← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

[ابن الحداد الوادي آشي] ثم رأيت في " الإحاطة " (١) نسبة ذلك لغيره ونصه: محمد بن أحمد بن الحداد، الوادي آشي، يكنى أبا عبد الله. حاله - شاعر مفلق، وأديب شهير، مشار إليه في التعاليم، منقطع القرين منها في الموسيقى، مضطلع بفك المعمّى، سكن المرية، واشتهر بمدح رؤسائها من بني صمادح، وقال ابن بسّام: كان أبو عبد الله هذا شمس ظهيرة، وبحر خبر وسيرة، وديوان تعاليم مشهورة، وضح في طريق المعارف وضوح الصبح المتهلّل، وضرب فيها بقدح ابن مقبل (٢) ، إلى جلالة مقطع، وأصالة منزع، ترى العلم ينم على أشعاره، ويبين في منازعه وآثاره. تأليفه - ديوان شعره كبير معروف، وله في العروض تصنيف مشهور مزج فيه بين الألحان المويسيقية والآراء الخليلية. بعض أخباره - حدّث بعض المؤرخين ممّا يدل على ظرفه أنّه فقد سكناً عزيزاً عليه، وأحوجت الحاجة إلى تكلف سلوة، فلمّا حضر الندماء، وكان قد رصد الخسوف القمري، فلمّا حقق أنّه ابتدأ أخذ العود وغنى " شقيقك غيّب - إلى آخره " وجعل يرددها ويخاطب البدر، فلم يتم ذلك إلا واعترضه الخسوف، وعظم من الحاضرين التعجب. ثم قال لسان الدين في ترجمة شعره: وقال (٣) : أقبلن في الحبرات يقصرن الخطا ... ويرين في حلل الوراشين القطا (٤) سرب الجوى لا الجوّ عوّد حسنه ... أن يرتعي حبّ القلوب ويلقطا

стр. 3712

مالت معاطفهنّ من سكر الصبّا ... ميلاً يخيف قدودها أن تسقطا وبمسقط العلمين أوضح معلم ... لمهفهف سكن الحشا والمسقطا ما أخجل البدر المنير إذا مشى ... يختال والغصن (١) النضير إذا خطا ومنها في المدح: يا وافدي شرق البلاد وغربها ... أكرمتما خيل الوفادة فاربطا ورأيتما ملك البرية فاهنآ (٢) ... ووردتما أرض المريّة فاخططا يدمي (٣) نحور الدارعين إذا ارتأى ... ويذل عزّ العالمين إذا سطا انتهى المقصود منه، وأورد له في الإحاطة قصيدة ثانية أولها: حديثك ما أحلى، فزيدي وحدثي ... وهي طويلة. وكتب عليها ابن المؤلف ما صورته: سمعتها من لفظ شيخي أبي جعفر ابن خاتمة بالمرية في سنة خمس وستين وسبعمائة، قاله علي بن الخطيب؛ انتهى. رجع إلى أخبار ابن الصائغ، ومن نظمه قوله: ضربوا القباب على أقاحي روضةٍ ... خطر النسيم بها ففاح عبيرا وتركت قلبي سار بين حمولهم ... دامي الكلوم يسوق تلك العيرا هلاّ سألت أميرهم هل عندهم ... عانٍ يفكّ ولو سألت غيورا لا والذي جعل الغصون معاطفاً ... لهم وصاغ الأقحوان ثغورا ما مرّ بي ريح الصبّا من بعدهم ... إلا شهقت له فعاد سعيرا

стр. 3713

وتوفّي ابن الصائغ في شهر رمضان سنة ٥٢٣، وقيل: سنة خمس وعشرين، مسموماً في باذنجان بمدينة فاس، وهو تُجيبي بضم التاء وفتحها، وباجّة: بالباء الموحدة، وبعد الألف جيم مشددة، ثم هاء ساكنة، وهي القصة بلغة الفرنج، وسرقسطة بفتح السين والراء وضم القاف وسكون السين الثانية وبعدها طاء مهملة مدينة كبيرة بالأندلس، استولى عليها العدو سنة ٥١٢. وقال الأمير ركن الدين بيبرس في تأليفه " زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة " (١) إن ابن الصائغ كان عالماً فاضلاً، له تصانيف في الرياضات والمنطق، وإنّه وزر لأبي بكر الصحراوي صاحب سرقسطة، ووزر أيضاً ليحيى بن يوسف ابن تاشفين عشرين سنة بالمغرب، وإن سيرته كانت حسنة، فصلحت به الأحوال، ونجحت على يديه الآمال، فحسده الأطباء والكتّاب وغيرهم، وكادوه، فقتلوه مسموماً؛ انتهى. وأنشد له بعضهم: هم رحلوا يوم الخميس عشيّةً ... فودّعتهم لمّا استقلّوا وودعوا ولما تولّوا ولّت النفس معهم ... فقلت: ارجعي قالت: إلى أين أرجع إلى جسد ما فيه لحمٌ ولا دمٌ ... وما هو إلا أعظمٌ تتقعقع وعينين قد أعماهما كثرة البكا ... وأذن عصت عذّالها ليس تسمع وقد ذكر بعضهم في تعزيز بيتي الحريري: أنّه لابن الصائغ الأندلسي، وليس هو بهذا فيما أعلم: انقدّ مهوى أزره فانثنى ... مه يا عذولي في الذي انقدّ مه مندمة قتل المعنّى فلا ... ترسل سهام اللحظ تأمن دمَه

стр. 3714

[ترجمة الفتح عن الإحاطة] رجع إلى ابن باجّة - وقد ذكر لسان الدين في الإحاطة سبب العداوة بينه وبين الفتح في ترجمة الفتح ولنذكرها بنصّه فنقول (١) : قال رحمه الله تعالى: الفتح بن محمد بن عبيد الله، الكاتب، من قرية تعرف بقلعة الواد (٢) من قرى يحصب، يكنى أبا نصر، ويعرف بابن خاقان. حاله - كان آية من آيات البلاغة لا يشق غباره، ولا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقها، لعوباً بأطراف الكلام، معجزاً في باب الحلي والصفات، إلا أنّه كان محارفاً مقدوراً عليه، لا يمل من المعاقرة والقصف، حتى هان قدره، وابتذلت نفسه وساء ذكره، ولم يدع بلداً من بلاد الأندلس إلا ودخله مسترفداً أميره واغلاً في عليته، قال الأستاذ في الصلة: وكان معاصراً للكاتب أبي عبد الله ابن أبي الخصال، إلاّ أن بطالته أخلدت به عن مرتبته. وقال ابن عبد الملك (٣) : قصد يوماً إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض مخمراً، فتنسم بعض حاضري المجلس رائحة الخمر، فأعلم القاضي بذلك، فاستثبت (٤) وحدّه حدّاً تامّاً، وبعث إليه بعد أن أقام عليه الحد بثمانية دنانير وعمامة، فقال الفتح حينئذ لبعض من أصحابه: عزمت على إسقاط القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم ب " قلائد العقيان "، قال: فقلت: لا تفعل، وهي نصيحة، فقال: وكيف ذلك فقلت له: قصتك معه من الجائز أن تُنسى، وأنت تريد أن تتركها مؤرخة، إذ كل من ينظر في كتابك يجدك قد ذكرت

стр. 3715

فيه من هو مثله ودونه في العلم والصيت، فيسأل عن ذلك، فيقال له، فيتوارث العلم عن الأكابر الأصاغر، قال: فتبين ذلك، وعلم صحته وأقر اسمه. وحدثني بعض الشيوخ أن سبب حقده على ابن باجة أبي بكر آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس ما كان من إزرائه به وتكذيبه إيّاه في مجلس إقرائه، إذ جعل يكثر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس ووصف حلياً، وكان يبدو من أنفه فضله خضراء اللون - زعموا - فقال له: فمن تلك الجواهر إذن الزمردة التي على شاربك فثلبه في كتابه بما هو معروف، وعلى ذلك فأبو نصر نسيج وحده، غفر الله تعالى له. مشيخته - روي عن أبوي بكر: ابن سليمان بن القصيرة وابن عيسى ابن اللبانة، وأبي جعفر ابن سعدون الكاتب، وأبي الحسن ابن سراج، وأبي خالد ابن بشتغير، وأبي الطيب ابن زرقون، وأبي عبد الله ابن خلصة الكاتب، وأبي عبد الرحمن ابن طاهر، وأبي عامر ابن سرور، وأبي محمد ابن عبدون، وأبي الوليد ابن حجاج، وابن دريد الكاتب. تواليفه - ومصنفاته شهيرة: منها قلائد العقيان ومطمح الأنفس والمطمح أيضاً، وترسيله مدوّن، وشعره وسط، وكتابته فائقة. شعره - من شعره قوله، وثبت في قلائده، يخاطب أبا يحيى ابن الحاج (١) : أكعبة علياء وهضبة سؤدد ... وروضة مجد بالمفاخر تمطر هنيئاً لملك زار أفقك نوره ... وفي صفحتيه من مضائك أسطر وإنّي لخفّاق الجناحين كلّما ... سرى لك ذكر أو نسيم معطّر وقد كان واش هاجنا لتهاجرٍ ... فبتُّ وأحشائي جوىً تتفطّر

