والقلب من باب الرجاء لا يبرح، وربما ظفر البائس، ولم تطرد المقايس، تداركنا الله تعالى بعفوه، وأوردنا من منهل الرضى والقبول على صفوه، وأذن لهذا الخرق في رفوه.
" وأما ما طلبتم من انتساخ ديوان، وإعمال بنان في الإتحاف ببيان، فتلك عهود لدي مهجورة، ومعاهد لا متعهدة ولا مزورة، شغل عن ذلك حوض يعلو لجبه، وحرص يقضى من لغط المانح عجبه، وهول جهاد تساوى جمادياه ورجبه، فلولا التماس أجر، وتعلل بربح تجر، لقلت: أهلاً بذات النحيين (١) ، فلئن شكت، وبذلت المصون بسبب ما أمسكت، فلقد ضحكت في الباطن ضعف ما بكت، ونستغفر الله تعالى من سوء انتحال، وإيثار المزاح بكل حال، وما الذي ينتظر مثلي ممن عرف المآخذ والمتارك، وجرب لما بلا المبارك، وخبر مساءة الدنيا الفارك
هذا أيها الحبيب ما وسعه الوقت الضيق، وقد ذهب الشباب الريق، ليسمح فيه معهود كمالك، جعل الله تعالى مطاوعة آمالك، مطاوعة يمينك لشمالك، ووطأ لك موطأ العز بباب كل مالك، وقرن النجح بأعمالك، وحفظك في نفسك واهلك ومالك، والسلام انتهى.
٩٥ - ومن مخاطبات لسان الدين لصاحب العلامة أبي القاسم ابن رضوان:
قد كنت أجهد في التماس صنيعة ... نفساً شهاب ذكائها وقاد
وأقول لو كان المخاطب غيركم ... عند الشدائد تذهب الأحقاد سيدي، أبقاكم الله تعالى علم فضل وإنصاف، ومجموع كمال أوصاف: كلام النية قصير، والله تعالى بحسنات الأقوال والأفعال بصير، وإليه هذا الخباط كل رجعي منا ومصير، وليس لنا إلا هومولى ونصير، وهذا الرجل سيدي الخطيب
стр. 3572
أبوعبد الله ابن مرزوق - جبره الله تعالى - بالأمس كنا نقف ببابه، ونتمسك بأسبابه، ونتوسل إلى الدنيا به، فإن كنا قد عرفنا خيراً وجبت المشاركة، أوكفافاً تعينت المتاركة، أوشراً اهتبلت غرة الهدى الأنفس المباركة، واتصفت بصفة من يعصي فيسمح، ويسأل فيمنح، ويعود إلى قبيح بالفعل الجميل، ويحسب يد التأميل، ومع هذا فلم ندر إلا خيراً كرم منه المورد والمصرف، ومن عرف حجة على من لا يعرف، وأنتم في الوقت سراج علم لا يخبوسناه، ومجموع تخلق عرفنا منه ما عرفناه، وهذه هي الشهرة التي تغتنم إذا سفرت، والهنة التي تحبر عليها النفس إذا نفرت، حتى لا تجد بعون الله تعالى عارضاً يعوقها عن الخير، وسبيل الكمال الأخير، والأجر في استيفاء كتاب الشفاعة، وتحري المقاصد النفاعة، وتنفيق البضاعة، قد ضمنه نم وعد بقيام الساعة، والجزاء على الطاعة وغير الطاعة، وهذه المشاركة تسجيل لفضلكم قبلي، وهي في الحقيقة لي، فكيف والله تعالى يرى عملكم وعملي، والمتروك حقير، والوجود إلى رحمة من رحمات الله تعالى فقير، والسلام انتهى.
٩٦ - ومن كلام لسان الدين رحمه الله تعالى قوله في مخاطبة شيخ العرب مبارك بن إبراهيم رحمه الله تعالى (١) :
" ساحات دارك للضياف مبارك ... وبضوء نار قراك يهدي السالك
ونوالك المبذول قد شمل الورى ... طراً، وفضلك ليس فيه مشارك
قل للذي قال للوجود قد انطوى ... والبأس ليس له حسام فاتك
والجود ليس له غمام هاطل ... والمجد ليس له همام باتك (٢)
جمع الشجاعة والرجاحة والندى ... والبأس والرأي الأصيل مبارك
стр. 3573
للدين والدنيا وللشيم العلا ... والجود إن شح الغمام السافك
عند الهياج ربيعة بن مكدم ... في الفضل والتقوى الفضيل ومالك (١)
ورث الجلالة عن أبيه وجده ... فكأنهم ما غاب منهم هالك
فجياده للآملين مراكب ... وخيامه لقاصدين أرائك
فغذا المعالي أصبحت مملوكة ... أعناقها بالحق فهو المالك
يا فارس العرب الذي من بيته ... حرم لها حج به ومناسك
يا من يبشر باسمه قصاده ... فلهم إليه مسارب ومسالك
أنت الذي استأثرت فيك بغبطتي ... وسواك فيه مآخذ ومتارك
لا زلت نوراً يهتدي بضيائه ... من جنه للروع ليل حالك
ويخص مجدك من سلامي عاطر ... كالمسك صاك به الغوالي صائك (٢) الحمد لله تعالى الذي جعل بيتك شهيراً، وجعلك للعرب أميراً، وجعل اسمك فالاً، ووجهك جمالاً، وقربك جاهاً ومآلاً، وآل رسول اله ﷺ لك آلاً، أسلم عليك يا أمير العرب وابن أمرائها، وقطب سيادتها وكبرائها، وأهنيك ما منحك الله تعالى من شهرة تبقى، ومكرمة لا يضل المتصف بها ولا يشقى، إذ جعل خيمتك في هذا المغرب على اتساعه، واختلاف أشياعه، مأمناً للخائف، على قياس (٣) المذاهب والطوائف، وصرف الألسنة إلى مدحك والقلوب إلى حبك، وما ذلك إلا لسريرة لك عند ربك، ولقد كنت أيام تجمعني وإياك المجالس السلطانية على معرفتك متهالكاً، وطوع الأمل سالكاً، لما يلوح لي على وجهك من سيما المجد والحياء، والشيم الدالة على العلياء، وزكاء الأصول وكرم الآباء، وكان والدي - رحمه الله تعالى - قد عين للقاء
стр. 3574
خال السلطان قريبكم لما توجه في الرسالة إلى الأندلس في تأنيسه عن مخدومه، ومنوهاً حيث حل بقدومه، واتصلت بعد ذلك المهاداة والمعرفة، والوسائل المختلفة، فعظم لأجل هذه الوسائل شوقي إلى التشرف بزيارة ذلك الجناب الذي حلوله شرف وفخر، ومعرفته كنز وذخر، فلما ظهر الآن لمحل الأخ الكذا القائد فلان اللحاق بك، والتعلق بسببك، رأيت أنه قد اتصل بهذا الغرض المؤمل بعضي والله تعالى ييسر في البعض، عند تقرير الأمن وهدنة الأرض، وهذا الفاضل بركة حيث حل لكونه من بيت أصالة وجهاد، وماجداً وابن أمجاد، ومثلك لا يوصى بحسن جواره، ولا ينبه على إيثاره، وقبيلك في الحديث - من العرب - والقديم، وهوالذي أوجب لها مزية التقديم، لم يفتخر قط بذهب يجمع، ولا ذخر يرفع، ولاقصر يبنى، ولا غرس يجنى، إنما فخرها عدويغلب، وثناء يجلب، وجزور ينحر، وحديث يذكر، وجود على الفاقة، وسماحة بحسب الطاقة، فلقد ذهب الذهب، وفني النشب، وتمزقت الأثواب، وهلكت الخيل العراب، وكل الذي فوق التراب تراب، وبقيت المحاسن تروى وتنقل، والأعراض تجلى وتصقل، ولله در الشاعر إذ يقول:
وإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثاً حسناً لمن وعى (١) هذه مقدمة إن يسر الله تعالى بعدها لقاء الأمير، فيجلي اللسان عماً في الضمير:
ومدحي على الأملاك مدح، وإنما ... رأيتك منها فامتدحت على وسمي
وما كنت بالمهدي لغيرك مدحتي ... ولو أنه قد حل في مفرق النجم "
стр. 3575
٩٧ - ومن ذلك ما خاطب به شيخه الخطيب سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق وهو:
" راش زماني وبرى نبله ... فكنت لي من وقعها جنه
ولو قهرت الموت أمنتني ... منه وأدخلتني الجنه
فكيف لا أنشرها منة ... قد عرفتها لاإنس والجنه " بماذا أخاطب به تلك الجلالة، فيتيسر الخطاب وتحصل الدلالة، أبسيدي ويشركني فيه، من قال لا إله إلا الله بفيه أوبروح حياتي، ومقدم ماهية ذاتي، وذخري الكبير الكثير، لا بل فلكي الأثير، وهوتضييق على الولد والأهل، وتعدي المراتب المحدودة من الجهل، فلم يبق إلا الإشارة الخارجة عن وظائف اللسان، وهي بعض دلالات الإنسان، أفدت الإكسير، وجبرت الكسير، ورويت يا أبا العلا (١) التيسير، وغمرت بالكرم وأمن حمام الحرم الظعن والمسير، فمن رام شكر بعض (٢) أياديك فلقد شد حقائب الرحال، إلى نيل المحال، والحق أن نكل جزاك، لمن جعل إلى المجد اعتزاك، ونولي شكرك وثناك، إلى من عمر بما يرضيه من الرفق بالخلق وإقامة الحق إناك، وندعومنك بالبقاء إلى الروض المجود، وغمام الجود، وإمام الركع السجود، لا بل لنور الله تعالى المشرق على التهائم والنجود، ورحمته المبثوثة أثناء هذا الوجود.
