← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

وأحياناً يؤخره ... وتارات يعاجله كفاك به إذا نزلت ... على قوم كلاكله وكم قد عز من ملك ... تحف به قبائله (١) ويثني عطفه مرحاً ... وتعجبه شمائله فلما أن أتاه الحق ... ولى عنه باطله فخفض (٢) عينه للمو ... ت واسترخت مفاصله فما لبث السياق به ... إلى أن جاء غاسله فجهزه إلى جدث ... سيكثر فيه خاذله ويصبح شاحط المثوى ... مفجعة ثواكله مخمشة نوادبه ... مسلبة حلائله وكم قد طال من أمل ... فلم يدركه آمله رأيت الحق لا يخفى ... ولا تخفى شواكله لا فانظر لنفسك أيل ... زاد أنت حامله لمنزل وحدة بين ال ... مقابر أنت نازله قصير السمك قد رضمت (٣) ... عليك به جنادله بعيد تجاوز الجيرا ... ن ضيقة مداخله أأيتها المقابر في ... ك من كنا ننازله ومن كنا نتاجره ... ومن كنا نعامله ومن كنا نعاشره ... ومن كنا نداخله ومن كنا نشاربه ... ومن كنا نؤاكله

стр. 3502

ومن كنا نفاخره ... ومن كنا نطاوله ومن كنا نراقبه ... ومن كنا نزايله ومن كنا نكارمه ... ومن كنا نجامله ومن كنا له إلفاً ... قليلاً ما نزايله (١) ومن كنا له بالأم ... س إخواناً نواصله (٢) فحل محلة من حل ... ها صرمت حبائله ألا أن المنية من ... هل والخلق ناهله أواخر من ترى تفنى ... كما فنيت أوائله لعمرك ما استوى في الأ ... رض عالمه وجاهله ليعلم كل ذي عمل ... بأن الله سائله فأسرع فائزاً بالخي ... ر قائله وفاعله ثم قال لسان الدين رحمه الله تعالى، بعد ما سبق، ما صورته: وهذا الغرض بحر، ويكفي من خزائنه عرض، ومن بيت ماله قرض، إن شاء الله تعالى. ثم قال: تنبيه يشتمل على سؤالين: أحدهما أن يقال: الوعظ غير مناسب للمحبة، إذا لا يحصل إلا بعد الفراغ واليقظة، الثاني: أن يقال: عظمتم الحسرة لفراق عالم الحس، وأطلتم في قشور، فنجيب عن الأول: إنا لم نجلب الوعظ إلا بين يدي تأميل حضور المحبة، فكأنه يجري مجرى الأسباب، فإن الغرض به وجهة النفس من جوالسرور، واللعب بالزور، إلى جوالحزن والارتماض، ومن هنالك تأخذ بخطامها أيدي الاضطرار، فتحصل اليقظة ثم التوبة، ومنها يستقيم الطريق في منازل السائرين إلى الحق:

стр. 3503

والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع (١) وعند ذلك يطوى بساط الزجر والوعظ (٢) ، ويمد بساط الاعتبار والحب، إن شاء الله تعالى، فإنها كالثكلى بطبعها لما فارقته من عنصر نور الله تعالى والعوالم الروحانية التي هي الشعار والدثار، والأمل والدار، والحياة والجمال، والوجود والكمال، وإن كانت لا تشعر بالسبب، ولا تستحضر ذكر العلة، فإذا ذكر الفراق أنت، أوتنوشدت الآثار حنت، ويطرقها الحزن عند الألحان الشجية، وتحس بعض الأحيان بالمواجد العشقية: وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك (٣) فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك وعن الثاني: إن كثيراً من النفوس لا تشعر بوجود عالم الحس، فضلاً عن النظر فيه، وإن شعرت بذلك عد منها نبلاً، ومن كان بهذه المثابة لا سبيل لندائه إلا من باب القشور " أولئك ينادون من مكان بعيد " فصلت:٤٤ إلى أن يتأتى النداء من باب الله تعالى بفضل الله تعالى، فالنفوس الشخصية غير متساوية، وهي بهوى الهوى هاوية، فالقريب منها يجذب بالأنامل، والبعيد بالجزل الكوامل، وعلى قدر المحمول تكون قوة الحامل: يضع الهناء مواضع النقب (٤) ... يكفي اللبيب إشارة مكتومة ... وسواه يدعى بالنداء العالي وسواهما بالزجر من قبل العصا ... ثم العصا هي رابع الأحوال

стр. 3504

وقال رحمه الله تعالى في فصل ذم الكسل، ما صورته: ونحن نجلب بعض الأمثال في ذمه، مما يسهل حفظه، ويجب لحظه، فمن ذلك: الكسل مزلقة الربح، ومسخرة الصبح. إذا رقدت النفس في فراش الكسل استغرقها نوم الغفلة " لوكنا نسمع أونعقل ما كنا في أصحاب السعير " الملك:١٠. الندامة في الكسل كالسم في العسل، الكسل آفة الصنائع، وأرضة في البضائع. العجز والكسل، يفتحان الخمول ولا تسل. الفلاح إذا مل الحركة، عدم البركة: ظهران لا يبلغان المرء إن ركبا ... باب السعادة: ظهر العجز، والكسل وفي اغتنام الأيام: من أضاع الفرصة، تجرع الغصة. إن كان لك من الزمان شيء فالحال، وما سواه فمحال. تارك أمره إلى غد، لا يفلح للأبد. الإنسان ابن ساعته، فليحطها من إضاعته. التسويف سم الأعمال، وعدوالكمال. لم يحرم المبادر، إلا في النادر. ما درجت أفراخ ذل إلا من وكر طماعة، ولا بسقت فروع ندم إلا من جرثومة إضاعة. العزم سوق، والتاجر الجسور مرزوق. من وثق بعهد الزمان، علقت يداه بحبل الحرمان. الريح في ضمن الجسارة، والمضيع أولى بالخسارة. ومن أمثالهم - في نظر الإنسان لنفسه، قبل غروب شمسه - قولهم: اعلم أن كل حكيم صانع إذا فكر في أمره ونظر في العواقب علم أنه لا بد يوماً أن يخرب دكانه الذي هومحل بضاعته، وتنحل أنقاضه، وتكل أدواته، وتضعف قوته، وتذهب أيام شبابه، فمن بادر واجتهد قبل خراب الدكان، واستغنى عن السعي، فإنه لا يحتاج بعد ذلك إلى دكان آخر، ولا إلى أدوات مجددة، فليتجر بما اقتناه ويشتغل بالانتفاع والالتذاذ بما كسبت يداه، وهذه حالة النفس بعد خراب الجسد، فبادر واجتهد واحرص واستعجل، وتزود قبل

стр. 3505

خراب دكانك وهدم بنيته، فإن خير الزاد التقوى، قال حسان (١) : إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... وأبصرت بعد اليوم من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله ... ولم تترصد مثل ما كان أرصدا قال أبوالفرج ابن الطيب البغدادي (٢) في اغتنام الوقت في كتابه في السياسة والآراء الفاضلة: يجب أن تعيد وتمثل، فإن الفكر مضطرب متشوش بكثرة نوازع النفس واختلاف قواها، والعمى في بعض الأوقات، فإذا سنح لنفس وقت فاضل بصفاء جوهرها، وأبرمت قانوناً أوصورة متوسطة فاضلة، يجب أ، يقيد بذلك وقت سعد ربما لا يعاود أويعاود؛ انتهى. ٧٦ - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما كتب به على لسان سلطانه إلى شيخ الموحدين بتونس ابن تافراجين، يخبره بالتمحيص الجاري عليه، ونصه: من أمير المسلمين أيده الله ونصره، وأعلى أمره وأظهره، إلى ولينا في الله تعالى الذي له القدم الرفيع المناصب، والمجد السامي الذوائب، والسياسة التي أخبارها سمر الركبان وحد الركائب، الشيخ الجليل الكبير، الشهير الخطير، الهمام الأمضى، الرفيع الأعلى، الأمجد الأوحد، الأسعد الأصعد، الأوفى الظاهر الطاهر الفاضل الباسل الأرضى الأنقى المعظم الموقر المبرور، علم الأعلام، سلالة أكابر أصحاب الإمام، معيد دولة التوحيد إلى الانتظام، أبي محمد عبد الله ابن الشيخ الجليل الكبير الشهير الماجد الخطير الرفيع الأسعد

стр. 3506

الأمجد الحسيب الأصيل الأرضي الأفضل الأكمل المعظم المقدس (١) المرحوم أبي العباس تافراجين، وصل الله تعالى له عزة تناسب شهرة فضله؛ وسعادة تتكفل له في الدارين برفعة محله: سلام كريم يخص مجادتكم الفاضلة، ورتبتكم الحافلة، ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد حمد الذي يمحص ليثيب، ويأمر بالساتقالة ليجيب، ويعقب ليل الشدة يصبح الفرج القريب، ويجني من شجر التوكل عليه، والتسليم إليه، ثمر الصنع العجيب، ويظهر العبر مهما كسر ثم جبر لكل ذي قلب منيب، والصلاة على يدنا ومولانا محمد رسوله الذي نلجأ إلى ظل شفاعته في اليوم العصيب، ونستظهر بجاههعلى جهاد عبدة الصليب، ونستكثر عدد بركاته في هذا الثغر الغريب، ونصول منه على العدوبالحبيب، والرضى عن آل وصحبه نجوم الهداية من بعد الأمنة من الأفول والمغيب، فإنا كتبناه إليكم - كتب الله لكم عزة متصلة، وعصمة بالأمان من نوب الزمان متكلفة - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى، ولا زائد بفضل الله تعالى الذي لطف وجبر، وأظهر في الإقالة وحسن الإدالة العبر، ممن كتب الله تعالى له العقبى لما صبر، إلا الخبر الذي كسا الأعطاف الحبر، والصنع الذي صدق خبره الخبر، والحمد لله تعالى كثيراً كما هوأهله فلا فضل إلا فضله، ولمكانتكم عندنا المحل الذي قررت شهرة فضلكم قواعده، وأعلت مصاعده، وأثبت التواتر شواهده، إذ لا نزال نتحف بسيركم اليت في التدبيرات تقتفى، وعلم يسترشد به إذا العلم اختفى، والسبيل عفا، وإن تلك الدولة بكم استقام أودها، وقامت والحمد لله عمدها، وإنكم رعيتم في البنين حقوق آبائها، وحفظتم عليها ميراث عليائها، ولولم تتصل بنا أنباؤكم الحميدة، وآراؤكم السديدة، بما يفيد العلم بفضل ذاتكم، ويغري قوى الاستحسان بصفاتكم، لغبطنا بمخاطبتكم

