بالنسب الصريح، إلى الذي جعله في المحول غماماً، وللأنبياء إماماً، وشق صدره لتلقي روح أمره غلاماً، وأعلم به في التوراة والإنجيل إعلاماً، وعلم المؤمنين صلاة عليه وسلاماً، إلى الشفيع الذي لا ترد في العصاة شفاعته، والوجيه الذي قرنت بطاعة الله تعالى طاعته، والرؤوف الرحيم الذي خلصت إلى الله تعالى في أهل الجرائم ضراعته، صاحب الآيات التي لا يسع ردها، والمعجزات التي أربى على الألف عدها، فمن قمر شق، وجذع حن له وحق، وبنان يتفجر بالماء، فيقوم بري الظماء، وطعام يشبع الجمع الكثير يسيره، وغمام يظلل به مقامه ومسيره، خطيب المقام المحمود إذا كان العرض، وأول من تنشق عنه الأرض، ووسيلة الله تعالى التي لولاها ما أقرض القرض، ولا عرف النفل والفرض، محمد بن عبد اله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف المحمود الخلال من ذي الجلال، الشاهد بصدقه صحف الأنبياء وكتب الإرسال، وآياته التي أثلجت القلوب ببرد اليقين السلسال، ﷺ ما ذر شارق، وأومض بارق، وفرق بين اليوم الشامس والليل الدامس فارق، صلاة تتأرج على شذا الزهر، وتتبلج عن سنا الكواكب الزهر، وتتردد بين السر والجهر، وتستغرق ساعات اليوم وأيام الشهر، وتدوم بدوام الدهر:
من عبد هداه، ومستقري مواقع نداه، ومزاحم أبناء أنصاره في منتداه، وبعض سهامه المفوقة إلى نحور عداه، مؤمل العتق من النار بشفاعته، ومحرز طاعة الجبار بطاعته، الآمن باتصال رعيه من إهمال الله تعالى وإضاعته، متخذ الصلاة عليه وسائل نجاة، وذخائر في الشدائد مرتجاة، متاجر بضائعها غير مزجاة، الذي ملأ بحبه جوانح صدره، وجعل فكره هالة لبدره، وأوجب حقه على قدر العبد لا على قدره، محمد بن يوسف بن نصر الأنصاري الخزرجي، نسيب سعد بن عبادة من أصحابه، وبوارق سحابه، وسيوف نصرته، وأقطاب دار هجرته، ظلله الله تعالى يوم الفزع الأكبر من رضاك عنه بظلال الأمان، كما أنار قلبه من هدايتك بأنوار الهدى والإيمان، وجعله
стр. 3537
من أهل السياحة في فضاء حبك والهيمان:
كتبه إليك يا رسول الله - واليراع تقتضي الهيبة صفرة ونه، والمداد يكاد أن يحول سواد جونه، وورقة الكتاب يخفق ؤادها حرصاً على حفظ اسمك الكريم وصونه، والدمع يقطر به الحروف وتفصل الأسطر، وتوهم المثول، بمثواك المقدس لا يمر بالخاطر سواه ولا يخطر، عن قلب بالبعد عنك قريح، وجفن بالبكاء جريح، وتأوه عن تبريح، كلما هب من أرضك نسيم ريح، وانكسار ليس له إلا جبرك، واغتراب لا يؤنس فيه إلا قربك، وإن يقض فقبرك، وكيف لا يسلم في مثلها الأسى، ويوحش الصباح والمسا، ويرجف جبل الصبر بعدما رسا، لولا لعل وعسى، فقد سارت الركبان إليك ولم يقض مسير، وحومت الأسراب عليك والجناح كسير، وعدت الآمال فاخلفت، وحلفت العزائم فلم تف بما حلفت، ولم تحصل النفس من تلك المعاهد ذات الشرف الأثيل، إلا على التمثيل، ولا من المعالم المتمسة التنوير، إلا على التصوير، مهبط وحي الله تعالى ومتنزل أسمائه، ومتردد ملائكة سمائه، ومدافن أوليائه، وملاحد أصحاب خيرة أنبيائه، رزقني الله تعالى الرضى بقضائه، والصبر على جاحم البعد ورمضائه - من حمراء غرناطة حرسها الله تعالى دار ملك الإسلام بالأندلس قاصية سيلك، ومسحبة رجلك يا رسول الله وخيلك، وأنأى مطارح دعوتك ومساحب ذيلك، حيث مصاف الجهاد في سبيل الله وسبيلك قد ظللها القتام، وشهبان الأسنة أطلعها منه الإعتام، وأسواق بيع النفوس من الله تعالى قد تعدد بها الأيامى والأيتام، حيث الجراح قد تحلت بعسجد نجيعها النحور، والشهداء نتحف بها الحور، والأمم الغريبة قد قطعها عن المدد البحور، حيث المباسم المفترة، تجلوها المصارع البرة، فتحييها بالعراء ثغور الأزاهر، وتندبها صوادح الأدواح برنات تلك المزاهر، وتحلي السحاب أشلاءها المعطلة من ظلها بالجواهر، وحيث الإسلام من عدوه المكايد بمنزلة
стр. 3538
قطرة من عارض غمام، وحصاة من ثبير أوشمام، وقد سدت الطريق، وأسلم الفراق الفريق، وأغص الريق، ويئس من الساحل الغريق، إلا أن الإسلام بهذه الجهة المتمسكة بحبل الله تعالى وحبلك، المهتدية بأدلة سبلك، سالم والحمد لله تعالى من الانصداع، محروس بفضل الله تعالى من الابتداع، مقدود من جديد الملة، معدوم فيه وجود الطوائف المضلة، إلا ما يخص الكفر من هذه العلة، والاستظهار على جمع الكثرة من جموعه بجمع القلة.
ولهذه الأيام يا رسول الله أقام الله تعالى أوده براً بوجهك الوجيه ورعياً، وإنجازاً لوعدك وهوالذي لا يخلف وعداً ولا يخيب سعياً، وفتح لنا فتوحاً أشعرتنا برضاه عن وطننا الغريب، وبشرتنا منه تعالى بغفر التقصير ورفع التثريب، ونصرنا وله المنة على عبدة الصليب، وجعل لألفنا الرديني ولامنا السردي حكم التغليب، وإذا كانت الموالي التي طوقت الأعناق مننها، وقررت العوائد الحسان سيرها وسننها، تبادر إلها نوابها الصرحاء وخدامها النصحاء بالبشائر، والمسرات التي تشاع في العشائر، وتجلولديها نتائج أيديها، وغايات مباديها، وتتاحفها وتهاديها، بمجاني جناتها وأزاهر غواديها، وتطرف محاضرها بطرف بواديها، فبابك يا رسول الله أولى بذلك وأحق، ولك الحق الحق، والحر منا عبدك المسترق، حسبما سجله الرق، وفي رضاك من كل من يلتمس رضاه المطمع، ومثواك المجمع، وملوك الإسلام في الحقيقة عبيد سدتك المؤملة، وخول مثابتك المحسنة بالحسنات المجملة، وشهب تعشوإلى بدورك المكملة، وبعض سيوفك المقلدة في سبيل الله تعالى المحملة، وحرسة مهادك، وسلاج جهادك، وبروق عهادك.
وإن مكفول احترامك الذي لا يخفر، وربي إنعامك الذي لا يكفر، وملتحف جاهك الذي يمحى ذنبه بشفاعتك إن شاء الله تعالى ويغفر، يطالع روضة الجنة المفتحة أبوابها بمثواك، ويفاتح صوان القدس الذي أجنك وحواك
стр. 3539
وينثر بضائع الصلاة عليك بين يدي الضريح الذي طواك، ويعرض جنى ما غرست وبذرت، ومصداق ما بشرت به لما بشرت وأنذرت، وما انتهى إليه طلق جهادك، ومصب عهادك، لتقر عين نصحك التي أنام العيون الساهرة هجوعها، وأشبع البطون، ورواها ظمؤها في الله تعالى وجوعها، وإن كانت الأمور بمرأى من عين عنايتك، وغيبها متعرف بين إفصاحك وكنايتك، ومجمله يا رسول الله صلى الله عليك، وبلغ وسيلتي إليك، هوا، الله سبحانه لما عرفني لطفه الخفي في التمحيص، المقتضي عدم المحيص، ثم في التخصيص، المغني بعيانه عن التنصيص، وفق ببركاتك السارية رحماتها في القلوب، ووسائل محبتك العائدة بنيل المطلوب، إلى استفادة عظة واعتبار، واغتنام إقبال بعد إدبار، ومزيد استبصار، واستعانة بالله تعالى وانتصار، فسكن هبوب الكفر بعد إعصار، وحل مخنق الإسلام بعد حصار، وجرت على سنن السنة بحسب الاستطاعة والمنة السيرة، وجبرت بجاهك القلوب الكسيرة، وسهلت المآرب العسيرة، ورفع بيد العزة الضيم، وكشف بنور البصيرة الغيم، وظهر القليل على الكثير، وباء الكفر بخطة التعثير، واستوى الدين الحنيف على المهاد الوثير، فاهتبلنا يا رسول الله غرة العدو وانتهزناها، وشمنا صوارم عزة الغدووهززناها، وأزحنا علل الجيوش وجهزناها.
فكان مما ساعد عليه القدر، والخطب المبتدر، والورد الذي حسن بعده الصدر، أننا عاجلنا مدينة برغه (١) ، وقد جرعت الأختين مالقة ورندة، من مدائن دينك، ومزابن ميادينك، أكواس الفراق، وأذكرت مثل من بالعراق، وسدت طرق التزاور عن الطراق، وأسألت المسيل بالنجيع المراق، في مراصد المراد والمراق، ومنعت المراسلة مع هدير الحمام، لا بل مع طيف المنام عند الإلمام، فيسر اله تعالى اقتحامها، وألحمت بيض الشفار
стр. 3540
في زرق الكفار إلحامها، وأزال السيوف من بين تلك الحروف إقحامها، فانطلق المسرى، واستبشرت القواعد الحسرى، وعدمت بطريقها المخيف مصارع الصرعى ومثاقف الأسرى، والحمد لله على فتحه الأسنى، ومنحه الأسرى، ولا إله إلا هومنفل قيصر وكسرى، وفاتح مغلفاتهما المنيعة قسراً؛ واستولى الإسلام منها على قرار جنات، وأم بنات، وقاعدة حصون، وشجرة غصون، طهرت مساجدها المغتصبة المكرهة، وفجع بحفظها الفيل الافيل وأربرهة، وانطلقت بذكر الله الألسنة المدرهة، وفاز بسبق ميدانها جيادك الفرهة، هذا وطاغية الروم على توفر جموعه، وهول مرئيه ومسموعه، قريب جواره، بحيث يتصل خواره، وقد حرك إليها الحنين حواره.
