بجهد الاستطاعة، واغتفر المكاره في جنب حسن الطاعة، وإن ثار جرادهم، واختلف في طاعتك مرادهم، فتحصن لثورتهم، واثبت لفورتهم، فإذا سألوا وسلوا، وتفرقوا وانسلوا، فاحتقر كثرتهم، ولا تقل عثرتهم، واجعلهم لما بين أيديهم وما خلفهم نكالاً، ولا تترك لهم على حلمك اتكالاً.
ثم قال: والوزير الصالح أفضل عددك، وأوصل مددك، فهوالذي يصونك عن الابتذال، ومباشرة الأنذال، ويثب لك على الفرصة، وينوب في تجرع الغصة، واستجلاء القصة، ويستحضر ما نسيته من أمورك، ويغلب فيه الرأي بموافقة مأمورك، ولا يسعه ما تمكنك المسامحة فيه، حتى يستوفيه، واحذر مصادمة تياره، والتجوز في اختياره، وقدم استخارة الله تعالى في إيثاره، وأرسل عيون الملاحظة على آثاره، وليكن معروفاً بالإخلاص لدولتك، معقود الرضى والغضب برضاك وصولتك، زاهداً عما في يديك، مؤثراً لكل ما يزلف لديك، بعيد الهمة، راعياً للأذمة، كامل الآلة، محيطاً بالإيالة، رحيب الصدر، رفيع القدر، معروف البيت، نبيه الحي والميت، مؤثراً لعدل والإصلاح، درياً بحمل السلاح، ذا خبرة بدخل المملكة وخرجها، وظهرها وسرجها، صحيح العقد، متحرزاً من النقد، جاداً عند لهوك، متيقظاً في حال سهوك، يلين عند غضبك، ويصل الإسهاب بمقتضبك، قلقاً من شكره دونك وحمده، ناسباً لك الإصابة بعمده، وإن أعيا عليك وجود اكثر هذه الخلال، وسبق إلى نقضها شيء من الاختلال، فاطلب منه سكون النفس وهدوئها، وأ، لا يرى منك رتبة إلا رأى قدره دونها، وتقوى الله تعالى تفضل شرف الانتساب، وهي للفضائل فذلكة الحساب، وساوفي حفظ غيبه بين قربه ونأيه، واجعل حظه من نعمتك موازياً لحظك من حسن رأيه، واجتنب منهم من يرى في نفسه إلى الملك سبيلاً، أويقود من عيصه للاستظهار عليك قبيلاً، أومن كاثر ماله، أومن تقدم لعدوك استعماله، أومن سمت لسواك آماله، أومن يعظم عليه إعراض وجهك، ويهمه نادر نجهك
стр. 3607
أومن يداخل غير احبابك، أومن ينافس أحداً ببابك.
وأما الجند فاصرف التقديم منهم للمقاتلة، والمكايدة والمخاتلة، واستوف عليهم شرائط الخدمة، وخذهم بالثبات للصدمة، ووف ما أوجبت لهم من الجراية والنعمة، وتعاهدهم عند الغناء بالعلفة والطعمة، ولا تكرم منهم إلا من أكرمه غناؤه، وطاب في الذب عن ظنك ثناؤه، وول عليهم النبهاء من خيارهم، واجتهد في صرفهم عن الافتتان بأهليهم وديارهم، ولا توطئهم الدعة مهاداً، وقدمهم على حصصك وبعوثك مهما أردت جهاداً، ولا تلين لهم في الإغماض عن حسن طاعتك قياداً، وعودهم حسن المواساة بأنفسهم اعتياداً، ولا تسمح لأحد منهم في إغفال شيء من سلاح استظهاره، أوعدة اشتهاره، وليكن ما فضل من شبعهم وريهم، مصروفاً إلى سلاحهم وزيهم، والتزيد في مراكبهم وغلمانهم، من غير اعتبار لأثمانهم، وامنعهم من المستغلات والمتاجر، وما تكسب به غير المشاجر، وليكن من الغوار اكتسابهم، وعلى المغانم حسابهم، كالجوارح التي تفسد باعتيادها، أن تطعم من غير اصطيادها.
واعلم أنها لا تبذل نفوسها من عالم الإنسان، إلا لمن يملك قلوبها بالإحسان وفضل اللسان، ويملك حركاتها بالتقويم، ورتبها بالميزان القويم، ومن تثق بإشفاقه على أولادها، ويشتري رضى الله تعالى بصبره على طاعته وجلادها، فإذا استشعرت لها هذه الخلال تقدمتك إلى مواقف التلف، مطيعة دواعي الكلف، واثقة منك بحسن الخلف، واستبق إلى تمييزهم استباقاً، وطبقهم طباقاً، أعلاها من تأملت منه في المحاربة عنك أخطاراً، وأبعدهم في مرضاتك مطاراً، وأضبطهم لما تحت يده من رجالك حزماً ووقاراً، واستهانة بالعظائم واحتقاراً، وأحسنهم لمن تقلده أمرك من الرعية جواراً، إذا أجدت اختباراً، وأشدهم على مماطلة من مارسه من الخوارج عليك اصطبارً، ومن بلا في الذي عن لك إحلاء وإمراراً، ولحقه الضر في معارض الدفاع
стр. 3608
عنك مراراً، وبعده من كانت محبته لك أزيد من نجدته، وموقع رأيه أنفع من موقع صعدته، وبعدهما من حسن انقياده لأمرائك، وإحماده لآرائك، ومن جعل نفسه من الأمر حيث جعله، وكان صبره على ما عراه اكثر من اعتداده بما فعله، واحذر منهم من كان عند نفسه أكبر من موقعه في الانتفاع، ولم يستحي من التزيد بأضعاف ما بذله من الدفاع، وشكا البخس فيما تعذر عليه من فوائدك، وقاس بين عوائد عدوك وعوائدك، وتوعد بانتقاله عنك وارتحاله، وأظهر الكراهية لحاله.
وأما العمال فإنهم ينبئون عن مذهبك، وحالهم في الغالب شديدة الشبه بك، فعرفهم في أمانتك السعادة، وألزمهم في رعيتك العادة، وأنزلهم من كرامتك بحسب منازلهم في الاتصاف، بالعدل والإنصاف، وأحلهم من الحفاية، بنسبة مراتبهم من الامانة والكفاية، وقفهم عند تقليد الأرجاء، مواقف الخوف والرجاء، وقرر في نفوسهم أن أعظم ما به إليك تقربوا، وفيه تدربوا، وفي سبيله أعجموا وأعربوا، إقامة حق ودحض باطل، حتى لا يشكوغريم مطل ماطل، وهوآثر لديك من كل رباب هاطل، وكفهم من الرزق الموافق، عن التصدي لدنئ المرافق، واصطنع منهم من تيسرت كلفته، وقويت للرعايا ألفته، ومن زاد على تأميله صبره، وأربى على خبره خبره، وكانت رغبته في حسن الذكر، تشف على بنات الفكحر، واجتنب منهم من يغلب عليه التخرق في الإنفاق، وعدم الإشفاق، والتنافس في الاكتساب، وسهل عليه سوء الحساب، وكانت ريعته المصانعة بالنفاية، دون التقصي والكفاية، ومن كان منشؤه خاملاً، ولأعباء الدناءة حاملاً، وابغ من يكون الاعتذار في أعماله، أوضح من الاعتذار في أقواله، ولا يفتننك ممن قلدته اجتلاب الحظ المقناع، والتنفق بالسعي المسمع، ومخالفة السنن المرعية، واتباعه رضاك بسخط الرعية، فإنه قد غشك، من حيث بلك ورشك، وجعل من يمينك
стр. 3609
في شمالك، حاضر مالك، ولا تضمن عاملاً مال عمله، وحل بينه فيه وبين أمله، فإنك تميت رسومك بمحياه، وتخرجه من خدمتك فيه إلا أن تملكه إياه، ولا تجمع له بين الأعمال فيسقط استظهارك ببلد على بلد، والاحتجاج على والد بولد، واحرص على أ، يكون في الولاية غريباً، ومنتقله منك قريباً، ورهينة لا يزال معها مريباً، ولا تقبل مصالحته على شيء أختانه، ولوبرغيبة فتانه، فتقبل المصانعة في أمانتك، وتكون مشاركاً له في خيانتك، ولا تطل مدة العمل، وتعاهد كشف الأمور ممن يرعى الهمل، ويبلغ الأمل.
وأما الولد فأحسن آدابهم، واجعل الخير دابهم، وخف عليهم من إشفاقك وحنانك، اكثر من غلظة جنانك، واكتم عنهم ميلك، وأفض فيهم جودك ونيلك، ولا تستغرق بالكلف بهم يومك ولا ليلك، وأثبهم على حسن الجواب، وسبق لهم خوف الجزاء على رجاء الثواب، وعلمهم الصبر على الضرائر، والمهلة عند استخفاف الجرائر، وخذهم بحسن السرائر، وحبب إليهم مراس الأمور الصعبة المراس، وحسن الاصطناع والاحتراس، والاستكثار من أولي المراتب والعلوم، والسياسات والحلوم، والمقام المعلوم، وكره إليهم مجالسة الملهين، ومصاحبة الساهين، وجاهد أهواءهم عن عقولهم، وحذر الكذب على مقولهم، ورشحهم إذا آنست منهم راشداً أوهدياً، وأرضعهم من الموازرة والمشاورة ثدياً، لتمرنهم على الاعتياد، وتحملهم على الازدياد، ورضهم رياضة الجياد، واحذر عليهم الشهوات فهي داؤهم، وأعداؤك في الحقيقة وأعداؤهم، وتدارك الخلق الذميمة كلما نجمت، واقدعها إذا هجمت، قبل أن يظهر تضعيفها، ويقوى ضعيفها، فإن أعجزتك في الصغر الحيل، عظم الميل:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب وإذا قدروا على التدبير، وتشوفوا للمحل الكبير، إياك أن توطنهم في
стр. 3610
مكانك، جهد إمكانك، وفرقهم في بلدانك، تفريق عبدانك، واستعملهم في بعوث جهادك، والنيابة عنك في سبيل اجتهادك، فإن حضرتك تشغلهم بالتحاسد، والتباري والتفاسد، وانظر إليهم بأعين الثقات فإن عين الثقة، تبصر ما لا تبصر عين المحبة والمقة.