стр. 3507

ومفاتحتكم، ما نجده من الميل لكم طبعاً وجبلة، من غير أن نعتبر سبباً أوعلة، فالتعارف بين الأرواح لا ينكر، والحديث الكريم يؤيد من ذلك ما ينقل ويذكر (١) . وبحسب ذلك نطلعكم على غري ما جرى به في ملكنا القدر، وحيث بلغ الورد وكيف كان الصدر، وربما اتصلت بكم الحادثة التي أكفأها على دار ملكنا من لم يعرف غير نعمتها غاذياً، ولا برح في جوانب إحسانها رائحاً وغادياً، يتيم حجرها الكافل، ورضيع درها الحافل، الشقي الخاسر، الخائن الغادر، محمد بن إسماعيل بن محمد المستجير بنسبنا من لؤم غدره، الخفية عنا حيل مكره لخمول قدره، إذ دعاه محتوم الحين ليهلك إلى أن يهلك، وسولت له نفسه الأمارة بالسوء أن يملك أخانا الخاسر ثم يملك، وسبحان الذي يقول: يا نوح إنه ليس من أهلك " هود:٤٦، وكيف تم له ما أبرمه من تسور الأسوار، واقتحام البوار، وتملك الدار، والاستيلاء على قطب المدار، وأننا كنفتنا عصمة الله تعالى بمتحولنا الذي كان به ليلتئذ محل ثوائنا، وكفت القدرة الإلهية أكف أعدائنا، وخلصنا غلاباً بحال انفراد إلا من عناية [الله] ونعم الرفيق، وصدق اللجإ إلى رحمة الله تعالى التي ساحتها عن مثلنا لا تضيق، مهما (٢) تنكر الزمان أوتفرق الفريق، وشرذمة الغدر تأخذ علينا كل فج عميق، حتى أوينا من مدينة وادي آش إلى الجبل العاصم، والحجة المرغمة أنف المخاصم، ثم أجزنا البحر بعد معاناة خطوب، وتجهم من الدهر وقطوب، وبلا الله هذا الوطن بمن لا يرجوله وقاراً، ولا يألوشعائره المعظمة احتقاراً، فأضرمه ناراً، وجلل وجوه وجوهه خزياً وعاراً، حتى هتك الباطل حماه، وغير اسمه ومسماه، وبدد حاميته المتخيرة وشذبها، وسخم دواوينه التي محصها الترتيب والتجريب وهذبها، وأهلك نفوسها وأموالها، وأساء لولا

стр. 3508

تدارك الله تعالى أحوالها. ولما تأذن ﷻ في إقالة العثار، ودرك الثار، وأنشأت نواسم رضاه إدامة الاستغفار، ورأينا قلادة الإسلام قد آن انتثارها، والملة الحنيفية كادت تذهب آثارها، ومسائل الخلاف يتعدد مثارها، وجعلت الملتان نحونا تشير، والملك يأمل أن يوافيه بقدومنا البشير، تحركنا حركة خفيفة تشعر أنها حركة الفتح، ونهضنا نبتدر ما كتب الله تعالى من المنح، وقد امتعض لنا الكون بما حمل، واستخدم الفلك نفسه بمشيئته تعالى واكتمل، وكاد يقرب لقرى ضيفنا الثور والحمل، وظاهرنا محل أخينا السلطان الكبير الرفيع المعظم المقدس أبي سالم الذي كان وطنه مأوى الجنوح، ومهب النصر الممنوح - رحمة الله تعالى عليه - مظاهرة مثله من الملوك الأعاظم، وختم الجميل بالجميل والأعمال بالخواتم، وأنف حتى عدوالدين لنعمتنا المكفورة، وحقوقنا المحجوبة المستورة، فأصبح بعد العدوحبيباً، وعاد بعد الإباية منيباً، وسخر أساطيله تحضيضاً على الغجازة وترغيباً، واستقبلنا البلاد وبحر البشر يزخر موجه، وملك الإسلام قد خر على الحضيض أوجه، والروم مستولية على الثغور، وقد ساءت ظنون المؤمنين بالعقبى ولله عاقبة الأمور، والخبيث الغادر الذي كان يموه بالإقدام قد ظهر كذب دعواه، وهان مثواه، وتورط في أشراك المندمة تورط مثله ممن اتبع هواه، وجحد نعمة مولاه، فلولا أن الله، ، تدارك جزيرة الأندلس بركابنا، وعاجل أوارها بانسكابنا، لكانت القاضية، ولم تر لها من بعد تلك الريح العقيم من باقية، لكنا والفضل لله تعالى رفعنا عنها وطأة العدو وقد ناء بكلكل، وابتززناه منها أي مشرب ومأكل، واعتززنا عليه بالله تعالى الذي يعز ويذل، ويهدي ويضل، فلم نسامحه في شرط يجر غضاضة، ولا يخلف في القلوب مضاضة، وخصنا بحر الهول، وبرئنا إلى الله تعالى ربنا عن القوة والحول، وظهرت للمسلمين ثمرة سريرتنا، وما بذلنا في مصانعة

стр. 3509

العدوعن الإجهاز عليهم من حسن سيرتنا، فقويت فينا أطماعهم، وانعقد على التحرم بنا إجماعهم. وقصدنا مالقة بعد أن انثالت الجهة الغربية، وأذعنت المعاقل الأبية، فيسر الله تعالى فتحها، وهيأ منحها، ثم توالت البيعات، وصرخت بمآذن البلاد الدعاة، واضطرب أمر الخائن وقد دلفت المخاوف إليه، وحسب كل صيحة عليه، فاقتضت نعامته الشائلة، ودولة بغيه الزائلة، وآراؤه الفائلة، أن ضم ما أمكنه من ذخيرة مكنونة، وآلة للملك مصونة، واستركب أوباشه الذين استباح الحق دماءهم، وعرف الخلق اعتزاءهم للغدر وانتماءهم، وقصد سلطان قشنتالة من غير عهد ولا وثيقة، ولا مثلى طريقة، ولا شيمة بالرعي خليقة، لكن الله ، حمله على قدمه، لإراقة دمه، وزين الوجود بعدمه، فلحين قدومه عليه راجياً أن يستفزه بعرض، أويحيل صحة عقده المبرم إلى مرض، ومؤملاً هووشيعته الغادرة كرة على الإسلام مجهزة، ونصرة لمواعيد الشيطان منجزة، تقبض عليه وعلى شيعته، وصم عن سماع خديعته، وأفحش بهم المثلة، وأساء بحسن رأيه فيهم القتلة، فأراح الله تعالى بإبادتهم نفوس العباد، وأحيا بهلاكهم أرماق البلاد. وحثثنا السير إلى دار ملكنا فدخلناها في اليوم الأغر المحجل، وحصلنا منها على الفتح الإلهي المعجل، وعدنا إلى الأريكة التي بنا عنها التمحيص فما حسبنا إلا سراراً أعقبه الكمال، ومرضاً عاجله الإبلال، فثابت للدين الآمال، ونجحت الأعمال، وبذلنا في الناس من العفوما غفر الذنوب، وجبر القلوب، وأشعنا العفوفي القريب والقصي، وألبسنا المريب ثوب البري، وتألفنا الشارد، وأعذبنا الموارد، وأجرينا العوائد، وأسنينا الفوائد، إلا ما كان من شرذمة عظمت جرائرهم، وخبثت في معاملة الله تعالى سرائرهم، وعرف شومهم، وصدق من يلومهم، فأقصيناهم وشردناهم، وأجليناهم

стр. 3510

عن هذا الوطن الجهادي وأبعدناهم. ولما تعرف سلطان قشتالة باستقلالنا، واستقرارنا بحضرة الملك واحتلالنا، بادر يعرف بما كان من عمله فيمن لحق له من طائفة الغدر، وإخوان الخديعة والمكر، وبعث إلينا برؤوسهم، ما بين رئيسهم الشقي ومرؤوسهم، وقد طفا على جداول السيوف حبابها، وراق بحناء الدماء خضابها، وبرز الناس إلى مشاهدتها معتبرين، وفي قدرة الله تعالى مستبصرين، ولدفاع النفس بعضهم ببعض شاكرين، وأحق الله تعالى الحق بكلماته وقطع دابر الكافرين، فأمرنا بنصب تلك الرؤوس بمسور الغدر الذي فرعته، وجعلناها علماً على عاتق العمل السيئ الذي اخترعته، وشرعنا في معالجة العلم، وأفضنا على العباد والبلاد حكم السلم، فاجتمع الشمل كأحسن أحواله، وسكن هذا الوطن بعد زلزاله، وأفاق من أهواله. ولعلمنا بفضلكم الذي قضاياه شائعة، ومقدماته ذائعة، أخبرناكم به على اختصار، واجتزاء واقتصار، ليسر دينكم المتين بتماسك هذا الثغر الاقصى بعد استرساله، وإشرافه على سوء مآله، وكنا نخاطب محل أخينا السلطان الجليل المعظم الأسعد الأوحد الخليفة أمير المؤمنين أبي إسحاق ابن الخليفة أمير المؤمنين المعظم المقدس أبي يحيى ابن أبي بكر ابن الأئمة المهتدين والخلفاء الراشدين - وصل الله تعالى أسباب سعده وحرس أكناف مجده - لولا أننا تعرفنا كونه في هذه المدة مقيماً بغير تلك الحضرة التونسية، فاجتزأنا بمخاطبة جهتكم السنية، وبين سلفنا وسلفكم من الود الراسخ البنيان، والكريم الأثر والعيان، ما يدعوإلى أ، يكون سبب المخالطة موصولاً، وآخره الود خيراً من الأولى، لكن الطريق جم العوائق، والبحر مفروق (١) البوائق، وقبول العذر بشواغل

стр. 3511

القطر بالفضل لائق، ومزادنا أن يتصل الود، ويتجدد العهد، والله يتولى أمور المسلمين بمتوارد إحسانه، ويجمع قلوبهم حيث كانوا على طاعة الله تعالى ورضوانه، وهوسبحانه يطيل سعادتكم، ويحرس مجادتكم، وينجح إدارتكم، ويسني إرادتكم، والسلام الكريم يخصكم، ورحمة الله تعالى وبركاته. ٧٧ - ومن نثره رحمه اله تعالى ما أنشأه عن سلطانه الغني بالله، وذلك قوله: يا أيها الناس، ضاعف الله تعالى بمزيد النعم سروركم؛ وتكفل بلطفه الخفي في مثل هذا القطر الغريب أموركم؛ أبشركم بما كتب به سلطانكم السعيد إليكم، المترادفة بيمنه وسعادته نعم الله تعالى عليكم، أمتع الله تعالى الإسلام ببقائه، وأيده على أعدائه، ونصره في أرضه بملائكة سمائه، وأن الله تعالى فتح له الفتح المبين، وأعز بحركة جهاده الدين، وبيض وجوه المؤمنين، وأظفره باطريرة البلد الذي فجع المسلمين بأسرهم فجيعة تثير الحمية، وتحرك الأنفس الأبية، فانتقم اله تعالى منهم على يده، وبلغه من استئصالهم غاية مقصده، فصدق من الله تعالى لأوليائه وعلى أعدائه الوعد والوعيد، وحكم بإبادتهم المبدئ المعيد " وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة؛ إن أخذه أليم شديد " هود:١٠٢ وتحصل من سبيه بعدما رويت السيوف من دمائهم آلاف عديدة، لم يسمع بمثلها في المدد المديدة، والعهود البعيدة، ولم يصب من إخوانكم المسلمين عدد يذكر، ولا رجل يعتبر، فتح هني، وصنع سني، ولطف خفي، ووعد وفي، فاستبشروا بفضل اله تعالى ونعمته، وقفوا عند الافتقار والانقطاع لرحمته، وقابلوا نعمه بالشكر يزدكم، واستبصروا في الدفاع عن دينكم ينصركم ويؤيدكم، واغتبطوا بهذه الدولة المباركة التي لم تعدموا من الله تعالى معها عيشاً خصيباً، ولا رأياً مصيباً، ولا نصراً عزيزاً ولا فتحاً قريباً، وتضرعوا في بقائها، ونصر لوائها، إلى من لم يزل سميعاً لدعاء مجيباً، والله عز وجل