стр. 3716

فهل لك في ودٍّ ذوى لك ظاهراً ... وباطنه يندى صفاء ويقطر ولست بعلقٍ بيع بخساً وإنّني ... لأرفع أعلاق الزمان وأخطر فروجع عنه بما ثبت أيضاً في قلائده ممّا أوّله: ثنيت أبا نصر عناني، وربما ... ثنت عزمة السهم المصمم أسطر نثره - ونثره شهير، ونثبت له من غير المتعارف من السلطانيات ظهيراً كتبه عن بعض الأمراء لصاحب الشُّرَط، ولا خفاء بإدلاله وبراعته: كتاب تأكيد اعتناء، وتقليد ذي منة وغناء، أمر بإنفاذه فلان، أيّده الله تعالى، لفلان ابنفلان، صانه الله تعالى، ليتقدم لولاية المدينة الفلانية وجهاتها، ويضرح (١) ما تكاثف من العدوان في جنباتها، تنويهاً أحظاه بعلائه، وكساه رائق ملائه، لما علمه من سنائه، وتوسّمه من غنائه، ورجاه من حسن منابه، وتحققه من طهارة ساحته وجنابه، وتيقن - أيده الله تعالى - أنّه مستحق لما ولاه، مستقل (٢) بما تولاه، لا يعتريه الكسل (٣) ، ولا تثنيه عن المضاء الصوارم والأسل، ولم يكل الأمر منه إلى وكل، ولا ناطه بمناط عجز ولا فشل، وأمره أن يراقب الله تعالى في أوامره ونواهيه، وليعلم أنّه زاجره عن الجور وناهيه، وسائله عمّا حكم به وقضاه، وأنفذه وأمضاه ﴿يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذ لله﴾ (الإنفطار: ١٩) فليتقدم إلى ذلك بحزم لا يخمد توقّده، وعزم لا ينفد تفقّده، ونفس مع الخير ذاهبة، وعلى متن البر والتقوى راكبة، ويقدّم للاحتراس من عرف اجتهاده، وعلم أرقه في البحث وسهاده، وحمدت أعماله، وأمن تفريطه وإهماله، ويضم إليهم من يحذو حذوهم، ويقفو شأوهم،

стр. 3717

ممّن لا يستراب بمناحيه، ولا يصاب خلل في ناحية من نواحيه، وأن يذكي العيون على الجناة، وينفي عنها لذيذ السّنات، ويفحص عن مكامنهم، حتى يغص بالريق (١) نفس آمنهم، فلا يستقر بهم موضع، ولا يفر منهم خب ولا موضع، فإذا ظفر منهم بمن ظفر بحث عن باطنه، وبث السؤال في مواضع تصرفه ومواطنه، فإن لاحت شبهة أبداها الكشف والاستبراء، وتعدّاها البغي والافتراء، نكّله بالعقوبة أشدّ نكال، وأوضح له منها ما كان ذا إشكال، بعد أن يبلغ إناه، ويقف في طرفه مداه، وحدّ له أن لا يكشف بشرة إلا في حد يتعين، وإن جاءه فاسق أن يتبين، وأن لا يطمع في صاحب مال موفور، وأن لا يسمع من مكشوف في مستور، وأن يسلك السّنن المحمود، وينزه عقوبته من الإفراط وعفوه من تعطيل الحدود، وإذا انتهت إليه قصّة مشكلة أخّرها إلى غده، فهو على العقاب أقدر منه على رده، فقد يتبين في وقت ما لا يتبين في وقت، والمعاجلة (٢) بالعقوبة من المقت، وأن يتغمد هفوات، ذوي (٣) الهيئات، وأن يستشعر الإشفاق، ويخلع التكبر فإنّه ملابس أهل النفاق، وليحسن لعباد الله تعالى اعتقاده، ولا يرفض زمام العدلل ولا مقاده، وأن يعاقب المجرم قدر زلته، ولا يعتز عند ذلّته، وليعلم أن الشيطان أغواه، وزيّن له مثواه، فليشفق من عثاره، وسوء آثاره، وليشكر الله تعالى على ما وهبه من العافية، وألبسه من ملابسها الضافية، ويذكره جلّ وعلا في جميع أحواله، ويفكر في الحشر وأهواله، يوتذكر وعداً ينجز فيه ووعيداً " يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً " آل عمران: ٣٠ والأمير أيده الله تعالى ولي له ما عدل وأقسط، وبرىء منه إن جاء وقسط، فمن قرأه فليقف عند حدّه ورسمه، وليعرف له حق

стр. 3718

قطع الشرّ وحسمه، ومن وافقه من شريف أو مشروف، وخالفه في نهي عن منكر أو أمر بمعروف، فقد تعرض من العقاب لما يذيقه وبال خبله، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وكتب في كذا. وفاته - بمراكش ليلة الأحد لثمان بقين من محرم من عام تسعة (١) وعشرين وخمسمائة، ألفي قتيلاً ببيت من بيوت فندق أحد فنادقها، وقد ذُبح وعُبث به، وما شُعر به إلا بعد ثلاث ليال من قتله؛ انتهى نص الإحاطة. [ترجمة الفتح عن المغرب] وقال في المغرب ما ملخصه (٢) : فخر أدباء إشبيلية بل الأندلس: أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي الإشبيلي، صاحب القلائد والمطمح، ذكره الحجاري في المسهب، الدهر من رواة قلائده، وحملة فرائده، طلع من الأفق الإشبيلي شمساً طبّق الآفاق ضياؤها، وعمّ الشرق والغرب سناها وسناؤها، وكان في الأدب أرفع الأعلام، وحسنة الأيام، وله كتاب قلائد العقيان ومن وقف عليه لا يحتاج في التنبيه على قدره إلى زيادة بيان، وهو وأبو الحسن ابن بسّام الشنتمري مؤلف الذخيرة فارساً هذا الأوان، وكلاهما قسٌّ وسحبان، والتفضيل بينهما عسير، إلا أن ابن بسام أكثر تقييداً، وعلماً مفيداً، وإطناباً في الأخبار، وإمتاعاً للأسماع والأبصار، والفتح أقدر على البلاغة من غير تكلف، وكلامه أكثر تعلّقاً وتعشقاً بالأنفس، ولولا ما اتسم به ممّا عرف من أجله بابن خاقان، لكان أحد كتّاب الحضرة المرابطية بل مجليها المستولي على الرهان، وإنّما أخلّ به ما ذكرناه، مع كونه اشتهر بذم

стр. 3719

أولي الأحساب، والتمرين بالطعن على الأدباء والكتّاب، وقد رماه الله تعالى بما رمى به إمام علماء الأندلس أبا بكر ابن باجّة، فوجد في فندق بحضرة مراكش قد ذبحه عبد أسود خلا معه بما اشتهر عنه، وتركه مقتولاً وفي دبره وتد، والله سبحانه يتغمده برحمته. ومن شعره قوله من أبيات في المدح: إلى أين ترقى قد علوت على البدر ... وقد نلت غايات السيادة والقدر وجدت إلى أن ليس يذكر حاتم ... وأغنيت أهل الجدب عن سبل القطر وكم رام أهل اللوم باللوم وقفة ... وبحرك مد لا يؤول إلى جزر ولو لم يكن فيك السماح جبلّةً ... لأثّر ذاك اللوم فيك مع الدهر وذكره ابن الإمام في سمط الجمان وأنشد له: لله ظبيٌ من جنابك زارني ... يختال زهواً في ملاء مراح ولي التماسك في هواه كأنّه ... مروان خاف كتائب السفّاح فخلعت صبري بالعرا ونبذته ... وركبت وجدي في عنان جماح أهدي لي الورد المضعف خده ... فقطفته باللحظ دون جناح وأردت صبراً عن هواه فلم أطق ... وأريت جدّاً في خلال مزاح وتركت قلبي للصبابة طائراً ... تهفو به الأشواق دون جناح وذكره ابن دحية في المطرب ونعته بابن خاقان، قال: والشيخ أبو الحجاج البياسي ينكر هذا، وقيل: إنّما قيل له ابن خاقان لما تقدم ذكره في كلام الحجاري، وقال ابن دحية: إنّه قتل ذبحاً بمسكنه في فندق ببيت من حضرة مراكش صدر سنة تسع وعشرين وخمسمائة، أشار بقتله علي بن يوسف بن تاشفين.

стр. 3720

وقال أبو الحسن ابن سعيد: رأيت فضلاء الأندلس ينتقدون على الفتح أول افتتاحه في خطبة قلائده " الحمد لله الذي راض لنا البيان حتى انقاد في أعنَّتنا، وشاد مثواه في أجنّتنا " لكون ما تضمنته الفقرة الأولى أصوب ممّا تضمنته الفقرة الثانية، والصواب ضد ذلك؛ انتهى. وقال ابن الأبار في " معجم أصحاب الصدفي " (١) : إنّه لم يكن مرضياً، وحذفه أولى من إثباته؛ انتهى. ولذا لم يذكره في التكملة. وقال ابن خاتمة: إنّه لم يُعرف من المعارف بغير الكتابة والشعر والآداب. وما حكاه في الإحاطة من تاريخ وفاته مخالف لما حكاه ابن الأبار أنّه ليلة عيد الفطر من سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، قال: وقرأت ذلك بخط من يوثق به. وحكى ابن خلكان (٢) قولاً آخر أنّه توفّي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، قيل: وهو خطأ، على أنّه حكى القول الآخر أيضاً. ودفن بباب الدباغين، رحمه الله تعالى. وقد قيل: إن قتله كان بإشارة أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين أخي إبراهيم الذي ألف برسمه قلائد العقيان. وقد ذكر ابن خلكان أن المطمح ثلاث نسخ: صغرى، ووسطى، وكبرى، والذي قاله ابن الخطيب وابن خاتمة وغير واحد من المغاربة أنّه نسختان فقط: صغرى، وكبرى، ولعلّه الصواب، إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه. ومن تأليف الفتح راية المحاسن وغاية المحاسن ومجموع في ترسيله، وتأليف صغير في ترجمة ابن السيّد البطليوسي نحو الثلاثة كراريس على منهاج القلائد (٣) .

стр. 3721

[رسائل للفتح] ١ - ومن بديع إنشاء الفتح المذكور سامحه الله تعالى قوله: أطال الله تعالى بقاء الوزير الأجلّ، عتادي الأسرى، وزنادي الأورى، وأيامه أعياد، وللسعد في زمانه انقياد، أمّا أنا - أدام الله تعالى عزّه - فجوّي عاتم، وأعيادي مآتم، وصبحي عشاء، وما لي إلاّ من الخطوب انتشاء، أبيت بين فؤاد خافق وطرف مسهّد، نائي المحلّة من مزار العوّد، حين لا أرى الروض المنوّر، ولا أحس سهيلاً إذا لاح ثم تهوّر (١) ، وقد بعدت دار إليّ حبيبة، ودنت مني حوادث بأدناها تؤذي الشبيبة، وأي عيش لمن لزم المفاوز لا يريمها، حتى ألفه ريمها، قد رمته النوائب فما اتّقى، وارتقت له الجوائح في وعور المرتقى، يواصل النوى ولا يهجر سيراً، ولا يزجر في الإراحة طيراً، قد هام بالوطن، هيام ابن طالب بالحوض والعطن، وحنّ إلى تلك البقاع، حنينه إلى أثلاث القاع (٢) ، ولا سبيل أن يشعب صدر بينه شاعب، أو تكلّمه أحجار للدار وملاعب، وليس له إلى أين يجنح، ولا يرى أمله يسنح، قد طوى البلاد وبسطها، وتطرّف الأرض وتوسطها، ولم يلف مقيلاً، ولا وجد مقيلاً، إلى الله أشكو ما أقاسي وأقاصي، وبيده الأقدام والنواصي، ولقاؤه موعد كلّ موعد، وكل معمر سيدركه يوماً حمام الموعد، وأنفذته وقد صدرت عن فلانة بعد أهوال لقيتها، وأنكال سقيتها، وسفر لقيت منه نصباً، وكدر أعقبني وصباً، وإلى متى يعتزلني السعد ولله الأمر من قبل ومن بعد؛ انتهى.

стр. 3722

٢ - وكتب رحمه الله تعالى من رسالة: سيدي لا عدمت ارتفاقاً، ولا حرمت تكيفاً من السعد واتفاقاً، أنا الآن مشتغل البال، لا أفرّق بين الإعراض والإقبال، وعند تفرغي أوجّه لك ما حضر، ومثلك أرجأ الأمر وأنظر، وفي علم الله تعالى لو أمكنني لحملتك على كاهل، وأوردتك منه أعذب المناهل، وأبحت لك السعد ثغراً ترتشفه، وخلعته برداً عليك تلتحفه، لكن الزمان لا يجد، وصروفه لا تنجد، وعلى أي حال فلا بد أن تجد قراك، وتحمد سراك، إن شاء الله تعالى. ٣ - وكتب إلى أبي بكر بن علي (١) عند ولايته إشبيلية: أطال الله تعالى بقاء الأمير الأجلّ أبي بكر للأرض يتملكها، ويستدير بسعده فلكها؛ استبشر الملك وحق له الاستبشار، وأومأ إليه السعد في ذلك وأشار، بما اتّفق له من توليتك، وخفق عليه من ألويتك، فلقد حبي منك بمكلك أمضى من السهم المسدّد: طويل نجاد السيف رحب المقلّد ... يقدم حيث يتأخّر الذابل، ويكرم إذا بخل الوابل، ويحمي الحمى كربيعة ابن مكدّم، ويسقي الظبي نجيعاً كلون العندم، فهنيئاً للأندلس لقد استردت عهد خلفائها، واستمدّت تلك الإمامة بعد عفائها، حتى كأن لم تمر أعاصرها، ولم يمت حكمها ولا ناصرها، اللذان عمرا الرصافة والزّهرا، ونكحا عقائل الروم وما بذلا إلا المشرفية مهرا، والله تعالى أسأله انتصار أيامك، وبه أرجو انتشار أعلامك، حتى يكون عصرك أعجب من عصرهم، ونصرك أعزّ من

стр. 3723

نصرهم، والسلام؛ انتهى. ٤ - وقال بعضهم: من أحسن ما رأيت له قوله: معاليك أشهر رسوماً، وأعطر نسيماً، من أن يغرب شهاب مسعاها، أو يجدب لرائد مرعاها، فإن نبهتك فإنّما نبهت عمراً (١) ، وإن استنرتك فإنّما أستنير قمراً، والأمير أيّده الله تعالى أجل من أعتصم في ملكه، وأنتظم في سلكه، فإنّه حسام بيد الملك، طلاقته فرنده، وشهامته حدّه، وقضيب، في دوحة الشرف رطيب، بشره زهره، وبره ثمره، وقد توسّمت نارك لعلّي أفوز منها بقبس، أو تكون كنار موسى بالواد المقدس، وعسى الأمل أن تعلو بكم قداحه، ويشف من أفقكم مصباحه، فجرّد - أيدك الله تعالى - صارم عزم لا تفلّ غروبه، واطلع كوكب سعد لا يخاف غروبه؛ انتهى. ولنذكر بعض كلامه في المطمح لغرابته في هذه البلاد المشرقية بخلاف القلائد فإنّها موجودة بأيدي الناس فيه. [نماذج من تراجم المطمح] ١ - قال رحمه الله تعالى في ترجمة أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي (٢) : إمام اللغة والإعراب، وكعبة الآداب، أوضح منها كل إبهام، وفضح دون الجهل بها محل الأوهام، وكان أحد ذوي الإعجاز، وأسعد أهل الاختصار والإيجاز، نجم والأندلس في إقبالها، والأنفس أول تهممها بالعلم واهتبالها، فنفقت له عندهم البضاعة، واتفقت على تفضيله الجماعة، وأشاد الحكم بذكره، فأورى بذلك زناد فكره، وله اختصار العين للخليل، وهو معدوم

стр. 3724

النظير والمثيل، ولحن العامة وطبقات النحويين وكتاب الواضح وسواها من كل تأليف مخجل لمن أتى بعده فاضح، وله شعر مصنوع ومطبوع، كأنّما يتفجر من خاطره ينبوع، وقد أثبت له منه ما يقترح، ولا يطرح، فمن ذلك قوله: كيف بالدّين القديم ... لك من أم تميم ولقد كان شفاءً ... من جوى القلب السقيم يشرق الحسن عليها ... في دجى الليل البهيم وكتب مراجعاً: أغرقتني في بحور فكر ... فكدت منها أموت لما (١) كلّفتني غامضاً عويصاً ... أرجم فيه الظنون رجما ما زلت أسرو السجوف عنه ... كأنّني كاشف لظلما أقرب من ليله، وأنأى ... مستبصراً تارة وأعمى حتى بدا مشرق المحيّا ... لمّا اعتلى طالعاً وتمّا لله من منطق وجيز ... قد جلّ قدراً وجلَّ فهما أخلصت لله فيه قولاً ... سلّمت لله فيه حكما إذ قلت قول امرىء حكيمٍ ... مراقب للإله علما الله ربّي وليُّ نفسي ... في كل بوسٍ وكلّ نعمى وكتب إلى أبي مسلم ابن فهد وكان كثير التكبر، عظيم التجبر، متغيراً (٢) لسانه، مقفراً من المعالم جنانه:

стр. 3725

أبا مسلم، إنّ الفتى بفؤاده ... ومقوله لا بالمراكب واللّبس وليس رواء المرء يغني قلامة ... إذا كان مقصوراً على قصر النفس وليس يفيد الحلم والعلم والحجى ... أبا مسلم طول القعود على الكرسي واستدعاه الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين فعجل إليه وأسرع، فأمرع من آماله ما أمرع، فلمّا طالت نواه، واستطالت عليه لوعته وجواه، وحنّ إلى مستكنّه بإشبيلية ومثواه، استأذنه في اللحوق بها فلوّمه ولواه، فكتب إلى من كان يألفه ويهواه: ويحك يا سلم لا تراعي ... لا بد للبين من مساع لا تحسبيني صبرت إلاّ ... كصبر ميت على النزاع ما خلق الله من عذابٍ ... أشدّ من وقفة الوداع ما بينها والحمام فرقٌ ... إلا المناحات في النواعي إن يفترق شملنا وشيكاً ... من بعد ما كان في اجتماع فكل شمل إلى افتراق ... وكل شعب إلى انصداع وكلّ قربٍ إلى بعادٍ ... وكل وصل إلى انقطاع ٢ - وقال - سامحه الله تعالى - بعد ترجمة السلطان بالمرية المعتصم بن صمادح ما نصّه: ابنه عز الدولة أبو مروان عبد الله (١) ، فتى الراح المعاقر لدنانها، المهتصر لأغصان الفتوة وأفنانها، المهجّر لفلاة الظّباء والآرام، المشهّر في باب الصّبابة والغرام، نشأ في حجر أبيه نديم قهوة، ومديم صبوة، وخديم شهوة، لا يريم كاساً، ولا يروم إلا اقتضاء وانتكاساً، ما شهد قتلاً ولا قتالاً، ولا تقلد صارماً إلا مختالاً، قد أمن منه جنانُ الجبان، وعدّت له غصون البان، ومازال مرتضعاً لأخلاف البطالة، مقتطعاً ما شاء من إطالة، متوغلاً

стр. 3726

في شعاب الفتّاك، متغلغلاً في طريق الانتهاك، إلى أن وجهه أبوه إلى أمير المسلمين سفيراً عندما بدت له وجوه الفتنة تسفر، ومعاهد الهدنة تقفر، مع أكامل أصحبهم نقصانه، وذوي أديان جعلهم خلصانه، يسمعون بوادر بذاذته، وينظرون مناكر لذاذته، فآلت سفرته إلى الاعتقال، وقصرت نخوته ما بين قيد وعقال، فجاء كالمهر لا يعرف لجاماً، وصار حبيس قوم لا يألونه استعجاماً، وحين شالت نعامته، وسالت عليه ظلامته، كتب إلى أبيه: أبعد السنا والمعالي خمول ... وبعد ركوب المذاكي كبول ومن بعد ما كنت حرّاً عزيزاً ... أنا اليوم عبد أسير ذليل حللت رسولاً بغرناطة ... فحلّ بها فيّ خطبٌ جليل وثقّفت إذ جئتها مرسلاً ... وقبلي كان يعزّ الرسول فقدت المرية أكرم بها ... فما للوصول إليها سبيل فراجعه أبوه بقطعة منها: عزيزٌ عليّ ونوحي دليل ... على ما أقاسي ودمعي يسيل وقطّعت البيض أغمادها ... وشقّت بنودٌ وناحت طبول لئن كنت يعقوب في حزنه ... ويوسف أنت فصبرٌ جميل ولم يزل يتحيّل في تخلّصه، وأخذه من يد مقتنصه، فسرق وحراسه منه بمكان السلك من النحر، وطرق به على ثبج البحر، فوافى المريّة، وقد أخذ البحث عليه آفاق البرية، فهنىء المعتصم بخلاصه، وبقي مستقرّاً بعراصه، إلى أن أخلوها، ومضوا لطلبة ما نووها، فنجا أخوه إلى حيث ذكرنا من بلاد الناصر، ولجأ هو إلى أحد المرابطين لأذمّة كانت بينهما وأواصر، وأقام معه سمير لهوه، وأمير سهوه، إلى أن انقرض أمده، وطواه سروره لا كمده، فلم ير إلا

стр. 3727

خالعاً لعذاره، طالعاً في ثنيّات اغتراره، غير مكترث باتّضاعه، ولا منحرف عن ارتشاف الغيّ وارتضاعه، وبدا منه في هذه الحال ندى كاثر به السحاب، وظاهر بسببه الصّحاب، وتخدّم الأوطار، وتقدم لذوي الرتب فيها والأخطار، [تقدماً] حسّن من ذكره، وأولع الألسن بشكره، فارتفع عنه الكدح، وشفع له في الذم ذلك المدح، وكان نظمه بديع الوصف، رفيع الرّصف، وقد أثبت له ما يشهد بإجادته وإحسانه، شهادة الروض بجود نيسانه. أخبرني ابن القطان أنّه ساير الأمير يحيى بن أبي بكر إلى طليطلة في جيوش فاضت سيلاً، وخاضت المطايا قتامها ليلاً، وكان ملكاً لم يعقد على مثله لواء، ولم يحتوٍ على شبهه حواء (١) ، جمال محياً، وكمال عليا، وحسن شيم، وبعد همم، أغنى العفاة، وأحيا الرفات، وألغى الأجواد، وأنسى كعب ابن مامة وابن أبي دواد، فلمّا شارف طليطلة وكشفها، واشتفّ بلالتها وارتشفها، وضرب بكنفها مضاربه، وأجال بساحتها زنجه وأعاربه، سقط أحد ألويته عن يد حامله، وانكسر عند عامله، فطائفة تفاءلت، وطائفة تطيرت، وفرقة ابتهجت، وأخرى تغيرت، فقال: لم ينكسر عود اللّواء لطيرةٍ ... يُخشى عليك بها وأن تتأوّلا لكن تحقّق أنّه يندقّ في ... نحر العدا ولدى الوغى فتعجّلا وأخبرني أخوه رفيع الدولة أن ابن اللبانة كتب إليه والخلع قد نضا لبوسه، وقصر بوسه، وكدر صفاءه، وغدر وفاءه، وطوى ميدان جوده، وأذوى أفنان وجوده، قوله (٢) : يا ذا الذي هزّ أمداحي بحليته ... وعزّه أن يهزّ المجد والكرما

стр. 3728

واديك لا زرع فيه اليوم تبذله ... فخذ عليه لأيام المنى سلما فدعته دواعي الندى، وأولعته بالجدا في ذلك المدى، فتحيل في برّ طبعه، وكتب معه: المجد يخجل من نقديك في زمن ... ثناه عن واجب البرّ الذي علما فدونك النزر من مصف مودّته ... حتى يوفّيك أيام المنى سلما ٣ - ابنه الثاني: رفيع الدولة أبو يحيى ابن المعتصم: من بيت (١) إماره، وإلى السعد طوافه (٢) بها واعتماره، عمرت أنديته، ونشرت به رايات العزّ وألويته، إلى أن خوى كوكبهم، وهوى مرقبهم، فتفرقوا أيادي سبا، وفرقوا من وقع الأسنّة والظّبي، وفارقوا أرضاً كأرض غسّان، ووافقوا أياماً كيوم أهل اليمامة مع حسّان، بعدما خامرت النفوس مكارمهم مخامرة الرحيق، وأمّهم الناس من كل مكان سحيق، وانتجعوا انتجاع الأنواء، واستطعموا في المحل واللأواء، وصالوا بالدهر وسطوا، وبين النهي والأمر فيه خطوا، ورفيع الدولة هذا فجر ذاك الصباح، وضوء ذلك المصباح، وغصن تلك الدوّحة، ونسيم تلك النفخة، لم يمتهن والدهر قد بذله، ولا ترك الانتصار والأمر قد خذله، فالتحف بالصّون وارتدى، وراح على الانقباض واغتدى، فما تلقاه إلا سالكاً جددا، ولا تراه إلا لابساً سوددا، وله أدب كالروض المجود إذا أزهر، ونظم كزهرالتهائم والنجود بل كالصبح إذا أسفر واشتهر، أوقفه على النسيب، وصرفه إلى المحبوبة والحبيب، فمن ذلك قوله (٣) :

стр. 3729

ما لي وللبدر لم يسمح بزورته ... لعلّه ترك الإجمال أو هجرا إن كان ذاك لذنب ما شعرت به ... فأكرم الناس من يعفو إذا قدرا وله أيضاً: يا عابد الرحمن كم ليلة ... أرّقتني وجداً ولم تشعر إذ كنت كالغصن ثنته الصّبا ... وصحن ذاك الخدّ لم يشعر وله أيضاً: وأهيف لا يلوي على عتب عاتب ... ويقضي علينا بالظنون الكواذب يحكم فينا أمره فنطيعه ... ونحسب منه الحكم ضربة لازب وله أيضاً رحمه تعالى: وعلقته حلو الشمائل ماجناً ... خنث الكلام مرنّح الأعطاف ما زلت أنصفه وأوجب حقه ... لكنّه يأبى من الإنصاف وله أيضاً: حبيبٌ متى ينأى عن العين شخصه ... يكاد فؤادي أن يطير من البين ويسكن ما بين الضلوع إذا بدا ... كأنّ على قلبي تمائم من عين وله أيضاً: أفدّي أبا عمرو وإن كان جانياً ... عليّ ذنوباً لا تعدّد بالعتب (١) فما كان ذاك الود إلا كبارقٍ ... أضاء لعيني ثمّ أظلم للقلب (٢)

стр. 3730

وله وقد بلغه موتي، وتحقق عنده فوتي (١) : مثنى الوزارة قد أودى فما فعلت ... تلك المحابر والأقلام والطرس ما كنت أحسب يوماً قبل ميتته ... أن البلاغة والآداب تختلس واستأذن ليلة على أحد الأمراء وأنا عنده في أسنى موضع، وأبهى مطلع، وجوانب حفده بين يديّ محتلة، وسحائب رفده عليّ منهلّة، وكان أجمل من مقل، وأكمل مَنْ مِنَ المهد إلى سرير الملك قد نقل، وكتب إليّ يهنيني بقدوم من سفر: قدمت أبا نصر على حال وحشة ... فجاءت بك الآمال واتصل الأنس وقرت بك العينان واتصل المنى ... وفازت على يأس ببغيتها النفس فأهلاً وسهلاً بالوزارة كلها ... ومن رأيه في كل مظلمة شمس ٤ - وقال في المطمح في ترجمة الوزير أبي الوليد ابن حزم (٢) : واحد دونه الجمع، وهو للجلالة بصر وسمع، روضة علاه رائقة السنا، ودوحة بهاه طيّبة الجنى، لم يتّزر بغير الصّون، ولم يشتهر بفسادٍ بعد الكون، مع نفس برئت من الكبر، وخلصت خلوص التبر، مع عفاف التحف به بروداً، وما ارتشف به ثغراً بروداً، فعفّت مواطنه، وما استرابت ظواهره ولا بواطنه، وأمّا شعره ففي قالب الإحسان أفرغ، وعلى وجه الاستحسان يلقى ويبلغ، وكتب إليه ابن زهر: أأبا الوليد وأنت سيد مذحج ... هلاّ فككت أسير قبضة وعده وحياة من أمد الحياة بوصله ... وذهابها حتماً بأيسر صدّه

стр. 3731

لأقاتلنّك إن قطعت بمرهف ... من جفنه وبصعدة من قدّه فراجعه أبو الوليد: لبيّك يا أسد البرية كلّها ... من صادق عبث المطال بوعده يمضي بأمرك ساء أو سر القضا ... ويفلّ حدّ النائبات بحده إيه ووافقت الصبا في معرض ... ذهب المشيب بهزله وبجده ٥ - وقال في المطمح في ترجمة أبو بكر الغساني، ما صورته (١) : صليب العود، مهيب الوعود، لو دعي له الأسد الورد لأجاب، ولو رمي بذكره الليل البهيم لانجاب، ولو قعدت بين يديه الأطواد لتحرك سكونها، ولو عصته الطيور ما آوتها وكونها، مع وقار تخاله يذبلا، وفخار يفضح بلبلا، وشيم لو كانت بالروض ما ذوى، أو تقاسمت في الخلق ما رمد أحد بعدما شوى، وسجايا تنجلي عنها الظلماء، كأن مزاجها عسل وماء؛ انتهى. وهذا الغساني هو صاحب تفسير القرآن وقد عرّف به في الإحاطة فليراجع ثمة. ٦ - وقال أيضاً في المطمح ما صورته: أبو عامر ابن عقال (٢) . كان له ببني قاسم تعلق، وفي سماء دولتهم تألّق، فلمّا خوت نجومهم، وعفت رسومهم، انحط عن ذلك الخصوص، وسقط سقوط الطائر المقصوص، وتصرف بين وجود وعدم، وتحرف قاعداً حيناً وحيناً على قدم، وفي خلال حاله، وأثناء انتحاله، لم يدع حظّه (٣) من الحبيب، ولا ثنى لحظه

стр. 3732

عن الغزال الربيب، ولم يزل يطير ويقع، والدهر يخرق حاله ويرقع (١) ، إلى أن أرقاه الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين رحمه الله تعالى أعلى ربوة (٢) ، وأراه (٣) أبهى حظوة، فأدرك عنده رتبة أعلام التحبير والإنشا، وترك الدهر فلق الحشا، وتسنم منزلة لا يتسنمها إلاّ من تطهر من درنه، وجمح إحسانه في ميدان حرنه، والحظوظ أقسام لا تسام، والدنيا إنارة وإعتام (٤) : ولو لم يعل إلا ذو محلٍّ ... تعالى الجيش وانحطّ القتام (٥) وقد أثبت عنه بعض ما انتقيته، والذي أخذته مباين لما أبقيته، فمن ذلك قوله: يا ويح أجسام الأنا ... م لما تطيق من الأذى خلقت لتقوى بالغذا ... ء وسقمها ذاك الغذا وتنال أيام السلا ... مة بالحياة تلذذا فإذا انقضى زمن الصِّبا ... ورمى المشيب فأنفذا وجد السقام إلى المفا ... صل والجوانح منفذا ويقول مهما يعطَ شي ... ئاً ناولوني غير ذا وحذا في هذه القصيدة حذو الصابي في قوله (٦) : وجع المفاصل وهو أي ... سر ما لقيت من الأذى ردّ الذي استحسنته ... والناس من حظّي كذا والعمر مثل الكاس ير ... سب في أواخرها القذى

стр. 3733

وله يعتذر عن زيارة اعتمدها، ومواصلة اعتقدها، فعاقّته عنها حوادث لوته، وعدته عن ذلك وثنته: بينما كنت راجياً للقائه ... والتشفّي بالبشر من تلقائه وترقبت من سماء نزاعي ... قمر الأنس طالعاً من سمائه إذ دهاني اعتراض خطبٍ ثناني ... عن غمامٍ يشفي الغليل بمائه فتدلّهت وانزويت حياء ... منه والعذر واضح لسنائه وله فصل كتب به عن الأمير إبراهيم يصف إجازة أمير المسلمين البحر سنة خمس عشرة وخمسمائة: وفي الساعة الثانية من يوم الجمعة كان جوازه - أيده الله تعالى - من مرسى جزيرة طريف على بحر ساكن قد ذل بعد استصعابه، وسهل بعد أن رأى الشامخ من هضابه، وصار حيّه ميتاً، وهذره صمتاً، وجباله لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وضعف تعاطيه، وعقد السلم بين موجه وشاطيه، فعبر آمناً من لهواته، متملّكاً لصهواته، على جواد يقطع الجوّ سبحاً، ويكاد يسبق البرق لمحاً، لم يحمل لجاماً ولا سرجاً، ولا عهد غير اللجّة الخضراء مرجاً، عنانه في رجله، وهدب العين يحكي بعض شكله، فلله هو من جواد، له جسم وليس له فؤاد، يخرق الهواء ولا يرهبه، ويركض الماء ولا يشربه. ٧ - وقال في ترجمة الفقيه أبي مروان عبد الملك بن زيادة الله الطبني (١) ، ما نصّه: من ثنيّة شرف وحسب، ومن أهل حديث وأدب، إمام في اللغة متقدم، فارع لرتب الشعر متسنّم، له رواية بالأندلس ورحلة إلى المشرق، ثم عاد

стр. 3734

وقد توّج بالمعارف المفرق، وأقام بقرطبة علماً من أعلامها، ومتسنماً لترفعها وإعظامها، تؤثره الدول، وتصطفيه أملاكها الأول، مازال فيها مقيماً، ولا برح عن طريق أمانيها مستقيماً، إلى أن اغتيل في إحدى اللّيالي بقضية يطول شرحها فأصبح مقتولاً في فراشه، مذهولاً كل أحد من انبساط الضرب إليه على انكماشه، وقد أثبت من محاسنه ما يعجب السامع، وتصغي إليه المسامع، فمن ذلك قوله: وضاعف ما بالقلب يوم رحيلهم ... على ما به منهم حنين الأباعر وأصبر عن أحباب قلب ترحّلوا ... ألا إنّ قلبي سائر غير صابر ولمّا رجع إلى قرطبة وجلس ليرى ما احتقبه من العلوم، اجتمع إليه في المجلس خلق عظيم، فلمّا رأى تلك الكثرة، وما له عندهم من الأثرة، قال: إنّي إذا حضرتني ألف محبرة ... يكتبن حدّثني طوراً وأخبرني نادت بمفخري الأقلام معلنة ... هذي المفاخر لا قعبان من لبن وكتب إلى ذي الوزارتين أبي الوليد ابن زيدون: أبا الوليد وما شطّت بنا الدار ... وقلّ منّا ومنك اليوم زوّار (١) وبيننا كل ما تدريه من ذمم ... وللصِّبا ورقٌ خضرٌ وأنوار وكل عتبٍ وإعتابٍ جرى فله ... بدائع حلوة عندي وآثار فاذكر أخاك بخير كلّما لعبت ... به اللّيالي فإنّ الدهر دوّار ٨ - وقال في ترجمة صاحب العقد الفقيه العالم أبي عمر أحمد بن عبد ربه (٢) :

