قيل: وأحسن منه قول غيره:
إن العيون النجل أمضى موقعاً ... من كل هندي وكل يماني
فضل العيون على السيوف بأنها ... قتلت ولم تخرج من الأجفان وأصل ما قال لسان الدين قول الأول:
بين السيوف (١) وعينيه مناسبة ... من أجلها قيل للأغماد أجفان وقال لسان الدين رحمه الله تعالى في الساعة، وتسميها المغاربة المنجانة:
تأمل الرمل في المنجان منقطعاً ... يجري وقدره عمراً منك منتهبا
والله لوكان وادي الرمل (٢) ينجده ... ما طال كامله إلا وقد ذهبا وقال:
أقول لعاذلي لما نهاني ... وقد وجد المقالة إذ جفاني
علمت بأنه مر التجني ... وفاتك أنه حلو اللسان وقال في غرض صوفي:
لا تنكروا إن كنت قد أحببتكم ... أو أنني استولى علي هواكم
طوعاً وكرهاً ما ترون فإنني ... طفت الوجود فما وجدت سواكم وقال يمدح، وفيه تورية:
وإن نظرت إلى لألاء غرته ... يوم الهياج رأيت الشمس في الأسد وقال مما يكتب على طاق الماء بباب القبة (٣) :
стр. 3677
أنا طاق تزهو بي الأيام ... تعبت في بدائعي الأفهام
وتبديت للنواظر محرا ... باً كأن الإناء في إمام
واقف للصلاة حتى إذا ما ... جئت للشرب حان مني سلام وقال في ذلك أيضاً:
يا صانعي لله ما أحكمته ... فلأنت بين العالمين رئيس
أحكمت تاجي يوم صغت رقوشه ... فصبت إليه مفارق ورؤوس
وأقمت في محرابه فكأنه ... مجلى إناء فيه عروس وقال في المشيب (١) :
أنى لمثلي بالهوى من بعد ما ... للوخط في الفودين أي دبيب
لبس البياض وحل ذروة منبر ... مني ووالى الوعظ، فعل خطيب وقال رحمه الله تعالى:
والله ما جان على ماله ... أو جاهه من ذب عن عرضه
والناس في خير وفي ضده ... هم شهداء الله في أرضه وقال (٢) :
إلهي بالبيت المقدس والمسعى ... وجمع إذا ما الخلق قد نزلوا جمعا
وبالموقف المشهود يا رب في منى ... إذا ما أسال الناس من خوفك الدمعا
وبالمصطفى والصحب عجل إقالتي ... وأنجح دعائي فيك يا خير من يدعى
صدعت وأنت المستغاث جنابه ... أقل عثرتي يا موئلي واجبر الصدعا
стр. 3678
وقال رحمه الله تعالى في بنيونش سبتة (١) :
بنيونش (٢) أسنى الأماكن رقعة ... وأجل أرض الله طرأ شانا
هي جنة الدنيا التي من حلها ... نال الرضى والروح والريحانا
قالوا القرود بها فقلت فضيلة ... حيوانها قد قارب الإنسانا (٣) وفي بنيونش هذه يقول أبوعبد الله ابن مجبر (٤) :
بنيونش جنة ولكن ... طريقها يقطع النياطا
وجنة الخلد لا يراها ... إلا فتىً يقطع الصراطا وقال ابن الخطيب رحمه الله تعالى (٥) :
إن الهوى لشكاية معروفة ... صبر التصبر من أجل علاجها
والنفس إن ألفت مرارة طعمه ... يوماً ضمنت لها صلاح مزاجها وقال رحمه الله تعالى (٦) :
ولما رأت عزمي حثيثاً على السرى ... وقد رابها صبري على موقف البين
أتت بصحاح الجوهري دموعها ... فقابلت من دمعي بمختصر العين وقال رحمه الله تعالى:
تذكرت عهداً كان أحلى من الكرى ... وأقصر من إلمام طيف خياله
стр. 3679
فيا ليت شعري من أتاح لي المنى ... وعذب بالي هل أمر بباله وقال رحمه الله تعالى:
عيني جنت فعلام تحرق أضلعي ... أبما جنى جار يعذب جار
يا قلب لا تدهشك نيران الهوى ... فكنار إبراهيم تلك النار
فاصبر على ما حملوا تنل المنى ... بالسبك أدرك نقشه الدينار وقال رحمه الله تعالى:
وما كان إلا أن جنى الطرف نظرة ... غدا القلب رهناً في عقوبة ذنبه
وما العدل أن يأتي امرؤ بجزيرة ... فيؤخذ في أوزارها جار جنبه وقال رحمه الله تعالى:
برى جسدي فيكم غرام ولوعة ... إذا سكن الليل البهيم تثور
فلولا أنيني ما اهتدى نحو مضجعي ... خيالكم بالليل حين يزور
ولو شئت في طي الكتاب لزرتكم ... ولم تدر عني أحرف وسطور وقال رحمه الله تعالى:
بلد تحف به الرياض كأنه ... وجه جميل والرياض عذاره
وكأنما واديه معصم غادة ... ومن الجسور المحكمات سواره وقال رحمه الله تعالى يخاطب السلطان أبا حموصاحب تلمسان ويشكره على ما كان أعان به أهل الأندلس (١) :
لقد زار الجزيرة منك بحر ... يمد فليس تعرف منه جزرا
стр. 3680
أعدت لها بعهدك عهد موسى ... سميك فهي تتلومنه ذكرا
أقمت جدارها وافدت كنزاً ... ولو شئت اتخذت عليه أجرا وقال أيضاً:
وقالوا الجزيرة قد صوحت ... فقلت غمام الندى تنتظر
إذا وكفت كف موسى بها ... غماماً يعود الجناب الخضر وقال رحمه الله تعالى عقب الإياب من الرحلة المراكشية (١) :
أفادت وجهتي بنداك مالاً ... قضى ديني وأصلح بعض حالي
ومتعت الخواطر بانشراح ... وأطرفت النواظر باكتحال
وأبت خفيف ظهر، والمطايا ... بجاهك تشتكي ثقل الرحال
وشاني للمعالم غير شان ... وحالي بالمكارم جد حال
فحب علاك إيماني وعقدي ... وشكر نداك ديني وانتحالي
كما قد صح لله انقطاعي ... بتأميلي جنابك وارتحالي
وما يبقى سوى فعل جميل ... وحال الدهر لا تبقى بحال
وكل بداية فإلى انتهاء ... وكل إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان دوام أمر ... فقد وقف الرجاء على المحال وقال رحمه الله تعالى في الضراعة إلى ربه، والاعتراف بذنبه (٢) :
مولاي إن أذنبت ينكر أن يرى ... منك الكمال ومني النقصان
والعفو عن سبب الذنوب مسبب ... لولا الجناية لم يكن غفران
стр. 3681
وقال رحمه الله تعالى (١) :
سلام على تلك المرابع إنها ... معاهد ألا في وعهد صحابي
ويا آسة المغنى انعمي فلطالما ... سكبت على مثواك ماء شبابي وقال سامحه الله تعالى:
أموطني الذي أزعجت عنه ... ولم أرزأ به مالاً ولا دم
لئن أزعجت عنك بغير قصد ... فقبلي فارق الفردوس آدم ومن ميلادياته رحمه الله تعالى قوله (٢) :
ما على القلب بعدكم من جناح ... أن يرى طائراً بغير جناح
وعلى الشوق أن يشب إذا هـ ... ب بأنفاسكم نسيم الصباح
جيرة الحي، والحديث شجون ... والليالي تلين بعد الجماح
أترون السلو خامر قلبي ... بعدكم لا وفالق الإصباح
ولو أني أعي اقتراحي على ال ... أيام ما كان بعدكم باقتراحي
ضايقتني فيكم صروف الليالي ... واستدارت علي دور الوشاح
وسقتني كأس الفراق دهاقاً ... في اغتباق مواصل واصطباح
واستباحت من جدتي وفتائي ... حرماً لم أخله بالمستباح ومنها:
يا ترى والنفوس أسرى أمان (٣) ... ما لها من وثاقها من سراح
هل يباح الورود بعد ذياد ... أو يتاح اللقاء بعد انتزاح
стр. 3682
وإذا أعوز الجسوم التلاقي ... ناب عنه تعارف الأرواح وهي طويلة لم يحضرني منها الآن سوى ما ذكرته.