стр. 3512

يجعل البشائر الفاشية فيكم عادة، ولا يعدمكم ولا أولي الأمر منكم توفيقاً وسعادة، والسلام الكريم يخصكم، ورحمة الله تعالى وبركاته من مبلغ ذلك فلان انتهى. ٧٨ - ومن نثر لسان الدين - رحمه الله تعالى - ما أنشأه عن سلطانه الغني بالله تعالى - حين وصله ابنه الذي كان بفاس - يخاطب سلطان فاس، ما نصه: المقام الذي تقلد نافلة الفضل شفعاً، وجود سورة الكمال إفراداً وجمعاً، واستولى وجمع ببره المنح، والتهنئة والفتح، فأحرز أصلاً وفرعاً، واستحق الشكر عقلاً وشرعاً، وأغرى أيدي جوده، بالقصد الذي هوحظ وليه من وجوده، فأثار من جيش إلقاء نقعاً، ووسط به جمعاً، مقام محل أخينا الذي أقلام مقاصده دربة بحسن التوقيع، وعيون فضله مذكاة لإحكام الصنيع، وعذبات فخره تهفوبذروة العلم المنيع، ومكارمه تتفنن فيها مذاهب التنويع، أبقاه الله تعالى وألسن فضله ناطقة، وأقيسة سعده صادقة، وألويته بالنصر العزيز خافقة، وبضائع مكارمه في أسواق البر نافقة، وعصائب التوفيق لركائب أغراضه موافقة؛ السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا: سلام كريم، طيب بر عميم، يخص مقامكم الأعلى، وطريقتكم المثلى، وأخوتكم الفضلى، ورحمة الله تعالى وبركاته، مجل قدركم، وملتزم بركم، وموجب حمدكم وشكركم، فلان. أما بعد حمد الله تعالى الذي الشكر على المكرمات وقفاً، ونهج منه بإزائها سبيلاً لا تلتبس ولا تخفى، وعقد بينه وبين المزيد سبباً وحلفاً، وجعل المودة في ذاته مما يقرب إليه زلفى، مربح تجارة من قصد وجهه بعمله حتى يرى الشيء ضعفاً، وناصر هذه الجزيرة من أوليائه الكرام السيرة بمن يوسعها فضلاً وعطفاً، ومدني ثمار الآمال فتتمتع بها اجتناء وقطفاً، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي العربي الكريم، الرؤوف الرحيم

стр. 3513

الذي مد من الرحمة على الأمة سجفا، وملأ قلوبها تعاطفاً وتعارفاً ولطفاً، القائل من أيقن بالخلف جاد بالعطية ووعد من عامل الله تعالى بربح المقاصد السنية، وعداً لا يجد خلفاً، والرضى عن آل وأصحابه الذين كانوا من بعده للإسلام كهفاً، وعلى أهله في الهواجر ظلاً ملتفاً، غيوث الندى كلما شاموا سماحاً وليوث العدى كلما شهدوا زحفاً، والدعاء لمقام أخوتكم الأسعد بالنصر الذيي يكف من عدوان الكفر كفاً، والمجد الذي لا يغادر كتابه من المفاخر التي ترك الأول للآخر حرفاً، وإلى هذا - أيدكم الله بنصر من عنده، وحكم لملككم الأسمى باتصال سعده، وأنجز في ظهوره على من عاند أمره سابق وعده - فإننا نقرر لدى مقامكم وإن كان الغني بأصالة عقله، عن اجتلاء الشاهد ونقله، وجلاء البيان وصقله، أن الهدايا وإن لم تحل العين منها كما حلت، أوتناولها الاتنزار فما نبهت في لحظ الاعتبار ولا جلت، أوكانت زيفاً كلما أغري بها الاختبار قلت، لا بد أ، تترك في النفوس ميلاً، وأن تستدعي من حسن الجزاء كيلاً، وأن تنال من جانب التراحم والتعاطف نيلاً، وأي دليل أوضح محجة، وأبين حجة، من قوله ﷺ تهادوا وتحابوا من غير تبيين مقدار، ولا إعمال اعتبار، ولا تفرقة بين لجين ولا نضار. فكيف إذا كانت الهدية فلذة الكبد التي لا يلذ العيش بعد فراقها، ولا تضيء ظلم الجوانح إلا بطلوع شمسها وإشراقها، وجمع الشمل الذي هوأقصى آمال النفوس الآلفة، والبواطن المصاحبة للحنين المحالفة، لا سيما إذا اقتعدت محل الهناء، بالفتح الرائق السناء، وحفت بها من خلفها وأمامها صنائع البر وقومة الاعتناء، فهنالك تفخر ألسن الثناء، وتتطابق أعلام الشكر السامية البناء. وإننا ورد علينا كتبكم الذي سطره البر وأملاه، وكنفه اللحظ وتولاه، ووشحه البيان وحلاه، مهنئاً بما منح الله جل لجاله من رد الحق، وتعيين الجمع ورفع الفرق، وتطويق الأمان وأمان الطوق، وإسعاد السعد

стр. 3514

وبلوغ القصد، وقطع دابر من جحد نعمة الأب والجد، وسل سيف البغي دامي الحد، والحمد لله تعالى حمداً يلهمه ويتيحه، ونسأله إمداداً يسوغه ويبيحه، على أن أحسن العقبى وأعقب الحسنى، وأرى النعم بين فرادى ومثنى، وجمع الشمل الذي قد تبدد، وجدد رسم السعادة لهذا القطر فتجدد، واخذ الظالم فلم يجد من محيص، وجمع لنا الأجر والفخر بين تخصيص وتمحيص، وقلد برؤوس الفجرة الغدرة الفرضة التي فرعوها، وأطفأ بمراق دمائهم نار الضلالة التي شرعوها، وكتب لقبيلكم الفضل الذي يحمد ويشكر، والحق الذي لا يجحد ولا ينكر، فلقد أوى لما تبرأت الخلصان، وتحفى عندما تنكر الزمان، وسبب الإدالة وطاوع الأصالة والجلالة، حتى فرج الله تعالى الكرب، وآنس الغربة، وأقال العثرة وتقبل القربة، له الحمد على آلائه، وصلة نعمائه، ملء أرضه وسمائه. ووصل صحبته الولد مكنوفاً بجناح الطف، ممهداً له ببركتكم مهاد العطف، فبرزنا إلى تلقية تنويهاً لهديتكم وإشادة، وإبداء في بركم وإعادة، وأركبنا الجيش الذي آثرنا لحين استقلالنا عرضه، وقررنا بموجب الاستحقاق فرضه، فبرز إلى الفضاء الأفيح حسن الترتيب، سافراً عن المرأى العجيب، ولولا الحنان الذي تجده النفوس للأبناء وتستشعره، والشوق إلى اللقاء الذي لا يجحده منصف ولا ينكره، لما شق علينا طول مقامه في حجركم، ولا ثواؤه لصق أريكة أمركم، فجواركم محل لاستفادة رسوم الإمارة، وتعلم السياسة والإدارة، حتى يرد علينا يقدم كتيبة جهادكم، ويقود إلينا طليعة نصركم إيانا وغمدادكم، فنحن الآن نشكر مقاصدكم التي اقتضى الكمال سياقها، وزين المجد آفاقها، وقدرها فأحكم طباقها، ونقرر لديكم أن حظنا من ودادكم، ومحلنا من جميل اعتقادكم، حظ بان رجحانه وفضله، ولم يتأت بين من سلف من السلف مثله، من الصحبة في المنزل الخشن وهي الوسيلة، وفي رعيها

стр. 3515

تظهر الفضيلة، والاشتراك في لازم الوصول إلى الحق، وضم أشتات الخلق، والمودة الواضحة الطرق، إلى ما بين السلف، من الود الى من بدره من الكلف، المذخورة أذمته للخلف، فإذا كانت المعاملة جارية على حسبه، وشعبها راجعة إلى مذهبه، جنى الإسلام ثمرة حافلة، واستكفى الدين إيالة كافلة، فالله، ، يمهد البلاد بيمن تدبيركم، ويجري على مهيع السداد جميع أموركم، ويجعلكم ممن زين الجهاد عواتق أعماله، وكان رضى الله تعالى عنه أقصى آماله، حتى تربي مآثركم على مآثر أسلافكم الذين عرف هذا الوطن الجهادي إمدادهم، وشكر جهادهم، وقبل الله تعالى فيه أموالهم وأولادهم، وحسن من أجله معادهم. وقد حضر بين يدينا رسولكم الذي وجهتم الولد - أسعده الله تعالى - لنظره، وتخيرتموه لصحبة سفره، فلان، وهومن الأمانة والفضل، والرجاحة والعقل، بحيث طابق اختياركم، واستحق إيثاركم، فأطنب في تقرير ما لديكم من عناية بهذه الأوطان عنيت الرفد، وضربت الوعد، وأخلصت في سبيل الله تعالى القصد، وغير ذلك مما يؤكد المودة المستقرة الأركان، المؤسسة على التقوى والرضوان، فأجبناه بأضعاف ذلك مما لدينا لكم، وقابلنا بالثناء الجميل قولكم وعملكم، والله تعالى يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، والسلام الكريم يخصكم، ورحمة الله تعالى وبركاته. ٧٩ - ومن ذلك ما كتبه - رحمة الله تعالى - على لسان الأمير سعد ابن سلطانه الغني بالله تعالى إليه وهو: مولاي ومولى كبيري ومولى المسلمين، ورحمتي المتكفلة بالسعد الرائق الجبين، يقبل قدمكم التي جعل الله تعالى العز في تقبيلها، والسعد في أتباع سبيلها، عبدكم الصغير في سنه، الكبير في خدمتكم وخدمة كبيره في حياتكم بفضل الله تعالى ومنه، الهاش لتمريغ وجهه في كتابكم حسن الذراع، المنبئة طباعه

стр. 3516

عن العبودية الكامنة بالبدار إلى ذلك والإسراع، عبدكم وولدكم سعد، كتبه من بابكم، المحوط بعز أمركم، المتحف إن شاء الله تعالى بأنباء نصركم، وقد وصل إلى عبدكم تشريفكم السابغ الحل، وتنويهكم المبلغ غايات الأمل، وخط يدكم الكريمة وغمامة رحمتكم الهامية الديمة، فيا له نم عز أثبت لي الفخر في أبناء الملوك، وسار بي من الترشيح لرتب حظوتكم على المنهج المسلموك، قرر من عافية مولاي وسعادته، واقتران السعود حيث حل بوفادته، ما تكفل ببلوغ الآمال، وتمم لسان الحال في شكر الله تعالى لسان المقال، والله تعالى يديم أيام مولاي حتى يقوم بحق شكر النعم لسانه، وتؤدي بعده جوارحه من الدفاع بين يدي سلطانه ما يسر به سلطانه، وبعث جوابه منقولاً ليد حامله من يده ليهنئ تقبيل اليد الكريمة بحال تأكيد، ويقرر ما لعبده إلى وجهه الكريم من شوق شديد، ويعرف شمول نعمة الله تعالى ونعمته لمن ببابه من خدم وحرم وعبيد، ويمد يد الرغبة لمولاه في صلة الإنعام بتشريفه، وإعلامه بتزايدات حركته وتعريفه، ففي ضمن ذلك كل عز مشيد، وخير جديد، وينهي تحية أهل منزل مولاي على اختلافهم بحسب منازلهم من نعمة لحظه، التي يأخذ منها كل بحظه، والسلام الكريم ورحمة الله تعالى وبركاته. ٨٠ - وقال رحمه الله تعالى: ومن نثري ما خاطبت به السلطان على لسان ولده من مالقة، وقد وصلت به إليه من المغرب: مولاي الذي رضى الله تعالى مقرون برضاه، والنجح مسبب عن نيته ودعاه، وطاعته مرتبطة بطاعة الله، أبقى الله تعالى علي بكم ظل رحماه، وغمام نعماه، وزادني من مواهبه هداية في توفية حقه الكبير فإن الهدى هدى الله: يقبل مواطئ أقدامكم التي ثراها شرف الخدود وفخر الجباه، ويقرر من عبوديته ما يسجل الحق مقتضاه، ويسلم على مثابة رحمتكم السلام الذي يحبه الله تعالى ويرضاه، ولدكم وعبدكم يوسف، من منزل تأييدكم

