... وهل تحفه في الدهر إلا بلقياكا
وأعقبت تحافي فرائدك التي ... وجوب ثناها يا لساني أعياكا ووصل هذا النظم بنثر صورته: " خصصتني أيها المخصوص بمآثر أعيا عدها وحصرها، ومكارم طيب أرواح الأزاهر عطرها، وسارت الركبان بثنائها، وشملت الخواطر محبة علائها، بفرائدك الأنيقة، وفوائدك المزرية جمالاً على أزهار الحديقة، ومعارفك التي زكت حقاً وحقيقة، وهدت الضال عن سبيل الأدب مهيعه وطريقه، وسبق تحفتك أعلى التحف عندي وهومأمول لقائك، والتمتع بالتماح سناك الباهر وسنانك، على حين امتدت لذلكم اللقاء أشواقي، وعظم من فوت استنارتي بنور محياك إشفاقي، وتردد لهجي بما يبلغني من معاليك ومعانيك، وما شاده فكرك الوقاد من مبانيك، وما أهلت به بلاغتك من دراسه، وما أضيفت (١) على الزمان من رائق ملابسه، وما جمعت من أشتاته، وأحييت من أمواته، وأيقظت من سناته، وما جاد به الزمان من حسناته، فلترداد هذه المحاسن نم أنبائك، وتصرف الألسنة بثنائك، علقت النفس من هواها بأشد علاقة، وجنحت إلى لقائك جنوح والهة مشتاقة، والحوادث الجارية تصرفها، والعوائق الحادثة كلما عطفت أملها إليه لا تتحفها به ولا تعطفها، إلى أن ساعد الوقت، وأسعد البخت، بلقائكم في هذه السفرة الجهادية، وجاد إسعاف الإسعاد من أمنيتي بأسنى هدية، فلقيتكم لقيا خجل، ولمحت أنواركم لمحة على وجل، ومحبتي في محاسنكم الرائقة، ومعاليكم الفائقة، على
стр. 3309
ما يعلمه ربنا ، وتذكرت عند لقائكم المأمول، إنشاء قائل يقول:
كنت مساءلة الركبان تخبر عن ... محمد بن الخطيب أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري قسم لعمري أقوله وأعتقده، وأعتده وأعتمده، فلقد بهرت منك المحاسن، وفقت من يحاسن، وقصر عن شأوك كل بليغ لسن، وسبقت فطنتك النارية النورية بلاغة كل فطن، وشهد لك الزمان أنك وحيده، ورئيس عصبته الأدبية وفريده، فبورك لك فيما أنلت من الفضائل، وأوتيت من آيات المعارف التي بها نور الغزالة ضائل، ولا زلت ترقى في مراتب المعالي، موقى صروف الأيام والليالي " انتهى.
[٥٠ - رسالة لسان الدين إلى المنتشاقري]
وهذا الخطاب جواب من المذكور لكلام خاطبه به لسان الدين نصه:
حمدت على فرط المشقة رحلة ... أتاحت لعيني اجتلاء محياكا
وقد كنت بالتذكار في البعد قانعاً ... وبالريح إن هبت بعاطر رياكا
فحلت لي النعمى بما أنعمت به ... علي فحياها الإله وحياكا أيها الصدر الذي بمخاطبته يباهي ويتشرف، والعلم الذي بالإضافة إليه يتعرف، والروض الذي لم يزل على البعد بأزهاره الغضة يتحف، دمت تتزاحم على موارد ثنائك الألسن، ويروي الرواة من أنبائك ما يصح ويحسن، طالما مالت إليك النفوس منا وجنحت، وزجرت الطائر الميمون من رقاعك كلما سنحت، فالآن اتضح البيان، وصدق الأثر العيان، ولقد كنا للمقام بهذه الرحال نرتمض، ويجن الظلام فلا نغتمض، هذا يقلقه إصفار كيسه، وهذا يتوجع لبعد أنيسه، وهذا تروعه الأهوال، وتضجره بتقلباتها الأحوال
стр. 3310
فمن أنة لا تنفع، وشكوى إلى الله تعالى ترفع، فلما ورد بقدومك البشير، وأشار إلى ثنية طلوعك المشير، تشوفت النفوس الصدئة إلى جلائها وصقالها، والعقول إلى حل عقالها، والأنفس المفحمة إلى فصل مقالها، ثم إن الدهر راجع التفاته، واستدرك ما فاته، فلم يسمح من لقائك إلا بلمحة، ولا بعث من نسيم روضك بغير نفحة، فما زاد أن هيج الأشواق فالتهبت، وشن غاراتها على الجوانح فانتهبت، وأعل القلوب وأمرضها، ورمى ثغرة الصبر فأصاب غرضها، فإن رأيت أن تنفس عن نفس شد الشوق مخنقها، وكدر مشارب أنسها وأذهب رونقها، وتتحف من آدابك بدرر تقتنى، وروضة طيبة الجنى، فليست ببدع في شيمك، ولا شاذة في باب كرمك، ولولا شاغل لا يبرح، وعوائق أكثرها لا يشرح، لنافست هذه السحاءة في القدوم عليك، والمثول بين يديك، فتشوقي إلى اجتلاء أنوارك شديد، وتشيعي إلى إبلاء الزمان جديد انتهى.