وليعلم سيدي أن النفس طماعة جماعة، وسراب آمالها بحاره لماعة، فلا تفيق من كد، ولا تقف عند حد، سيما إذا لم يهذبها السلوك والتجريد، ولم يسر منها في عالم الغيب البريد، ولا تجلت لها السعادة التي يجذب بها المراد ويشمر لها المريد، إلى أن يتأتى عما دون الحق المحيد، ويصح التوحيد،
стр. 3576
وقد مثلت الآن خصماً، توسع ظهر استظهاري بالتسليم قصماً، وتقول: المال عديلي عند القيمة، وطبيبي في الأحوال السقيمة، وهونتيجة كدي عند الأقيسة القيمة، ومن استخلصني على شرفي يقتعدها على رأي البراهمة النور الاصفهندي والنور القاهر، فخلاص المال طوع يديه، وهوكما قال الله تعالى أهون عليه، فألاطفها، حتى تلين معاطفها، وأخادعها، حتى تلوي أخادعها، وأقول: قد وقع الوعد، وأشرق السعد، ولان الجعد، وسكن الرعد، ولله تعالى الأمر من قبل ومن بعد، فتجيبني: العمر المنام، وأيام الجاه والقدرة قد يحق لها الاغتنام، وهم العاقل إلى وقته الحاضر مصروف، وإذا لم يغير حائطه مثل معروف، وفي الوقت زبون يرجى به استخلاص الحقوق، ويستبعد وقوع العقوق، فإن رأى مولاي أن يشفع المنة، ويقرع باباً ثانياً من أبواب الجنة، قبل ا، يشغل شاغل، أويكدر الأكل والشرب وارش أو واغل (١) ، أويثوب للمتعدي نظر في اللجاج، أويدس له ما يحمله على الاحتجاج، - وأومتسع مناطها، فسيح استنباطها، كثير هاطها ومياطها - فهوتمام صنيعته التي لم ينسج على منوالها الأحرار، ولا اهتدت إلى حسنتها الأبرار، ولا عرف بدر مجدها السرار، فإليه كان الفرار، ولله تعالى ثم له خلص الاضطرار، ويستقر تحت دخيله القرار، وتطمئن الدار، فإن ما ابتدأ به من عز ضرب على الأيدي العادية منه حكم الحكام، وفارع الهضاب والآكام، على ملإ ومجمع، وبمرأى من الخلق ومسمع، يقتضي اطراد قياس العزة القعساء، وسعادة الإصباح والغماس، وظهور درجات الرجال على النساء، فهوجاه حارت فيه الأوهام وهذه أذياله، ومن ركب حقيقة أمرها هان عليه خياله، والمال ماله، والعيال عياله، والوجود سريع زياله، والجزاء عند الله تعالى مكياله،
стр. 3577
وعروض المغضوب باقية الأعيان (١) ، مستقلة الشجر قائمة البنيان، تمنع عن شرائها قاعدة الأديان وغيرها من مكيل وموزون، بين مأكول ومخزون، والكتب ملقاة بالقاع، مطرحة بأخبث البقاع، فإن تأتي الجبر، وإلا فالصبر، على أن وعد عمادي لا يفارق الإنجاز، ومكرمته التي طوقها قد بلغت الشام والحجاز، وحقيقة التزامه تباين المجاز، وآية مجده تستصحب الإعجاز، ولله در إبراهيم بن المهدي يخاطب المأمون، لما أكذب في العفوعنه الظنون:
وهبت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ذلك ما إن قد وهبت دمي (١) وقد كانت هذه المنقبة غريبة فغزرتها بأختها الكبرى، وفريدة فجئت بأخرى، وشفعت وترا، أبقاك الله تعالى لتخليد المناقب، وإعلاء المراتب، وجعل أخمص نعلك تاجاً للنجم الثاقب، وتكفل لك في النفس والولد بحسن العواقب:
آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أضيف إليها ألف آميناً (٣) وأما تنبيه سيدي على إنشاء رزق، وتقرير رفد ورفق، فلا أنبه حاتماً وكعباً، أن يملأ قعباً، لمن خاض بحراً أوركب صعباً، هذا أمر كفانيه الكافي، وداء كوخز (٤) الأشافي، أذهبه الشافي، والسلام " انتهى.
٩٨ - ومن إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى على لسان السلطان قوله: " هذا ظهير كريم، مضمنه استجلاء لأمور الرعية واستطلاع، ورعاية
стр. 3578
كرمت منها أجناس وأنواع، وعدل بهر منه شعاع، ووصايا يجب لها إهطاع، أصدرناه للفقيه فلان لما تقرر لدينا دينه وعدله وفضله، رأينا أنه أحق من نقلده الهم الأكيد، ونرمي به من أغراض البر الغرض البعيد، ونستكشف به أحوال الرعايا التي لا يغيب عنا شيء من أحوالها، ولا يتطرق إليها طارق من أهوالها، وينهي إلينا الحوادث التي تنشأ إنهاء يتكفل بحياطة أبشارها وأموالها.
وأمرنا أن يتوجه إلى جهة كذا حاطها الله تعالى فيجمع الناس فيمساجدهم، وينديهم من مشاهدهم، ويبدأ بتقرير غرضنا في صلاح أحوالهم، وإحساب أموالهم (١) ، ومكابدتنا المشقة في مداراة عدوهم الذي نعلم من أحواله ما غاب عنهم دفعه الله تعالى بقدرته، ووقى نفوسهم وحريمهم من معرته، ولما رأينا من انبتات الأسباب التي تؤمل، وعجز الحيل التي كانت تعمل؛ ويستدعي إنجادهم بالدعاء، وإخلاصهم فيه إلى رب السماء، ويسأل عن سيرة القواد، وولاة الأحكام بالبلاد، فمن نالته نظلمة فليرفعها إليه، ويقصها عليه، ليبلغها إلينا، ويوفدها مقررة الموجبات لدينا، ويختبر ما افترض صدقة للجبل، وما فضل عن كريم ذلك العمل، ليعين إلى بناء الحصن بجبل فاره يسر الله تعالى لهم في إتمامه، وجعل صدقتهم تلك مسكة ختامه، وغيره مما افترض إعانة للمسافرين، وإنجاداً لجهاد الكافرين، فيعلم مقداره، ويتولى اختباره (٢) ، حتى لا يجعل منه شيء على ضعيف، ولا يعدل به لمشروف عن شريف، ولا تقع فيه مضايقة ذي الجاه، ولا مخادعة غير المراقب لله، ومتى تحقق أن غنياً قصر به عن حقه، أوضعيفاً كلف منه فوق طوقه، فيجير (٣) الفقير من الغني،
стр. 3579
ويجري من العدل على السنن السوي، ويعلم الناس أن هذه المعونة (١) وإن كانت بالنسبة إلى محل ضرورتها يسيرة، وأن الله تعالى يضاعفها لهم أضعافاً كثيرة، فليست مما يلزم، ولا من المعاون التي بتكررها يجزم؛ وينظر في عهود التوفيق فيصرفها في مصارفها المتبينة، وطرقها الواضحة البينة.
ويتفقد المساجد تفقداً يكسوعاريها، ويتمم منها المآرب تتميماً يرضي باريها، ويندب الناس إلى تعليم القرآن لصبيانهم، فذلك أصل أديانهم، ويحذرهم المغيب على كل شيء من أعشارهم، فالزكاة أخب الصلاة وهما من قواعد الإسلام، وقد اخترنا لهم بأقصى الجد والاعتزام، ورفعنا عنهم رسم التعريف نظراً إليهم بعين الاهتمام، وقدمنا الثقات لهذه الأحكام، وجعلنا الخرص (٢) شرعياً في هذا العام، وفيما بعده إن شاء الله تعالى من الأعوام.
ومن أهم ما أسندناه إليه، وعولنا فيه عليه، البحث بتلك الأحواز عن أهل البدع والأهواء، والسائرين من السبيل على غير السواء، ومن ينبز بفساد العقد، وتحريف القصد، والتلبس بالصوفية وهوفي الباطن من أهل الفساد، والذاهبين إلى الإباحة وتأويل المعاد، والمؤلفين بين النساء والرجال، والمتبعين لمذاهب الضلال، فمهما عثر على مطوق بالتهمة، منبز بشيء من ذلك من هذه الأمة، فليشد ثقافه شداً، ويسد عنه سبيل الخلاص سداً، ويسترعي في شأنه الموجبات، ويستوعب الشهادات، حتى ينظر في حسم دائه، ويعاجل المرض بدوائه، فليتول ما ذكرنا نائباً بأحسن المناب، ويقصد وجه الله تعالى راجياً منه جزيل الثواب، ويعمل عمل من لا يخاف في الله لومة لاثم ليجد ذلك في موقف الحساب.
وعلى من يقف عليه من القواد والأشياخ والحكام أن يكونوا معه يداً واحدة
стр. 3580
على ما حررنا في هذه الفصول، من العمل المقبول، والعدل المبذول، ومن قصر عن غاية من غاياته، أوخالف مقتضى من مقتضياته، فعقابه عقاب من عصى أمر الله وأمرنا فلا يلم إلا نفسه التي غرته، وإلى مصرع النكير جرته، والله تعالى المستعان انتهى.
ومن ذلك ما خاطب به تربة السلطان الكبير أبي الحسن المريني لما قصدها عقب ما شرع في جواره وتوسل إلى أغراضه إلى وبده رحم الله تعالى الجميع:
السلام عليك ثم السلام، أيها المولى الهمام الذي عرف فضله الإسلام، وأوجبت حقه العلماء الأعلام، وخفقت بعز نصره الأعلام، وتنافست في إنفاذ أمره ونهيه السيوف والأقلام. السلام عليك أيها المولى الذي قسم زمانه بين حكم فصل، وإمضاء نصل، وإحراز خصل، وعبادة قامت من اليقين على أصل. السلام عليك يا مقرر الصدقات الجارية، ومشبع البطون الجائعة وكاسي الظهور العارية، وقادح زناد العزائم الوارية، ومكتب الكتائب الغازية في سبيل الله تعالى والسرايا السارية. السلام عليك يا حجة الصبر والتسليم، وملتقى أمر الله تعالى بالخلق المرضي والقلب السليم، ومفوض الأمر في الشدائد إلى السميع العليم، ومعمل البنان الطاهر في اكتتاب الذكر الحكيم. كرم الله تعالى تربتك وقدسها، وطيب روحك الزكية وآنسها، فلقد كنت للدهر جمالاً، وللإسلام ثمالاً، وللمستجير مجيراً، وللمظلوم ولياً ونصيراً؛ لقد كنت للمحارب صدراً، وفي المواكب بدراً، وللمواهب بحراً، وعلى العباد والبلاد ظلاً ظليلاً وستراً؛ لقد فرعت أعلام عزك الثنايا، وأجزلت همتك لملوك الأرض الهدايا.
كأنك لم تعرض الجنود، ولم تنشر البنود، ولم تبسط العدل المحدود، ولم توجد الجود، ولم تزين الركع السجود، فتوسدت الثرى، وأطلت الكرى، وش ربت الكأس التي يشربها الورى، وأصبحت ضارع الخد، كليل الحد
стр. 3581
سالكاً سنن الأب والجد، لم تجد بعد انصرام أجلك، إلا صالح عملك، ولا أصبحت لقبرك، إلا رابح تجرك، وما أسلفت من رضاك وصبرك، فنسأل الله تعالى أن يؤنس اغترابك، ويجود بسحاب الرحمة ترابك، وينفعك بصدق اليقين، ويجعلك من الأئمة المتقين، ويعلي درجتك في عليين، ويجعلك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.
وليهنك أن صير الله تعالى ملكك من بعدك، إلى نير سعدك، وبارق رعدك، ومنجز وعدك، أرضى ولدك، وريحانة خلدك، وشقة نفسك، والسرحة المباركة من غرسك، ونور شمسك، وموصل عملك البر إلى رمسك، فقد ظهر عليه أثر دعواتك، في خلواتك وأعقاب صلواتك، فكلمتك والمنة لله تعالى باقية، وحسنتك إلى محل القبول راقية، يرعى بك الوسيلة، ويتمم مقاصدك الجميلة، أعانه الله تعالى ببركة رضاك على ما قلده، وعمر بتقواه يومه وغده، وأبعد في السعد أمده، وأطلق بالخير يده، وجعل الملائكة أنصاره والأقدار عدده.