стр. 3517

بظاهر مالقة، حرسها الله، والوجود ألسن بالعز بالله ناطقة، والأعلام والشجر ألوية بالسعد خافقة، وأواع التوفيق متوافقة، وصنائع اللطيف الخبير مصاحبة مرافقة. وقد وصل يا مولاي لعبدكم المفتخر بالعبودية لكم ما بعث به علي مقامكم، وجادت به سحائب إنعامكم، ولمن تحت حجبة ستركم المسدول، وفي ظل اهتمامكم الموصول، ولمن ارتسم بخدمة أبوابكم الشريفة من الخدام، وأولي المراقبة والالتزام، ما يضيق عنه بيان العبارة، ويفتضح فيه لسان القول والإشارة، من عنايات سنية، ونعم باطنة وجلية، وملاحظة مولوية، ومقاصد ملكية، فما شئت من قباب مذهبة، وملابس منتخبة، وأسرة مرتبة، ومحاسن لا مستورة ولا محجبة، واللواء الذي نشرتم على عبدكم ظله الظليل، ومددتم عليه جناح العز الجليل، جعله الله تعالى أسعد لواء في خدمتكم، ومد علي وعليه لواء حرمتكم، حتى يكون لجهادي بين يديكم شاهداً، وبالنصر العزيز والفتح المبين عليكم عائداً، ولطائفة الخلوص لأمركم قائداً، ولأولياء بابكم هادياً ولأعدائكم كائداً. واتفق يا مولاي أن كان عبدكم قد ركب مغتنماً برد اليوم، ومؤثراً للرياضة في عقب النوم، والتف عليه الخدام، والأولياء الكرام، فلما عدنا تعرضت لنا تلك العنايات المجلوة الصور، المتلوة السور، وقد حشر الناس، وحضرت منهم الأجناس، فعلا الدعا، وانتشر الثنا، وراقت الأبصار تلك الهمة العليا، فنسأل الله تعالى يا مولاي أن يكافئ مقامكم بالعز الذي لا يتبدل، والنصر الذي يستأنف ويستقبل، والسعد الذي محكمه لا يتأول، والعبد ومن له على حال اشتياق للورود على أبوابكم الرفيعة المقدار، وارتياح لقرب المزار: وأبرح ما يكون الشوق يوماً ... إذا دنت الديار من الديار

стр. 3518

والعمل على تيسير الحركة متصل، والدهر لأوامر السعد محتفل، بفضل الله تعالى، والسلام على مقام مولاي مقام الشفقة والرحمة، والمنة والنعمة، ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى. ٨١ - ومن إنشاء لسان الدين في تولية الأمير يوسف المذكور مشيخة الغزاة على لسان السلطان والده ما نصه: هذا ظهير كريم فاتح بنشر الألوية والبنود وقود العساكر والجنود، وأجال في ميدان الوجود، جياد الباس والجود، وأضفى ستر الحماية والوقاية بالتهائم والنجود، على الطائفتين والعاكفين والركع السجود، عقد للمعتمد به عقد التشريف، والقدر المنيف، زاكي الشهود، وأوجب المنافسة بين مجالس السروج ومضاجع المهود، وبشر السيوف في الغمود، وأنشأ ريح النصر آمنة من الخمود، أمضى أحكامه، وأنهد العز أمامه، وفتح من وهر السرور والحبور كمامه، أمير المسلمين عبد الله محمد ابن مولانا أمير المسلمين أبي الحجاج ابن مولانا أمير المسلمين أبي الوليد ابن فرج بن نصر - أيد الله تعالى أمره وخلد ذكره - لكبير ولده، وسابق أمده، وريحانة خلده، وياقوتة الملك على يده، الأمير الكبير الطاهر الظاهر الأعلى، واسطة السلك، وهلال سماء الملك، ومصباح الظلم الحلك، ومظنة العناية الأزلية من مدير الفلك ومجري الفلك، عنوان سعده، وحسام نصره وعضده، وسمي جده، وسلالة فضله ومجده، السعيد المظفر الهمام الأعلى الأمضى، العالم العامل الأرضي، المجاهد المؤمل المعظم أبي الحجاج يوسف، ألبسه الله تعالى من رضاه عنه حللاً لا تخلق جدتها الأيام، ولا تبلغ كنهها الإفهام، وبلغه في خدمته المبالغ التي يسر بها الإسلام، وتسبح في بحار صنائعها الأقلام، وحرس معاليها الباهرة بعينه التي لا تنام، وكنفه بركنه الذي لا يضام، فهوالفرع الذي جرى بخصله على أصله، وارتسم نصره في نصله، واشتمل حده على فصله، وشهدت ألسن خلاله، برفعة

стр. 3519

جلاله، وظهرت دلائل سعادته، في بدء كل أمر وإعادته، لما صرف وجهه إلى ترشيحه، لافتراع هضاب المجد البعيد المدى وتوشيحه، بالصبر والحلم والباس والندى، وأرهف منه سيفاً من سيوف الله تعالى لضرب هام العدا، وأطلعه فس سماء الملك بدر هدى، لمن راح وغدا، وأخذه بالآداب التي تقيم من النفوس أوداً، وتبذر في اليوم فتجني غدا، ورقاه في رتب المعالي طوراً فطوراً، ترقي النبات ورقاً ونوراً، ليجده بحول الله تعالى يداً باطشة بأعدائه، ولساناً مجيباً عند ندائه، وطرازاً على حلة علائه، وغماماً من غمائم آلائه، وكوكباً وهاجاً بسمائه، وعقد له لواء الجهاد على الكتيبة الأندلسية من جنده، قبل أن ينتقل عن مهده، وظلله بجناح رايته، وهوعلى كتد دابته، واستركب جيش الإسلام ترحيباً بوفادته، وتنويهاً بمجادته، وأثبت في غرض الإمارة النصرية سهم سعادته، رأى (١) أن يزيده من عنايته ضروباً وأجناساً، ويتبع أثره ناساً فناساً، قد اختلفوا لساناً ولباساً، واتفقوا ابتغاء لمرضاة الله والتماساً، ممن كرم انتماؤه، وزينت بالحسب العد سماؤه، وعرف غناؤه، وتأسس على المجادة بناؤه، حتى لا يدع من العناية فناً إلا وجلبة إليه، ولا مقادة فخر إلا جعلها في يديه، ولا حلة عز إلا أضفى ملابسها عليه. و [لما] كان جيش الإسلام في هذه البلاد الأندلسية - أمن الله سبحانه خلالها، وسكن زلزالها، وصدق في رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء آمالها - كلف همته، ومرعى ذمته، وميدان اجتهاده، ومعلق أمل جهاده، ومعرج إرادته، إلى تحصيل سعادته، وسبيل خلاله، إلى بلوغ كماله، فلم يدع له علة إلا أزاحها، ولا طلبة إلا أجال قداحها، ولا عزيمة إلا أورى اقتداحها، ولا رغبة إلا فسح ساحها، آخذاً مدونته بالتهذيب، ومصافه بالترتيب، وآماله بالتقريب، محسناً في تلقي الغريب،

стр. 3520

وتأنيس المريب، مستنجزاً له وبه وعد النصر العزيز والفتح القريب، ورفع عنه لهذا العهد نظر من حكم الإعراض في حماته، واستشعر عروق الحسائف لتشذيب كماته، واشتغل عن حسن الوساطة لهم بمصلحة ذاته، وجلب جباته، وتثمير ماله وتوفير أقواته، ذاهباً أقصى مذاهب التعمير بأمد حياته، فانفرج الضيق، وخلص إلى حسن نظره الطريق، وساغ الريق، ورضي الفريق، رأى - والله الكفيل لنجح رأيه، وشكر سعيه، وصلة حفظه ورعيه - أن يجهد لهم اختياره، ويحسن لديهم آثاره، ويستنيب فيما بينه وبين سيوف جهاده، وأبطال جلاده، وحماة أحوازه، وآلات اعتزازه، من يجري مجرى نفسه النفيسة في كل مبنى، ويكون له لفظ الولاية وله - أيده الله تعالى - المعنى، فقدمه على الجماعة الأولى كبرى الكتائب، ومقادة الجنائب، وأجمة الأبطال، ومزنة الودق الهطال، المشتملة من الغزاة على مشيخة آل يعقوب نسباء الملوك الكرام، وأعلام الإسلام، وسائر قبائل بني مرين، ليوث العرن، وغيرهم من أصناف القبائل، وأولي الوسائل، ليحوط جماعتهم، ويعرف بتفقده إطاعتهم، ويستخلص لله تعالى ولأبيه - أيده الله تعالى - طاعتهم، ويشرف بإمارته مواكبهم، ويزين بهلاله الناهض إلى الإبدار على فلك سعادة الأقدار كواكبهم، تقديماً أشرق له وجه الدين الحنيف وتهلل، وأحس باقتراب ما أمل، فللخيل اختيال ومراح، وللأسل السمر اهتزاز وارتياح، وللصدور انشراح، وللآمال مغدى في فضل الله تعالى ورواح. فليتول ذلك - أسعده الله تعالى - تولي مثله ممن أسرة الملك أسرته، وأسوة الني صلوات الله تعالى عليه أسوته، والملك الكريم أصل لفرعه، والنسب العربي منجد لطيب طبعه، آخذاً أشرافهم بترفيع المجالس بنسبة أقدارهم، مغرياً حسن اللقاء بإيثارهم، شاكراً غناءهم، مستدعياً ثناءهم، مستدراً لأرزاقهم، موجباً المزية بحسب استحقاقهم، شافعاً في رغباتهم المؤملة، ووسائلهم المتحملة، مسهلاً الإذن لوفودهم المتلاحقة، منفقاً لضائعهم النافقة

