وأحرزت أجر المنعمين مكمّلا ... تبارك من أعطى جزيلاً وأجملا وبلّغ فيك الدين والملك مقصدا ...
ألا في سبيل العزّ والفخر موسم ... يظل به ثغر المسرّة يبسم
وعرف الرضى من جوّه يتنسّم ... وأرزاق أرباب السعادة تقسم ففي وصفه ذهن الذكيّ تبلّدا ...
وجلّلت في هذا الصنيع مصانعا ... تمنى بدور التمّ منها مطالعا
وأبديت فيها للجمال بدائعا ... وأجريت للإحسان فيها مشارعا يود بها نهر المجرّة موردا ...
وأجريت فيها الخيل وهي سوابق ... وإن طلبت في الروع فهي لواحق
نجومٌ وآفاق الطّراد مشارق ... يفوت التماح الطّرف منها بوارق إذا ما تجاري الشهب تستبق المدى ...
وتطلع في ليل القتام كواكبا ... وقد وردت نهر النهار مشاربا
تقود إلى الأعداء منها كواكبا ... فترسم من فوق التراب محاربا تحور رؤوس الروم فيهنّ سجدّا ...
سوابح بالنصر العزيز سوانح ... وهنّ لأبواب الفتوح فواتح
تقود إليك النصر والله مانح ... فما زلت باب الخير والله فاتح وما تمّ شيء (١) قد عدا بعد ما بدا ...
رياح لها مثنى البروق أعنّة ... ظباء فإن جنّ الظلام فجنّة
تقيها من البدر المتمّم جنّة ... وتشرع من زهر النجوم أسنّة فتقذف شهب الرّجم في أثغر العدا ...
стр. 3887
فأشهب من نسل الوجيه إذا انتمى ... جرى فشأى شهب الكواكب في السما
وخلف منها في المقلّد أنجما ... تردّى جمالاً بالصباح وربما يقول له الإصباح: نفسي لك الفدا ...
وأحمر قد أذكى به البأس جمرة ... وقد سلب الياقوت والورد حمرة
أدار به ساق من الحرب خمرة ... وأبدى حباباً فوقها الحسن غرّة يزين بها خدّاً أسيلاً مورّدا ...
وأشقر مهما شعشع الركض برقه ... أعار جواد البرق في الأفق سبقه
بدا شفقاً قد جلّل الحسن أفقه ... ألم تر أنّ الله أبدع خلقه فسال على أعطافه الحسن عسجدا ...
وأصفر قد ودّ الأصيل جماله ... وقد قدّ من برد العشيّ جلاله
إذا أسرجوا جنح الظلام ذباله ... فغرّته شمس (١) تضيء مجاله وفي ذيله ذيل الظلام قد ارتدى ...
وأدهم في مسح الدجى متجرد ... يجيش بها بحر من اللّيل مزبد
وغرّته نجم به تتوقّد ... له البدر سرج والنجوم مقلّد وفي فلق الصبح المبين تقيّدا ...
وأبيض (٢) كالقرطاس لاح صباحه ... على الحسن مغداه وفيه مراحه
وللظّبيات الآنسات مراحه ... تراه كنشوانٍ أمالته راحه وتحسبه وسط الجمال معربدا ...
стр. 3888
وذاهبة في الجوّ ملء عنانها ... وقد لفعتها السحب برد عنانها
يفوت ارتداد الطّرف لمح عيانها ... وختّمت الجوزاء سبط بنانها وصاغت لها حلي النجوم مقيّدا ...
أراها عمود الصبح علو المصاعد ... وأوهمها قرب المدى المتباعد
ففاتته سبقاً في مجال الرواعد ... وأتحفت الكفّ الخضيب بساعد فطوقت الزّهر النجوم بها يدا ...
وقد قذفتها للعصيّ حواصب ... قد انتشرت في الجوّ منها ذوائب
تزاور منها في الفضاء حبائب ... فبينهما من قبل ذاك مناسب لأنهما في الروض قببل تولّتدا ...
بنات لأمّ قد حبين لروحها ... دعاها الهوى من بعد كتم لبوحها
فأقلامها تهوي لخطّ بلوحها ... فبالأمس كانت بعض أغصان دوحها فعادت إليها اليوم من بعد عوّدا ...
ويا ربّ حصن في ذراها قد اعتلى ... أنارت بروج الأفق في مظهر العلا
بروج قصور شدتها متطولا ... فأنشأت برجاً صاعداً متنزلا يكون رسولاً بينها مترددا ...
وهل هي إلاّ هالةٌ حول بدرها ... يصوغ لها حلياً يليق بنحرها
تطوّر أنواعاً تشيد بفخرها ... فحجلٌ برجليها وشاح بخصرها وتاج بأعلى رأسها قد تنضدا (١) ...
стр. 3889
أراد استراق السمع وهو ممنّع ... فقام بأذيال الدجى يتلفّع
وأصغى لأخبار السما يتسمّع ... فأتبعه منها ذوابل شرّع لتقذفه بالرّعب مثنى وموحدا ...
وما هو إلاّ قائمٌ مدّ كفّه ... ليسأل من ربّ السموات لطفه
لمولىً تولاه وأحكم رصفه ... وكلّف أرباب البلاغة وصفه وأكرم منه القانت المتهجدا ...
ملاقي ركبٍ من وفود النواسم ... مقبّل ثغر للبروق البواسم
مختّم كفّ بالنّجوم العواتم ... مبلّغ قصد من حضور المواسم تجدده مهما صنيع تجدّدا ...
ومضطرب في الجوّ أثبت قامةً ... تقدم يمشي في الهواء كرامةً
تطلّع في غصن الرشاء كمامةً ... وتحسبه تحت الغمام غمامةً يسيل على أعطافها عرق النّدى ...
هوى واستوى في حالة وتقلّبا ... كخاطف برق قد تألّق خلّبا
وتحسبه قد دار في الأفق كوكبا ... ومهما مشى واستوقف العقل معجبا تقلّب فيه العين لحظاً مرددا ...
لقد رام يرقى للسماء بسلّم ... فيمشي على خطّ به متوهم
أجل في الذي يبديه فكر توسّم ... ترى طائراً قد حلّ صورة آدمي وجنّاً بمهواة الفضاء تمرّدا ...
ومنتسب للخال سمّوه ملجما ... له حكمات حكمها فاه ألجما
تخالف جنساً والداه إذا انتمى ... كما جنسه أيضاً تخالف عنهما عجبت له إذ لم يلد وتولّدا ...
стр. 3890
ثلاثتها في الذكر جاءت مبينّة ... من اللاء سمّاها لنا الله زينة
وأنزل فيها آيةً مستبينة ... وأودع فيها للجهول سكينة وآلاءه فيها على الخلق بدّدا ...
كسوه من الوشي اليمانيّ هودجا ... يمدّ على ما فوقه الظلّ سجسجا
وكم صورة تجلى به تبهر الحجى ... وجزل وقود ناره تصدع الدجى وقلب حسود غاظ مذكيه موقدا ...
وما هي إلاّ مظهر لجهاده ... أرتنا بها الأفراح فضل اجتهاده
ملاعبها هزّت قدود صعاده ... وأذكرت الأبطال يوم طراده فما ارتبت فيه اليوم صدّقته غدا ...
ألا جدّد الرحمن صنعاً حضرته ... ودوح الأماني في ذراه هصرته
بقصر طويل الوصف فيه اختصرته ... يقيّد طرف الطرف مهما نظرته " ومن وجد الإحسان قيداً تقيّدا " (١) ...
دعوت له الأشراف من كلّ بلدة ... فجاءوا بآمال لهم مستجدّة
وخصّوا بألطاف لديه معدّة ... أيادٍ بفيّاض الندى مستمدّة فكلّهم من فضله قد تزوّدا ...
وجاءتك من آل النبيّ عصابةٌ ... لها في مرامي المكرمات إصابة
أحبّتك حبّاً ليس فيه استرابة ... ولبّت دواعي الفوز منها إجابة وناداهم التخصيص فابتدروا الندا ...
أجازوا إليك البحر والبحر يزخر ... لبحر سماحٍ مدّه ليس يجزر
стр. 3891
فروّاهم من عذب جودك كوثر ... وواليت من نعماك ما ليس يحصر وعظمتهم ترجو النبيّ محمّدا ...