وإنني أيها المولى الكريم، البر الرحيم، لما اشتراني، وراشني وبراني، وتعبدني بإحسانه، واستعمل في استخلاصي خط بنانه، ووصية لسانه، لم أجد مكافأة إلا التقرب إليك وإليه برثائك، وإغراء لساني بتخليد عليائك، وتعفير الوجنة في حرمك، والإشادة بعد الممات بمجدك وكرمك، ففتحت الباب في هذا الغرض، إلى القيام بحقك المفترض، الذي لولاه لاتصلت الغفلة عن ادائه وتمادت، فما يبست الألسن ولا كادت، متحيزاً بالسبق، إلى أداء هذا الحق، بادئاً بزيارة قبرك الذي هورحلة الغرب ما نويته من رحلة الشرق، وما أعرضت عنه فاقطعه أثر مواقع الاستحسان، وقد جمع بين الشكر والتنويه والإحسان، والله سبحانه يجعله عملاً مقبولاً، ويبلغ فيه من القبول مأمولاً، ويتغمد من ضاجعته من سلفك الكرام بالمغفرة الصيبة، والتحيات الطيبة، فنعم الملوك الكبار
стр. 3582
والخلفاء الأبرار، والأئمة الأخيار، الذين كرمت منهم السير وحسنت الأخبار، وسعد بعزماتهم الجهادية المؤمنون وشقي الكفار، وصلوات الله تعالى عوداً وبدءاً على الرسول الذي اصطفاه واختاره فهوالمصطفى المختار، وعلى آل وأصحابه الذين هم السادة الأبرار، وسلم تسليماً انتهى.
١٠٠ - وقال لسان الدين رحمه الله تعالى: ومما خاطبت به الوزير المتغلب على الملك بالمغرب ما نصه:
لا ترج إلا الله في شدة ... وثق به فهو الذي أيدك
حاشاك أن ترجو إلا الذي ... في ظلمة الحشاء قد أوجدك
فاشكره بالرحمة في خلقه ... ووجهك ابسط بالرضى أو يدك
والله لا تهمل ألطافه ... قلادة الحق الذي قلدك
ما أسعد الملك الذي سسته ... يا عمر العدل، وما أسعدك نخص الوزير الذي بهر سعده، وحمد في المضاء قصده، وعول على الشيم التي اقتضاها مجده، وأورثه إياها أبووجده، الوزير عمر الكذا ابن الشيخ الكذا، أبقاه الله تعالى ثابت القدم، خافق العلم، شهيراً حديث سعده في الأمم، مثلاً خبر بسالته وجلالته في العرب والعجم.
تحية معظم مجده الكبير، المستند إلى عهده الوثيق وحسبه الشهير، المسرور بما سناه الله تعالى له من نجح التدبير، والنصر العديم النظير، وإنجاده إياه عند إسلام النصير، وفراق القبيل والعشير، ابن الخطيب، واليد ممدودة إلى الله تعالى في صلة سعد الوزير - أبقاه الله تعالى - ودوام عصمته، واللسان يطنب ويسهب في شكر نعمته، والأمل متعلق بأسبابه الكريمة وأذمته، وقد كان شيعه مع الشفقة التي أذابت الفؤاد، وألزمت الأرق والسهاد، على علم بأن عناية الله تعالى عليه عاكفة، وديم آلائه لديه واكفة، فإن الذي أقدره وأيده
стр. 3583
ونصره، وأنفذت مشيئته ما دبره، كفيل بإمداده، وملي بإسعاده، ومرجولإصلاح دنياه ومعاده، وفي أثناء هذه الأراجيف استولى على معظم وزاراته الجزع، وتعاورته الأفكار تأخذ وتدع، فإني كما يعلم الوزير أعزه الله تعالى منقطع الأسباب، مستوحش من الجهة الأندلسية على بعد الجناب، ومستعدى علي بكوني من المعدودين فيمن له من الخلصان والأحباب، فشرعت في نظر احصل منه على زوال اللبس، وأمان النفس، في أثنائه، وتمهيد أساس بنائه، ورد البشير بما سناه الله تعالى لسيدي وجابر وكسري، ومنصفي بفضل الله تعالى من دهري، من الصنع الذي ظهر، وراق نوره وبهر، فأمنت وإن لم أكن ممن جنى، وحفتني المسرات بين فرادى وثنى، وانشرح بفضل الله تعالى صدري، وزارتني النعم والتهاني من حيث أدري ولا أدري، ووجهت الولد الذي شملته نعمة الوزير وإحسانه، وسبق إليه امتنانه، نائباً عني في تقبيل يده وشكر يده، والوقوف ببابه، والتمسك بأسبابه، آثرته بذلك لأمور: منها المزاولة فيما كان يلزمني من إخوته الأصاغر، وتدريبه على خدمة الجلال الباهر، وإفرادي له بالبركة، ولعائق ضعف عن الحركة، وبعد ذلك أشرع بضل الله تعالى في العمل على تجديد العهد بباب الوزارة العلية، عارضاً من ثنائها ما يكون وفق الأمنية، ورب عمل أغنى عنه فضل نية، والسلاك كريم على سيدي ورحمة الله تعالى وبركاته.
١٠١ - قال: وكتبت إليه أيضاً على أثر الفتح الذي تكيف له:
" سيدي الذي أسر بسعادته، وظهور عناية الله تعالى به في إبدائه وإعادته، وأعلم كرم مجادته، وأعترف بسيادته، الوزير الميمون الطائر، الجاري حديث سعده ومضائه مجرى المثل السائر، أبقاه الله تعالى عزيز الأنصار، جارية بيمن نقيبته حركة الفلك الدوار، معصوماً من المكاره بعصمة الواحد القهار؛
стр. 3584
معظم سيادته الرفيعة الجانب، وموقر وزارته الشهيرة المناسب، الداعي إلى الله تعالى بطول بقائه في عز واضح المذاهب، وصنع واكف السحائب، ابن الخطيب، عن الذي يعلم سيدي من لسان طلق بالثناء، ويدممدودة إلى الله تعالى بالدعاء، والتماس لما يعد من جزيل النعماء، والفتح الذي تفتح له أبواب السماء، وقد اتصل ما سناه الله تعالى له من النصر والظهور، والصنع البادي السفور، لما التقى الجمعان، وتهوديت اكواس الطعان، وتبين الشجاع من الجبان، وظهر من كرات سيدي وبسالته ما تحدث به ألسنة الركبان، حتى كانت الطائلة لحزبه، وظهرت عليه عناية ربه، فقلت: الحمد لله الذي جعل سعد عمادي متصل الآيات، واضح الغرر والشيات. وقد كنت بعثت أهنئه بما قدم من صنع جميل، وبلوغ تأميل، فقلت: اللهم أفد علينا التهاني تترى، واجعل الكبرى من نعمتك السالفة بنعمتك الرادفة الخالفة هي الصغرى، واجمع له بين نعم الدنيا والأخرى، والناس - أبقى الله تعالى سيدي - لهم مع الاستناد إليك جهات، وأمور مشتبهات، إلا المحب المتشيع فجهتك هي التي آنست الغربة، وفرجت الكربة، ووعدت بالخير، وضمنت عاقبة الضير، وأنا أرتقب ورود التعريف المولوي على عبيده بهذه المدينة واصل إن شاء الله تعالى لمباشرة الهناء، وقرة العين بمشاهدة الآلاء؛ والله يديم سعادة سيدي ويطيل بقاءه، ويرادف قبلة وآلاءه، بفضله انتهى.
١٠٢ - وقال: ومما خاطبت به المذكور وأنا ساكن بسلا:
أيا عمر العدل الذي مطل المدى ... يوعد الهدى حتى وفيت بدينه
ويا صارم الملك الذي يستعده ... لدفع عداه أولمجلس زينه
هنت عينك اليقظى من الله عصمة ... كفت وجه دين الله موقع شينه
وهل أنت إلا الملك والدين والدنا ... ولا يلبس الحق المبين بمينه
إذا نال منك العين ضر فإنما ... أصيب به الإسلام في عين عينه
стр. 3585
الوزير الذي هوللدين الوزر الواقي، والعلم السامي المراقب والمراقي، والحلي المقلد فوق الترائب والتراقي، والكنز المؤمل والذخر الباقي، حجب الله تعالى العيون عن عين كمالك، وصير الفلك الدوار مطية آمالك، وجعل اتفاق اليمن مقروناً بيمينك، وانتظام الشمل معقوداً بشمالك.
" اعلم أن مطلق لسان الثناء على مجدك، والمستضيء على البعد بنور سعدك، ومعقود الرجاء بعروة وعدك، لا يزال في كل ساعة يسحب الفلك فيه ذيلها، ويعاقب يومها وليلها، مصغي الأذن إلى نبإ يهدي عنك لله تعالى دفاعاً، أويمد في ميدان سعدك باعاً، وأنت اليوم النصير على الدهر الظلوم، وآسي الكلوم، وذوالمقام المعلوم، فتعرفت أن بعض ما يتلاعب به بين أيدي السادة الخدام، وتتفكه به المثاقفة والأفدام (١) ، من كرة مرسلة الشهاب، أونارنجة ظهر عليها من اسمها صبغة الالتهاب، حومت حول عينك لا كدر صفاؤها، ولا هدم فوق مهاد الدعة والأمن إغفاؤها، فرعت حول حماها، ورامت أن تصيب فخيب الله تعالى مرماها:
نرى السوء مما نتقي فنها به ... وما لا نرى مما يقي الله أكثر (٢) " فقلت: مكروه أخطأ سهمه، وتنبيه من الله تعالى لمن نبل عقله وفهمه، ودفاع قام دليله، وسعد أشرق جليله، وأيام أعربت عن إقبالها، وعصمة غطت بسربالها، وجوارح جعل الله تعالى الملائكة تحرسها، فلا تغتالها الحوادث ولا تفترسها، والفطن يشعر بالشيء وإن جهل أسبابه، والصوفي يسمع من الكون جوابه، فبادرت أهنئه تهنئة من يرى تلك الجوارح الكريمة أعز عليه من جوارحه، ويرسل طير الشكر له تعالى في مساقط اللطف الخفي ومسارحه،
стр. 3586
وسألته سبحانه أن يجعلك عن النوائب حجراً (١) لا يقرب، وربعك ربعاً لا يخرب، ما سبح الحوت ودب العقرب، ثم إنني شفعت الهناء ووترته، وأظهرت السرور فما سترته، بما سناه لتدبيرك من مسالمة تكذب الإرجاف، وتغني عن الإيجاف، وتخصب للإبل العجاف، وتريح من كيد، وتفرغ إلى مجادلة عمرووزيد، وكأني بسعدك قد سدل الأمان، وعدل الزمان، وأصلح الفاسد، ونفق الكاسد، وقهر الروع المستاسد، وسر الحبيب وساء الحاسد، والسلام انتهى.