[ترجمة أبي الحجاج المنتشاقري]
ووصف لسان الدين في " التاج المحلى " أبا الحجاج المذكور بما صورته (١) : حسنة الدهر الكثير العيوب، وتوبة الزمان الجم الذنوب، ماشئت من أدب يتألق، وفضل تتعطر به النسمات وتتخلق، ونفس كريمة الشمائل والضرائب، وقريحة يقذف بحرها بدرر الغرائب، إلى خشية لله تعالى تحول بين القلوب وقرارها، وتثني النفوس على اغترارها، ولسان يبوح بأشواقه، وجفن يسخوبدرر آماقه، وحرص على لقاء كل ذي علم وأدب، ومن يمت إلى أهل الديانة والعبادة بسبب، سبق بقطره الحلبة، وفرع من الأدب الهضبة، ورفع الراية،
стр. 3311
وبلغ في الإحسان الغاية، فطارت قصائده كل المطار، وتغنى بها راكب الفلك وحادي القطار، وتقلد خطة القضاء ببلده، وانتهت إليه رياسة الأحكام بين أهله وولده، فوضحت المذاهب بفضل مذهبه وحسن مقصده، وله شيمة في الوفاء تعلم منها الآس، ومؤانسة عذبة لا تستطيعها الأكواس، وقد أثبت من كلامه ما تتحلى (١) به من مراتب المهارق، ويجعل طيبه فوق المفارق، وكنت أتشوق إلى لقائه، فلقيته بالمحلة من جبل الفتح لقيا لم تبل صدى، ولا شفت كمداً، وتعذر بعد ذلك لقاؤه، فخاطبته بهذه الرقعة:
حمدت على فرط المشقة رحلة ... فذكر لسان الدين ما قدمنا إلى آخره.
وقد أورد جملة من مطولاته وغيرها ومؤلفاته، ولنخلص بعض ذلك فنقول:
ومن شعر أبي الحجاج المذكور يمدح الجهة الكريمة النبوية، مصدراً بالنسيب لبسط الخواطر النفسانية، قوله:
لما تناهى الصب في تشويقه ... درر الدموع اعتاضها بعقيقه
متلهف وفؤاده متلهب ... كيف البقا بعد احتدام حريقه
متموج بحر الدموع بخده ... أنى خلاص يرتجى لغريقه
متجرع صاب النوى من هاجر ... ما إن يحن للاعجات مشوقه
يسبي الخواطر حسنه بديعه ... يصبي النفوس جماله بأنيقه
قيد النواظر إذ يلوح لرامق ... لا تنثني الاحداق عن تحديقه
لبدر لمحته كبشر ضيائه ... للمسك نفحته كنشر فتيقه
سكرت خواطر لامحيه كأنهم ... شربوا من الصهباء كأس رحيقه
عطشوا لثغر لا سبيل لريقه ... إلا كلمحهم للمع بريقه
стр. 3312
ما ضر مولى عاشقوه عبيده ... لورق إشفاقاً لحال رقيقه
عنه اصطباري ما أنا بمطيعه ... مثل السلو ولا أنا بمطيقه
سجع الحمام بشوق ترجيع الهوى ... فأثار شجومشوقه بمشوقه
وبكت هديلاً راعها تفريقه ... ويحق أن يبكي أخوت فريقه
وبكاء أمثالي أحق لأنني ... لم أقض للمولى أكيد حقوقه
وغفلت في زمن الشباب المنقضي ... أقبح بنسخ بروره بعقوقه
وبدا المشيب وفيه زجر ذوي النهى ... لو كنت مزدجراً لشيم بروقه
حسبي ندامة آسف مما جنى ... يصل النشيج لوزره بشهيقه
ويروم ما خرم الهوى زمن الصبا ... ويروم من مولاه رتق فتوقه
ويردد الشكوى لديه تذللاً ... عل الرضى يحييه درك لحوقه
فيصح من سكر التصابي سكره ... نسخاً لحكم صبوحه وغبوقه
لو كنت يممت التقى وصحبته ... وسلكت إيثاراً سواء طريقه
لأفدت منه فوائداً وفرائداً ... عرضت تسام لرابح في سوقه
له أرباب القلوب فإنهم ... من حزب من نال الرضى وفريقه
قاموا وقد نام الأنام فنورهم ... هتك الدجى بضيائه وشروقه
وتأنسوا بحبيبهم فلهم به ... بشر لصدق الفضل في تحقيقه
قصرت عنهم عندما سبقوا المدى ... ولسابق فضل على مسبوقه
لولا رجاء تلمح من نورهم ... يحيي الفؤاد بسيره وطروقه
وتأرج يستاف من أرواحهم ... سبب انتعاش الروح طيب خلوقه
لفنيت من جرا جرائري التي ... من خوفها قلبي حليف خفوقه
ومعي رجاء توسل أعددته ... ذخراً لصدمات الزمان وضيقه
حبي ومدحي أحمد الهادي الذي ... فوز الأنام يصع في تصديقه
أسمى الورى في منصب وبمنسب ... من هاشم زاكي النجار عريقه
الحق أظهره عقيب خفائه ... والدين نظمه لدى تفريقه
стр. 3313
ونفى هداه ضلالة من جائر ... مستوثق بيغوثه ويعوقه
سبحان مرسله إلينا رحمة ... يهدي ويهدى الفضل من توفيقه
والمعجزات بدت بصدق رسوله ... وحقيقة بالمأثرات خليقه
كالظبي في تكليمه، والجذع في ... تحنينه، والبدر في تشقيقه
والنار إذ خمدت بنور ولادة ... وأجاج ماء قد حلا من ريقه
والزاد قل فزاد من بركاته ... فكفى الجيوش بتمره وسويقه
ونبوع ماء الكف من آياته ... وسلام أحجار غدت بطريقه
والنخل لما أن دعاه مشى له ... ذا سرعة بعذوقه وعروقه
والأرض عاينها وقد زويت له ... فقريب ما فيها رأى كسحيقه
وكذا ذراع الشاة قد نطقت له ... نطق اللسان فصيحه وذليقه
ورمى عداه بكف حصبا فانثنت ... هرباً كمذعور الجنان فروقه
وعليه آيات الكتاب تنزلت ... تتلى بعلو جلاله وبسوقه
وأذيق من كأس المحية صرفها ... سبحان ساقيه بها ومذيقه
حاز السناء وناله بعروجه ... جاز السماء طباقها بخروقه