وأما الخدم فإنهم بمنزلة الجوارح التي تفرق بها وتجمع، وتبصر وتسمع، فرضهم بالصدق والأمانة، وصنهم صون الجمانة، وخذهم بحسن الانقياد إلى ما آثرته، والتقليل مما استكثرته، واحذر منهم من قويت شهواته، وضاقت عن هواه لهواته، فغن الشهوات تنازعك في اتسرقاقه، وتشاركك في استحقاقه، وخيرهم من ذلك منه بلطف الحيلة، وآداب للفساد محيلة، وأشرب قلوبهم أن الحق في كل ما حاولته واستنزلته، وأن الباطل في كل ما جانبته واعتزلته، وأ، من تصفح منهم أمورك فقد أذنب، وباين الأدب وتجنب، وأعط من أكددته، واضقت منه ملكه وشددته، روحة يشتغل فيها بما يعينه، على حسب صعوبة ما يعانيه، تغبطهم فيها بمسارحهم، وتجم كليلة جوارحهم، ولتكن عطاياك فيهم بالمقدار الذي لا يبطر أعلامهم، ولا يؤسف الأصاغر فيفسد أحلامهم، ولا ترم محسنهم بالغاية من إحسانك، واترك لمزيدهم فضلة من رفدك ولسانك، وحذر عليهم مخالفتك ولوفي صلاحك، بحد سلاحك، وامنعهم من التواثب والتشاجر، ولا تحمد لهم شيم التقاطع والتهاجر، واستخلص منهم لسرك من قلت في الإفشاء ذنوبه، وكان أصبر على ما ينوبه، ولودائعك من كانت رغبته في وظيفة لسانك، اكثر من رغبته في إحسانك، وضبطه لما تقلد من وديعتك، أحب إليه من حسن صنيعتك، وللسفارة عنك من حلا الصدق في فمه، وآثره ولوباختطار دمه، واستوفى لك وعليك فهم ما تحمله، وعني بلفظه حتى لا يهمله، ولمن تودعه أعداء دولتك من كان مقصور الأمل، قليل القول صادق العمل، ومن كانت
стр. 3611
قسوته زائدة على رحمته، وعظمه في مرضاتك آثر من شحمته، ورأيه في الحذر سديد، وتحرزه من الحيل شديد؛ ولخدمتك في ليلك ونهارك من لانت طباعه، وامتد في حسن السجية باعه، وأمن كيده وغدره، وسلم من الحقد صدره، ورأى المطامع فما طمع، واستثقل إعادة ما سمع، وكان بريئاً من الملال، والبشر عليه أغلب الخلال، ولا تؤنسهم منك بقبيح فعل ولا قول، ولا تؤيسهم من طول، ومكن في نفوسهم أن أقوى شفعائهم، وأقرب إلى الإجابة من دعائهم، إصابة الغرض فيما به وكلوا، وعليه شكلوا، فإنك لاتعدم بهم انتفاعاً، ولا يعدمون لديك ارتفاعاً.
وأما الحرم فهن مغارس الولد، ورياحين الخلد، وراحة القلب الذي أجهدته الأفكار، والنفس التي تقسمها الإحماد إلى المساعي والإفكار، فاطلب منهن من غلب عليهن من حسن الشيم، المترفعة عن القيم، ما لا يسوءك في خلدك، أن يكون في ولدك، واحذر أن تجعل لفكر بشر دون بصر إليهن سبيلاً، وانصب دون ذلك عذاباً وبيلاً، وأعهن من النساء العجز من بانت في الديانة والأمانة سبله، وقويت غيرته ونبله، وخذهن بسلامة النيات، والشيم السنيات، وحسن الاسترسال، والخلق السلسال، وحذر عليهن التغامز والتغاير، والتنافس والتخاير، وآس بينهن في الأغراض، والتصامم عن الإعراض، والمحاباة بالأعراض، وأقلل من مخالطتهن هوأبقى لهمتك، وأسبل لحرمتك، ولتكن عشرتك لهن عند الكلال والملال، وضيق الاحتمال، بكثرة الأعمال، وعند الغضب والنوم، والفراغ من نصب اليوم، واجعل مبيتك بينهن تنم بركاتك، وتستتر حركاتك، وافصل من ولدت منهن إلى مسكن تختبر به استقلالها، وتعتبر بالتفرد خلالها، ولا تطلق لحرمة شفاعة ولا تدبيراً، ولا تنط بها من الأمر صغيراً ولا كبيراً، واحذر أن يظهر على خدمهن في خروجهن عن القصور، وبروزهن من اجمة الأسد الهصور، زي بارع، ولا طيب للأنوف مسارع، واخصص بذلك من طعن في السن، ويئس من الإنس
стр. 3612
والجن، ومن توفر النزوع إلى الخيرات قبله، وقصر عن جمال الصورة ورسم بالبله.
ثم لما بلغ إلى هذا الحد حمي وطيس اسحنفاره، وختم حزبه باستغفاره، ثم صمت ملياً، واستعاد كلاماً أولياً.
ثم قال: واعلم يا أمير المؤمنين - سدد الله تعالى سهمك لأغراض خلافته وعصمك من الزمان وآفته - أنك في مجلس الفصل، ومباشرة الفرع من ملكك والأصل، في طائفة من عز الله تعالى تذب عنك حماتها، وتدافع عن حوزتك كماتها، فاحذر أن يعدل بك غضبك عن عدل تزري منه بضاعة، أويهجم بك رضال على إضاعة، ولتكن قدرتك وقفاً على الاتصاف، بالعدل والإنصاف، واحكم بالسوية، واجنح بتدبيرك إلى حسن الروية، وخف أن تقعد بك أناتك عن حزم تعين، أوتستفزك العجلة في أمر لم يتبين، وأطع الحجة ما توجهت إليك، ولا تحفل بها إذا كانت عليك، فانقيادك إليها أحسن من ظفرك، والحق أجدى من نفرك، ولا تردن النصيحة في وجه، ولا تقابل عليها بنجه، فتمنعها إذا استدعيتها، وتحجب عنك إن استوعيتها، ولا تستدعها من غير أهلها، فيشغبك أولوالأغراض بجهلها، واحرص على أن لا ينقضي مجلس جلسته، أوزمن اختلسته، إلا وقد أحرزت زائدة، أووثقت منه في معادك بفائدة.
ولا يزهدنك في المال كثرته، فتقل في نفسك أثرته، وقس الشاهد بالغائب، واذكر وقوع ما لا يحتسب من النوائب، فالمال المصون، أمنع الحصون، ومن قل ماله، قصرت آماله، وتهاون بيمينه شماله، والملك إذا فقد خزينه، اخنى على أهل الجدة التي تزينه، وعاد على رعيته بالإجحاف، وعلى جبايته بالإلحاف، وساء معتاد عيشه، وصغر في عيون جيشه، ومنوا عليه بنصره، وأنفوا من الاقتصار على قصره، وفي المال قوة سماوية تصرف الناس لصاحبه، وتربط آمال أهل السلاح به، والمال نعمة الله تعالى فلا تجعله ذريعة إلى خلافه، فتجمع
стр. 3613
بالشهوات بين إتلافك وإتلافه، واستأنس بحسن جوارها، واصرف في حقوق الله تعالى بعض أطوارها، فإن فضل المال عن الأجل فأجل، ولم يضر ما خلف منه بين يدي الله ، وما ينفق في سبيل الشريعة، وسد الذريعة، مأمول خلفه، وما سواه فمتعين تلفه.
واستخلص لنواديك الغاصة، ومجالسك العامة والخاصة، من يليق بولوج عتبها، والعروج لرتبها، أما العامية فمن عظم عند الناس قدره، وانشرح بالعلم صدره، أوظهر يساره، وكان لله تعالى إخباته وانكساره، ومن كان للفتيا منتصباً، وبتاج المشورة معتصباً، وأما الخاصية فمن رقت طباعه، وامتد فيما يليق بتلك المجالس باعه، ومن تبحر في سير الحكماء، وأخلاق الكرماء، ومن له فضل سافر، وطبع للدينة منافر، ولديه من كل ما تستتر به الملوك عن العوام حظ وافر، وصف ألبابهم بمحصول خيرك، وسكن قلوبهم بيمن طيرك، وأغنهم ما قدرت عن غيرك. واعلم بأن مواقع العلماء من ملكك مواقع المشاعل المتألقة، والمصابيح المتعلقة، وعلى قدر تعاهدها تبذل من الضياء، وتجلوبنورها صور الأشياء، وفرغها ما يزين مدتك، ويحسن من بعد البلاء جدتك، وبعناية الأواخر ذكرت الأول، وإذا محيت المفاخر خربت الدول.
واعلم أن بقاء الذكر مشروط بعمارة البلدان، وتخليد الآثار الباقية في القاصي والدان، فاحرص على ما يوضح في الدهر سبلك، ويحرز المزية على من قبلك، وأن خير الملوك من ينطق بالحجة وهوقادر على القهر، ويبذل الإنصاف في السر والجهر، مع التمكن من المال والظهر، ويسار الرعية جمال للملك وشرف، وفاقتهم من ذلك طرف، فغلب أليق الحالين بمحلك، وأولاهما بظعنك وحلك.
