وإن نظرت إلى لألاء غرته ... يوم الهياج رأيت الشمس في الأسد ومن الأوصاف في قصيدة:
كم ليال بت في ظلمائها ... أمتطي من نار شوقي فرشا
وكأن النجم شرب ثمل ... واصل الثملة حتى ارتعشا ومن النورية بالكفتين من الحيل العددية:
لا عدل في الملك إلا وهو قد نصبه ... وصير الخلق في ميزانه عصبه
والكفتان ترى من كفه درتا ... أن تخرج العدد المجهول للطلبه وفي رجل يحتال على الولاية (١) :
حلفت لهم بأنك ذو يسار ... وذو ثقة وبر في اليمين
ليستندوا إليك بحفظ مال ... فتأكل باليسار وباليمين وقلت، ولهما حكاية تظهر من الأبيات:
قلت لما استقل مولاي زرعي ... ورأى غلة الطعام قليله
دمنتي لانتجاعي الحرث كلت ... فهي اليوم دمنة وكليله ومما صدرت به كتاباً لأحد الفضلاء:
يا من تقلد للعلاء سلوكا ... والفضل صير نهجه مسلوكا
كاتبتني متفضلاً فملكتني ... لا زلت منك مكاتباً مملوكا وقلت في غرض يظهر منه:
стр. 3642
جلس المولى لتسليم الورى ... ولفصل البرد في الجو احتكام
فإذا ما سألوا عن يومنا ... قلت: هذا اليوم برد وسلام وقلت من التورية:
يا مالكي بخلال ... تهدي إلى القلب حيره
أضرمت قلبي ناراً ... يا مالك بن نويره وقلت في التورية:
أضاف إلى الجفون السود شعراً ... كجنح الليل أوصبغ المداد
فقلت أمير هذا الحسن تزكو ال ... أجور له بتكثير السواد وقلت أيضاً:
بأبي بدر غزاني ... مستبيحاً شرح صدري
فأنا اليوم شهيد ال ... حب من غزوة بدر وقلت، ولهما (١) حكاية:
أبا ليلة بالخصب لم تأل شهرة ... كما اشتهرت في فضلها ليلة القدر
فآمن قلب اللوز من علة (٢) النوى ... وأصبح فيها التين منشرح الصدر ومن النزعات المشرقية في التورية:
يا قائدي نحوالغرام بمقلة ... نفقت حلاوتها بكل فؤادي
ماذا جنيت علي من مضض الهوى ... الله ينصف منك يا قوادي
стр. 3643
ومن هذا النمط المشرقي:
وقالت حلقت الكس مني بنورة ... فقلت لها استنصرت من ليس ينصر
ألا فابلغي عني فديتك واصدقي ... محلق ذاك الكس أني مقصر ومنها:
قال لي والدموع تنهل سحاً (١) ... في عراض من الخدود محول
بك ما بي فقلت مولاي عافا ... ك المعافي من عبرتي ونحولي
أنا جفني القريح يروي عن الأع ... مش، والجفن منك عن مكحول ومن أبيات التورية أوما داخلته:
في مصر قلبي من خزائن يوسف ... حب وعير مدامعي تمتاره
حليت شعري باسمه فكأنه ... في كل قطر حله ديناره ومن المدح أيضاً ولا أستحضر لقبه:
رأيت بكفك اعتباراً ... بأساً وندى ما إن يبارى
فقلت وقد عجبت منها ... يا بحر متى تدعو نوارا وقلت مما يجري مجرى الحكم:
إن الهوى لشكاية معروفة ... صبر التصبر من أجل علاجها
والنفس إن ألفت مرارة طعمه ... ضمنت بذاك له صلاح مزاجها ومن الغرائب في الأوصاف:
كأنما الروض ملك ... باهى به جلساه
стр. 3644
يرضى النديم فمهما ... سقى الرياض كساه وفي غرض النسيب:
أصبح الخد منك جنة عدن ... مجتلى أعين وشم أنوف
ظللته من الجفون سيوف ... جنة الخلد تحت ظل السيوف وقلت في النسيب:
أرسلت طرفي في حلاك بنظرة ... هي كانت السبب الغريب لما بي
وأراك بالعبرات قد عاقبتها ... ليس الرسول بموضع لعقاب ومن تحسين القبيح:
وأحول يعدي القلب سهم جفونه ... فتضحي صحيحات القلوب به مرضى
رأى الحسن أن اللحظ منه مهند ... فحرفه كيما يكون له أمضى ومن النزعات الحسنة:
من لي بذكرى كلما أوجزتها ... تمحو سلوي واشتياقي تثبت
وسحاب دمع كلما أمطرته ... غير القتاد بمضجعي لا ينبت ومن النسيب:
جاء العذار بظل غير ممدود ... فمنتهى الحسن منه غير محدود
ناديت قلبي إذ لاحت طلائعه ... يا صبر أيوب هذا درع داود وفي نقيضه:
ما ضر مني أن أخلفت موعودي ... وروض خدك أضحى ذاوي العود
وقال قوس عذار فوق صفحته ... سفينة الحسن قد حطت على الجودي
стр. 3645
ومن التضمين:
يا من بأكناف فؤادي ربع (١) ... قد ضاق بي عن حبك المتسع
ما فيك لي جدوى ولا أرعوي ... شح مطاع وهوى متبع ومن الأغراض المخترعة:
أنكر ت لما أطل عارضه ... فقال لي حين رابه نظري
ألم تقل لي بأنني قمر ... فانظر إلى وبر أرنب القمر ومن التضمين:
يا كوكب الحسن يا معناه يا قمره ... يا روضه المتناهي الريع يا ثمره
أمرتني بسلو عنك ممتنع ... مأمور حسنك لما يقض ما أمره وقلت:
لما رضيت بفرقتي وبعادي ... وصرمت آمالي وخنت ودادي
لاعنت أم الصبر فيك وبعده ... ورثت للأشجان كنز فؤادي
فالصبر مني أجنبي بعدها ... ولواعج الأشجان من أولادي ومن الأغراض المشرقية:
سار بي للأمير يشكواعتراضي ... يوسف والشهود أبناء جنسه
قال لي ما تقول قلت مجيباً ... لم نخف من نكاله أو لحبسه
حصحص الحق يا خوند فدعني ... أنا راودت يوسفاً عن نفسه ومن الأوصاف:
стр. 3646
بتنا نطارح هم القحط ليلتنا ... وأيد الهم والسهد البراغيثا
وكان يحمد ما كنا نكابده ... من المشقة لو أن البرا غيثا وفي قريب من المعنى:
وقالوا بدت منكم على الجسم حمرة ... فقلت براغيث لكم رقطونا
عدت نحونا ليلاً ومن بعدنا اغتدت ... كما رقصت في القلوبزر قطونا ومن التضمين:
قال جوادي عندما ... همزت همزاً أعجزه
إلى متى تهمزني ... " ويل لكل همزة " وفي رثاء السلطان أبي الحجاج رحمه الله تعالى:
غبت فلا عين ولا مخبر ... ولا انتظار منك مرقوب
يا يوسف أنت لنا يوسف ... وكلنا في الحزن يعقوب وقلت، ولهما حكاية:
طال حزني لنشاط ذاهب ... كنت أسقى دائماً من حانه
وشباب كان يندى نضرة (١) ... نزل الثلج على ريحانه وقلت، وقد اعجبني نشاط ولدي:
سرق الدهر شبابي من يدي ... ففؤادي مشعر بالكمد
وحمدت الأمر إذ أبصرته ... باع ما أفقدني من ولدي
стр. 3647
وقلت، ولهما حكاية:
قلت للشيب لا يربك جفائي ... في اختصاري لك البرور ومقتك
أنت بالعتب با مشيبي أولى ... جئتني غفلة وفي غير وقتك ومما خططته في رملة نزلتها:
أقمنا برهة ثم ارتحلنا ... كذاك الدهر حال بعد حال
وكل بداية فإلى انتهاء ... وكل إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان دوام أمر ... فقد وقف الرجاء على المحال وقلت أيام مقامي بسلا:
أيا أهل هذا القطر ساعده القطر ... بليت فدلوني لمن يرفع الأمر
تشاغلت بالدنيا ونمت مفرطاً ... وفي شغلي أو نومتني سرق العمر وقلت، والبقاء لله وحده، وبه نختم الهذر:
عد عن كيت وكيت ... ما عليها غير ميت
كيف ترجو حالة البق ... يا لمصباح وزيت انتهى ما نقلته من " الإحاطة " من ترجمة نظمه، وبعض ما ذكر هنا قد تقدم، وكررته لكونه بلفظه في الإحاطة، وقد ذكرت أثناء الأبواب غير هذا الباب من نظم لسان الدين - رحمه الله تعالى - كثيراً، ولنعزز ذلك هنا بذكر ما لم يتقدم ذكره، إذ نظمه بحر لا ساحل له، ولذا كتب ابنه أبوالحسن على هذا المحل من الإحاطة ما صورته: ولوالدي أيضاً المترجم به - رحمه الله تعالى - في سكين الأضاحي لسلطانه أبي الحجاج يوسف بن نصر فيما يكتب بالسكين المضحية:
стр. 3648
لي الفخر إن أبصرتني أوسمعت بي ... على كل مصقول الغرارين مرهف
كفاني فخراً أن تراني قائماً ... بسنة إبراهيم في كف يوسف ومقطوعاته كثيرة لم يتضمن هذا الديوان منها إلا القليل بسبب الاختصار، ومن أراد الوقوف على جملتها فعليه بكتاب الصيب والجهام في شعره، رحمه الله تعالى، قال ذلك ولده علي، لطف الله تعالى به آمين؛ انتهى.