عليه صلاة الله ثمّ سلامه ... به طاب من هذا النظام اختتامه
وجاء بحمد الله حلواً كلامه ... يعزّ على أهل البيان رمامه وتمسي له زهر الكواكب حسّدا ...
أبثّ به حادي الركاب مشرّقا ... حديث جهاد للنفوس مشوّقا
رميت به من بالعراق مفوّقا ... وأرسلت منه بالبديع مطوّقا حماماً على دوح الثناء مغرّدا ...
ركضت به خيل البيان إلى مدى ... فأحرزت خصل السبق في حلبة الهدى (١)
ونظمت من نظم الدراري مقلّدا ... وطوقت جيد الفخر عقداً منضّدا وقمت به بين السماطين منشدا ...
نسقت من الإحسان فيه فرائدا ... وأرسلت في روض المحاسن رائدا
وقلدت عطف الملك منه قلائدا ... تعوّدت فيه للقبول عوائدا فلا زلت للفعل الجميل (٢) معوّدا ...
ولا زلت للصنع الجميل مجدّدا ... ولا زلت للفخر العظيم مخلّدا
وعمّرت عمراً لا يزال مجدّدا ... وعمّرت بالأبناء أوحد أوحدا وقرّت بهم عيناك ما سائق حدا ... وقال في عيد:
بشرى كما وضح الزمان وأجمل ... يغشى سناها كلّ من يتهلّل
стр. 3892
أبدى لها وجه النهار طلاقةً ... وافترّ من ثغر الأقاح مقبّل
ومنابر الإسلام يا ملك الورى (١) ... بحلاك أو بحليّها تتكلّل
تجلو لنا الأكوان منك محاسناً ... تُروى على مرّ الزمان وتنقل
فالشمس تأخذ من جبينك نورها ... والبشر منك بوجهها يتهلّل
والروض ينفح من ثنائك طيبه ... والورق فيه بالممادح تهدل
والبرق سيف من سيوفك منتضى ... والسّحب تهمي من يديك وتهمل
يا أيها الملك الذي أوصافه ... درّ على جيد الزمان يفصّل
" الله أعطاك التي لا فوقها " (٢) ... وحباك بالفضل الذي لا يجهل
وجه كما حسر الصباح نقابه ... لضيائه تعشو البدور الكمّل
تلقاه في يوم السماحة والوغى ... والبشر في جنباته يتهلّل
كفّ أبت أن لا تكفّ عن النّدى ... أبداً فإن ضنّ الحيا تسترسل
وشمائل كالروض باكره الحيا ... وسرت بريّاه الصّبا والشّمأل
خلق ابن نصر في الجمال كخلقه ... ما بعدها من غاية تستكمل
نور على نور بأبهى منظر ... في حسنه لمؤمّل ما يأمل
فاق الملوك بسيفه وبسيبه (٣) ... فبعدله وبفضله يتمثّل
وإذا تطاول للعميد عميدهم ... فله عليه تطاول وتطوّل
يا آية الله التي أنوارها ... يهدى بها قصد الرشاد الضّلّل
قل للذي التبست معالم رشده ... هيهات قد وضح الطريق الأمثل
قد ناصح الإسلام خير خليفة ... وحمى عزيز الملك أغلب مشبل (٤)
فلقد ظهرت من الكمال بمستوى ... ما بعده لذوي الخلافة مأمل
стр. 3893
وعناية الله اشتملت رداءها ... وعلقت منها عروة لا تفصّل
فالجود إلاّ من يديك مقتّرٌ ... والغيث إلاّ من نداك مبخّل
والعمر إلاّ تحت ظلك ضائع ... والعيش إلاّ في جنابك ممحل
حيث الجهاد قد اعتلت راياته ... حيث المغانم للعفاة تنفّل
حيث القباب الحمر ترفع للقرى ... قد عام (١) في أرجائهنّ المندل
يا حجّة الله التي برهانها ... عزّ المحقّ به وذلّ المبطل
قل للذي ناواك يرقب (٢) يومه ... فوراءه ملك يقول ويفعل
والله ﷻ إن أمهلت ... أحكامه مستدرجاً لا تهمل
يا ناصر الإسلام وهو فريسة ... أسد الفلا (٣) من حولها تتسلّل
يا فخر أندلس وعصمة أهلها ... لك فيهم النعمى التي لا تجهل
لا يهمل الله الذين رعيتهم ... فلأنت أكفى والعناية أكفل
لا يبعد النصر العزيز فإنّه ... آوى إليك وأنت نعم الموئل
لولا نداك لها لما نفع الندى ... ولجفّ من ورد الصنائع منهل
لولاك كان الدين يغمط حقّه ... ولكان دين النصر فيه يمطل
لكن جنيت الفتح من شجر القنا ... وجنى الفتوح لمن عداك مؤمّل (٤)
ولقبل ما استفتحت كلّ ممنّعٍ ... من دونه باب المطامع مقفل
ومتى نزلت بمعقل متأشّب ... فالعصم من شعفاته تستنزل
وإذا غزوت فإنّ سعدك ضامن ... أن لا تخيب وأنّ قصدك يكمل
فمن السعود أمام جيشك موكب ... ومن الملائك دون جندك جحفل
стр. 3894
وكتيبة أردفتها بكتيبة ... والخيل تمرح في الحديد وترفل
من كلّ منحفز كلمعة بارق ... بالبدر يسرج والأهلّة ينعل
أوفى بهاد كالظليم وخلفه ... كفلٌ كما ماج الكثيب الأهيل
حيّ إذا ملك الكميّ عنانة ... يهوي كما يهوي بجوّ أجدل
حملت أسود كريهة يوم الوغى ... ما غابها إلاّ الوشيج الذّبّل
لبسوا الدروع غدائراً مصقولة ... والسّمر قضب فوقها تتهدّل
من كلّ معتدل القوام مثقّف ... لكنه دون الضريبة يعسل
أذكيت فيه شعلة من نصله ... يهدى بها إن ضلّ عنه المقتل
ولربّ لمّاع الصقال مشهّر ... ماض، ولكن فعله مستقبل
رقّق مضاربه وراق فرنده ... فالحسن فيه مجمل ومفصّل
فإذا الحروب تسعرت أجزالها ... ينساب في يمناك منها جدول
وإذا دجا ليل القتام رأيته ... وكأنّه فيه ذبالٌ مشعل
فاعجب لها من جذوة لا تنطفي ... في أبحر زخرت وهنّ الأنمل
هي سنّة أحييتها وفريضة ... أدّيتها قرباتها تتقبّل
فإذا الملوك تفاخرت بجدودها (١) ... فلأنت أحفى بالجهاد وأحفل
يا ابن الإمام ابن الإما ... م ابن الإمام وقدرها لا يجهل
يا ابن الذين جمالهم ونوالهم ... شمس الضحى والعارض المتهلّل
آباؤك الأنصار تلك شعارهم ... فلحيّهم آوى النبيّ المرسل
فهم الألى نصروا الهدى بعزائم ... مصقولة وبصائر لا تخذل
ماذا يحبّر شاعر في مدحهم ... وبفضلهم أثنى الكتاب المنزل
مولاي لا أحصي مآثرك التي ... بحديثها تنضى (٢) المطيّ الذّلّل
стр. 3895
وإذا الحقائق ليس يدرك كنهها ... سيّان فيها مكثر ومقلّل
فإليك من شوّال غرّة وجهه ... أهداكها يوم أغر محجّل
عذراء راق العيد رونق حسنها ... فغدا بنظم حليّها يتجمّل
رضعت لبان العلم في حجر النّهى ... فوفت لها منه ضروع حفّل
سلك البيان بها سبيل إجادة ... لولا صفاتك كان عنها يعدل
جاءت تهني العيد أيمن قادم ... وافى بشهر صيامه يتوسّل
وطوى الشهور مراحلاً معدودة ... كيما يرى بفناء جودك ينزل
وأتى وقد شفّ النحول هلاله ... ولشوقه للقاء وجهك ينحل
عقدت بمرقبه العيون مسرّةً ... فمكبّر لطلوعه ومهلّل
فاسلم لألف مثله في غبطة ... ظلّ المنى من فوقه يتهدّل
فإذا بقيت لنا فكلّ سعادة ... في الدين والدنيا بها تتكفّل وقال ابن الأحمر: ومن جياد أناشيده المتميزة بالسبقية، وبارقات تهانيه في المواسم العقيقية، قوله يهنئه - رضوان الله تعالى عليه - بطلوع مولانا الوالد قدّس الله تعالى روحه (١) :