ولكم له من آية من ربه ... وعناية ورعاية بحقوقه
يا خيرة الأرسال عند إلهه ... يا محرز العليا على مخلوقه
علقت آمالي بجاهك عدة ... والقصد ليس يخيب في تعليقه
وعلقت من حبل اعتمادي عمدة ... لتمسكي بقويه ووثيقه
ولئن غدوت أخيذ ذنبي إنني ... أرجو بقصدك أن أرى لطليقه
وكساد سوقي مذ لجأت لبابكم ... يقضي حصول نفوذه ونفوقه
ويحن قلبي وهوفي تغريبه ... لمزاره لرباك في تشريقه
وتزيد لوعته متى حث السرى ... حاد حدا بجماله وبنوقه
وأرى قشيب العمر أمسى بالياً ... ومرور دهري جد في تمزيقه
стр. 3314
وأخاف أن أقضي ولم أقض المنى ... بنفوذ سهم منيتي ومروقه
فمتى أحط على اللوى رحلي وقد ... بلغت ركابي للحمى وعقيقه
وأمرغ الخدين في ترب غدا ... كالمسك في أرج شذا منشوقه
وأعيد إنشائي وإنشادي الثنا ... ببديع نظم قريحتي ورقيقه
حتى أميل العاشقين تطرباً ... كالغصن مر صباً على ممشوقه
وتحية التسليم أبلغ شافع ... وثنا المديح حديثه وعتيقه
ولذي الفخار وذي الحلى ووزيره ... صديقه وأخي الهدى فاروقه
مني السلام عليهم كالزهر في ... تأليفها والزهر في تأنيقه وقال (١) :
هواكم بقلبي ما لمحكمه نسخ ... ومن أجله جفني بمدمعه يسخو
ومن نشأتي ما إن صحت منه نشوتي ... سواء به عصر المشيب (٢) أو الشرخ
عليه حياتي مذ تمادت وميتتي ... وبعثي إذا بالصور يتفق النفخ
ولي خلد أضحى قنيص (٣) غرامه ... ولا شرك يدني إليه ولا فخ
قتلت سلوي حين أحييت لوعتي ... وما اجتيح بالإقرار في حالتي لطخ
وأغدو إلى سعدي بكرخ علاقتي ... وقصدي قصدي ليس سعدي ولا الكرخ
وناصح كتمي (٤) إذ زكت بيناته (٥) ... يجول عليه من دموع الأسى نضخ
وأرجو بتحقيقي هواكم بأن أفي ... فعهد ولا نقض، وعقد ولا فسخ
وما الحب إلا ما اتسقل ثبوته ... لمبناه رص في الجوانح أو رسخ (٦)
стр. 3315
إذا مسلك لم يستقم بطريقه ... سلكت اعتدالاً مثلما يسلك الرخ
بدا لضميري من سناكم تلمح ... فبخ لعقل لم يطر عندها بخ
على عود ذاك اللمح ما زلت نادباً ... كما تندب الورقاء فارقها الفرخ
يدي بأيديكم وقلبي شاغل ... فمن فكرتي نسج ومن أنملي نسخ وقال:
إليك تحن النجب والنجباء ... فهم وهي في أشواقهم شركاء
تخب بركاب تحب وصولها ... لأرض بها باد سناً وسناء
فأنفاسها ما إن تني صعداؤها ... وأنفسهم من فوقها سعداء
هم عالجوا إذا عجل السير داءهم ... وأشباه مثلي مدنفون بطاء
فعدت ودوني للحبيب ترحلوا ... وما قاعد والراحلون سواء
له وعليه حب قلبي وأدمعي ... وقد صح لي حب وسح بكاء
بطيبة هل أرضى وتبدو سماؤها ... وإن تك أرضاً فالحبيب سماء
شذا نفحها واللمح منها كأنه ... ذكاء عبير والضياء ذكاء
فيا حادياً غنى وللركب حادياً ... عناني بعد البعد عنك عناء
بسلع فسل عما أقاسي من الهوى ... وسل بقباء إذ يلوح قباء
وفي عالج مني بقلبي لا عج ... فهل لي علاج عنده وشفاء
وللرقمتين أرقم الشوق لاذع ... ودرياقه أن لويباح لقاء
أماكن تمكين وأرض بها الرضى ... وأرجاء فيها للمشوق رجاء وقال (١) :
أدب الفتى في أن يرى متيقظاً ... لأوامر من ربه ونواه
فإذا تمسك بالهوى يهوي به ... والحبل منه لمن تيقن واه
стр. 3316
وقال:
يا من بدنياه ظل في لجج ... حقق بأن النجاة في الشاطي
تطمع في إرثك الفلاح وقد ... أضعفت ما قبله من أشراط
كن حذراً في الذي طمعت به ... من حجب نقص وحجب إسقاط وقال:
ترى شعروا أني غبطت نسيمة ... ذكت بتلاقي الروض غب الغمائم
كما قابلت زهر الرياض وقبلت ... ثغور أقاحيه بلا لوم لائم وقال:
ورد المشيب مبيضاً بوروده ... ما كان في شعر الشبيبة حالكا
يا ليته لوكان بيض بالتقى ... ما سودته مآثم من حالكا
إن المشيب غدا رداءً للردى ... فإذا علاك أجد في ترحالكا وقال (١) :
لوعة الحب في فؤادي تعاصت ... أن تداوي ولوأتى ألف راق
كيف يبرا من علة وعليها ... زائد علة النوى والفراق
فانسكاب الدموع جار فجار ... والتهاب الضلوع راق فراق ومن غرائب الاتفاق أنه قال: كنت جالساً بين يدي الخطيب أبي القاسم التاكروني صبيحة يوم بمسجد مالفة، فقال لنا في أثناء حديثه: رأيت البارحة في عالم النوم كأن أبا عبد الله الجلياني يأتيني بيتي شعر في يده، وهما:
стр. 3317
كل علم يكون لمرء شغلاً ... بسوى الحق قادح في رشاده
فإذا كان فيه لله حظ ... فهو مما يعده لمعاده قال: فلم ينفصل المجلس حتى دخل علينا الفقيه الأديب أبوعبد الله الجلياني، والبيتان معه، فعرضهما على الشيخ، فأخبره أنه صنعهما البارحة، فقال له كل من في المجلس: أخبرنا بهما الشيخ قبل مجيئك، فكان هذا من العجائب.