стр. 3735

عالم ساد بالعلم ورأس، واقتبس به من الحظوة ما اقتبس، وشهر بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذكره، واستطار شرر الذكاء فكره، وكانت له عناية بالعلم وثقة، ورواية له متّسقة، وأمّا الأدب فهو - كان - حجّته، وبه غمرت الأفهام لجته، مع صيانة وورع، وديانة ورد ماءها فكرع، وله التأليف المشهور الذي سمّاه ب " العقد "، وحماه عن عثرات النقد، لأنّه أبرزه مثقّف القناة، مرهف الشّباة، تقصر عنه ثواقب الألباب، وتبصر السحر منه في كل باب، وله شعر انتهى منتهاه، وتجاوز سماك الإحسان وسماه. أخبرني ابن حزم أنّه مرّ بقصر من قصور قرطبة لبعض الرؤساء فسمع منه غناء أذهب لبّه، وألهب قلبه، فبينما هو واقف تحت القصر إذ رشّ بماء من أعاليه، فاستدعى رقعة، وكتب إلى صاحب القصر بهذه القطعة: يا من يضنّ بصوت الطائر الغرد ... ما كنت أحسب هذا الضنّ في أحد لو أنّ أسماع أهل الأرض قاطبة ... أصغت إلى الصوت لم ينقص ولم يزد فلا تضنّ على سمعي ومنّ به ... صوتاً يجول مجال الروح في الجسد أمّا النّبيذ فإنّي لست أشربه ... ولا أجيئك إلاّ كسرتي بيدي وعزم فتى كان يتألّفه، وخامره كلفه، على الرحيل في غده، فأذهبت عزمته قوى جلده، فلمّا أصبح عاقته السماء بالأنواء، وساقته مكرهاً إلى الثّواء، فاستراح أبو عمر من كمده، وانفسح له من التواصل ضائق أمده، فكتب إلى المذكور، العازم على البكور: هلاّ ابتكرت لبين أنت مبتكر ... هيهات يأبى عليك الله والقدر ما زلت أبكي حذار البين ملتهباً ... حتى رثى لي فيك الريح والمطر يا برده من حيا مزنٍ على كبدٍ ... نيرانها بغليل الشوق تستعر آليت أن لا أرى شمساً ولا قمراً ... حتى أراك فأنت الشمس والقمر

стр. 3736

ومن شعره الذي صرّح به تصريح الصب، وبرّح فيه وقائع اسم الحب، قوله: الجسم في بلدٍ والروح في بلد ... يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد إن تبك عيناك لي يا من كلفت به ... من رحمةٍ فهما سهماك في كبدي ومنه قوله: ودّعتني بزفرة (١) واعتناق ... ثمّ نادت متى يكون التلاقي وبدت لي فأشرق الصبح منها ... بين تلك الجيوب والأطواق يا سقيم الجفون من غير سقم ... بين عينيك مصرع العشاق إنّ يوم الفراق أفظع يومٍ ... ليتني متّ قبل يوم الفراق وله أيضاً: يا ذا الذي خطّ الجمال بخده ... خطّين هاجا لوعةً وبلابلا ما صحّ عندي أنّ لحظك صارمٌ ... حتى لبست بعارضيك حمائلا وأخبرني بعضهم أن الخطيب أبا الوليد ابن عيال (٢) حج، فلمّا انصرف، تطلّع إلى لقاء المتنبي واستشرف، ورأى أن لقياه فائدة يكتسبها، وحلّة فخر لا يحتسبها، فصار إليه فوجده في مسجد عمرو بن العاص، ففاوضه قليلاً، ثمّ قال: أنشدني لمليح الأندلس، يعني ابن عبد ربّه، فأنشده: يا لؤلؤاً يسبي العقول أنيقا ... ورشاً بتقطيع القلوب رفيقا ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... درّاً يعود من الحياء عقيقا

стр. 3737

وإذا نظرتَ إلى محاسن وجهه ... أبصرت وجهك في سناه غريقا يا من تقطّع خصره من رقّةٍ ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا فلمّا أكمل إنشادها استعادها منه، وقال: يا ابن عبد ربّه، لقد تأتيك العراق حبواً. وله أيضاً: ومعذر نقش الجمال بخطّه ... خدّاً له بدم القلوب مضرّجاً لمّا تيقّن أنّ سيف جفونه ... من نرجس جعل النّجاد بنفسجا وله أيضاً: وساحبة فضل الذيول كأنّها ... قضيبٌ من الريحان فوق كثيب إذا ما بدت من ثغرها قال صاحبي ... أطعني وخذ من وصلها بنصيب وله أيضاً: هيّج الشوق دواعي سقمي ... وكسا الجسم ثياب الألم أيّها البين أقلني مرّة ... فإذا عدت فقد حلّ دمي يا خليّ الذّرع نم في غبطة ... إنّ من فارقته لم ينم ولقد هاج بجسمي سقماً ... حب من لو شاء داوى سقمي وبلغ سنّ عوف بن محلم (١) ، واعترف بذلك اعتراف متألم، عندما وهت شدته، وبليت جدّته، وهو آخر شعر قال، ثم عثر في أذيال الردى وما استقال:

стр. 3738

كلاني لما بي عاذليّ كفاني ... طويت زماني برهةً وطواني بليت وأبليت اللّيالي مكرهاً ... وصرفان للأيام معتوران وما لي لا أبلى لسبعين حجّة ... وعشرٍ أتت من بعدها سنتان فلا تسألاني عن تباريح علّتي ... ودونكما منّي الذي تريان وإنّي بحول الله راجٍ لفضله ... ولي من ضمان الله خير ضمان ولست أبالي من تباريح علّتي ... إذا كان عقلي باقياً ولساني وفي أيام إقلاعه عن صبوته، وارتجاعه عن تلك الغفلة وأوبته، وانشائه عن مجون المجون إلى صفاء توبته، محص أشعاره في الغزل بما ينافيها، ونصل من قوادمها وخوافيها، بأشعار في الزهد على أعاريضها وقوافيها، منها القطعة التي أوّلها: هلاّ ابتكرت لبينٍ أنت مبتكر ... محصها بقوله: يا راقداً ليس يعفو حين يقتدر ... ماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر عاين بقلبك إنّ العين غافلة ... عن الحقيقة واعلم أنّها سقر سوداء تزفر من غيظ إذا سفرت ... للظالمين فلا تبقي ولا تذر لو لم يكن لك غير الموت موعظةً ... لكان فيه عن اللّذات مزدجر أنت المقول له ما قلت مبتدئاً: ... هلاّ ابتكرت لبينٍ أنت مبتكر ٩ - وقال في ترجمة أبي القاسم المنيشي، ما صورته (١) : أبو القاسم المنيشي، أحد أبناء (٢) حضرة إشبيلية المقلّين، الناهضين بأعباء

стр. 3739

الضرائر المستقلّين، لم يزل يعشو لكل ضوء، وينتجع مصاب كل نوء، فيوماً يخصب ويوماً يجدب، وآونة يفرح وأخرى ينتدب، إلى أن صدقت مخايله، فرمقت بخوته وتحايله، وأتى من العجب، بمنسدل الحجب، ومن الأشر، ما لم يأت من بشر، وما تصرف إلاّ في أنزل الأعمال، ولا تعرّف إلاّ بأخون العمال، لم يفرع ربوة ظهور، ولم يقرع باب رجل مشهور، وله أدب ولسن، ومذهب فيهما يستحسن، لكنّه نكب عن المقطع الجزل، وذهب مذهب الهزل، إلا في النادر فربما جدّ، ثم أخلق منه ما استجدّ، وعاد إلى ديدنه، عودة أبي عباد (١) إلى واواته ومدنه، وأخذ في ذلك الغرض، وليس شرط كتابي بذاءه، ولا أن يقف حذاءه، وقد أثبتّ له ما هو عندي نافق، ولغرض كتابي موافق، فمن ذلك قوله: يا روضةً باتت الأنداء تخدمها ... أتى النسيم وهذا أوّل السّحر إن كان قدك غصناً فالثراء به ... مثل الكمائم قد زرت على الزهر اربأ بخديك عن ورد وعن زهر ... واغن بقرطيك عن شمس وعن قمر يا قاتل الله لحظي كم شقيت به ... من حيث كان نعيم الناس بالنظر وله من رثاء في والدتي رحمة الله عليها: يا ناصحي غير مفتات ولا شجن ... على النصائح والنصاح مفتات لا أستجيب ولو ناديت من كثب ... قد وقذتني تعلاتٌ وعلاّت إن كان رأيك في برّي وتكرمتي ... بحيث قد ظهرت منه علامات لا ترض لي غير شجوٍ لا أفارقه ... فذاك أختاره والناس أشتات ومنها: يا ذا الوزارة من مثنى وواحدة ... لله ما اصطنعت منك الوزارات

стр. 3740

لله منك أبا نصرٍ أخو جلدٍ ... إذا ألمّت ملمّات مهمّات أستودع الله نوراً ضمّه كفنٌ ... كما تواري بدور التمّ هالات قضت وليت شبابي كان موضعها ... هيهات؛ لو قضيت تلك اللبّانات مضت ولمّا يقم من دونها أحد ... هلاّ وقد أعذرت فيها المروءات وله يصف زرزوراً: أمنبر ذاك أم قضيب ... يفرعه مصقع خطيب يختال في بردتي شبابٍ ... لم يتوضح بها مشيب كأنّما ضمّخت عليه ... أبراده مسكةٌ وطيب أخرس لكنه فصيح ... أبله لكنّه لبيب جهم على أنّه وسيم ... صعب على أنّه أريب ١٠ - أبو الحسن البرقي (١) : بلنسي الدار، نفيسيّ المقدار، ما سمعت له بشرف، ولا علمت له بسلف، ولا اطلعت منه على غير سرف، ورد إشبيلية سنة تسع وتسعين وأربعمائة (٢) ، واتصل بابن زهر، فناهيك من حظ في أكنافه جال، ومن لحظ فيما أراده أجال، ومن أمل استوفر، وحظ مسك أذفر، ومن وجه جاه له أسفر، سلك به ساحة الرغائب، وتملك بسببه إباحة الحاضر والغائب، وقال فما نبذت مقالته، وأقال فما قيّدت إقالته، وكان حلو المجالسة، مجلوّ المؤانسة، ذا نشب وافر، ومذهب في المساهمة سافر، إلاّ أنّه كان كلفاً بالفتيان، معنّىً بهم في كل الأحيان، ونيّف على السبعين وهو برداء الصبوة مرتد، وبعترتها معتد، مع أدب زهرته ترفُّ، وكأنّه بحر والألباب منه تغترف، وقد أثبتّ له بعض