" ثم نازل المسلمون بعدها شجا الإسلام الذي أعيا النطاسي علاجه، وكرك (١) هذا القطر الذي لا تطاول أعلامه ولا تصاول أعلاجه، وركاب الغارات التي تطوي المراحل إلى مكايدة المسلمين طي البرود، وحجر الحيات التي لا تخلع على اختلاف الفصول جلود الزرود، ومنغص الورود في العذب المورود، ومقض المضاجع، وحلم الهاجع، ومجهز الخطب الفاجئ الفاجع، ومستدرك فاتكة الراجع، قبل هبوب الطائر الساجع، حصن آشر (٢) حماه الله تعالى دعاء لا خبراً، كما جعله للمتفكرين في قدرته معتبراً، فأحاطوا به إحاطة القلادة بالجيد، وأذلوا عزته بعزة ذي العرش المجيد، وحفت به الرايت يسمها وسمك، ويلوح في صفحاتها اسم الله تعالى واسمك، فلا ترى إلا نفوساً تتزاحم على مورد الشهادة أسرابها، وليوثاً يصدق في الله تعالى ضرابها، وأرسل الله عليها رجزاً إسرائيلياً من جراد السهام، تش آياته عن الإفهام،
стр. 3541
وسدد إلى الجبل النفوس القابلة للإلهام، من بعد الاستغلاق والاستبهام، وقد عبثت جوارح صخوره في قنائص الهام، وأعيا صعبه على الجيش اللهام، فأخذ مسائغه النقض والنقب، ورغا فوق أهله السقب (١) ، ونصبت المعارج والمراقي، وقرعت المناكب والتراقي، واغتنم الصادقون مع الله تعالى الحظ الباقي، وقال الشيهد السابق: يا فوز استباقي، ودخل البلد فألحم السيف، واستلبت البحت والزيف، ثم استخلصت القصبة فعلت أعلامك في أبراجها المشيدة، وظفر ناشد دينك منها بالنشيدة (٢) ، وشكر الله تعالى في قصدها مساعي النصائح الرشيدة، وعمل ما يرضيك يا رسول الله في سد ثلمها، وصون مستلمها، ومداواة ألمها، حرصاً على الاقتداء في مثلها بأعمالك، والاهتداء بمشكاة كمالك، ورتب فيها الحماة تشجي العدو، وتصل في مرضاة الله تعالى، ومرضاتك برواحها الغدو.
ثم كان الغزوإلى مدينة إطريرة (٣) بنت حاضرة الكفر إشبيلية التي أظلتها بالجناح الساتر، وأنامتها في ضمان الأمان للحسام الباتر، وقد وتر الإسلام من هذه المومسة البائسة بوتر الواتر، وأحفظ منها بأذى الوقاح المهاتر، لما جرته على أسرة من عمل الخاتل الخاتر، حسب المنقول لا بل المتواتر، فطوى إليها المسلمون المدى النازح، ولم تشك المطي الروازح، وصدق الجد جدها المازح، وخففت فوق أوكارها أجنحة الأعلام، وغشيتها أفواج الملائكة الموسومة وظلال الغمام، وصابت من السهام ودق الرهام، وكاد يكفي السهام على الأرض ارتجاج أجوائها بكلمة الإسلام، وقد صم خاطب عروس الشهادة
стр. 3542
عن الملام، وسمح بالعزيز المصون مبايع الملك العلام، وتكلم لسان الحديد الصامت وصمت إلا بذكر الله لسان الكلام، ووفت الأوتار بالأوتار، ووصل بالخطي ذرع الأبيض البتار، وسلطت النار على أربابها، وأذن الله تعالى في تبار تلك الأمة وتبابها، فنزلوا على حكم السيف آلافاً، بعد أن أتلفوا بالسلاح إتلافاً، واستوعب المقاتلة كتافاً، وقرنوا في الجدل أكتافاً أكتافاً، وحملت العقائل والخرائد، والولدان والولائد، إركاباً من فوق الظهور وإردافاً، وأقلت منها أأفلاك الحمول بدوراً تضيء من ليالي المحاق أسدافاً، وامتلأت الأيدي من المواهب والغنائم، بما لا يصوره حلم النائم، وتركت العوافي تتداعى إلى تلك الولائم، وتفنن من مطاعمها في الملائم، وشنت الغارات على حمص فجلت خارجها مغاراً، وكست كبار الروم بها صغاراً، وأجحرت أبطالها إجحاراً، واستاقت من النعم ما لا يقبل الحصر استبحاراً.
ولم يكن إلا أن عدل القسم، واستقل بالقفول العزيز الرسم، ووضح من التوفيق الوسم، فكانت الحركة إلى قاعدة جيان قيعة الظل الأبرد، ونسيجة المنوال المفرد، وكناس الغيد الخرد، وكرسي الإمارة، وبحر العمارة، ومهوى هوى الغيث الهتون، وحزب التين والزيتون، حيث خندق الجنة تدنولأهل النار مجانيه، وتشرق بشواطئ الأنهار إشراق الأزهار زهر مبانيه، والقلعة التي تختمت بنان شرفاتها بخواتيم النجوم، وهمت من دون سحابها البيض سحائب الغيث السجوم، والعقيلة التي أبدى الإسلام يوم طلاقها، وهجوم فراقها، سمة الوجوم لذلك الهجوم، فرمتها البلاد المسلمة بأفلاذ أكبادها الوادعة، وأجابت منادي دعوتك الصادقة الصادعة، وحبتها بالفادحة الفادعة، فغصت الربى والوهاد بالتكبير والتهليل، وتجاوبت الخيل بالصهيل، وانهالت الجموع المجاهدة في الله تعالى انهيال الكثيب المهيل، وفهمت نفوس العباد المجاهدة في الله تعالى حق الجهاد معاني التيسير من ربها والتسهيل، وسفرت الرايات عن المرأى الجميل، وأربت المحلات المسلمة على التأميل، ولما صبحتها
стр. 3543
النواصي المقبلة الغرر والأعلام المكتتبة الطرر، برز حاميتها مصحرين (١) ، وللحوزة المستباحة منتصرين، فكاثرهم من سرعان الأبطال رجل الدبا (٢) ، ونبت الوهاد والربى، فأقحموهم من وراء السور، وأسرعت أقلام الرماح في بسط عددهم المكسور، وتركت صرعاهم ولائم للنسور، ثم اقتحموا ربض المدينة الأعظم ففرعوه، وجدلوا من دافع عن أسواره وصرعوه، وأكواس الحتوف جرعوه، ولم يتصل أولى الناس بأخراهم، ويحمد بمخيم النصر العزيز سراهم، حتى خذل (٣) الكافر الصبر وأسلم الجلد، ونزل على المسلمين النصر فدخل البلد، وطاح في السيل الجارف الوالد منه والولد، وأتهم المطرف والمتلد، فكان هولاً بعيد الشناعة، وبعثاً كقيام الساعة، أعجل المجانيق عن الركوع والسجود، والسلالم عن مطاولة النجود، والأيدي عن ردم الخنادق والأغوار، والأكبش عن مناطحة الأسوار، والنفوط عن إصعاق الفجار، وعمد الحديد، ومعاول البأس الشديد، عن نقب الأبراج ونقض الأحجار، فهيلت الكثبان، وأبيد الشيب والشبان، وكسرت الصلبان، وفجع بهدم الكنائس الرهبان، وأهبطت النواقيس من مراقيها العالية وصروحها المتعالية، وخلعت ألسنتها الكاذبة، ونقل ما استطاعته الأيدي المجاذبة، وعجزت عن الأسلاب (٤) ذوات الظهور، وجلل الإسلام شعار العز والظهور، بما خلت عن مثله سوالف الدهور والأعوام والشهور، وأعرست الشهداء ومن النفوس المبيعة من الله تعالى نحل الصدقات والمهور، ومن بعد ذلك هدم السور، ومحيت عن محيطه المحكم السطور، وكاد يسير ذلك الجبل الذي اقتعدته ويدك ذلك الطور، ومن بعد ما خرب الوجار، عقرت الأشجار، وعفر المنار، وسلطت على بنات
стр. 3544
التراب والماء والنار، وارتحل عنها المسلمون وقد عمتها المصائب، وأصمى لبتها السهم الصائب، وجللتها القشاعم العصائب، فالذئاب في الليل البهيم تعسل، والضباع من الحدب البعيد تنسل، وقد ضاقت الجدل عن المخانق، وبيع العرض الثمين بالدائق، وسبكت أسورة الأسوار، وسويت الهضاب بالأغوار، واكتسحت الاحواز القاصية سرايا الغوار، وحجبت بالدخان مطالع الأنوار، وتخلفت قاعتها عبرة للمعتبرين وعظة للناظرين، وآية للمستبصرين، ونادى لسان الحمية، يا لثارات الإسكندرية، فأسمع آذان المقيمين والمسافرين، وأحق الله الحق بكلماته وقطع دابر الكافرين.
ثم كانت الحركة إلى أختها الكبرى، ولدتها الحزينة عليها العبرى، مدينة أبدة (١) ذات العمران المستبحر، والربض الخرق المصحر، والمباني الشم الأنوف، وعقائل المصانع الجمة الحلي والشنوف، والغاب الأنوف، بلدة التجر، والعسكر المجر، وأفق الضلال الفاجر الكذب على الله تعالى الكاذب الفجر، فخذل الله تعالى حاميتها التي يعيي الحسبان عدها، وسجر بحورها التي لا يرام مدها، وحقت عليها كلمة الله تعالى التي لا يستطاع ردها، فدخلت لأول وهلة، واستوعب جمها والمنة لله تعالى في نهلة، ولم يكف السيف من عليها ولا مهلة، فلا تناولها العفا والتخريب، واستباحها الفتح القريب، وأسند عن عواليها حديث النصر الحسن الغريب، وأقعدت أبراجها من بعد القيام والانتصاب، وأضرعت مسيفها (٢) لهول المصاب، انصرف عنها المسلمون بالفتح الذي عظم صيته، والعز الذي سما طرفه واشرأب ليته، والعزم الذي حمد مسراه ومبينه، والحمد لله ناظم الأمر وقد راب شتيته، وجابر الكسر وقد أفات الجبر مفتيه.