وقد حذا حذوها الفقيه الكاتب أبوزكريا يحيى بن خلدون أخو قاضي القضاة ولي الدين بن خلدون صاحب التاريخ، فقال في مولد عام ثمانية وسبعين وسبعمائة، واستطرد لمدح السلطان أبي حموموسى صاحب تلماسن الذي تقدم ذكره قريباً (١) :
ما على الصب في الهوى من جناح ... أن يرى حلف عبرة وافتضاح
وإذا ما المحب عيل اصطباراً ... كيف يصغي إلى نصيحة لاح
يا رعى اله بالمحصب ربعاً ... آذنت عهده النوى بانتزاح
كم أدرنا كأس الهوى فيه مزحاً ... رب جد من الجوى في المزاح
هل إلى رسمه المحيل سبيل ... يا حداة المطي تلك الطلاح
نسأل الدار بالخليط ونسقي ... ذلك الربع بالدموع السفاح
أي شجو عاينت بعد نواها ... من أسى لازم وصبر مزاح
أهل ودي إن رابكم برح وجدي ... من صبا بارق وبرق لياح
فاسألوا البرق عن خفوق فؤادي ... والصبا عن سقام جسمي المتاح
يا أهيل الحمى نداء مشوق ... ما له عن هوى الدمى من براح
طالما استعذب المدامع ورداً ... في هواكم عن كل عذب قراح
عاده بالطلول للشوق عيد ... من حمام بدوحهن صداح
من لقلب من الجوى في ضرام ... ولجفن من البكا في جراح
ولصب يهيجه الذكر شوقاً ... فهو سكراً يرتاد من غير راح
وليال قضيت للهو فيها ... وطراً والشباب ضافي الجناح
стр. 3683
راكباً في الهوى ذلول تصاب ... ساحباً في الغرام ذيل مراح
ونجوم المنى تنير إلى أن ... روع الشيب سربها بالصباح
أي مسرى حمدت لم أخل منه ... بسوى حسرة وطول افتضاح
واخساري يوم القيامة إن لم ... يغفر الله زلتي واجتراحي
لم أقدم وسيلة فيه إلا ... حب خير الورى الشفيع الماحي
سيد العالمين ديناً واخرى ... أشرف الخلق في العلا والسماح
سيد الكون من سماء وأرض ... سره بين غاية وافتتاح
زهرة الغيب مظهر الوحي معنى ال ... نور كنه المشكاة والمصباح
آية المكرمات قطب المعالي ... مصطفى الله من قريس البطاح
أول الأنبياء تخصيص زلفى ... آخر المرسلين بعث نجاح
صفوة الخلق أرفع الرسل قدراً ... وسراج الهدى وشمس الفلاح
من لميلاده بمكة ضاءت ... من قرى قيصر جميع الضواحي
وخبت نار فارس وتداعت ... من مشيد الإيوان كل النواحي
من رقى في السماء سبعاً طباقاً ... ورأى آي ربه في اتضاح
ودنا منه قاب قوسين قرباً ... ظافراً في العلا بكل اقتراح
من هدى الخلق بين حمر وسود ... وجلا ليل غيهم بالصباح
من يجير الورى غداً يوم يجزى ... كل عاص وطائع باجتراح
من إلى حوضه وظل لواه ... يلجأ الناس بين ظام وضاحي
أحمد المجتبى حبيباً، وأنى ... فوق عز الحبيب مرمى طماح
في أناجيله المسيح تلاه ... باسمه، والكيلم في الألواح
ولكم حجة وبرهان صدق ... في سماع أتى بها والتماح
إن في النجم والنبات لآياً ... بهرت والجماد والأرواح
معجزات فتن المدارك وصفاً ... وحساباً كالزهر أو كالصباح
стр. 3684
يا رواة القريض والشعر عجزاً ... ما عسى تدركون بالأمداح
إنما حسبنا الصلاة عليه ... وهي للفوز آية استفتاح
يا إلهي بحق أحمد عفواً ... عن ذنوب جنيتهن قباح
وأدم دولة الخليفة موسى ... ذي المعالي المبينة الأوضاح
مفخر الملك مستفر المزايا ... مظهر اللطف ذوالتقى والصلاح
ناصر الحق خاذل الجور عدلاً ... ملجأ الخائفين بحر السماح
يتلقى الندى بوجه حيي ... ويلاقي العدا ببأس صفاح
وله المكرمات إرثاً ولبساً ... حاز حمداً بها معلى القداح
من علا باذخ وفخر صميم ... وكمال بحت ومجد صراح
وأحاديث في المعالي حسان ... رويت عنه في العوالي الصحاح
عاقد صفقة العلا كل حين ... فائز فيه سعيه بالرباح
للندى والهدى يروح ويغدو ... أي مغدى إلى العلا ومراح
ملك تشرق الأسرة منه ... في سماء السرير نور صباح
وإذا ما علا بعالي العوالي ... صهوة الجرد فهو ليث الكفاح
لبس الدهر منه حلة حسن ... وثنى للسرور عطف مراح
وعلى عاتق الخلافة منه ... طرز فخر سبى النهى بالتماح
ورث الملك شامخاً عن سراة ... شيدوا ركنه بأيدي الصفاح
من بني القاسم الذين تحلوا ... بالمعالي واستأثروا بالفلاح
فرعوا هضبة الخلافة مجداً ... رفعوا سقفه على الأرماح
نشروا راية المفاخر حمداً ... خافق النور بالربى والبطاح
يا إماماً بذ الملوك جلالاً ... وجمالاً فديت بالأرواح
أنت شمس الكمال دمت عليها ... في اغتباق من المنى واصطباح
وبنوك الأعلون أنجم سعد ... زاهرات بنورك الوضاح
وأبو تاشفين بدر منير ... زانه الله بالخلال الصباح
стр. 3685
أكمل العالمين خلقاً وخلقاً ... أشرف الناس في الندى والكفاح
وبكم زينت سماء المعالي ... واهتدى الناس في الدجى والصباح وكان السلطان أبوحموالممدوح بهذه القصيدة يحتفل لليلة مولد رسول الله ﷺ غاية الاحتفال، كما كان ملوك المغرب والأندلس في ذلك العصر وما قبله.
ومن احتفاله له ما حكاه شيخ شيوخ شيوخنا الحافظ سيدي أبوعبد الله التنسي ثم التلمساني في كتابه راح الأرواح فيما قاله المولى أبوحمومن الشعر وقيل فيه من الأمداح وما يوافق ذلك على حسب الاقتراح ونصه: أنه كان يقيم ليلة الميلاد النبوي - على صاحبه الصلاة والسلام - بمشورة من تلمسان المحروسة مدعاة حفيلة يحشر فيها الناس خاصة وعامة، فما شئت من نمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، وبسط موشاة، ووسائد بالذهب مغشاة، وشمع كالأسطوانات، وموائد كالهالات، ومباخر منصوبة كالقباب، يخالها المبصر تبراً مذاب، ويفاض على الجميع أنواع الأطعمة، كأنها أزهار الربيع المنمنمة، تشتهيها الأنفس وتستلذها النواظر، ويخالط حسن رياها الأرواح ويخامر، رتب الناس فيها على مراتبهم ترتيب احتفال، وقد علت الجميع أبهة الوقار والإجلال، وبعقب ذلك يحتفل المسمعون بأمداح المصطفى ﵊، ومكفرات (١) ترغب في الإقلاع عن الآثام، يخرجون فيها من فن إلى فن ومن أسلوب إلى أسلوب، ويأتون من ذلك بما تطرب له النفوس وترتاح إلى سماعه القلوب، وبالقرب من السلطان رضوان الله تعالى عليه خزانة المنجانة قد زخرفت كأنها حلة يمانية، لها أبواب موجفة (٢) على عدد ساعات الليل
стр. 3686
الزمانية، فمهما مضت ساعة وقع النقر بقدر حسابها، وفتح عند ذلك باب من أبوابها، وبرزت منه جارية صورت في احسن صورة، في يدها اليمنى رقعة مشتملة على نظم فيه تلك الساعة باسمها مسطورة، فتضعها بين يدي السلطان بلطافة، ويسراها على فمها كالمؤدية بالمبايعة حق الخلافة، هكذا حالهم إلى انبلاج عمود الصباح، ونداء المنادي حي على الفلاح؛ انتهى.