стр. 3521

مؤنساً لغرمائهم، مستجلياً أحوال أهليهم وآبائهم، مميزاً بين إغفالهم ونبهائهم. وعلى جماعتهم - رعى الله تعالى جهادهم، ووفر أعدادهم - أن يطيعوه في طاعة الله تعالى وطاعة أبيه، ويكونوا يداً واحدة على دفاع أعداء الله تعالى وأعاديه، ويشدوا في مواقف الكريهة أزره، ويمتثلوا نهيه وأمره، حتى يعظم الانتفاع، ويشهر الدفاع، ويخلص المصال له تعالى والمصاع، فلووجد - أيده الله تعالى - غاية في تشريفهم لبلغها، أوموهبة لسوغها، لكن ما بعد ولده العزيز عليه مذهب، ولا وراء مباشرتهم بنفسه معزب، والله تعالى منجح الأعمال، ومبلغ الآمال، والكفيل بسعادة المآل. فمن وقف على هذا الظهير الكريم فليعلم مقدار ما تضمنه من أمر مطاع، وفخر مستند إلى إجماع، ووجوب أتباع، وليكن خير مرعي لخير راع بحول الله تعالى. وأقطعه - أيده الله تعالى - ليكون بعض المواد لأزواد سفره، وسماط نفره، في جملة ما أولاه من نعمه، وسوغه من موارد كرمه، جميع القرية المنسوبة إلى عرب عنان، وهي المحلة الأثيرة، والمنزلة الشهيرة، تنطلق عليها أيدي خدامه ورجاله، جارية مجرى صريح ماله، محررة من كل وظيفة لاستغلاله، إن شاء الله تعالى، فهوالمستعان سبحانه، وكتب في كذا انتهى. ٨٢ - وكتب لسان الدين - رحمه الله تعالى - في شأن تقليد الأمير سعد أخي المذكور الأصغر منه سناً ما صورته: هذا ظهير جعل الله تعالى له الملائكة ظهيراً، وعقد منه في سبيل الله تعالى لواء منصوراً، وأعطى المعتمد به باليمن كتاباً منشوراً " وما كان عطاء ربك محظوراً " الإسراء:٢٠ وأطلع صبح العناية المبصرة الآية يبهر سفوراً، ويسطع نوراً، وأقر عيوناً للمسلمين وشرح صدوراً، ووعد الأهلة أ، تصير بإمداد شمس الهدى إياها بدوراً، وبشر الإسلام بالنصر المنتظر، والفتح الرائق الغرر

стр. 3522

مواسط وثغوراً، وأبتع حماة الدين لواء الإمارة السعيدة النصرية فأسعد بها آمراً وأكرم بها مأموراً، أمر به، وأمضى العمل بمقتضاه وحسبه، أمير المسلمين عبد الله محمد ابن أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحجاج ابن أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الوليد ابن فرج بن نصر، أعلى الله تعالى رايته وسدد رأيه، وشكر عن الإسلام والمسلمين سعيه، لقرة عينه، ومقتضى حقه من العدو ودينه، وغصن دوحه، وآية لوحه، ودرة قلادته، ودري أفلاك مجادته، وسيف نصره، وهلال قصره، وزينة عصره، ومتقبل هديه ورشده، ومظنة إشراق سعده، وإنجاز وعده، ولده الأسعد، وسليل ملكه المؤيد، الأمير الأجل الأعز الأسنى الأطهر الأظهر الأعلى، لابس أثواب رضاه ونعمته، ومنحة الله لنصره وخدمته، ومظهر عزة وبعد همته، التقي الرضي العالم العامل الماجد حامي الحمى تحت ظل طاعته، وكافي الإسلام الذي يأمن من إضاعته، المحرز مزايا الأعمار الطويلة حظ الشهر في يومه وحظ اليوم في ساعته، الموقر المهيب المؤمل المعظم أبي النصر سعد عرفه الله تعالى ببركة سعد بن عبادة جده، خال رسول الله ﷺ وأعظم بمجده، ووزيره في حله وعقده، وأجناه ثمرة النصر الذي كناه به ووصل سببه بسببه فما النصر إلا من عنده، وأنتج له الفتح المبين من مقدمتي نصره وسعده، لما صرف وجه عنايته إليه في هذه البلاد الأندلسية التي خلص لله انفرادها وانقطاعها، وتمحض - لأن تكون كلمة الله هي العليا - قراعها، وصدق مصالها في سبيله جل وعلا ومصاعها، إلى ما يمهد أرجاءها، ويحقق رجاءها، من سلم يعقد، ولا يعدم الحزم معه ولا يفقد، وعطاء ينقد، ورأي لا يتعقب ولا ينقد، وحرب تضمر له الجياد، ومرمى فكره الذي عنه لا يبرح، فديوانه ديوان أمانيه الذي تسهب فيه وتشرح، أسهمه من سياسته أوفى الحظوظ

стр. 3523

وأسناها، وقصر عليه لفظ العناية ومعناها، ووقف عليه موحدها ومثناها، فأزاح علله، وأحيا أمله، وأنشأ جذله، ورفع عنه من لم يبذل الجد له، ولا أخلص لله فيه عمله. واختار لقيادة مقانبه المنصورة، وإمارة غزواته المبروروة، أقرب الناس إلى نفسه نسباً، وأوصلهم به سبباً، وأحقهم بالرتب المنيفة والمظاهر الشريفة، ذاتاً وأباً، وحداً وشباً، وأمره على أشرافه، ودل له الأنفال على أعرافه، وصرف إليه آماله، واستعمل في أسنته يمينه وفي أعنته شماله، وعقد عليه ألويته الخافقة لعزة نصره، ورأى الظهور على أعداء الله تعالى جنى فهيأه لهصره، وأدار هالة قتام إجهاد عن قرب بالولادة على بدره، ونبه نفوس المسلمين على جلاله قدره، وقدمه على الكتيبة الثانية من عسكر الغزاة المشتملة على الأشياخ من أولاد يعقوب كبار بني مرين، وسائر قبائلهم المكرمين، وغيرهم من القبائل المحترمين، ينوب عن أمره في عرض مسائلهم، وقرى وافدهم، وإجراء عوائدهم، تقديماً تهلل له الإسلام واستبشر، وتيقن الظفر فاستبصر، لما علم بمن استنصر، فليخلصوا له في طاعته الكبرى الطاعة، وليعلقوا ببنان نداه بنان الطماعة، ويؤملوا على يديه نجح الوسيلة إلى مقامه والشفاعة، ويعلموا أن اختصاصهم به هوالعنوان على رفع محالهم لديه، وعزة شأنهم عليه، فلووجد هضبة أعلى لفرعها لهم وعلاها، أوعزة أعز لجلاها، أوقبلة أزكى لصرف وجوههم وولاها، حتى تجنى ثمرة هذا القصد، وتعود بالسعد حركة هذا الرصد، وتعلوذؤابة هذا المجد، وتشهد بنصر الدين على يده ألسنة الغور والنجد، بفضل الله سبحانه. وعليه - أسعد الله الدولة باستعماله مكافحاً بأعلامها، وزيناً لأيامها، وسيفاً في طاعة إمامها - أن يقدم منهم في مجلسه أهل التقديم، ويقابل كرامهم بالتكريم، ويستدعي آراء مشايخهم في المشكلات في أمور الحرب، ويغضي جفون عزائمهم في موقف الصبر والضرب، ويتفقدهم بإحسانه عند الغناء، ويقابل حميد سعيهم

стр. 3524

بالثناء، على هذا يعتمد وبحسبه يعمل، وهوالواجب الذي لا يهمل، وقصده بالإعظام والإجلال، والانقياد الذي يعود بالآمال، وينجح الأعمال، بحول الله تعالى متقبل، وكتب في كذا انتهى. ٨٣ - ومما اشتمل على نظم لسان الدين ونثره ما كتب به من سلا إلى سلطانه الغني بالله تعالى، وقد بلغه ما كان من صنع الله سبحانه له وعودته إلى سلطانه: هنيئاً بما خولت من رفعة الشأن ... وإن كره الباغي وإن رغم الشاني وأن خصك الرحمن ﷻ ... بمعجزة منسوبة لسليمان أغار على كرسيه بعض جنه ... فألقت له الدنيا مقالد إذعان فلما رآها فتنة خر ساجداً ... وقال إلهي امنن علي بغفران وهب لي ملكاً بعدها ليس ينبغي ... تقلده بعدي لإنس ولا جان فآتاه لما أن أجاب دعاءه ... من العز ما لم يؤت يوماً لإنسان وإن كان هذا الأمر في الدهر مفرداً ... فأنت له لما اقتديت به الثاني فقابل صنيع الله بالشكر واستعن ... به وأجز إحسان الإله بإحسان وحق الذي سماك باسم محمد ... لو أن الصبا قد عاد منه بريعان لما بلغ النعمى عليك سروره ... ألية واف لا ألية خوان فإني أنا العبد الصريح انتسابه ... كما أنت مولاي العزيز وسلطاني إذا كنت في يعز وملك وغبطة ... فقد نلت أوطاري وراجعت أوطاني مولاي الذي شأنه عجب، والإيمان بعناية الله تعالى به قد وجب، وعزه أظهره من برداء العزة احتجت، إذا كانت الغاية لا تدرك، فأولى أن تسلم وتترك، ومنة الله تعالى عليك ليست مما يشرح، قد عقل العقل فما يبرح، وقيد اللسان فما يرتعي في مجال العبارة ولا يسرح، اللهم ألهمنا على هذه النعمة شكراً

стр. 3525

ترضاه، وإمداداً من لدنك نتقاضاه، يا الله يا الله. سعود أنارت بعد أفول شهابها، وحياة كرت بعد ذهابها، وأحباب اجتمعت بعد فراقها، وأوطان دنت بعد بعد شامها من عراقها، وأعداء أذهب الله تعالى رسم بغيهم ومحاه، وبغاة أدار عليهم الدهر رحاه، وعباد أعطوا من كشف الغم ما سألوه، ونازحون لوسئلوا في إتاحة القرب بما في أرقامهم لبذلوه، وسبحان الذي يقول " ولوأنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أواخرجوا من دياركم ما فعلوه " النساء:٦٦ فليهن الإسلام بياض وجهه بعد اسوداده، وتغلب إيالة من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر على بلاده، وعودة الملك المظلوم إلى معتاده، واستواء الحق الثاني جنبه فوق مهاده، ورد الإرث المغضوب إلى مستحقه عن آبائه وأجداده. والحمد له الذي غسل عن وجه الأمة الحنيفية العار، وأنقذ عهدتها وقد ملكها الذعار، فرد المعار، وأعيد الشعار، نحمدك اللهم حمداً يليق بقدسك، لا بل لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. والعبد يا مولاي قد بهرت عقله آلاء الله تعالى قبلك، فالفكر جائل واللسان ساكت، والعقل ذاهل والطرف باهت، فغن أقام رسماً للمخاطبة فقلم مرح وركض، وطرس هز جناح الارتياح ونفض، ليس هذا المارم مما يرام، ولا هذه العناية التي تحار فيها الإفهام، مما تصمي غرضه السهام، فنسأل الله تعالى أن يجعل مولاي من الشاكرين، وبأحكام تقلبات الأيام من المعتبرين، حتى لا يغره السراب الخادع، والدهر المرغم للأنوف الجادع، ولا يرى في الوجود غير الله من صانع، ولا معط ولا مانع، ويمتعه بالعز الجديد، وويوقفه للنظر السديد، ويلهمه للشكر فهومفتاح المزيد، والسلام انتهى. ٨٤ - ومما خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى أبا عبد الله ابن عمر التونسي قوله: سيدي الذي عهده لا ينسى وذكره يصبح في ترديده بالجميل ويمسى