стр. 3545
ثم كان الغزوإلى أم البلاد، ومثوى الطارف والتلاد، قرطبة، وما قرطبة المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان اعمل، والكرسي الذي بعصاه رعي الهمل، والمصر الذي له في خطة المعمور الناقة والجمل، والأفق الذي لشمس الخلافة العبشمية (١) الحمل، فخيم الإسلام بعقوتها (٢) المستباحة، وأجاز نهرها المعيي على السباحة، وعم دوحها الأشب بواراً، وأدار المحلات بسورها سواراً، وأخذ بمخنقها حصاراً، وأعمل النصر بشجر يصلها (٣) اجتناءً ما شاء واهتصاراً، وجدل من أبطالها من لم يرض انحجاراً، فأعمل إلى المسلمين إصحاراً، حتى فرغ بعض جهاتها غلاباً جهاراً، ورفعت الأعلام إعلاماً بعز الإسلام وإظهاراً، فلولا استهلال الغوادي، وأن أتى الوادي، فأفضت إلى فتح الفتوح تلك المبادي، ولقضى تفثه (٤) العاكف والبادي، فاقتضى الرأي ولذنب الزمان في اغتصاب الكفر إياها متاب، تعمل ببشراه بفضل الله تعالى أقتاد وأقتاب، ولكل أجل كتاب أن يراض صعبها حتى يعود ذلولاً، وتعفى معاهدها الآهلة فتترك طلولاً، فإذا فجع الله تعالى بمارج النار طوائفها المارجة، وأباد بخارجها الطائرة والدارجة، خطب السيف منها أم خارجة (٥) ، فعند ذلك أطلقنا بها ألسنة النار ومفارق الهضاب بالهشيم قد شابت، والغلات المستغلات قد دعا بها القصل فما ارتابت، وكأن صحيفة نهرها لما
стр. 3546
أضرمت النار في (١) ظهرها ذابت، وحيته فرت أمام الحريق فانسابت، وتخلفت لغمائم الدخان عمائم تلويها برؤوس الجبال أيدي الرياح، وتنشرها بعد الركود أيدي الاجتياح، وأغريت بأقطارها الشاسعة، وجهاتها الواسعة، جنود الجوع، وتوعدت بالرجوع، فسلب لتوقع الهجوم منزور الهجوع، فأعلامها خاشعة خاضعة، وولدانها لثدي البؤس راضعة، والله سبحانه يوقد بخبر فتحها القريب ركاب البشرى، وينشر رحمته قبلنا نشراً.
ثم تنوعت يا رسول اله لهذا العهد أحوال العدوتنوعاً يوهم إفاقته من الغمرة، وكادت فتنته تؤذن بخمود الجمرة، وتوقع الواقع، وحذر ذلك السم الناقع، وخيف الخرق الذي يحار فيه الراقع، فتعرفنا عوائد الله سبحانه ببركة هدايتك، وموصول عنايتك، فأنزل النصر والسكينة، ومكن العقائد المكينة، فثابت العزائم وهبت، واطردت عوائد الإقدام واستتبت، وما راع العدوإلا خيل الله تعالى تجوس خلاله، وشم الحق توجب ظلاله، وهداك الذي هديت يدحض ضلاله، ونازلنا حصني قنبيل والحائر (٢) ، وهما معقلان متجاوران يتناجى منهما الساكن سراراً، وقد اتخذا بين النجوم قراراً، وفصل بينهما حسام النهر يروق غراراً، والتف معصمه في حلة العصب وقد جعل الجسر سواراً، وفخذل الصليب بذلك الثغر من تولاه، وارتفعت أعلام الإسلام بأعلاه، وتبرجت عروس الفتح المبين بمجلاه، والحمد لله تعالى على ما أولاه.
ثم تحركنا على تفثة (٣) تعدي ثغر المواسطة على عدوة المساور في المضاجع، ومصحبه بالفاجئ الفاجع، فنازلنا حصن روطة الآخذ بالكظم، المعترض بالشجا اعتراض العظم، وقد شحنه العدومدداً بئيساً، ولم يأل اختياره رأياً ولا تلبيساً، فأعيا داؤه، واستقلت بالمدافعة أعداؤه، ولما أتلع إليه جيد المنجنيق،
стр. 3547
وقد برك عليه بروك الفنيق، وشد عصام العزم الوثيق، لجأ أهله إلى التماس العهود والمواثيق، وقد غصوا بالريق، وكاد يذهب بأبصارهم لمعان البريق، فسكناه من حامية المجاهدين بمن يحمي ذماره، ويقرر اعتماره، واستولى أهل الثغور إلى هذا الحد على معاقل كانت مستغفلة ففتحوها؛ وشرعوا أرشية الرماح إلى قلب قلوبها فمتحوها.
ولم تكد الجيوش المجاهدة تنفض عن الأعراف متراكم الغبار، وترخي عن آباط خيلها شد حزم المغار، حتى عاودت النفوس شوقها، واستتبعت ذوقها، وخطبت التي لا فوقها، وذهبت بها الآمال إلى الغاية القاصية، والمدارك المتصاعبة على الأفكار المتعاصية، فقصدنا الجزيرة الخضراء باب هذا الوطن الذي منه طرق وادعه، ومطلع الحق الذي صدع الباطل صادعه، وثنيه الفتح التي برق منا لامعه، ومشرف الهجوم الذي لم تكن لتعثر على غيره مطامعه، وفرضة المجاز التي لا تنكر، ومجمع البحرين في بعض ما يذكر، حيث يتقارب الشطان، ويتوازى الخطان، وكاد أن تلتقي حلقتنا البطان، وقد كان الكفر قدر قدر هذه الفرضة التي طرق منها حماه، ورماه الفتح الأول بما رماه، وعلم أن لا تتصل أيدي المسلمين بإخوانهم إلا من تلقائها، وأنه لا يعدم المكروه مع بقائها، فأجلب عليها برجله وخيله، وسد أفق البحر بأساطيله، ومراكب أباطيله، بقطع ليله، وتداعى المسلمون بالعدوتين إلى استنقاذها من لهواته، أوإمساكها من دون مهواته، فعجز الحول، ووقع بملكه إياها القول، واحتازها قهراً، وقد صابرت الضيق ما يناهز ثلاثين شهراً، وأطرق الإسلام بعدها إطراق الواجم، واسودت الوجوه لخبرها الهاجم، وبكتها حتى دموع الغيث الساجم، وانقطع المدد إلا من رحمة من ينفس الكروب، ويغري بالإدالة الشروق والغروب، ولما شكنا بشبا الله تعالى نحرها، وأغصصنا بجيوش الماء وجيوش الأرض تكاثر نجم السماء برها وبحرها، ونازلناها نذيقها شديد النزال، ونحجها بصدق الوعيد في سبيل الاعتزال، رأينا بأواً لا يظاهر إلا بالله تعالى ولا يطال
стр. 3548
وممنعة يتحاماها الأبطال، وجناباً روضه الغيث الهطال، أسواقها فهي التي أخذت النجد والغور، واستعدت بجدال الجلاد عن البلاد فارتكبت الدور (١) ، تحوز بحراً من العمارة ثانياً، وتشكك أن يكون الإنس لها بانياً، وأما أبراجها فصفوف وصفوف، تزين صفحات المسايف منها أنوف، وآذان لها من دوامغ الصخر شنوف، وأما خندقها فصخر مجلوب، وسور مقلوب، فصدقها المسلمون القتال بحسب محلها من نفوسهم، واقتران اغتصابها ببوسهم، وأفول شموسهم، فرشقوها من النبال بظلالة تحجب الشمس فلا يشرق سناها، وعرجوا في المراقي البعيدة يفرعون مبناها، ونفوسها أنقاباً، وحصونها عقباً، ودخلوا مدينة إلبنة (٢) بنتها غلاباً، وأحسبوا السيوف استلالاً والأيدي اكتساباً (٣) ، واستوعب القتل مقاتليها السابغة الجنن، البالغة المتن، فأخذهم الهول المتفاقم، وجدلوا كأنهم الأراقم، لم تفلت منهم عين تطرف، ولا لسان يلبي من يستطلع الخبر أويستشرف.
ثم سمت الهمم الإيمانية إلى المدينة الكبرى فداروا سواراً على سورها، وتجاسروا على اقتحام أودية الفناء من فوق جسورها، وأدانوا إليها بالضروب من حيل الحروب، بروجاً مشيدة، ومجانيق توثق حبالها منها نشيدة، وخفقت بنصر الله تعالى عذبات الأعلام، وأهدت الملائكة مدد السلام، فخذل الله تعالى كفارها، وأكهم (٤) شفارها، وقلم بيد قدرته أظفارها، فالتمسوا الأمان للخروج، ونزلوا على مراقي العروج، إلى الأباطح والمروج، من سمائها ذات البروج، فكان بروزهم إلى العراء من الأرض، تذكرة بيوم العرض، وقد
стр. 3549
جلل المقاتلة الصغار، وتعلق بالأمان النساء والصغار، وبودرت المدينة بالتطهير، ونطقت المآن العالية بالأذان الشهير، والذكر الجهير، وطرحت كفارها التماثيل عن المسجد الكبير، وأزرى بألسنة النواقيس لسان التهليل والتكبير، وأنزلت عن الصروح أجرامها يعيي الهندام (١) مرامها، وألفي منبر الإسلام بها مجفواً فأنست غربته، وأعيد إليه قربه وقربته، وتلا واعظ الجمع المشهود، قول منجز الوعود ومورق العود " وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم، فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك، وما زادوهم غير تتبيب، وكذلك أخذ ربك إذا اخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد، إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة، ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " هود:١٠٢ فكان الدمع يغرق الآماق، والوجد يستأصل الأرماق، وارتفعت الرغبات، وعلت السيات، وجيء بأسرى المسلمين يرسفون في القيود الثقال، وينسلون من أحداب الاعتقال، ففكت عن سوقهم اساود الحديد، وعن أعناقهم فلكات الباس الشديد، وظلوا بجناح اللطف العريض المديد، وترتبت في المقاعد الحامية، وأزهرت بذكر الله تعالى المآذن السامية، وعادت المدينة لأحسن أحوالها، وسكنت من بعد أهوالها، وعادت الجالية إلى أموالها، ورجع إلى القطر شبابه، ورد على دار الإسلام بابه، واتصلت بأهل لا إله إلا الله أسبابه، فهي اليوم في بلاد الإسلام قلادة النحر، وحاضرة البر والبحر، أبقى الله تعالى عليها وعلى ما وراءها من بيوت أمتك، ودائع الله تعالى في ذمتك، بكلمة دينك الصالحة الباقية، وسدل عليه أستار عصمته الواقية؛ وعدنا والصلاة عليك شعار البروز والقفول، وهجيراً الشروق والأفول، والجهاد يا رسول الله الشأن المعتمد، ما امتد بالأجل الأمد، والسمتان الفرد الصمد.
ولهذا العهد يا رسول الله صلى الله عليك، وبلغ وسيلتي إليك، بلغ من هذا
стр. 3550
القطر المرتدي بجاهك الذي لا يذل من ادرعه، ولا يضل من اهتدى بالسبيل الذي شرعه، إلى أن لاطفنا ملك الروم بأربعة من البلاد كان الكفر قد اغتصبها، ورفع التماثيل ببيوت الله تعالى ونصبها، فانجاب عنها بنورك الحلك، ودار بإدالتها إلى دعوتك الفلك، وعاد إلى مكاتبها القرآن الذي نزل به على قلبك الملك، فوجبت مطالعة مقرك النبوي بأحوال هذه الأمة المكفولة في حجرك، المفضلة بإدارة تجرك، المهتدية بأنوار فجرك، وهل هوإلا ثمرات سعيك، ونتائج رعيك، وبركة حبك، ورضاك الكفيل برضى ربك، وغمام رعدك، وإنجاز وعدك، وشعاع من نور سعدك، وبذر يجنى ريعه من بعدك، ونصر رايتك، وبرهان آيتك، وأثر حمايتك ورعايتك.