وقال التنسي المذكور في كتابه المسمى بنظم الدر والعقيان في شرف بني زيان وذكر ملوكهم الأعيان ما نصه: وكان السلطان أبو حمو يقوم بحق ليلة مولد المصطفى ﷺ ، ويحتفل لها بما هوفوق سائر المواسم، يقيم مدعاة (١) يحشر لها لأشراف والسوقة، فما شئت من نمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، وشمع كالأسطوانات، وأعيان الحضرة على مراتبهم تطوف عليهم ولدان قد لبسوا أقبية الخز الملون وبأيديهم مباخر ومرشات ينال كل منها بحظه، وخزانة ذات تماثيل لجين محكمة الصنعة، بأعلاها أيكة تحمل طائراً فرخاه تحت جناحيه، ويختله فيهما أرقم خارج من كوة بجذر الأيكة صاعدا (٢) ، وبصدرها أبواب مرتجة بعدد ساعات الليل الزمانية، يصاقب طرفيها بابان كبيران، وفوق جميعها دوين رأس الخزانة قمر أكمل يسير على خط الاستواء سير نظيره في الفلك، ويسامت أول كل ساعة بابها المرتج، فينتقض من البابين الكبيرين عقابان، بفي كل واحد منهما صنجة صفر يلقيها إلى طست من الصفر بوسطه ثقب يفضي بها إلى داخل الخزانة فيرن، وينهش الأرقم أحد الفرخين، فيصفر له أبوه، فهناك يفتح باب الساعة الذاهبة، وتبرز منه جارية محتزمة كاظرف ما أنت راء، بيمناها إضبارة فيها اسم ساعتها منظوماً، ويسراها موضوعة على فيها كالميابعة بالخلافة، والمسمع قائم ينشد
стр. 3687
أمداح سيد المرسلين وخاتم النبيين ومولانا محمد ﷺ ، ثم يؤتى آخر الليل بموائد كالهالات دوراً، والرياض نوراً، وقد اشتملت من أنواع محاسن المطاعم (١) على ألوان تشتهيها الأنفس وتستحسنها الأعين، وتلذ بسماع أسمائها الآذان، وبشرة مبصرها للقرب منها والتناول وإن كان ليس بغرثان، والسلطان لم يفارق مجلسه الذي أبتدأ جلوسه فيه، وكل ذلك بمرأى منه ومسمع حتى يصلي هنالك صلاة الصبح. على هذا الأسلوب تمضي ليلة المصطفى ﷺ في جميع أيام دولته، أعلى الله تعالى مقامه في عليين، وشكر له في ذلك صنيعه الجميل آمين.
وما من ليلة مولد مرت في أيامه إلا ونظم فيها قصيداً في مديح مولد المصطفى ﷺ ، أول ما يبتدئ المسمع في ذلك الحفل العظيم بإنشاده، ثم يتلوه من رفع إلى مقامه العلي في تلك الليلة نظماً؛ انتهى وهوأتم مسافاً مما في " راح الأرواح ".
ولا باس أن نلم ببعض المقطوعات التي أنشأها الكاتب أبوزكريا يحيى ابن خلدون المذكور على لسان جارية المنجانة في مخاطبة السلطان أبي حمومعلمة بما مر من ليل، ففي مضي ساعين قوله (٢) :
أخليفة الرحمن والملك الذي ... تعنو لعز علاه أملاك البشر
لله مجلسك الذي يحكي علاً ... بك مالكي أفق السماء لمن نظر
أوما ترى فيه النجوم زواهراً ... وجه الخليفة بينهن هو القمر
والليل منه ساعتان قد انقضت ... تثني عليك ثنا الرياض على المطر
لا زال هذا الملك منصوراً بكم ... وبلغت مما ترتجي أسنى الوطر وقوله في مضي ثلاث ساعات:
стр. 3688
أمولاي يا ابن الملوك الألى ... لهم في المعالي سني الرتب
تولت ثلاث من الليل أبقت ... لك الفخر في عجمها والعرب
فدم حجة الله في أرضه ... تنال شئته من أرب وقوله في مضي ست ساعات:
يا ماجداً وهوفرد ... تخاله في عساكر (١)
ست من الليل ولت ... ما إن لها من نظائر
دامت لياليك حتى ... إلى المعاد نواضر وقوله في مضي ثماني ساعات:
يا أكرم الخلق ذاتاً ... وأشرف الناس أسره
مرت ثمان وأبقت ... في القلب مني حسره
فيهن كان شبابي ... أخا نعيم ونضره
ولى بها الدهر عني ... ترى لها بعد كره
فالله يبقيك مولى ... يطيل في السعد عمره وقوله في مضي عشر ساعات:
يا مالك الخير والخيل التي حكمت ... له بعز على الأيام مقتبل
هذا الصباح وقد لاحت بشائره ... والليل ودعنا توديع مرتحل
لله عشر من الساعات باهرة ... مضين لا عن قلىً منا ولا ملل
كذا تمر ليالي العمر راحلة ... عنا ونحن من الآمال في شغل
نمسي ونصبح في لهو نسر به ... جهلاً وذلك يدنينا من الأجل
стр. 3689
والعمر يمضي ولا ندري فوا أسفاً ... عليه إذ مر في الآثام والزلل
يا ليت شعري غداً كيف الخلاص به ... ولم نقدم له شيئاً من العمل
يا رب عفوك عما قد جنته يدي ... فليس لي بجزاء الذنب من قبل
يا رب وانصر أمير المسلمين أبا ... حمو الرضى وانله غاية الأمل
وأبق في العز والتمكين مدته ... واعل دولته الغرا على (١) الدول انتهى المجلد السادس
стр. 3690
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الخامس
(تتمة)
رجع إلى نظم لسان الدين رحمه الله تعالى، فنقول:
وأمّا موشّحاته وأزجاله فكثيرة، وقد انتهت إليه رياسة هذا الفن، كما صرح بذلك قاضي القضاة ابن خلدون في مقدمة تاريخه الكبير، ولنذكر بعض كلامه، إذ لا يخلو من فائدة زائدة، قال رحمه الله تعالى ما ملخصه (١) : وأما أهل الأندلس فلمّ كثر الشعر في قطرهم، وتهذبت مناحيه وفنونه، وبلغ التنميق فيه الغاية، استحدث المتأخّرون منهم فنّاً منه سمّوه بالموشح، ينظمونه أسماطاً أسماطاً وأغصاناً أغصاناً، يكثرون منها ومن أعاريضها المختلفة، ويسمون المتعدد منها بيتاً واحداً، ويلتزمون عدد قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتالياً فيما بعد إلى آخر القطعة، وأكثر ما ينتهي عندهم إلى سبعة أبيات، ويشتمل كل بيت على أغصان عددها بحسب الأغراض والمذاهب، وينسبون فيها ويمدحون كما يفعل في القصائد، وتجاوزوا (٢) في ذلك إلى الغاية، واستظرفه الناس وحمده (٣) الخاصّة والكافة لسهولة تناوله وقرب طريقه، وكان المخترع
стр. 3691
لها بجزيرة الأندلس مقدّم بن معافى القبري من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، وأخذ عنه ذلك ابن عبد ربّه صاحب العقد، ولم يذكر لهما مع المتأخرين ذكر، وكسدت موشّحاتهما، فكان أول من برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المريّة، وقد ذكر الأعلم البطليوسي أنّه سمع أبا بكر ابن زهر يقول: كل الوشّاحين عيال على عبادة القزاز فيما اتفق له من قوله:
بدر تمّ شمس ضحى ... غصن نقا مسك شم
ما أتمّ ما أوضحا ... ما أورقا ما أنمّ
لا جرم من لما ... قد عشقا قد حرم وزعموا أنّه لم يسبق عبادة وشاح من معاصريه الذين كانوا في زمان ملوك الطوائف، وجاء مصلّياً خلفه منهم ابن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة، قالوا: وقد أحسن في ابتدائه في الموشحة التي طارت له حيث يقول:
العود قد ترنم بأبدع تلحين ... وشقّت المذانب رياض البساتين وفي انتهائه حيث يقول:
تخطر ولم تسلم عساك المأمون ... مروّع الكتائب يحيى بن ذي النون ثمّ جاءت الحلبة التي كانت في مدة الملثّمين فظهرت لهم البدائع، وفرسان حلبتهم (١) : الأعمى التطيلي، ثمّ يحيى بن بقي، وللتطيلي من الموشحات المذهبة قوله (٢) :
стр. 3692
كيف السّبيل إلى صبري ... وفي المعال أشجان
والركب وسط الفلا بالخرّد ... النواعم قد بانوا وذكر غير واحد من المشايخ أن أهل (١) هذا الشأن بالأندلس يذكرون أن جماعة من الوشّاحين اجتمعوا في مجلس بإشبيلية، وكان كل واحد منهم قد صنع موشحة وتأنّق فيها، فتقدم الأعمى التطيلي للإنشاد، فلمّا افتتح موشحته المشهورة بقوله:
ضاحك عن جمان ... سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان ... وحواه صدري خرّق ابن بقي موشحته وتبعه الباقون (٢) .