طلع الهلال وأفقه متهلل ... فمكبّر لطلوعه ومهلّل
أوفى على وجه الصباح بغرّة ... فغدا الصباح بنوره (٢) يتجمّل
شمس الخلافة قد أمدّت نوره ... وبسعدها يرجو التمام ويكمل
لله منه هلال سعد طالع ... لضيائه تعشو البدور الكمّل
وألحت يا شمس الهداية كوكباً ... يعشي سناه كلّ من يتأمّل
والتاج تاج البدر في أفق العلا ... ما زال بالزهر النجوم يكلّل
стр. 3896
ولئن حوى كلّ الجمال فإنه ... بالشّهب أبهى ما يكون وأجمل
أطلعت يا بدر السماح هلاله ... والملك أفقٌ والخلافة منزل
يبدو بهالات السروج وإنّه ... من نور وجهك في العلا يستكمل
قلّدت عطف الملك منه صارماً ... بغنائه ومضائه يتمثّل
حلّيته بحلى الكمال وجوهر ال ... خلق النفيس وكلّ خلق يجمل
يغزو أمامك والسعود أمامه ... وملائك السبع العلا تتنزّل
من مبلغ الأنصار منه بشارة ... غرّ البشائر بعدها تسترسل
أحيا جهادهم وجدّد فخرهم ... بعد المئين فملكهم يتأثّل
فبه إلى الأجر الجزيل توصلوا ... وبهم إلى ربّ السما يتوسّل
من مبلغ الأذواء من بمن وهم ... قد توّجوا وتملّكوا وتقيلّوا
أنّ الخلافة في بنيهم أطلعت ... قمراً به سعد الخليفة يكمل
من مبلغ قحطان آساد الشرى ... ما غابها إلاّ الوشيج الذّبّل
أنّ الخلافة وهو شبل ليوثهم ... قد حاط منها الدين ليث مشبل
يهني بني الأنصار أنّ إمامهم (١) ... قد بلغته سعوده ما يأمل
يهني البنود فإنها ستظلّه ... وجناح جبريل الأمين يظلّل
يهني الجياد الصافنات فإنها ... بفتوحه تحت الفوارس تهدل
يهني المذاكي والعوالي والظّبى ... فبها إلى نيل المنى يتوصّل (٢)
يهني المعالي والمفاخر أنّه ... في مرتقى أوج العلا يتوقّل
سبقت مقدّمة الفتوح قدومه ... وأتاك وهو الوادع المتمهّل
وبدت نجوم السعد قبل طلوعه ... تجلو المطامع قبله وتؤثّل (٣)
стр. 3897
وروت أحاديث الفتوح غرائباً ... والنصر يملي والبشائر تنقل
ألقت إليك به السعود زمامها ... فالسعد يمضي ما تقول ويفعل
فالفتح بين معجّل ومؤجّل ... ينسيك ماضيه الذي يستقبل
أوليس في شأن (١) المشير دلالة ... أنّ المقاصد من طلابك تكمل
ناداهم داعي الضلال فأقبلوا ... ودعاهم داعي المنون فجدّلوا
عصوا الرسول إبايةً وتحكمت ... فيهم سيوفك بعدها فاستمثلوا
كانوا جبالاً قد علت هضباتها ... نسفتهم ريح الجلاد (٢) فزلزلوا
كانوا بحاراً من حديد زاخر ... أذكتهم نار الوغى فتسيّلوا (٣)
ركبت أرجلها الأداهم كلما ... يتحرّكون إلى قيام تصهل
كان الحديد لباسهم وشعارهم ... واليوم لم تلبسه إلاّ الأرجل
الله أعطاك التي لا فوقها ... فتحاً به دين الهدى يتأثل
جدّدت للأنصار حلي جهادها ... فالدين والدنيا به تتجمّل
من يتحف البيت العتيق وزمزماً ... والوفد وفد الله فيه ينزل
متسابقين إلى مثابة رحمة ... من كلّ ما حدب إليه تنسل
هيماً كأفواج القطا قد ساقها ... ظمأ شديد والمطاف المنهل
من كل مرفوع الأكفّ شراعة ... والقلب يخفق والمدامع تهمل
حتى إذا روت الحديث مسلسلاً ... بيض الصوارم والرماح العسّل
من فتحك الأسنى عن الجيش الذي ... بثباته أهل الوغى تتمثّل
أهدتهم السرّاء نصرة دينهم ... واستبشروا بحديثها وتهلّلوا
وتناقلوا عنك الحديث مسرّة ... بسماعه واهتزّ ذاك المحفل
ودعوا بنصرك وهو أعظم مفخراً ... إنّ الحجيج بنصر ملكك يحفل
стр. 3898
فاهنأ بملكك واعتمد شكراً به ... لطف الإله وصنعه تتخوّل
شرفت منه باسم والدك الرضى ... يحيا به منه الكريم المفضل
أبديت من حسن الصنيع عجائباً ... تروى على مرّ الزمان وتنقل
خفقت به أعلامك الحمر التي ... بخفوقها النصر العزيز موكل
هدرت طبول العزّ تحت ظلالها ... عنوان فتح إثرها يستعجل
ودعوت أشراف البلاد وكلّهم ... يثني الجميل وصنع جودك أجمل
وردوا ورود الهيم أجهدها الظما ... فصفا لهم من ورد كفّك منهل
وأثرت فيه للطراد فوارساً ... مثل الشموس وجوههم تتهلّل
من كلّ وضّاح الجبين كأنّه ... نجم وجنح النقع ليل مسبل
يرد الطراد على أغرّ محجّل ... في سرجه بطلٌ أغرّ محجّل
قد عوّدوا قنص الكماة كأنما ... عقبانها ينقض منها أجدل
يستتبعون هوادجاً موشيّةً ... من كلّ بدع فوق ما يتخيّل (١)
قد صوّرت منها غرائب جمّة ... تنسي عقول الناظرين وتذهل
وتضمنت جزل الوقود حمولها ... والنصر في التحقيق ما هي تحمل
والعاديات إذا تلت فرسانها ... آي القتال صفوفها تترتّل
لله خيلك؛ إنها لسوابح ... بحر القتام وموجه متهيّل
من كل برقٍ بالثريا ملجمٍ ... بالبدر يسرج والأهلّة ينعل
أوفى بهادٍ كالظليم وخلفه ... كفل كما ماج الكثيب الأهيل
هنّ البوارق غير أنّ جيادها ... عن سبق خيلك يا مؤيد تنكل
من أشهب كالصبح يعلو سرجه ... صبح به نجم الضلالة يأفل
أو أدهم كالليل قلّد شهبه ... خاض الصباح فأثبتته الأرجل
стр. 3899
أو أشقر سال النّضار بعطفه ... وكساه صبغة بهجة لا تنصل
أو أحمر كالجمر أضمر بأسه ... بالركض في يوم الحفيظة يشعل
كالخمر أترع كأسها لندامها ... وبها حبابة غرّة تتسيّل
أو أصفر لبس العشيّ ملاءة ... وبذيله لليل ذيل مسبل
أجملت في هذا الصنيع عوائداً ... الجود فيها مجمل ومفصّل
أنشأت فيها من نداك غمائماً ... بالفضل تنشأ والسّماحة تهمل
فجّرت من كفّيك عشرة أبحر ... تزجي سحاب الجود وهي الأنمل
من قاس كفّك بالغمام فإنّه ... جهل القياس ومثلها لا يجهل
تسخو الغمام ووجهها متجهم ... والوجه منه مع النّدى يتهلّل
والسّحبُ تسمح بالمياه وجوده ... ذهب به أهل الغنى تتموّل
من قاس بالشمس المنيرة وجهه ... ألفيته في حكمه لا يعدل (١)
من أين للشمس المنيرة منطق ... ببيانه درّ الكلام يفصّل
من أين للشمس المنيرة راحة ... تسخو إذا بخل الزمان الممحل
من قاس بالبدر المنير كماله ... فالبدر ينقص والخليفة يكمل
من أين للبدر المنير شمائل ... تسري بريّاها الصّبا والشّمأل
من أين للبدر المنير مناقب ... بجهادها تنضى المطيّ الذّلّل
يا من إذا نفحت نواسم حمده ... فالمسك يعبق طيبه والمندل
يا من إذا لمحت محاسن وجهه ... تعشو العيون ويبهر المتأمّل
يا من إذا تليت مفاخر قومه ... آي الكتاب بذكرها تتنزّل
كفل الخلافة منك يا ملك العلا ... والله ﷻ لك أكفل