واستنبت هذه الرسالة مائحة بحر الندى الممنوح، ومفاتحة باب الهدى بفتح الفتوح، وفارعة المظاهر والصروح، وملقية الرجل بمنتزل الملائكة والروح، لمد إلى قبولك يد استمناح، وتطير إليك من الشوق الحثيث بجناح، ثم تقف موقف الانكسار، وإن كان تجرها آمناً من الخسار، وتقدم بأنس القربة، وتحجم بوحشة الغربة، وتتأخر بالهيبة، وتجهش لطول الغيبة، وتقول: ارحم بعد داري، وضعف اقتداري، وانتزاح أوطاني، وخلوأعطاني، وقلة زادي، وغراق مزادي، وتقبل وسيلة اعتراقي، وتغمد هفوة افتراقي، وعجل بالرضى انصراف متحملي لانصرافي، فكم جبت من بحر زاخر، وقفر بالركاب ساخر، وحاش لله تعالى أن يخيب قاصدك، أوتتخطاني مقاصدك، أوتطردني موائدك، أوتضيق عني عوائدك، ثم تمد مقتيضة مزيد رحمتك، مستدعية دعاء من حضر من أمتك، وأصحبتها يا رسول الله عرضاً من النواقيس التي كانت بهذه البلاد المفتتحة تعيق الإقامة والأذان، وتسمع الأسماع الضالة والآذان، مما قبل الحركة، وسالم المعركة، ومكن من نقله الأيدي المشتركة، واستحق بالقدوم عليك والإسلام بين يديك، السابقة في الأزل البركة، وما سواها فكانت جبالاً عجز عن نقلها الهندام، فنسخ وجودها الإعدام، وهي يا
стр. 3551
رسول الله جنى من جنانك، ورطب من أفنانك، وأثر ظهر علينا من مسحة حنانك.
هذه هي الحال والانتحال، والعائق أن تشد إليك الرحال، ويعمل الترحال، إلى أن نلقاك في عرصات القيامة شفيعاً، ونحل بجاهك إن شاء الله تعالى محلاً رفيعاً، ونقدم في زمرة الشهداء الدامية، كلومهم من أجلك، الناهلة غللهم في سجلك، ونبتهل إلى الله تعالى الذي أطلعك في سماء الهداية سراجاً، وأعلى لك في السبع الطباق معراجاً، وأم الأنبياء منك بالنبي الخاتم، وقفى على آثار نجومها المشرقة بقمرك العاتم، أن لا يقطع عن هذه الأمة الغريبة أسبابك، ولا يسد في وجوهها أبوابك، ويوقفها لاتباع هداك، ويثبت في أقدامها على جهاد عداك، وكيف تعدم ترفيها، أوتخشى بخساً وأنت موفيها، أويعذبها الله تعالى وأنت فيها وصلاة الله وسلامه تحط بفنانك رحال طيبها، وتهدر في ناديك شقاشق خطيبها، ما أذكر الصباح الطلق هذاك، والغمام السكب نداك، وما حن مشتاق إلى لثم ضريحك، وبليت نسمات الأسحار عما استرقت من ريحك، وكتب في كذا. انتهت الرسالة، وفيها ما لا خفاء به من براعة لسان الدين، رحمه الله تعالى وقدس روحه الطاهرة، آمين.
٨٧ - ومما علق بحفظي من نثره رحمه الله تعالى أثناء رسالة في العزاء خاطب بها ملك المغرب قوله بعد كلام: أين مروان بن الحكم ودهاؤه، وعبد الملك بن مروان وبهاؤه، والوليد وبناؤه، وسليمان وغذاؤه، وعمر بن عبد العزيز وثناؤه، ويزيد ونساؤه، وهشام وخيلاؤه، والوليد وندماؤه، والجعدي وآراؤه، أم أين السفاح وحسامه، والمنصور واعتزامه، والمهدي وإعظامه، والهادي وإقدامه، والرشيد وأيامهم، والأمين وندامه، والمأمون وكلامه، والمعتصم وإسراجه، وإلجامه انتهى.
стр. 3552
وقد تقدم كلام أبي الخطاب ابن دحية في هذا المعنى بطوله في الباب الثاني من هذا القسم، فليراجع ثمة (١) .
[للمقري محاكياً لسان الدين]
قلت: وقد تقدم في الخطبة نظمي لمثل هذا، وقد كنت نسجت على منوال لسان الدين وأنا بالمغرب نثراً لم يحضرني منه الآن غير قولي: أين الإسكندر ويونانه، وشداد وبنيانه، والنمرود وعدوانه، وفرعون وهامانه، وقارون وطغيانه، وكسرى أنوشروان وإيوانه، وقيصر وبطارقته وأعوانه، وسيف ابن ذي يزن وغندانه، والمنذر ونعمانه إلى أن قلت: وأين أبوبكر رضي الله تعالى عنه وثباته، وعمر رضي الله تعالى عنه ووثباته، وعثمان رضي الله تعالى عنه ورهباته، أم أين علي رضي الله تعالى عنه وشجاعته وعلمه، وأين معاوية رضي الله تعالى عنه وحمله، واين يزيد وظلمه
ثم ذكرت ما تقدم للسان الدين، وقلت بعده: وأين الواثق وغناؤه، والمتوكل ومواليه وأولياؤه وأبناؤه، والمنتصر وآماله، والمعتز وجماله، والمستعين وعماله، والمهتدي وأعماله، والمعتضد وذكاؤه وإحاطته بالأخبار واشتماله، والمقتدر ونساؤه وإهماله إلى أن قلت: وأين بنوعبيد وضلالهم، وبنوبويه وجلالهم، وبنوسلجوق ونظامهم، وينوسامان وإعظامهم، وبنوأيوب وصلاحهم، والجراكسة ومبانيهم وسلاحهم
ثم قلت في ملوك المغرب: وأين عبد الرحمن الداخل وأمراؤه، والناصر وزهراؤه، والحكم ووزراؤه، والمؤيد وظهراؤه، أم أين المنصور بن أبي عامر وغزواته ومواليه، والمظفر وأدواته ومعاليه، أم أين بنوحمود
стр. 3553
وعلاهم، وأوصافهم وحلاهم، وينوجهور وحومهم، وبنوباديس وعزمهم، وأين معتضد بني عباد، ومعتمدهم الذي سنا كرمه للمعتفين باد، وبنوذي النون ومزيتهم، وبنوصمادح ومريتهم، وبنوالأفطس وبنوهود، وما كان لهم من المكارم في الحفل المشهود، وأين لمتونه، وصبرهم الذي ركبوا متونه، أم أين الموحدون وناصرهم ومنصورهم، ومصانعهم وقصورهم، أم أين بنوالأحمر وغرناطتهم، وإوالتهم عن حوزة الدين أدناس المعتدين وإماطتهم، وجعلهم الأمور لمثل ابن الحكيم ولسان الدين وإناطتهم، أم أين بنومرين وفارسهم، ومغانيهم ومدارسهم، وأين بنوزيان ومنازلهم الشاهقة، وأشجار عزهم الباسقة، وأين الحفصيون، ومستنصرهم الذي قضى للمعالي الديون، وأبوفارس، الذي شنفت بأخباره آذان الطروس والفهارس طحنت والله تعالى الجميع رحى المنون، وتأيمت الأزواج ويتم البنون، وطالت الأيام والسنون، وبقيت القصور العالية خالية، والرسوم المتكاثرة دائرة، والسلوك المنظومة متناثرة، وعن قريب يقف الكل بين يدي رب الأرباب، في يوم تذهل فيه الألباب، وتنقطع إلا من رسول الله ﷺ الأسباب، ويقتص لمظلوم من الظالم، وتنبهم للنجاة الطرق والمعالم، وتبلى السرائر لدى من هوبها عالم، " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء تود لوأن بينها وبينه أمداً بعيداً " آل عمران:٣٠ يوم يحكم الله تعالى في الخلق، بالحق، حسبما سبق في علمه إذا جعلهم قريباً وبعيداً، وشقياً وسعيداً، اللهم اجعلنا في ذلك اليوم الصعب ممن فاز بالنجاة، وحاز شفاعة نبيك ومصطفاك ذي الحرمة والجاه، ﷺ وشرف وكرم؛ انتهى.
رجع لنثر لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى:
٨٨ - ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى ما خاطب به سلطان المغرب
стр. 3554
أبا زيان لما تم له الأمر، وهومشتمل على نظم ونثر، ونصه:
يا ابن الخلائف يا سميّ محمد ... يا من علاه ليس يحصر حاصر
أبشر فأنت مجدد الملك الذي ... لولاك أصبح وهو رسم دائر
من ذا يعاند منك وارثه الذي ... بسعوده فلك المشيئة دائر
ألقت إليك يد الخلافة أمرها ... إذ كنت أنت لها الولي الناصر
هذا وبينك لصريخ وبينها ... حرب مضرسة وبحر زاخر
من كان هذا الصنع أول أمره ... حسنت له العقبى وعز الآخر
مولاي عندي في علاك محبة ... والله يعلم ما تكن ضمائر
قلبي يحدثني بأنك جابر ... كسري، وحظي منك حظ وافر
بثرى جدودك قد حططت مثلما ... يلقي لملكك سيف أمرك عامر
فهو الولي لدى الذي اقتحم الردى ... وقضى العزيمة وهوسيف باتر
وولي جدك في الشدائد عندما ... خذلت علاه قبائل وعشائر
فاستهد منه النصح واعلم أنه ... في كل معضلة طبيب ماهر
إن كنت قد عجلت بعض مدائحي ... فهي الرياض، وللرياض بواكر مولانا، وعمدة ديننا ودنيانا، الذي سخر الله تعالى البر والبحر يأمره، وحكم فوق السموات السبع بعز نصره، وأغنى سعده عن سل السلاح وشهره، وفتق عن الصنع الجميل كمامة تسليمه وصبره، وقيض له في علم غيبه وزيراً مذخوراً لشد أزره، وقود الملك إليه على حال حصره، الخليفة الإمام، الذي استبشر به الإسلام، وخففت بعزه الأعلام، ولاح بدر محياه فاقتض الظلام، المقتدي بالنبي الكريم سميه في المراشد التي تألق منها الصبح، والمقاصد التي لازمها النجح، والتمحيص الذي نبع منه المنح، حتى
стр. 3555
في الهجرة التي جاءه بعدها الفتح، أبوزيان ابن مولانا السلطان ولي العهد ترشيحاً ومآلاً، ومؤمل الإسلام تقلداً لمذهب الصريح وانتحالاً، وأمير المسلمين لوأوسعه القدر إمهالاً، ووسطى عقد البنين خلائق متعددة وخلالاً، المتحف بالشهادة ولما يعرف بدره هلالاً، المعوض بما عند الله تعالى سعادة ألبسته سربالاً، وأبلغته نم رضوان الله تعالى آمالاً، أبي عبد الرحمن ابن مولانا أمير المسلمين عظيم الخلفاء، وعنصر الصبر والوفاء، وستر الله تعالى المسدول على الضعفاء، والمجاهد في سبيل الله تعالى بنفسه وماله، المنيف على مراكز النجوم يهممه وآماله، المقدس أبي الحسن ابن موالينا الخلفاء الطاهرين والأئمة المرضيين، من قبيل بني مرين، وصفوة اله تعالى في هذا المغرب الأقصى نم أوليائه المؤمنين، وزينة الدنيا وعمدة الدين، هنأه الله تعالى ما أورثه من سرير الملك الأصيل، وخوله من سعادة الدنيا والدين على الإجمال والتفصيل، وتوجه من تاج العزة القعساء عند اشتباه السبيل، وعوضه من قبيل الملائكة عند تشتت القبيل، وجعل قدمه الراسخة، وآياته الناسخة، وربوته السامية الباذخة، وغرة نصره الشادخة (١) ، وأوزعه شكر آلائه، في الخلاص من ملكة أعدائه، وخطر البحر وعدوان مائه، وغول السفر، وارتكاب الغرر، وثبات أقدام أوليائه الذين ما بدلوا تبديلاً، ولا ارتضوا لقبلة طاعته بعد أن ولوا وجوههم شطرها تحويلاً، بل صبروا صبراً جميلاً، وباعوا نفوسهم تتميماً لعقدة إيمانهم وتكميلاً.