وذكر الأعلم البطليوسي (٣) أنّه سمع ابن زهر يقول: ما حسدت قط وشاحاً على قول إلاّ ابن بقي حين وقع له (٤) :
أما ترى أحمد ... في مجده العالي لا يلحق
أطلعه المغرب ... فأرنا مثله يا مشرق وكان في عصرهما من الوشّاحين المطبوعين أبو بكر الأبيض، وكان في عصرهم أيضاً الحكيم أبو بكر ابن باجة صاحب التلاحين المعروفة.
ومن الحكايات المشهورة أنّه حضر مجلس مخدومه ابن تيفلويت (٥) صاحب سرقسطة فألقى عليه بعض موشّحته:
стр. 3693
جرّر الذيل أيّما جرّ ... [وصل السكر منك بالسكر] (١) فطر الممدوح لذلك، وختمها بقوله:
عقد الله راية النصر ... لأمير العلا أبي بكر فلمّا طرق ذلك التلحين سمع ابن تيفلويت صاح: واطرباه! وشقّ ثيابه، وقال: ما أحسن ما بدأت وما ختمت، وحلف الأيمان المغلظة أن لا يمشي ابن باجة لداره إلا على الذهب فخاف الحكيم سوء العاقبة فاحتال بأن جعل ذهباً في نعله ومشى عليه.
ثم قال ابن خلدون بعد كلام: واشتهر بعد هؤلاء في صدر دولة الموحدين محمد بن أبي الفضل بن شرف إلى أن قال: وابن هردوس (٢) الذي له:
يا لَيلَةَ الوَصلِ وَالسُعودِ ... بِاللَهِ عودي وابن مؤهل (٣) الذي له:
ما العيد في حلة وطاق ... وشم طيب
وإنما العيد في التلاقي ... مع الحبيب وأبو إسحاق الزويلي (٤) .
стр. 3694
قال أبو سعيد: سمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول: إنه دخل على ابن زهر وقد أسن وعليه زي البادية إذ كان يسكن بحصن سبتة فلم يعرفه فجلس حيث انتهى به المجلس (١) ، وجرّت المحاضرة أن أنشد لنفسه موشحة وقع فيها:
كحل الدجى يجري ... من مقلة الفجر على الصباح
ومعصم النهر ... في حلل خضر من البطاح فتحرك ابن زهر، وقال: أنت تقول هذا قال: اختبر، قال: ومن تكون فأخبره، فقال: ارتفع، فوالله ما عرفتك.
قال ابن سعيد: وسابق الحلبة التي أدركت هو أبو بكر ابن زهر، وقد شرّقت موشّحاته وغرّبت، قال: وسمعت أبا الحسن سهل بن مالك يقول: قيل لابن زهر: لو قيل لك: ما أبدع ما وقع لك في التوشيح فقال: كنت أقول:
ما للمولّه ... من سكره لا يفيق يا له سكران
[من غير خمر ... ما للكثيب المشوق يندب الأوطان]
هل تستعاد ... أيامنا بالخليج وليالينا
إذ يستفاد ... من النسيم الأريج مسك دارينا
وإذ يكاد ... حسن المكان البهيج أن يحيينا
نهر أظلّه ... دوح عليه أنيق مؤنق فينان
والماء يجري ... وعائم وغريق من جنى الريحان واشتهر بعده ابن حيون؛ إلى أن قال: وبعد هؤلاء ابن حزمون بمرسية، ذكر ابن ارائس أن يحيى الخزرجي دخل عليه في مجلسه، فأنشده موشّحة لنفسه، فقال له ابن حزمون: ما الموشّح بموشح حتى يكون عارياً من التكليف، فقال: على مثل ماذا فقال:
стр. 3695
على مثل قولي:
يا هاجري ... هل إلى الوصال منك سبيل
أو هل يرى ... عن هواك سال قلب العليل وأبو الحسن سهل بن مالك بغرناطة، قال ابن سعيد: كان والدي يعجب بقوله:
إن سيل الصباح في الشرق ... عاد بحراً في أجمع الأفق
فتداعت نوادب الورق ... أتراها خافت من الغرق فبكت سحرةً على الورق ... واشتهر بإشبيلية لذلك العهد أبو الحسن ابن الفضل، قال ابن سعيد عن والده: سمعت سهل بن مالك يقول له: يا ابن الفضل، لك على الوشّاحين الفضل، بقولك:
واحسرتي لزمان مضى ... عشيّة بان الهوى وانقضى
وأفردت بالرغم لا بالرضى ... وبت على جمرات الغضا
أعانق بالفكر تلك الطلول ... وألثم بالوهم تلك الرسوم قال: وسمعت أبا بكر ابن الصابوني ينشد الأستاذ أبا الحسن الدبّاج موشّحاته غير ما مرّة فما سمعته يقول " لله درّك " إلا في قوله:
قسماً بالهوى لذي حجر ... ما لليل المشوق من فجر خمد الصبح ليس يطرد ... ما لليلي فيما أظن غد ... صحّ يا ليل أنك الأبد ...