فمن ذلك قوله رحمه الله تعالى (١) :
عسى خطرة بالركب يا حادي العيس ... على الهضبة الشماء من قصر باديس (٢)
لنظفر من ذاك الزلال بعلة ... وننعم في تلك الظلال بتعريس
حبست بها ركبي فواقاً، وإنما ... عقدت على قلبي بها عقد تحبيس (٣)
لقد رسخت آي الجوى في جوانحي ... كما رسخ الإنجيل في قلب قسيس
بميدان جفني للسهاد كتيبة ... تغير على سرح الكرى في كراديس
وما بي إلا نفحة حاجزية ... سرت والدجى ما بين وهن وتغليس
ألا نفس يا ريح من جانب الحمى ... تنفس من نار الجوى بعض تنفيس
ويا قلب لا تلق السلاح فربما ... تعذر في الدهر اطراد المقاييس
وقد تعتب الأيام بعد عتابها ... وقد يعقب الله النعيم من البوس
ولا تخش لج الدمع يا خطرة الكرى ... إلى الجفن بل قيسي على صرح بلقيس
تقول سليمى ما لجسمك شاحباً ... مقالة تأنيب يشاب بتأنيس
وقد كنت تعطوكلما هبت الصبا ... بريان في ماء الشبيبة مغموس
ومن رابح الأيام يا ابنة عامر ... بجوب الفلا راحت يداه بتفليس
стр. 3649
فلا تحسبي والصدق خير سجية ... ظهور النوى إلا بطون النواميس (١)
وقفراء أما ركبها فمضلل ... ومربعها من آنس غير مأنوس
سحبنا بها من هضبة لقرارة ... ضلالاً وملنا من كناس إلى خيس
إذا ما نهضنا عن مقيل غزالة ... نزلنا فعرسنا بساحة عريس (٢)
أدرنا بها كأساً دهاقاً من السرى ... أملنا بها عند الصباح من الروس
وحانة خمار هدانا لقصدها ... شميم الحميا واصطكاك النواقيس
تطلع ربانيها من جداره ... يهينم في جنح الظلام بتقديس
بكرنا وقلنا إذ نزلنا بساحه ... عن الصافنات الجرد والضمر العيس
أيا عابد الناسوت إنا عصابة ... أتينا لتثليث بلى ولتسديس
وما قصدنا إلا المقام بحانة ... وكم ألبس الحق المبين بتلبيس
فأنزلنا قوراء في جنباتها (٣) ... محاريب شتى لاختلاف النواميس
بدرنا بها طين الختام بسجدة ... أردنا بها تجديد حسرة إبليس
ودار العذارى بالمدام كأنها ... قطيع تهادى (٤) في رياش الطواويس
وصارفنا فيها نضاراً بمثله ... كأنا ملأنا الكاس ليلاً من الكيس
وقمنا نشاوى عندما متع الضحى ... كما نهضت غلب الأسود من الخيس
فقال لبئس المسلمون ضيوفنا ... أما وأبيك الحبر ما نحن بالبيس
وهل في بني مثواك إلا مبرز ... بحلبة شورى أوبحلقه تدريس
إذا هز عسال اليراعة فاتكاً ... أسال نجيع الحبر فوق القراطيس
يقلب تحت النقع مقلة ضاحك ... إذا التفت الأبطال عن مقل شوس
стр. 3650
سبينا عقار الروم في عقر دارها (١) ... بحلية تمويه وخدعة تدليس
لئن أنكرت شكلي ففضلي واضح ... وهل جائز في العقل إنكار محسوس
رسبت بأقصى الغرب ذخر مضنة ... وكم درة علياء في قاع قاموس
وأغريت سوسي بالعذيب وبارق ... على وطن داني الجوار من السوس ومن أبدع ما صدر (٢) عن لسان الدين رحمه الله تعالى لاميته المشهورة التي خاطب بها السلطان حين عاد من المغرب إلى الأندلس، وأعاد الله تعالى عليه ملكه الذي كان خلع منه، ويقال: إن السلطان أمر بكتب هذه القصيدة على قصوره بالحمراء إعجاباً بها، وإنها إلى الآن لم تزل مكتوبة بتلك القصور التي استولى عليها العدوالكافر، أعادها الله تعالى للإسلام، وأول هذه القصيدة:
الحق يعلو والأباطل تسفل ... والله عن أحكامه لا يسأل قال لسان الدين رحمه الله تعالى: نظمتها للسلطان - أسعده الله تعالى - وأنا بمدينة سلا، لما انفصل طالباً حقه بالأندلس، كان صنع الله تعالى براعة استهلالها، ووجهت بها إليه إلى رندة قبل الفتح، ثم لما قدمت أنشدتها بعد الفتح وفاء بنذري وسميتها " المنح الغريب في الفتح القريب " ومنها:
وإذا استحالت حالة وتبدلت ... فالله لا يتبدل
واليسر بعد العسر موعود به ... والصبر بالفرج القريب موكل
والمستعد لما يؤمل ظافر ... وكفاك شاهد قيدوا " وتوكلوا " (٣)
أمحمد والحمد منك سجية ... بحليها دون الورى تتجمل
أما سعودك فهي دون منازع ... عقد بأحكام القضاء مسجل
стр. 3651
ولك السجايا الغر والشيم التي ... بغريبها يتمثل المتمثل
ولك الوقار إذا تزلزلت الربى ... وهفت من الروع الهضاب المثل
عوذ كمالك ما استطعت فإنه ... قد تنقص الأشياء مما تكمل
تاب الزمان إليك مما قد جنى ... والله يأمر بالمتاب ويقبل
إن كان ماض من زمانك قد مضى ... بإساءة قد سرك المستقبل (١)
هذا بذاك فشفع الجاني الذي ... أرضاك فيما قد جناه الاول
والله قد ولاك أمر عباده ... لما ارتضى بك قيماً لا تعزل
وإذا تغمدك الإله بنصره ... وقضى لك الحسنى فمن ذا يخذل ومنها:
وظعنت عن أوطان ملكك راكباً ... متن العباب فأي صبر يجمل
والبحر قد حنيت عليك ضلوعه ... والريح تقطع للزفير وترسل
ولك الجواري المنشآت قد اغتدت ... تختال في برد الشباب وترفل
جوفاء يحملها ومن حملت به ... من يعلم الأنثى وماذا تحمل ومنها:
صبحتهم غرر الجياد كأنما ... سد الثنية عارض متهلل
من كل منجرد أغر محجل ... يرمي الجلاد به أغر محجل
زجل الجناح إذا أجد لغاية (٢) ... وإذا تغنى للصهيل فبلبل
جيد كما التفت الظليم وفوقه ... أذن ممشقة وطرف أكحل
فكأنما هوصورة في هيكل ... من لطفه وكأنما هو هيكل
стр. 3652
ومنها:
وخليج هند راق حسن صفائه ... حتى يكاد يعوم فيه الصيقل
غرقت بصفحته النمال وأوشكت ... تبغي النجاة فأوثقتها الأرجل
فالصرح منه ممرد، والصفح من ... هـ مورد، والشط منه مهدل (١)
وبكل أزرق إن شكت ألحاظه ... مره العيون فبالعجاجة تكحل
متأود أعطافه في نشوة ... مما يعل من الدماء وينهل
عجباً له أن النجيع بطرفه ... رمد، ولا يخفى عليه مقتل ومنها:
لله موقفك الذي وثباته ... وثباته مثل به يتمثل
والخيل خط، والمجال صحيفة ... والسمر تنقط، والصوارم تشكل
والبيض قد كسرت حروف جفونها ... وعوامل الأسل المثقف تعمل
لله قومك عند مشتجر القنا ... إذ ثوب الداعي المهيب وأقبلوا
قوم إذا لفح الهجير وجوههم ... حجبوا برايات الجهاد وظللوا وهي طويلة لم يحضرني الآن منها سوى ما كتبته.