يسلم على مقامكم الذي وسم السعد مشرق جبينه، وذخرت قبل الطاعة ليمينه، وأقسم الدهر بمظاهرة أمره السيعد قبر - والشكر لله تعالى - في يمينه، عبدكم الذي اعتلق منكم بالوسيلة الكبرى، وقر بملككم عيناً وشرح صدراً، وبذل الجهد وإن قل قدرة وقدراً، والتمس لكم الدعاء علناً وسراً، ابن الخطيب الذي حط رحل اقتصاده بتراب الملوك الكرام جدودكم، محاريب
стр. 3556
بركم وأسباب وجودكم، وآبائكم الذين في مظاهرتهم ورعيهم يظهر للناس نخايل هداكم وتدر سحائب جودكم، ملتحفاً منذ سنتين بأصونة قبورهم وثيابها، مستظلاً بأفنيتها المعظمة وقبابها، ممرغاً خذه بترابها، مواصلاً الصراخ با لمرين ويا ليعقوب متطارحاً على أبوابها، فلم يتح الله تعالى له نعرة ترعى الضيف وتحمي الدخيل، أوحمية تدفع الضيم وتشفي الغليل، إلا على يدكم يا أيها الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وبطل الميدان في موقف الهول العظيم، المذخور لنصر المظلوم وإنصاف الغريم، وإجالة أقلام الفتح بفتح الأقاليم.
كتبه مهنئاً بما سنى الله تعالى لملككم من الصنع الذي خرق حجاب العادة، وأرى إعجاز السعادة، معجلاً ذلك بين يدي المبادرة إلى لثم بساطكم الذي شرف وجوهها بلثمه الوجوه، وتخشاه الاملاك الجبابرة وترجوه، وأداء الواجب من القيام بمنظوم ثنائه في الحفل المشهود، وإبلاغ لسان الحمد وسع المجهود، وإلقاء ما عند العبد من خلوص وجنوح، وحب واضح أي وضوح، فولي دعوتكم الشيخ أبوثابت أعزه الله تعالى يقرره، ويبين مجمله ويفسره، والعبد واثق بفضل الله تعالى على يديكم، وملتمس النصر لديكم، وقاطع أن طلبته بكم تتسنى، وأنكم سبب عاقبته الحسنى، ما بالظهور على الوطن الذي تجرأ به المنقلب (١) على ملككم، ومد اليد إلى نثر سلككم، ونقص إرثكم المسلم المحرر، وزلزل وطنكم المؤسس على الطاعة المقرر، وأضرم النار في بسائطكم وجبالكم، وأطلق يد الفتنة على بيوت أموالكم متكثراً عليكم بالقلة، متعززاً بالذلة، جانياً على داركم بما لا تبيحه الملة، أوبالشفاعة الجازمة إن لم يتأذن الله تعالى في الانتصاف، والله يجعل الظهور بكم من الأوصاف، ويعينكم على جبر الكسير، وتيسير الأمر العسير، ويهنيكم منيحة الملك الكبير، ويبقي كلمته في عقبكم بعد تملؤ التعمير، والسلام.
стр. 3557
٨٩ - وله رحمه الله تعالى في مخاطبة السلطان أبي زيان المذكور: المولى الذي طوق المنن، وأحيا السنن، وانبت الله تعالى حبه في القلوب النبات الحسن، ناظم كلمة الدين بعد انتشارها، ومقيل عثارها، والأخذ بثارها، والمخلد لآثارها، السلطان أبوزيان ... إلخ - أبقاكم الله تعالى عالي القدم، منصور العلم، ظاهراً على الأمم، مقصود الحمى كالركن الملتزم، عبد مقامكم الذي آويتموه غريباً، وانستموه دركاً وتثريباً، ولا عدم حظوة ووشفقة ونعمة وتقريباً، ابن الخطيب عن ثناء يعطر الآفاق، ويرقم الأوراق، ويخلق الجيوب والأطواق، وحب بهر نوراً وراق، وجاس اشتهاره الشام والعراق، ويطالع العبد محل مولاه الذي خلف ببابه قلبه وولده، وصبره وجلده، وصير وطنه داره الحقيقية وبلده، أنه لما قدم على محل أخيه، المعتد بما أودع الله تعالى من الخلال الشريفة فيه، مولاي ابن مولاي أبي عبد الله - كفل الله تعالى جميل رعيه وكرم عهده، وحكم بإعلاء جده ومضاء حده - رعى الوسيلة، وصدق المخيلة، وجلا عند اجتلاء مخاطبتكم أسارير الفضيلة، فلم يدع حقاً إلا صرفه، ولا نكرة إلا عرفه، ولا نعمة إلا سكبها، ولا مزية إلا أوجبها، ولا رتبة إلا أعلاها، ولا نعمة إلا أولاها، وما ذاك يا مولاي وإن تعددت الرسائل والأذمة، وادكرت القرب بعد أمة، إلا بوصاتكم التي لا تهمل، وحرمتكم التي لا تجهل، وعطف مقامكم الذي اشتهر، واعتنائكم بعبدكم الذي راق وبهر، فالعبد الرفيع المقدار، والأمل في مقامكم غير منقطع السبب، والأهل والولد تحت كنف مقامكم الأصيل الحسب، حتى يمن الله تعالى بحج بيته وزيارة رسوله على يديكم، ويكون قضاء هذا الوطر منسوباً إليكم، وبعد هذا يستقر القرار، حيث يختار من يخلق ما يشاء ويختار، بحول الله تعالى.
стр. 3558
والعبد يذكر مولاه بما بشره بين يدي وداعه، وبمرأى وزيره السعيد واستماعه، من انجلاء الحركة عن عزه وظهوره، ونجاح أحواله واستقامة أموره، ويهنيه بصدق الوعد، وأمطار الرعد، وظهور السعد، وهي وسيلة إذا عدت الوسائل، وروعيت الذمم الجلائل، ومثل مولاي من رعى وأبقى، وسلك التي هي أبر وأتقى، وما قصر عنه القلم من حق مولاي فالرسول أعزه الله تعالى يتممه، وما قصر عنه الرسول فالله تعالى يعلمه، وهوجل وعلا يديم أيام مولاي ويبقي مجده، ويصل سعده، والسلام انتهى.
٩٠ - ومما خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى شيخ الدولة يحيى بن رحو (١) قوله: سيدي الذي له المزية العظمى، والمحل الأسمى، شيخ قبيل بني مرين، وقطب مدار الأحرار على الإجمال والتعيين، والمتميز بالدهاء والرجاحة، والمعرفة الفسيحة الساحة، ولاصدقة المباحة، وشروط الصوفية من ترك الأذى ووجود الراحة، أسلم على ذاتكم الطاهرة التي بخلت الأزمان والله أن تأتي بنظيرها، وتنافست الدول في تكبيرها، وسارت المواكب الملوكية بمسيرها، وأثنت الألسن بفضلها وخيرها، وأقرر لديها أني أعددت من معرفتها بالأندلس كنزاً لم أنفق منه إلى اليوم وزناً، إعداداً له وخزناً، إذا لا يخرج العتاد الكبير إلا عن حاجة وفاقة، ولا ترد اليد إلى الذخيرة إلا في إضاقة وعجز طاقة، وما كانت الوصلة بمثلها ليهملها مثلي جهلاً يقيمتها العالية، وإزراء بجهتها الكافلة الكافية، لكن نابت عن يدها أيد، وكفى عن ابتذالها ما كف الله تعالى من عمرووزيد، والآن أقرر أني قد كادت حاجتي إلى ذلك العتاد أن تتمحض، وزبدته أن المحض، إذ حظي من رعي ذلك القبيل الذي قصرت عليه رياسته، والوزير
стр. 3559
الذي من رأيه تستمد سياسته، وإذا وفد خاصة هذه المدينة مهنين، وبشكر إيالته الكريمة مثنين، فخيمته ظل ظليل، ومساركته معتمدي في الكثير فكيف ولا غرض لي إلا في القليل، وعندي أن رعيه لمثلي لا يفتقر إلى وسيلة تجلب، ولا ذمام يحسب، فمثله من قدر قدر الهناء، وشد أعلام الحمد ولاثناء، سامية البناء، وعرف أن الدنيا على الله تعالى أحقر الأشياء، وقد رفعت أمري كله بعد الله تعالى إلى رأيك، وغنيت عن سعيي لنفسي بجميل سعيك، والسلام.
٩١ - ومما خاطب به لسان الدين شيخه سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق التلمساني رضي الله تعالى عنه شافعاً: يا سيدي أبقاكم الله تعالى محط الآمال وقبلة الوجوه، وبلغ سيادتكم ما تؤمله من فضل الله تعالى وترجوه، وكلأ بعين حفظه ذاتكم الفاخرة، وجعل عز الدنيا متصلاً لكم بعز الآخرة، بعد تقبيل يدكم التي يدها لا تزال تشكر، وحسنتها عند الله تعالى تذكر، أنهي إلى مقامكم أن الشيخ الكذا أبا فلان - مع كونه مستحق التجلة هجرة إلى أبوابكم الكريمة قدمت، ووسائل من أصالة وحشمة كرمت، وفضل ووقار، وتنويه لولاية أن كانت ذات احتقار، وسن اقتضى الفضل بره، وأدب شكر الاختبار عليه وسره - له معرفة سلفكم الأرضي وسيلة مرعية، وفي الاعتراف بنعمتكم مقامات مرضية، وتوجه إلى بابكم، والتمسك بأسبابكم، والمؤمل من سيدي ستره بجناح رعيه في حال الكبرة، ولحظه بطرف المبرة، غما في استعمال يليق بذوي الاحتشام، أوسكون تحت رعي واهتمام، وإعانة على عمل رسم مصله، على الله تعالى الذي يجزي المحسنين بفضله، ومنه نسأل أن يديم أيام المجلس العلي محروساً من النوائب، مبلغ الآمال والمآرب، والمملوك قد قرر شأنه في إسعاف المقاصد المأمولة من الشفاعة إليكم، والتحسب في هذه الأبواب عليكم، وتقليب القلوب بيد الله تعالى الذي يعطي
стр. 3560
ويمنع، ويملك الأمر أجمع، والسلام.