стр. 3741

ما وجدت له في الغلمان، وأنشدت له في تلك الأزمان، فمن ذلك قوله رحمه الله تعالى: إن ذكرت العقيق هاجك شوق ... ربّ شوقٍ يهيجه الادّكار يا خليليّ حدّثاني عن الرك ... ب سحيراً أأنجدوا أم أغاروا شغلونا عن الوداع وولوا ... ما عليهم لو ودّعوا ثمّ ساروا أنا أهواهم على كلّ حالٍ ... عدلوا في هواهم أم جاروا وعلق بإشبيلية فتى يعرف بابن المكر، وبات من حبّه طريحاً بين أيدي الوساوس والفكر، لا يمشي إلاّ صبّاً، ولا يفشي إلا غراماً وحبّاً، ومازال يقاسي لوعته، مقاساة يناجي بها صرعته، ويكابد جواه، ويلازم هواه، حتى اكتسى خدّه بالعذار، وانمحت عنه بهجة آذار، فسلا من كلفه، وتصدى ذلك لمواصلته بصلفه، فقال: الآن لمّا صوّحت وجناته ... شوكاً وأضحت سلوة العشاق واستوحشت منه المحاسن واكتست ... أنوار وجهك واهن الأخلاق أمسيت تبذل لي الوصال تصنّعاً ... خلق اللئيم وشيمة المذَّاق هلا وصلت إذ الشمائل قهوة ... وإذ المحيّا روضة الأحداق يا كم أطلت غرام قلب موجع ... كم قد ألبّ إليك بالأشواق ما كنت إلا البدر ليلة تمّه ... حتى قضت لك ليلة بمحاق لاح العذار فقلت وجد نازح ... إنّ ابن داية (١) مؤذن بفراق وله فيه مناقضاً لذلك الغرض، معارضاً للوعة سلوه الذي كان عرض: يلومون في ظبيٍ تزايد حسنه ... بخطّين خطّا لوعتي وغراميا

стр. 3742

وقد كنت أهوى خدّه وهو عاطل ... فكيف وقد أضحى لعيني حاليا وله أيضاً في مثله: أجيل الطرف في خدٍّ نضيرٍ ... يردد ناظري نظري إليه إذا رمدت بحمرته جفوني ... شفاها منه إثمد عارضيه ١١ - أبو الحسن علي بن جودي (١) : برّز في الفهم، وأحرز منه أوفر سهم، وعانى العلوم بقريحة ذكيّة، وواخى بنفس في المعارف زكية، وله أدب واسع مداه، يانع كالروض بلّله نداهن، ونظمٌ أرقّ من دمع العاني، ولطيف المعاني، وأعبق من نفس الخمائل، في أكفّ الصّبا والشمائل، ونثر كالزهر المطلول، أو السلك المحلول، إلا أنّه سها فأسرف، وزها بما لا يعرف، وتصدى إلى الدين بالافتراء، ولم يراقب الله تعالى في ذلك الاجتراء، واشتهرت عنه في ذلك أقوال سدّد إلى الملّة نصالها، وأبدى بها ضلالها، فعظمت به المحنة، وكمنت له في كل نفس إحنة، ومازال يتدرّج فيها وينتقل، حتى عثر وما كاد يستقل، فمر لا يلوي على تلك النواحي، وفرّ لا ينثني إلى لوائم ولواحي، وما زال يركب الأهواء ويخوضها، ويذلل النفس بها ويروضها، حتى أسمحت ببعض الإسماح، وكفّت عن ذلك الجماح، واستقر عند أبي مالك فآواه، ومهّد له مثواه، وجعله في جملة من اختص من المبطلين، واستخلص من المعطلين، فكثيراً ما يصطفيهم، ولا يدري أيدّخرهم أم يقتنيهم، وقد أثبتُّ له ما يبهر سامعاً، ويظهر برقاً لامعاً، فمن ذلك قوله: أحنّ إلى ريح الشمال فإنّها ... تذكرنا نجداً وما ذكرنا نجدا تمرُّ على ربعٍ أقام به الهوى ... وبدَّل من أهليه جائمةً رُبدا

стр. 3743

فيا ليت شعري هل تقضّى لبانة ... فأرتشف اللّميا وأعتنق القدّا خليليّ لا والله ما أحمل الهوى ... وإن كنت في غير الهوى رجلاً جلدا وقوله أيضاً: سل الركب عن نجد فإنّ تحيّةً ... لساكن نجد قد تحمّلها الركب وإلا فما بال المطيّ على الوجى ... خفافاً وما للريح مرجعها رطب وقوله أيضاً: إذا ارتحلت غربية فاعرضا لها ... فبالغرب من نهوى له البلد الغربا لقد ساءنا أنّا بعيد وأنّنا ... بأرضين شتّى لا مزاراً ولا قربا يفجّعنا إما بعاد مبرّحٌ ... وإمّا أمورٌ باعثاتُ لنا كربا ظعنّا على حكم اللّيالي وخطبها ... فيا ليت لم ندر اللّيالي ولا الخطبا وكنت أُرجّي الدهر بعد الذي مضى ... دياراً وقرباً والأصادق والصحبا أحقّاً يسيرُ الركب لم ترتحل بنا ... إليك ولم تحد الحداة لنا ركبا وقوله أيضاً: لقد هيّج النيران يا أمّ مالكٍ ... بتدمير ذكرى ساعدتها المدامع عشيّة لا أرجو لقاءك عندها ... ولا أنا أن يدنو مع الليل طامع وقوله أيضاً: حننت إلى البرق اليماني، وإنّما ... نعالج شوقاً ما هنالك هانيا فيا راكباً يطوي البلاد تحمّلن ... تحيتنا إن كنت تلجأ لاقيا ليالينا بالجزع جزع محجّر ... سقى الله يا فيحاء تلك اللياليا وما ضرّ صحبي وقفة بمحجّرٍ ... أحيّي بها تلك الرسوم البواليا

стр. 3744

وله أيضاً: خليليّ من نجد فإنّ بنجدهم ... مصيفاً لبيت العامريّ ومربعا ألا رجّعا عنها الحديث فإنّني ... لأغبط من ليلي الحديث المرجّعا عزيز علينا يا ابنة القوم أنّنا ... غريبان شتّى لا نطيق التجمّعا فريق هوى منّا يمانٍ ومشئمٌ ... يحاول يأساً أو يحاول مطمعا كأنّا خلقنا للنوى وكأنّما ... حرام على الأيام أن تتجمّعا ووجدت له في بعض نسخ " المطمح " قوله أيضاً (١) : سقى دارك اللائي ببطن محصّبٍ ... مثاكيل من وفد الغمام المرنّح ألم تعلمي يا فتنة القلب أنّني ... تطارحت من حبي لكم كلّ مطرح إذا نعبت غربان دارٍ وجدتني ... وشوقي مقيمٌ بين ناء ونزّح وله أيضاً: ألا خبر وللبلوى ضروب ... وفيك لكلّ مشتاق حبيب حباك الله بالنعمى فنوناً ... وجرّ لكم مع النعمى خطوب متى تقضي بخسفتك الليالي ... وتعصف فيكم ريح هبوب فإنّكم تجرّون المنايا ... وتعمر من مجانيكم قلوب وقد ذكر في " المطمح " له تخميساً جارياً على ألسنة الناس إلى الآن، وهو: أيا ساكنين بأرض اللوى ... وصالكم لسقامي دوا وعافاكم الله من ذا الجوى ... ملكتم فؤادي فصار الهوى عليّ رقيبٌ رقيبٌ رقيبْ ...

стр. 3745

ولمّا تبدّت لهم حالتي ... وما حرّك الهجر من زفرتي بكوا رحمةً لي من ساعتي ... فقلت متى الوصل يا سادتي فقالوا قريبٌ قريبٌ قريبْ ... وهو وإن لم يكن في ذروة البلاغة فقد ذكرته لأنّه مطروق بالمغرب عند أهل التلاحين وغيرهم. ولنذكر بعض نص خطبة المطمح، قال رحمه الله تعالى فيه: أمّا بعد حمد الله الذي أشعرنا إيماناً (١) وإلهاماً، وصير لنا أفهاماً، ويسّر لنا برود آداب، ونشرنا للانبعاث لإثباتها والانتداب، وصلّى الله على سيدنا محمد الذي بعثه رحمة، ونبّأه منة منه ونعمة، وسلّم تسليماً، فإنّه كان بالأندلس أعلام، فتنوا بسحر الكلام، ولقوا منه كل تحيّة وسلام، فشعشعوا البدائع وروّقوها، وقلدوها بمحاسنهم وطوقوها، ثم هووا في مهاوي المنايا، وانطووا بأيدي الرزايا، وبقيت مآثرهم الحسان، غير مثبتة في ديوان، ولا مجملة في تصنيف تجتلي فيه العيون، وتجتني منه زهر الفنون، إلى أن أراد الله تعالى إظهار إعجازها، واتصال صدورها بأعجازها، فحلللت من الوزير أبي العاصي حكم بن الوليد عند من رحّب وأهل، وأعلّ بمكارمه وأنهل، وندبني إلى أن أجمعها في كتاب، وأدركني من التنشط إلى إقبال ما ندب إليه، وكتابة ما حث عليه، فأجبت رغبته، وحليت بالإسعاف لبّته، وذهبت إلى إبدائها، وتخليد عليائها، وأمليت منها في بعض أيام، ثلاثة أقسام، القسم الأول: يشتمل على سرد غرر الوزراء، وتناسق درر الكتّاب والبلغاء. القسم الثاني: يشتمل على محاسن أعلام العلماء، وأعيان القضاة والحكماء. القسم الثالث: يشتمل على ذكر محاسن الأدباء، النوابغ النجباء؛ انتهى.