مأمونها وأمينها ورشيدها ... منصورها مهديّها المتوكّل
стр. 3900
حسب الخلافة أن تكون وليّها ... ومجيرها من كلّ من يتحيّل
حسب الزمان بأن تكون إمامه ... فله بذلك عزّة لا تهمل
حسب الملوك بأن تكون عميدها ... ترجو الندى من راحتيك وتأمل
حسب المعالي أن تكون إمامها ... فعليك أطناب المفاخر تسدل
يا حجّة الله التي برهانها ... عزّ المحقّ به وذلّ المبطل
أنت الإمام ابن الإمام ابن الإما ... م ابن الإمام، وفخرها لا يعدل
علّمت حتى لم تدع من جاهل ... أعطيت حتى لم تدع من يسأل
وعناية الله اشتملت رداءها ... وعلقت منها عروة لا تفصل ومنها (١) :
أخذت قلوب الكافرين مهابة ... فعقولهم من خوفها لا تعقل
حسبوا البروق صوارماً مسلولة ... أرواحهم من بأسها تتسلّل
وترى النجوم مناصلاً مرهوبة ... فيفر منها الخائف المتنصل
يا ابن الألى إجمالهم وجمالهم ... شمس الضحى والعارض المتهلّل
مولاي لا أحصي مآثرك التي ... بجهادها يتوصّل المتوسّل
أصبحت في ظل امتداحك ساجعاً ... ظلّ (٢) المنى من فوقه يتهدّل
طوّقته طوق الحمائم أنعماً ... فغدا بشكرك في المحافل يهدل
فإليك من صون العقول عقيلة ... أهداكها صنع أغرّ محجّل
عذراء راق الصنع رونق حسنها ... فغدا بنظم حليّها يتكلّل
خيرتها بين المنى فوجدتها ... أقصى مناها أنها تتقبّل
стр. 3901
لا زلت شمساً في سماء خلافة ... وهلالك الأسمى يتمّ ويكمل قال: ومن رقيق منازعه في بعض نزه مولانا رضوان الله عليه بالقصر السلطاني من شنيل قوله:
نفسي الفداء لشادن مهما خطر ... فالقلب من سهم الجفون على خطر
فضح الغزالة والأقاحة والقنا ... مهما تثنّى أو تبسّم أو نظر
عجباً لليل ذوائب من شعره ... والوجه يسفر عن (١) صباح قد سفر
عجباً لعقد الثغر منه منظّماً ... والعقد من دمعي عليه قد انتثر
ما رمت أن أجني الأقاح بثغره ... إلاّ وقد سلّ السيوف من الحور
لم أنسه ليل ارتقاب هلاله ... والقلب من شك الظهور على غرر
بتنا نراقبه بأوّل ليلة ... فإذا به قد لاح في نصف الشهر
طالعته في روضة كخلاله ... والطيب من هذي وتلك قد اشتهر
وكلاهما يبدي محاسن جمّة ... ملء التنسم (٢) والمسامع والبصر
والكأس تطلع شمسها في خدّه ... فتكاد تعشي بالأشعة والنظر
نورية كجبينه، وكلاهما ... يجلو ظلام الليل بالوجه الأغرّ
هي نسخة (٣) للشيخ فيها نسبة ... ما إن يزالا يرعشان من الكبر
أفرغت في جسم الزجاجة روحها ... فرأيت روح الأنس منها قد بهر
لا تسق غير الروض فضلة كأسها ... فالغصن في ذيل الأزاهر قد عثر
ما هبّ خفّاق النسيم مع السّحر ... إلاّ وقد شاق النفوس وقد سحر
ناجى القلوب الخافقات كمثله (٤) ... ووشى بما تخفي الكمام من الزهر
стр. 3902
وروى عن الضحاك عن زهر الربى ... ما أسند الزهريّ عنه عن مطر
وتحمّلت عنه حديث صحيحه ... رسل النسيم وصدّق الخبر الخبر
يا قصر شنيل وربعك آهلٌ ... والروض منك على الجمال قد اقتصر
لله بحرك والصّبا قد سرّدت ... منه دروعاً تحت أعلام الشجر
والآس حفّ عذاره من حوله ... عن كل من يهوى العذار قد اعتذر (١)
قبّل بثغر الزهر كفّ خليفة ... يغنيك صوب الجود منه عن المطر
وافرش خدود الورد تحت نعاله ... واجعل بها لون المضاعف عن خفر
وانظم غناء الطير فيه مدائحاً ... وانثر من الزهر الدراهم والدرر
المنتقى من جوهر الشرف الذي ... في مدحه قد أنزلت آي السور
والمجتبى من عنصر النور الذي ... في مطلع الهدي المقدّس قد ظهر
ذو سطوة مهما كفى، ذو رحمة ... مهما عفا، ذو عفّة مهما قدر
كم سائل للدهر أقسم قائلاً: ... والله ما أيامه إلاّ غرر
مولاي سعدك كالمهنّد في الوغى ... لم يبق من رسم الضلال ولم يذر
مولاي وجهك والصباح تشابها ... وكلاهما في الخافقين قد اشتهر
إنّ الملوك كواكب أخفيتها ... وطلعت وحدك (٢) في مظاهرها قمر
في كل يوم من زمانك موسمٌ ... في طيّه للخلق أعياد كبر
فاستقبل الأيام يندى روضها ... ويرف والنصر العزيز له ثمر
قد ذهّبت منها العشايا ضعف ما ... قد فضضت منها المحاسن في السّحر
يا ابن الذين إذا تعدّ خلالهم ... نفد الحساب وأعجزت منها القدر
إن أوردوا هيم السيوف غدائراً ... مصقولة فلطالما حمدوا الصدر
سائل ببدر عنهم بدر الهدى ... فبهم على حزب الضلال قد انتصر
стр. 3903
واسأل مواقفهم بكلّ مشهّرٍ ... واقر المغازي في الصحيح وفي السير
تجد الثناء ببأسهم وبجودهم ... في مصحف الوحي المنزّل مستطر
فبمثل هديك فلتنر شمس الضحى ... وبمثل قومك فليفاخر من فخر
ماذا أقول وكلّ وصف معجز ... والقول فيك مع الإطالة مختصر
تلك المناقب كالثواقب في العلا ... من رامها بالحصر أدركه الحصر
إن غاب عبدك عن حماك فإنّه ... بالقلب في تلك المشاهد قد حضر
فاذكره إنّ الذكر منك سعادة ... وبها على كلّ الأنام قد افتخر
ورضاك عنه غاية ما بعدها ... إلاّ رضى الله الذي ابتدع البشر
فاشكر صنيع الله فيك فإنّه ... سبحانه ضمن المزيد لمن شكر
وعليك من روح الإله تحيّة ... تهفو إليك مع الأصائل والبكر ثمّ قال: ومن أغراضه الوقتية - استرسالاً مع الطبع البديهي في الشكر عن ضروب من التحف التي يقتضيها التحفّي السلطاني بأولياء خدمته - نبذ متعددة فيما يظهر فيها، فمنها قوله:
يا خير من ملك الملوك بجوده ... وبفضله قد أشبه الأملاكا
والله ما عرف الزمان وأهله ... أمناً ويمناً دائماً لولاكا
وافيت أهلي بالرياض عشيّة ... في روض جاهك تحت ظل ذراكا (١)
فوجدته قد طلّه صوب الندى ... بسحائب تنهلّ من يمناكا
وسفائن مشحونة ألقى بها ... بحر السماح يجيش من نعماكا
رطب من الطلع النضيد كأنها ... قد نظّمت من حسنها أسلاكا
من كلّ ما كان النبيّ يحبّها ... وأحبّها الأنصار من أولاكا
وبدائع التّحف التي قد أطلعت ... مثل البدور أنارت الأحلاكا
стр. 3904
نطفٌ من النور المبين تجسّمت ... حتى حسبنا أنهنّ هداكا
يحلو على الأفواه طيب مذاقها ... لولا التجسّد خلتهنّ ثناكا (١)
طافت بها النّشأ الصغار كأنّها ... سرب القطا لمّا وردن نداكا
نجواهم مهما سمعت كلامهم ... ونداؤهم: مولاي، أو مولاكا
بلّغت في الأبناء عبدك سؤله ... لا زلت تبلغ في بنيك مناكا