٩٢ - وكتب إليه أيضاً في الشفاعة بما نصه: سيدي الأعظم، وملاذي الأعصم، وعروة عزي الوثقى التي لا تفصم، أبقاك الله تعالى آثارك آية للعز تأمر الدهر فيأتمر، ويلبي بفنائك الطائف والمعتمر، بأي لسان أثني على فواضلك وهي أمهات المنن، وطرف الشام واليمن، ومقامات بديع الزمن، والتحف المرتفعة عن الثمن فحسبي دعاء أردده وأواليه، وأرتقب مطلوب الإجابة من مقدمه وتاليه، وإن تشوف المنعم للحال الموقوف خيره بمشيئة الله تعالى على جميل سعيه، الموسد على وطاء لطفه المغشى بغطاء رعيه، قلب خافق، وقلب مؤمن يجول به وسواس منافق، وقد تجاوز موسى مجمع البحرين، وأصبح سري بابه سري العين، ولقد كانت مراحل الرمل قصيرة قبل أن يكسبها زجلي ثقل الحركة، ويخلط خاصتي في وظائفها المشتركة، وليت أمري برز إلى طرف، وأفضى إلى منصرف، وربما ظفر آيس بما يرجوه، وبرز المحبوب من المكروه، والله تعالى لا يفضح جاه الكتاب الذي أحيا وأنشر، وحياً وبشر، وأعطى صحيفته باليمين وقد جمعت مثابتكم المحشر، وموصل كتابي، ينوب في تقبيل اليد العليا منابي.
وليعلم سيدي أن هذا القطر على شهرته، وتألق مشتريه وزهرته، إذا انتحل كرامه، وعهد الفضل لم يبق إلا انصرامه، فهولبابه المتخير، وزلاله الذي لا يتغير، أصالة معروفة، وهمة إلى الإيثار مصروفة، ونبلاً على السن والكبرة، ورجولية خليقة بصلة الحرمة والمبرة، والوسيلة لا تطرح، والمعنى الذي لا يفسر لوضوحه ولا يشرح، وهوانتماؤه إلى جناب سيدي حديثاً وقديماً، واعترافه بنعمه مديراً لها ومديماً، والله تعالى يوفي إيثار سيدي حظه، ويجدد لديه رعيه ولحظه، حتى يعود علم إقباله، معلماً برد اهتباله، مسروراً
стр. 3561
ببلوغ آماله، فلعمري إن محل ولايته لكفي، وإن عهد أمانته لوفي، وإن عامل جده لظاهر وخفي، وما يفعله سيدي من رعيه، وإنجاح سعيه، محسوب من مناقبه، ومعدود في فضل مذاهبه، والسلام الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته " انتهى.
وقد تكررت في كتابنا هذا مخاطبات لسان الدين رحمه الله تعالى للخطيب ابن مرزوق المذكور نظماص ونثراً؛ إذ كان - أعني ابن مرزوق - رئيس الدولة، ومعتمد الجلة، وسبق منا التعريف ببعض أحواله في باب مشايخ لسان الدين مما جرته المناسبة، فليرجع إليه من أراده، والله تعالى يجعل الجميع من أهل السعادة.
٩٣ - ومما اشتمل على نثر لسان الدين ونظمه ما خاطب به الرئيس أبا زيد ابن خلدون لما ارتحل من بحر المرية واستقر ببلد بسكرة عند رئيسها أبي العابس ابن مزنى، صحبة رسالة خطبها أخوه أبوزكريا، وقد تقلد كتابة صاحب تلمسان، ووصل الكتاب عنه من إنشائه، وهذه صورة ما كتبه لسان الدين رحمه الله تعالى (١) :
بنفسي وما نفسي علي بهينة ... فينزلني عنها المكاس بأثمان (٢)
حبيب نأى عني وصمم لا يني ... وراش سهام البين عمداً فأصماني
وقد كان هم الشيب، لا كان، كافياً ... فقد آدني لما ترحل همان
شرعت له من دمع عيني مورداً ... فكدر شربي بالفراق وأظمأني
وأرعيته من حسن عهدي جميمه ... فأجذب آمالي وأوحش أزماني
حلفت على ما عنده لي من رضىً ... قياساً بما عندي فأحنث أيماني
وإني على ما نالني منه من قلىً ... لأشتاق من لقياه نغبة ظمآن
стр. 3562
سألت جنوني فيه تقريب عرشه ... فقست بجن الشوق جن سليمان
إذا ما دعا داع من القوم باسمه ... وثبت وما استثبت شيمة هيمان
وتالله ما أصغيت فيه لعاذل ... تحاميته حتى ارعوى وتحاماني
ولا استشعرت نفيس برحمة عابد ... تظلل يوماً مثله عبد رحمن
ولا شعرت من قبله بتشوق ... تخلل منها بين روح وجثمان أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج، وأما الصبر فسل به أية درج، بعد أن تجاوز اللوى والمنعرج، لكن الشدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله تعالى الأرج، وأني بالصبر، على إبر الدبر، لا بل الضرب الهبر (١) ، ومطاولة اليوم والشهر، حتى حكم اقهر وهل لعين أن تسلو سلوالمقصر، عن إنسانها المبصر، أوتذهل ذهول الزاهد، عن سرها الراثي والمشاهد وفي الجسد بضعة يصلح إذا صلحت، فكيف حاله إن رحلت عنه ونزحت، وإذا كان الفراق هوالحمام الأول، فعلام المعول أعيت مراوضة الفراق، على الراق، وكادت لوعة الاشتياق، أن تفضي إلى السياق:
تركتموني بعد تشييعكم ... أوسع أمر الصبر عصيانا
أقرع سني ندماً تارةً ... وأستميح الدمع أحيانا وربما تعللت بغشيان المعاهد الخالية، ووجددت رسوم الأسى بمباكرة الرسوم البالية، أسأل نون النوى عن أهليه، وميم الموقد المهجور عن مصطليه، وثاء الأثافي المثلثة عن منازل الموحدين، وأحار بين تلك الأطلال حيرة الملحدين، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، كلفت لعمر الله يسأل عن جفوني المؤرقة، ونائم عن همومي المتجمعة المتفرقة، ظعن عن ملال، لا متبرماً مني بشر خلال، وكدر الوصل بعد صفائه، وضرج النصل بعد عهد وفائه:
стр. 3563
أقل اشتياقاً أيها القلب ربما ... رأيتك تصفي الود من ليس جازياً (١) فها أنا أبكي عليه بدم أسأله، وأنهل فيه أسى له (٢) ، وأعلل بذكراه قلباً (٣) صدعه، وأودعه من الوجد ما أودعه، لما خدعه، ثم قلاه وودعه، وأنشق رياه أنف ارتياح قد جدعه، وأستعدي به على ظلم ابتدعه:
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي (٤) فلولا عسى الرجاء ولعله، لا بل شفاعة المحل الذي حله، لمزجت الحنين بالعتب (٥) ، وبثثت كتائبه كمناء في شعاب الكتب، تهز من الألفات رماحاً خزر الأسنة، وتوتر من النونات أمثال القسي المرنة، وتقود من بياض الطرس وسواد النفس بلقاً تردي (٦) في الأعنة، ولكنه أوى إلى الحرم الأمين، وتفيأ ظلال الجوار المؤمن من معرة العوار عن الشمال واليمين، حرم الخلال المزنية، والظلال اليزنية، والهمم السنية، والشيم التي لا ترضى بالدون ولا بالدنية، حيث الرفد الممنوح، والطير الميامن يزجر لها السنوح، والمثوى الذي إليه - مهما تقارع الكرام على الضيفان، حول جوابي الجفان - الميل والجنوح:
نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً، ومن فلق الصباح عمودا (٧) ومن حل بتلك المثابة فقد اطمأن جنبه، وتغمد بالعفوذنبه، ولله در القائل حيث يقول:
стр. 3564
فوحقه لقد انتدبت لوصفه ... بالبخل لولا أن حمصاً داره
بلد متى أذكره تهتج لوعتي ... وإذا قدحت الزند طار شراره اللهم غفراً، ولا كفراً، وأين قرارة النخيل، من مثوى الأقلف البخيل، ومكذبة المخيل وأين ثانية هجر، من متبوإ من ألحد وفجر
من أنطر غيثاً منشؤه ... في الأرض وليس بمخلفها
فبنان بني مزنى مزن ... تنهل بلطف مصرفها
مزن مذ حل ببسكرة ... يوماً نطقت بمصحفها (١)
شكرت حتى بعبارتها ... وبمعناها وبأحرفها
ضحكت بأبي العباس من ال ... أيام ثنايا زخرفها
وتنكرت الدنيا حتى ... عرفت منه بمعرفها بل نقول: يا محل الولد ﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد﴾ (البلد:٢،٣) لقد حل بينك عرى الجلد، وخلق الشوق بعدك يا ابن خلدون في الصميم من الخلد، فحيا الله تعالى زمناً شفيت برقى قربك (٢) زمانته، واجتليت في صدف مجدك جمانته، ويا من لمشوق من طول خلتك لبانته (٣) ، وأهلاً أظلت أشتات معارفك بانته، فحمائمه بعدك تندب، فيساعدها الجندب، ونواسمه ترق فتتغاشى، وعشياته تتخافت وتتلاشى، ومزنه باك، ودوحه في مأتم ذي اشتباك، كأن لم تكن قمر هالات قبابه، ولم يك أنسك شارع بابه، إلى صفوة الظرف ولبابه، ولم يسبح إنسان عينك في ماء شبابه، فلهفي عليك من درة اختلستها يد النوى، ومطل بردها الدهر ولوى، ونعق الغراب ببينها في ربوع الجوى، ونطق بالزجر فما نطق عن
стр. 3565
الهوى، وبأي شيء نعتاض منك أيتها الرياض، بعد أن طمى نهرك (١) الفياض، وفهقت الحياض ولا كان الشانئ المشنوء، والجرب المهنوء، من قطع ليل أغار على الصبح فاحتمل، وشارك في الذم الناقة والجمل، واستأثر جنحه ببدر النادي لما كمل، نشر الشراع فراع، وأعمل (٢) الإسراع، كأنما هوتمساح النيل ضايق الأحباب في البرهة، واختطف لهم من الشط نزهة العين وعين النزهة، ولجج بها والعيون تنظر، والغمر عن الأتباع يحظر، فلم يقدر إلا على الأسف، والتماح الأثر المنشف، والرجوع بملء العيبة من الخيبة، ووقر الجسرة (٣) من الحسرة، وإنما نشكوإلى الله البث والحزن، ونستمطر من عبارتنا المزن، وبسيف الرجاء نصول، إذا شرعت للياس النصول:
ما أقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الحزن ممن داره صول (٤) فإن كان كلم الفراق رغيباً (٥) ، لما نويت مغيباً، وجللت الوقت الهنئ تشغيباً، فلعل الملتقى يكون قريباً، وحديثه يروى صحيحاً غريباً.