ومن نظمه رحمه الله تعالى قوله (٢) :
يا إمام الهدى وأي إمام ... أوضح الحق بعد إخفاء رسمه
أنت عبد الحليم، حلمك نرجو ... فالمسمى له نصيب من اسمه وقال يخاطب عبد الواحد بن زكريا بن أحمد اللحياني أبا مالك ابن سلطان إفريقية مودعاً (٣) :
стр. 3653
أبا مالك أنت نجل الملوك ... غيوث الندى وليوث النزال
ومثلك يرتاح للمكرمات ... وما لك بين الورى من مثال
عزيز بأنفسنا أن نرى ... ركابك مؤذنة بارتحال
وقد خبرت منك خلقاً كريماً ... أناف على درجات الكمال
وفازت لديك بساعات أنس ... كما زار في الليل طيف الخيال
ولولا تعللنا أننا ... نزورك فوق بساط الجلال
ونبلغ فيك الذي نبتغي ... وذاك على الله سهل المنال
لما فترت أنفس من أسى ... ولا برحت أدمع في انهمال
تلقتك حيث حللت (١) السعود ... وكان لك الله في كل حال وتوفي أبومالك المخاطب بهذا في بلاد الجريد سنة٧٥٠.
ومن نظم ابن الخطيب قوله لما أشرف على الحضرة المراكشية حاطها الله تعالى (٢) :
ماذا أحدث عن بحر سبحت به ... من البحار فلا إثم ولا حرج
دحاه مبتدع الأشياء مستوياً ... ما إن به درك كلا ولا درج
حتى إذا ما المنار الفرد لاح لنا ... صحت ابشري يا مطايا جاءك الفرج
قربت من عامر داراً ومنزلةً ... والشاهد العدل هذا الطيب والأرج وقال رحمه الله تعالى (٣) :
كأنا بتامسنا نجوس خلالها ... وممدودها في سيرنا ليس يقصر
مراكب في البحر المحيط تخبطت ... ولا جهة تدري ولا البر تبصر
стр. 3654
وقال سامحه الله تعالى، وهومكتوب بالمدرسة التي بناها السلطان أبوالحجاج ابن نصر رحمه الله تعالى (١) :
ألا هكذا تبنى المدارس للعلم ... وتبقى عهود المجد ثابتة الرسم
ويقصد وجه الله بالعمل الرضى ... وتجنى ثمار العز من شجر العزم
تفاخر مني حضرة الملك كلما ... تقدم خصم في الفخار إلى خصم
فأجدى إذا ضن الغمام من الحيا ... وأهدى إذا جن الظلام من النجم
فيا ظاعناً للعلم يطلب رحلة ... كفيت اعتراض البيد أو لجج اليم
ببابي حط الرحل لا تنو وجهة ... فقد فزت في حال الإقامة بالغنم
فكم من شهاب في سمائي ثاقب ... ومن هالة دارت على قمر تم
يفيضون من نور مبين إلى هدىً ... ومن حكمة تجلوالقلوب إلى حكم
جزى الله عيني يوسفاً خير ما جزى ... ملوك بني نصر عن الدين والعلم وقال رحمه الله تعالى (٢) : مررت يوماً مع شيخنا أبي البركات ابن الحاج ببعض مسالك غرناطة حرسها الله تعالى فأنشدني من نظمه:
غرناطة ما مثلها حضره ... الماء والبهجة والخضره واستجارني رحمه الله تعالى، فقلت:
سكانها قد أسكنوا جنة ... فهم يلقون بها نضره وقال في تورية طبية (٣) :
إني وإن كنت ذا اعتلال ... رث القوى بين الهزال
стр. 3655
في عارض التيس لي شفاء ... فكيف في عارض الغزال وقال رحمه الله تعالى يخاطب شيخه سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق موطئاً على بيت المشارقة في العذار (١) :
أما والذي تبلى لديه السرائر ... لما كنت أرضى الخسف لولا الضرائر
غدوت لضيم ابن الربيب فريسة ... أما ثار من قومي لنصري ثائر
إذا التمست كفي لديه جرايتي ... كأني جان أوبقته الجرائر
وما كان ظني أن أنال جراية ... يحكم من جرائها في جائر
متى جاد بالدينار أخضر زائفاً ... ودارته دارت عليها الدوائر
وقد أخرج التعنيت كيس مرارتي ... ورقت لبلواي النفوس الأخاير (٢)
تذكرت بيتاً في العذار لبعضهم ... له مثل بالحسن في الأرض ثائر
وما اخضر ذاك الخد نبتاً، وإنما ... لكثرة ما شقت عليه المرائر
وجاه ابن مرزوق لدي ذخيرة ... وللشدة العظمى تعد الذخائر
ولو كان يدري ما دهاني لساءه ... وأنكر ما صارت إليه المصائر وقال رحمه الله تعالى يخاطب أحد الشرفاء (٣) :
أعيا اللقاء علي إلا لمحة ... في جملة لا تقبل التفصيلا
فجعلت بابك عن يمينك نائباً ... أهديه عند زيارتي تقبيلا
فإذا وجدتك نلت ما أملته ... أو لم أجدك فقد شفيت غليلا ولما دخل رحمه الله تعالى مدينة أنفا (٤) ، ومر منها على دار عظيمة تنسب إلى والي
стр. 3656
جبايتها عبومن بني الترجمان قارون قومه وغني صنفه، قال (١) :
قد مررنا بدار عبو الوالي ... وهي ثكلى تشكوصروف الليالي
أقصدت بها الحوادث لما ... رشقته بصائبات نبال
كان بالأمس والياً مستطيلاً ... وهو اليوم ما له من وال وقال في الشيخ ابن بطان الصنهاجي (٢) :
لله درك يا ابن بطان فما ... لشهير جودك في البسيطة جاحد
إن كان في الدنيا كريم واحد ... يزن الجميع فأنت ذاك الواحد
أجريت فضلك جعفراً يحيا به ... ما كان من مجد فذكرك خالد
فالقوم منك تجمعوا في مفرد ... ولد كما شاء العلاء ووالد
وهي الليالي لا تزال صروفها ... يشقى بموقعها الكريم الماجد
وبمستعين الله يصلح منك ما ... قد كان أفسده الزمان الفاسد وقال رحمه الله تعالى وقد انتابه البرغوث (٣) :
زحفت (٤) إلي ركائب البرغوث ... نم الظلام يركبها المحثوث
بالحبة السوداء قابل مقدمي ... لله أي قرىً، أعد، خبيث
كسحت بهن ذباب سرح تجلدي ... ليلاً فحبل الصبر جد رثيث
إن صابرت نفسي أذاه تعبدت ... أو صحت منه أنفت من تحنيث
جيشان من ليل وبرغوث فهل ... جيش الصباح لصرختي بمغيث
стр. 3657
وقال يخاطب الوالي محمد بن حسون بن أبي العلاء، وصدر بها رسالة (١) :
لم يبق لي جود الولاية حاجة ... في الأمن أو في الجاه أو في المال
بعد اللقاء أولو الفضائل بغيتي ... ورأيت هذا القصد شرط كمال