стр. 3526

أبقاكم الله تعالى تجلون من السعادة شمسا، وتصرفون في طاعته لساناً فرداً وبناناً خمساً: وصلني كتابكم الأشعث الأغبر، ومقتضبكم الذي أضغاثه لا تعبر، شاهدة بعدم الاعتناء أوضاعه، معدوماً إمتاعه، قصيراً في التعريف بالحال المتشوف إليها باعه، مضمناً الإحالة على خلي من معناها، غير ملتبس بموحدها ولا مثناها، سألته كما يسأل المريض عما عند الطبيب، ويحرص الحبيب على تعرف أحوال الحبيب، فذكر أنه لم يتحمل غير تلك السحاءة المغنية في الاختصار، المجحفة بحظي الأسماع والأبصار، فهمت بالعتب، على البخيل بالكتب، ثم عذرت سيدي بما يعتري مثله من شواغل تطرق، وخواطر تومض وتبرق، وإذا كان آمناً سربه، مهنا شربه، فهوالأمل، ويقنع هذا المجمل، وإن كان التفسير هوالأكمل، وما ثم ما يعمل، ووده في كل حال وده، والله سبحانه بالتوفيق يمده، والسلام. وكانت للسان الدين رحمه الله تعالى مخاطبات كثيرة لسلطان الدولة وأعيانها، دلت على قوة عارضته في البلاغة، وقد أبلغنا بجملة منها في هذا الكتاب في مواضع ولم نكثر منها طلباً لاختصار أوالتوسط بحسب ما اقتضاه الباعث في الحال، والله يبلغ الآمال، ويزكي الأعمال. ٨٥ - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما كتبه عن السلطان أبي الحجاج يوسف بن نصر إلى سيد العالمين ﷺ إثر نظم، ونص الكل هو: إذا فاتني ظل الحمى ونعيمه ... فحسب فؤادي أن يهب نسيمه ويقنعني أني به متكنف ... فزمزمه دمعي، وجسمي حطيمه يعود فؤادي ذكر من سكن الغضا ... فيقعده فوق الغضا ويقيمه ولم أر شيئاً كالنسيم إذا سرى ... شفى سقم القلب المشوق سقيمه نعلل بالتذكار نفساً مشوقة ... ندير عليها كأسه ونديمه

стр. 3527

وما شفني بالغور قد مرنح ... ولا شافني من وحش وجرة ريمه ولا سهرت عيني لبرق ثنية ... من الثغر يبدوموهناً فأشيمه براني شوق للنبي محمد ... يوم فؤادي برحه ما يسومه ألا يا رسول الله ناداك ضارع ... على النأي محفوظ الوداد سليمه مشوق إذا ما الليل مد رواقه ... تهم به تحت الظلام همومه إذا ما حديث عنك جاءت به الصبا ... شجاه من الشوق الحثيث قديمه أيجهر بالنجوى وأنت سميعها ... ويشرح ما يخفي وأنت عليمه وتعوزه السقيا، وأنت غياثه ... وتتلفه الشكوى، وأنت رحيمه بنورك نور الله قد أشرق الهدى ... فأقماره وضاحة ونجومه لك انهل فضل الله بالأرض ساكباً ... فأنواؤه ملتفة وغيومه ومن فوق أطباق السماء بك اقتدى ... خليل الذي أوطاكها وكليمه لك الخلق الأرضي الذي جل ذكره ... ومجدك في الذكر العظيم عظيمه يجل مدى علياك عن مدح مادح ... فموسر در القول فيك عديمه ولي يا رسول الله فيك وراثة ... ومجدك لا ينسى الذمام كريمه وعندي إلى أنصار دينك نسبة ... هي الفخر لا يخشى انتقالاً مقيمه وكان بودي أن أزور مبوأ ... بك افتخرت أطلاله ورسومه وقد يجهد الإناسن طرف اعتزامه ... ويعوزه من بعد ذاك مرومه وعذري في تسويف عزمي ظاهر ... إذا ضاق عذر العزم عمن يلومه عدتني بأقصى الغرب عن تربك العدا ... جلالقة الثغر الغريب ورومه أجاهد منهم في سبيلك أمة ... هي البحر يعيي أمرها من يرومه فلولا اعتناء منك يا ملجأ الورى ... لريع حماه واستبيح حريمه فلا تقطع الحبل الذي قد وصلته ... فمجدك موفور النوال عميمه

стр. 3528

وأنت لنا الغيث الذي نستدره ... وأنت لنا الظل الذي نستديمه ولما نأت داري وأعوز مطمعي ... وأقلقني شوق يشب جحيمه بعثت بها جهد المقل معولاً ... على مجدك الأعلى الذي جل خيمه وكلت بها همي وصدق قريحتي ... فساعدني هاء الروي وميمه فلا تنسني يا خير من وطئ الثرى ... فمثلك لا ينسى لديه خديمه عليك صلاة الله ما ذر شارق ... وما راق من وجه الصباح وسيمه إلى رسول الحق إلى كافة الخلق، وغمام الرحمة الصادق البرق، الحائز في ميدان اصطفاء الرحمن قصب السبق، خاتم الأنبياء، وإمام ملائكة السماء، ومن وجبت له النبوة وآدم بين الطين والماء، شفيع أرباب الذنوب، وطبيب أدواء القلوب، والوسيلة إلى علام الغيوب، نبي الهدى الذي طهر قلبه، وغفر ذنبه، وختم به الرسالة ربه، وجرى في النفوس مجرى الأنفاس حبه، الشفيع المشفع يوم العرض، المحمود في ملإ السماء والأرض، صاحب اللواء المنشور يوم النشور، والمؤتمن على سر الكتاب المسطور، ومخرج الناس من الظلمات إلى النور، المؤيد بكفاية الله وعصمته، الموفور حظه من عنايته ونعمته، الظل الخفاق على أمته، من لوحازت الشمس بعض كماله ما عدمت إشراقاً، أوكان للآباء رحمة قلبه ذابت نفوسهم إشفاقاً، فائدة الكون ومعناه، وسر الوجود الذي يبهر الوجود سناه، وصفي حضرة القدس الذي لا ينام قلبه إذا نامت عيناه، البشير الذي سبقت له البشرى، ورأى من آيات ربه الكبرى، ونزل فيه ﴿بحان الذي أسرى﴾ (الإسراء:١) من الأنوار من عنصر نوره مستمدة والآثار تخلق وآثاره مستجدة، من طوي بساط الوحي لفقده، وسد دون حده، الذي انتقل في الغرر الكريمة نوره، وأضاءت لميلاده مصانع الشام وقصوره، وطفقت الملائكة تجيئه وفودها وتزوره، وأخبرت الكتب

стр. 3529

المنزلة على الأنبياء بأسمائه وصفاته، وأخذ عهد الإيمان به على من اتصلت بمبعثه منهم أيام حياته، المفزع الأمنع الفزع الأكبر، والسند المعتمد عليه في أهوال المحشر، ذوالمعجزات التي أثبتتها المشاهدة والحس، وأقر بها الجن والإنس، من جماد يتكلم، وجذع لفراقه يتألم، وقمر له ينشق، وحجر يشهد أن ما جاء به هوالحق، وشمس بدعائه عن مسيرها تحبس، وماء من بين أصابعه يتبجس، وغمام باستسقائه يصوب، وطوي بصق في أجاجها فأصبح ماؤها وهوالعذب المشروب، المخصوص بمناقب الكمال وكمال المناقب، المسمى بالحاشر العاقب، ذوالمجد البعيد المرامي والمراقب، أكرم من رفعت إليه وسيلة المعترف المغترب، ونجحت لديه قربة البعيد المقترب، سيد الرسل محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، الذي فاز بطاعته المحسنون، واستنقذ بشفاعته المذنبون، وسعد باتباعه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ﷺ ما لمع برق، وهمع ودق، وطلعت شمس، ونسخ اليوم أمس: من عتيق شفاعته، وعبد طاعته، المعتصم بسببه، المؤمن بالله ثم به، المستشفي بذمره كلما تألم، المفتتح بالصلاة عليه كلما تكلم، الذي إن ذكر تمثل طلوعه بين أصحابه وآله، وإن هب النسيم العاطر وجد فيه طيب خلاله، وإن سمع الأذان تذكر صوت بلاله، وإن ذكر القرآن استشعر تردد جبريل بين معاهده وخلاله، لاثم تربه، ومؤمل قربه، ورهين طاعته وحبه، المتوسل به إلى رضى ربه، يوسف بن إسماعيل بن نصر: كتبه إليك يا رسول الله والدمع ماح، وخيل الوجد ذات جماح، عن شوق يزداد كلما نقص الصبر، وانكسار لا يتاح له إلا بدنومزارك الجبر، وكيف لا يعيي مشوقك الأمر، وتوطأ على كبده الجمر، وقد مطلت الأيام بالقدوم على تربك المقدسة اللحد، ووعدت الآمال ودانت بإخلاف الوعد، وانصرفت الرفاق والعين بنور ضريحك ما اكتحلت، والركائب إليك

стр. 3530

ما رحلت، والعزائم قالت وما فعلت، والنواظر في تلك المشاهد الكريمة لم تسرح، وطيور الآمال عن وكور العجز لم تبرح، فيا لها من معاهد فاز من حياها، ومشاهد ما أعطر رياها، بلاد نيطت بها عليك التمائم، وأشرقت بنورك منها النجود والتهائم (١) ، ونزل في حجراتها عليك الملك، وانجلى بضياء فرقانك فيها الحلك، مدارس الآيات والسور، ومطالع المعجزات السافرة الغرر، حيث قضيت الفروض وحتمت، وافتتحت سورة الرحمن وختمت، وابتدئت الملة الحنيفية وتممت، ونسخت الآيات وأحكمت: أما والذي بعثك بالحق هادياً، وأطلعك للخلق نوراً بادياً، لا يطفئ غلتي إلا شربك، ولا يسكن لوعتي إلا قربك، فما أسعد من أفاض من حرم الله إلى حرمك، وأصبح بعد أداء ما فرضت عن الله ضيف كرمك، وعفر الخد في معاهدك ومعاهد أسرتك، وتردد ما بين داري بعثتك وهجرتك، وإني لما عاقتني عن زيارك العوائق، وإن كان شغلي عنك بك، وعدتني الأعداء فيك عن وصل سببي بسببك، وأصبحت بين بحر تتلاطم أمواجه، وعدوتتكاثف أفواجه، ويحجب الشمس عند الظهيرة عجاجه - في طائفة من المؤمنين بك وطنوا على الصبر نفوسهم، وجعلوا التوكل على الله وعليك لبوسهم، ورفعوا إلى مصارختك رؤوسهم، واستعذبوا في مرضاة الله تعالى ومرضاتك بوشهم، يطيرون من هيعة إلى أخرى، ويلتفتون والمخاوف عن يمنى ويسرى، ويقارعون وهم الفئة القليلة جموعاً كجموع قيصر وكسرى، لا يبلغون من عدوهوالذر عند انتشاره، عشر معشاره، قد باعوا من الله تعالى الحياة الدنيا، لأن تكون كلمة اله تعالى هي العليا، فيا له من سرب مروع، وصريخ إلا منك ممنوع، ودعاء إلى الله وإليك مرفوع، وصبية حمر