إيه ثقة (٦) النفس كيف حال تلك الشمائل، المزهرة الخمائل والشيم، الهامية الديم، هل يمر ببالها من راعت بالبعد باله، وأخمدت بعاص البين ذباله، أوترثي لشؤون شأنها سكب لا يفتر، وشوق يبت حبال الصبر ويبتر، وضنى تقصر عن حلله الفاقعة صنعاء وتستر، والأمر أعظم والله يستر، وما الذي يضيرك صين من لفح السموم نضيرك، بعد أ، أضرمت وأشعلت،
стр. 3566
وأوقدت وجعلت، وفعلت فعلتك التي فعلت، أن تترفق بذماء، أوترد بنغبة ماء، أماق ظماء، وتتعاهد المعاهد بتحية يشم منها شذا أنفاسك، أوتنظر إلينا على البعد بمقلة حوراء من بياض قرطاسك وسواد أنفاسك، فربما قنعت الأنفس المحبة بخيال زور، وتعللت بنوال منزور، ورضيت لما لم تصد العنقاء بزرزور:
يا من ترحل والنسيم لأجله ... تشتاق إن هبت شذا رياها
تحيي النفوس إذا بعثت تحية ... فغذا عزمت اقرأ ﴿ومن أحياها﴾ (١) ولئن أحييت بها فيما سلف نفوساً تفديك - والله تعالى إلى الخير يهديك - فنحن نقول معشر مريديك: ثن ولا تجعلها بيضة الديك (٢) ، وعذراً فإني لم أجتر على خطابك بالفقر الفقيرة، وأدللت لدى حجراتك برفع العقيرة، لا عن نشاط يعثت مرموسه، ولا غتباط بالأدب تغري بسياسته سوسه، وانبساط أوحى إلي على الفترة ناموسه، وإنما هواتفاق جرته نفثة المصدور، وهناء الجرب المجدور، وخارق لا مخارق (٣) ، فثم قياس فارق، أولحن غنى به بعد الممات (٤) مفارق، والذي سببه (٥) ، وسوغ (٦) منه المكروه وحببه، ما اقتضاه الصنويحيى - مد الله تعالى حياته، وحرس من الحوادث ذاته - من خطاب ارتشف به لهذه القريحة بلالتها، بعد أن رضي علالتها، ورشح إلى الصهر الحضرمي سلالتها، فلم يسع إلا إسعافه، بما اعافه، فأمليت مجيباً، ما لا
стр. 3567
يعد في يوم البرهان نجيباً، وأسمعت وجيباً، لما ساجلت بهذه الترهات سحراً عجيباً، حتى إذا ألف القلم العريان سبحه، وجمح برذون الغرارة فلم أطق كبحه، لم أفق من غمرة غلوه، وموقف متلوه، إلا وقد تحيز إلى فئتك معتزاً بل معتراً، واستقبلها ضاحكاً مفتراً، وهش لها براً، وإن كان لونه من الوجل (١) مصفراً، وليس بأول من هجر، في التماس الوصل ممن هجر، أوبعث التمر إلى هجر، وأي نسب بيني اليوم وبين زخرف الكلام، وإجالة جياد الأقلام، في محاورة الأعلام بعد أن حال الجريض، دون القريض (٢) ، وشغل المريض، عن التعريض، واستولى (٣) الكسل، ونصلت الشعرات البيض كأنها الأسل، تروع برقط الحيات، سرب الحياة، وتطرق بذوات الغرر والشيات (٤) ، عند البيات، والشيب الموت العاجل، وإذا ابيض زرع صبحته المناجل، والمعتبر الآجل، وإذا اشتغل الشيخ بغير معاده، حكم في الظاهر بإبعاده، وأسره في ملكة عاده، فأغض أبقاك الله واسمح، لمن قصر عن المطمح، وبالعين الكليلة فالمح، واغتنم لباس ثوب الثواب، واشف بعض الجوى بالجواب، تولاك الله تعالى فيما استضفت وملكت، ولا بعدت ولا هلكت، وكان لك أية سلكت، ووسمك من السعادة بأوضح السمات، وأتاح لقاءك من قبل الممات، والسلام الكريم يعتمد جلال ولدي، وساكن خلدي بل أخي وإن عتبته (٥) وسيدي، ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى.
قلت: هذه الرسالة الرافلة في حلل البلاغة لم أر مثلها ولم أقف عليه، فرحم الله تعالى لسان الدين ووجه سحائب الرحمة إليه، فلقد كان آية الله في النظم
стр. 3568
والنثر وجميع العلوم على اختلافها.
٩٤ - وكما خاطب الولي ابن خلدون خاطب أخاه أبا زكريا يحيي حسبما قال في بعض كتبه: ومما خاطبت به الفقيه أبا زكريا ابن خلدون، لما ولي الكتابة عن السلطان أبي حموسلطان تلمسان نم بني زيان واقترن بذلك نصر وصنع غبطته به وأشدت به قصد تنفيقه وإنهاضه لديه: نخص الحبيب الذي هوفي الاستظهار به أخ وفي الشفقة عليه ولد، والولي الذي ما بعد قرب مثله أمل ولا على بعده جلد، والفاضل الذي لا يخالف في فضله ساكن ولا بلد، أبقاه الله تعالى وفاز فوزه وعصمته لها نم التوفيق الله سبحانه عمد، ومورد سعادته المسوغ لعادته لا غور ولا ثمد، ومدى إمداده من خزائن إلهام الله تعالى وسداده ليس له أمد، وحمى فرح قلبه بمواهب من ربه أن يطرقه كمد.
تحية محله، من صميم قلبه بمحله، المنشئ رواق الشفقة، مرفوعاً بعمد المحبة والمقة، فوق ظعنه وحله، مؤثره ومجله، المعتني بدق أمره وجله، ابن الخطيب، من الحضرة الجهادية غرناطة، صان الله تعالى خلالها، ووقى هجير هجر الغيوم ظلالها، وعمر بأسود الله تعالى أغيالها، كما أغرى بمن كفر بالله تعالى صيالها، ولا زائد إلا منن من الله تعالى تصوب، وقوة يسترد بها المغضوب، ويخفض الصليب المنصوب، والحمد لله تعالى الذي بحمده ينال المطلوب، وبذكره تطمئن القلوب، ومودتكم المودة التي غذتها ثدي الخلوص بلبانها، وأحلتها حلائل المحافظة بين أعينها وأجفانها، ومهدت موات أخواتها الكبرى أساس بنيانها، واستحقت ميراثها مع استصحاب حال الحياة إن شاء الله تعالى واتصال زمانها، واقتضاء عهود الأيام بيمنها وأمانها، ولله در القائل:
فإن لم يكنها أوتكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها (١)
стр. 3569
وصل الله تعالى ذلك من أجله وفي ذاته، وجعله وسيلة إلى مرضاته، وقربة تنفع عند اعتبار ما روعي من سنن الجبار ومفترضاته.
وقد وصل كتابكم الذي فاتح بالريحان والروح، وحل من مرسوم الولاء محل البسملة من اللوح، وأذن لنوافح الثناء بالبوح، يشهد عدله بأن البيان يا آل خلدون سكن من مثواكم دار خلود، وقدح زنداً غير صلود، واستأثر من محابركم السيالة، وقضب أقلامكم الميادة الميالة، بأب منجب وأم ولود، يقفو شانيه غير المشنو، وفصيله غير الجرب ولا المهنو، من الخطاب السلطاني سفينة منوح (١) ، إن لم نقل سفينة نوح، ما شئت من آل أزواج، وزمر من الفضل وأفواج، وأمواج كرم تطفوفوق أمواج، وفنون بشائر، وإهطاع قبائل وعشائر، وضرب للمسرات أعيا الشائر، فلله هومن قلم راعى نسب القنا فوصل الرحم، وانجد الوشيج والملتحم، وساق بعصاه من البيان الذود المزدحم، وأخاف من شذ عن الطاعة مع الاستطاعة فقال " لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم " هود:٤٣ ولولم يوجب الحق برقه ورعده، ووعيده ووعده، لأوجبه يمنه وسعده، فلقد ظهرت مخايل نجحه، علاوة على نصحه، ووضحت محاسن صبحه، في وحشة الموقف الصعب وقبحه، وصل الله تعالى له عوائد منحه، وجعله إقليداً كلما استقبل باب أمل وكله الله تعالى بفتحه.
أما ماقرره ولاؤكم من حب زكا على حبة القلب حبه، وأنبته النبات الحسن ربه، وساعده من الغمام سكبه، ومن النسيم اللدن مهبه، فرسم ثبت عند الولي نظيره، ومن غبر معارض يضيره، وربما أربى بتذييل مزيد، وشهادة ثابت ويزيد (٢) ، ولم لا يكون ذلك، وللقلب على القلب شاهد وكونها
стр. 3570
أجناداً مجندة لا يحتاج تقريره إلى ماهد وجهد جاهد، ومودة الأخوة سبيلها لاحب، ودليلها للدعوة الصادقة مصاحب، إلى ما سبق من فضل ولقاء، ونظافة سقاء، واعتقاد، لا يراع سربه بذئب انتقاد، واجتلاء شهاب وقاد، لا يحوج إلى إيقاد، إنما عاق عن مواصلة ذلك نوىً شط منها الشطن، وتشذيب لم يتعين معه الوطن، فلما تعين، وكاد الصبح أن يتبين، عاد الوميض ديجوراً، والثماد بحراً مسجوراً، إلى أن أعلق الله تعالى منكم اليد بالسبب الوثيق، وأحلكم منجى نيق (١) ، لا يخاف من منجنيق، وجعل يراعكم لسعادة موسى (٢) معجزة تأتي على الخبر بالعيان، فتخر لثعبانها سحرة البيان:
أيحيى سقى حيث لحت الحيا ... فنعم الشعاب ونعم الوكون
وحياً يراعك من آية ... فقد حرك القوم بعد السكون
دعوت لخدمة موسى عصاه ... فجاءت تلقف ما يأفكون
فأذعن من يدعي السحر رغماً ... وأسلم من أجلها المشركون
وساعدك السعد فيما أردت ... فكان كما ينبغي أن يكون " فأنتم أولى الأصدقاء بصلة السبب، ورعي الوسائل والقرب، أبقاكم الله تعالى وأيدي الغبطة بكم عالية، وأحوال تلكم الجهات بدرككم المهمات حالية، وديم المسرات من إنعامكم المبرات على معهود المبرات متوالية.