١٠٣ - ومن إنشاء لسان الدين رحمه الله تعالى ما خاطب به الرئيس عامر ابن محمد بن علي الهنتاني معزياً له عن أخيه عبد العزيز:
أبا ثابت كن في الشدائد ثابتاً ... أعيذك أن يلفى حسودك شامتا
عزاؤك عن عبد العزيز هو الذي ... يليق بعز منك أعجز ناعتا
فدوحتك الغناء طالت ذوائباً ... وسرحتك الشماء طابت منابتا
لقد هد أركان الوجود مصابه ... وأنطق منه الشجو من كان صامتا
فمن نفس حر أوثق الحزن كظمها ... ومن نفس بالوجد أصبح خافتا
هو الموت للإنسان فصل لحده ... وكيف ترجي أن تصاحب مائتا
وللصبر أولى أن يكون رجوعنا ... إذا لم نكن بالحزن نرجع فائتا اتصل بي أيها الهمام، وبدر المجد الذي لا يفارقه التمام، ما جنته على عليائك الأيام، واقتنصه محلق الردى بعد أن طال الحيام، وما استأثر به الجمام، فلم يغن الدفاع ولا نفع الذمام، من وفاة صنوك الكريم الصفات، وهلاك وسطى الأسلاك، وبدر الأحلاك، ومجير الأملاك، وذهاب السمح الوهاب، وأنا لديغ صل الفراق، الذي لا يفيق بألف راق، وجريح سهم
стр. 3587
البين، ومجاري العيون الجارية بدمع العين، لفقد أنيس سهل علي مضض النكبة، ونحى ليث الخطب عن فريستي بعد صدق الوثبة، وآنسني في الاغتراب، وصحبني إلى منقطع التراب، وكفل أصاغري خير الكفالة، وعاملني من حسن العشرة بما سجل عقد الوكالة، انتزعه الدهر من يدي حيث لا أهل ولا وطن، والاغتراب قد ألقى بعطن، وذات اليد يعلم حالها من يعلم ما ظهر وما بطن، ورأيت من تطارح الأصاغر على شلوالغريب، النازح عن النسيب والقريب، ما حملني على أ، جعلت البيت له ضريحاً، ومدفناً صريحاً، لاخدع من يرى أنه لم يزل مقيماً لديه، وأن ظل شفقته منسحب عليه، فأعيا مصابي عند ذلك القرح، وأعظم الظمأ البرح، ونكأ القرح القرح، إذ كان ركناً قد بنته لي يد معرفتك، ومتصفاً في البر بي والرعي لصاغيتي بكريم صفتك، فوالهفا عليه من حسام، وعز سام، وأياد جسام، وشهرة بين بني حام وسام، أي جمال خلق، ووجه للقاصد طلق، وشيم تطمح للمعالي بحق، وأي عضد لك يا سيدي الأعلى لا يهن إذا سطا، ولا يقهقر إذا خطا، يوجب لك على تحليه بالشيبة، ما توجبه البنوة من الهيبة، ويرد ضيفك آمناً من الخيبة، ويسد ثغرك عند الغيبة، ذهبت إلى الجزع فرأيت مصابه أكبر، ودعوت بالصبر فولى وأدبر، واستنجدت الدمع فنضب، واستصرخت الرجاء فأنكر ما روى واقتضب، وبأي حزن يلقى عبد العزيز وقد جل فقده، اويطفأ لاعجه وقد عظم وقده، اللهم لوبكى بندى أياديه، أوبغمائم غواديه، أوبعباب واديه، وهي الأيام أي شامخ لم تهده، أوجديد لم تبله وإن طالت المدة فرقت بين التيجان والمفارق، والخدود والنمارق، والطلى والعقود، والكأس وابنة العنقود، فما التعلل بالفان، وإنما هي إغفاءة أجفان، والتشبث بالحبائل، وغنما هوظل زائل والصبر على المصائب، ووقوع سهمها الصائب، أولى ما اعتمد طلاباً، ورجع إليه طوعاً أوغلاباً، فأنا يا سيدي أقيم رسم التعزية، وإن بؤت بمضاعف المرزية، ولا عتب على القدر، في الورد من الأمر والصدر، ولولا أن هذا الواقع مما لا
стр. 3588
يجدي فيه الخلصان، ولا يغني فيه اليراع ولا الخرصان، لأبلى جهده من أقرضتموه معروفاً، وكان بالتشيع إلى تلك الهضبة معروفاً، لكنها سوق لا ينفق فيها إلا سلعة التسليم، للحكيم العليم، وطي الجوانح على المضض الأليم، ولعمري لقد خلدت لهذا الفقيد وإن طمس الحمام محاسنه الوضاحة، لما كبس منه الساحة، صحفاً منشرة، وثغوراً بالحمد موشرة، يفخر بها بنوه، ويستكثر بها مكتسبوالحمد ومقتنوه، وأنتم عماد البازة، وعلم المفازة، وقطب المدار، وعامر الدار، وأسد الأجمة، وبطل الكتيبة الملجمة، وكافل البيت، والستر على الحي والميت، ومثلك لا يهدي إلى نهج لاحب، ولا ترشده نار الحباحب، ولا ينبه على سنن نبي كريم أوصاحب، قدرك أعلى، وفضلك أجلى، وأنت صدر الزمان بلا مدافع، وخير معل لأعلام أفضل ورافع، وأنا وإن أخرت فرض بيعتك لما خصتني من المصاب، ونالني من الأوصاب، ونزل بي من جور الزمان الغصاب، ممن يقبل عذره الكرم، ويسعه الحرم المحترم، والله سبحانه الكفيل لسيدي وعمادي بقاء يكفل به الأبناء وأبناء الأبناء، ويعلي لقومه رتب العز سامية البناء، حتى لا يوحش مكان فقيد مع وجوده، ولا يحس بعض زمان مع جوده، ويقر عينه في ولده وولد ولده، ويجعل أيدي مناويه تحت يده، ولاسلام.
١٠٤ - وخاطبه لسان الدين أيضاً بما نصه:
سيدي الذي هورجل المغرب كله، والمجمع على طهارة بيته وزكاء أصله، علم أهل المجد والدين، وبقية كبار الموحدين.
بعد السلام الذي يجب لتلك اجلالة الراسخة القواعد، السامية المصاعد، والدعاء له أن يفتح لك في مضيقات هذه الأحوال مسالك التوفيق، ويمسكك من عصمته بالسبب الوثيق، أعرفك أن جبلك اليوم وقد عظم الرجفان، وفاض التنور وطغى الطوفان، تؤمل النفوس الغرقى جودي جوده، وتغتبط غاية
стр. 3589
الاغتباط بوجوده. ووالله لولا العلائق التي يجب لها الالتزام، ما وقع على غير قصدك الاعتزام، والله تعالى يمدك بإعانته على تحمل القصاد، ويبقي محلك رفيع العماد كثير الرماد، ويجعل أبا يحيى خلفاً منك بعد عمر النهاية البعيد الآماد، ويبقي كلمة التوحيد فيكم إلى يوم التناد. وحامله القائد الكذا معروف النباهة والجهاد، ومحله لا ينكر في الفؤاد، لما اشتبهت السبل، والتبس القول والعمل، لم يجد أنجى من الركون إلى جنابك، والتمسك بأسبابك، والانتظام في جملة خواصك وأحبابك، حتى ينبلج الصبح، ويظهر النجح، ويعظم المنح، ويكون بعد هجرته الفتح، ومثلكم من قصد وأمل، وأنضي إليه المطي وأعمل، وأما الذي عندي من القيام بحق تلك الذات الشريفة، والقول بمناقبها المنيفة، فهوشيء لا تفي به العبارة، ولا تؤديه الألفاظ المستعارة، والله تعالى المسؤول في صلة عوسيدي ودوام سعده، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى.
١٠٥ - وقال لسان الدين رحمه الله تعالى: ومما خاطبت به شيخ الدولة - وقد استقل من رمض - ما نصه:
لا أعدم الله دار الملك منك سناً ... يجلي به الحالكان الظلم والظلم
وأنشدتك الليالي وهي صادقة ... " المجد عوفي إذ عوفيت والكرم " (١) من علم - أعلى الله تعالى قدرك - أن المجد جواد حلاك شياته، لا بل الملك بدر أنت آياته، لا بل الإسلام جسم أنت حياته، دعا منك بالبقاء لمجد يروق بك جبينه، وملك تنيره وتزينه، ولدين تعامل الله تعالى بإعزازه وتدينه، فلقد ألمت نفوس المؤمنين لآلامك، ووجم الإسلام لتوقع إسلامك، وخفقت الأعلام لتأخر إطرافك بمصالح الملك وإعلامك، فإنما أنامل الدين والدنيا متشبثة بأذيال أيامك، ورحال الأمل مخيمة بين حلالك وخيامك،
стр. 3590
فإذا قابلت الأشراف نعم الله تعالى بشكر، ورمت الغفلة عن ذلك بنكر، فاشكره جل وعلا بملء لسانك وجنانك، واجر في ميدان حمده مطلقاً من عنانك، على ما طوقك من استرقاق حر، وإفاضة أياد غر، واقتناء عسجد من الحمد ودر، وإتاحة نفع ودفع ضر، وإدالة حلومن مر، وكن على ثقة من مدافعة الله تعالى عن حماك، وعز تبلغ ذوائبه السماك، ورزق يجره فأل منتماك، ودونك مجلس الإمامة فقد تدبيره بزمامك، وحظوة الخلافة فاستحقها بوسائلك القديمة وذمامك، ومحاسن الدولة فاجلها على منصة إمامك، ورسوم البر فأغر بها عين اهتمامك، وذروة المنبر فأمض بها ظبة حسامك، وأجن الآملين زهر الأيادي البيض من كمائم أكمامك، فيا عز دولة بك - يا جملة الكمال - قد استظهرت، وأذلت المعاند وقهرت، وبإعمال آرائك اشتهرت، فراقت فضائلها وبهرت: جوالة كما شق الجوجارح، ولطافة كما طارح نم التأليف مطارح، وفكر في الغيب سارح، ودين لغوامض الحلم والعدل شارح، ومكارم محت آثار الكرماء ونسخت، وحلت عقود أخبار الأجواد في الأعصار وفسخت، فلم تدع لفضل الفضل ذكراً، وتركت معروف يحيى بن خالد نكراً، لا بل لم يبق لكعب، من علوكعب، وأنست دعوة حاتم، بأي ماح وخاتم، قصاره شيء حوار، ومنع حوار، وعقر ناب، عند اقشعرار جناب، وأين يقع من كبر قدر ترفع عن الكبر، وجود خضب الأيدي بحناء التبر، وعز استخدم الأسل الطوال بيراع أقل من الشيبر، وحقن الدماء المراقة بإراقة نجيع الحبر، وفك العقال، ورفع النوب الثقال، وراع الذرة والمثقال، وعثر الزمان فأقال، ووجد لسان الصدق فقال.
أقسم ببارئ النسم، وهوأبر القسم، ما فازت بمثلك الدول، ولا ظفرت بمثلك الملوك الأواخر والأول، ولوتقدمت لم يضرب إلا بك المثل، ولم يقع إلا على سنتك وكتابك والإجماع المنعقد على آدابك العمل، والمملوك لما شام مالكه برق العافية، وتدرع بالألطاف الخافية، كتب مبشراً بالهناء، ومذيعاً
стр. 3591
ما يجب من الحمد والثناء، وشاكراً ما له بوجوده من الاعتناء، فقد بادر ركن الدين بالبناء، وأبقى الستر والمنة على الآباء والأبناء، فنسأل الله تعالى أن يمتع منك بأثير الملوك، ووسطى السلوك، وسلالة أرباب المقامات والسلوك، ويبقيك وحصة الصحة وافرة، وغرة العزة القعساء سافرة، وغادة عادة السعادة غير نافرة، وكتيبة الأمل في مقامك السعيد غانمة ظافرة، ما زحفت للصباح شهب المواكب، وتفتحت بشط نهر المجرة أزهار الكواكب، والسلام انتهى.