أو تفضّت قوادم النسر ... فنجوم السماء لا تسري
стр. 3696
ومن موشّحات ابن الصابوني قوله:
ما حال صبٍّ ذي ضنىً واكتئاب ... أمرضه يا ويلتاه الطبيب
عامله محبوبه باجتناب ... ثم اقتدى فيه الكرى بالحبيب
جفا جفوني النوم لكنّني ... لم أبكه إلاّ لفقد الخيال
وذو الوصال اليوم قد غرّني ... منه كما شاء وشاء الوصال
فلست باللائم من صدّني ... بصورة الحق ولا بالمحال واشتهر بير العدوة ابن خلف الجزائري صاحب الموشّحة المشهورة:
يد الإصباح قد قدحت ... زناد الأنوار من مجامر الزهر وابن خزر البجائي، وله من موشحة:
ثغر الزمان موافق ... حيّاك منه بابتسام ومن محاسن الموشّحات موشحة ابن سهل شاعر إشبيلية وسبتة من بعدها (١) :
هل درى ظبي الحمى أن قد حمى ... قلب صبٍّ حلّه عن مكنس
فهو في حر وخفق مثلما ... لعبت ريح الصبا بالقبس وقد نسج على منواله فيها صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب شاعر الأندلس والمغرب لعصره فقال:
جادك الغيث إذا الغيث همى ... يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلما ... في الكرى أو خلسة المختلس
стр. 3697
إذ يقود الدهر أشتات المنى ... ينقل الخطو على ما يرسم
زمراً بين فرادى وثنا ... مثلما يدعو الوفود المواسم
والحيا قد جلّل الروض سنا ... فثغور الزهر منه تبسم
وروى النعمان عن ماء السما ... كيف يروي مالك عن أنس
فكساه الحسن ثوباً معلما ... يزدهي منه بأبهى ملبس
في ليال كتمت سرّ الهوى ... بالدجى لولا شموس الغرر
مال نجم الكأس فيها وهوى ... مستقيم السير سعد الأثر
وطر ما فيه من عيب سوى ... أنّه مّر كلمح البصر
حين لّذ الأنس شيئا أو كما ... هجم الصبح هجوم الحرس
غارت الشهب بنا أو ربما ... أثرت فينا عيون النرجس
أي شيءٍ لامرىء قد خلصا ... فيكون الروض قد مكّن فيه
تنهب الأزهار منه الفرصا ... أمنت من مكره ما تتقيه
فإذا الماء تناجى والحصى ... وخلا كّل خليل بأخيه
تبصر الورد غيوراً برما ... يكتسي من غيظه ما يكتسي
وترى الآس لبيباً فهما ... يسرق السّمع بأذني فرس
يا أهيل الحيّ من وادي الغضا ... وبقلبي سكن أنتم به
ضاق عن وجدي بكم رحب الفضا ... لا أبالي شرقه من غربه
فأعيدوا عهد أنس قد مضى ... تعتقوا عانيكم من كربه
واتقوا الله وأحيوا مغرما ... يتلاشى نفساً في نفس
حبس القلب عليكم كرما ... أفترضون عفاء الحبس
стр. 3698
وبقلبي منكم مقترب ... بأحاديث المنى وهو بعيد
قمر أطلع منه المغرب ... شقوة المغرى به وهو سعيد
قد تساوى محسن أو مذنب ... في هواه بين وعد ووعيد
ساحر المقلة معسول اللمى ... جال في النفس مجال النفس
سدّد السهم وسمىّ ورمى ... ففؤادي نهبة المفترس
إن يكن جار وخاب الأمل ... وفؤاد الصبّ بالشوق يذوب
فهو للنفس حبيب أول ... ليس في الحبّ لمحبوب ذنوب
أمره معتمل ممتثل ... في ضلوع قد براها وقلوب
حكّم اللّحظ بها فاحتكما ... لم يراقب في ضعاف الأنفس
منصف المظلوم ممّن ظلما ... ومجازي البّر منها والمسي
ما لقلبي كلمّا هبت صبا ... عاده عيد من الشوق جديد
كان في اللوح له مكتتبا ... قوله: " إن عذابي لشديد "
جلب الهمّ له والوصبا ... فهو للأشجان في جهد جهيد
لاعج في أضلعي قد أضرما ... فهي نار في هشيم اليبس
لم يدع في مهجتي إلا ذما ... كبقاء الصبح بعد الغلس
سلّمي يا نفس في حكم القضا ... واعمري الوقت برجعى ومتاب
دعك من ذكرى زمان قد مضى ... بين عتبى قد تقضّت وعتاب
واصرفي القول إلى المولى الرضى ... ملهم التوفيق في أمّ الكتاب
الكريم المنتهى والمنتمى ... أسد السرج وبدر المجلس
ينزل النصر عليه مثلما ... ينزل الوحي بروح القدس
стр. 3699
إلى هذا الحد انتهى ابن خلدون من موشحة لسان الدين، ولا أدري لِمَ لَمْ يكملها، وتمامها قوله:
مصطفى الله سمىّ المصطفى ... الغني بالله عن كلّ أحد
من إذا ما عقد العهد وفى ... وإذا مافتح الخطب عقد
من بني قيس بن سعدٍ وكفى ... حيث بيت النصر مرفوع العمد
حيث بيت النصر محمي الحمى ... وجنى الفضل زكي المغرس
والهوى ظل ظليل خيّما ... والندى هبّ إلى المغترس
هاكها يا سبط أنصار العلا ... والذي إن عثر الدهر أقال
غادة ألبسها الحسن ملا ... تبهر العين جلاء وصقال
عارضت لفظا ومعنى وحلى ... قول من أنطقه الحبّ فقال:
" هل درى ظبي الحمى أن قد حمى ... قلب صبّ حلّه عن مكنس "
" فهو في خفقٍ وحرٍ مثلما ... لعبت ريح الصّبا بالقبس " ثمّ قال ابن خلدون: وأما المشارقة فالتكلف ظاهر على ما عانوه من الموشحات، ومن أحسن ما وقع لهم في ذلك موشحة ابن سناء الملك المصري التي اشتهرت شرقاً وغرباً، وأولها:
[يا] حبيبي ارفع حجاب النور ... عن العذار
تنظر المسك على كافور ... في جلّنار
كللي ياسحب تيجان الربى ... بالحلي
واجعلي سوارها منعطف ... الجداول ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق
стр. 3700
كلامه وتصريع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا في طريقتهم بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيه إعراباً (١) ، واستحدثوا فناً سموه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناجيهم إلى هذا العهد فجاءوا فيه بالغرائب واتسع فيه للبلاغة مجال، بحسب لغتهم المستعجمة، وأوّل من أبدع في هذه الطريقه الزجلية أبو بكر ابن قزمان، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس (٢) ، لكن لم تظهر حلاها، ولا انسبكت معانيها، واشتهرت رشاقتها، إلا في زمانه، وكان لعهد الملثّمين، وهو إمام الزجالين على الإطلاق، قال ابن سعيد: رأيت أزجاله مرويّة ببغداد أكثر ممّا رأيتها بحواضر المغرب، قال: وسمعت أبا الحسن ابن جحدر الإشبيلي (٣) إمام الزجالين في عصرنا يقول: ما وقع لأحد من أئمّة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة، وقد خرج إلى منتزه مع بعض أصحابه، فجلسوا تحت عريش، وأمامهم تمثال أسد من رخام يصب الماء على صفائح من الحجر، فقال:
وعريش قد قام على دكان ... بحال رواق
وأسد قد ابتلع ثعبان ... من غلظ ساق
وفتح فمو بحال إنسان ... به الفواق
وانطلق من ثم على الصّفاح ... والقي الصياح
стр. 3701
وكان ابن قزمان مع أنه قرطبي الدار كثيراً مايتردد إلى إشبيلية، وينتاب نهرها.
إلى أن قال ابن خلدون: وجاءت بعدهم حلبة كان سابقها مدغليس (١) ، وقعت له العجائب في هذه الطريقة، فمن قوله في زجله المشهور:
ورذاذ دق ينزل ... وشعاع الشمس يضرب
فترى الواحد يفضض ... وترى الآخر يذهّب
والنبات يشرب ويسكر ... والغصون ترقص وتطرب
وتريد تجي إلينا ... ثمّ تستحي وترجع ومن محاسن أزجاله قوله:
لاح الضّيا والنجوم سكارى ... ثم قال: وظهر بعد هؤلاء في إشبيلية ابن جحدر الذى فضل على الزجالين في فتح ميورقة بالزجل المشهورالذي أوّله:
من يعاند التوحيد بالسيف يمحق ... أنا برى ممّن يعاند الحق قال ابن سعيد: لقيته ولقيت تلميذه البعبع (٢) صاحب الزجل المشهور الذي أوله:
ليتني إن ريت حبيبي ... أقتل أدنو بالرسيلا
لشن أخذ عنق الغزيّل ... وسرق فم الحجيلا
стр. 3702
ثم جاء من بعدهم أبو الحسن سهل بن مالك إمام الآداب، ثم من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد الله ابن الخطيب إمام النظم والنثر في الملة الإسلامية غير مدافع، فمن محاسنه في هذه الطريقة:
امزج الأكواس واملالي نجدّد ... ما خلق المال إلاّ أن يبدد ومن قوله على طريقتة الصوفية وينحو منحى الششتري منهم:
بين طلوع وبين نزول ... اختلطت الغزول
ومضى من لَمْ يكن ... وبقي من لم يزول ومن محاسنه أيضاً قوله في ذلك المعنى:
البعد عنك يا ابني أعظم مصايبي ... وحين حصل لي قربك سيّبت أقاربي انتهى المقصود جلبه من كلام ابن خلدون، وقد أطال رحمه الله تعالى في هذا المقصد، ولم أرد إيراد جميع كلامه لطوله وعدم تعلّق الغرض به، وفيما ذكرته منه كفاية لتعلّقه بأمر لسان الدين رحمه الله تعالى، وشهادته له أنّه شاعر الإسلام غير مدافع، وأنّه انتهت إليه رياسة الصناعة الزجلية والتوشيحية.
[ترجمة ابن باجة من القلائد]
وأبو بكر بن باجّة الذي أشار إليه ابن خلدون: هو أبو بكر ابن الصائغ التجيبي السّرقسطي، الذي قال في حقّه لسان الدين في الإحاطة: إنّه آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس، وكان بينه وبين الفتح بن خاقان صاحب القلائد معاداة فلذلك هجاه في القلائد، وجعله آخر ترجمة فيها إذ قال ما نصّه (١) : الأديب أبو بكر ابن الصائغ، هو رمد عين (٢) الدين، وكمد نفوس
стр. 3703
المهتدين، اشتهر سخفاً وجنوناً، وهجر مفروضاً ومسنوناً، فما يتشرّع، ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا يشرع، ناهيك من رجل ما تطهّر من جنابة، ولا أظهر مخيلة إنابة، ولا استنجى من حدث، ولا أشجى فؤاده بتوارٍ في جدث، ولا أقر بباريه ومصوّره، ولا قرّ عن تباريه في ميدان تهوّره، الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم، ونبذه وراء ظهره ثاني عطفه، وأراد إبطال ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن تكون له إلى الله تعالى فيئة، وحكم للكواكب بالتدبير، واجترم على الله اللطيف الخبير، واجترأ عند سماع النهي والإيعاد، واستهزأ بقوله تعالى ﴿إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ (القصص: ٨٥) فهو يعتقد أن الزمان دور، وأن الإنسان نبات أو نور، حمامه تمامه، واختطافه قطافه، قد محي الإيمان من قلبه فما له فيه رسم، ونسي الرحمن لسانه فما يمرّ له عليه اسم، وانتمت نفسه إلى الضلال وانتسبت، ونفت ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت﴾ (غافر: ١٧) ، فقصر عمره على طرب ولهو، واستشعر كلّ كبر وزهو، وأقام سوق المويسقى، وهام بحادي القطار وسقا، فهو يعكف على سماع التلاحين، ويقف عليه كل حين، ويعلن بذلك الاعتقاد، ولا يؤمن بشيء قادنا إلى الله تعالى في أسلس مقاد، مع منشإ وخيم، ولؤم أصل وخيم (١) ، وصورة شوّهها الله تعالى وقبحها، وطلعة إذا أبصرها الكلب نبحها، وقذارة يؤذي البلاد نفسها، ووضارة يحكي الحداد دنسها، وفند لا يعمر إلا كنفه، ولدد لا يقوّم إلا الصّعاد جنفه، وله نظم أجاد فيه بعض إجادة، وشارف الإحسان أو كاده،
стр. 3704
فمن ذلك ما قاله في عبد حبشي كان يهواه، فاشتمل عليه أسرٌ سعّر حشاه (١) ، ونقله إلى حيث لم يعلم مثواه، فقال:
يا شائقي حيث لا أسطيع أدركه ... ولا أقول غداً أغدو فألقاه
أمّا النهار فليلي ضمّ شملته ... على الصّباح فأولاه كأخراه
أغرّ نفسي بآمالٍ مزورّة ... منها لقاؤك والأيّام تأباه وله فيه لمّا بلغه موته، وتحقّق عنده فوته:
ألا يا رزق والأقدار تجري ... بما شاءت نشا أو لا نشاء
هل أنت مطارحي شجوي فتدري ... وأدري كيف يحتمل القضاء
يقولون الأمور تكون دوراً ... وهذا فقده فمتى اللّقاء وله في الأمير أبي بكر ابن إبراهيم قدس الله تعالى تربته، وآنس غربته، مدائح انتظمت بلبّات الأوان، ونظمت على كل شتيت من الإحسان، فمن ذلك قوله:
توضّح في الدجى طرف ضرير ... سناً بلوى الصريمة يستطير
فيا بأبي ولم أبذل يسيراً ... وإن لم يكفهم ذاك الكثير
بريق لا تقل هو ثغر سلمى ... فتأثم، إنّه حوب وزور
فكيف وما أطلّ الليلُ منه ... ولا عبقت بساحته الخمور
تراءى بالسدير فزاد قلبي ... من البرحاء ما شاء السدير
فلولا أنّ يوم الحشر يقضي ... عليّ بحكم مولى لا يجور
دعوت على المشقّر أن يجازي ... بما تجزى به الدار الغرور
стр. 3705
ومنها:
لقد وسع الزمان عليه عدوى ... وضرّ بشبله الليث الهصور
وقلّبنا الزمان فلا بطون ... تضمنت الوفاء ولا ظهور
سوى ذكرٍ أطارحه فلولا ال ... أمير لقد عفا لولا الأمير
همام جوده يصف السّواري ... وسطوته يعيّرها الهجير
وقلنا نحن كيف وراحتاه ... بحور يلتظي فيها سعير
فهل فيما سمعت به خصام ... يكون الخصم فيه هو العذير وكان الأمير أبو بكر يعتقد له هذه الماتّة ويراها، ويجود أبداً ثراها، فلمّا ولي الثغر والشرق لم يغفله من رعي، ولم يكله (١) إلى شفاعة وسعي، وحمله على ما كان يعتقده فيه من المقت، واستعمله على ما كان يقتضيه خلق الوقت، من إقامة الوعد (٢) ، وتسويغه كل نعيم رغد، وتغليب حجّة داحضة، وإنهاض عثرة غير ناهضة، فتقلد وزارته ودولته تزهى منه بأندى من الوسميّ المبتكر، وأهدى من النجم في الليل المعتكر، وألويته تميس زهواً ميس الفتاة، ورعيته تبتهج بملكه ابتهاج حيي بابن الموماة (٣) ، ومذاهبه يبسطها الفضل وينشرها، وكتائبه لا يكاد العدو يعسرها، فجاش إليه وانبرى، وراش في تنكيلهم وبرى، وأقطعهم ما شاء من مقابحته، وأسمعهم ما يصم بين ختمه ومفاتحته، فوغرت
стр. 3706
صدورهم السليمة، واعتلت صحة ضمائرهم بنفوسهم الأليمة، ولم يزل يأخذ في الإضرار بهم ولا يدع، ويعلن به ويصدع، حتى تفرق ذلك الجمع، وألقاه بين بصر السباب والسمع، وأفرد الدولة من ولاتها، وجرّدها من حماتها، فاستعجل العدو بذلك واستشرى، وزأر منه على سرقسطة ليث شرى، ولما رأى الشر قد ثار قتامه، وبدا من ليله إعتامه، ارتحل واحتمل، وقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وأقام ببلنسية يشفي نفسه، ويستوفي أنسه، ونجوم سعدها كل يوم غائرة، والعدو يتربص بها أسوأ دائرة، ويروم منازلتها ثم يدع الاقتحام، ويريد التقدم إليها فيؤثر الإحجام، تهيباً لذلك الملك السريّ، والليث الجريّ، وفي خلال هذه المحاولة، وأثناء تلك المطاولة، عاجل الأمير أبا بكر حمامُه، واستسرّ فيها تمامه (١) ، وأجنّة الثرى، وحاز منه بدر دجنّة وليث شرى، فعطلت الدنيا من علاء وجود، وأطلّت عليها بفقده حوادث أجدبت تهائمها والنجود، وفيه يقول يرثيه بما يسيل الفؤاد نجيعاً، ويبيت به الأسى لسامعه ضجيعاً:
أيّها الملك قد لعمري نعى المج ... د نواعيك يوم قمن فنحنا
كم تقارعت والخطوب إلى أن ... غادرتك الخطوب في الترب رهنا
غير أنّي إذا ذكرتك والده ... ر إخال اليقين في ذاك ظنّا
وسألنا متى اللّقاء فقيل ال ... حشر قلنا: صبراً إليه وحزنا وكثيراً ما يغير هذا الرجل على معاني الشعراء، وينبذ الاحتشام من ذلك بالعراء، ويأخذها من أربابها أخذ غاصب، ويعوضهم منها كل هم ناصب، فهذا ممّا أطال به كمد أبي العلاء وغمه، فإنّه أخذه من قوله يرثي أمه (٢) :
стр. 3707
فيا ركب المنون ألا رسولٌ ... يبلّغ روحها أرج السلام
سألت متى اللّقاء فقيل حتى ... يقوم الهامدون من الرّجام ولما فاتت سرقسطة من يد الإسلام، وباتت نفوس المسلمين فرقاً منهم في يد الاستسلام، ارتاب بقبح أفعاله، وبرىء من احتذائه بتلك الآراء وانتعاله، وأخافه ذنبه، ونبا عن مضجع الأمن جنبه، فكرّ إلى الغرب ليتوارى في نواحيه، ولا يتراءى لعين لائمه ولاحيه، فلمّا وصل شاطبة حضرة الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين وجد باب نفاذه وهو مبهم، وعاقه عنه مدلول (١) عليه ملهم، فاعتقله اعتقالاً شفى الدين من آلامه، وشهد له بعقيدة إسلامه، وفي ذلك يقول، وهو معقول، ويصرح بمذهبه الفاسد، وغرضه المستاسد:
خفض عليك فما الزمان وريبه ... شيء يدوم ولا الحياة تدوم
واذهب بنفس لم تضع لتحلها ... حيث احتللت بها وأنت عليم
يا صاحبي لفظاً ومعنى خلته ... من قبل حتى بيّن التقسيم
دع عنك من معنى الإخاء ثقيله ... وانبذ بذاك العبء وهو ذميم
واسمح وطارحني الحديث فإنّه ... ليل كأحداث الزمان بهيم
خذني على أثر الزمان فقد مضى ... بؤس على أبنائه ونعيم
فعسى أرى ذاك النعيم وربّه ... مرح ورب البؤس وهو سقيم
هيهات ساوت بينهم أجداثهم ... وتشابه المحسود والمحروم ولمّا خلص من تلك الحبالة ونجا، وأنار من سلامته ما كان دجا، احتال في إخفاء ماله، واستيفاء آماله، فأظهر الوفاء للأمير أبي بكر بالرثاء له والتأبين، وتداهيه في ذلك واضح مستبين، فإنّه وصل بهذه النزعة من الحماية إلى حرم،
стр. 3708
وحصل في ذمة ذلك الكرم، واشتمل بالرّعي، وأمن من كلّ سعي، فاقتنى قياناً، ولقنهن أعاريض من القريض وركّب عليها ألحاناً أشجى من النّوح، ولطف بها إلى إشادة الإعلان باللوعة والبوح، فسلك بها أبدع مسلك، وأطلعها نيرات ما لها غير القلوب من فلك، فمن ذلك قوله:
إنّ غراباً جرى ببينهم ... جاوبه بالثنيّة الصّرد
طاروا فها أنت بعدهم جسد ... قد فارق الروح ذلك الجسد
واكتتموا صبحةً بينهم ... فبئس والله ما الذي اعتمدوا وكقوله:
سلام وإلمام ووسميّ مزنة ... على الجدث النائي الذي لا أزوره
أحقاً أبو كبر تقضّى فلا يُرى ... ترد جماهير الوفود ستوره
لئن أنست تلك القبور بلحده ... لقد أوحشت أنصاره وقصوره ومن قلّة عقله ونزارته، أنّه في مدة وزارته، سفر بين الأمير أبي بكر رحمه الله تعالى وبين عماد الدولة بن هود رحمه الله تعالى بعد سعايات عليه أسلفها، وذخائر كانت له على يديه أتلفها، فوافاه أوغر ما كان عليه صدراً، وأصغر ما كان لديه قدراً، فآل به ذلك الانتقال، إلى الاعتقال، فأقام فيه شهوراً يغازله اعلحمام بمقلة شوهاء، وتنازله الأوهام بفطرته الورهاء، وفي ذلك يقول:
لعلّك يا يزيرد علمت حالي ... فتعلم أيّ خطب قد لقيت
وإنّي إن بقيت بمثل ما بي ... فمن عجب الليالي أن بقيت
يقول الشامتون شقاء بختٍ ... لعمر الشامتين لقد شقيت
أعندهم الأمان من اللّيالي ... وسالمهم بها الزمان المقيت
وما يدرون أنّهم سيسقوا ... على كره بكأس قد سقيتُ
стр. 3709
وعزم عماد الدولة يوماً على قتله، وألزم المرقبين به التحيّل على ختله، فنمي إليه الأمر الوعر، وارتمى به في لجج اليأس الذعر، فقال:
أقول لنفسي حين قابلها الردى ... فراغت فراراً منه يسرى إلى يمنى
قري تحمدي بعض الذي تكرهينه ... فقد طالما اعتدت الفرار إلى الأهنا ثم قضى له قدر قضى بإنظاره، وما أمضى من إباحته ما كان رهين انتظاره، ويمهل الفاجر حكمةً من الله تعالى وعلماً و ﴿إنّما نملي لهم ليزدادوا إثماً﴾ (آل عمران: ١٧٨) ؛ انتهى نص القلائد.
[ثناء الفتح على ابن باجة]
وأين هذا من تحليته له في بعض كتبه بقوله فيه ما صورته: نور فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تتوّجت بعصره الأعصار، وتأرّجت من طيب ذكره الأمصار، وقام أوان المعارف واعتدل، ومال للأفهام فنناً وتهدّل، وعطّل بالبرهان التقليد، وحقّق بعد عدمه الاختراع والتوليد، إذا قدح زند فهمه أورى بشرر للجهل محرق، وإن طما بحر خاطره فهو لكل شيء مغرق، مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفساد من كونها، والتحقيق، الذي هو للإيمان شقيق، والجد، الذي يخلق العمر وهو مستجد، وله أدب يودّ عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى المشتري أن يعرفه، ونظم تعشقه اللبّات والنحور، وتدّعيه مع نفاسة جوهرها البحور، وقد أثبت منه ما تهوى الأعين النّجل أن يكون إثمدها، ويزيل من النفوس حزنها وكمدها، فمن ذلك قوله يتغزل:
أسكّان نعمان الأراك تيقّنوا ... بأنّكم في ربع قلبي سكّان
стр. 3710
ودوموا على حفظ الوداد فطالما ... بلينا بأقوام إذا استحفظوا خانوا
سلوا الليل عنّي إذ تناءت دياركم ... هل اكتحلت لي فيه بالنوم أجفان
وهل جرّدت أسياف برق سمائكم ... فكانت لها إلا جفوني أجفان وله:
أتأذن لي آتي العقيق اليمانيا ... أسائله ما للمعالي وما ليا
وهل داركم بالحزن قفراء إنّني ... تركت الهوى يقتاد فضل زماميا
فيا مكرع الوادي أما فيك شربة ... لقد سال فيك الماء أزرق صافيا
ويا شجرات الجزع هل فيك وقفة ... وقد فاء فيك الظلّ أخضر ضافيا وأورد له في " المطمح " أنّه استأذن على المستعين بالله، فوجده محجوباً، فقال:
من مبلغ خير إمام نشا ... ذا عزة وسامياً قدرا
قول امرىء لو قاله للصفا ... أنبت فيه ورقاً خضرا
عبدك بالباب له خجلة ... لو أنّها بالنرجس احمرّا وحكى غير واحد أنّه مات له سكن كان يهواه، فبات مع بعض أصحابه عند ضريحه ومثواه، وكان قد عرف وقت كسوف البدر بصناعة التعديل، فزوّر في نفسه بيتين في خطاب القمر أتقنهما ولحنهما، حتى إذا كان قبيل وقت الكسوف بقليل تغنى فيهما بذلك الصوت المشجي، واللحن يسوق الشوق ويزجي، وهما:
شقيقك غيّب في لحده ... وتشرق يا بدر من بعده
فهلاّ كسفت فكان الكسوف ... حداداً لبست على فقده فكسف القمر في الحال، وعدّت هذه من نوادره التي جيد الأخبار بفرائدها حال، سامحه الله تعالى.
стр. 3711
[ابن الحداد الوادي آشي]
ثم رأيت في " الإحاطة " (١) نسبة ذلك لغيره ونصه: محمد بن أحمد بن الحداد، الوادي آشي، يكنى أبا عبد الله.
حاله - شاعر مفلق، وأديب شهير، مشار إليه في التعاليم، منقطع القرين منها في الموسيقى، مضطلع بفك المعمّى، سكن المرية، واشتهر بمدح رؤسائها من بني صمادح، وقال ابن بسّام: كان أبو عبد الله هذا شمس ظهيرة، وبحر خبر وسيرة، وديوان تعاليم مشهورة، وضح في طريق المعارف وضوح الصبح المتهلّل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل (٢) ، إلى جلالة مقطع، وأصالة منزع، ترى العلم ينم على أشعاره، ويبين في منازعه وآثاره.
تأليفه - ديوان شعره كبير معروف، وله في العروض تصنيف مشهور مزج فيه بين الألحان المويسيقية والآراء الخليلية.