ولأبي الحجاج المكور تواليف، منها كتاب ملاذ المستعين في بعض خصائص سيد المرسلين أربعون حديثاً، وكتاب تخصيص القرب وتحصيل الأرب وقبول الرأي الرشيد في تخميس الوتريات النبوية لابن رشيد وانتشاق النسمات النجدية واتساق النزعات الجدية وغرر الأماني المسفرات في نظم المكفرات، والنفحات الرندية مجموع شعره، وحقائق بركات المنام في مرأى المصطفى خير الأنام والاستشفاء بالعدة والاستشفاع بالعمدة في تخميس البردة وتوجع الراثي في تنوع المراثي واعتلاق السائل بأفضل الوسائل ولمح البهيج ونفح الأريج في ترجيز كلام الشيخ مسائل البيان والتحصيل لتيسير البلوغ لمطالعتها والتوصيل وفهرسة روايته، ورجز ذكر مشايخ أبي عمر الطنجي، وكتاب أرج الأرجاء في مزج الخوف والرجاء، أربعون حديثاً في الرجاء والخوف.
وكان رحمه الله تعالى حياً حين ألف لسان الدين الإحاطة رحم الله تعالى الجميع.
ورأيت على ظهر أول ورقة من الريحانة بخط الإمام الكبير الشهير الشيخ إبراهيم الباعوني الدمشقي رحمه الله تعالى ما نصه: قال كاتبه إبراهيم بن أحمد الباعوني - غفر الله ذنوبه - وستر عيوبه، وبلغه من فضله مطلوبه - صاحب كتاب الريحانة، آية من آيات الله سبحانه، لوجه أدبه طلاقه، وللسانه ذلاقة
стр. 3318
وللقلوب به علاقة، وفي خطه غلاقة، يعرفها ن عرق اصطلاحه بمطالعته، وينفتح له باب فهمها بتكرير مراجعته، فليتأمل الناظر إليه، والمقبل عليه، ما فيه من الجواهر، والنجوم الزواهر، بل الآيات البواهر، وليسبح الله تعالى تعجباً من قدرته جل وعلا، ومواهبه التي عذب ماؤها النمير وحلا، وليقل عند تأمل دره النظيم " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذوالفضل العظيم " الحديد:٢١؛ انتهى.
وقوله رحمه الله تعالى وفي خطه غلاقة ليس المراد به إلا صعوبة الخط المغربي على أهل المشرق حسبما يعلم مما بعده، وإلا فإن خط لسان الدين رحمه الله تعالى محمود عند المغاربة، ولنقتصر من هذا الغرض على ما ذكر، فإن تتبعه يطول؛ إذ هوبحر لا ساحل له.
[نقل من الروض الأريض لابن عاصم]
وكان لسان الدين رحمه الله تعالى مؤثراً حاجة من أمله، وقصد بابه وأم له، سواء كان من أودائه، أومن أعدائه، وقد ذكر الوزير الرئيس الكاتب أبويحيى ابن عاصم رحمه الله تعالى عنه في ذلك حكاية في أثناء كلام رأيت أن أذكر جملته لما اشتمل عليه من الفائدة، وهوأنه ذكر في ترجمة شموس العصر من ملوك بني نصر من كتابه المسمى بالروض الأريض في اسم السلطان الذي كان ابن الخطيب وزيره، وهوالغني بالله محمد بن يوسف ين إسماعيل بن فرج بن نصر الخزرجي، بعد كلام ما صورته (١) : كان قد جرى عليه التمحيص الذي أزعجه عن وطنه إلى الدار البيضاء بالمغرب من إيالة بني مرين، فأفادته الحنكة والتجربة هذه السيرة التي وقف شيوخنا على حقيقتها، وانتهجوا واضح طريقتها، وبلغتنا بألسنة صدقهم، معبراً عنها في عرف
стр. 3319
التخاطب بالعادة، فلم يكن الوزير الكيس والرئيس الجهبذ يجريان من الاستقامة على قانون، ولا يطردان من الصواب على أسلوب، إلا بالمحافظة على ما رسم من القواعد، والمطابقة لما ثبت من العوائد، وكان ذووالنبل من هذه الطبقة وأولوالحذق من أرباب هذه المهن السياسية يتعجبون من صحة اختياره لما رسم، وجودة تمييزه لما قصد، ويرون المفسدة في الخروج عنها ضربة لازب، وأن الاستمرار على مراسمها آكد واجب، فيتحرونها بالالتزام كما تتحرى السنن، ويتوخونها بالإقامة كما تتوخى الفرائض، وسواء تبادر لهم معناها ففهموه، أوخفي عليهم وجه رسمها فجهلوه، حدثني شيخنا القاضي أبوالعباس أحمد بن أبي القاسم الحسني أن الرئيس (١) أبا عبد الله ابن زمرك دخل على الشيخ ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب يستأذنه في جملة مسائل مما يتوقف عادة على إذن الوزير، وكان معظمها فيما يرجع إلى مصلحة الرئيس أبي عبد الله ابن زمرك، قال الشريف: فأمضاها كلها له، ما عدا واحدة منها تضمنت نقض عادة مستمرة، فقال ذوالوزارتين ابن الخطيب: لا، واله يا رئيس أبا عبد الله لا آذن في هذا، لأنا ما استقمنا في هذه الدار إلا بحفظ العوائد.
ثم قال صاحب الروض: فلما تأذن الله تعالى للدولة بالاضطراب، واستحكم الوهن بتمكن الأسباب، عدل عن تلك القواعد الراسخة، واستخف بتلك القوانين الثابتة، فنشأ من المفاسد ما أعوز رفعه، وتعدد وتره وشفعه، واستحكم ضرره حتى لم يمكن دفعه، وتعذر فيه الدواء الذي يرجى نفعه، وكان قد صحبه من الجد ما نسى آماله، وأنجح بإذن الله تعالى أقواله وأعماله، فكان يجري الأمر على رسم من السياسة واضح، ونظر من الآراء السديدة راجح، ثم يحفه من الجد سياج لا يفارقه إلى تمام الغاية المطلوبة من حصوله، وتمكن مقتضى الإرادة السلطانية من فروعه وأصوله؛ انتهى كلام ابن عاصم.