واعلم أن كرامة الجور دائرة، وكرامة العدل متكاثرة، والغلبة بالخير
стр. 3614
سيادة، وبالشر هوادة، واعلم أن حسن القيام بالشريعة يحسم عنك نكاية الخوارج، ويسموبك إلى المعارج، فإنها تقصد أنواع الخدع، وتوري بتغيير البدع، وأطلق على عدوك أيدي الأقوياء من الأكفاء، وألسنة اللفيف من الضعفاء، واستشعر عند نكثه شعار الوفاء.
ولتكن ثقتك بالله تعالى أكثر من ثقتك بقوة تجدها، وكتيبة تنجدها، فإن الإخلاص يمنحك قوى لا تكتسب، ويمهد لك مع الأوقات نصراً لا يحتسب.
والتمس أبداً سلم من سالمك بنفيس ما في يدك، وفضل حاصل يومك على منتظر غدك، فإن أبى وضحت محجتك، وقامت عليه للناس بذلك حجتك، فللنوفوس على الباغين ميل، ولها من جانبه نيل، واستهد في كل يوم سيرة من يناويك، واجتهد أن لا يوازيك في خير ولا يساويك، وأكذب بالخير ما يشيعه من مساويك، ولا تقبل من الإطراء إلا ما كان فيك فضل عن غطالته، وجد يزري على بطالته، ولا تلق المذنب بحميتك وسبك، واذكر عند حركة الغضب ذنوبك إلى ربك، ولا تنس أن رب المذنب أجلسك مجلس الفصل، وجعل في قبضتك رياش النصل. وتشاغل في هدنة الأيام بالاستعداد، واعلم ا، التراخي منذر بالاشتداد، ولا تهمل عرض ديوانك، واختبار أعوانك، وتحصين معاقلك وقلاعك. وعم إيالتك بحسن اطلاعك، ولا تشغل زمن الهدنة بلذاتك، فتجني في الشدة على ذاتك، ولا تطلق في دولتك ألسنة الكهانة والإرجاف، ومطاردة الآمال العجاف، فإنه يبعث سوء القول، ويفتح باب العول، وخذ على المدرسين والمتعلمين، والعلماء والمتكلمين، حمل الأحداث على الشكوك الخالجة والمزلات الوالجة، فإنه يفسد طباعهم، ويغري سباعهم، ويمد في مخالفة الملة باعهم، وسد سبيل الشفاعات فإنها تفسد عليك حسن الاختيار، ونفوس الخيار، وابذل في الأسرى من حسن ملكتك ما يرضي من ملكك رقابها، وقلدك وعقابها، وتلق بدء نهارك بذكر الله تعالى في ترفعك وابتذالك، واختم اليوم بمثل ذلك.
стр. 3615
واعلم أنك مع كثرة حجابك، وكثافة حجابك، بمنزلة الظاهر للعيون، المطالب بالديون، لشدة البحث عن أمورك، وتعرف السر الخفي بين أمرك ومأمورك، فاعمل في سرك ما لا تستقبح أن يكون ظاهراً، ولا تأنف أن تكون به مجاهراً، وأحكم بريك في الله ونحتك، وخف من فوقك يخف من تحتك، واعلم أن عدوك من أتباعك من تناسيت حسن قرضه، أوزادت مؤونته على نصيبه منك وفرضه، فاصمت الحج، وتوق اللجج، واسترب بالأمل، ولا يحملنك انتظام الأمور على الاستهانة بالعمل، ولا تحقرن صغير الفساد، فيأخذ في الاستئساد، واحبس الألسنة عن التخالي باغتيابك، والتشبث بأذيال ثيابك، فغن سوء الطاعة ينتقل من الأعين الباصرة، إلى الألسن القاصرة، ثم إلى الأيدي المتناصرة، ولا تثق بنفسك في قتال عدوناواك، حتى تظفر بعدوغضبك وهواك، وليكن خوفك من سوء تدبيرك، اكثر من عدوك الساعي في تتبيرك (١) ، وإذا استنزلت ناجماً (٢) ، أومنت ثائراً هاجماً، فلا تقلده البلد الذي فيه نجم، وهمى عارضه فيه وانسجم، يعظم عليك القدح في اختيارك، والغض نم إيثارك، واحترز من كيده في حورك ومأمك (٣) ، فإنك أكبر همه وليس بأكبر همك، وجمل المملكة بتأمين الفلوات، وتسهيل الأقوات، وتجديد ما يتعامل من الصرف في البياعات، وإجراء العوائد مع الأيام والساعات، ولا تبخس عيار قيم البضاعات، ولتكن يدك عن أموال الناس محجورة، وفي احترامها إلا عن الثلاثة مأجورة: مال من عدا طوره طور أهله، وتخارق في الملابس والزينة، وفضول المدينة، يروم معارضتك بجهله؛ ومن باطن أعداك، وأمن اعتدال؛ ومن أساء جوار رعيتك بإخساره، وبذل الأذاية فيهم بيمينه ويساره.
стр. 3616
وأضر ما منيت به التعادي بين عبدانك، أوفي بلد من بلدانك، فسد فيه الباب، واسأل عن الأسباب، وانقلهم بوساطة أولي الألباب، إلى حالة الأحباب، ولا تطوق الأعلام أطواق المنون، بهواجس الظنون، فهوامر لا يقف عند حد، ولا ينتهي إلى عد، واجعل ولدك في احتراسك، حتى لا يطمع في افتراسك.
ثم لما رأى الليل، قد كاد ينتصف، وعموده يريد أن ينقصف، ومجال الوصايا أكثر مما يصف؛ قال: يا أمير المؤمنين، بحر السياسة زاخر، وعمر المتمتع يناديك مستاخر، فإن أذنت في فن من فنون الأنس يجذب بالمقاد، إلى راحة الرقاد، ويعتق النفس بقدرة ذي الجلال، من ملكة الكلال.
فقال: أما وقد استحسنا ما سردت، فشانك وما أردت.
فاستدعى عوداً فأصلحه حتى حمده، وأبعد في اختباره أمده، ثم حرك بمه، وأطال الجس ثمه، ثم تغنى بصوت يستدعي الإنصات، ويصدع الحصاة، ويستفز الحليم عن وقاره، ويستوقف الطير ورزق بنيه في منقاره، وقال:
صاح ما أعطر القبول بنمه ... أتراها أطالت اللبث ثمه
هي دار الهوى منى النفس فيها ... أبد الدهر والأماني جمه
إن يكن ما تأرج الجو منها ... واستفاد الشذا وإلا فممه
من لطرفي بنظرة ولأنفي ... في رباها وفي ثراها بشمه
ذكر العهد فانتفضت كأني ... طرقتني من الملائك لمه
وطن قد نضيت فيه شباباً ... لم تدنس منه البرود مذمه
بنت عنه والنفس من أجل من قد ... خلفته خلاله مغتمه
كان حلماً فويح من أمل الده ... ر وأعماه جهله وأصمه
تأمل العيش بعد أن خلق الجس ... م وبنيانه عسير المرمه
وغدت وفرة الشبيبة بالشي ... ب على رغم أنفها معتمه
стр. 3617
فلقد فاز سالك جعل الل ... هـ إلى الله قصده ومأمه
من يبت من غرور دنيا بهم ... يلدغ القلب أكثر الله همه ثم أحال اللحن إلى لون التنويم، فأخذ كل في النعاس والتهويم، وأطال الجس في الثقيل، عاكفاً عكوف الضاحي في المقيل، فخاط عيون القوم، بخيوط النوم، وعمر بهم المراقد، كأنما أدار عليهم الفراقد، ثم انصرف، فما علم به أحد ولا عرف، ولما أفاق الرشيد جد في طلبه، فلم يعلم بمنقلبه، فأسف للفراق، وأمر بتخليد حكمه في بطون الأوراق، فهي إلى اليوم تتلى وتنقل، وتجلى القلوب بها وتصقل، والحمد لله رب العالمين انتهى.
قال فبالإحاطة بعد إيراد نبذة ما صورته: فهذا ما حضر من المنثور وحظه من الإجادة ضعيف، وغرضه كما شاء الله تعالى سخيف، لكن الله سبحانه بعبداه لطيف؛ انتهى.
١١٠ - ومما علق بحفظي من نثره قوله في تحليته لبعض أهل زمانه: هو إمام الفئة، وعين أعيان هذه المائة.
١١١ - وقوله في وصف فاس (١) : نعم العرين، لأسود بني مرين، ذات المشاد التي منها مطرح الجنة ومسجد الصابرين:
بلد أعارته الحمامة طوقها ... وكساه ريش جناحه الطاووس (٢)
فكأنما الأنهار فيه مدامة ... وكأن ساحات الديار كؤوس جمعت ما ولد سام وحام، وكثر الالتئام والالتحام، واشتد الزحام، إلى
стр. 3618
أن قال: يلقى الرجل أبا مثواه فلا يدعوه لبيته، ولا يطعمه من يقله وزيته؛ لا يطرق الضيف حماهم، ولا يعرف اسمهم ولا مسماهم ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ (ص: ٢٤) .
١١٢ - وقوله في وصف مراكش المحروسة ذات المقاصر والقصور، ومأوى الليث الهصور، ومسكن الناصر والمنصور، إلى أن قال: ومنارها في الفلاة، بمنزلة والي الولاة. ثم بعد كلام: إلا ان خرابها هائل، وزحامها حرب وائل، وعقاربها كثيرة الدبيب، منغصة لمضاجعة الحبيب؛ انتهى ما كتبته من حفظي لطول العهد.