وأما ما تشوفتم إليه من حال وليكم فأمل متقلص الظل، وارتقاب لهجوم جيش الأجل المطل، ومقام على مساورة الصل، وعمل يكذب الدعوى، وطمأنينة تنتظر الغارة الشعوا، ويد بالمذخور تفتح، وأخرى تجهد وتمنح، ومرض يزور فيثقل، وضعف عن الواجب يعقل، إلا أن اللطائف تستروح،
стр. 3571
والقلب من باب الرجاء لا يبرح، وربما ظفر البائس، ولم تطرد المقايس، تداركنا الله تعالى بعفوه، وأوردنا من منهل الرضى والقبول على صفوه، وأذن لهذا الخرق في رفوه.
" وأما ما طلبتم من انتساخ ديوان، وإعمال بنان في الإتحاف ببيان، فتلك عهود لدي مهجورة، ومعاهد لا متعهدة ولا مزورة، شغل عن ذلك حوض يعلو لجبه، وحرص يقضى من لغط المانح عجبه، وهول جهاد تساوى جمادياه ورجبه، فلولا التماس أجر، وتعلل بربح تجر، لقلت: أهلاً بذات النحيين (١) ، فلئن شكت، وبذلت المصون بسبب ما أمسكت، فلقد ضحكت في الباطن ضعف ما بكت، ونستغفر الله تعالى من سوء انتحال، وإيثار المزاح بكل حال، وما الذي ينتظر مثلي ممن عرف المآخذ والمتارك، وجرب لما بلا المبارك، وخبر مساءة الدنيا الفارك
هذا أيها الحبيب ما وسعه الوقت الضيق، وقد ذهب الشباب الريق، ليسمح فيه معهود كمالك، جعل الله تعالى مطاوعة آمالك، مطاوعة يمينك لشمالك، ووطأ لك موطأ العز بباب كل مالك، وقرن النجح بأعمالك، وحفظك في نفسك واهلك ومالك، والسلام انتهى.
٩٥ - ومن مخاطبات لسان الدين لصاحب العلامة أبي القاسم ابن رضوان:
قد كنت أجهد في التماس صنيعة ... نفساً شهاب ذكائها وقاد
وأقول لو كان المخاطب غيركم ... عند الشدائد تذهب الأحقاد سيدي، أبقاكم الله تعالى علم فضل وإنصاف، ومجموع كمال أوصاف: كلام النية قصير، والله تعالى بحسنات الأقوال والأفعال بصير، وإليه هذا الخباط كل رجعي منا ومصير، وليس لنا إلا هومولى ونصير، وهذا الرجل سيدي الخطيب
стр. 3572
أبوعبد الله ابن مرزوق - جبره الله تعالى - بالأمس كنا نقف ببابه، ونتمسك بأسبابه، ونتوسل إلى الدنيا به، فإن كنا قد عرفنا خيراً وجبت المشاركة، أوكفافاً تعينت المتاركة، أوشراً اهتبلت غرة الهدى الأنفس المباركة، واتصفت بصفة من يعصي فيسمح، ويسأل فيمنح، ويعود إلى قبيح بالفعل الجميل، ويحسب يد التأميل، ومع هذا فلم ندر إلا خيراً كرم منه المورد والمصرف، ومن عرف حجة على من لا يعرف، وأنتم في الوقت سراج علم لا يخبوسناه، ومجموع تخلق عرفنا منه ما عرفناه، وهذه هي الشهرة التي تغتنم إذا سفرت، والهنة التي تحبر عليها النفس إذا نفرت، حتى لا تجد بعون الله تعالى عارضاً يعوقها عن الخير، وسبيل الكمال الأخير، والأجر في استيفاء كتاب الشفاعة، وتحري المقاصد النفاعة، وتنفيق البضاعة، قد ضمنه نم وعد بقيام الساعة، والجزاء على الطاعة وغير الطاعة، وهذه المشاركة تسجيل لفضلكم قبلي، وهي في الحقيقة لي، فكيف والله تعالى يرى عملكم وعملي، والمتروك حقير، والوجود إلى رحمة من رحمات الله تعالى فقير، والسلام انتهى.
٩٦ - ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى قوله في مخاطبة شيخ العرب مبارك بن إبراهيم رحمه الله تعالى (١) :
" ساحات دارك للضياف مبارك ... وبضوء نار قراك يهدي السالك
ونوالك المبذول قد شمل الورى ... طراً، وفضلك ليس فيه مشارك
قل للذي قال للوجود قد انطوى ... والبأس ليس له حسام فاتك
والجود ليس له غمام هاطل ... والمجد ليس له همام باتك (٢)
جمع الشجاعة والرجاحة والندى ... والبأس والرأي الأصيل مبارك
стр. 3573
للدين والدنيا وللشيم العلا ... والجود إن شح الغمام السافك
عند الهياج ربيعة بن مكدم ... في الفضل والتقوى الفضيل ومالك (١)
ورث الجلالة عن أبيه وجده ... فكأنهم ما غاب منهم هالك
فجياده للآملين مراكب ... وخيامه لقاصدين أرائك
فغذا المعالي أصبحت مملوكة ... أعناقها بالحق فهو المالك
يا فارس العرب الذي من بيته ... حرم لها حج به ومناسك
يا من يبشر باسمه قصاده ... فلهم إليه مسارب ومسالك
أنت الذي استأثرت فيك بغبطتي ... وسواك فيه مآخذ ومتارك
لا زلت نوراً يهتدي بضيائه ... من جنه للروع ليل حالك
ويخص مجدك من سلامي عاطر ... كالمسك صاك به الغوالي صائك (٢) الحمد لله تعالى الذي جعل بيتك شهيراً، وجعلك للعرب أميراً، وجعل اسمك فالاً، ووجهك جمالاً، وقربك جاهاً ومآلاً، وآل رسول اله ﷺ لك آلاً، أسلم عليك يا أمير العرب وابن أمرائها، وقطب سيادتها وكبرائها، وأهنيك ما منحك الله تعالى من شهرة تبقى، ومكرمة لا يضل المتصف بها ولا يشقى، إذ جعل خيمتك في هذا المغرب على اتساعه، واختلاف أشياعه، مأمناً للخائف، على قياس (٣) المذاهب والطوائف، وصرف الألسنة إلى مدحك والقلوب إلى حبك، وما ذلك إلا لسريرة لك عند ربك، ولقد كنت أيام تجمعني وإياك المجالس السلطانية على معرفتك متهالكاً، وطوع الأمل سالكاً، لما يلوح لي على وجهك من سيما المجد والحياء، والشيم الدالة على العلياء، وزكاء الأصول وكرم الآباء، وكان والدي - رحمه الله تعالى - قد عين للقاء
стр. 3574
خال السلطان قريبكم لما توجه في الرسالة إلى الأندلس في تأنيسه عن مخدومه، ومنوهاً حيث حل بقدومه، واتصلت بعد ذلك المهاداة والمعرفة، والوسائل المختلفة، فعظم لأجل هذه الوسائل شوقي إلى التشرف بزيارة ذلك الجناب الذي حلوله شرف وفخر، ومعرفته كنز وذخر، فلما ظهر الآن لمحل الأخ الكذا القائد فلان اللحاق بك، والتعلق بسببك، رأيت أنه قد اتصل بهذا الغرض المؤمل بعضي والله تعالى ييسر في البعض، عند تقرير الأمن وهدنة الأرض، وهذا الفاضل بركة حيث حل لكونه من بيت أصالة وجهاد، وماجداً وابن أمجاد، ومثلك لا يوصى بحسن جواره، ولا ينبه على إيثاره، وقبيلك في الحديث - من العرب - والقديم، وهوالذي أوجب لها مزية التقديم، لم يفتخر قط بذهب يجمع، ولا ذخر يرفع، ولاقصر يبنى، ولا غرس يجنى، إنما فخرها عدويغلب، وثناء يجلب، وجزور ينحر، وحديث يذكر، وجود على الفاقة، وسماحة بحسب الطاقة، فلقد ذهب الذهب، وفني النشب، وتمزقت الأثواب، وهلكت الخيل العراب، وكل الذي فوق التراب تراب، وبقيت المحاسن تروى وتنقل، والأعراض تجلى وتصقل، ولله در الشاعر إذ يقول:
وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثاً حسناً لمن وعى (١) هذه مقدمة إن يسر الله تعالى بعدها لقاء الأمير، فيجلي اللسان عماً في الضمير:
ومدحي على الأملاك مدح، وإنما ... رأيتك منها فامتدحت على وسمي
وما كنت بالمهدي لغيرك مدحتي ... ولو أنه قد حل في مفرق النجم "
стр. 3575
٩٧ - ومن ذلك ما خاطب به شيخه الخطيب سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق وهو:
" راش زماني وبرى نبله ... فكنت لي من وقعها جنه
ولو قهرت الموت أمنتني ... منه وأدخلتني الجنه
فكيف لا أنشرها منة ... قد عرفتها لاإنس والجنه " بماذا أخاطب به تلك الجلالة، فيتيسر الخطاب وتحصل الدلالة، أبسيدي ويشركني فيه، من قال لا إله إلا الله بفيه أوبروح حياتي، ومقدم ماهية ذاتي، وذخري الكبير الكثير، لا بل فلكي الأثير، وهوتضييق على الولد والأهل، وتعدي المراتب المحدودة من الجهل، فلم يبق إلا الإشارة الخارجة عن وظائف اللسان، وهي بعض دلالات الإنسان، أفدت الإكسير، وجبرت الكسير، ورويت يا أبا العلا (١) التيسير، وغمرت بالكرم وأمن حمام الحرم الظعن والمسير، فمن رام شكر بعض (٢) أياديك فلقد شد حقائب الرحال، إلى نيل المحال، والحق أن نكل جزاك، لمن جعل إلى المجد اعتزاك، ونولي شكرك وثناك، إلى من عمر بما يرضيه من الرفق بالخلق وإقامة الحق إناك، وندعومنك بالبقاء إلى الروض المجود، وغمام الجود، وإمام الركع السجود، لا بل لنور الله تعالى المشرق على التهائم والنجود، ورحمته المبثوثة أثناء هذا الوجود.
وليعلم سيدي أن النفس طماعة جماعة، وسراب آمالها بحاره لماعة، فلا تفيق من كد، ولا تقف عند حد، سيما إذا لم يهذبها السلوك والتجريد، ولم يسر منها في عالم الغيب البريد، ولا تجلت لها السعادة التي يجذب بها المراد ويشمر لها المريد، إلى أن يتأتى عما دون الحق المحيد، ويصح التوحيد،