أجملته وتشوفت لبيانه ... همم فكنت مفسر الإجمال
وخصصت بالإلقاء غيرك غيرة ... وجعلت ذكرك شاهد الأعمال
للبست يا ابن أبي العلا قشب الملا ... وتركت أهل الأرض في أسمال
إن دون الفضلاء فضلاً معلماً ... فلقد أتيت عليه بالإكمال
تثني عليك رعية آمالها ... في أن تفوز يداك بالآمال
أرعيتها هملاً فلم يطرق لها ... بمنيع سورك طارق الإهمال
من كنت واليه تولته العلا ... ومن أطرحت فما له من والي وقال في عثمان بن يحيى بن عمر بن روح (٢) :
أسمي ذي النورين رجهك في الوغى ... شمس الضحى حلت بليث عرين
إن تفتخر بمرين أرض العدوة ال ... قصوى فإنك أنت فخر مرين وقال رحمه الله تعالى عند وقوفه على مراكش واعتباره بما صار إليه أمرها (٣) :
بلد قد غزاه صرف الليالي ... وأباح المصون منه مبيح
فالذي خر من بناه قتيل ... والذي خر منه بعض جريح
وكأن الذي يزور طبيب ... قد تأتى له بها التشريح
أعجمت منه أربع ورسوم ... كان قدماً بها اللسان الفصيح
стр. 3658
كم معان غابت بتلك المغاني ... وجمال أخفاه ذاك الضريح
وملوك تعبدوا الدهر لما ... أصبح الدهر وهوعبد صريح
دوخوا نازح البسيطة حتى ... قال ما شاء ذابل وصفيح
حين شبت لهم من البأس نار ... ثم هبت لهم من النصر ريح
أثر يندب المؤثر لما ... طال بعد الدنومنه النزوح
ساكن الدار روحها، كيف يبقى ... جسد بعدما تولى الروح وقال رحمه الله تعالى يخاطب أحمد بن يوسف حفيد الولي الصالح سيدي أبي محمد صالح النائم في ظل صيته رحمه الله تعالى (١) :
يا حفيد الولي يا وارث الفخ ... ر الذي نال في مقام وحال
لك يا أحمد بن يوسف جبنا ... كل قطر يعيي أكف الرحال وقال في " نفاضة الجراب ": لما خرجت من آسفي (٢) سرت إلى منزل ينسب إلى أبي خدو، وفيه رجل من بني المنسوب إليه اسمه يعقوب، فألطف وأجزل، وآنس في الليل، وطلبني بتذكرة تثبت عندي معرفته فكتبت له (٣) :
نزلنا على يعقوب نجل أبي خدو ... فعرفنا الفضل لاذي ما له حد
وقابلنا بالبشر واحتفل القرى ... فلم يبق لحم لم ننله ولا زبد
يحق علينا أن نقوم بحقه ... ويلقاه منا البر والشكر والحمد وقال:
أألقي إلى الأيام فضل مقادتي ... فتجنبني ما بين كد وإرهاق
стр. 3659
وأتلف بين الخلق والرزق فكرتي ... ولست بخلاق ولست برزاق
إذا كنت بالإثراء لي في تملق ... رضيت بعز النفس في عز إملاق وقال:
لك الملك ملك الحسن فاقض بنا الذي ... تشاء فما يعصى لأمرك واجبه
إذا ما كسرت اللحظ من تحت حاجب ... تحكم في الألباب كسرى وحاجبه وقال:
سألنا ربيع العام للعام رحمة ... فضن ولم يسمح بذرة إنعام
فقلنا وقد رد الوجوه ولم يبل ... قليل الحيا قبحت والله من عام وقال:
تخونه صرف الزمان وهل ترى ... بقاء لحي أودواماً على أمر
هو الدهر ذووجهين يوم وليلة ... ومن كان ذا وجهين يعتب في غدر وقال رحمه الله تعالى في شجر الجوز:
انظر إلى ينعي وحسن بسوقي ... يهفو النسيم بقدي الممشوق
يجلو اللواحظ منظري حسناً كما ... يجلو ثغور الغانيات عروقي وقال رحمه الله تعالى في ساق:
كيف آمنتما على الشرب ظبياً ... لحظه في القلوب غير أمين
راح يسقي فصب في الكاس نزراً ... ثقة منه بالذي في العيون وقال يخاطب السلطان (١) :
стр. 3660
أنت للمسلمين خير عماد ... وملاذ وأي حرز حريز
لو رأى ما شرعت للخلق فيه ... عمر الفاضل ابن عبد العزيز
لجزى ملكك المبارك خيراً ... وقضى بالشفوف والتبريز
فاشكر الله ما استطعت بفعل ... وبقول مطول أو وجيز
كل ملك يرى بصحبة أهل ال ... علم قد باء بالمحل العزيز
فإذا ما ظفرت منهم بإكسي ... ر ملأت البلاد من إبريز
والبرايا تبيد والملك يفنى ... أين كسرى الملوك مع أبرويز وقال رحمه الله تعالى:
ما لي أهذب نفسي في مطامعها ... والنفس تأنف تهذيبي وتهذي بي
إذا استعنت على دهري بتجرية ... تأبى المقادير تجريبي وتجري بي وقال:
من لا نصيب لصحبه في خيره ... وإذا سعى لم يقض حاجة غيره
فاقصد أباه متى أردت وقل له ... الله يلهمه العزاء بأيره وقال رحمه الله تعالى:
أمستخرجاً كنز العقيق بآماقي ... أناشدك الرحمن في الرمق الباقي
فقد ضعفت عن حمل صبري طاقتي ... عليك وضاقت عن زفيري أطواقي وقال رحمه الله تعالى:
إذا لم أشاهد منك قبل منيتي ... نهاية آمالي وغاية غاياتي
فحسن عزائي حيل بيني وبينه ... وقرة عيني لم تحل بمرآتي
شهودك أمني من عداة خواطري ... وقربك حرزي من توقع آفات
стр. 3661
فإن لم يكن وصل فهبها إشارة ... فيا حسن شاراتي بها من إشارات وقال رحمه الله تعالى يخاطب الدنيا:
دنيا خدعت الذي سفرت له ... عن صفحة لم يحل بها كرم
سرقت حظ الإله من يده ... فهان ما كان منه يحترم
هذا الذي نال منك ليس له ... منقطع دائم ومنصرم
وهبه نال الذي أراد أما ... بين يديه المشيب والهرم ولما أورد رحمه الله تعالى قول القائل (١) في وصف الدنيا:
كلما أنبت الزمان قناة ... ركب المرء في القناة سنانا
وكأنا لم نرض فيها بري ... ب الدهر حتى أعانه من أعانا قال أثره ما نصه: والحق ما قلته من أبيات تناسب ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله:
والله إن لم يداركها وقد وحلت ... بلمحة أوبلطف من لدنه خفي
ولم يجد بتلافيها على عجل ... ما أمرها صائر إلا إلى التلف فحب الدنيا رأس كل بلية، ولولاه لم تزل النفس صافية عالية عن سجيتها الأولية.
ومن نظمه رحمه الله تعالى قوله:
إن رأى الحق فيك منه بقيه ... فاتق البعد فيه حق التقيه
وإذا لم يكن لذاتك رسم ... قائم تلك حالة حقيه وقوله رحمه الله تعالى:
стр. 3662
فسامح إذا ما لم تفدك عبارة ... وإن أشكلت يوماً فخذها كما هيا
وتلخيص ما دندنت بالقول حوله ... إذا قمت بالباقي فما زلت باقيا وقال رحمه الله تعالى (١) :
ففي عالم الأسرار ذاتك تجتلي ... ملامح نور لاح للطور فانهدا
وفي عالم الحس اغتديت مبوأ ... لتشفي من استشفى وتهدي من استهدى
فما كنت لولا أن أتيت هداية ... من الله مثل الخلق رسماً ولا حدا وهذه الأبيات في مدح النبي ﷺ .
وقال رحمه الله تعالى:
حمامة البان ما هذا البكاء على ... مر الليالي وماذا البث والحزن
لا منزل بنت عنه أنت تندبه ... ولا حبيب ولا خل ولا سكن
لو كنت تنفث عن شوق منيت به ... إذاً لصار رماداً تحتك الغصن وقال رحمه الله تعالى مضمناً:
أمط عنك مهما اسطعت كل إرادة ... وإلا فمغنى القوم عنك بعيد
تكون مريداً ثم فيك إرادة ... إذا لم ترد شيئاً فأنت مريد وقال رحمه الله تعالى:
تعلقته من دوحة الجود والباس ... قضيباً لعوباً بالرجاء وبالياس
ضروباً بضرب لليراعة والقنا ... طروباً بحمل المشرفية والكأس
يذكرنيه الصبح عند انصداعه ... جمال رواء في تأرج أنفاس
ويبدو لعيني شعره وجبينه ... إذا ما سفحت الحبر في صفح قرطاس
стр. 3663
وقال رحمه الله تعالى:
أحب لحبها جملي ورحلي ... وعزمي والقتادة والطريقا
ومن أخشاه من سبع ولص ... فكيف فريقها سلموا فريقا!
وكيف أخص باسم الحب إن لم ... أحب لأجلها إلا صديقا وقال رحمه الله تعالى وقلت من قصيدة:
أنا نسخة الأكوان أدمج خطها ... فسر ذوي التحقيق في طي أوراقي
فمن عالم الأشباح ليلي وظلمتي ... ومن عالم الأرواح نوري وإشراقي وقال رحمه الله تعالى:
مولاي مولاي إن أرضاك بذل دمي ... فقد أتيت به أسعى على قدمي
وإن تعاظم ذنب قد جنته يدي ... وطال قرعي عليه السن من ندم
فهبه لي واغتفر ما كان من خطإ ... وزلة وارع لي حبي على القدم وقال رحمه الله تعالى من قصيدته العينية السلوية التي وجهها إلى سلا أيام خلف بها أهله وولده:
بولي الله فابدأ وابتدر ... واحد الآحاد في باب الورع [ترجمة الولي ابن عاشر]
قلت: هذا الولي هوالعارف بالله تعالى سيدي الحاج أحمد بن عاشر أحد الصلحاء أصحاب الكرامات المشهورة بالمغرب، وقد زرت قبره بسلا عام تسعة وألف، وهوأحمد بن عمر بن محمد بن عاشر (١) ، الأندلسي، نزيل سلا، الولي الزاهد المشهور بالمناقب والأحوال.
стр. 3664
قال ابن عرفة: ما أدركت مبرزاً في زماننا هذا إلا الشيخ أبا الحسن المنتصر وأحمد بن عاشر بسلا؛ انتهى.
وقال بلدينا أبوعبد الله ابن صعد التلمساني في كتابه " النجم الثاقب فيما لأولياء الله تعالى من المناقب ": كان أحد الأولياء الأبدال، معدوداً في كبار العلماء، مشهوراً بإجابة الدعاء، معروفاً بالكرامات، مقدماً في صدور الزهاد، منقطعاً عن الدنيا وأهلها، ولوكانوا من صالحي العباد، ملازماً للقبور في الخلاء المتصل ببحر مدينة سلا، منفرداً عن الخلق، لا يفكر في أمر الرزق، وله أخبار جليلة، وكرامات عجيبة مشهورة، ممن جمع له العلم والعمل، وألقي عليه القبول من الخلق، شديد الهيبة، عظيم الوقار، كثير الخشية، طويل التفكر والاعتبار، قصده أمير المؤمنين أبوعنان، وارتحل إليه عام سبعة وخمسين وسبعمائة، فوقف ببابه طويلاً، فلم يأذن له، وانصرف وقد امتلأ قلبه من حبه وإجلاله، ثم عاود الوقوف ببابه مراراً فما وصل إليه، فبعث له بعض أولاده بكتاب كتبه إليه يستعطفه لزيارته وورؤيته، فأجابه بما قطع رجاءه منه، وأيس من لقائه، واشتد حزنه، وقال: هذا ولي من أولياء الله تعالى حجبه الله عنا؛ انتهى.
ولما أجرى ذكره لسان الدين في " نفاضة الجراب " قال ما ملخصه: ولقيت من أولياء الله تعالى بسلا الولي الزاهد الكبير المنقطع القرين، فراراً عن زهرة الدنيا، وعزوفاً عنها، وإغفاء في الورع، وشهرة بالكشف، وإجابة الدعوة وظهور الكرامة، أبا العباس ابن عاشر، يسر الله تعالى لقاءه على تعذره لصعوبة تأتيه، وكثرة هيبته، قاعداً بين القبور في الخلاء، رث الهيئة، مطرق اللحظ، كثير الصمت، مفرط الانقباض والعزلة، قد فر من أهل الدنيا وتطارحهم، فهوشديد الاشمئزاز من قاصده، مجرمز للوثبة من طارقه، نفع الله تعالى به.
وقال ابن الخطيب القسمطيني الشهير بابن قنفذ: لقيته بسلا سنة ٧٦٣، وهوعلى أتم حال في الورع، والفرار من الامراء، والتمسك بالسنة، وهوالشيخ
стр. 3665
الفقيه الولي، توفي في سنة خمس وستين وسبعمائة؛ انتهى.
وممن انتفع به ونال بركته الولي العارف بالله سيدي أبوعبد الله ابن عباد شارح الحكم، وقد ترجمناه في هذا الكتاب.
وقال ابن عباد المذكور في رسائله: وقد كنت قدماً خرجت في يوم مولده ﷺ صائماً إلى ساحل البحر، فوجدت هناك سيدي الحاج ابن عاشر رحمه الله تعالى وجماعة من أصحابه معهم طعام يأكلونه، فأرادوا مني الأكل، فقلت: إني صائم، فنظر إلي سيدي الحاج نظرة منكرة، وقال لي: هذا يوم فرح وسرور يستقبح في مثله الصوم كالعيد، فتأملت قوله فوجدته حقاً، وكأنه أيقظني من النوم؛ انتهى.
وقال ابن قنفذ السابق في رحلته ما صورته: وكان ابن عاشر رحمه الله تعالى فريداً في الورع، ميسراً عليه في ذاك أتم تيسير، محفوظاً من كل ما فيه شبهة، كثير النفور من الناس، وخصوصاً أصحاب الولاية في الأعمال، وخرجت على يده تلامذة نجباء أخيار، وطريقه أنه جعل " إحياء علوم الدين " بين عينيه، واتبع ما فيه بجد واجتهاد، وصدق وانقياد، وكان الحجة في ذلك الطريق، وأول اجتماعي به نفر مني، فحبسته بيدي وهززته، فتبسم ووقف معي، وسألني عن نسبي، ودعا لي، وطلبته بما يطمعني، فاعتذر لي بالإقلال، ثم قال: أمهل، فدخل وأخرج لي حبات تين يا بسة في يده اليمنى، وغطاها باليد اليسرى، ودفعها إلي، وضحك معي، وعجب الحاضرون من ليانته وانشراحه معي، لأنه لا ينبسط إلى أحد، وحصل لي بذلك فخر لا يدري قدره إلا من حاول بعضه معه، وقصدني كثير من الخواص فسألني عن مجلسي معه وما وقع من جوابه وسؤاله، وقد حاول ملك المغرب لما ارتحل إليه في عام سبعة وخمسين وسبعمائة على لقائه فلم يقدر عليه بوجه، وحجبه الله تعالى حتى تبعه يوم جمعة من الجامع الأعظم على قدمه، والناس ينظرونه، وهولم يره، فرجع، ولم يكن قوته إلا من نسخ العمدة في الحديث، وكيف يبيعها، ولمن يبيعها، ولا يأخذ إلا قيمتها
стр. 3666
ولم تزل حالته وبركته في زيادة إلى أن توفي سنة ٧٦٥، وسأله بعض الأخيار بمحضري عن الفرق بين مكاشفة المسلم ومكاشفة النصراني، لوجود ذلك من بعضهم، فقال: المسلم الذي له هذه الدرجة يبرئ من العاهة، والنصراني لا يبرئ، ثم قال: وهل يبرئ الفقيه من العاهة فقال له: نعم، ثم نظر يميناً وشمالاً، ليجد صاحب عاهة فيأتي بالعيان، فلم يجد أحداً، وكأنه اغتاظ لهذا السؤال، ثم أخرج يده وقال: يأتي لمن يقعد عن الحركة، فيحبسه بيده، ويقيمه وقد ذهب ألمه بعد أن جثا إلى الأرض في الصفة، ثم قال: وسئل بعضهم عن هذا، وكان السائل نصرانياً في زي المسلم، فقال له: الفرق بينهما سقوط الزنار من وسطك، قال: فسقط، وفضحه الله تعالى، وأسلم بسبب ذلك؛ انتهى كلام ابن قنفذ القسمطيني، رحمه الله تعالى.
وترجمة ولي الله تعالى سيدي الحاج ابن عاشر - نفعنا الله تعالى ببركاته - متسعة جداً، وكراماته ومناقبه لا نبلغ لها حداً، ولا نطيق لها عداً، وإنما ألمعنا بذكره قصداً للتبرك به، والله ولي التوفيق، وهوالهادي إلى سواء الطريق.
رجع إلى نظم لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى، فنقول: ومن مداعباته رحمه الله تعالى قوله:
ومولع بالكتب يبتاعها ... بأرخص السوم وأغلاه
في نصف الاستذكار أعطيته ... مختصر العين فأرضاه ويعني بمختصر العين الزبيدي فافهم، وقال رحمه الله تعالى من قصيدة:
ووالله ما اعتل الأصيل، وإنما ... تعلم من شجوي فبان اعتلاله وهذا غاية في المنالغة وحسن التعليل.
стр. 3667
وقال رحمه الله تعالى (١) : وقفت على قبر المعتمد بالله في مدينة أغمات في حركة راحة أعملتها إلى الجهات المراكشية، باعثها لقاء الصالحين ومشاهدة الآثار، عام واحد وستين وسبعمائة، وهوبمقبرة أغمات في نشز من الأرض، وقد حفت به سدرة، وإلى جنبه قبر " اعتماد " حظية مولاه رميك، وعليهما هيئة التغرب ومعاناة الخمول من بعد الملك، فلا تملك العين دمعها عند رؤيتهما، فأنشدت في الحال:
قد زرت قبرك عن طوع بأغمات ... رأيت ذلك من أولى المهمات
لم لا أزورك يا أندى الملوك يداً ... ويا سراج الليلالي المدلهمات
وأنت من لو تخطى الدهر مصرعه ... إلى حياتي لجادت فيه أبياتي
أناف قبرك في هضب يميزه ... فتنتحيه حفيات التحيات
كرمت حياً وميتاً واشتهرت علا ... فأنت سلطان أحياء وأموات
ما ريء مثلك في ماض ومعتقدي ... أن لا يرى الدهر في حال ولا آت وقد تقدم هذا في القسم الأول في الباب السابع منه، وكررته هنا، والله الموفق.
وقال رحمه اله تعالى مورياً حين أكل مشرف الدار القابض، أي أكل ماله (٢) :
مشرف دار الملك ما باله ... منتفخ الجوف شكا نافضا (٣)
فقيل لي ليس به علة ... لكنه قد أكل القابضا (٤)
стр. 3668
وقال (١) :
يا نفس لا تصغي إلى سلوة ... كم أخلف الموعد عرقوب
وأنت يا قلبي وصاك إب ... راهيم بالحزن ويعقوب وقال في السعيد أبي بكر ابن السلطان أبي عنان:
أمير كأن قمير الدجى ... أفاض الضياء على صفحتيه
تملأ قلبي من حبه ... غداة نظرت بعيني إليه
فلا بسط الدهر كف الردى ... لذاك الشخيص وذاك الوجيه وقال يخاطب الخطيب ابن مرزوق:
تعلم طيفوري خلال سميه ... وإن كان منسوباً إلى غير بسطام (٢)
وجاء فقير الوقت لابس خرقة ... فليس براض غير صحبة صوام
فديتك لا تردده عنك مخيباً ... ودرسه يا مولاي قصة بلعام (٣) وقال: مما كتبت به إلى ابن مرزوق المذكور، وقد وصل ولده إلى سلا ومنع ابن الخطيب عن لقائه عذر مرض، وكان نزوله بزاوية النساك:
صدني عن لقاء نجلك عذر ... يمنع الجسم عن تمام العباده
واختصرت القرى لأن حط رحلاً ... في محل الغنى ودار الزهاده
ولو أني احتفلت لم يعن الده ... ر ولا نلت بعض بعض أراده
وعلى كل حالة فقصوري ... عادة إذ قبولك العذر عاده
стр. 3669
لا عدمت الرضى من الله والحس ... نى كما نص وحيه والزياده وقال يخاطبه من ضريح السلطان أبي الحسن بشالة لاستنهاض عزيمته في قضاء غرضه:
برئت لله من حولي ومن حيلي ... إن نام عني وليي فهوخير ولي
أصبحت مالي من عطف أؤمله ... من غيره في مهمات ولا بدل
ما كنت أحسب أن أرمى بقاصية ... للهجر أقطع فيها جانب الأمل
من بعد ما خلصت نحوي الشفاعة ما ... بين العلا (١) والدجى والبيض والأسل
إن كنت لست بأهل للذي طمحت ... إليه نفسي وأهوى نحوه أملي
فكيف يلغى ولا ترعى وسيلته ... دخيل قبر أمير المسلمين علي
من بعد ما اشتهرت حالي به وسرت ... بها الركائب في سهل وفي جبل
والرسل تترى ولا تخفى نتائجها ... عند التأمل من قول ولا عمل
ولا لليلي من صبح أطالعه ... كأن همي قد مد الدجنة لي
لو أنني بابن مرزوق عقدت يدي ... وكان محتكماً في خيرة الدول
لكان كربي قد أفضى إلى فرج ... وكان حزني قد أوفى على جذلي
ألمحت بالعتب لم أحذر مواقعه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل
ولست أجحد ما خولت من نعم ... لكنها النفس لا تنفك عن أمل
ولست أيأس من وعد وعدت به ... " وإنما خلق الإنسان من عجل " وقال رحمه الله تعالى يخاطب السلطان أبا الحجاج:
أمولاي إن الشعر ديوان حكمة ... يفيد الغنى والعز والجاه من كانا
وقد وجد المختار في الحفل منصتاً ... له وحبا كعباً عليه وحسانا
стр. 3670
وفيما رواه الناقلون وأثبتوا ... بذلك ديواناً صحيحاً فديوانا
بأن أبا بكر خليفته الرضى ... وفاروقه الأدنى إليه وعثمانا
وأن علياً قدس الله جمعهم ... وكرمنا بالقرب منهم وحيانا
لهم في ضروب القول إذ هم فحوله ... خطاب وشعر يستقران تبيانا
وفاض على أهل القريض نوالهم ... فروض روض القول سحاً وتهتانا
وأنت أحق الناس أن تفعل الذي ... به فعل المختار ديناً وإيماناً
فما زلت تهدي في البرية هديه ... وتقضي بما يرضيه سراً وإعلاناً
وإن قيل قدر المرء ما هو محسن ... فصنعة نظم القول أرفعه شانا وقال مورياً:
بنفسي حبيب في ثناياه " بارق " ... ولكنها للواردين عذاب
إذا كان لي منه عن الوصل " حاجر " ... فدمعي " عقيق " بالجفون مذاب وقال:
عذبت قلبي بالهوى فقيامه ... في نار هجرك دائماً وقعوده
ولقد عهدت القلب وهو موحد ... فعلام يقضى في العذاب خلوده وقال في التجنيس:
دعوتك للود الذي جنباته ... تداعت مبانيها وهمت بأن تهي
وقلت لعهد الوصل والقرب بعدما ... تناءى وهل أسلوحياتي وأنت هي
ومن شام من جوالشبيبة بارقاً ... ولم تنهه عنه النهى كيف ينتهي وقال:
ناديت دمعي إذ جد الرحيل بهم ... والقلب من فرق التوديع قد وجبا
سقطت يا دمع من عيني غداة نأى ... عني الحبيب ولم تقض الذي وجبا
стр. 3671
وقال:
شلير لعمري أساء الجوار ... وسد علي رحيب الفضا
هو الشيخ أبرد شيء يرى ... إذا ليس البرنس الأبيضا وقال: قلت أخاطب بعض من أدل عليه وما أولاني بذلك:
إذا قمت قل بعقيب الكرى ... إلهي أنت إله الورى
تباركت أنشأتهم من تراب ... وأنشأتني بينهم من خرا قلت: ولا خفاء ببشاعة هذا، فحذفه أولى من إثباته.
وقال يداعب بعض أصحابه:
شيخ رباط إن أتى شادن ... خلوته عند انسدال الظلام
أدلى وقد أبصره دلوه ... وقال يا بشراي هذا غلام وقال في غرض يظهر:
لم أجد فيه لين بث لقلبي ... وقبولاً لحجتي واعتذاري
ثقل الله ظهره بعيال ... سود الله وجهه بعذار وقال من قصيدة:
أخذت وأمواج الردى متلاطمه ... بضبعي يا نجل الوصي وفاطمه وقال:
ووجه غرست الورد فيه بنظرة ... فيا ليت كفي متعت بجنى غرسي
كأن سواد الخال في وجناته ... علامة مولانا على أحمر الطرس
وبينهما في باطن الأمر نسبة ... لذلك أمضيت الغرام على نفسي
стр. 3672
وقال يشير إلى بعض طبقات الغناء:
ضرط الفقيه فقلت ذاك غريبة ... ما كان ذلك منه بالمعلوم
فدنا إلي وقال قد أصرفتكم ... من ضرطتي بغريبة المزموم وفي آخر سنة أربع وسبعين وجه إلى السلطان أبي حمو سلطان تلمسان أبياتاً لزومية في غرض الهناء، وهي:
وقفت الغرام على ثناك لساني ... رعياً لما أوليت من إحسان
فكأنما شكري لما أوليته ... شكر الرياض لعارض النيسان
أنا شيعة لك حيث كنت، قضية ... لم يختلف في حكمها نفسان
ولقد تشاجرت الرماح فكنت في ... ميدان نهرك فارس الفرسان
ورويت غر مآثر أسندتها ... لعلاك بين صحائح وحسان
ولأنت أولى بالتشيع شيمة ... لم تتفق لسواك من إنسان
الشمس أنت قد انفردت وهل يرى ... بين الورى في مطلع شمسان
جبرت بجبرك كل نفس حرة ... وشدا بشكر (١) الله كل لسان
وبدت سعودك مستقيماً سيرها ... وعلت ففر أمامها النحسان
فاستقبل السعد المعاود سافراً ... عن أي وجه للرضى حسان
وابغ المزيد بشكر ربك ولتثق ... بمضاعف الإنعام والإحسان
فالشكر يقتاد المزيد ركائباً ... تنتاب بابك منه في أرسان
ثم السلام عليك يزري عرفه ... طيباً بعرف العود والبلسان وقال (٢) :
стр. 3673
بحق ما بيننا يا ساكني القصبة ... ردوا علي حياتي فهي مغتصبه
ماذا جنيتم على قلبي ببينكم ... وانتم الأهل والأحباب والعصبه قلت: ولعل ابن زمرك قال أبياته التي على هذا الروي المذكورة في غير هذا الموضع من هذا الكتاب جواباً لهذه حين كان ابن زمرك من جملة أتباع لسان الدين رحم الله تعالى الجميع.
وقال لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى (١) :
حين ساروا عني وقد خنقتني ... عبرات قد أعربت عن ولوعي
صحت من ينصر الغريب فلما ... لم أجد ناصراً بلعت دموعي وقال:
قال لي والدموع تنهل سحباً ... في عراص (٢) من الخدود محول
بك ما بي فقلت مولاي عافا ... ك المعافي من عرتي ونحولي
أنا جفني القريح يروي عن الأع ... مش والجفن منك عن مكحول وقال:
أشكو لمبسمه الحريق وقد حمى ... عني لماه المشتهى ورحيقه
يا ريقه حيرتني ومطلتني ... ما أنت إلا بارد يا ريقه وقال فيمن ركب البحر وماد (٣) :
ركب السفينة واستقل بأفقها ... فكأنما ركب الهلال الفرقد
стр. 3674
وشكوا إليه بميده فأجبتهم ... لا غرو إن ماد القضيب الأملد وقال عندما خرج السلطان ابن الأحمر من فاس متوجهاً إلى الأندلس لطلب حقه:
ولما حثثت السير والله حاكم ... لملكك في الدنيا بعز وفي الأخرى
حكى فرس الشطرنج طرفك لا يرى ... ينقل من بيضاء إلا إلى حمرا ويعني بالبيضاء فأساً الجديدة، وبالحمراء حمراء غرناطة.
وتذكرت هنا أن بعض علماء الأندلس، وأظنه أبا عبد الله ابن جزي، لما رمدت عين بعض أهل فاس سأله عنها، فقال:
يا سيدي عيني قد ... أودى قذاها بالأنس
فانظر إليها ترها ... دار مليك الأندلس يعني حمراء، فأجابه بقوله:
وقيت مما تشتكي ... من القذى والوصب
ما رمدت عيناك بل ... عين العلا والأدب
فلتحمدن أن لم تكن ... دار مليك المغرب يعني بيضاء، وهذا من غريب ما يحاضر به.
رجع - وقال لسان الدين رحمه الله تعالى (١) :
أجاد يراع الحسن خط عذاره ... وأودعه السر المصون الذي يدري
ولم يفتقر فيه لختم وطابع ... فمبسمه أغناه عن طابع السر
стр. 3675
وقال في غرناطة:
أحييك يا معنى الكمال (١) بواجب ... وأقطع في أوصافك الغر أوقاتي
تقسم منك الترب قومي وجيرتي ... ففي الظهر أحيائي وفي البطن أمواتي وقال في غرض ينحو نحو المشارقة:
رموا بالسلو حليف الغرام ... وأدمعه كالحيا الهاطل
أعوذ بعزك يا سيدي ... لذلي من دعوة الباطل وقال:
يا ليل طلت ولم تجد بتبسم ... وأريتني خلق العبوس النادم
هلا رحمت تغربي وتفرقي ... لله ما أقساك يا ابن الخادم وقال في مروحة سلطانية:
كأني قوس الشمس عند طلوعها ... وقد قدمت من قبلها نسمة الفجر
وإلا كما هبت بمحتدم الوغى ... بنصر ولكن من بنود بني نصر وقال يخاطب شيخه ابن الجياب:
بين السهام وبين كتبك نسبة ... فبها يصاب من العدو المقتل
وإذا أردت لها زيادة نسبة ... هذي وهذي في الكنانة تجعل وقال يتغزل، وفيه معنى غريب:
إن اللحاظ هي السيوف حقيقة ... ومن استراب فحجتي تكفيه
لم يدع غمد السيف جفناً باطلاً ... إلا لشبه اللحظ يغمد فيه
стр. 3676
قيل: وأحسن منه قول غيره:
إن العيون النجل أمضى موقعاً ... من كل هندي وكل يماني
فضل العيون على السيوف بأنها ... قتلت ولم تخرج من الأجفان وأصل ما قال لسان الدين قول الأول:
بين السيوف (١) وعينيه مناسبة ... من أجلها قيل للأغماد أجفان وقال لسان الدين رحمه الله تعالى في الساعة، وتسميها المغاربة المنجانة:
تأمل الرمل في المنجان منقطعاً ... يجري وقدره عمراً منك منتهبا
والله لوكان وادي الرمل (٢) ينجده ... ما طال كامله إلا وقد ذهبا وقال:
أقول لعاذلي لما نهاني ... وقد وجد المقالة إذ جفاني
علمت بأنه مر التجني ... وفاتك أنه حلو اللسان وقال في غرض صوفي:
لا تنكروا إن كنت قد أحببتكم ... أو أنني استولى علي هواكم
طوعاً وكرهاً ما ترون فإنني ... طفت الوجود فما وجدت سواكم وقال يمدح، وفيه تورية:
وإن نظرت إلى لألاء غرته ... يوم الهياج رأيت الشمس في الأسد وقال مما يكتب على طاق الماء بباب القبة (٣) :
стр. 3677
أنا طاق تزهو بي الأيام ... تعبت في بدائعي الأفهام
وتبديت للنواظر محرا ... باً كأن الإناء في إمام
واقف للصلاة حتى إذا ما ... جئت للشرب حان مني سلام وقال في ذلك أيضاً:
يا صانعي لله ما أحكمته ... فلأنت بين العالمين رئيس
أحكمت تاجي يوم صغت رقوشه ... فصبت إليه مفارق ورؤوس
وأقمت في محرابه فكأنه ... مجلى إناء فيه عروس وقال في المشيب (١) :
أنى لمثلي بالهوى من بعد ما ... للوخط في الفودين أي دبيب
لبس البياض وحل ذروة منبر ... مني ووالى الوعظ، فعل خطيب وقال رحمه الله تعالى:
والله ما جان على ماله ... أو جاهه من ذب عن عرضه
والناس في خير وفي ضده ... هم شهداء الله في أرضه وقال (٢) :
إلهي بالبيت المقدس والمسعى ... وجمع إذا ما الخلق قد نزلوا جمعا
وبالموقف المشهود يا رب في منى ... إذا ما أسال الناس من خوفك الدمعا
وبالمصطفى والصحب عجل إقالتي ... وأنجح دعائي فيك يا خير من يدعى
صدعت وأنت المستغاث جنابه ... أقل عثرتي يا موئلي واجبر الصدعا
стр. 3678
وقال رحمه الله تعالى في بنيونش سبتة (١) :
بنيونش (٢) أسنى الأماكن رقعة ... وأجل أرض الله طرأ شانا
هي جنة الدنيا التي من حلها ... نال الرضى والروح والريحانا
قالوا القرود بها فقلت فضيلة ... حيوانها قد قارب الإنسانا (٣) وفي بنيونش هذه يقول أبوعبد الله ابن مجبر (٤) :
بنيونش جنة ولكن ... طريقها يقطع النياطا
وجنة الخلد لا يراها ... إلا فتىً يقطع الصراطا وقال ابن الخطيب رحمه الله تعالى (٥) :
إن الهوى لشكاية معروفة ... صبر التصبر من أجل علاجها
والنفس إن ألفت مرارة طعمه ... يوماً ضمنت لها صلاح مزاجها وقال رحمه الله تعالى (٦) :
ولما رأت عزمي حثيثاً على السرى ... وقد رابها صبري على موقف البين
أتت بصحاح الجوهري دموعها ... فقابلت من دمعي بمختصر العين وقال رحمه الله تعالى:
تذكرت عهداً كان أحلى من الكرى ... وأقصر من إلمام طيف خياله
стр. 3679
فيا ليت شعري من أتاح لي المنى ... وعذب بالي هل أمر بباله وقال رحمه الله تعالى:
عيني جنت فعلام تحرق أضلعي ... أبما جنى جار يعذب جار
يا قلب لا تدهشك نيران الهوى ... فكنار إبراهيم تلك النار
فاصبر على ما حملوا تنل المنى ... بالسبك أدرك نقشه الدينار وقال رحمه الله تعالى:
وما كان إلا أن جنى الطرف نظرة ... غدا القلب رهناً في عقوبة ذنبه
وما العدل أن يأتي امرؤ بجزيرة ... فيؤخذ في أوزارها جار جنبه وقال رحمه الله تعالى:
برى جسدي فيكم غرام ولوعة ... إذا سكن الليل البهيم تثور
فلولا أنيني ما اهتدى نحو مضجعي ... خيالكم بالليل حين يزور
ولو شئت في طي الكتاب لزرتكم ... ولم تدر عني أحرف وسطور وقال رحمه الله تعالى:
بلد تحف به الرياض كأنه ... وجه جميل والرياض عذاره
وكأنما واديه معصم غادة ... ومن الجسور المحكمات سواره وقال رحمه الله تعالى يخاطب السلطان أبا حموصاحب تلمسان ويشكره على ما كان أعان به أهل الأندلس (١) :
لقد زار الجزيرة منك بحر ... يمد فليس تعرف منه جزرا
стр. 3680
أعدت لها بعهدك عهد موسى ... سميك فهي تتلومنه ذكرا
أقمت جدارها وافدت كنزاً ... ولو شئت اتخذت عليه أجرا وقال أيضاً:
وقالوا الجزيرة قد صوحت ... فقلت غمام الندى تنتظر
إذا وكفت كف موسى بها ... غماماً يعود الجناب الخضر وقال رحمه الله تعالى عقب الإياب من الرحلة المراكشية (١) :
أفادت وجهتي بنداك مالاً ... قضى ديني وأصلح بعض حالي
ومتعت الخواطر بانشراح ... وأطرفت النواظر باكتحال
وأبت خفيف ظهر، والمطايا ... بجاهك تشتكي ثقل الرحال
وشاني للمعالم غير شان ... وحالي بالمكارم جد حال
فحب علاك إيماني وعقدي ... وشكر نداك ديني وانتحالي
كما قد صح لله انقطاعي ... بتأميلي جنابك وارتحالي
وما يبقى سوى فعل جميل ... وحال الدهر لا تبقى بحال
وكل بداية فإلى انتهاء ... وكل إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان دوام أمر ... فقد وقف الرجاء على المحال وقال رحمه الله تعالى في الضراعة إلى ربه، والاعتراف بذنبه (٢) :
مولاي إن أذنبت ينكر أن يرى ... منك الكمال ومني النقصان
والعفو عن سبب الذنوب مسبب ... لولا الجناية لم يكن غفران