بعض أخباره - حدّث بعض المؤرخين ممّا يدل على ظرفه أنّه فقد سكناً عزيزاً عليه، وأحوجت الحاجة إلى تكلف سلوة، فلمّا حضر الندماء، وكان قد رصد الخسوف القمري، فلمّا حقق أنّه ابتدأ أخذ العود وغنى " شقيقك غيّب - إلى آخره " وجعل يرددها ويخاطب البدر، فلم يتم ذلك إلا واعترضه الخسوف، وعظم من الحاضرين التعجب.
ثم قال لسان الدين في ترجمة شعره: وقال (٣) :
أقبلن في الحبرات يقصرن الخطا ... ويرين في حلل الوراشين القطا (٤)
سرب الجوى لا الجوّ عوّد حسنه ... أن يرتعي حبّ القلوب ويلقطا
стр. 3712
مالت معاطفهنّ من سكر الصبّا ... ميلاً يخيف قدودها أن تسقطا
وبمسقط العلمين أوضح معلم ... لمهفهف سكن الحشا والمسقطا
ما أخجل البدر المنير إذا مشى ... يختال والغصن (١) النضير إذا خطا ومنها في المدح:
يا وافدي شرق البلاد وغربها ... أكرمتما خيل الوفادة فاربطا
ورأيتما ملك البرية فاهنآ (٢) ... ووردتما أرض المريّة فاخططا
يدمي (٣) نحور الدارعين إذا ارتأى ... ويذل عزّ العالمين إذا سطا انتهى المقصود منه، وأورد له في الإحاطة قصيدة ثانية أولها:
حديثك ما أحلى، فزيدي وحدثي ... وهي طويلة.
وكتب عليها ابن المؤلف ما صورته: سمعتها من لفظ شيخي أبي جعفر ابن خاتمة بالمرية في سنة خمس وستين وسبعمائة، قاله علي بن الخطيب؛ انتهى.
رجع إلى أخبار ابن الصائغ، ومن نظمه قوله:
ضربوا القباب على أقاحي روضةٍ ... خطر النسيم بها ففاح عبيرا
وتركت قلبي سار بين حمولهم ... دامي الكلوم يسوق تلك العيرا
هلاّ سألت أميرهم هل عندهم ... عانٍ يفكّ ولو سألت غيورا
لا والذي جعل الغصون معاطفاً ... لهم وصاغ الأقحوان ثغورا
ما مرّ بي ريح الصبّا من بعدهم ... إلا شهقت له فعاد سعيرا
стр. 3713
وتوفّي ابن الصائغ في شهر رمضان سنة ٥٢٣، وقيل: سنة خمس وعشرين، مسموماً في باذنجان بمدينة فاس، وهو تُجيبي بضم التاء وفتحها، وباجّة: بالباء الموحدة، وبعد الألف جيم مشددة، ثم هاء ساكنة، وهي القصة بلغة الفرنج، وسرقسطة بفتح السين والراء وضم القاف وسكون السين الثانية وبعدها طاء مهملة مدينة كبيرة بالأندلس، استولى عليها العدو سنة ٥١٢.
وقال الأمير ركن الدين بيبرس في تأليفه " زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة " (١) إن ابن الصائغ كان عالماً فاضلاً، له تصانيف في الرياضات والمنطق، وإنّه وزر لأبي بكر الصحراوي صاحب سرقسطة، ووزر أيضاً ليحيى بن يوسف ابن تاشفين عشرين سنة بالمغرب، وإن سيرته كانت حسنة، فصلحت به الأحوال، ونجحت على يديه الآمال، فحسده الأطباء والكتّاب وغيرهم، وكادوه، فقتلوه مسموماً؛ انتهى.
وأنشد له بعضهم:
هم رحلوا يوم الخميس عشيّةً ... فودّعتهم لمّا استقلّوا وودعوا
ولما تولّوا ولّت النفس معهم ... فقلت: ارجعي قالت: إلى أين أرجع
إلى جسد ما فيه لحمٌ ولا دمٌ ... وما هو إلا أعظمٌ تتقعقع
وعينين قد أعماهما كثرة البكا ... وأذن عصت عذّالها ليس تسمع وقد ذكر بعضهم في تعزيز بيتي الحريري: أنّه لابن الصائغ الأندلسي، وليس هو بهذا فيما أعلم:
انقدّ مهوى أزره فانثنى ... مه يا عذولي في الذي انقدّ مه
مندمة قتل المعنّى فلا ... ترسل سهام اللحظ تأمن دمَه
стр. 3714
[ترجمة الفتح عن الإحاطة]
رجع إلى ابن باجّة - وقد ذكر لسان الدين في الإحاطة سبب العداوة بينه وبين الفتح في ترجمة الفتح ولنذكرها بنصّه فنقول (١) : قال رحمه الله تعالى: الفتح بن محمد بن عبيد الله، الكاتب، من قرية تعرف بقلعة الواد (٢) من قرى يحصب، يكنى أبا نصر، ويعرف بابن خاقان.
حاله - كان آية من آيات البلاغة لا يشق غباره، ولا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقها، لعوباً بأطراف الكلام، معجزاً في باب الحلي والصفات، إلا أنّه كان محارفاً مقدوراً عليه، لا يمل من المعاقرة والقصف، حتى هان قدره، وابتذلت نفسه وساء ذكره، ولم يدع بلداً من بلاد الأندلس إلا ودخله مسترفداً أميره واغلاً في عليته، قال الأستاذ في الصلة: وكان معاصراً للكاتب أبي عبد الله ابن أبي الخصال، إلاّ أن بطالته أخلدت به عن مرتبته. وقال ابن عبد الملك (٣) : قصد يوماً إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض مخمراً، فتنسم بعض حاضري المجلس رائحة الخمر، فأعلم القاضي بذلك، فاستثبت (٤) وحدّه حدّاً تامّاً، وبعث إليه بعد أن أقام عليه الحد بثمانية دنانير وعمامة، فقال الفتح حينئذ لبعض من أصحابه: عزمت على إسقاط القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم ب " قلائد العقيان "، قال: فقلت: لا تفعل، وهي نصيحة، فقال: وكيف ذلك فقلت له: قصتك معه من الجائز أن تُنسى، وأنت تريد أن تتركها مؤرخة، إذ كل من ينظر في كتابك يجدك قد ذكرت
стр. 3715
فيه من هو مثله ودونه في العلم والصيت، فيسأل عن ذلك، فيقال له، فيتوارث العلم عن الأكابر الأصاغر، قال: فتبين ذلك، وعلم صحته وأقر اسمه.
وحدثني بعض الشيوخ أن سبب حقده على ابن باجة أبي بكر آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس ما كان من إزرائه به وتكذيبه إيّاه في مجلس إقرائه، إذ جعل يكثر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس ووصف حلياً، وكان يبدو من أنفه فضله خضراء اللون - زعموا - فقال له: فمن تلك الجواهر إذن الزمردة التي على شاربك فثلبه في كتابه بما هو معروف، وعلى ذلك فأبو نصر نسيج وحده، غفر الله تعالى له.
مشيخته - روي عن أبوي بكر: ابن سليمان بن القصيرة وابن عيسى ابن اللبانة، وأبي جعفر ابن سعدون الكاتب، وأبي الحسن ابن سراج، وأبي خالد ابن بشتغير، وأبي الطيب ابن زرقون، وأبي عبد الله ابن خلصة الكاتب، وأبي عبد الرحمن ابن طاهر، وأبي عامر ابن سرور، وأبي محمد ابن عبدون، وأبي الوليد ابن حجاج، وابن دريد الكاتب.
تواليفه - ومصنفاته شهيرة: منها قلائد العقيان ومطمح الأنفس والمطمح أيضاً، وترسيله مدوّن، وشعره وسط، وكتابته فائقة.
شعره - من شعره قوله، وثبت في قلائده، يخاطب أبا يحيى ابن الحاج (١) :
أكعبة علياء وهضبة سؤدد ... وروضة مجد بالمفاخر تمطر
هنيئاً لملك زار أفقك نوره ... وفي صفحتيه من مضائك أسطر
وإنّي لخفّاق الجناحين كلّما ... سرى لك ذكر أو نسيم معطّر
وقد كان واش هاجنا لتهاجرٍ ... فبتُّ وأحشائي جوىً تتفطّر