يتدارسون من الدعاء صحائفاً ... كيما يطيل الله في بقياكا
فبقيت شمساً في سماء خلافةٍ ... وهم البدور أمدّهنّ سناكا ومنها وقد أهداه نعمة الله أطباقاً من حبّ الملوك (٢) :
كتب الإله على العباد محبّة ... لك كان فرض كتابها موقوتا
وأنا الذي شرّفته من بينهم ... حتى جعلت له المحبّة قوتا
ما زلت تتحفه بكلّ ذخيرة ... حتى لقد أتحفته الياقوتا
وإلى الملوك قد اعتزى من عزّه ... فغدا له ياقوتها ممقوتا ومنها في مثل ذلك:
يا خير من ملك الملوك ... أهديتني حبّ الملوك
فكأنّما ياقوتها ... نظمت لنا نظم السلوك
إنّ الملوك إذا لجوا ... فغياثهم أن أمّلوك
وكذا العفاة إذا شكوا ... فغناهم أن يسألوك
فالله يقبل من دعا ... لعلاك من أهل السلوك
لا زلت تطلع غرّة ... كالشمس في وقت الدلوك
стр. 3905
ومنها، وقد أهداه صيداً ممّا صاده أولاده:
يا خير من روث السماح عن الألى ... نصروا الألى وتبوّأوا إيمانا
في كلّ يوم منك تحفة منعم ... والى الجيمل وأجزل الإحسانا
قد أذكرت دار النعيم عبيده ... وتضمنت من فضله رضوانا
تهدي مواليّ (١) الذين تفرّعوا ... عن دوح فخرك في العلا أغصانا
لجلالك الأعلى قنيصاً أتعبوا ... في صيده الأرواح والأبدانا
فتخصّني منه بأوفر قسمة ... فسحت لعبدك في الرضى ميدانا
لله من مولىً كريم بالذي ... تهدي الموالي يتحف العبدانا
تدعو بنيّ إلى الغنيّ بربّه ... يا ربّنا أغن الذي أغنانا
وعليك من قدس الإله تحيّة ... تهديك منه الرّوح والريحانا ومنها، وقد أهداه أصنافاً من الفواكه:
يا من له الوجه الجميل إذا بدا ... فاقت محاسنه البدور كمالا
والمنتقى من جوهر الفخر الذي ... فاق الخلائف عزّة وجمالا (٢)
ما أبصرت عيناي مثل هديّة ... أبدت لنا صنع الإله تعالى
فيها من التفاح كلّ عجيبة ... تذكي بريّاها صباً وشمالا
تهدي لنا نهد الحبيب وخدّه ... وتري من الورد الجنيّ مثالا
وبها من الأترجّ شمس أطلعت ... من كلّ شطر للعيون هلالا
ويحفّها ورق يروق كانة ... ورق النّضار وقد أجاد نبالا
لون (٣) العشية ذهّبت صفحاتها ... رقّت وراقت بهجةً وجمالا
стр. 3906
وبها من النّقل الشهيّ مذكّر ... عهداً تولّى ليته يتوالى
لله منها خضرة من حضرة ... تغني العفاة وتحسب الآمالا
أذكرتني العهد القديم ومعهداً ... كانت شموس الراح فيه تلالا
فأردت تجديد العهود وإنّما ... كتب المشيب على عذاري لا لا
فأدرت من ذكراك كأس مدامة ... وشربت من حبي لها جريالا
فبقيت شمساً في سماء خلافة ... لا يستطيع لها الزمان زوالا ومنها يوم عاشوراء:
يا أيها المولى الذي بركاته ... رفعت لواء للنّدى منشورا
لك راحة تزجي الغمام بأنمل ... فجرّت منها بالنوال بحورا
واليوم موسم قربة وعبادة ... وغداً، ظفرت بأجره، عاشورا
راعيت فيه سنّة نبويّة ... تروي الثقات حديثه المشهورا
لا زلت عامك كلّه في غبطة ... لقّيت منها نضرة وسرورا ومنها في بعض قطعة:
واليت ما أوليت يا بحر النّدى ... ووحقّ جودك ما رأيت كهذه
فإذا يهزّ لها اللسان حسامه ... فصفات فخرك قد قضت بنفاذه
علّمت فرسان الكلام نظامها ... كتعلّم التلميذ من أستاذه
والبحر تمتار السحائب ماءه ... فتجوده من غيثها برذاذه ومنها، وقد أهداه باكوراً:
يا وارث الأنصار وهي مزيّة ... بفخارها أثنى الكتاب المنزل
أهديتني الباكور وهي بشارة ... ببواكر الفتح الذي يستقبل
стр. 3907
وولادة لهلال تمّ طالع ... وجه الزمان بوجهه يتهلّل
هو أوّل الأنوار في أفق الهدى (١) ... وترى الأهلّة بعده تسترسل
مولاي صدق الفال قد جرّبته ... من لفظ عبدك، والعواقب أجمل ومنها في جفنة:
طعامك من دار النعيم بعثته ... فشرّفته من حيث أدري ولا أدري
بهضبة نعمى قد سمونا لأوجها (٢) ... فصدنا بأعلاها الشهيّ من الطير
وقوراء قد درنا بهالة بدرها ... كما دارت الزّهر النجوم على البدر
وقد حملت فوق الرؤوس لأنها ... هديّة مولىً حلّ في مفرق الفخر
فما شئت من طعمٍ زكيّ مهنّإ ... وما شئت من عرف ذكي ومن نشر
فلو أنها قد قدمت لخليفة ... لأعظمها قدراً وبالغ في الشكر
وكم لك من نعمى عليّ عميمة ... يقلّ لأدناها الجميل من الذكر
فلا زلت يا مولى الملوك مبلّغاً ... أمانيّ ترجوها إلى سالف الدهر ومنها شكراً عن كتاب:
مولاي يوم الجمعه ... سعوده مجتمعه
فانعم صباحاً واغتنم ... أوقاته المجتمعه
وابشر بصنع عاجل ... أعلامه مرتفعه
وانتظر الفتح الذي ... يأتيك بالنصر معه
وبيضُه وسمره ... إلى العداة مشرعه
واللطف مرجوٌ فرد ... بفضل ربي مشرعه
стр. 3908
فاتحتني شرّفتني ... برقعة مرفّعه
بل روضة ممطورة ... أزهارها منوّعه
حديقة قد جدتها ... بصوب جود مترعه
وراية منشورة ... وآية مستبدعه (١)
كم حكم لطيفة ... في طيّها مستودعه
عقيلة صورتها ... من الجمال مبدعه
سقيتني من فضلها ... بفضل كاس مترعه
فدم وأملاك الورى ... على علاك مجمعه ومنها شكراً على خلعة:
يا بدر تمّ في سماء خلافة ... حفّت نجوم السّعد هالة قصره
ألبست عبدك من ثيابك ملبساً ... قد قصّرت عنه مدارك شكره
ورضاك عنه خير ما ألبسته ... فلقد أشاد بجاهه وببرّه
ألبستني، أركبتني، شرّفتني ... أهديتني ما لا أقوم بحصره
نظري لوجهك وهو أجمل نيّرٍ ... يزري على شمس الزمان وبدره
أعلى وأعظم منّةً لا سيّما ... وأنا المنعّم في الحضور ببشره
لا زلت مولىً للملوك مؤمّلاً ... وحلاك (٢) للإسلام مفخر دهره ومنها، وقد خلع - رضوان الله تعالى عليه - على رسول من أرساله:
أبحر سماح مدّ عشرة أبحر ... تفيض غمام الجود وهي الأنامل
بكفّك غيث للبلاد وأهلها ... يروّض محل الأرض، والعام ما حلُ
стр. 3909
لك الخير إن أصبحت بحر سماحة ... يعم نداه فالمواهب ساحل
خلعت على هذا الرسول ملابساً ... بها تتسنّى في علاك المآمل
وبلّغته آماله كيف شاءها ... فبلّغت يا مولاي ما أنت آمل ومنها وقد مرض بعض أبنائه رحمة الله تعالى على الجميع، قوله سائلاً عن حاله:
أسائل بدر التمّ كيف هلاله ... وأدعو له الرحمن ﷻ
وأسأله تعجيل راحته التي ... وسيلتنا فيها النبيّ وآله
ستبلغ فيه ما تؤمّل من منّى ... ويرضيك يا بدر الكمال كماله وفي مثله:
أقول لبدر التمّ كيف هلالكا ... نعمت صباحاً بالسعود (١) وآلكا
وبلّغت في النجل الكريم (٢) سعادة ... تقرّ بها عيناً وينعم بالكا
وخصصت بالبشرى من الله ربّنا ... كما عمّ أقطار البلاد نوالكا ومن التورية باسم قائد ولاه على جماعة من الجند:
يا أيها المولى الذي أيامه ... تهمي بسحب الجود من آلائه
أبشر لجيشك بالسعادة كلما ... يغزو ونصر الله تحت لوائه وأنشده في ملبس اتخذه:
أمولاي يا ابن السابقين إلى العلا ... ومن نصروا الدين الحنيفيّ أولا
غنيت بنور الله عن كلّ زينة ... وألبست من رضوانه أشرف الحلى
وقارك زاد الملك عزّاً وهيبةً ... وسوّغه من رحمة الله منهلا
стр. 3910
ويا شمس هدي في سماء خلافة ... وأبناؤه الزهر المنيرة تجتلى
تبارك من أبداك في كلّ مظهر ... جميلاً جليلاً مستعاذاً مؤمّلا
فيخجل منك الشمس شمس هداية ... ويحسد منك البدر بدراً مكمّلا
إذا أنت ألبست الزمان وآله ... ملابس عزّ ليس يدركها البلى
وطوّقت أجياد الملوك أيادياً ... وتوّجتهم بالفخر تاجاً مكلّلا
فما شئت فالبس فالمشاهد قائل: ... تبارك ما أبهى وأسنى وأجملا
ألا كلّ من صلّى وضحّى ومن دعا ... ومدّ يديه ضارعاً متوسّلا
وجودك شرط في حصول قبوله ... وجودك أثرى كفّه فتنفّلا (١) وقال برسم ما يرسم على ثوب في بعض هدايا مولانا رحمه الله تعالى للسلطان أبي العباس:
أهدي أبا العبّاس ... ملك الندى والباس
ثوب السماء لأنّه ... بدر بدا للنّاس
فلق الصباح بوجهه ... عوّذته بالنّاس
يكسو إماماً لم يزل ... بحلى المحامد كاسي
فيا له من مرتد ... ثوب التّقى لبّاس
أذياله من حمده ... مسكيّة الأنفاس
وبطرزه مدح زرى ... بالمدح في القرطاس
إن كنت في لون السما ... ء بنسبة وقياس
فلأنت يا بدر العلا ... شرّفتني بلباس
أنا منشدٌ " ما في وقو ... فك ساعةً من باسِ " (٢)
стр. 3911
لترى رياضاً (١) أطلعت ... زهراً على أجناس
أوراقها توريقها ... بقضيبها الميّاس
ومن المديح مدامتي ... ومن المحابر كاسي
فالله يمتع لابسي ... بالبشر والإيناس وقال في مثل ذلك:
إنّ الإمام محمّدا ... أهدى الخليفة أحمدا
للباسه ثوباً، وقد ... لبس المحامد وارتدى
وعمامة الشفق (٢) التي ... من فوقها شمس الهدى
يا حسنها إذ أرسلت ... من كفّه غيث النّدى
وكأنّ وشي رقومها ... بالبرق طرّز عسجدا
وبطرزه لون السما ... ء ووجهه قمر بدا
لله منه نيّر ... حلّ المنازل أسعدا
مستنصر، أعلى له ... فوق المنازل أسعدا ثمّ قال وأنشده وهو على جواد أدهم:
تجلّى لنا المولى الإمام محمّد ... على أدهمٍ قد راق حسن أديمه
فأبصرت صبحاً فوق ليل وقد حكى ... مقلّد ذاك الطّرف بعض نجومه وكتب له مع هدية زهر:
أمولاي تقبيلي ليمناك شاقني ... ولا ينكر الظمآن شوقاً إلى البحر
ولمّا رأيت الدهر ماطلني بها ... وشوّقني من حيث أدري ولا أدري
стр. 3912
بعثت لك الزّهر الجنيّ لعلّه ... يقبّلها عني ثغور من الزهر وكتب إليه أيضاً متشوّقاً:
كتبت ودمعي بلّل الركب قطره ... وأجرى به بين الخيام السواقيا
حنيناً لمولىً أتلف المال جوده ... ولكنّه قد خلّد الفخر باقيا
وما عشت بعد البين إلاّ لأنّني ... أرجّي بفضل الله منه التلاقيا وأنشده أيضاً وهو بحال تألم:
كأني بلطف الله قد عمّ خلقه ... وعافى إمام المسلمين وقد شفى
وقاضي القضاء الحتم سجّل ختمه (١) ... وخطّ على رسم الشفاء له " اكتفى " وله في مثل ذلك:
لك الخير يا مولاي أبشر بعصمة ... عقدت مع الأيام في حفظها صلحا
وعافية في صحّة مستجدّة ... تجدّد للدين السعادة والنّجحا
ووجه التهاني مشرق متهلل ... وجوّ الأماني بعدما غام قد أضحى
وقد ظهرت للبرء منك علامة ... علامتك العليا (٢) تقول لنا " صحّا " وفي مثل ذلك:
يا إماماً قد تخذنا ... هـ من الدهر ملاذا
خطّ يمناك ينادي ... صحّ هذا صحّ هذا وقال مهنئاً بالشفاء:
стр. 3913
الحمد لله بلغنا المنى ... لمّا رأيناك، وزال العنا
وفزت بالأجر وكبت العدا ... وفزت بالعزّ ويطب الثنا
فالحمد لله على ما به ... منّ علينا من ظهور السنا وقال أيضاً في نحوه:
نعم قرّت العينان وانشرح الصدر ... وقد لاح من وجه الإمام لنا البدر
سرينا بليل التيه يكذب فجره ... فلمّا تجلّى فجره صدق الفجر
أغرّ المحيّا بالحياء مقنّعٌ ... زهاه الكلام الحرّ والنسب الحرّ
إمام الهدى قد خصّه بخلافة ... إله له في خلقه النهي والأمر وقال في مثله، وقد ركب رحمه الله تعالى لمعاهد حضرته:
هنيئاً هنيئاً لا نفاد لعدّه ... وبشرى لدين الله إنجاز وعده
فقد لاح بدر التم في أفق العلا ... وحلّ كما يرضى منازل سعده
وطاف أمير (١) المسلمين محمّد ... بحضرته العليا مبلّغ قصده
ولاحت بها الأنوار من بشر وجهه ... وفاح بها النوّار من نشر حمده
وأبصرت الأبصار شمس هداية ... وأشرقت الأرجاء من زهر رفده
ولوّحت الأعلام فيها بنصره ... كما لوّح الصبح المبين (٢) ببنده
ستهدي له الأيام كلّ مسرّة ... ويحيي به الرحمن آثار جدّه
فسلّ حسام السعد واضرب به العدا (٣) ... وخلّ حسام الهند في كنز (٤) غمده
فسيفك سيف الله مهما سللته ... يقيم حدود الله قائم حدّه
стр. 3914
وقال، وقد عاد رحمه الله تعالى من بعض متوجهاته الجهادية لجبل الشوار:
على الطائر الميمون والطالع السّعد ... قدمت مع الصنع الجميل على وعد
وقد عدت من جبل الشوار لتجتلي ... عقائل للفتح المبين بلا عدّ وقال ممّا رسم في طيقان (١) الأبواب بالمباني السعيدة التي ابتناها رحمه الله تعالى:
أنا تاج كهلال ... أنا كرسيّ جمال
ينجلي الإبريق فيه ... كعروس ذي اختيال
جود مولانا ابن نصر ... قد حباني بالكمال وفي مثله:
من رأى التاج الرفيعا ... قد حوى الشكر البديعا
تحسد الأفلاك منه ... قوسه السهل المنيعا
دمت ربعاً للتّهاني ... أنظم الشمل الجميعا وفيه:
للغني بالله قصر ... للتهاني يصطفيه
فيه محراب صلاة ... يقف الإبريق فيه
تالياً سورة حسنٍ (٢) ... والمعالي تقتفيه وفيه:
أي قوس ذي جمال (٣) ... سهمه سهم السعادة
стр. 3915
ملك الإبريق فيه ... عوّد الإحسان عاده
ذو صلاة من صلاة ... كلّها دأباً معاده وقال في المعنى ممّا كتب به لعمنا الأمير سعد رحمة الله تعالى عليه:
انظر لأفق جمال ... به الأباريق تصعد
حسن بديع حباه ... به الأمير (١) الممجّد
فخر الإمارة سعد ... به الخليفة يسعد
وكيف لا وأبوه ... فخر الملوك محمد
عليه حلي رضاه ... في كل يوم يجدّد وقال فيه أيضاً:
رفعت قوس سمائي ... يزهى بتاج الهلال
قد قلدته نقوشي ... در الدراري العوالي
ترى الأباريق فيه ... تهديل عذب الزلال
قد زان قصري سعد ... بسعده المتوالي
فدام يعمر ربعي ... في كلء مولى الموالي وفي الغرض:
ما ترى في الرياض أشباهي ... يسحر العقل حسني الزاهي
زان روضي أميره سعد ... وهو نجل الغني بالله
دام منه بمرتقى عزّ ... آمر بالسعود أو ناهي وقال في غرض الشكر عن مغطى (٢) صنهاجي أهداه إياه:
стр. 3916
لمن قبّة حمراء مدّ نضارها ... تطابق منها أرضها وسماؤها
وما أرضها إلا خزائن رحمة ... وما قد سما من فوق ذاك غطاؤها
وقد شبّه الرحمن خلقتنا به ... وحسبك فخراً بان منه اعتلاؤها
ومعروشة الأرجاء مفروشة بها ... صنوف من النعماء منها وطاؤها
ترى الطير في أجوافها قد تصففت ... على نعم عند الإله كفاؤها
ونسبتها صنهاجة غير أنّها ... تقصّر عمّا قد حوى خلفاؤها
حبتني بها دون العبيد خلافة ... على الله في يوم الجزاء جزاؤها وفي مثله:
ما للعوالم جمعت في قبة ... قد شادها كرم الإمام محمد
في صفح صرح بالزجاج مموّه ... وبجود مولاي الإمام ممهّد
ما إن رأيت ولا سمعت كطائر (١) ... عن ثوب موشيّ الرياش مجرّد
إن لم تكن تلك الطيور تغرّدت ... فلشكر هذا العبد سجع مغرّد
صفّت عليها للفواكه كلّ ما ... قد عاهدته بدوحها المتعوّد
لو أبصرت صنهاجة أوضاعه ... دانت له أملاكها بتعبد
عوّدتني الصنع الجميل تفضّلاً ... لا زلت خير معوّذ ومعوّد
وبسورة الأنعام كم من آية ... فيها لقار بالنوال مجوّد وقال تذييلاً لبيتي ابن المعتز (٢) :
سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب
" فأمسيت في ليلين للشّعر (٣) والدجى ... وشمسين من خمر وخدّ (٤) حبيب "
стр. 3917
إلى أن بدا الصبح المبين كأنّه ... محيّا ابن نصر لم يشن بغروب
شمائله مهما أديرت كؤوسها ... قلائد أسماع وأنس قلوب وقال مذيلاً على بيت ابن وكيع (١) :
هي في أوجه الندامى عقيق ... وهي مثل النضار في الأقداح
كابن نصر تراه في الحرب ليثاً ... وهو بدر الندى وغيث السماح
ذكره قد ثنى قدود الندامى ... وأعاد الحياة في الأرواح (٢) وقال ممّا يرسم للغني بالله:
للغني بالله ملك ... برده بالعزّ مذهب
دام في رفعة شان ... ما جلا الإصباح غيهب وقال أيضاً:
يا ابن نصر لك ملك ... ليس تعدوه الفتوح
دمت روحاً للمعالي ... ما سرى في الجسم روح ومن مقطوعاته:
وابن نصر له محيّا كصبح ... إن تجلّى جلا لنا (٣) كلّ كرب
ذو حسامٍ كأنّه لمع برق ... في بنان كأنّها غيث سحب ومن أخرى:
وكأنّ النجوم في غسق اللي ... ل جمان يلوح في آبنوس
стр. 3918
وكأنّ الصباح في الأفق يجلى ... بحليّ النجوم مثل العروس
وكأنّ الرياض تهدي ثناء ... للغنيّ بالله فوق الطروس وقال من قصيدة أولها:
أضياء هدي أم ضياء نهار ... وشذا المحامد أم شذا الأزهار
قسماً بهديك في الضياء، وإنّه ... شمس تمدّ الشهب بالأنوار (١) ومنها:
كم من لطائف للهدى أوضحتها ... خفيت لطائفها (٢) على الأفكار
كم من جرائم قد غفرت عظيمها ... مستنزلاً من رحمة الغفّار
علمت ملوك الأرض أنّك فخرها ... فتسابقت لرضاك في مضمار ومنها يصف الجيش:
سالت به تحت العجاج سفينة ... لقحت بريح العز (٣) من أنصار
أرست بجودي الجود في يوم الندى ... وجرت بيوم الحرب في تيّار ومنها:
ألقى بأيدي الريح فضل عنانه ... فيكاد يسبق لمحة الأبصار ومنها:
فهي العراب متى انبرت يوم الوغى (٤) ... قد أعربت عن لطف صنع الباري
стр. 3919
ومنها:
إن خاض في ليل العجاج (١) رأيته ... يجلو دجنّته بوجه نهار ومنها:
كم فيهم من قار ضيف طارق ... وضحت شواهد فضله للقار ومنها:
يا أيّها الملك الذي أيامه ... غرر تلوح بأوجه الأعصار
قد زارك العيد السعيد مبشراً ... فاسمح لألف منهم بمزار
لمّا ازدهته عواطف ألطفتها ... عطف الإله عليك عطف سوار
فأتى يؤمم منك هدياً صالحاً ... كي يستمدّ النور بعد سرار
وأتاك يسحب ذيل سحب أغدقت ... تغري جفون المزن باستعبار
جادت بجاري الدمع من قطر الندى ... فرعى الربيع لها حقوق الجار
فأعاد وجه الأرض طلقاً مشرقاً ... متضاحكاً بمباسم النوّار
لمّا دعاك إلى القيام بسنّة ... حكّمت داعي الجود والإيثار
فأفضت فينا من نداك مواهباً ... حسنت مواقعها على التركار
فاهنأ بعيد عاد يشتمل الرضى ... جذلان يرفل في حلى استبشار ومنها:
لا عذر لي إن كنت فيه مقصّراً ... سدّت صفاتك أوجه الأعذار
فإذا نظمت من المناقب درّها ... شرّفتني منها بنظم دراري
فلذاك أنظمها قلائد لؤلؤ ... لألاؤها قد شفّ بالأنوار
стр. 3920
وأنشد على لحده المقدّس رحمه الله تعالى (١) :
ضريح أمير المسلمين محمّد ... يخصك ربي بالسلام المردّد
وحيّتك (٢) من روح الإله تحيّة ... مع الملإ الأعلى تروح وتغتدي
وشقّت جيوب الزهر فيك كمائم ... يرف بها الريحان عن خضلٍ ندي
وصابت من الرحمى عليك غمائم ... تروّي ثرى هذا الضريح المنجّد
وزارتك من حور الجنان أوانس ... نواعم في كلّ النعيم المخلّد
وجاءتك بالبشرى ملائكة الرضى ... كما جاء في الذكر الحكيم الممجّد
وصافح منك الروض أطيب تربة ... وعاهد منك المزن أكرم معهد
رضى الله والصفح الجميل وعفوه ... يوالي على ذاك الصفيح المنضّد
ويا صدفاً قد فاز من جوهر العلا ... بكلّ (٣) نفيس بالنفاسة مفرد
أعندك أنّ العلم والحلم والحجى ... وزهر الحلى قد أدرجت طيّ ملحد
وهل أنت إلاّ هالة القمر الذي ... بنور هداه الشهب تهدي وتهتدي
ويا عجباً من ذلك الترب كيف لا ... يفيض ببحر للسماحة مزبد
لقد ضاقت الأكوان وهي رحيبة ... بما حزت من فخر عظيم وسودد
قدمت على الرحمن أكرم مقدم ... وزوّدت من رحماه خير مزوّد
أقام بك المولى الإمام محمّد ... مؤمّل فوز بالشّفيع محمّد
فجاء كما ترضى وترضى به العلا ... وأنجز للآمال أكرم موعد
ومد ظلال العدل في كل وجهة ... وكف أكفّ البغي من كلّ معتد
وقام بمفروض الجهاد عن الورى ... وعوّد دين الله خير معوّد
قضى بعدما قضّى الخلافة حقّها ... وعامل وجه الله في كلّ مقصد