١٠٦ - ومن ذلك ما خاطب به سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق، جواباً عن كتابه، وقد استقر خطيب السلطان بتونس:
ولما أن نأت منكم ديار ... وحال البعد بينكم وبيني
بعثت لكم سواداً في بياض ... لأنظركم بشيء مثل عيني بم أفاتحك يا سيدي، وأجل عددي كيف أهدي سلاماً، فلا أحذر ملاماً أوأنتخب لك كلاماً، فلا أجد لتبعة التقصير في حقك الكبير إيلاماً إن قلت: تحية كسرى في الثناء وتبع، فكلمة في مرتع العجمة تربع، ولها المصيف فيه والمربع، والجميم والمنبع، فتروى متى شاءت وتشبع، وإن قلت: إذا العارض خطر، ومهما همى أو قطر، سلام الله يا مطر (١) ، فهوفي الشريعة بطر، وركبة خطر، ولا يرعى به وطن ولا يقضي به وطر، وإنما العرق الأوشج، ولا يستوي البان والبنفسج، والغوسج والعرفج:
سلام وتسليم وروح ورحمة ... عليك وممدود من الظل سجسج (٢)
стр. 3592
وما كان فضلك ليمنعني الكفران أن أشكره، ولا لينسيني الشيطان أن أذكره، فاتخذ في البحر سبباً (١) ، أوأسلك غير الوفاء مذهباً، تأبى ذلك - والمنة لله تعالى - طباع، لها في مجال الرعي باع، وتحقيق وإشباع، وسوائم من الإنصاف، ترعى في رياض الاعتراف، فلا يطرقها ارتياع، ولا تخيفها سباع، وكيف نجحد تلك الحقوق وهي شمس ظهيرة، وأذان عقيرة (٢) جهيرة، فوق مئذنة شهيرة، آدت الاكتاد لها ديون تستغرق الذمم، وتسترق حتى الذمم، فإن قضيت في الحياة فهي الخطة التي نرتضيها، ولا نقنع من عامل الدهر المساعد إلا أن ينفذ مراسمها ويمضيها، وإن قطع الأجل فالغني الحميد - من خزائنه التي لا تبيد - يقضيها، ويرضي من يقتضيها. وحيا الله تعالى أيها العلم السامي الجلال، زمناً بمعرفتك المبرة على الآمال، بر وأتحف، وإن أساء بفراقك وأجحف، وأعرى بعدما ألحف، وأظفر بالتيمة المذخورة للشدائد والمزاين (٣) ، ثم أوحش منها أصونة هذه الخزاين، فآب حنين الأمل بخفيه، وأصبح المغرب غريباً يقلب كفيه، ونستغفر الله تعالى من هذه الغفلات، ونستهديه دليلاً في مثل هذه الفلوات، وأي ذنب في الفراق للزمن، أولغراب الدمن، أوللرواحل المدلجة ما بين الشام إلى اليمن، وما منها إلاعبد مقهور، وفي رمة القدر مبهور، عقد والحمد لله مشهور، وحجة لها على النفس اللوامة ظهور، جعلنا الله تعالى ممن ذكر المسبب في الأسباب، وتذكر " وما يذكر إلا أولوالألباب " البقرة:٢٦٩، آل عمران:٧ قبل غلق الرهن وسد الباب، وبالجملة فالفراق ذاتي، ووعده مأتي، فإن لم يكن فكأن قد، ما أقرب اليوم من الغد، والمرء في الوجود غريب، وكل آت قريب، وما من مقام إلا لزيال، من غير احتيال، والأعمار مراحل والأيام أميال:
стр. 3593
نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال (١) جعل الله تعالى الأدب مع الحق شانا، وأبعد عنا الفراق الذي شاننا، وإني لأسر لسيدي بأن رعى اله تعالى صالح سلفه، وتداركه بالتلافي في تلفه، وخلص سعادته من كلفه، وأحله من الأمن في كنفه، وعلى قدرها تصاب العلياء، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء.
" هذا والخير والشر في هذه الدار، المؤسسة على الأكدار، ظلان مضمحلان، فقد ارتفع، ما ضر أونفع، وفارق المكان، فكأنه ما كان، ومن كلمات الملوك، البعيدة عن السلوك، إلا أن يشاء ملك الملوك (٢) :
خذ من زمانك ما تيسر ... وارتك بجهدك ما تعسر
ولرب مجمل حالة ... ترضى به ما لم يفسر
والدهر ليس بدائم ... لا بد أن سيسوء إن سر
واكتم حديثك جاهداً ... شمت المحدث أوتحسر
والناس آنية الزجا ... ج إذا عثرت به تكسر
لا تعدم التقوى فمن ... عدم التفقى في الناس أعسر
وإذا امرؤ خسر الإل ... هـ فليس خلق منه أخسر وإن لله تعالى في رعيك لسراً، ولطفاً مستمراً مستقراً، إذ ألقاك اليم إلى الساحل، فأخذ بيدك من ورطة الواحل، وحرك منك عزيمة الراحل، إلى الملك الحلاحل، فأدلك من إبراهيمك سمياً، وعرفك بعد الولي وسمياً، ونقلك من عناية إلى عناية، وهوالذي يقول وقوله الحق ﴿ما ننسخ من آية - الآية﴾ (البقرة: ١٠٦) .
стр. 3594
" وقد وصل كتاب سيدي يحمد - والحمد لله - العواقب، ويصف المراقي التي حلها والمراقب، وينشر المفاخر الحفصية والمناقب، ويذكر ما هيأه الله تعالى لديها من إقبال، ورخاء بال، خصيصي اشتمال، ونشوة آمال، وأنه اغتبط وارتبط، وألقى العصا بعدما خبط، ومثل تلك الخلافة العلية من تزن الذوات المخصوصة من الله تعالى بتشريف الأدوات بميزان تمييزها، وتفرق بين شبه المعادن وإبريزها، و " شبه الشيء " مثل معروف (١) ، ولقد أخطأ من قال: الناس ظروف، إنما هم شجرات ريع في بقعة ماحلة، وإبل مائة لا تجد فيها راحلة (٢) ، وما هوإلا اتفاق، ونجح للمسلك وإخفاق، وقلما كذب إجماع وإصفاق، والجليس الصالح لرب سياسة أمل مطلوب، وحظ إليه مجلوب، وإن سئل أطرف، وعمر الوقت ببضاعة أشرف، وسرق الطباع، ومد في الحسنات الباع، وسلى في الخطوب، وأضحك في اليوم القطوب، وهدى إلى أقوم الطرق، وأعان على نوائب الحق، وزرع له المودة في قلوب الخلق، زاد الله تعالى سيدي لديها قرباً أثيراً، وجعل فيه للجميع خيراً كثيراً، بفضله وكرمه.
ولعلمي بأنه - أبقاه الله تعالى - يقبل نصحي، ولا يرتاب في صدق صبحي، أغبطه بمثواه، وانشده ما حضر من البديهة في مسارة هداه ونجواه:
بمقام إبراهيم عذ واصرف به ... فكراً تؤرق عن بواعث تنبري
فجواره حرم وأنت حمامة ... ورقاء والأغصان هود المنبر
فلقد أمنت من الزمان وريبه ... وهو المروع للمسيء وللبري " وإن تشوف سيدي فلعمر وليه لوكان المطوب دنيا لوجب وقوع الاجتزاء،
стр. 3595
ولاغتبط بما تحصل في هذه الجزور، المبيعة في حانوت الزور، من السهام الوافرة الأجزاء، فالسلطان - رعاه الله تعالى - يوجب ما فوق مزية التعليم، والولد - هداهم الله تعالى - قد أخذوا بحظ قل أن ينالوه بغير هذا الإقليم، والخاصة والعامة تعامل بحسب ما بلته من نصح سليم، وترك لما بالأيدي وتسليم، وتدبير عاد على عدوها بالعذاب الأليم، إلا من أبدى السلامة وهومن إبطان الحسد بحال السليم، ولا ينكر ذلك في الحديث ولا في القديم، ولكن النفس منصرفة عن هذا الغرض، نافضة يدها من العرض، قد فوتت الحاصل، ووصلت في الله تعالى القاطع وقطعت الواصل، وصدقت لما نصح الفود الناصل، وتأهبت للقاء الحمام الواصل، وقلت:
انظر خضاب الشباب قد نصلا ... وزائر الأنس بعده انفصلا
ومطلبي والذي كلفت به ... حاولت تحصيله فما حصلا
لا أمل مسعف ولا عمل ... ونحن في ذا والموت قد وصلا والوقت إلى الإمداد منكم بالدعاء في الأصائل والأسحار، إلى مقيل العثار، شديد الافتقار، والله يصل لسيدي رعي جوانبه، ويتولى تيسير آماله من فضله العميم ومآرب، وأقرأ عليه من التحيات، المحملة من فوق رحال الأريحيات، أزكاها، ما أوجع البرق الغمائم فأبكاها، وحسد الروض جمال النجوم الزواهر فقاسها بمباسم الأزهار وحكاها، واضطبن (١) هرم الليل عند الميل عصا الجوزاء وتوكاها، ورحمة الله تعالى وبركاته انتهى.