стр. 3320
وإذ جرى ذكره فلا بأس أن نلمع بشيء من أحواله، لأن أهل الأندلس كانوا يسمونه ابن الخطيب الثاني، فنقول:
[ترجمة أبي يحيى ابن عاصم]
هوالإمام العلامة الوزير الرئيس الكاتب الجليل البليغ الخطيب الجامع الكامل الشاغر المفلق الناثر الحجة، خاتمة رؤساء الأندلس بالاستحقاق، ومالك خدم البراعة بالاسترقاق، أبويحيى محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم، القيسي الأندلسي الغرناطي، قاضي الجماعة بها - كان - رحمه الله تعالى - من أكابر فقهائها وعلمائها ورؤسائها، أخذ عن الغمام المحقق أبي الحسن ابن سمعت، والإمام القاضي أبي القاسم ابن سراج، والشيخ الراوية أبي عبد الله المنتوري، والإمام أبي عبد الله البياني، وغيرهم، ومن تآليفه شرح تحفة والده، وذكر فيه أنه ولي القضاء سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، ومنها كتاب جنة الرضى في التسليم لما قدر الله تعالى وقضى، وكتاب الروض الأيض في تراجم ذوي السيوف والأقلام والقريض كأنه ذيل به إحاطة لسان الدين ابن الخطيب، وله غير ذلك، وقد أطلت الكلام في ترجمته من كتابي " أزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل للنفس به ارتياح وللعقل ارتياض " (١) .
ووصفه ابن فرج السبي بأنه الأستاذ العلم الصدر المفتي القاضي رئيس الكتاب، ومعدن السماحة، ومنبع الآداب؛ انتهى.
[نموذج من نثر ابن عاصم]
وقد تقدم بعض كلامه فيما مر، ومن بديع نثره الذي يسلك به نهج ابن
стр. 3321
الخطيب رحمه الله تعالى قوله من كلام جلبت جملته في أزهار الرياض، واقتصرا هنا على قوله بعد الحمدلة الطويلة ما صورته (١) : أما بعد فإن الله على كل شيء قدير، وإنه بعباده لخبير بصير، وهولمن أهل نيته، وأخلص طويته، نعم المولى ونعم المصير، بيده الرفع والخفض، والبسط والقبض، والرشد والغي، والنشر والطي، والمنح والمنع، والضر والنفع، والبطء والعجل، والرزق والأجل، والمسرة والسماءة، والإسحان والإساءة، والإدراك والفوت، والحياة والموت، إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، وهوالفاعل على الحقيقة وتعالى الله عما يقول الآفكون، وهوالكفيل بأن يظهر دينه على الدين كله ولوكره المشركون، وإن في أحوال الوقت الداهية لذكرى لمن كان له قلب أوألقى السمع وهوشهيد، وعبرة لمن يفهم قوله تعالى " إن الله يفعل ما يشاء " الحج: ١٨ و " إن الله يحكم ما يريد " المائدة:١ بينما الدسوت عامرة، والولاة آمرة، والفئة مجموعة، والدعوة مسموعة، والإمرة مطاعة، والأجوبة سمعاً وطاعة، وإذا بالنعمة قد كفرت، والذمة قد خفرت.
إلى أن قال: والسعيد من اتعظ بغيره، ولا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً جعلنا الله تعالى ممن قضى عمره بخيره، وبينما الفرقة حاصلة، والقطيعة فاصلة، والمضرة واصلة، وأحبل في انبتات والوطن في شتات، والخلاف يمنع رعي متات، والقلوب شتى من قوم أشتات، والطاغية يتمطى لقصم الوطن وقضمه، ويلحظه لحظ الخائف على هضمه، والآخذ بكظمه، ويتوقع الحسرة أن يأذن الله يجمع شمله ونظمه، على رغم الشيطان ورغمه، وإذا بالقلوب قد ائتلفت، والمتنافرة قد اجتمعت عدما اختلفت، والأفئدة بالألفة قد اقتربت إلى الله تعالى وازدلفت، والمتضرعة إلى الله تعالى قد ابتهلت، في إصلاح الحالة التي سلفت، فألقت الحرب أوزارها، وأدنت الفرقة النافرة مزارها، وجلت الألفة الدينية
стр. 3322
أنوارها، وأوضحت العصمة الشرعية آثرها، ورفعت الوحشة الناشبة أظفارها أعذارها، وأرضت الخلافة الفلانية أنصارها، وغضت الفئة المتعرضة أبصارها، وأصلح الله تعالى أسرارها، فجمعت الأوطان بالطاعة، والتزمت نصيحة الدين بأقصى الاستطاعة، وتسابقت إلى لزوم السنة والجماعة، وألقت إلى الإمامة الفلانية يد التسليم والضراعة، فتقبلت فيأتهم، وأحمدت جيأتهم، وأسعدت آمالهم، وارتضيت أعمالهم، وكملت كطالبهم، وتممت مآربهم، وقضيت حاجاتهم، واستمعت مناجاتهم، وألسنتهم بالدعاء قد انطلقت، ووجهتهم في الخلوص قد صدقت، وقلوبهم على جمع الكلمة قد اتفقت، وأكفهم بهذه الإمامة الفلاينة قد اعتقلت، وكانت الإدالة في الوقت على عدوالدين قد ظهرت وبرقت، إلى أن قال: وكفت القدرة القاهرة، والعزة الباهرة، من عدوان الطاغية غوائل، بإعزاز دين الله الموعود بظهوره على الدين كله فواتح وأوائل، ومعلوم بالضرورة أن الله تعالى لطيف بعباده حسبما شهد بذلك برهان الوجود،: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " دليل على ما سوغ من الكرم والجود؛ انتهى المقصود منه، وهوكلام بليغ، ومن أراد جملته فعليه بأزهار الرياض.