стр. 3921
وفتّح بالسيف الممالك عنوةً ... ومدت له أملاكها كفّ مجتد
وكسّر تمثال الصليب وأخرست ... نواقيس كانت للضلال بمرصد
وطهّر محراباً وجدّد منبراً ... وأعلن ذكر الله في كلّ مسجد
ودانت له الأملاك شرقاً ومغرباً ... وكلهم ألقى له الملك باليد
وطبّق معمور البسيطة ذكره ... وسارت به الركبان في كل فدفد
وسافر عن دار الفناء ليجتلي ... بما قدّم اليوم السعادة في غد
وقام بأمر الله حقّ قيامه ... بعزمة لا وانٍ ولا متردّد
لئن سار للرحمن خير مودع ... وحلّ من الفردوس أشرف مقعد
فقد خلّف المولى الخليفة يوسفاً ... يعيد له غرّ المساعي ويبتدي
سبيلك في سبل المكارم يقتفي ... وهديك يا خير الأئمة يقتدي
محمد جلّى الخطب من بعد يوسف ... ويوسف جلّ الخطب بعد محمد
ولو وجد الناس الفداء مسوّغاً ... فداك ببذل النفس كلّ موحّد
ستبكيك أرض كنت غيث بلادها ... وتبكيك حتى الشهب في كلّ مشهد
وتبكي عليك السحب ملء جفونها ... بدمع يروّي غلّة المجدب الصّدي
وتلبس فيك النيرات ظلامها ... حداداً ويذكي النجم جفن مسهّد
وما هي إلا أعين قد تسهدت ... فكحّلها نجم الظلام بإثمد
فلا زلت في ظلّ النعيم مخلّداً ... ونجلك يحيا بالبقاء المخلّد
وأوردك الرحمن حوض نبيّه ... وأصدر من خلّفت عن خير مورد
عليك سلام مثل حمدك عاطرٌ ... يفض ختام المسك عن تربك الندي
وصلى على المختار من آل هاشمٍ ... صلاةً بها نرجو الشفاعة في غد وقال يستعطف الوالد السلطان أبا الحجاج (١) :
стр. 3922
بما قد حزت من كرم الخلال ... بما أدركت من رتب الجلال
بما خوّلت من دين ودنيا ... بما قد حزت من شرف الجمال (١)
بما أوليت من صنع جميل ... يطابق لفظه معنى الكمال
تغمدني (٢) بفضلك، واغتفرها ... ذنوباً في الفعال وفي المقال وقال أيضاً (٣) :
أتعطش أولادي وأنت غمامة ... تعمّ جميع الخلق بالنفع والسقيا
وتظلم أوقاتي ووجهك نير ... تفيض به الأنوار للدين والدنيا
وجدّك قد سمّاك ربّك باسمه ... وأورثك الرحمن رتبته العليا
وقد كان أعطاني الذي أنا سائل ... وسوّغني من غير شرط ولا ثنيا
وشعري في غرّ المصانع خالد ... يحيّيه عني في الممات وفي المحيا
وما زلت أهدي المدح مسكاً مفتّقاً ... فتحمله الأرواح عاطرة الريّا
وقد أكثر العبد التشكّي وإنّه ... وحقّك يا فخر الملوك قد استحيا
وما الجود إلا ميّت، غير أنّه ... إذا نفخت يمناك في روحه يحيا
فمن شاء أن يدعو لدين محمد ... فيدعو لمولانا الخليفة بالبقيا وقال أيضاً فيه وقد نزل بالولجة من مرج الحضرة:
منزل اليمن والرضى والسعود ... أنجزت فيه صادقات الوعود
كلّ يوم نزاهة إن تقضّت ... أنشدتها السعود: بالله عودي
جمع المستعين وصف كمال ... بين بأس عمّ الملوك وجود
стр. 3923
فاهن في غبطة وعزة ملك ... أنت والله فخر هذا الوجود وقال أيضاً مشيراً لتوليته العلامة:
لك غرّة ودّ الصباح جمالها ... ومحاسن تهوى البدور كمالها
وشمائل تحكي الرياض خلالها ... وأنامل ترجو (١) الأنام خلالها
للمستعين خلافة نصريّة ... عرفت ملوك العالمين جلالها (٢)
وأنا الذي قد نال منك معالياً ... تهدي النجوم الزاهرات منالها
تهديه ما قد نلته من بعضها ... فالفخر كلّ الفخر فيمن نالها
في كلّ يوم منك منّة منعم ... لو طاولت سمك السما (٣) ما طالها
بلغت آمال العبيد فبلّغت ... فيك العبيد من البقا آمالها وقال أيضاً وكتبها إليه مع خمسة أقلام:
أيا مالكاً لم يبد للعين حسنه ... سوى ملك قد حلّ من عالم القدس
لك الخير خذها كالأنامل خمسة ... تعوّذ مرآك المكمّل بالخمس
فمن أبصرت عيناك مرآه فليقل ... أعوذ بربّ الناس أو آية الكرسي ثم قال ابن الحمر: وقال يخاطب مولانا الوالد رحمة الله تعالى عليه وقد مرّ معه بفحص ريّة، والثلج قد عمّ أنديته، وبسط أرديته، في وجهة توجهها مولانا الجد تغمّده الله تعالى إلى مالقة:
يا من به رتب الإمارة (٤) تعتلي ... ومعالم الفخر المشيدة تبتني
стр. 3924
ازجر بهذا الثلج فألاً إنّه ... ثلج اليقين بنصر مولانا الغني
بسط البياض كرامةً لقدومه ... وافترّ ثغراً عن مسرّة معتني
فالأرض جوهرة تلوح لمجتل ... والدوح مزهرة تفوح لمجتني
سبحان من أعطى الوجود وجوده ... ليدلّ منه على الجواد المحسن
وبدائع الأكوان في إتقانها ... أثر يشير إلى البديع المتقن ثم قال: ومن أوليات نظمه يخاطب شيخه الوزير أبا عبد الله ابن الخطيب مادحاً قوله:
أما وانصداع النور من مطلع الفجر ... إلى آخره، وقد تقدمت.
ثم قال: وقال يراجع الكاتب أبا زكريا ابن أبي دلامة (١) :
على الطائر الميمون والطالع السّعد ... أتتني مع الصنع الجميل على وعد
وأحييت يا يحيى بها نفس مغرم ... يجيل جياد الدمع في ملعب السهد
نسيت وما أنسى وفائي وخلّتي ... وأقفر ربع القلب إلا من الوجد
وما الطلّ في ثغر من الزهر باسمٍ ... بأزكى وأصفى من ثنائي ومن ودي
فأصدقتها من بحر فكري جواهراً ... تنظّم من درّ الدراريّ في عقد
وكنت أطيل القول إلاّ ضرورة ... دعتني إلى الإيجاز في سورة الحمد وأنشد السلطان أبا العباس المرسي في غراب (٢) من إنشائه:
أإنسان عين الدهر جفنك قد غدا ... يحفّك منه طائر اليمن والسّعد
إذا ما هفا فوق الرؤوس شراعه ... أراك جناحاً مدّ للجزر والمدّ
стр. 3925
وأنشد فيه أيضاً:
لك الخير شأن الجفن يحرس عينه ... وهذا بعين الله يحرس دائماً
تبيت له خمس الثريّا معيذة ... تقلّده زهر النجوم تمائما
فيا جفن لا تنفك في الحفظ دائماً ... وإن كنت في لجّ من البحر عائما انتهى ما لخصته من كلام ابن الأحمر في حق ابن زمرك، وذلك جملة من نظمه.
[موشحات ابن زمرك]
وقد رأيت أن أعزز ذلك ببعض موشحات ابن زمرك المذكور (١) ممّا انتقيته من كلام ابن الأحمر.
فمنها قوله متشوّقاً إلى غرناطة ويمدح الغني بالله:
بالله يا قامة القضيب ... ومخجل الشمس والقمر
من ملك الحسن في القلوب ... وأيّد اللّحظ بالحور
من لم يكن طبعه رقيقا ... لم يدر ما لذة الصّبا
فربّ حرٍّ غدا رقيقا ... تملكه نفحة الصّبا
نشوان لم يشرب الرحيقا ... لكن إلى الحسن قد صبا
فعذّب القلب بالوجيب ... ونعّم العين بالنظر
وبات والدمع في صبيب ... يقدح من قلبه الشّرر