стр. 3746

وهذه خطبة " المطمح الصغير "، وأما الكبير والأوسط فضمنهما ذكر الملوك والسلاطين حسبما نقلنا بعضه فيما مر من هذا الكتاب، على أنّنا نقلنا بعضاً من الصغير أيضاً، فليعلم ذلك من يقف على هذا الكتاب، ومن له أدنى ممارسة، وليراجع من الترجمة الفرق بين كلامه في الصغير وغيره، وبالجملة فما رأيت ولا سمعت أحلى من عبارة الفتح رحمه الله تعالى في تحلية الناس، ووصف أيام الأنس، وليس الخبر كالعيان، وقد سردنا بعض كلامه في " القلائد " وفي " المطمح ". [قطعة من الموشحات] ولنرجع الآن إلى ما كنا بصدده من أمر التوشيح، فنقول: وتمام موشحة ابن سهل التي عارضها لسان الدين هو قوله: هل درى ظبيُ الحمى أن قد حمى ... قلب صبٍّ حلّه عن مكنس فهو في حرّ وخفقٍ مثلما ... لعبت ريح الصَّبا بالقبس يا بدوراً أطلعت يوم النوى ... غرراً تسلك بي نهج الغرر ما لقلبي في الهوى ذنبٌ سوى ... منكم الحسن ومن عيني النظر أجتني اللذات مكلوم الجوى ... والتذاذي من حبيبي بالفكر كلّما أشكوه وجداً بسما ... كالرُّبى بالعارض المنبجس إذ يقيم القطر فيها مأتما ... وهي من بهجتها في عرس غالب لي غالب بالتؤده ... بأبي أفديه من جاف رقيق ما رأينا مثل ثغر نضّده ... أقحواناً عصرت منه رحيق أخذت عيناه منه العربده ... وفؤادي سكره ما إن يفيق

стр. 3747

فاحم الجمّة معول اللمى ... أكحل اللحظ شهيُّ اللعس وجهه يتلو الضحى مبتسما ... وهو من إعراضه في عبس أيها السائل عن ذلّي لديه ... لي جزاء الذنب وهو المذنب أخذت شمس الضحى من وجنتيه ... مشرقاً للصبّ فيه مغرب ذهبت أدمع أجفاني عليه ... وله خدّ بلحظي مذهب يطلع البدر عليه كلّما ... لاحظته مقلتي في الخلس ليت شعري أيّ شيء حرّما ... ذلك الورد على المغترس كلّما أشكو إليه حرقي ... غادرتني مقلتاه دفنا تركت ألحاظه من رمقي ... أثر النمل على صمّ الصفا وأنا أشكره فيما بقي ... لست ألحاه على ما أتلفا فهو عندي عادل إن ظلما ... وعذولي نطقه كالخرس ليس لي في الحبّ حكمٌ بعدما ... حلّ من نفسي محلّ النّفس منه للنّار بأحشائي اضطرام ... يلتظي في كل حين ما يشا وهي في خديه بردٌ وسلام ... وهي ضرٌّ وحريقٌ في الحشا أتّقي منه على حكم الغرام ... أسد الغاب وأهواه رشا قلت لمّا أن تبدّى معلما ... وهو من ألحاظه في حرس أيها الآخذ قلبي مغنما ... اجعل الوصل مكان الخمس وقد عارض هذا الموضح أيضاً بعض متأخري المغاربة فقال: يا عريب الحيّ من حيّ الحمى ... أنتم عيدي وأنتم عرسي لم يحل عنكم ودادي بعدما ... حلتم لا وحياة الأنفس

стр. 3748

من عذيري في الذي أحببته ... مالك قلبي شديد البرحا بدر تمّ أرسلت مقلته ... سهم لحظٍ لفؤادي جرحا إن تبدّى أو تثنّى خلته ... غصن بانٍ فوقه شمس ضحى تطلُعُ الشمس عشاء عندما ... تنجلي منه بأبهى ملبس وترى الليل أضا منهزما ... وترى الصبح أضا في الغلس يا حياة النفس صل بعد النوى ... وألهاً مضنىً شديد الشغف قد براه السقم حتى ذا الهوى ... كاد أن يفضي به للتلف آه من ذكر حبيب باللوى ... وزمان بالمنى لم يسعف كنت أرجو الطيف يأتي حلما ... عائداً يا نفس من ذا فايأسي هل يعود الطيف صبّاً مغرما ... ساهراً أجفانه لم تنعس (٢) همت في أطلال ليلى وأنا ... ليس في الأطلال لي من أرب ما مرادي رامة والمنحنى ... لا ولا ليلى وسعدى مطلبي إنّما سؤلي وقصدي والمُنى ... سيّد العجم وتاج العرب أحمد المختار طه من سما ... الشريف ابن الشريف الكيّس (٢) خاتم الرسل الكريم المنتمى ... طاهر الأصل زكي النفس وقال في مباراة هذه الموشحات السابقة: لا تلمني يا عذولي تأثما ... ما ترى جسمي بسقمٍ قد كسي مثلما شرح غرامي علما ... حيث أشكو وحشة من مؤنس

стр. 3749

ظبيُ أنسٍ عن فؤادي نفرا ... وفؤادي مكتوٍ من صدّه وعذولي في هوى الحبّ فرى ... بملام مذ نهى عن ودّه أنت أعمى يا عذولي ما ترى ... يانع الورد بدا من خدّه وله ثغر إذا ما ابتسما ... كبروق أومضت في الغلس وثناياه كدرّ نظما ... فضياها في الدّجى كالقبس كم ترى سحراً بجفنيه بدا ... لفؤاد في الهوى أضحى كليم ليس سحر مقلتي هذا سدى ... يا فؤادي إن شفي السحر السقيم خيفةً أوجس قلبي، وغدا ... راحلاً صبري، وها شوقي مقيم يا إله العرش يا رب السما ... يا عليماً بضمير الأنفس قلبي الولهان يشكو ألما ... من جفا ظبي أغنّ أكيس أغيد يسبي البرايا بالمقل ... أدعج الجفن بعينيه حور لو رأته الشمس أضحت في خجل ... وهو للبدر بوجه قد قمر من معاني حسنه رقّ الغزل ... في غزال قد غزاني بالنظر آخذ بالروح مني كلّما ... رمق الصبّ بطرف أنعس يقنص الأسد بلحظ قد رمى ... أسهماً تفتك من غير قسي يا رعى الله زماناً سلفا ... بلويلاتٍ تقضّت بانشراح مثل دينار وها قد صرفا ... في ألذّ العيش مع حب وراح فاعذروا القلب الذي قد شغفا ... بحبيب ما له عنه براح بدر تمّ أهيف حلو اللمى ... ريقه شهد شهيّ اللّعس كسلاف عهدها قد قدما ... تنجلي في كأسها كالعرس

стр. 3750

قهوة بكر عجوز عتقت ... زمناً في دنها من قبل نوح هي لمّا في زجاج أشرقت ... شمس راح غربت في كل روح جددت بسطاً وكم قد مزّقت ... قلب صبّ في غبوق وصبوح حلف الخمّار عنها قسماً ... أنها بالمكث كادت تنتسي فاسقني صرفاً ولا تمزج بما ... راحه كم أذهبت من عبس في رياض قد شدا شحروره ... عاطنيها بين أكناف الشجر وانظم الشمل ودع منثوره ... حول ورد وأقاح وزهر وإذا الطلّ بدا شبّوره ... كلّل الأوراق منه بالدرر ما ترى الريحان عبداً خدما ... حيث أضحى واقفاً في المجلس جلس النسرين لكن ربّما ... إستحت منه عيون النرجس فتنزّه في رياضٍ خضر ... وغصون غرّدت فيها هزار وانتشق عرف زهورٍ عطر ... ياسمين زينته الجلّنار وشذا الزهر كمسك أذفر ... واقبل العذر لابن البزددار طامع في رحمة الله وما ... خاب عبد طامع لم ييأس يا إلهي جد علينا كرما ... يا كريماً قبل أخذ الإنفس رجع إلى موشّحات ابن الخطيب: قال لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى: وممّا قلته من الموشّحات التي انفرد باختراعها الأندلسيون وطمس الآن رسمها (١) :
следующие страницы →