[من نظم ابن عاصم]
ومن نظم ابن عاصم المذكور قوله مخاطباً شيخه قاضي الجماعة أبا القاسم ابن سراج، وقد طلب الاجتماع به زمن فتنة، فظن أنه يستخبره عن سر من أسرار السلطان، فأعده معتذراً، ولم يصدق الظن:
فديتك لا تسأل عن السر كاتباً ... فتلقاه في حال من الرشد عاطل
وتضطره إما لحالة خائن ... أمانته أوخائض في الأباطل
فلا فرق عندي بين قاض وكاتب ... وشى ذا بسر أو قضى ذا بباطل
стр. 3323
[قصيدة لابن الأزرق في مدحه]
ومن بديع ما نظم في مدح الرئيس ابن عاصم المذكور قول العلامة ابن الأزرق رحمه الله تعالى:
خضعت لمعطفه الغصون الميس ... ورنا فهام بملتيه النرجس
ذو مبسم زهر الربى في كسبه ... متنافس عن طيبه متنفس
ومورد من ورده أو ناره ... يتنعم القلب العميد وييأس
فالورد فيه من دموعي يرتوي ... والنار فيه من ضلوعي تقبس
كملت محاسنه فقد ناضر ... ولواحظ نجل وثغر ألعس
صعب التعطف بالغرام حبيبته ... فالحب يحبى والتعطف يحبس
غرس التشوق ثم أغرى بي ... فالوجد يغرى والتشوق يغرس
ما كنت أشقى لوحللت بجنة ... من وصله تحيا لديها الأنفس
ألحاظه ورضابه وعذاره ... حور بها أو كوثر أوسندس
وليال أنس قد أمنت بهن من ... واش ينم ومن رقيب يحرس
أطلعت شمس الراح فيها فاهتدى ... عاش إلينا في الدجى ومغلس
صفراء كالعقيان في الألوان لل ... ندمان كالشهبان منها اكؤس
صبت شقيقاً فاستحالت مرجساً ... في مزجها فمورد ومورس
وحبابها يغني بأسنى جوهر ... أنفى لغم المعدمين وأنفس
يجلى لها للغم منها حندساً ... قمر عليه من الذؤابة حندس
حتى إذا عمشت مراة البدر من ... صبح بدا تلقاه إذ يتنفس
ناديته وسنا الصباح محصحص ... ينجاب عنه من الظلام معسعس
يا مطلع الأنوار زهراً يجتنى ... ومشعشع الصهباء ناراً تلمس
بك مجلس الأمس اطمأن بابن عا ... صم اطمأن من الرياسة مجلس
بدر بأنوار الهدى متطلع ... غيث بأشتات الندى متبجس
стр. 3324
حامى فلم نرتع لخطب يعتري ... ووفى فلم نحفل بدهر يبخس
شيم مهذبة، وعلم راسخ ... ومكارم هتن، ومجد أقعس
لو كان شخصاً ذكره لبدا على ... أعطافه من كل حمد ملبس
ذاكم أبويحيى به تحمى العلا ... وبه خلال الفخر طراً تحرس
بيت على عمد الفخار مطنب ... مجد على متن السماك مؤسس
خيم وعرس في حماه فكم حوى ... فيه المراد مخيم ومعرس
إنا لنغدو هيماً فينيلنا ... رياً ويوحشنا النوى فيؤنس
حتى أقمنا والأماني منهضا ... ت وابتسمنا والزمان معبس
لم ندر قبل يراعه وبنانه ... أن الذوابل بالغمائم تبجس
هن اليراع بها يؤمن خائف ... ويحاط مذعور، ويغني مفلس
مهما انبرت فهي السهام يرى لها ... وقع لأغراض البيان مقرطس
يشفى بمأمله الشكي المعتري ... يحيا بمأمنه الحمام المؤيس
فتقص حين تشق منها ألسن ... وتسير حين تقط منها أرؤس
من كل وشاء بأسرار النهى ... درب بإظهار السرائر يهجس
قد جمع الأضداد في حركاته ... فلذا اطراد فخاره لا يعكس
عطشان ذو ري، يبيس مثمر ... غضبان ذو صفح، فصيح أخرس
لله من تلك البراع جواذب ... للسحر منك كأنها المغنطيس
رضنا شماس القول في أوصافها ... فهي التي راضت لنا ما يشمس
وإليكها حللاً تشابه نسجها ... مثلي يفصلها ومثلك يلبس
واهنأ بعيد باسم متهلل ... وافاك يجهر بالسرور ويهمس
واحبس لواء الفخر موقوفاً فإن ... الحمد موقوف عليك محبس قلت: وعندي الآن شك في صاحب هذه القصيدة، هل هوقاضي الجماعة بغرناطة محمد بن الأزرق أوابن الأزرق الثاني القائل فيما يكتب على السيف:
стр. 3325
إن عمت الأفق من نقع الوغى سحب ... فشيم بها بارقاً من لمع إيماضي
وإن نوت حركات النصر أرضص عداً ... فليس لفتح إلا فعلي الماضي والله سبحانه أعلم.
[رسالة ابن عاصم إلى ابن طركاط]
ومن إنشاء الرئيس ابن عاصم المذكور ما كتب به يخاطب الكاتب أبا القاسم ابن طركاط، وهو " القضاء - حفظ الله تعالى كمالك، وأنجح آمالك - إذا لم يحطه العدل من كلا جانبيه سبيل معوج، ومذهب لا يوافق عليه مناظر ولا ينصره محتج، كما أنه إذا حاطه العدل حادة لنجاة، وسبب في حصول رحمة الله تعالى المرتجاة، وسوق لنفاق بضاعة العبد المزجاة، وأجمل العدل ما تحلى به في نفسه الحكم، وجرى على مقتضى ما شهدت به الآراء المشهورة والحكم، حتى يكون عن البغي رادعاً، وبالقسط صادعاً، ولأنف الأنفة من الإذعان للحق جادعاً، وأنت أجلك الله تعالى على سعة إطلاعك، وشدة ساعد قيامك بالطريقة واضطلاعك، ممن لا ينبه على ما ينبغي، ولا يرد على طلبته من الإنصاف المبتغي، فلك في الطريقة القاضوية التبريز، وأنت إذا كان غيرك الشبه الذهب الإبريز، ولعلمية عدلك التوشية بالنزاهة والتطريز، وليتني كنت لمظهرك الحكمي حاضراً، ولإعلام القضاة بآرائك المرتضاة محاضراً، والوازع قد تمرس بالخصوم، وجعل المتصدي للإذن في محل المخصوم، وأنت حفظك الله تعالى قد قمت من غلط الحجاب بالمقام المعصوم، ومثلت من سعة المنزل في الفضل والطول كالشهر المصوم، والباب قد سد، وداعي الشفاعة قد رد، والميقات للإذن قد حد، ومطلب الأجرة المتعارفة قد بلغ الأشد، حتى إذا قضي الواجب، وأذن في دخول الخصمين الحاجب، وكبح السابقين إلى الحد الذي
стр. 3326
لا يعدونه، وحفز (١) إيماؤه من تعداه أووقف دونه، وقد حصل باللحظ واللفظ التساوي، وأنتج المطالب الأربعة هذا اللازم المساوي، ومجلسك قد رجح وقاره برضوى، ومجتلاك قد فضح نوره البدر الأضوا، وقد امتزت عن سواك نم القضاة بمراسم لا تليق بجملتهم معارفها، وتخصصت عنهم بملابس تعج عجيجاً من جذامهم مطارفها (٢) ، بحيث تحد لخلع النعلين حداً لا يتجاوز طواه، وتسد في بعض الأوقات الباب سداً لا ترقع بالمحاجر كواه (٣) ، وتفصل بين الخصمين أحياناً بالنية (٤) دون الكلام ولكل امرئ ما نواه.
وهذه أعانك الله تعالى مكملات من العدل في الحكم وقف عياض دون تحقيق مناطها، وأعيت ابن رشد فلم يهتد بيانه ولا تحصيله لاستنباطها، فما بال النازحة (٥) عنك حساً ومعنى، النازلة من تقاضي دينك بمنزلة الممطول المعنى، المعتقلة من ملكة رقك بحيث أقصاها لاعج الشوق، المعذبة من الصبابة فيك بما شب عمره عن الطوق، تتنفس الصعداء مما تشهده منك من مبتدعات الجور، وتردد البكاء على ضياع ما استعار الحسن لصفاتها من النجد والغور، وتقضي العجب مما تسمع من عدلك الذي لم تجتل لمحة من نوره، ومن حلمك الذي أشقاها (٦) فلم تحضر لدكة طوره، وتستصوب أنظار النحاة في منع التهيئة والقطع في العامل، وتستجلب العروضيين في المديد والبسيط دون الطويل والكامل، فهلا راجعت فيها النظر، وأنجزت لها الوعد المنتظر، وكففت من
стр. 3327
عيونها دموعاً مستهلة، واجتليت من جبينها الوضاح ما أخجل بدوراً مشرقة وأهلة، ولم تحوجها إلى أن ينطق قرينها (١) الروحاني بالشعر على لسانها ولسانك، ولم تضطرها في هذه المعاملة إلى ما لا ترتضيه من كفر إحسانك، والعذر أظهر، والبرهان أبهر، وخلافك في العالم أشهر، وأنت إن لم يكن ما يعصم الله تعالى منه لمقتضى الطبيعة أقهر.
وقد أدرجت لك في طي هذا ما يصل إلى يدك، وتلهج به في يومك وغدك، منتظرة منك إطفاء الجوى بالجواب، ومحوما سبق من الخطأ بالخطاب، إن شاء الله تعالى، والله تعالى يصل سعادته، ويحفظ مجادته، ومعاد السلام من الشاكر الذاكر ابن عاصم وفقه الله تعالى في أوائل ذي الحجة عام خمسة وأربعين وثمانمائة انتهى، وهومما لم أذكره في أزهار الرياض ".
[ظهير بتقديم ابن عاصم للنظر في أمور الفقهاء]
ولنذكر هنا الظهير الذي جلبته فيها (٢) بتقديم المذكور لنظر في أمور الفقهاء وغيرهم، ونصه: هذا ظهير كريم إليه انتهت الظهائر شرفاً علياً، وبه تقررت المآثر برهاناً جلياً، وراقت المفاخر قلائد وحلياً، وتميزت الأكابر الذين افتخرت بهم الأقلام والمحابر، اختصاصاً مولوياً. فهووإن تكاثرت المرسومات وتعددت، وتوالت المنشورات وتجددت، أكبر (٣) مرسوم تمم في الاعتقاد نظراً خطيراً، وأحكم في التفويض أمراً كبيراً، وأبرم في الاستخلاص عزماً أبياً. اعتمد بمسطوره العزيز، واختص (٤) بمنشوره الذي تلقاه اليمن بالتعزيز، من لم يزل
стр. 3328
بالتعظيم حقيقاً، وبالإكبار خليقاً، وبالإجلال حرياً. فهوشهير لم يزل في الشهرة سابقاً، هاد لم يزل بالهدى ناطقاً، بليغ لم يزل بالبلاغة درياً، عظيم لم يزل في النفوس معظماً، علم لم يزل في الأعلام مقدماً، كريم لم يزل في الكرام سنياً. اشتملت منه محافل الملك على العقد الثمين، وحلت به المشورة في الكنف المحوط والحرم الأمين، فكان في مشكاة الأمور هادياً، وفي ميدان المراشد جرياً. فإلى مقاماته تبلغ مقامات الإخلاص، وإلى مرتبته تنتهي مراتب الاختصاص، فيمن حاز خصلاً، وزين حفلاً، وشرف ندياً. واستكمل همماً، واستحمل قلماً، واستخدم مشرفياً. فلله ما أعلى قدر هذا الشرف، الجامع بين المتلد والمطرف (١) ، السابق في الفضل أمداً قصياً. الحال من الاصطفاء مظهراً، الفارع من العلاء منبراً، الصاعد من العز كرسياً. حاز الفضل إرثاً وتعصيباً، واستوفى الكمال حقاً ونصيباً، ثناء أرجه كالروض لولم يكن الروض ذابلاً وهدياً. نوره كالبدر لولم يكن البدر آفلاً، ومجد علوه كالسها لولم يكن السها خفياً. فما أشرف الملك الذي اصطفاه، وكمل له حق التقريب ووفاه، وأحله قرارة التمكين، ومن اختصاصه بالمكان المكين، فسبق في ميدان التفويض وشأى (٢) ، ورأى من الأنظار الحميدة ما رأى، صاعداً بالحق إماماً علماً، موضحاً من الدين نهجاً أمماً، هادياً من الواجب صراطاً سوياً. بانياً لمجد صرحاً مشيداً، مشهراً للعدل قولاً مؤيداً، مبرماً للخير سبباً قوياً. فالله تعالى يصل لمقام هذا الملك الذي طلع في سمائه بدراً دونه البدور، وصدراً تلوذ به الصدور، سعداً لا تمطله الأيام في تقاضيه، ونصراً يمضي به نصل الجهاد فلا يزال ماضيه، على الفتح مبنياً. ويوالي له عزاً يذود عن حرم الدين ويمنحه تأييداً (٣) يصبح في أعناق الكفر حديث سيفه قطعياً.
стр. 3329
أمر به مرسوماً عزيزاً لا تبلغ المرسومات إلى مداه، ولا يبدي بآثار الاختصاص مثل ما أبداه عبد الله أمير المسلمين محمد الغالب بالله أيد الله تعالى مقامه، ونصر أعلامه، وشكر إنعامه، ويسر مرامه، لإمام الأئمة وعلم الأعلام، وعماد ذوي العقول والأحلام، وبركة حملة السيوف والأقلام، وقدوة رجال الدين وعلماء الإسلام، الشيخ الفقيه أبي يحيى ابن كبير العلماء، شهير العظماء، حجة الأكابر والأعيان، مصباح البلاغة والبيان، قاضي القضاة وإمامهم، أوحد الجلة وطود شمامهم، الشيخ الفقيه أبي بكر ابن عاصم أبقاه الله تعالى، ومناطق الشكر به فصيحة اللسا، ومواهب الملك به معهودة الإحسان، وقلائد الأيادي منه متقلدة بجيد كل إنسان، فقد تقرر والمفاخر لا تنسب إلا لبنيها، والفضائل لا تعتبر إلا بمن يشيد أركانها ويبنيها، والكمال لا يصفي شربه، إلا لمن يؤمن سربه، أن هذا العلم الكبير، الذي لا يفي بوصفه التعبير، لم بآثاره يقتدى، وبأنظاره يهتدي، وبإشارته يستشهد، وبإدارته يسترشد، إذ لا أمد علو (١) إلا وقد تخطاه، ولا مركب فضل إلا وقد تمطاه، ولا شراقة هدى إلا وقد جلاها، ولا لبة فخر إلا وقد حلاها، والنعمة إلا وقد أسداها، ولا حرمة إلا وقد أبداها، لما له في دار الملك من الخصوصية العظمى، والمانة التي تسوغ النعمى، والرتب التي تسموالعيون إلى مرتقاها، وتستقبها النفوس بالتعظيم وتتلقاها، حيث سر الملك مكتوم، وقرطاسه مختوم، وأمره محتوم، والأقلام قد روضت الطروس وهي ذاوية، وقسمت الأرزاق وهي طاوية، شقت ألسنتها فنطقت، وقطت (٢) أرجلها فسبقت، ويبست أثمرت إنعاماً، ونكست فأظهرت قواماً، وخطت فأعطت، وكتبت فوهبت، ومشقت فرفقت، وأبرمت فأنعمت، فكم يسرت الجبر،
стр. 3330
وعفرت الهزبر، وشنفت المسامع، وكيفت المطامع، وأقلت فيما ارتفع من المواضع، وأحلت لما امتنع من المراضع، فهي تنجز النعم، وتحجز النقم، وتبث المذاهب، وتحث المواهب، وتروض المراد، وتنهض المراد، وتحرس الأكناف، وتغرس الأشراف، مصيخة لنداء هذا العماد الأعلى، طامحة لمكانه الذي سما واستعلى، فيما يلي عليها من البيان الذي يقر له بالتفضيل، الملك الضليل، ويشهد له بالإحسان، لسان حسان، يحكم له ببري القوس (١) ، حبيب بن أوس، ويهيم بما من الأساليب عنده، شاعر كندة، ويستمطر سحبه الثرة، فصيح المعرة، إلى منثور تزيل الفقر فقره، وتدر الرزق درره، لوأنهي إلى قس إباد لشكر في الصنيعة أياديه، واستمطر سحبه وغواديه، أوبلغ إلى سحبان لسحره، وما فارقه عشية ولا سحره، ولورآه الصابي لأبدى إليه من صبوته ما أبدى، أوسمعه ابن عباد لكان له عبداً، أبوبلغ بديع الزمان لهجر بدائعه، واستنزر بضائعه، أوأتحف به البستي لا تخذه بستاناً، أوعرض على عبد الحميد لأحمد من صوبه هتاناً، فأعظم به ومن عال لا ترقى ثنيته، ولا تحاز مزيته، ولا يرجم أفقه، ولا يكتم حقه، ولا ينام له عن اكتساب الحمد ناظر، ولا ينقاس به في الفضل مناظر، وهل تقاس الأجادل بالبغاث، أوالحقائق بالأضغاث
ألا وإن بيته هوالبيت الذي طلع في افقه كل كوكب وقاد، ممن وشج به للعلوم اتقاء واتقاد، وترامى به للمدارك ذكاء وانتقاد، فاعظم بهم أعلاماً وصدوراً، وأهلة وبدوراً، خلدت ذكرهم الدواوين المسطرة، وسرت في محامدهم الأنفاس المعطرة، إلى أن نشأ في سمائهم هذا الأوحد، الذي شهرة فضله لا تجحد، فكان قمرهم الأزهر، ونيرهم الأظهر، ووسيطة عقدهم الأنفس، ونتيجة مجدهم الأقعس، فأبعد في المناقب آماده، ورفع الفخر وأقام عماده، وبنى على تلك الأساس المشيدة، وجرى لإدراك تلك الغايات البعيدة،