١١٣ - وقال رحمه الله تعالى في وصف مدينة بسطة (١) من كلام لم يحضرني جميعه الآن: محل خصيب، ومنزل رحيب، وكفاها مسجد الجنة دليلاً على البركة وباب المسك دليلاً على الطيب، ولها من اسمها نصيب، إذ هي بحر الطعام وينبوع العيون المتعددة بتعدد أيام العام؛ انتهى.
[في ذكر بسطة]
ولما أجرى ذكر بسطة الإمام أبوالحسن القلصادي (٢) في رحلته قال: سقى الله تعالى أرجاءها المشرقة، وأغصانها المورقة، شآبيب الإحسان، ومهدها بالهدنة والأمان، دار تخجل منها الدور، وتتقاصر عنها القصور، وتقر لها بالقصور، مع ما حوته من المحاسن والفضائل، من صحة أجسام أهلها وما طبعوا
стр. 3619
عليه من كرم الشمائل، وحسبك فيها من عدم الحرج، أن داخلها باب الفرج؛ ثم قال: ولله در القائل:
دار مشى الإتقان في تنجيدها ... حتى تناسب روضها وبناؤها
مرقوقة الجنبات ذات قرارة ... يمتد قدام العيون فضاؤها
ما زال يضحك دائماً نوارها ... في وجه ساحته ويلعب ماؤها ولبعض أصحابنا فيها وهوالأديب الكاتب أبوعبد الله ابن الأزرق:
في بسطة حيث الأباطح مشرقه ... أضحت جفوني بالمحاسن مغلقه وله أيضاً في تورية:
قل لمن رام النوى عن وطن ... قولةً ليس بها من حرج
فرج الهم بسكنى بسطة ... إن في بسطة باب الفرج
رجع:
١١٤ - ومن نثر لسان الدين رحمه الله تعالى ما خاطب به السلطان على لسان جدته، وهو:
" إلى قرة أعيننا وأعين المؤمنين، وفلذة كبدنا الذي نصل للقائه الحنين بالحنين، وعزنا الذي حللنا من كنفه بالحرم الأمين، وسترنا الذي خلفنا برضاه من أفقده الدهر من كرم البنين، ووارثنا المستأثر بعدنا بطول السنين، أمير المسلمين الأسعد المؤيد الموفق الطاهر البر الرحيم الأرضى الكافل الفاضل حفيدنا محمد ابن ولدنا الرضى وواحدنا الكريم الحفي السلطان الكبير الجليل السعيد الطاهر الظاهر المقدس، جعل الله تعالى من عصمته لزيماً يرافقه، وأجرى القدر بما يوافقه، وحفظ عليه الكمال الذي تناسب فيه خلقه وخلائقه، والبر الذي حسنت فيه طرقه وطرائقه.
стр. 3620
من المستظلة بظلال رضاه وبره، المبتهلة إلى الله تعالى في عز نصره، وسعادة أمره، الداعية إلى الله تعالى أن يسترها في الحياة وما بعدها بستره، وما يفضل عمرها من عمره، جدته التائقة إليه، كتبته من كنفه العزيز بحمرائه العلية عن الخير الدائم بدوامه، واليسر الملازم ببركة أيامه، ولا زائد بضل الله تعالى إلا الشوق إليه، وتحويم الكبد الخافقة خفوق رايته عليه، وتجهيز مواكب الدعاء المقبول من خلفه ومن بين يديه.
" وقد وصل كتابه العزيز الوفادة والوصول، الكريم الجمل والفصول، مطلع وجه السرور والجذل، ومهدي قصي الأمل، ومجدد العهد بحديثه الذي في ضمنه شفاء الغلل، وبرء العلل، مهدياً تحفة عافيته وهي الهدية التي جلت عن المكافأة، وترفعت عن المجازاة، إنما يجازي عليها من يصل بفضله عادتها، ويوالي بعد الإبداء إعادتها. ووصفتم يا ولدي ما عرفتم من نعم الله تعالى التي انثالت عليكم سحابها، وعنايته التي يلقى ركابكم تسهالها وترحابها، واستبشار الجهات بقدومكم الميمون، واجتلاء وجهكم الذي فيه للإسلام قرة العيون، وكيف لا يكون ذلك وأنتم ذخرهم العزيز، وحرزهم الحريز، والندرة التي خلصها من معادن سلفكم الذهب الإبريز، في أيامكم والحمد لله نامت أجفانهم، وتكيف أمانهم، نسأل الله تعالى أن يديم لنا ولهم نعمة بقائكم، ويعلي الدين بعلوكم في معارج العز، وارتقائكم، فقابلنا ما قرره سلطانكم بالحمد والثناء، والشكر المتصل على الآناء، ومحضتكم من خالص الدعاء، ما يتكفل لكم بالحسنى وما وعد الله تعالى من نيل الرجاء، وتمهيد الأرجاء، وأصدرت هذا الجواب لكم مصدر الهناء، بنعم الله تعالى المغدقة والآلاء، ونسأل من فضلكم وبركم صلة التعريف بمثل هذه الأخبار السارة والأنباء، وإتحافنا بمثلها مع الصباح والماساء، وإن كان مجدكم غنياً عن الشبه لمثل هذه الأشياء، أدام الله تعالى لكم أسباب البقاء، وكان لكم في كل حال، من إقامة وارتحال، بعزة وجهه وقدرته " انتهى.
стр. 3621
ويرحم الله تعالى لسان الدين ابن الخطيب، فإنه يعبر في كل مقام بما يليق، فتارة في أدراج البراعة، وطوراً يهتك عنان اليراعة.
[شعر لسان الدين]
وأما شعر لسان الدين رحمه الله تعالى فهومن النهاية في الحسن، وقد قدمنا في هذا الكتاب منه نبذة في أثناء نثره وكلامه الذي جلبناه، وفي مواضع غيرهما، جملة مفيدة من شعره رحمه الله تعالى.
مطولات عن الإحاطة
وقال رحمه الله تعالى في " الإحاطة " ما نصه: الشعر - ولنثبت جملة من مطولاته، ونتله بشيء من مقطوعاته، ونقدم من المطولات أمداح رسول الله ﷺ تبركاً بها، فمن ذلك قولي (١) :
هل كنت تعلم في هبوب الريح ... نفساً يؤجج لاعج التبريح
أهدتك من شيح الحجاز تحية ... فاحت لها عرض الفجاج الفيح
بالله قل لي كيف نيران الهوى ... ما بين ريح في الفلاة وسيح
وخضيبة المنقار تحسب أنها ... نهلت بمورد دمعي المسفوح
باحت بما تخفي وناحت في الدجى ... فرأيت في الآماق دعوة نوح
نطقت، بما يخفيه قلبي، أدمعي ... ولطالما صمتت عن التصريح
عجباً لأجفان حملن شهادة ... عن خافت بين الضلوع جريح
ولقلما كتبت رواة مدامعي ... في صفحتيها حلية التجريح
جاد الحمى بعدي وأجراع الحمى ... جود تكل به متون الريح
هن المنازل، ما فؤادي بعدها ... سالٍ، ولا وجدي بها بمريح
حسبي ولوعاً أن أزور بفكرتي ... زوارها والجسم رهن نزوح (٢)
стр. 3622
فأبث فيها من حديث صبابتي ... وأحث فيها من جناح جنوحي
ودجنة كادت تضل بها السرى ... لولا وميضاً بارق وصفيح
رعشت كواكب جوها فكأنها ... ورق تقلبها بنان شحيح
صابرت منها لجة مهما ارتمت ... وطمت رميت عبابها بسبوح
حتى إذا الكف الخضيب بأفقها ... مسحت بوجه للصباح صبيح
شمت المنى وحمدت إدلاج السرى ... وزجرت للآمال كل سنيح
فكأنما ليلي نسيب قصيدتي ... والصبح فيه تخلصي لمديح
لما حططت لخير من وطئ الثرى ... بعنان كل مولد وصريح
رحمى إله العرش بين عباده ... وأمينه الأرضي على ما يوحي
والآية الكبرى التي أنوارها ... ضاءت أشعتها بصفحة يوح (١)
رب المقام الصدق والآي التي ... راقت بها أوراق كل صحيح
كهف الأنام إذا تفاقم معضل ... مثلوا بساحة بابه المفتوح
يردون منه على مثابة راحم ... جم الهبات عن الذنوب صفوح
لهفي على عمر مضى انضيته ... في ملعب للترهات فسيح
يا زاجر الوجناء يعتسف الفلا ... والليل يعثر في فضول مسوح
يصل السرى سبقاً إلى خير الورى ... والركب بين موسد وطريح
لي في حمى ذاك الضريح لبانة ... إن أصبحت لبنى أنا ابن ذريح
وبمهبط الروح الأمين أمانة ... اليمن فيها والأمان لروحي
يا صفوة الله المكين مكانه ... يا خير مؤتمن وخير نصيح
أقرضت فيك الله صدق محبتي ... أيكون تجري فيك غير ربيح
حاشا وكلا أن تخيب وسائلي ... أو أن أرى مسعاي غير نجيح
إن عاق عنك قبيح ما كسبت يدي ... يوماً فوجه العفوغير قبيح
стр. 3623
واخجلتي من حلبة الفكر التي ... أغريتها بغرامي المشروح
قصرت خطاها بعدما ضمرتها ... من كل موفور الجمام جموح
مدحتك آيات الكتاب فما عسى ... يثني على علياك نظم مديحي
وإذا كتاب الله أثنى مفصحاً (١) ... كان القصور قصار كل فصيح
صلى عليك الله ما هبت صباً ... فهفت بغصن في الرياض مروح