стр. 3531

الحواصل، تخفق فوق أوكارها أجنحة المناصل، والصليب قد تمطى فمد ذراعيه، ورفعت الأطماع بضبعيه، وقد حجبت بالقتام السماء، وتلاطمت أمواج الحديد، والبأس الشديد، فالتقى الماء، ولم يبق إلا الذماء، وعلى ذلك فما ضعفت البصائر ولا ساءت الظنون، وما وعد به الشهداء تعتقده القلوب حتى تكاد تشاهده العيون، إلى أن نلقاك غذاً إن شاء الله تعالى وقد أبلينا العذر، وأرغمنا الكفر، وأعملنا في سبيل الله تعالى سبيلك البيض والسمر - استنبت (١) رقعتي هذه لتطير إليك من شوقي بجناح خافق، وتسعد من نيتي التي تصحبها برفيق موافق، فتؤدي عن عبدك وتبلغ، وتعفر الخد في تربك وتمرغ، وتطيب بريا معاهدك الطاهرة وبيوتك، وتقف وقوف الخضوع والخشوع تجاه تابوتك، وتقول بلسان التملق، عند التشبث بأسبابك والتعلق، منكسرة الطرف، حذراً بهرجها من عدم الصرف: يا غياث الامة، وغمام الرحمة، ارحم غربتي وانقطاعي، وتغمد بطولك قصر باعي، وقوعلى هيبتك خور طباعي، فكم جزت من لج مهول، وجبت من حزون وسهول، وقابل بالقبول نيابتي، وعجل بالرضى إجابتي، ومعلوم من كمال تلك الشيم، وسجايا تيك الديم، أن لا يخيب قصد من حط بفنائها، ولا يظمأ وارد أكب على إنائها. اللهم يا من جعلته أول الأنبياء بالمعنى، وآخرهم بالصورة، وأعطيته لواء الحمد يسير آدم فمن دونه تحت ظلاله المنشورة، وملكت أمته ما زوي له من زوايا البسيطة المعمورة، وجعلتني من أمته المجبولة على حبه المفطورة، وشوقتني إلى معاهده المبرورة، ومشاهده المزروة، ووكلت لساني بالصلاة عليه، وقلبي بالحنين إليه، ورغبتني بالتماس ما لديه، فلا تقطع منه أسبابي، ولا تحرمني من حبه ثوابي، وتداركني بشفاعته يوم أخذ كتابي. هذه يا رسول الله وسيلة من بعدت داره، وشط مزاره، ولم يجعل بيده

стр. 3532

اختياره. فإن لم تكن (١) للقبول أهلاً فأنت للإغضاء والسماح أهل، وإن كانت ألفاظها وعرة فجنابك للقاصدين سهل، وإن كان الحب يتوارث كما أخبرت، والعروق تدس حسبما إليه أشرت، فلي بانتسابي إلى سعد عميد أنصارك مزية، ووسيلة أثيرة حفية، فإن لم يكن لي عمل ترتضيه فلي نية، فلا تنسني ومن بهذه الجزيرة المفتتحة بسيف كلمتك، على أيدي خيار أمتك، فإنما نحن بها وديعة تحت بعض أقفالك، نعوذ بوجه ربك من إغفالك، ونستنشق من ريح عنايتك نفحة، ونرتقب من محيا قبولك لمحة، ندافع بها عدواً طغى وبغى، وبلغ نم مضايقتنا ما ابتغى، فمواقف التمحيص قد أعيت من كتب وورخ، والبحر قد أصمت من استصرخ، والطاغية في العدوان مستبصر، والعدومحلق والولي مقصر، وبجاهك ندفع ما لا نطيق، وبعنايتك نعالج سقيم الدين فيفيق، فلا تفردنا ولا تهملنا، وناد ربك فينا " ربنا ولا تحملنا " البقرة:٢٨٦، وطوائف أمتك حيث كانوا عناية منك تكفيهم، وربك يقول لك وقوله الحق " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " الانفال:٣٣ والصلاة والسلام عليك يا خير من طاف وسعى، وأجاب داعياً إذا دعا، وصلى اله على جميع أحزابك وآلك، صلاة تليق بجلالك، وتحق لكمالك، وعلى ضجيعيك وصديقيك، وحبيبيك ورفيقيك، خليفتك في أمتك، وفاروقك المستخلف بعده على جلتك، وصهرك ذي النورين المخصوص برك ونحلتك، وابن عمك سيفك المسلول على حلتك، بدر سمائك ووالد أهلتك، والسلام الكريم عليك وعليهم كثيراً أثيراً ورحمة الله تعالى وبركاته، وكتب بحضرة جزيرة الأندلس غرناطة، صانها الله تعالى ووقاها، ودفع عنها ببركتك كيد عداها انتهت الرسالة. ٨٦ - وكتب أيضاً إلى رسول الله ﷺ على لسان مخدومه

стр. 3533

السلطان الغني بالله محمد ابن السلطان أبي الحجاج - رحم الله تعالى الجميع - ما صورته: دعاك بأقصى المغربين غريب ... وأنت على بعد المزار قريب مدل بأسباب الرجاء وطرفه ... غضيض على حكم الحياء مريب يكلف قرص البدر حمل تحية ... إذا ما هوى والشمس حين تغيب لترجع من تلك المعالم غدوة ... وقد ذاع من رد التحية طيب ويستودع الريح الشمال شمائلاً ... من الحب لم يعلم بهن رقيب ويطلب في جيب الجيوب جوابها ... إذا ما أطلت والصباح جنيب ويستفهم الكف الخضيب ودمعه ... غراماً بحناء النجيع خضيب ويتبع آثار المطي مشيعاً ... وقد زمزم الحادي وحن نجيب إذا أثر الأخفاف لاحت محارباً ... يخر عليها راكعاً وينيب ويلقي ركاب الحج وهي قوافل ... طلاح وقد لبى النداء لبيب فلا قول إلا أنة وتوجع ... ولا حول إلا زفرة ونحيب غليل ولكن من قبولك منهل ... عليل ولكن من رضاك طبيب ألا ليت شعري والأماني ضلة ... وقد تخطئ الآمال ثم تصيب أينجد نجد بعد شحط مزاره ... ويكثب بعد البعد منه كثيب وتقضى ديوني بعدما مطل المدى ... وينفذ بيعي والمبيع معيب وهل أقتضي دهري فيسمح طائعاً ... وأدعو بحظي مسمعاً فيجيب ويا ليت شعري هل لحومي مورد ... لديك وهل لي في رضاك نصيب ولكنك المولى الجواد وجاره ... على أي حال كان ليس يخيب وكيف يضيق الذرع يوماً بقاصد ... وذاك الجناب المستجار رحيب وما هاجني إلا تألق بارق ... يلوح بفود الليل منه مشيب

стр. 3534

ذكرت به ركب الحجاز وجيرة ... أهاب بها نحو الحبيب مهيب فبت وجفني من لآلئ دمعه ... غني وصبري للشجون سليب ترنحني الذكرى ويهفو بي الجوى ... كما مال غصن في الرياض رطيب وأحضر تعليلاً لشوقي بالمنى ... ويطرق وجد غالب فأغيب مرامي، لو أعطى الأماني، زورة ... يبث غرام عندها ووجيب فقول حبيب إذا يقول تشوقاً ... عسى وطن يدنو إلي حبيب تعجبت من سيفي وقد جاور الغضا ... بقلبي فلم يسكبه منه مذيب وأعجب أن لا يورق الرمح في يدي ... ومن فوقه غيث المشوق سكيب فيا سرح ذاك الحي لو أخلف الحيا ... لأغناك من صوب الدموع صبيب ويا هاجر الجو الجديب تلبثاً ... فعهدي رطب الجانبين خصيب ويا قادح الزند الشحاح ترفقاً ... عليك فشوقي الخارجي شبيب أيا خاتم الرسل المكين مكانه ... حديث الغريب الدار فيك غريب فؤادي على جمر البعاد مقلب ... يماح عليه للدموع قليب فوالله ما يزداد إلا تلهباً ... أأبصرت ماءً ثار عنه لهيب فليلته ليل السليم ويومها ... إذا شد للشوق العصاب عصيب هواي هدى فيك اهتديت بنوره ... ومنتسبي للصحب منك نسيب وحسبي على أني لصحبك منتم ... وللخزرجيين الكرام نسيب عدت عن مغانيك المشوقة للعدا ... عقارب لا يخفى لهن دبيب حراً على إطفاء نور قدحته ... فمستلب من دونه وسليب فكم من شهيد في رضاك مجدل ... يظلله نسر ويندب ذيب تمر الرياح الغفل فوق كلومهم ... فتعبق من أنفاسها وتطيب بنصرك عنك الشغل من غير منة ... وهل يتساوى مشهد ومغيب

стр. 3535

فإن صح منك الحظ طاوعت المنى ... ويبعد مرمى السهم وهو مصيب ولولاك لم يعجم من الروم عودها ... فعود الصليب الأعجمي صليب وقد كانت الأحوال، لولا مراغب ... ضمنت ووعد بالظهور، تريب فما شئت من نصر عزيز وأنعم ... أثاب بهن المؤمنين مثيب منابر عز أذن الفتح فوقها ... وأفصح للعضب الطرير خطيب نقود إلى هيجائها كل صائل ... كما ريع مكحول اللحاظ ربيب ونجتاب من سرد اليقين مدارعاً ... يكفتها من يجتني ويثيب إذا اضطربت الخطي حول غديرها ... يروقك منها لجة وقضيب فعذراً وإغضاء ولا تنس صارخاً ... بعزك يرجوأن يجيب مجيب وجاهك بعد الله نرجو، وإنه ... لحظ مليء بالوفاء رغيب عليك صلاة الله ما طيب الفضا ... عليك مطيل بالثناء مطيب وما اهتز قد للغصون مرنح ... وما افتر ثغر للبروق شنيب إلى حجة اله تعالى المؤيدة ببراهين أنواره، وفائدة الكون ونكتة أدواره، وصفوة نوع البشر ومنتهى أطواره، إلى المجتبى وموجود الوجود لم يغن بمطلق الوجود عديمه، المصطفى نم ذرية آدم قبل أن يكسوالعظام أديمه، المحتوم في القدم، وظلمات العدم، عند صدق القدم، تفضيله وتقديمه، إلى وديعة النور المنتقل في الجباه الكريمة والغرر، ودرة الأنبياء التي لها الفضل على الدرر، وغمام الرحمة الهامية الدرر، إلى مختار الله تعالى المخصوص باجتبائه، وحبيبه الذي له المزية على أحبائه، وذرية أنبياء الله تعالى آبائه، إلى الذي شرح صدره وغسله، ثم بعثه واسطة بينه وبين العباد وأرسله، وأتم عليه إنعامه الذي أجزله، وأنزل عليه من الهدى والنور ما أنزله، إلى بشرى المسيح والذبيح، ومن لهم التجر الربيح، المنصور بالرعب والريح، المخصوص