١٠٧ - ومما خاطب به لسان الدين - رحمه الله تعالى - ابن مرزوق المذكور قوله:
стр. 3596
سيدي، وعمادي، كشف قناع النصيحة من وظائف صديق، أوخديم لصيق، وأنا بكلتا الجهتين حقيق، ويتلجلج في صدري كلام أنا إلى نفثه ذواحتياج، ولوفي سبيل هياج، وخرق سياج، وخوض دياج، وقد أصبحت سعادتي عن أصل سعادتك فرعاً، فوجب النصح طبعاً وشرعاً، فليعلم سيدي أن الجاه ورطة، والاستغراق في تيار الدول غلطة، وبمقدار العلو - إلا أن يقي الله تعالى - تكون السقطة، وأنه - والله تعالى يعصمه من الحوادث، ويقيه من الخطوب الكوارث - وإن تبعه الجم فهومفرد، وبسهام الحسدة مقصد، وأن الذي يقبل يده، يضمر حسده، وما من يوم إلا والعلل تستشري، والحيل تريش وتبري، وسموم المكايد تسري، والعين الساهرة تطرق العين النائمة من حيث تدري ولا تدري، وهذا الباب الكريم مخصوص بالزيادة والبركة، وخصوصاً في مثل هذه الحركة، فثم ظواهر تخالف السرائر، وحيل تصيب في الجوالطائر، وما عسى أن يتحفظ المحسود، وقد عوت الكلاب وزأرت الأسود، وإن ظن سيدي أن الخطة الدينية تذب عن نفسها، أوتنفع مع غير جنسها، فذلك قياس غير صحيح، وهبوب الريح، وإنما هي درجة فوق الوزارة والحجابة، ودهر يدعى فيبادر بالإجابة، وجاه يجر على القبيل الأذيال، ويفيد العز والمال، وبحر هال، وصدور تحمل الجبال، وإن قطع بالأمان، من جهة السلطان، لم يؤمن أن يقع فيه، والله سبحانه يقيه، ويمتع به ويبقيه، ما البشر بصدده، والحي يجري إلى أمده، فيستظهر الغير بقبيل، ويجري من التغلب على سبيل، ويبقى سيدي - والله تعالى يعصمه - طائراً بلا جناح، ومحارباً دون سلاح، ينادي من مكان يثق بوده في طلل، ويقرع سن النادم والأمر جلل، ومثله بين غير صنفه - ممن لا يتصف بظرف، ولا يلتفت إلى الإنسانية بطرف، ولا يعبد الله تعالى ولوعلى حرف - محمول عليه من حيث الصنفية، معتمد بالعداوة الخفية، وإن ظن غير هذا فهومخدوع مسحور، ومفتون مغرور، وبالفكر في الخلاص تفاضلت النفوس، واستدفع البوس، وله وجوه كلها متعذر
стр. 3597
الحصول، دونه بيض النصول، إلا ما كان من الغرض الذي بان فيه بعد الجد الفتور، وعدل عنه وقد أخذ الدستور، وتيسرت الأمور، وتقررت الإيمان والنذور، فإنه عرض قريب وسفر قاصد (١) ، ومسعى لا ينفق فيه سيدي من ماتله درهم واحد، ووطن لحركته راصد، لا يمنع عليه أهله، ولا يستصعب سهله، وأميره جبره الله تعالى يتطارح في تعيينكم لاقتضائه، وإحكام آرائه، وتأمين خائفه، واستقدام أصنافه وطوائفه، وتتحركون حركة العز والتنويه، والقدر النبيه، لا يعوزكم ممن وراءكم مطلب، ولا يلفى عن مخالفتكم مذهب، ولا يكدر لكم مشرب.
وتمر أيام وشهور، وتظهر بطون للدهر وظهور، وتفتح أبواب، وتسبب أسباب، من رجوع يتأتى بعد السكون والفتور، وقد سكنت الخواطر وتنوعت الأمور، أومقام تمهد به البلاد، ويعمل في ترتيب الصلة الحسنة الاجتهاد، وتستغرق في هذا الغرض الآماد، ويتأتى أن حدث وتراكم حادث الاستقلال والاستبداد، تتهنأ فيه الأعمار، ويكون لمن ينتقل به على الشرق والغرب الخيار، أوالتحكم في ذخيرة سما منها المقدار، وذهل عند مشاهدتها الاعتبار، وخزانة الكتب بجملتها وفيها الأمهات الكبار، قد تجافت عنها الحاجة وعدم إليها الاضطرار، والربع الذي يسوغ بالشرع والعقار، فهذا كله حاصل، وثم ضامن لا يتهم وكافل، وعهود صبغها غير ناصل.
وبالجملة فالوطن لأغراض الملك جامع، ولمقاصده من المقام أوالانتقال مطيع وسامع، وإن توقع إثارة فتنة، أوارتكاب إحنة، فالأمر أقرب، وحاله المتيسر أغرب، وهذه الحجة في تلمسان غير معتبرة، وأجوبتها مقررة، وقدوم رسول الطاغية وإعانته تحصل في الغالب، على هذه المطالب، وبالجملة فالدنيا
стр. 3598
قد اختلت، والأقدام قد زلت، والأموال قد قلت، وشبيبة الدهر ولت، وذلك القطر على علاته أحكم لمن يروم الجاه وامنع، وأجدى بكل اعتبار وأنفع، وقد حضرت لاستخلاصكم إياه الآلة التي لا تتأتى في كل زمان، وتهيأ إمكان أي إمكان، واقتضيت أيمان، وعرضت سلع تقل لها أثمان، وارتهنت الوفاء، ومروءات وأديان، وتحقق بذلك القطر الفساد الذي اشتهر به مأموره وأموره وأميره، والمنكر الذي يجب على كل مسلم تغييره، فإن شئت شرعاً فالحكم ظاهر، أوطبعاً فالطبع حاضر، وما ثم عاذل بل عاذر، والمؤونة التي تلزم أقل من أن تكون ثمن بعض الحصون، فضلاً عن الشجرة ذات الغصون، وما يستهلك في هذا الغرض شيء له خطر، ولا يستنقذ من الصحيفة سطر، واليد محكمة بكل أوشطر.
وما يخص المملوك من هذا الأمر إلا استنقاذ نشب، واستخلاص مؤمل بين موروث ومكتسب، وبعيد أ، لا ينعر له في زمن من الأزمان، فلا بد في كل وقت من أعيان، ومروءات وإحسان وأديان، والله سبحانه كل يوم هوفي شان، وأما خدمة دوله فهي علي حرام، لا ينجح لي فيها أن أعتمدها مرام، وكأني بالمشرق لاحق، ولأنفاسه الذكية ناشق، فما هي إلا أطماع، سرابها لماع، فإذا انقطعت، انفسحت الدنيا واتسعت، ومعاش في غمار، أوعكوف في كسر دار، لمداومة استقالة واستغفار، والله ما توهم أن من بتلك البلاد يستنسر بغاثه عليكم، أويحتقر ما لديكم، فقد ظهر الكائن، وتطابق المخبر والمعاين، فسبحان من يقوي الضعيف ويهين المخيف، ويجري يد المشروف والشريف، والهمم بيد الله تعالى ينجدها ويخذلها، والأرض في قبضته يرعاها ويهملها.
هذا بث لا يسع إفشاؤه، وسر إن لم يطوسقط به على السرحان شاؤه (١) ،
стр. 3599
وفيه ما ينكره الآمر، وتتعلق به الظنون وتعمل الخواطر، فتدبروه واعتبروه، وبعقلكم فاسبروه، ثم غطوه بالإحراق واستروه، والله تعالى يرشدكم للتي هي أسد، ويحملكم على ما فيه لكم العز السرمد، والفخر الذي لا ينفذ والسلام " (١) انتهى.
١٠٨ - وقال رحمه الله تعالى: ومما صدر عني ما أجبت به عن كتاب بعث به إلي الفقيه الكاتب عن سلطان تلمسان أبي عبد الله محمد بن يوسف القيسي الثغري:
" حيا تلمسان الحيا فربوعها ... صدف يجود بدره المكنون
ما شئت من فضل عميم إن سقى ... أروى ومن ليس بالمنون (٢)
أو شئت من دين إذا قدح الهدى ... أورى ودنيا لم تكن بالدون
ورد النسيم لها بنشر حديقة ... قد أزهرت أفنانها بفنون
وإذا حبيبة أم يحيى أنجبت ... فلها الشفوف على عيون العين ما هذا النشر، والصف والحشر، واللف والنشر، والفجر والليالي العشر، شذاً كما تنفست دارين، وسطور رقم حللها التزيين، وبيان قام على إبداعه البرهان المبين، ونقس، وشي به طرس، فجاء كأنه عيون العين، لا بل ما هذه الكتائب الكتيبة التي أطلعت علينا الأعنة، وأشرعت إلينا الأسنة، وراعت الإنس والجنة، فأقسم بالرحمن، لوأنها رفعت شعار الأمان، وحييت بتحية الإيمان، لراعت السرب، وعاقت الذود أن يرد الشرب، أظنها مدد الجهاد قدم، وشارد استعمل في سبيل الله واستخدم، والمتأخر على ما فاته ندم، والعزم وجد بعدما عدم، نستغفر الله، إنما هي رقاع الرفاع (٣) ،
стр. 3600
وصلات صلاة ليس فيها سبق ولا إرباع (١) ، وبقاع لها بطل الطباع الكريمة انتفاع، وألحان بيان يعضدها إيقاع، ودر منسوق، ورطب لنخلها بسوق، ولله در القائل: الملك سوق (٢) ، ومن نصير الشخ على كتيبة تعقبها كتيبة، واقتضاء وجبيبة نم ذي غلة غير نجيبة، بينا هويكابد من مراجعة الحي من حضر موت الموت، ولا يكاد يرجع الصوت، إذ صبحته قيس وهي التي شذت عن القياس، وأجحمت عن مبارزتها أسود الأخياس (٣) ، فلولا امتثال أمر، وصبر على جمر، لأعاد ما حكي في مبارزة الوصي عن عمرو (٤) ، فتحرج من الخطل، وبين عذر المكره عن مناجزة البطل، ألم يدر قائد رعيلها، وزائر غيلها، أني أمت بذمة من غميده لا تخفر، وأن ذنب إضافتي له لا يغفر، وحقه الحق الذي لا يجحد ولا يكفر:
لما رأت راية القيسي زاحفة ... إلي ريعت وقالت لي وما العمل
قلت الوغى ليس من رأيي ولا عملي ... لا ناقة لي في هذا ولا حمل
قد كان ذاك ورنات الصهيل ضحى ... تهز عطفي كأني شارب ثمل
والآن قد صوح المرعى وقوضت ال ... خيمات والركب بعد اللبث محتمل
قالت ألست شهاب الدين تضرمها ... حاشا العلا أن يقال: استنوق الجمل
وإن أحسن من هذا وذا وزر ... بمثله في الدواهي يبلغ الأمل
هو الحمى لأبي حمواستجره ففي ... هـ الأمن منسدل والفضل مكتمل
والله لوأهمل الراعي النقاد به ... ما خاف من أسد خفان به همل (٥)
стр. 3601
تكون من قوم موسى إن قضوا عدلوا ... وإن تقاعد دهر جائر حملوا
هم الجبال الرواسي كلما حلموا ... هم البحار الطوامي كلما حملوا
فقلت: كان لك الرحمن بعدي ما ... سواه معتمد والرأي معتمل
فها أنا تحت ظل منه يلحفني ... والشمل مني بستر العز يشتمل
فقل لقيس لقد خاب القياس فلا ... تذكروا المصاع وتحت الليل فاحتملوا
دامت له ديم النعمى مساجلة ... بمناه، تنهمل اليمنى فتنهمل
وآمنت شمس علياه الأفول إلى ... طي الوجود فلا شمس ولا حمل ولوخوى - والعوذ بالله - نجم هذا المتات، ولم يتصف السيب - وحاشاه - بالاتصال ولا بالانبتات (١) ، فمرعى العدل مكفول، وسبب الرفق موصول، وإن اشتجرت نصول، والهرم تأبى الأبطال التنزل إلى نزاله، والناسك التائب يدين ضرب الغارات باعتزاله، إلا من أعرق في مذهب الخارجي الأخرق، نافع بن الأزرق، وحسبي، وقد ساء كسبي، أن أترك الخطر لراكبه وأخلي الطريق لمن يبني المنار به، ونسير بسير أمثالي من الضعفاء، ونكف فهوزمان الانكفاء، ونسلم مخطولة هذا الفن إلى الأكفاء، ونقول: بالبنين والرفاء، فقد ذهب المذهب، وتبين المذهب، وشاخ البازي الأشهب، وعتاد العمر ينهب، ومرهب الفوت من فوق الفود يرهب، اللهم ألهم هذه الأنفس رشدها، وأذكرها السكرات وما بعدها.
إيه أخي والفضل رصفك ونعتك، والزيف يبهرجه بحتك، وسهام اليراعة انفرد بها بريك ونحتك، وصلتني رسالتك البرة، بل غمامتك الثرة، وحيتني ثغور فضلك المفترة، فعظمت بورودها المسرة، جددت العهد بمحبوب لقائك، وأنهلت ظامي الاستطلاع في سقائك، واقتضت تجديد الدعاء ببقائك، إلا أنها ربما ذهلت عند وداعك، وأبهر عقلها نور إبداعك،
стр. 3602
فلم تلقن الوصية، وسلكت المسالك القصية، وأبعدت من التطوف، وجاءت تبتغي من أسرار التصوف، ومتى تقرن هيبة السبع الشداد، بحانوت الحداد، أوتنظر أحكام الاعتكاف، بدكان الإسكاف، أويتعلم طبع المثقال، بحانوت البقال والظن الغالب - وقد تلتبس المطالب - أنكم أمرتموها، لما أصدرتموها، بإعمال التشوف، فطردت حكم الإبدال، غائبة عما يلزم من الجدال، وسمت الشين صاداً، وعينت لزرع الوصية حصاداً، والله تعالى يجعل المحب عند ظن من نظر بمرآته، أووصفه ببعض صفاته، وهي تزلق عن صفاته، فالتصوف أشرف، وظلاله أورف، من أن يناله كلف بباطل، ومغرور بسراب ماطل، لا برباب هاطل، ومفتون بحال حال أوعاطل، ومن قال ولم يتصف بمقاله، فعقله لم يرم عن عقاله، وجبال أثقاله، مانعة له عن انتقاله.
وعلى ذلك، وبعد تقرير هذه المسالك، فقد عمرت يدها كيلا تعود بها صفراً بعد إعمال السفر، أوترى أنها قد طولبت بذنب الغلط المغتفر، وأصبحت المراجعة بمجلس وعظ فتحت به باب الحرج، إلى إنكار الإمام أبي الفرج (١) ، وفن الوعظ لما سأل الأخ هوالصديق المسعد، والمبرق قبل غمام رحته والمرعد، ولله در القائل: لست به وولم تبعد، والاعتراض بعد ملازم، لكن الإسعاف لقصده لازم، وعامله عند الاعتلال بالعذر جازم، وإغضاؤه ملتمس، وفضله لا يخبومنه قبس، وعذراً أيها الفاضل، وبعد الاعتذار، عن القلم المهذار، وإغفال الحذار، اقرأ عليهم من طيب السلام، ما يخجل أزهار الكمام عقب الغمام، ورحمة الله تعالى من ممليه على الكاتب، ولعلها تفتأ من عتب لالعاتب، ابن الخطيب: فإني كتبته والليل دامس، وبحر
стр. 3603
الظلام طامس، وعادة الكسل طبع خامس، والنافخ بشكوى البرد هامس، والذبال المنادم خافت، لا يهتدي إليه الفراش المتهافت، يقوم ويقعد، ويفيق ثم يرعد، ويزفر ثم يخمد، وربما صار ورقة آس، أومبضع أس، وربما أشبه العاشق في البوح بما يخفيه، وظهوره من فيه، فتميله الآمال وتلويه، وتميته النواسم الهفافة بعدما تحييه، والمطر، قد تعذر معه الوطر، وساقه الخطر، وفعل في البيوت المتداعية ما لا يفعل الترك والططر، والنشاط، قد طوي منه البساط، والجوارح بالكلال تعتذر، ووظائف الغد تنتظر، والفكر في الأمور السلطانية جائل، وهي بحر هائل، ومثلي مقنوع منه باليسير، ومعذور في قصر الباع وضعف المسير، والسلام انتهى.
وهي من البلاغة في الذروة.
١٠٩ - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى قوله: ومما صدر عني في السياسة: حدث من امتاز باعتبار الأخبار، وحاز درجة الاشتهار، بنقل حوادث الليل والنهار، وولج بين الكمائم والأزهار، وتلطف لخجل الورد من تبسم البهار، قال: سهر الرشيد ليله، وقد مال في هجر النبيذ ميله، وجهد ندماؤه في جلب راحته، وإلمام النوم بساحته، فشحت عهادهم، ولم يغن اجتهادهم، فقال: اذهبوا إلى طرق سماها ورسمها، وأمهات قسمها، فمن عثرتم عليه من طارق ليل، أوغثاء سيل، أوساحب ذيل، فبلغوه، والامنة سوغوه، واسدعوه، ولا تدعوه، فطاروا عجالى، وتفرقوا ركباناً ورجالاً، فلم يكن إلا ارتداد طرف، أوفواق حرف (١) ، وأتوا بالغنيمة التي اكتسحوها، والبضاعة التي ربحوها، يتوسطهم الأشعث الأغبر، واللج الذي لا يعبر: شيخ طويل القامة، ظاهر الاستقامة، سبلته مشمطة،
стр. 3604
وعلى أنفه من القبع (١) مطة، وعليه ثوب مرقوع، لطير الحرق عليه وقوع، يهينم بذكر مسموع، وينبئ عن وقت مجموع، فلما مثل سلم، وما نبس بعدها ولا تكلم، فأشار إليه الملك فقعد، بعد أ، انشمر وابتعد، وجلس، فما استرق النظر ولا اختلس، إنما حركة فكره، معقودة بزمام ذكره، ولحظات اعتباره، في تفاصيل أخباره، فابتدره الرشيد سائلاً، وانحرف إليه مائلاً، وقال: ممن الرجل فقال: فارسي الأصل، أعجمي الجنس عربي الفصل، قال: بلدك واهلك وولدك قال: أما الولد فولد الديوان، وأما البلد فمدينة الإيوان، قال: النحلة، وما أعملت إليه الرحلة قال: أما الرحلة فالاعتبار، وأما النحلة فالأمر الكبار، قال: فنك، الذي اشتمل عليه دنك فقال: الحكمة فني الذي جعلته أثيراً، واضجعت فيه فراشاً وثيراً، وسبحان الذي يقول " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً " البقرة:٢٦٩، وما سوى ذلك فتبع، ولي فيه مصطاف ومرتبع، قال: فتعاضد جذل الرشيد وتوفر، كأنما أغشى وجهه قطعة من الصبح إذا أسفر، وقال: وما رأيت كالليلة أجمع لأمل شارد، وأنعم بمؤانسة وارد، يا هذا إني سائلك، ولن تخيب بعد وسائلك، فاخبرني ما عندك في هذا الأمر الذي بلينا بحمل أعبائه، ومنينا بمراوضة إبائه، فقال: هذا الأمر قلادة ثقيلة، ومن خطة العجز مستقيلة، ومفتقرة لسعة الذرع، وربط السياسة المدنية بالشرع، يفسده الحكم في غير محله، ويكون ذريعة إلى حله، ويصلحه مقابلة الشكل بشكله، ومن لم يكن سبعاً آكلاً تداعت سباع إلى أكله.
فقال الملك: أجملت ففصل، وبريت فنصل، وكلت فأوصل، وانثر الحب لمن يحوصل، واقسم السياسة فنوناً، واجعل لكل لقب قانوناً، وابدأ بالرعية، وشروطها المرعية.
стр. 3605
فقال: رعيتك ودائع الله تعالى قبلك، ومرآة العدل الذي عليه جبلك، ولا تصل إلى ضبطها إلا بإعانة الله تعالى التي وهب لك، وأفضل ما استدعيت به عونه فيهم، وكفايته التي تكفيهم، تقويم نفسك عند قصر تقويمهم، ورضاك بالسهر لتنويمهم، وحراسة كهلهم ورضيعهم، والترفع عن تضييعهم، وأخذ كل طبقة بما عليها وما لها، أخذاً يحوط مالها، ويحفظ عليها كمالها، ويقصر عن غير الواجبات آمالها، حتى تستشعر عليتها رأفتك وحنانك، وتعرف أوساطها في النصب امتنانك، وتحذر سفلتها سنانك، وحظر على كل طبقة منها أن تتعدى طورها، أوتخالف دورها، أوتجاوز بأمر طاعتك فورها، وسد فيها سبل الذريعة، وأقصر جميعها عن خدمة الملك بموجب الشريعة، وامنع أغنياءها من البطر والبطالة، والنظر في شبهات الدين بالتمشدق والإطالة، وليقل فيما شجر بين الناس كلامها، ويرفض منا تنبر به أعلامها، فإن ذلك يسقط الحقوق، ويرتب العقوق، وامنعهم من فحش الحرص والشره، وتعاهدهم بالمواعظ التي تجلوالبصائر من المره، واحملهم من الاجتهاد في العمارة على أحسن المذاهب، وانههم عن التحاسد على المواهب، ورضهم على الإنفاق بقدر الحال، والتعزي عن الفائت فرده من المحال، وحذر البخل على أهل اليسار، والسخاء على أولي الإعسار، وخذهم من الشريعة بالواضح الظاهر، وامنعهم من تأويلها منع القاهر، ولا تطلق لهم التجمع على نم أنكروا أمره في نواديهم، وكف عنهم أكف تعديهم، ولا تبح لهم تغيير ما كرهوه بأيديهم، ولتكن غايتهم، فيما توجهت إليه إبايتهم، ونكصت عن الموافقة عليه رايتهم، إنهاءه إلى من وكلته بمصالحهم من ثقاتك، المحافظين على أوقاتك، وقدم منهم من أمنت عليهم مكره، وحمدت على الإنصاف شكره، ومن كثر حياؤه من التأنيب، وقابل الهفوة باستتابة المنيب، ومن لا يتخطى عندك محله الذي حله، فربما عمد إلى المبرم فحله، وحسن النية لهم
стр. 3606
بجهد الاستطاعة، واغتفر المكاره في جنب حسن الطاعة، وإن ثار جرادهم، واختلف في طاعتك مرادهم، فتحصن لثورتهم، واثبت لفورتهم، فإذا سألوا وسلوا، وتفرقوا وانسلوا، فاحتقر كثرتهم، ولا تقل عثرتهم، واجعلهم لما بين أيديهم وما خلفهم نكالاً، ولا تترك لهم على حلمك اتكالاً.
ثم قال: والوزير الصالح أفضل عددك، وأوصل مددك، فهوالذي يصونك عن الابتذال، ومباشرة الأنذال، ويثب لك على الفرصة، وينوب في تجرع الغصة، واستجلاء القصة، ويستحضر ما نسيته من أمورك، ويغلب فيه الرأي بموافقة مأمورك، ولا يسعه ما تمكنك المسامحة فيه، حتى يستوفيه، واحذر مصادمة تياره، والتجوز في اختياره، وقدم استخارة الله تعالى في إيثاره، وأرسل عيون الملاحظة على آثاره، وليكن معروفاً بالإخلاص لدولتك، معقود الرضى والغضب برضاك وصولتك، زاهداً عما في يديك، مؤثراً لكل ما يزلف لديك، بعيد الهمة، راعياً للأذمة، كامل الآلة، محيطاً بالإيالة، رحيب الصدر، رفيع القدر، معروف البيت، نبيه الحي والميت، مؤثراً لعدل والإصلاح، درياً بحمل السلاح، ذا خبرة بدخل المملكة وخرجها، وظهرها وسرجها، صحيح العقد، متحرزاً من النقد، جاداً عند لهوك، متيقظاً في حال سهوك، يلين عند غضبك، ويصل الإسهاب بمقتضبك، قلقاً من شكره دونك وحمده، ناسباً لك الإصابة بعمده، وإن أعيا عليك وجود اكثر هذه الخلال، وسبق إلى نقضها شيء من الاختلال، فاطلب منه سكون النفس وهدوئها، وأ، لا يرى منك رتبة إلا رأى قدره دونها، وتقوى الله تعالى تفضل شرف الانتساب، وهي للفضائل فذلكة الحساب، وساوفي حفظ غيبه بين قربه ونأيه، واجعل حظه من نعمتك موازياً لحظك من حسن رأيه، واجتنب منهم من يرى في نفسه إلى الملك سبيلاً، أويقود من عيصه للاستظهار عليك قبيلاً، أومن كاثر ماله، أومن تقدم لعدوك استعماله، أومن سمت لسواك آماله، أومن يعظم عليه إعراض وجهك، ويهمه نادر نجهك
стр. 3607
أومن يداخل غير احبابك، أومن ينافس أحداً ببابك.
وأما الجند فاصرف التقديم منهم للمقاتلة، والمكايدة والمخاتلة، واستوف عليهم شرائط الخدمة، وخذهم بالثبات للصدمة، ووف ما أوجبت لهم من الجراية والنعمة، وتعاهدهم عند الغناء بالعلفة والطعمة، ولا تكرم منهم إلا من أكرمه غناؤه، وطاب في الذب عن ظنك ثناؤه، وول عليهم النبهاء من خيارهم، واجتهد في صرفهم عن الافتتان بأهليهم وديارهم، ولا توطئهم الدعة مهاداً، وقدمهم على حصصك وبعوثك مهما أردت جهاداً، ولا تلين لهم في الإغماض عن حسن طاعتك قياداً، وعودهم حسن المواساة بأنفسهم اعتياداً، ولا تسمح لأحد منهم في إغفال شيء من سلاح استظهاره، أوعدة اشتهاره، وليكن ما فضل من شبعهم وريهم، مصروفاً إلى سلاحهم وزيهم، والتزيد في مراكبهم وغلمانهم، من غير اعتبار لأثمانهم، وامنعهم من المستغلات والمتاجر، وما تكسب به غير المشاجر، وليكن من الغوار اكتسابهم، وعلى المغانم حسابهم، كالجوارح التي تفسد باعتيادها، أن تطعم من غير اصطيادها.
واعلم أنها لا تبذل نفوسها من عالم الإنسان، إلا لمن يملك قلوبها بالإحسان وفضل اللسان، ويملك حركاتها بالتقويم، ورتبها بالميزان القويم، ومن تثق بإشفاقه على أولادها، ويشتري رضى الله تعالى بصبره على طاعته وجلادها، فإذا استشعرت لها هذه الخلال تقدمتك إلى مواقف التلف، مطيعة دواعي الكلف، واثقة منك بحسن الخلف، واستبق إلى تمييزهم استباقاً، وطبقهم طباقاً، أعلاها من تأملت منه في المحاربة عنك أخطاراً، وأبعدهم في مرضاتك مطاراً، وأضبطهم لما تحت يده من رجالك حزماً ووقاراً، واستهانة بالعظائم واحتقاراً، وأحسنهم لمن تقلده أمرك من الرعية جواراً، إذا أجدت اختباراً، وأشدهم على مماطلة من مارسه من الخوارج عليك اصطبارً، ومن بلا في الذي عن لك إحلاء وإمراراً، ولحقه الضر في معارض الدفاع
стр. 3608
عنك مراراً، وبعده من كانت محبته لك أزيد من نجدته، وموقع رأيه أنفع من موقع صعدته، وبعدهما من حسن انقياده لأمرائك، وإحماده لآرائك، ومن جعل نفسه من الأمر حيث جعله، وكان صبره على ما عراه اكثر من اعتداده بما فعله، واحذر منهم من كان عند نفسه أكبر من موقعه في الانتفاع، ولم يستحي من التزيد بأضعاف ما بذله من الدفاع، وشكا البخس فيما تعذر عليه من فوائدك، وقاس بين عوائد عدوك وعوائدك، وتوعد بانتقاله عنك وارتحاله، وأظهر الكراهية لحاله.
وأما العمال فإنهم ينبئون عن مذهبك، وحالهم في الغالب شديدة الشبه بك، فعرفهم في أمانتك السعادة، وألزمهم في رعيتك العادة، وأنزلهم من كرامتك بحسب منازلهم في الاتصاف، بالعدل والإنصاف، وأحلهم من الحفاية، بنسبة مراتبهم من الامانة والكفاية، وقفهم عند تقليد الأرجاء، مواقف الخوف والرجاء، وقرر في نفوسهم أن أعظم ما به إليك تقربوا، وفيه تدربوا، وفي سبيله أعجموا وأعربوا، إقامة حق ودحض باطل، حتى لا يشكوغريم مطل ماطل، وهوآثر لديك من كل رباب هاطل، وكفهم من الرزق الموافق، عن التصدي لدنئ المرافق، واصطنع منهم من تيسرت كلفته، وقويت للرعايا ألفته، ومن زاد على تأميله صبره، وأربى على خبره خبره، وكانت رغبته في حسن الذكر، تشف على بنات الفكحر، واجتنب منهم من يغلب عليه التخرق في الإنفاق، وعدم الإشفاق، والتنافس في الاكتساب، وسهل عليه سوء الحساب، وكانت ريعته المصانعة بالنفاية، دون التقصي والكفاية، ومن كان منشؤه خاملاً، ولأعباء الدناءة حاملاً، وابغ من يكون الاعتذار في أعماله، أوضح من الاعتذار في أقواله، ولا يفتننك ممن قلدته اجتلاب الحظ المقناع، والتنفق بالسعي المسمع، ومخالفة السنن المرعية، واتباعه رضاك بسخط الرعية، فإنه قد غشك، من حيث بلك ورشك، وجعل من يمينك
стр. 3609
في شمالك، حاضر مالك، ولا تضمن عاملاً مال عمله، وحل بينه فيه وبين أمله، فإنك تميت رسومك بمحياه، وتخرجه من خدمتك فيه إلا أن تملكه إياه، ولا تجمع له بين الأعمال فيسقط استظهارك ببلد على بلد، والاحتجاج على والد بولد، واحرص على أ، يكون في الولاية غريباً، ومنتقله منك قريباً، ورهينة لا يزال معها مريباً، ولا تقبل مصالحته على شيء أختانه، ولوبرغيبة فتانه، فتقبل المصانعة في أمانتك، وتكون مشاركاً له في خيانتك، ولا تطل مدة العمل، وتعاهد كشف الأمور ممن يرعى الهمل، ويبلغ الأمل.
وأما الولد فأحسن آدابهم، واجعل الخير دابهم، وخف عليهم من إشفاقك وحنانك، اكثر من غلظة جنانك، واكتم عنهم ميلك، وأفض فيهم جودك ونيلك، ولا تستغرق بالكلف بهم يومك ولا ليلك، وأثبهم على حسن الجواب، وسبق لهم خوف الجزاء على رجاء الثواب، وعلمهم الصبر على الضرائر، والمهلة عند استخفاف الجرائر، وخذهم بحسن السرائر، وحبب إليهم مراس الأمور الصعبة المراس، وحسن الاصطناع والاحتراس، والاستكثار من أولي المراتب والعلوم، والسياسات والحلوم، والمقام المعلوم، وكره إليهم مجالسة الملهين، ومصاحبة الساهين، وجاهد أهواءهم عن عقولهم، وحذر الكذب على مقولهم، ورشحهم إذا آنست منهم راشداً أوهدياً، وأرضعهم من الموازرة والمشاورة ثدياً، لتمرنهم على الاعتياد، وتحملهم على الازدياد، ورضهم رياضة الجياد، واحذر عليهم الشهوات فهي داؤهم، وأعداؤك في الحقيقة وأعداؤهم، وتدارك الخلق الذميمة كلما نجمت، واقدعها إذا هجمت، قبل أن يظهر تضعيفها، ويقوى ضعيفها، فإن أعجزتك في الصغر الحيل، عظم الميل:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب وإذا قدروا على التدبير، وتشوفوا للمحل الكبير، إياك أن توطنهم في
стр. 3610
مكانك، جهد إمكانك، وفرقهم في بلدانك، تفريق عبدانك، واستعملهم في بعوث جهادك، والنيابة عنك في سبيل اجتهادك، فإن حضرتك تشغلهم بالتحاسد، والتباري والتفاسد، وانظر إليهم بأعين الثقات فإن عين الثقة، تبصر ما لا تبصر عين المحبة والمقة.
وأما الخدم فإنهم بمنزلة الجوارح التي تفرق بها وتجمع، وتبصر وتسمع، فرضهم بالصدق والأمانة، وصنهم صون الجمانة، وخذهم بحسن الانقياد إلى ما آثرته، والتقليل مما استكثرته، واحذر منهم من قويت شهواته، وضاقت عن هواه لهواته، فغن الشهوات تنازعك في اتسرقاقه، وتشاركك في استحقاقه، وخيرهم من ذلك منه بلطف الحيلة، وآداب للفساد محيلة، وأشرب قلوبهم أن الحق في كل ما حاولته واستنزلته، وأن الباطل في كل ما جانبته واعتزلته، وأ، من تصفح منهم أمورك فقد أذنب، وباين الأدب وتجنب، وأعط من أكددته، واضقت منه ملكه وشددته، روحة يشتغل فيها بما يعينه، على حسب صعوبة ما يعانيه، تغبطهم فيها بمسارحهم، وتجم كليلة جوارحهم، ولتكن عطاياك فيهم بالمقدار الذي لا يبطر أعلامهم، ولا يؤسف الأصاغر فيفسد أحلامهم، ولا ترم محسنهم بالغاية من إحسانك، واترك لمزيدهم فضلة من رفدك ولسانك، وحذر عليهم مخالفتك ولوفي صلاحك، بحد سلاحك، وامنعهم من التواثب والتشاجر، ولا تحمد لهم شيم التقاطع والتهاجر، واستخلص منهم لسرك من قلت في الإفشاء ذنوبه، وكان أصبر على ما ينوبه، ولودائعك من كانت رغبته في وظيفة لسانك، اكثر من رغبته في إحسانك، وضبطه لما تقلد من وديعتك، أحب إليه من حسن صنيعتك، وللسفارة عنك من حلا الصدق في فمه، وآثره ولوباختطار دمه، واستوفى لك وعليك فهم ما تحمله، وعني بلفظه حتى لا يهمله، ولمن تودعه أعداء دولتك من كان مقصور الأمل، قليل القول صادق العمل، ومن كانت