واستأثر الرحمن ﷻ ... عن خلقه بخفي سر الروح وأنشدت السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الأعظم من عام ثلاثة وستين وسبعمائة هذه القصيدة:
تألق نجدياً فأذكرني نجداً ... وهاج بي الشوق المبرح والوجدا
وميض رأى برد الغمامة مغفلاً ... فمد يداً بالتبر أعلمت البردا
تبسم في بحرية (٢) قد تجهمت ... فما بذلت وصلاً ولا ضربت وعدا
وراود منها فاركاً قد تنعمت ... فأهوى لها نصلاً وهددها رعدا
وأغرى بها كف الغلاب فأصبحت ... ذلولاً ولم تسطع لإمرته ردا
فحلتها الحمراء من شفق الضحى ... نضاها وحل المزن من جيدها عقدا
لك الله من برق كأن وميضه ... يد الساهر المقرور قد قدحت زندا
تعلم من سكانه شيم الندى ... فغادر أجراع الحمى روضة تندى
وتوج من نوارها قنن الربى ... وختم من أزهارها القضب الملدا
لسرعان ما كانت مناسف للصبا ... فقد ضحكت زهراً وقد خجلت وردا
بلاد عهدنا في قرارتها الصبا ... يقل لذاك العهد أن يألف العهدا
إذا ما النسيم اعتل في عرصاتها ... تناول فيها البان والشيح والرندا
стр. 3624
فكم في مجاني وردها من علاقة ... إذا ما استثيرت أرضها أنبتت وجدا
إذا استشعرتها النفس عاهدت الجوى ... إذا التمحتها العين عاقدت السهدا
ومن عاشق حر إذا ما استماله ... حديث الهوى العذري صيره عبدا
ومن ذابل يحكي المحبين رقة ... فيثني إذا ما هب عرف الصبا قدا
سقى اله نجداً ما نضحت بذكرها ... على كبدي إلا وجدت لها بردا
وآنس قلبي فهوللعهد حافظ ... وقل على الأيام من يحفظ العهدا
صبور وإن لم يبق إلا ذبالة ... إذا استقبلت مسرى الصبا اشتعلت وقدا
صبور إذا الشوق استجاد كتيبة ... تجوس خلال الصبر كان لها بندا
وقد كنت جلداً قبل أن يذهب النوى ... ذمائي وأن يستأصل العظم والجلدا
أأجحد حق الحب والدمع شاهد ... وقد وقع التسجيل من بعد ما أدى
تناثر إثر الحمول فريده ... فلله عينا من رأى الجوهر الفردا
جرى يققاً في ملعب الخد أشهباً ... وأجهده ركض الأسى فجرى وردا
ومرتحل أجريت دمعي خلفه ... ليرجعه فاستن في إثره قصدا
وقلت لقلبي طر (١) إليه برقعتي ... فكان حماماً في المسير بها هدى
سرقت صواع العزم يوم فراقه ... فلج ولم يرقب سواعاً ولا ودا
وكحلت عيني من غبار طريقه ... فأعقبها دمعاً وأورثها سهدا
لي الله كم أهذي بنجد وحاجر ... وأكني بدعد في غرامي أو سعدى
وما هو إلا الشوق ثار كمينه ... فأذهل نفساً لم تبن عنده قصدا
وما بي إلا أن سرى الركب موهناً ... وأعمل في رمل الحمى النص والوخدا
وجاشت جنود الصبر والبين والأسى ... لدي فكان الصبر أضعفها جندا
ورمت نهوضاً واعتزمت مودعاً ... فصدني المقدور عن وجهتي صدا
رقيق بدت لمشترين عيوبه ... ولم تلتفت دعواه فاستوجب الردا
стр. 3625
تخلف مني ركب طيبة عانياً ... أما آن للعاني المعنى بأن يُفدى
مخلف سرب قد أصيب جناحه (١) ... وطرن فلم يسطع مراحاً ولا مغدى
نشدتك يا ركب الحجاز، تضائلت ... لك الأرض مهما استعرض السهب وامتدا
وجم لك المرعى وأذعنت الصوى ... ولم تفتقد ظلاً ظليلاً ولا وردا
إذا أنت شافهت الديار بطيبة ... وجئت بها القبر المقدس واللحدا
وآنست نوراً من جناب محمد ... يجلي القلوب الغلف والأعين الرمدا
فنب عن بعيد الدار في ذلك الحمى ... وأذر به دمعاً وعفر به خدا
وقل يا رسول الله عبد تقاصرت ... خطاه وأضحى من أحبته فردا
ولم يستطع من بعد ما بعد المدى ... سوى لوعة تعتاد أو مدحة تهدى
تداركه يا غوث العباد برحمة ... فجودك ما أجدى وكفك ما أندى
أجار بك الله العباد من الردى ... وبوأهم ظلاً من الأمن ممتدا
حمى دينك الدنيا وأقطعك الرضى ... وتوجك العليا وألبسك الحمدا
وطهر منك القلب لما استخضه ... فجلله نوراً وأوسعه رشدا
دعاه فما ولى، هداه فما غوى ... سقاه فما يظما، جلاه فما يصدا
تقدمت مختاراً، تأخرت مبعثاً ... فقد شملت علياؤك القبل والبعدا
وعلة هذا الكون أنت، وكل ما ... أعاد فأنت القصد فيه وما أبدا
وهل هوإلا مظهر أنت سره ... ليمتاز في الخلق المكب من الاهدى
ففي عالم الأسرار ذاتك تجتلي ... ملامح نور لاح للطور فانهدا
وفي عالم الحس اغتديت مبوأ ... لتشفي من استشفى وتهدي من استهدى
فما كنت لولا أن ثبت هداية ... من الله مثل الخلق رسماً ولا حدا
فماذا عسى يثني عليك مقصر ... ولم يأل فيك الذكر مدحاً ولا حمدا
بماذا عسى يجزيك هاو على شفاً ... من النار قد أوردته بعدها الخلدا
عليك صلاة الله يا كاشف العمى ... ومذهب ليل الروع وهو قد اربدا
стр. 3626
إلى كم أراني في البطالة كانعاً ... وعمري قد ولى، ووزري قد عدا
تقضى زماني في لعل وفي عسى ... فلا عزمة تمضي ولا لوعة تهدا
حسام جبان كلما شيم نصله ... تراجع بعد العزم والتزم الغمدا
ألا ليت شعري هل أراني ناهداً ... أقود القلاص البدن والضامر النهدا
رضيع لبان الصدق فوق شملة ... مضمرة وسدت من كورها مهدا
فتهدى بأشواقي السراة إذا سرت ... وتحدى بأشعاري الركاب إذا تحدى
إلى أن أحط الرحل في تربك الذي ... تضوع نداً ما رأينا له ندا
وأطفئ في تلك الموارد غلتي ... واحسب قرباً مهجة شكت البعدا
لمولدك اهنز الوجود فأشرقت ... قصور ببصرى ضاءت الهضب والوهدا
ومن رعبه الأوثان خرت مهابة ... ومن هوله إيوان كسرى قد انهدا
وغاض له الوادي وصبح عزه ... بيوتاً لنار الفرس أعدمها الوقدا
رعى الله منها ليلة أطلع الهدى ... على الأرض من آفاقها القمر السعدا
وأقرض ملكاً قام فينا بحقها ... لقد أحرز الفخر الموثل والمجدا
وحيا على شط الخليج محلة ... يحالف من ينتابها العيشة الرغدا
وجاد الغمام العد فيها خلائفاً ... مآثرهم لا تعرف الحصر والعدا
علياً وعثماناً ويعقوب، لا عدا ... رضى الله ذاك النجل والأب والجدا
حموا وهم في حومة البأس والندى ... فكانوا الغيوث المستهلة والأسدا
ولله ما قد خلفوا من خليفة ... حوى الإرث عنهم والوصية والعهدا
إذا ما أراد الصعب أغرى بنيله ... صدور العوالي والمطهمة الجردا
وكم معتد أردى وكم تائه هدى ... وكم حكمة أخفى، وكم نعمة أبدى
أبا سالم دين الإله بك اعتلى ... أبا سالم ظل الإله بك امتدا
فدم من دفاع الله تحت وقاية ... كفاك بها أن تسحب الحلق السردا
ودونكها مني نتيجة فكرة ... إذا استرشحت للنظم كانت صفاً صلدا
ولو تركت مني الليالي صبابة ... لأجهدتها ركضاً وأرهقتها شدا
стр. 3627
ولكنه جهد المقل بلغته ... وقد أوضح الأعذار من بلغ الجهدا وقلت أخاطب السلطان الملك الكبير العالم أبا عنان على أثر انصرافه من بابه رحمه الله تعالى:
أبدى لداعي الفوز وجه منيب ... وأفاق من عذل ومن تأنيب
كلف الجنان إذا جرى ذكر الحمى ... والبان حن له حنين النيب
والنفس لا تنفك تكلف بالهوى ... والشيب يلحظها بعين رقيب
رحل الصبا فطرحت في أعقابه ... ما كان من غزل ومن تشبيب
أترى التغزل بعد أن ظعن الصبا ... شأني الغداة أوالنسيب نسيبي
أنى لمثلي بالهوى من بعد ما ... للوخط في الفودين أي دبيب
لبس البياض وحل ذروة منبر ... مني ووالى الوعظ فعل خطيب
قد كان يسترني ظلام شبيبتي ... والآن يفضحني صباح مشيبي
وإذا الجديدان استجدا أبليا ... من لبسة الأعمار كل قشيب
سلني عن الدهر الخؤون وأهله ... تسل المهلب عن حروب شبيب
متقلب الحالات فاخبر تقله ... مهما أعدت يداً إلى تقليب