стр. 3536

بالنسب الصريح، إلى الذي جعله في المحول غماماً، وللأنبياء إماماً، وشق صدره لتلقي روح أمره غلاماً، وأعلم به في التوراة والإنجيل إعلاماً، وعلم المؤمنين صلاة عليه وسلاماً، إلى الشفيع الذي لا ترد في العصاة شفاعته، والوجيه الذي قرنت بطاعة الله تعالى طاعته، والرؤوف الرحيم الذي خلصت إلى الله تعالى في أهل الجرائم ضراعته، صاحب الآيات التي لا يسع ردها، والمعجزات التي أربى على الألف عدها، فمن قمر شق، وجذع حن له وحق، وبنان يتفجر بالماء، فيقوم بري الظماء، وطعام يشبع الجمع الكثير يسيره، وغمام يظلل به مقامه ومسيره، خطيب المقام المحمود إذا كان العرض، وأول من تنشق عنه الأرض، ووسيلة الله تعالى التي لولاها ما أقرض القرض، ولا عرف النفل والفرض، محمد بن عبد اله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف المحمود الخلال من ذي الجلال، الشاهد بصدقه صحف الأنبياء وكتب الإرسال، وآياته التي أثلجت القلوب ببرد اليقين السلسال، ﷺ ما ذر شارق، وأومض بارق، وفرق بين اليوم الشامس والليل الدامس فارق، صلاة تتأرج على شذا الزهر، وتتبلج عن سنا الكواكب الزهر، وتتردد بين السر والجهر، وتستغرق ساعات اليوم وأيام الشهر، وتدوم بدوام الدهر: من عبد هداه، ومستقري مواقع نداه، ومزاحم أبناء أنصاره في منتداه، وبعض سهامه المفوقة إلى نحور عداه، مؤمل العتق من النار بشفاعته، ومحرز طاعة الجبار بطاعته، الآمن باتصال رعيه من إهمال الله تعالى وإضاعته، متخذ الصلاة عليه وسائل نجاة، وذخائر في الشدائد مرتجاة، متاجر بضائعها غير مزجاة، الذي ملأ بحبه جوانح صدره، وجعل فكره هالة لبدره، وأوجب حقه على قدر العبد لا على قدره، محمد بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي، نسيب سعد بن عبادة من أصحابه، وبوارق سحابه، وسيوف نصرته، وأقطاب دار هجرته، ظلله الله تعالى يوم الفزع الأكبر من رضاك عنه بظلال الأمان، كما أنار قلبه من هدايتك بأنوار الهدى والإيمان، وجعله

стр. 3537

من أهل السياحة في فضاء حبك والهيمان: كتبه إليك يا رسول الله - واليراع تقتضي الهيبة صفرة ونه، والمداد يكاد أن يحول سواد جونه، وورقة الكتاب يخفق ؤادها حرصاً على حفظ اسمك الكريم وصونه، والدمع يقطر به الحروف وتفصل الأسطر، وتوهم المثول، بمثواك المقدس لا يمر بالخاطر سواه ولا يخطر، عن قلب بالبعد عنك قريح، وجفن بالبكاء جريح، وتأوه عن تبريح، كلما هب من أرضك نسيم ريح، وانكسار ليس له إلا جبرك، واغتراب لا يؤنس فيه إلا قربك، وإن يقض فقبرك، وكيف لا يسلم في مثلها الأسى، ويوحش الصباح والمسا، ويرجف جبل الصبر بعدما رسا، لولا لعل وعسى، فقد سارت الركبان إليك ولم يقض مسير، وحومت الأسراب عليك والجناح كسير، وعدت الآمال فاخلفت، وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت، ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشرف الأثيل، إلا على التمثيل، ولا من المعالم المتمسة التنوير، إلا على التصوير، مهبط وحي الله تعالى ومتنزل أسمائه، ومتردد ملائكة سمائه، ومدافن أوليائه، وملاحد أصحاب خيرة أنبيائه، رزقني الله تعالى الرضى بقضائه، والصبر على جاحم البعد ورمضائه - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى دار ملك الإسلام بالأندلس قاصية سيلك، ومسحبة رجلك يا رسول الله وخيلك، وأنأى مطارح دعوتك ومساحب ذيلك، حيث مصاف الجهاد في سبيل الله وسبيلك قد ظللها القتام، وشهبان الأسنة أطلعها منه الإعتام، وأسواق بيع النفوس من الله تعالى قد تعدد بها الأيامى والأيتام، حيث الجراح قد تحلت بعسجد نجيعها النحور، والشهداء نتحف بها الحور، والأمم الغريبة قد قطعها عن المدد البحور، حيث المباسم المفترة، تجلوها المصارع البرة، فتحييها بالعراء ثغور الأزاهر، وتندبها صوادح الأدواح برنات تلك المزاهر، وتحلي السحاب أشلاءها المعطلة من ظلها بالجواهر، وحيث الإسلام من عدوه المكايد بمنزلة

стр. 3538

قطرة من عارض غمام، وحصاة من ثبير أوشمام، وقد سدت الطريق، وأسلم الفراق الفريق، وأغص الريق، ويئس من الساحل الغريق، إلا أن الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل الله تعالى وحبلك، المهتدية بأدلة سبلك، سالم والحمد لله تعالى من الانصداع، محروس بفضل الله تعالى من الابتداع، مقدود من جديد الملة، معدوم فيه وجود الطوائف المضلة، إلا ما يخص الكفر من هذه العلة، والاستظهار على جمع الكثرة من جموعه بجمع القلة. ولهذه الأيام يا رسول الله أقام الله تعالى أوده براً بوجهك الوجيه ورعياً، وإنجازاً لوعدك وهوالذي لا يخلف وعداً ولا يخيب سعياً، وفتح لنا فتوحاً أشعرتنا برضاه عن وطننا الغريب، وبشرتنا منه تعالى بغفر التقصير ورفع التثريب، ونصرنا وله المنة على عبدة الصليب، وجعل لألفنا الرديني ولامنا السردي حكم التغليب، وإذا كانت الموالي التي طوقت الأعناق مننها، وقررت العوائد الحسان سيرها وسننها، تبادر إلها نوابها الصرحاء وخدامها النصحاء بالبشائر، والمسرات التي تشاع في العشائر، وتجلولديها نتائج أيديها، وغايات مباديها، وتتاحفها وتهاديها، بمجاني جناتها وأزاهر غواديها، وتطرف محاضرها بطرف بواديها، فبابك يا رسول الله أولى بذلك وأحق، ولك الحق الحق، والحر منا عبدك المسترق، حسبما سجله الرق، وفي رضاك من كل من يلتمس رضاه المطمع، ومثواك المجمع، وملوك الإسلام في الحقيقة عبيد سدتك المؤملة، وخول مثابتك المحسنة بالحسنات المجملة، وشهب تعشوإلى بدورك المكملة، وبعض سيوفك المقلدة في سبيل الله تعالى المحملة، وحرسة مهادك، وسلاج جهادك، وبروق عهادك. وإن مكفول احترامك الذي لا يخفر، وربي إنعامك الذي لا يكفر، وملتحف جاهك الذي يمحى ذنبه بشفاعتك إن شاء الله تعالى ويغفر، يطالع روضة الجنة المفتحة أبوابها بمثواك، ويفاتح صوان القدس الذي أجنك وحواك

стр. 3539

وينثر بضائع الصلاة عليك بين يدي الضريح الذي طواك، ويعرض جنى ما غرست وبذرت، ومصداق ما بشرت به لما بشرت وأنذرت، وما انتهى إليه طلق جهادك، ومصب عهادك، لتقر عين نصحك التي أنام العيون الساهرة هجوعها، وأشبع البطون، ورواها ظمؤها في الله تعالى وجوعها، وإن كانت الأمور بمرأى من عين عنايتك، وغيبها متعرف بين إفصاحك وكنايتك، ومجمله يا رسول الله صلى الله عليك، وبلغ وسيلتي إليك، هوا، الله سبحانه لما عرفني لطفه الخفي في التمحيص، المقتضي عدم المحيص، ثم في التخصيص، المغني بعيانه عن التنصيص، وفق ببركاتك السارية رحماتها في القلوب، ووسائل محبتك العائدة بنيل المطلوب، إلى استفادة عظة واعتبار، واغتنام إقبال بعد إدبار، ومزيد استبصار، واستعانة بالله تعالى وانتصار، فسكن هبوب الكفر بعد إعصار، وحل مخنق الإسلام بعد حصار، وجرت على سنن السنة بحسب الاستطاعة والمنة السيرة، وجبرت بجاهك القلوب الكسيرة، وسهلت المآرب العسيرة، ورفع بيد العزة الضيم، وكشف بنور البصيرة الغيم، وظهر القليل على الكثير، وباء الكفر بخطة التعثير، واستوى الدين الحنيف على المهاد الوثير، فاهتبلنا يا رسول الله غرة العدو وانتهزناها، وشمنا صوارم عزة الغدووهززناها، وأزحنا علل الجيوش وجهزناها. فكان مما ساعد عليه القدر، والخطب المبتدر، والورد الذي حسن بعده الصدر، أننا عاجلنا مدينة برغه (١) ، وقد جرعت الأختين مالقة ورندة، من مدائن دينك، ومزابن ميادينك، أكواس الفراق، وأذكرت مثل من بالعراق، وسدت طرق التزاور عن الطراق، وأسألت المسيل بالنجيع المراق، في مراصد المراد والمراق، ومنعت المراسلة مع هدير الحمام، لا بل مع طيف المنام عند الإلمام، فيسر اله تعالى اقتحامها، وألحمت بيض الشفار

стр. 3540

في زرق الكفار إلحامها، وأزال السيوف من بين تلك الحروف إقحامها، فانطلق المسرى، واستبشرت القواعد الحسرى، وعدمت بطريقها المخيف مصارع الصرعى ومثاقف الأسرى، والحمد لله على فتحه الأسنى، ومنحه الأسرى، ولا إله إلا هومنفل قيصر وكسرى، وفاتح مغلفاتهما المنيعة قسراً؛ واستولى الإسلام منها على قرار جنات، وأم بنات، وقاعدة حصون، وشجرة غصون، طهرت مساجدها المغتصبة المكرهة، وفجع بحفظها الفيل الافيل وأربرهة، وانطلقت بذكر الله الألسنة المدرهة، وفاز بسبق ميدانها جيادك الفرهة، هذا وطاغية الروم على توفر جموعه، وهول مرئيه ومسموعه، قريب جواره، بحيث يتصل خواره، وقد حرك إليها الحنين حواره. " ثم نازل المسلمون بعدها شجا الإسلام الذي أعيا النطاسي علاجه، وكرك (١) هذا القطر الذي لا تطاول أعلامه ولا تصاول أعلاجه، وركاب الغارات التي تطوي المراحل إلى مكايدة المسلمين طي البرود، وحجر الحيات التي لا تخلع على اختلاف الفصول جلود الزرود، ومنغص الورود في العذب المورود، ومقض المضاجع، وحلم الهاجع، ومجهز الخطب الفاجئ الفاجع، ومستدرك فاتكة الراجع، قبل هبوب الطائر الساجع، حصن آشر (٢) حماه الله تعالى دعاء لا خبراً، كما جعله للمتفكرين في قدرته معتبراً، فأحاطوا به إحاطة القلادة بالجيد، وأذلوا عزته بعزة ذي العرش المجيد، وحفت به الرايت يسمها وسمك، ويلوح في صفحاتها اسم الله تعالى واسمك، فلا ترى إلا نفوساً تتزاحم على مورد الشهادة أسرابها، وليوثاً يصدق في الله تعالى ضرابها، وأرسل الله عليها رجزاً إسرائيلياً من جراد السهام، تش آياته عن الإفهام،
следующие страницы →