فكل الأمور إذا اعترتك لربها ... ما ضاق لطف الرب عن مربوب
قد يخبأ المحبوب في مكروهها ... من يخبأ المكروه في المحبوب
واصبر على مضض الليالي إنها ... لحوامل سيلدن كل عجيب
واقتنع بحظ لم تنله بحيلة ... ما كل رام سهمه بمصيب
يقع الحريص على الردى ولكم غدا ... ترك التسبب أنفع التسبيب
من رام نيل الشيء قبل أوانه ... رام انتقال يلملم وعسيب
فإذا جعلت الصبر مفزع معضل ... عاجلت علته بطب طبيب
وإذا استعنت على الزمان بفارس (١) ... لبى نداءك منه خير مجيب
стр. 3628
بخليفة الله الذي في كفه ... غيث يروض ساح كل جديب
المنتقى من طينة المجد الذي ... ما كان يوماً صرفه بمشوب
يرمي الصعاب بصعبه فيقودها ... ذللاً على حسب الهوى المرغوب
ويرى الحقائق من وراء حجابها ... لا فرق بين شهادة ومغيب
من آل عبد الحق حيث توشحت ... شعب العلا وربت بأي كثيب
أسد الشرى سرج الورى فمقامهم ... لله بين محارب وحروب
إما دعا الداعي وثوب صارخاً ... ثابوا واموا حومة التثويب
شهب ثواقب في سماء عجاجة ... مأثورها قد صح بالتجريب
ما شئت في آفاقها من رامح ... يبدو وكف بالنجيع خضيب
عجبت سيوفهم لشدة بأسهم ... فتبسمت والجو في تقطيب
نظموا بلبات العلا واستوسقوا ... كالرمح أنبوباً إلى أنبوب
تروي العوالي والمعالي عنهم ... أثر الندى المولود والمكسوب
من كل موثوق به إسناده ... بالقطع أو بالوضع غير معيب
فأبو عنان عن علي نصه ... للنقل عن عثمان عن يعقوب
جاءوا كما اتسق الحساب أصالة ... وغدا فذالك (١) ذلك المكتوب
متجسداً من جوهر النور الذي ... لم ترم يوماً شمسه بغروب
متألقاً من مطلع الحق الذي ... هو نور أبصار وسر قلوب
قل للزمان وقد تبسم ضاحكاً ... من بعد طول تجهم وقطوب
هي دعوة الحق التي أوضاعها ... جمعت من الآثار كل غريب
هي دعوة العدل الذي شمل الورى ... فالشاة لا تخشى اعتداء الذيب
لو أن كسرى الفرس أدرك فارساً ... ألقى إليه بتاجه المعصوب
لما حللت بأرضه مستملياً ... ما شئت من بر ومن ترحيب
стр. 3629
شمل الرضى فكأن كل أقاحة ... تومي بثغر للسلام شنيب
وأتيت في بحر القرى أم القرى ... حتى حططت بمرفأ التقريب
فرأيت أمن الله في ظل التقى ... والعدل تحت سرادق مضروب
ورأيت سيف الله مطرور الشبا (١) ... يمضي القضاء بحده المرهوب
وشهدت نور الحق ليس بآفل ... والدين والدنيا على ترتيب
ووردت بحر العلم يقذف موجه ... للناس من درر الهدى بضروب
لله من شيم كأزهار الربى ... غب انثيال العارض المسكوب
وجمال مرأى في رداء مهابة ... كالسيف مصقول الفرند مهيب
يا جنة فارقت من غرفاتها ... دار القرار بما اقتضته ذنوبي
أسفي على ما ضاع من حظي بها ... لا تنقضي ترحاته ونحيبي
إن أشرقت شمس شرقت بعبرتي ... وتفيض في وقت الغروب غروبي
حتى لقد علمت ساجعة الضحى ... شجوي وجانحة الأصيل شحوبي
وشهادة الإخلاص توجب رجعتي ... لنعيمها من غير مس لغوب
يا ناصر الدين الحنيف وأهله ... أنضاء مسغبة وفل خطوب
حقق ظنون بنيه فيك فإنهم ... يتعللون بوعدك المرقوب
ضاقت مذاهب نصرهم فتعلقوا ... بجناب عز من علاك رحيب
ودجا ظلام الكفر في آفاقهم ... أوليس صبحك منهم بقريب
فانظر بعين العز من ثغر غدا ... حذر العدا يرنوبطرف مريب
نادتك أندلس ومجدك ضامن ... أن لا يخيب لديك ذو مطلوب
غصب العدو بلادها وحسامك ال ... ماضي الشبا مسترجع المغصوب
أرض السوابح في المجاز حقيقة ... من كل قعدة محرب وجنيب
يتأود الأسل المثقف فوقها ... وتجيب صاهلة رغاء نجيب
стр. 3630
والنصر يضحك كل مبسم غرة ... واليمن معقود بكل سبيب
والروم فارم بكل نجم ثاقب ... يذكي بأربعها شواظ لهيب
بذوابل السلب التي تركت بني ... زيان بين مجدل وسليب
وأضف إلى لام الوغى ألف القنا ... تظهر لديك علامة التغليب
إن كنت تعجم بالعزائم عودها ... عود الصليب اليوم غير صليب
ولك الكتاب كالخمائل أطلعت ... زهر الأسنة فوق كل قضيب
فمرنح العطفين لا من نشوة ... ومورد الخدين غير مريب
يبدو سداد الرأي في راياتها ... وأمورها تجري على تجريب
وترى الطيور عصائباً من فوقها ... لحلول يوم في الضلال عصيب
هذبتها بالعرض يذكر يومه ... عرض الورى للموعد المكتوب
وهي الكتائب إن تنوسي عرضها ... كانت مدونة بلا تهذيب (١)
حتى إذا فرض الجلاد جداله ... ورأيت ريح النصر ذات هبوب
قدمت سالبة العدو وبعدها ... أخرى بعز النصر ذات وجوب (٢)
وإذا توسط وصل سيفك عندها ... جزأي قياسك فزت بالمطلوب
وتبرأ الشيطان لما أن علا ... حزب الهدى من حزبه المغلوب
الأرض إرث والمطامع جمة ... كل يهش إلى التماس نصيب
وخلائف التقوى هم وراثها ... فإليكها بالحظ والتعصيب
لكأنني بك قد تركت ربوعها ... قفراً بكر الغزووالتعقيب (٣)
وأقمت فيها مأتماً لكنه ... عرس لنسر بالفلاة وذيب
وتركت مفلتها بقلب واجب ... رهباً وخد بالأسى مندوب
تبكي نوادبها وينقلن الخطا ... من شلو طاغية لشلو سليب
стр. 3631
جعل الإله البيت منك مثابة ... للعاكفين وأنت خير مثيب
فإذا ذكرت كأن هبات الصبا ... فضت بمدرجها لطيمة (١) طيب
لولا ارتباط الكون بالمعنى الذي ... قصر الحجى عن سره المحجوب
قلنا لعالمك الذي شرفته ... حسد البسيط مزية التركيب
ولأجل قطرك شمسها ونجومها ... عدلت من التشريق للتغريب
تبدو بمطلع أفقها فضية ... وتغيب عندك وهي في تذهيب
مولاي أشواقي إليك تهزني ... والنار تفضح عرف عود الطيب
بحلى علاك أطلتها وأطبتها ... ولكم مطيل وهوغير مطيب
طالبت أفكاري بفرض بديهها ... فوفت بشرط الفور والترتيب
متنبئ أنا في حلى تلك العلى ... لكن شعري فيك شعر حبيب
والطبع فحل، والقريحة حرة ... فاقبله بين نجيبة ونجيب
هابت مقامك فاطبيت (٢) صعابها ... حتى غدت ذللاً على التدريب
لكنني سهلتها وأدلتها ... من كل حشي بكل ربيب (٣)
إن كنت قد قاربت في تعديلها ... لا بد في التعديل من تقريب (٤)
عذري لتقصيري وعجزي ناسخ ... ويجل منك العفوعن تثريب
من لم يدن لله فيك بقربة ... هو من جناب الله غير قريب ولما احتفل السلطان لإعذار ولده نظمت هذه القصيدة مساعدة لمن نظم من الأصحاب، وتشتمل على أوصاف من ذكر الحلبة التي أرسلها، والطلبة التي
стр. 3632
نصبها في الهواء للفرسان يرسلون العصي إليها، والثيران التي أرسل عليها الأكلب الرومية تمسكها في صورة القرط من آذانا، وهي آخر النظم في الأغراض السلطانية، قصر الله تعالى ألسنتنا على ذكره، وشغلها به عن غيره:
شحطت وفود الليل بان به الوخط ... وعسكره الزنجي هم به القبط
أتاه وليد الصبح من بعد كبرة ... أيولد أجنا (١) ناحل الجسم مشمط
كأن النجوم الزهر أعشار سورة ... ومن خطرات الرجم أثناءها مط
وقد وردت نهر المجرة سحرة ... غوائص فيه مثلما تفعل البط
وقد جعلت تفلي بأنملها الفلا ... ويرسل منها في غدائره مشط
يجف عباب الليل عنها جواهراً ... فيكثر فيها النهب للحين واللقط
فسارت خيالاً مثلها، غير أنه ... من البث والشكوى يبين له لغط
سرت سلخ شهر في تلفت مقلة ... على قتب الاحلام تسمو وتنحط
لي الله من نفس شعاع ومهجة ... إذا قدحت لم يخب من زندها سقط
ونقطة قلب أصبحت منشأ الهوى ... وعن نقطة مفروضة ينشأ الخط (٢)
فأقسم لولا زاجر الشيب والنهى ... ونفس لغير الله ما خضعت قط
لريع لها الأحراس مني بطارق ... مفارقه شمط وأسيافه شمط
تناقله كوماء سامية الذرا ... ويقذفه شهم من النيق منحط
ولولا النهى لم تستهن سبل الهدى ... وكاد وزان الحق يدركه الغمط
ولولا عوادي الشيب لم يبرح الهوى ... يهيجه نوء على الرمل مختط
ولولا أمير المسلمين محمد ... لهالت بحار الروع واحتجب الشط
ينوب عن الإصباح إن مطل الدجى ... ويضمن سقي السرح إن عظم القحط
стр. 3633
تقر له الأملاك بالشيم العلا ... إذا بذل المعروف أونصب القسط
أرادوه فارتدوا، وجاروه فانثنوا ... وساموه في مرقى الجلالة فانحطوا
تبر على المداح غر خلاله ... وما رسموا فوق الطروس وما خطوا
تعلم منه الدهر حاليه في الورى: ... فآونة يسخو، وآونة يسطو
ويجمع بين القبض والبسط كفه ... بحكمة من في كفه القبض والبسط
خلائق قد طابت مذاقاً ونفحةً ... كما مزجت بالبارد العذب إسفنط (١)
أسبط الإمام الغالبي محمد ... ويا فخر ملك كنت أنت له سبط
وقتك أواقي الله من كل غائل ... فأي سلاح ما المجن وما اللمط (٢)
لقد زلزلت منك العزائم دولة ... أناخت على الإسلام تجني وتشتط
إيالة غدر ضيع الله ركنها ... ونادى بأهليها التبار فلم يبطوا
على قدر جلى بك الله بؤسها ... ولا يكمل البحران أوينضج الخلط
وكانوا نعيم الجنتين تفيأوا ... ولما يقع منها النزول ولا الهبط (٣)
فقد عوضوا بالأثل والخمط بعدها ... وهيهات أين الأثل منها أو الخمط
فمن طائح فوق العراء مجدل ... ومن راسف في القيد أزهقه الضغط
واتحف منك الله أمة أحمد ... أماناً كما يضفوعلى الغادة المرط
أنمت على مهد الأمان عيونها ... فيسمع من بعد السهاد لها غط
وصم صدى الدنيا فلما رحمتها ... تزاحم مرتاد عليها ومختط
وأحكمت عقد السلم لم تأل بعده ... وجاء فصح العقد واستوثق الربط
وأيقن مرتاب، وأصحب نافر ... وأذعن معتاصٌ، وأقصر مشتط
стр. 3634
ولله مبناك الذي معجزاته ... سمت أن توافيها الشفاه أو الخط
وأنست غريب الدار مسقط رأسه ... ومن دون فرخيه القتادة والخرط
تناسبت الأوضاع فيك وأحكمت ... على قدر حتى الأرائك والبسط
فجاء على وفق العلا رائق الحلى ... كما سمط المنظوم أونظم السمط
ولله إعذار دعوت له الورى ... فهبوا لداعيه المهيب وإن شطوا
تقودهم الزلفى، ويدعوهم الرضى ... ويحدوهم الخصب المضاعف والغبط
وأغريت بالبهم العلاج تحفياً ... فلم يذخر الشيء الغريب ولا السمط (١)
أتت صورةً معلولة عن مزاجها ... وأصل اختلاف الصورة المزج والخلط
قضيت بها دين الزمان، ولم يزل ... أكد كذوب الوعد يلوي ويشتط
وأرسلت يوم السبق كل طمرة ... كما قذف الملمومة النار والنفط
رنت عن كحيل كالغزال إذا رنا ... وأوفت بهادٍ كالظليم إذا يعطو
وقامت على منحوتة من زبرجد ... تخط على الصم الصلاب إذا تخطو
وكل عتيق من تماثل رومة ... تأنق في استخطاطه القس والقمط
وطاعنة نحر السكاك أعانها ... على الكون عرق واشج ولحى سبط
تلقف حيات العصي إذا هوت ... فثعبانها لا يستقيم له سرط
أزرت بها بحر الهواء سفينة ... على الجولا الجودي كان لها حط
وطاردت مقدام الصوار بجارح ... يصاب به منه الصماخ أو الإبط
متين الشوا في رأسه سمهرية ... مقصرة عنهن ما نيبت الخط
وقد كان ذا تاج فلما تعلقا ... بسامعتيه زانه منهما قرط
وجيء بشبل الملك ينجد عزمه ... عليه الحفاظ الجعد والخلق السبط
سمحت به لم ترع فرط ضنانة ... وفي مثلها من سنة يترك الفرط
فأقدم مختاراً، وحكم عاذراً ... ولم يشتمل مسك عليه ولا ضبط
стр. 3635
ولو غير ذات الله رامته نصنصت ... قناً كالأفاعي الرقط أودونها الرقط
وأسد نزال من ذؤابة خزرج ... بها ليل لا روم القديم ولا قبط
جلادهم مثنى إذا اشتجر الوغى ... كأن رعاء بالعضاه لها خبط
كتائب أمثال الكتاب تتالياً ... فمن بيضها شكل، ومن سمرها نقط
دليلهم القرآن، يا حبذا الهدى ... ورهطهم الأنصار، يا حبذا الرهط
وبيض كأمثال البروق غمامها ... إذا وشحت سحب القتام دم عبط
ولكنه حكم يطاع وسنة ... وأعمال بر لا يليق بها الحبط
وربت نقص للكمال مآله ... ولا غرو فالأقلام يُصلحها القط
فهنيته صنعاً ودمت مملكاً ... عزيزاً تشيد المعلوات وتختط
ودون الذي يهدي ثناؤك في الورى ... من الطيب ما تهدي الالوة والقسط (١)
رضيت ومن لم يرض بالله حاكماً ... ضلالاً فلله الرضى وله السخط
حياتك للإسلام شرط حياته ... ولا يوجد المشروط إن عدم الشرط هذا كاف في المطولات لنجلب منها عرضاً يدل على حبوبها، ونتحف منها أنفس الظرفاء بمطلوبها، منقولة من الكتاب المسمى " بأبيات الأبيات " ومن الكتاب المسمى " بالصيب والجهام ".
فمن التورية على طريقة المشارقة قولي (٢) :
مضجعي فيك عن قتادة يروي ... وروى عن أبي الزناد فؤادي
وكذا النوم شاعر فيك أمسى ... من دموعي يهيم في كل وادي ومن هذا الباب أيضاً:
стр. 3636
ولما رأت عزمي حثيثاً على السرى ... وقد رابها صبري على موقف البين
أنت بصحاح الجوهري دموعها ... فعارضت من دمعي بمختصر العين وفي هذا المعنى:
كتبت بدمع عيني صفح خدي ... وقد منع الكرى هجر الخليل
وراب الحاضرين، فقلت: هذا ... كتاب العين ينسب للخليل ومن الأغراض الظريفة فيها:
تعجلت وخط الشيب في زمن الصبا ... لخوضي غمار الهم في طلب المجد
فمهما رأيتم شيبة فوق مفرقي ... فلا تنكروها إنها شيبة الحمد ومن التورية بالنجوم، والكاتب بيته بيت شرفه:
بأوت على زمني همة ... فأعتبني الزمن العاتب
وشرفني الله في موطني ... وفي بيته بشرف الكاتب وأبدع منها قولي لمن يدعى بشمس الدين:
قل لشمس الدين وقيت الردى ... لم يدع سقمك عندي جلدا
رمدت عينك هذا عجب ... أو عين الشمس تشكو الرمدا وقلت في غرض التورية بما يظهر من الأبيات:
أفل الألى كانوا نجو ... ماً للورى فالكون مظلم
وتناكر الناس الحدي ... ث الحق وافتقد المعلم
أنا كاتب السلطان ما ... طالعت قط كتاب مسلم
إلا سخاماً قادحاً ... في الدين والله المسلم
стр. 3637
وفي معنى الدعابة مع بعض الطلبة:
قال لي عندما أتى بجدال ... وشكوك على أصول الدين
ولساني يبدل الدال تاءً ... عاجز في الأمور عن تبيين
التمس مخرجاً يوافق قولي ... قلت: أحسنت يا حلال التين وفي التورية:
اذمم ذوي التطفيل مهما أتى ... وإن تكن أجملتهم فاعنه
يمشي على رجليه مع انه ... من جنس من يمشي على بطنه وقلت:
أفقد جفني لذيذ الوسن ... من لم أزل فيه خليع الرسن
عذاره المسكي في خده ... أنبته الله النبات الحسن وقلت في رثاء من اسمه حسن:
أشكو إلى الله من بثي ومن شجني ... لم أجن من محنتي شيئاً سوى محن
أصابت الحسن العين التي رشقت ... وعادة العين لا تصمي سوى الحسن وفي الشيب:
تفر عن الشيب الغواني تعززاً ... كما يعتريها إن رأت سام أبرصا
بدا وضحاً في جدة العمر شانياً ... فمن سام شيخاً فهوقد سام أبرصا وقلت في السها من النجوم الجوفية:
قالوا: السها بادي النحول كأنه ... متستر تبدو مخايل خوفه
أتراه يشكو قلت: هذا ممكن ... والله يعلم داره من جوفه
стр. 3638
وقلت:
عابوا وقالوا: بساقه شعر ... لقد عداه الكمال من ساق
قلت: انظروا ورد روض وجنته ... وكل ورد مشوك الساق وقلت في التضمين:
رفعت قصة اشتياقي ليحيى ... فزوى الوجه رافضاً للفتوه
رمى بالكتاب ضعف اهتبال ... قلت يحيى خذ الكتاب بقوه وقلت:
وذي حيل يعيي التقية أمره ... مكايده في لجة اليل تسبح
يدب شبول الليث، والليث ساهر ... ويسرق ناب الكلب، والكلب ينبح وقلت:
لما رأوا كلفي به ودروا ... مقدار ما لي فيه من حب
قالوا الفتى حلو فقلت لهم ... طلعت حلاوته على قلبي وقلت، ولهما حكاية:
وذي زوجة تشكوفقلت له: اسقها ... دواءً من الحب الملين لبطن
فقال: أبت شرب الدواء بطبعها ... فقلت: اسقها إن عافت الشرب بالقرن وقلت:
لعنوا برياً من خبائث ظنهم ... فالله يلعن أهل سوق العنبر
والله لا أوطأت ساقي سوقهم ... أبد الزمان فتلك سوق العن بري ومن الفكاهات:
стр. 3639
ولما دعاني داعي الهوى ... واخلف ما كنت أملته
ولم يبق غير البكا حيلة ... بكيت بمقدار ما نلته وقلت: وقد رفع للسلطان باكورة بنفسج:
قدم البنفسج وهونعم الوارد ... قد نم منه إلي طيب زائد
فسألته: ما باله فأجابني ... والحق لا يبغى عليه شاهد
أقبلت أطلب من بنان محمد ... صلة فعاد علي منه عائد وقلت من التشبيه:
سهرنا وفي سير النجوم اعتبارنا ... إلى أن ضفا لليل من فوقنا ريط
فخلنا شهاب الرجم إبرة خائط ... مسوحاً وما يبقى من الذنب الخيط وقلت أودع صديقاً أنست به:
فلاحة مثلي ممقوتة ... وإن أعجب البدء منها وراق
زرعت اللقاء وعالجته ... فلم أستفد منه إلا الفراق ومن تضمين المثل:
لا تهج بالذكر في كبدي ... نار وجد شق محتمله
ويقول الناس في مثل ... لا تحرك من دنا أجله ومن المدح:
عجباً لراحتك الملثة بالندى ... أن لا تكون على الغمام غماما
يهمي ووجهك نوره متألق ... والقطر إن سحب السحاب أغاما ومن أبيات المدح:
стр. 3640
يا ناصر الدين لما قل ناصره ... ومطلع الجود في الدنيا وقد أفلا
لولا التشهد والترداد منك له ... لم يسمع يوماً من لسانك لا ومن أوصاف صنيع سلطاني:
ماذا أحدث في صنيع خلافة ... هشت إليه الشهب في آفاقها
فكأنما الجوزاء حين تعرضت ... شدت لتخدم فيه عقد نطاقها ومن قصيدة في وصف فرس:
فبوأته من مهجتي متبوأ ... خفياً على سر الفؤاد المكتم
ويا عجباً مني وفرط تشيعي ... أهيم بوجدي فيه وهوابن ملجم ومن الحماسة في التورية بالمنطق:
حتى إذا فرض الجلاد جداله ... ورأيت ريح النصر ذات هبوب
قدمت سالبة العدو وبعدها ... أخرى بعز النصر ذات وجوب
وإذا توسط حد سيفك عندها ... جزأي قياس فزت بالمطلوب وفي خاتمة قصيدة:
ما ضرني إن لم أجئ متقدماً ... السبق يعرف آخر المضمار
ولئن غدا ربع البلاغة بلقعاً ... فلرب كنز في أساس جدار ومن المدح:
إن أبهم الخطب جلى في دجنته ... رأياً يفرق بين الرأي والرشد
وإن عتا الدهر أبدى من أسرته ... وكفه هدي حيران وري صد
стр. 3641
وإن نظرت إلى لألاء غرته ... يوم الهياج رأيت الشمس في الأسد ومن الأوصاف في قصيدة:
كم ليال بت في ظلمائها ... أمتطي من نار شوقي فرشا
وكأن النجم شرب ثمل ... واصل الثملة حتى ارتعشا ومن النورية بالكفتين من الحيل العددية:
لا عدل في الملك إلا وهو قد نصبه ... وصير الخلق في ميزانه عصبه
والكفتان ترى من كفه درتا ... أن تخرج العدد المجهول للطلبه وفي رجل يحتال على الولاية (١) :
حلفت لهم بأنك ذو يسار ... وذو ثقة وبر في اليمين
ليستندوا إليك بحفظ مال ... فتأكل باليسار وباليمين وقلت، ولهما حكاية تظهر من الأبيات:
قلت لما استقل مولاي زرعي ... ورأى غلة الطعام قليله
دمنتي لانتجاعي الحرث كلت ... فهي اليوم دمنة وكليله ومما صدرت به كتاباً لأحد الفضلاء:
يا من تقلد للعلاء سلوكا ... والفضل صير نهجه مسلوكا
كاتبتني متفضلاً فملكتني ... لا زلت منك مكاتباً مملوكا وقلت في غرض يظهر منه:
стр. 3642
جلس المولى لتسليم الورى ... ولفصل البرد في الجو احتكام
فإذا ما سألوا عن يومنا ... قلت: هذا اليوم برد وسلام وقلت من التورية:
يا مالكي بخلال ... تهدي إلى القلب حيره
أضرمت قلبي ناراً ... يا مالك بن نويره وقلت في التورية:
أضاف إلى الجفون السود شعراً ... كجنح الليل أوصبغ المداد
فقلت أمير هذا الحسن تزكو ال ... أجور له بتكثير السواد وقلت أيضاً:
بأبي بدر غزاني ... مستبيحاً شرح صدري
فأنا اليوم شهيد ال ... حب من غزوة بدر وقلت، ولهما (١) حكاية:
أبا ليلة بالخصب لم تأل شهرة ... كما اشتهرت في فضلها ليلة القدر
فآمن قلب اللوز من علة (٢) النوى ... وأصبح فيها التين منشرح الصدر ومن النزعات المشرقية في التورية:
يا قائدي نحوالغرام بمقلة ... نفقت حلاوتها بكل فؤادي
ماذا جنيت علي من مضض الهوى ... الله ينصف منك يا قوادي
стр. 3643
ومن هذا النمط المشرقي:
وقالت حلقت الكس مني بنورة ... فقلت لها استنصرت من ليس ينصر
ألا فابلغي عني فديتك واصدقي ... محلق ذاك الكس أني مقصر ومنها:
قال لي والدموع تنهل سحاً (١) ... في عراض من الخدود محول
بك ما بي فقلت مولاي عافا ... ك المعافي من عبرتي ونحولي
أنا جفني القريح يروي عن الأع ... مش، والجفن منك عن مكحول ومن أبيات التورية أوما داخلته:
في مصر قلبي من خزائن يوسف ... حب وعير مدامعي تمتاره
حليت شعري باسمه فكأنه ... في كل قطر حله ديناره ومن المدح أيضاً ولا أستحضر لقبه:
رأيت بكفك اعتباراً ... بأساً وندى ما إن يبارى
فقلت وقد عجبت منها ... يا بحر متى تدعو نوارا وقلت مما يجري مجرى الحكم:
إن الهوى لشكاية معروفة ... صبر التصبر من أجل علاجها
والنفس إن ألفت مرارة طعمه ... ضمنت بذاك له صلاح مزاجها ومن الغرائب في الأوصاف:
كأنما الروض ملك ... باهى به جلساه
стр. 3644
يرضى النديم فمهما ... سقى الرياض كساه وفي غرض النسيب:
أصبح الخد منك جنة عدن ... مجتلى أعين وشم أنوف
ظللته من الجفون سيوف ... جنة الخلد تحت ظل السيوف وقلت في النسيب:
أرسلت طرفي في حلاك بنظرة ... هي كانت السبب الغريب لما بي
وأراك بالعبرات قد عاقبتها ... ليس الرسول بموضع لعقاب ومن تحسين القبيح:
وأحول يعدي القلب سهم جفونه ... فتضحي صحيحات القلوب به مرضى
رأى الحسن أن اللحظ منه مهند ... فحرفه كيما يكون له أمضى ومن النزعات الحسنة:
من لي بذكرى كلما أوجزتها ... تمحو سلوي واشتياقي تثبت
وسحاب دمع كلما أمطرته ... غير القتاد بمضجعي لا ينبت ومن النسيب:
جاء العذار بظل غير ممدود ... فمنتهى الحسن منه غير محدود
ناديت قلبي إذ لاحت طلائعه ... يا صبر أيوب هذا درع داود وفي نقيضه:
ما ضر مني أن أخلفت موعودي ... وروض خدك أضحى ذاوي العود
وقال قوس عذار فوق صفحته ... سفينة الحسن قد حطت على الجودي
стр. 3645
ومن التضمين:
يا من بأكناف فؤادي ربع (١) ... قد ضاق بي عن حبك المتسع
ما فيك لي جدوى ولا أرعوي ... شح مطاع وهوى متبع ومن الأغراض المخترعة:
أنكر ت لما أطل عارضه ... فقال لي حين رابه نظري
ألم تقل لي بأنني قمر ... فانظر إلى وبر أرنب القمر ومن التضمين:
يا كوكب الحسن يا معناه يا قمره ... يا روضه المتناهي الريع يا ثمره
أمرتني بسلو عنك ممتنع ... مأمور حسنك لما يقض ما أمره وقلت:
لما رضيت بفرقتي وبعادي ... وصرمت آمالي وخنت ودادي
لاعنت أم الصبر فيك وبعده ... ورثت للأشجان كنز فؤادي
فالصبر مني أجنبي بعدها ... ولواعج الأشجان من أولادي ومن الأغراض المشرقية:
سار بي للأمير يشكواعتراضي ... يوسف والشهود أبناء جنسه
قال لي ما تقول قلت مجيباً ... لم نخف من نكاله أو لحبسه
حصحص الحق يا خوند فدعني ... أنا راودت يوسفاً عن نفسه ومن الأوصاف: