وفتّح بالسيف الممالك عنوةً ... ومدت له أملاكها كفّ مجتد
وكسّر تمثال الصليب وأخرست ... نواقيس كانت للضلال بمرصد
وطهّر محراباً وجدّد منبراً ... وأعلن ذكر الله في كلّ مسجد
ودانت له الأملاك شرقاً ومغرباً ... وكلهم ألقى له الملك باليد
وطبّق معمور البسيطة ذكره ... وسارت به الركبان في كل فدفد
وسافر عن دار الفناء ليجتلي ... بما قدّم اليوم السعادة في غد
وقام بأمر الله حقّ قيامه ... بعزمة لا وانٍ ولا متردّد
لئن سار للرحمن خير مودع ... وحلّ من الفردوس أشرف مقعد
فقد خلّف المولى الخليفة يوسفاً ... يعيد له غرّ المساعي ويبتدي
سبيلك في سبل المكارم يقتفي ... وهديك يا خير الأئمة يقتدي
محمد جلّى الخطب من بعد يوسف ... ويوسف جلّ الخطب بعد محمد
ولو وجد الناس الفداء مسوّغاً ... فداك ببذل النفس كلّ موحّد
ستبكيك أرض كنت غيث بلادها ... وتبكيك حتى الشهب في كلّ مشهد
وتبكي عليك السحب ملء جفونها ... بدمع يروّي غلّة المجدب الصّدي
وتلبس فيك النيرات ظلامها ... حداداً ويذكي النجم جفن مسهّد
وما هي إلا أعين قد تسهدت ... فكحّلها نجم الظلام بإثمد
فلا زلت في ظلّ النعيم مخلّداً ... ونجلك يحيا بالبقاء المخلّد
وأوردك الرحمن حوض نبيّه ... وأصدر من خلّفت عن خير مورد
عليك سلام مثل حمدك عاطرٌ ... يفض ختام المسك عن تربك الندي
وصلى على المختار من آل هاشمٍ ... صلاةً بها نرجو الشفاعة في غد وقال يستعطف الوالد السلطان أبا الحجاج (١) :
стр. 3922
بما قد حزت من كرم الخلال ... بما أدركت من رتب الجلال
بما خوّلت من دين ودنيا ... بما قد حزت من شرف الجمال (١)
بما أوليت من صنع جميل ... يطابق لفظه معنى الكمال
تغمدني (٢) بفضلك، واغتفرها ... ذنوباً في الفعال وفي المقال وقال أيضاً (٣) :
أتعطش أولادي وأنت غمامة ... تعمّ جميع الخلق بالنفع والسقيا
وتظلم أوقاتي ووجهك نير ... تفيض به الأنوار للدين والدنيا
وجدّك قد سمّاك ربّك باسمه ... وأورثك الرحمن رتبته العليا
وقد كان أعطاني الذي أنا سائل ... وسوّغني من غير شرط ولا ثنيا
وشعري في غرّ المصانع خالد ... يحيّيه عني في الممات وفي المحيا
وما زلت أهدي المدح مسكاً مفتّقاً ... فتحمله الأرواح عاطرة الريّا
وقد أكثر العبد التشكّي وإنّه ... وحقّك يا فخر الملوك قد استحيا
وما الجود إلا ميّت، غير أنّه ... إذا نفخت يمناك في روحه يحيا
فمن شاء أن يدعو لدين محمد ... فيدعو لمولانا الخليفة بالبقيا وقال أيضاً فيه وقد نزل بالولجة من مرج الحضرة:
منزل اليمن والرضى والسعود ... أنجزت فيه صادقات الوعود
كلّ يوم نزاهة إن تقضّت ... أنشدتها السعود: بالله عودي
جمع المستعين وصف كمال ... بين بأس عمّ الملوك وجود
стр. 3923
فاهن في غبطة وعزة ملك ... أنت والله فخر هذا الوجود وقال أيضاً مشيراً لتوليته العلامة:
لك غرّة ودّ الصباح جمالها ... ومحاسن تهوى البدور كمالها
وشمائل تحكي الرياض خلالها ... وأنامل ترجو (١) الأنام خلالها
للمستعين خلافة نصريّة ... عرفت ملوك العالمين جلالها (٢)
وأنا الذي قد نال منك معالياً ... تهدي النجوم الزاهرات منالها
تهديه ما قد نلته من بعضها ... فالفخر كلّ الفخر فيمن نالها
في كلّ يوم منك منّة منعم ... لو طاولت سمك السما (٣) ما طالها
بلغت آمال العبيد فبلّغت ... فيك العبيد من البقا آمالها وقال أيضاً وكتبها إليه مع خمسة أقلام:
أيا مالكاً لم يبد للعين حسنه ... سوى ملك قد حلّ من عالم القدس
لك الخير خذها كالأنامل خمسة ... تعوّذ مرآك المكمّل بالخمس
فمن أبصرت عيناك مرآه فليقل ... أعوذ بربّ الناس أو آية الكرسي ثم قال ابن الحمر: وقال يخاطب مولانا الوالد رحمة الله تعالى عليه وقد مرّ معه بفحص ريّة، والثلج قد عمّ أنديته، وبسط أرديته، في وجهة توجهها مولانا الجد تغمّده الله تعالى إلى مالقة:
يا من به رتب الإمارة (٤) تعتلي ... ومعالم الفخر المشيدة تبتني
стр. 3924
ازجر بهذا الثلج فألاً إنّه ... ثلج اليقين بنصر مولانا الغني
بسط البياض كرامةً لقدومه ... وافترّ ثغراً عن مسرّة معتني
فالأرض جوهرة تلوح لمجتل ... والدوح مزهرة تفوح لمجتني
سبحان من أعطى الوجود وجوده ... ليدلّ منه على الجواد المحسن
وبدائع الأكوان في إتقانها ... أثر يشير إلى البديع المتقن ثم قال: ومن أوليات نظمه يخاطب شيخه الوزير أبا عبد الله ابن الخطيب مادحاً قوله:
أما وانصداع النور من مطلع الفجر ... إلى آخره، وقد تقدمت.
ثم قال: وقال يراجع الكاتب أبا زكريا ابن أبي دلامة (١) :
على الطائر الميمون والطالع السّعد ... أتتني مع الصنع الجميل على وعد
وأحييت يا يحيى بها نفس مغرم ... يجيل جياد الدمع في ملعب السهد
نسيت وما أنسى وفائي وخلّتي ... وأقفر ربع القلب إلا من الوجد
وما الطلّ في ثغر من الزهر باسمٍ ... بأزكى وأصفى من ثنائي ومن ودي
فأصدقتها من بحر فكري جواهراً ... تنظّم من درّ الدراريّ في عقد
وكنت أطيل القول إلاّ ضرورة ... دعتني إلى الإيجاز في سورة الحمد وأنشد السلطان أبا العباس المرسي في غراب (٢) من إنشائه:
أإنسان عين الدهر جفنك قد غدا ... يحفّك منه طائر اليمن والسّعد
إذا ما هفا فوق الرؤوس شراعه ... أراك جناحاً مدّ للجزر والمدّ
стр. 3925
وأنشد فيه أيضاً:
لك الخير شأن الجفن يحرس عينه ... وهذا بعين الله يحرس دائماً
تبيت له خمس الثريّا معيذة ... تقلّده زهر النجوم تمائما
فيا جفن لا تنفك في الحفظ دائماً ... وإن كنت في لجّ من البحر عائما انتهى ما لخصته من كلام ابن الأحمر في حق ابن زمرك، وذلك جملة من نظمه.
[موشحات ابن زمرك]
وقد رأيت أن أعزز ذلك ببعض موشحات ابن زمرك المذكور (١) ممّا انتقيته من كلام ابن الأحمر.
فمنها قوله متشوّقاً إلى غرناطة ويمدح الغني بالله:
بالله يا قامة القضيب ... ومخجل الشمس والقمر
من ملك الحسن في القلوب ... وأيّد اللّحظ بالحور
من لم يكن طبعه رقيقا ... لم يدر ما لذة الصّبا
فربّ حرٍّ غدا رقيقا ... تملكه نفحة الصّبا
نشوان لم يشرب الرحيقا ... لكن إلى الحسن قد صبا
فعذّب القلب بالوجيب ... ونعّم العين بالنظر
وبات والدمع في صبيب ... يقدح من قلبه الشّرر
стр. 3926
عجبت من قلبي المعنّى ... يهفو إذا هبّت الرياح
لو كان للصبّ ما تمنّى ... لطار شوقاً إلى البطاح (١)
وبلبل الدّوح إن تغنّى ... أسهر ليلي إلى الصباح
عساك إن زرت يا طبيبي ... بالطّيف في رقدة السّحر
أن تجعل النوم من نصيبي ... والعين تحمي من السهر
كم شادن قاد لي الحتوفا ... بمربع القلب قد سكن
يسل من لحظه سيوفا ... فالقلب بالروع ما سكن
خلقت من عادتي ألوفا ... أحنّ للإلف والسّكن
غرناطة منزل الحبيب ... وقربها السؤل والوطر
تبهر بالمنظر العجيب ... فلا عدا ربعها المطر
عروسة تاجها السبيكه ... وزهرها الحلي والحلل
لم ترض من عزّها شريكه ... بحسنها يضرب المثل
أيّدها الله من مليكه ... تملكها أشرف الدول
بدولة المرتجى المهيب ... الملك الطاهر الأغرّ
تختال من بردها القشيب ... في حلّة النور والزّهر
كرسيّها جنّة العريف ... مرآتها صفحة الغدير
وجوهر الطّلّ عن شنوف ... تحكمها صنعة القدير
والأنس فيها على صنوف ... فمن هديل ومن هدير
стр. 3927
كم خرق الزهر من جيوب ... وكلّل القضب بالدرر
فالغصن كالكاعب اللّعوب ... والطير تشدو بلا وتر
ولائم النصر في احتفال ... وفرح دين الهوى (١) جديد
سلطانها معمل العوالي ... محمد الظافر السعيد
ومخجل البدر في الكمال ... سلطانها المجتبى الفريد
أصفح مولىً عن الذنوب ... أكرم عاف إذا قدر
وشمس هدي بلا مغيب ... وبحر جود بلا حسر
مولاي يا عاقد البنود ... تظلّل الأوجه الصّباح
أوحشت يا نخبة الوجود ... غرناطة هالة السّماح
سافرت باليمن والسعود ... وعدت بالفتح والنجاح
يا ملهم القلب للغيوب ... ومطعم النصر والظفر
أسمعك الله عن قريب: ... " على السلامه من السفر " وقال أيضاً (٢) من الموشحات الرائقة (٣) ، في مثل أغراض هذه السابقة، وأشار إلى محاسن من وصف الدشار:
نسيم غرناطة عليل ... لكنّه يبرىء العليل
وروضها زهره بليل ... ورشفه ينقع الغليل
سقى بنجد ربى المصلّى ... مباكراً روضه الغمام
فجفنه كلّما استهلاّ ... تبسّم الزّهر في الكمام
والروض بالحسن قد تحلّى (٤) ... وجرّد النهر عن حسام
стр. 3928
ودوحها ظلّه ظليل ... يحسن في ربعه المقيل
والبرق والجو مستطيل ... يلعب بالصارم الصقيل
عقيلة تاجها السّبيكه ... تطلّ بالمرقب المنيف
كأنّها فوقه مليكه ... كرسيّها جنّة العريف
تطبع من عسجد سبيكه ... شموسها كلّما تطيف
أبدعك الخالق الجميل ... يا منظراً كلّه جميل
قلبي إلى حسنه يميل ... وقبلنا قد صبا جميل
وزاد للحسن فيك حسنا ... محمد الحمد والسّماح
جدّد للفخر فيك مغنى (١) ... في طالع اليمن والنّجاح
تدعى دشاراً وفيك معنى ... يخصّك الفأل بافتتاح
فالنصر والسعد لا يزول ... لأنّه ثابت أصيل
سعد وأنصاره قبيل ... آباؤه عترة الرسول
أبدى به حكمة القدير ... وتوّج الروض بالقباب
ودرّع الزهر بالغدير ... وزيّن النهر بالحباب
فمن هديل ومن هدير ... ما أولع الحسن بالشباب
كبت على روضها القبول ... وطرفها بالسّرى كليل
فلم يزل بينها يجول ... حتى تبدّت له حجول
للزهر في عطلفها رقوم ... تلوح للعين كالنّجوم
وللندى بينها رسوم ... عقد النّدى فوقه نظيم
وكلّ وادٍ بها يهيم ... ولم يزل حولها يحوم
стр. 3929
شنيلها مدّ منه نيل ... والشين ألف لمستنيل
وعين واد به تسيل ... من فوق خدّ له أسيل
كم من ظلال به ترفّ ... تضفو له فوقها ستور
ومن زجاج به يشف ... ما بين نور وبين نور
ومن شموس بها تصف ... تديرها بينها البدور
مزاجها العذب سلسبيل ... يا هل إلى رشفها سبيل
وكيف والشيب لي عذول ... وصبغه صغرة الأصيل
يا سرحة في الحمى ظليله ... كم نلت في ظلك المنى
روّضك الله من خميله ... يجنى بها أطيب الجنى
وبرقها صادق المخيله ... ما زال بالغيث محسنا
أنجز لي وعدك القبول ... فلم أقل مثل من يقول:
يا سرحة الحيّ يا مطول ... شرح الذي بيننا يطول ومن ذلك ما كتب به إلى الغني بالله:
أبلغ لغرناطة سلامي ... وصف لها عهدي السليم
فلو رعى طيفها ذمامي ... ما بت في ليلة السليم
كم بت فيها على اقتراح ... أعلّ من خمرة الرضاب
أدير فيها كؤوس راح ... قد زانها (١) الثغر بالحباب
أختال كالمهر في الجماح ... نشوان في روضة الشباب
стр. 3930
أضاحك الزهر في الكمام ... مباهياً روضه الوسيم
وأفضح الغصن في القوام ... إن هبّ من جوّها نسيم
بينا أنا والشباب ضاف ... وظلّه فوقنا مديد
ومورد الأنس فيه صاف ... وبرده رائق جديد
إذ لاح في الفود غير خاف ... صبح به نبّه الوليد
أيقظ من كان ذا منام ... لمّا انجلى ليله البهيم
وأرسل الدمع كالغمام ... في كلّ وادٍ به أهيم
يا جيرة عهدهم كريم ... وفعلهم كلّه جميل
لا تعذلوا الصبّ إذ يهيم ... فقبله قد صبا جميل
القرب من ربعكم نعيم ... وبعدكم خطبه جليل
كم من رياض به وسام ... يزهى بها الرائض (١) المسيم
غديرها أزرق الجمام ... ونبتها كلّه جميم (٢)
أعندكم أنّني بفاس ... أكابد الشوق والحنين
أذكر أهلي بها وناسي ... واليوم في الطول كالسنين
الله حسبي فكم أقاسي ... من وحشة الصحب والبنين
مطارحاً ساجع الحمام ... شوقاً إلى الإلف والحميم
والدمع قد لجّ في انسجام ... وقد وهى عقده النظيم
стр. 3931
يا ساكني جنّة العريف ... أسكنتم جنّة الخلود
كم ثمّ من منظر شريف ... قد حفّ باليمن والسعود
وربّ طود به منيف ... أدواحه الخضر كالبنود
والنهر قد سلّ كالحسام ... لراحة الشّرب مستديم
والزهر قد راق بابتسام ... مقبّلاً راحة النّديم
بلّغ عبيد المقام صحبي ... لا زلتم الدهر في هنا
لقاكم بغية المحبّ ... وقربكم غاية المنى
فعندكم قد تركت قلبي ... فجدّد الله عهدنا
ودارك الشمل بانتظام ... من مرتجى (١) فضله العميم
في ظلّ سلطاننا الإمام ... الطاهر الظاهر الحليم (٢)
مؤمّن العدوتين ممّا ... يخاف من سطوة العدا
وفارج الكرب إن ألمّا ... ومذهب الخطب والرّدى
قد راق حسناً وفاق حلما ... وما عدا غير ما بدا
مولاي يا نخبة الأنام ... وحائز الفخر في القديم
كم أرقب البدر في التمام ... شوقاً إلى وجهك الكريم منها موشحة عارض بها موشحة ابن سهل التي أولها ليل الهوى يقظان وهي:
نواسم البستان ... تنثر سلك الزّهر
والطّل في الأغصان ... ينظمه بالجوهر
стр. 3932
وراحة (١) الإصباح ... أضاء منها المشرق
تنشرها الأرواح ... فلا تزال تخفق
والزهر زهر فاح ... لها عيون ترمق
فأيقظ الندمان ... يبصرن ما لم يبصر
جواهر الشهبان (٢) ... قد عرضت للمشتري
قدحت لي زندا ... يا أيّهذا البارق
أذكرتني عهدا ... إذ الشباب رائق
فالشّوق لا يهدا ... ولا الفؤاد الخافق
وكيف بالسّلوان ... والقلب رهن الفكر
وسحب الهجران ... تحجب وجه القمر
لولا شموس الكاس ... نديرها بين البدور
وعرّج الإيناس ... منّا على ربع الصدور
لكن لها وسواس ... يغري بربّات الخدور
كم والهٍ هيمان ... بصبح وجه مسفر
ضياؤه قد بان ... من تحت ليل مقمر
يا مطلع الأنوار ... كم فيك من مرأى جميل
ونزهة الأبصار ... ما ضرّ لو تشفي الغليل
يا روضة الأزهار ... وعرفها يبري العليل
стр. 3933
قضيبك الفينان ... يسقى بدمع همر
فلاعج الأشجان ... فيض الدموع يمتري (١)
هل في الهوى ناصر ... أو هل يجار الهائم
لو كان لي زائر ... طيف الخيال الحائم
ما بتّ بالساهر ... ودمع عيني ساجم
والحب ذو عدوان ... يجهد في ظلم البري
وصارم الأجفان ... مؤيّد بالحور
رحماك في صبّ ... أذكرته عهد الصّبا
بواعث الحب ... قادت إليه الوصبا
لم تهف بالقلب ... ريح الصّبا إلاّ صبا
بليلة الأردان ... قد ضمّخت بالعنبر
يشير غصن البان ... منها بفضل المئزر
طيّبها حمد ... فخر الملوك المجتبى
من يرجح الطود ... من حلمه إذا احتبى
قد جرّد السعد ... منه حساماً مذهبا
فالبأس والإحسان ... والغوث للمستنصر
تحمله الركبان ... تحيّة للمنبر
عصابة الكتّاب ... حقّ لها الفوز العظيم
تختال في أثواب ... ألبسها الطول الجسيم
فحسبها الإطناب ... في الحمد والشكر العميم
стр. 3934
خليفة الرحمن ... لا زلت سامي (١) المظهر
يا مورد الظمآن ... ورأس مال المعسر
خذها على دعوى ... تزري على الروض الوسيم
جاءت كما تهوى ... أرقّ من لدن النسيم
قد طارحت شكوى ... من قال في الليل البهيم
" ليل الهوى يقظان ... والحب ترب السهر "
" والصبر لي خوّان ... والنوم من عيني بري " وله في الصبوحيات:
ريحانة الفجر قد أطلّت ... خضراء بالزهر تزهر
وراية الصبح قد أظلّت ... في مرقب الشرق تنشر
فالشهب من غارة الصباح ... ترعد خوفاً وتخفق
وأدهم الليل في جماح ... أعنّة البرق يطلق
والأفق في ملتقى الرياح ... بأدمع الغيث يشرق
والسحب بالجوهر استهلّت ... فالبرق سيف مجوهر
صفاحه المذهبات حلّت ... في راحة الجوّ تشهر
كم للصّبا ثمّ من مقيل ... بطيبه الزهر يشهد
والنهر كالصارم الصّقيل ... في حلية النور يغمد
ورب قال به وقيل ... للطير في حين تنشد
فألسن الورق قد أملّت ... مدائحاً عنه تشكر
ونسمة الصبح قد تجلّت ... في سندس الروض تعثر
стр. 3935
والكاس في راحة النديم ... يجلو بها غيهب الهموم
أقبست النار في القديم ... من قبل أن تخلق الكروم
والنهر في ملعب النسيم ... للزهر في عطفه رقوم
فلبّة الحلي (١) قد تحلّت ... والطّلّ في الحلي (٢) جوهر
وبهجة الكون قد تجلّت ... والروض بالحسن يبهر (٣)
يذكرني وجنة الحبيب ... والآس في صفحة العذار
وشارب الشارب العجيب ... بين أقاح وجلّنار
يدير من ثغره الشنيب ... سلافة دونها العقار
حلّت لأهل الهوى وجلّت ... بالذكر والوهم تسكر
كم من نفوس بها تسلّت ... فما لها الدهر منكر
يا غصن بان يميل زهوا ... ريّان في روضة الشباب
لو كنت تصغي لرفع شكوى ... أطلت من قصة العقاب
ومن لمثلي ببث نجوى ... للبدر في رفرف السحاب
عزائم الصبر فيك حلّت ... وعقدة الصبر تذخر
قد أكثرت منك ما استقلّت ... وليت لو كنت تشعر
كم ليلة بتّها وبتّا ... ضدين في السهد والرقاد
أسامر النجم فيك حتى ... علّمت أجفانها (٤) السّهاد
أرقب بدر الدجى، وأنتا ... قد لحت في هالة الفؤاد
стр. 3936
نفسي ولّيت ما تولّت ... دعها على الشوق تصبر
لو سمتها الهجر ما تولّت ... ولم تكن عنك تنفر
علّمها الصبر في الحروب ... سلطاننا عاقد البنود
معفّر الصيّد للجنوب ... أعزّ من حفّ بالجنود
نصرت بالرعب في القلوب ... والبيض لم تبرح الغمود
عناية الله فيه حلّت ... بسعده الدين ينصر
والخلق في عصره تملّت ... غنائماً ليس تحصر
مولاي يا نكتة الزمان ... دار بما ترتضي الفلك
جللت باليمن والأمان ... كلّ مليك وما ملك
لم يدر وصفي ولا عياني ... أملك أنت أم ملك
جنودك الغلب حيث حلّت ... بالفتح والنصر تخفر
وعادة الله فيك دلّت ... أنّك بالكفر تظفر
يا آية الله في الكمال ... ومخجل البدر في التمام
قدمت بالعزّ والجلال ... والدهر في ثغره ابتسام
يختال في حلّة الجمال ... والبدر قد عاد في اختتام
ريحانة الفجر قد أطلّت ... خضراء بالزهر تزهر
وراية الصبح قد أظلّت ... في مرقب الشرق تنشر وقال سامحه الله تعالى:
قد طلعت راية الصباح ... وآذن الليل بالرحيل
فباكر الروض باصطباح ... واشرب على زهره البليل
стр. 3937
فالورق هبّت من السّبات ... لمنبر الدوّح تخطب
تسجع مفتنّة اللّغات ... كلّ عن السوق يعرب
والغصن بعد الذهاب ياتي ... لأكؤس الطّلّ يشرب
وأدمع السّحب في انسياح ... في كلّ روض لها سبيل
والجوّ مستبشر النواحي ... يلعب بالصارم الصقيل
قم فاغتنم بهجة النفوس ... ما بين نور وبين نور
وشفّع الصبح بالشموس ... تديرها بيننا البدور
ونبّه الشّرب للكؤوس ... تمزج من ريقة الثغور
ما أجمل الراح فوق راح ... صفراء كالشمس في الأصيل
تغادر الصدر ذا انشراح ... للأنس في طيّه مقيل
ولا تذر خمرة الجفون ... فسكرها في الهوى جنون
ولتخش من أسهم العيون ... فإنّها رائد المنون
عرضت منها إلى الفتون ... وكلّ خطب لها يهون
أهيم بالغادة الرّداح ... والجسم من حبّها عليل
لو بت منها على اقتراح ... نقعت من ريقها الغليل
أواعد الطّيف للمنام ... ومن لعينيّ بالمنام
أسهر في ليلة التمام ... وأنت يا بدر في التمام
وألثم الزهر في الكمام ... عليه من ثغرك ابتسام
سفرت عن مبسم الأقاح ... وريقك العذب سلسبيل
قل لي يا ربّة الوشاح ... هل لي إلى الوصل من سبيل
стр. 3938
يا كعبة الحسن زدت حسنا ... وللهوى حولك المطاف
وغصن بان إذا تثنّى ... لو حان من زهرك القطاف
ألا انعطاف على المعنّى ... فالغصن يزهى بالانعطاف
أصبحت تزهو على الملاح ... بذلك المنظر الجميل
ووجهك الشمس في اتضاح ... لو أنّها لم تكن تميل
ما الزهر إلاّ بنظم درّ ... تحسد في حسنه العقود
للملك الظاهر (١) الأغرّ ... أكرم من حفّ بالسعود
محمد الحمد وابن نصر ... وباسط العدل في الوجود
مساجل السّحب في السماح ... بالغيث من رفده الجليل
ومخجل البدر في اللّياح ... بغرّة ما لها مثيل
يا مشرب الحبّ في القلوب ... وواهب الصفح للصفاح
نصرت بالرعب في الحروب ... والرعب أجدى من السلاح
قد لحت من عالم الغيوب ... لم تعدم الفوز والفلاح
مراكش نهبة افتتاح ... والصنع في فتحها جليل
بشراك بالفتح والنجاح ... والشكر من ذلك القبيل وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
في كؤوس الثغر من ذاك اللّعس ... راحة الأرواح
وتغشّى الروض مسكيّ النفس ... عاطر الأرواح
وكسا الأدواح وشياً مذهبا ... يبهر الشمسا
стр. 3939
عسجد قد حلّ من فوق الربى ... يبهج النفسا
فاتخذ للهو فيه مركبا ... تلحق الأنسا
منبر الغصن عليه قد جلس ... ساجع الأدواح
حلل السندس خضراً قد لبس ... عطفه المرتاح
قم ترى هذا الأصيل شاحبا ... حسنه قد راق
ولأذيال الغصون ساحبا ... في حلى الأوراق
ونديم قال لي مخاطبا ... قول ذي إشفاق
عادة الشمس بغرب تختلس ... هات شمس الراح
إن أرانا الجوّ وجهاً قد عبس ... أوقد المصباح
ووجوه الشّرب تغني عن شموس ... كلّما تجلى
بلحاظ أسكرتنا عن كؤوس ... خمرها أحلى
مظهرات من خفايا في النفوس ... سوراً تتلى
ما زمان الأنس إلاّ مختلس ... فاغتنم يا صاح
وعيون الشّهب تذكي عن حرس ... تخصم النّصّاح
ما ترى ثغر الوميض باسما ... يظهر البشرا
وثناء الروض هبّ ناسما ... عاطراً نشرا
بث من أزهاره دراهما ... قائلاً: بشرى
ركب المولى مع الظهر الفرس ... وشفي (١) وارتاح
بجنود الله دأباً يحترس ... إن غدا أو راح
стр. 3940
وجب الشكر علينا والهنا ... بعضنا بعضا
فزمان السعد وضّاح السنا ... وجهه الأرضى
أثمرت فيه العوالي بالمنى ... ثمراً غضّا
يجتني الإسلام منها ما اغترس ... سيفه السفّاح
في ضمير النّقع منها قد هجس ... شهب تلتاح
يا إماماً بالحسام المنتضى ... نصر الحقّا
ثغرك الوضّاح مهما أومضا ... أخجل البرقا
وديون السعد منه تقتضى ... توسع الحقّا
لك وجه من صباح مقتبس ... بشره وضّاح
وجميل الصفح منه ملتمس ... منعم صفّاح
هاكها تمزج لطفاً بالنّسيم ... كلّما هبّا
قد أتت بالبرّ والصنع الجسيم ... تشكر الربّا
أخجلت من قال في الصبح الوسيم ... مغرماً صبّا
" غرد الطير فنبّه من نعس " (١) ... يا مدير الراح
" وتعرّى الفجر عن ثوب الغلس " ... وانجلى الإصباح وقال أيضاً سامحه الله تعالى:
قد أنعم الله بالشفاء ... واستكملت راحة الإمام
فلتنطق الطير بالهناء ... وليضحك الزهر في الكمام
وجوده بهجة الوجود ... وبرؤه راحة النفوس
стр. 3941
قد لاح في مرقب السعود ... واستبشرت أوجه الشموس
فالدوح يومي إلى البنود ... أكمامه غطّت (١) الرؤوس
والزّهر في روضة السّماء ... كالزهر قد راق بابتسام
والصبح مستشرف اللواء ... والبدر مستقبل التّمام
محاسن الكون قد تجلّت ... جمالها العقل يبهر
عرائس بالبها تحلّت ... والطلّ في الحلي جوهر
وألسن الورق قد أملّت ... مدائحاً عنه تشكر
تستوقف الخلق بالغناء ... كأنّها تحسن الكلام
تطنب لله في الثّناء ... تقول سلّمت يا سلام
كم من ثغور لها ثغور ... تبسم إذ جاءها البشير
ومن خدور بها بدور ... يشير منها له المشير
تقول إذ حفّها السرور ... تبارك المنعم القدير
قد أنعم الله بالبقاء ... في ظلّ مولى به اعتصام
قد صادف النّجح في الدواء ... فالداء عنّا له انفصام
يهنيك مولاي بل يهنّى ... ببرئك الدين والهدى
فالغرب والشرق منك يعنى ... بمذهب الخطب والردى
والله لولاك ما تهنّا ... ما فيه من سطوة الردى
يا مورد الأنفس الظماء ... قد كان يشتفّها الأوام
وقرّة العين بالبهاء ... رددت للأعين التمام
стр. 3942
لو أبذل الروح في البشاره ... بذلت بعض الذي ملك
فأنت يا نفس مستعاره ... مولاي بالفضل جمّلك
لم أدر إذ سطّر العباره ... أملك هو أم ملك
لا زلت مولاي في هناء ... مبلّغ القصد والمرام
ودمت للملك في اعتلاء ... تسحب أذياله الغمام
وقال في مالقة:
عليك يا ريّة السلام ... ولا عدا ربعك المطر
مذ حلّ في قصرك الإمام ... فقربك السؤل والوطر
والدوح في روضك الأنيق ... للشكر قد حطّت الرؤوس (١)
والغصن في نهره غريق ... وفي حلاه كما عروس
والجو من وجهك الشريق ... تحسده أوجه الشموس
وأعين الزهر لا تنام ... تستعذب السّهد والسهر
تنفث من تحتها الغمام ... ترقيك من أعين الزهر
عروسة أنت يا عقيله ... تجلى على مظهر الكمال
مدت لك الكفّ مستقيله ... تمسح أعطافك الشمال
والبحر مرآتك الصقيله ... تشف عن ذلك الجمال
والحلي زهر له انتظام ... يكلّل القضب بالدرر
قد راق من ثغره ابتسام ... والورد في خدّها خفر
стр. 3943
إن قيل من بعلها المفدّى ... ومن له وصلها مباح
أقول أسنى الملوك رفدا ... مخلد الفخر بالصفاح
محمد الحمد حين يهدى ... ثناؤه عاطر الرياح
تخبر عن طيبه الكمام ... والخبر يغني عن الخبر
فالسعد والرعب والحسام ... والنصر آياته الكبر
ذو غرّة تسحر البدورا ... وطلعة تخجل الصّباح
كم راية سامها ظهورا ... تظلّل الأوجه الصّباح
وكم جهاد جلاه نورا ... أظفر بالفوز والنّجاح
الطاهر الظاهر الهمام ... أعزّ من صال وافتخر
لسيفه في العدا احتكام ... جرى به سابق القدر
يا مرسل الخير في الغوار ... لو تطلب البحر تلحق
لك الجواري إذا تجاري ... سوابق الشّهب تسبق
تستنّ في لجة البحار ... فالكفر منهن يفرق
فالدين وليقصر الكلام ... بسيفك اعتزّ وانتصر
كذاك أسلافك الكرام ... هم نصروا سيّد البشر
وقال من غير هذا البحر في المحدث (١) بمالقة:
قد نظم الشمل أتمّ انتظام ... واغتنم الأحباب قرب الحبيب
واستضحك الروض ثغور الغمام (٢) ... عن مبسم الزهر البرود الشّنيب
стр. 3944
وعمّم النّور رؤوس الرّبى ... وجلّل النّور صدور البطاح
وصافح القضب نسيم الصّبا ... فالزهر يرنو عن عيون وقاح
وعاود النهر زمان الصّبا ... فقلّد الزهر (١) مكان الوشاح
وأطلع القصر برود التّمام ... في طالع الفتح القريب الغريب
خدودها قامت مقام الغمام ... فلا اشتكى (٢) من بعدها بالمغيب
أصبحت يا ريّة مجلى النفوس ... جمالك العين بها يبهر
والبشر يسري في جميع الشموس ... وراية الأنس بها تشهر
والدوح للشكر تحطّ الرؤوس ... وأنجم الزهر بها تزهر
وراجع النهر غناء الحمام ... وقد شدت تسجع سجع الخطيب
بمنبر الغصن الرشيق القوام ... لمّا انثنى يهفو بقدّ رطيب
يا حبّذا مبناك فخر القصور ... بروجه طالت بروج السما
ما مثله في سالفات العصور ... ولا الذي شاد ابن ماء السّما
كم فيه من مرأى بهيج ونور ... في مرتقى الجوّ به قد سما
خليفة الله ونعم الإمام ... أتحفك الدهر بصنعٍ عجيب
يهنيك شمل قد غدا في التئام ... ممهداً في ظلّ عيش خصيب
نواسم الوادي بمسك تفوح ... ونفحة النّدّ به تعبق
وبهجة السكّان فيه تلوح ... وجوّه من نورهم يشرق
وروضه بالسرّ منه يبوح ... بلابل عن وجده تنطق
стр. 3945
لو أنّ من يفهم عنها الكلام ... فهي تهنيك هناء الأديب
ونهره قد سلّ منه الحسام ... يلحظه النرجس لحظ المريب
فأجمل الأيام عصر الشباب ... وأجمل الأجمل يوم اللّقا
يا درّة القصر وشمس القباب ... وهازم الأحزاب في الملتقى
بشّرك الربّ بحسن المآب ... متّعك الله بطول البقا
ولا يزال القصر قصر السلام ... يختال في برد الشباب القشيب
يتلو عليك الدهر في كلّ عام: ... ﴿نصر من الله وفتح قريب﴾
وقال من المخلع في الشفاء:
في طالع اليمن والسعود ... قد كملت راحة الإمام
فأشرق النور في الوجود ... وابتسم الزهر في الكمام
قد طلعت راية النجاح ... وانهزم البؤس والعنا
وقال حيّ على الفلاح ... مؤذّن القوم (١) بالمنى
فالدهر يأتي بالاقتراح ... مستقبلاً أوجه الهنا
تخفق منشورة البرود ... والسعد يقدم من أمام
والأنس مستجمع الوفود ... واللطف مستعذب الجمام
وأكؤس الطلّ مترعات ... بأنمل السوسن الندي
والطير مفتنّة اللغات ... تشدو بأصوات معبد
والغصن يذهب ثم يأتي ... بالسندس الغضّ مرتدي
стр. 3946
والدوح يومي إلى السجود ... شكراً لذي الأنعم الجسام
والريح خفّاقة البنود ... تباكر الروض بالغمام
مظاهرٌ للجمال تجلى ... قد هزّ أعطافها السرور
وباهر الحسن قد تجلّى ... ما بين نور وبين نور
قد هنأت بالشفاء مولى ... بعصره تفخر العصور
ما بين بأس وبين جود ... قد مهّد الأمن للأنام
فالدين ذو أعين رقود ... وكان لا يطعم المنام
والكاس في راحة السقاة ... تروح طوراً وتغتدي
يهديكها رائق السّمات ... ما بين برق وفرقد
والشمس تذهب للبيات ... قد لبست ثوب عسجد
والزهر في اليانع المجود ... يقابل الشّرب بابتسام
والروض من حلية الغمود ... قد جرّد النهر عن حسام
مولاي يا أشرف الملوك ... وعصمة الخلق أجمعين
أهديك من جوهر السلوك ... يقذفه بحرك المعين
جعلت تنظيمه سلوكي ... وأنت لي المنجد المعين
تحيّة الواحد المجيد ... ورحمة الله والسّلام
عليك من راحم ودود ... يا مخجل البدر في التمام
وقال من الرمل المجزوء:
وجه هذا اليوم باسم ... وشذا الأزهار ناسم
стр. 3947
هاتها صاح كؤوسا ... جالبات للسرور
وارتقب منها شموسا ... طالعات في حبور
ما ترى الروض عروسا ... في حلى نورٍ ونور
وأتت رسل النواسم ... تجتلي هذي النواسم
قد أهلّت بالبشائر ... أضحكت ثغر الأزاهر
سنحت في يمن طائر ... ونظمن كالجواهر
فانشروها في العشائر ... إنّ هذا الصنع باهر
وأشيعوا في العوالم ... الغني بالله سالم
أيّ نور يتوقد ... أيّ بدر يتلالا
أيّ فخر يتخلّد ... أيّ غيث يتوالى
إنّما المولى محمد ... رحمة الله تعالى
كفّه بحر المقاسم ... وبها حجّ المباسم
خير أملاك الزّمان ... من بني سعد ونصر
ما ترى أنّ الشّواني ... في صعيد البرّ تجري
قد أطارتها التهاني ... دون بحريّ وبحر
مذ رأت بحر النّعائم ... كلّها جارٍ وعائم
فهنيئاً بالشفاء ... يا أمير المسلمينا
ولنا حقّ الهناء ... وجميع العالمينا
إن جهرنا بالدعاء ... ينطق الدهر أمينا
دمت محروس المكارم ... بظبي البيض الصوارم
стр. 3948
وقال يهني السلطان موسى ابن السلطان أبي عنان، وقد وجه إليه الغني بالله أمه وعياله عند تملّكه المغرب من قبله:
قد نظم الشمل أتمّ انتظام ... ولاحت الأقمار بعد المغيب
وأضحك الروض ثغور الغمام ... عن مبسم الزهر البرود الشنيب
وعاود الغصن زمان الصّبا ... وأشرب الأنس جميع النفوس (١)
وعمّم النّور رؤوس الربى ... وجلّل النور وجوه الشموس
وأطرب الغصن نسيم الصّبا ... فالدوح للشكر تحطّ الرؤوس
واستقبل البدر ليالي التمام ... وصافح الصبح بكفّ خضيب
وراجع الأطيار سجع الحمام ... بكلّ ذي لحن بديع غريب
نواسم الوادي بمسك تفوح ... ونفحة الندّ به تعبق
وبهجة السكان فيه تلوح ... وجوّه من نوره يشرق
وعرفه بالطيب منه يفوح ... كأنّه من عنبر يفتق
والنهر قد سلّ كمثل الحسام ... حبابه تطفو وطوراً تغيب
وثغرها قد راق منه ابتسام ... يهنّىء الحبّ بقرب الحبيب
كواكب أبراجهن الخدور ... يلوح عنها كلّ بدر لياح
جواهر أصدافهن القصور ... نظمها السعد كنظم الوشاح
يا حبّذا والله ركب السرور ... يبشّر المولى بنيل اقتراح
ابتهج الكون بموسى الإما ... واختال في برد الشباب القشيب
وعاده يخدم مثل الغلام ... شبابه قد عاد بعد المشيب
стр. 3949
أكرم به والله وفد الكريم ... مولى سنا (١) الحرة في مقدمه
مرضاتها تحطي بدار النعيم ... وتوجب التوفيق من منعمه
بشّر بالنصر وفتح جسيم ... وخيره أجمع في مقدمه
لقاؤها المبرور مسك الختام ... بشّرك الله بصنع عجيب
وقصرك الميمون قصر السلام ... خطّ يحفظ من سميع مجيب
مولاي يهنيك وحقّ الهنا ... قد نظم الشمل كنظم السعود
قد فزت بالفخر ونيل المنى ... وأنجز السعد جميع الوعود
وقرّت العين وزال العنا ... وكلّما مرّ صنيع يعود
فلا يزل ملكك حلف الدوام ... يحوز في التخليد أو في نصيب
يتلو عليك الدهر بعد السلام: ... ﴿نصر من الله وفتح قريب﴾
وقال رحمه الله تعالى في وصف غرناطة والطرد وغيرهما:
لله ما أجمل روض الشباب ... من قبل أن يفتح زهر المشيب
في عهده أدرت كأس الرّضاب ... حبابها الدرّ بثغر الحبيب
من كلّ من يخجل بدر التمام ... إذا تبدّى وجهه للعيون
ويفضح الغصن بلين القوام ... وأين منه لين قدّ الغصون
ولحظه يمضي مضاء الحسام ... ويذهل العقل بسحر الجفون
أبصرت منه إذ يحطّ النّقاب ... شمساً ولكن ما لها من مغيب
إذا تجلّت بعد طول ارتقاب ... صرفت عنها اللحظ خوف الرقيب
стр. 3950
من عاذري منه فؤاداً صبا ... للامع البرق وخفق الرياح
يطير إن هبّ نسيم الصبّا ... تعيره الريح خفوق الرياح
ما أولع الصبّ بعهد الصّبا ... وهل على من قد صبا من جناح
فقلبه من شوقه في التهاب ... قد أحرق الأكباد منه الوجيب
والجفن منه سحبه في انسكاب ... قد روّض الخدّ بدمع سكيب
غرناطة ربع الهوى والمنى ... وقربها السؤل ونيل الوطر
وطيبها بالوصل لو أمكنا ... لم أقطع الليل بطول السهر
عمّا قريب حقّ فيها الهنا ... بيمن ذي العودة بعد السفر
ويحمد الناس نجاح الإياب ... بكل صنع مستجدّ غريب
ويكتب الفال على كلّ باب: ... ﴿نصر من الله وفتح قريب﴾
ما لذة الأملاك إلاّ القنص ... لأنّه الفال بصيد العدا
كم شارد جرّع فيه لاغصص ... وأورد المحروب ورد الردى
وكم بذا الفحص لنا من حصص ... قد جمع البأس بها والندى
ومنها بعد أبيات من الوزن والروي:
مولاي مولاي، وأنت الذي ... جدّدت للأملاك عهد الجلال
والشمس والبدر من العوّذ ... لمّا رأت منك بديع الجمال
والروض في نعمته يغتذي ... بطيب ما قد حزته من خلال
بشراك بشراك بحسن المآبْ ... تستضحك الروض بثغر شنيب
ودمت محروس العلا والجناب ... بعصمة الله السميع المجيب انتهى ما انتقيته من كلام ابن زمرك من كتاب ابن الأحمر، رحمه الله
стр. 3951
تعالى. وقد عرفت منه ما تسنى للغني بالله ابن الأحمر من الفتوحات والسعود ونفاذ الأمر على ملوك المغرب، فهو الأحق بقول لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى:
ملك إذا عاينت منه جبينه ... فارقته والنور فوق جبيني
وإذا لثمت يمينه وخرجت من ... أبوابه لثم الملوك يميني وكان الغني بالله المذكور معتقداً في الصالحين، حتى إنّه كتب وهو بفاس مخلوع إلى ضريح ولي الله سيدي أبي العباس السبتي بمراكش، ومن إنشاء وزيره لسان الدين على لسانه:
يا وليّ الإله أنت مطاع ... الأبيات والنثر بعدها، وقد ذكرتهما في الباب الخامس فراجعه (١) ، وكان ذلك بفضل الله تعالى عنوان رجوعه إلى ملكه، ونظم تلك الأماكن في سلكه، حتى حصل له من السعد ما لم يحصل لغيره حسبما يعلم ذلك من كلام لسان الدين وابن زمرك وغيرهما.
[ترجمة الولي السبتي]
والسبتي المذكور: هو سيدي أبو العباس أحمد بن جعفر السبتي الخزرجي (٢) ، الولي الصالح العالم العارف بالله القطب ذو الكرامات الشهيرة، والمناقب الكثيرة، والأحوال الباهرة، والفضائل الظاهرة، والأخلاق الطاهرة،
стр. 3952
نزيل مراكش، وبها توفّي سنة إحدى وستمائة، وولادته بسبتة عام أربعة وعشرين وخمسمائة، ودفن خارج مراكش، وقبره مشهور مقصود بإجابة الدعاء، وقد زرته مراراً كثيرة، فرأيت عليه من ازدحام الناس ما لا يوصف، وهو ترياق مجرب.
قال لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى: كان سيدي أبو العباس السبتي - رضي الله تعالى عنه - مقصوداً في حياته، مستغاثاً به في الأزمات، وحاله من أعظم الآيات الخارقة للعادة، ومبنى أمره على انفعال العالم عن الجود، وكونه حكمة في تأثير الوجود (١) ، له في ذلك أخبار ذائعة وأمثال باهرة؛ ولمّا توفّي ظهر هذا الأثر على تربته، وتشبث بلحده، وانسحب على مكانه عادة حياته، ووقع الإجماع على تسليم هذه الدعوى، وتخطى الناس مباشرة قبره بالصدقة إلى بعثها له من أماكنهم على بعد المدى، وانقطاع الأماكن القصى (٢) ، تحملهم أجنحة نياتهم فتهوي إليه بمقاصدهم من كل فج عميق، فيجدون الثمرة المعروفة والكرامة المشهورة.
وقال ابن الزيات (٣) : كان أبو العباس قد أعطي بسطة في اللسان، وقدرةً على الكلام، لا يناظره أحد إلا أفحمه، ولا يسأله إلا أجابه، كأن القرآن والحجج على طرف لسانه حاضرة، يأخذ بمجامع القلوب، ويسحر العامة والخاصة ببيانه، يأتيه المنكرون للإنكار فما ينصرفون إلا مسلّمين منقادين، وشأنه كلّه عجيب، وهو من عجائب الزمانز وحدثني مشايخنا أنهم سمعوه يقول: أنا
стр. 3953
القطب. وحدثني أبو الحسن الصنهاجي من خواص خدّامه قال: خرجت معه مرة لصهريج غابة الرمان يوم عرفة، فجلسنا هناك وصلينا، فقال لي: إنّما سمي هذا اليوم يوم عرفة لانتشار الرحمة فيه لمن تعرّف إليه بالطاعات، وقد فاتنا عرفة، فتعال نمثل بهذا المكان ونعمل كما يعملون، لعلّ الله تعالى يتغمدنا برحمته معهم، فعمل (١) مكاناً داثراً بالعين الكعبة، ومحل عنصر الماء الحجر، وموضعاً آخر مقام إبراهيم، فطاف بالعين أسبوعاً وأنا أطوف بطوافه، وكبر على العنصر في كل طواف، وصلى في مثل (٢) المقام ركعتين تامتين، وأطال في سجود الثانية، ثم استند إلى الشجرة ثم قال لي: يا علي، اذكر كل حاجة لك من حوائج دنياك تقض، فإن الله تعالى وعد في هذا اليوم من تعرّف له أن يقضي حوائجه، فقلت له: ما أريد إلاّ التوفيق، فقال لي: ما خرجت معك من باب المدينة حتى وفقت، فسألته عن حاله من بدايته إلى نهايته، وبم تنفعل له الأشياء ويستجاب له الدعاء ولم صار يأمر بالصدقة والإيثار من شكا إليه حالاً أو تعذّر عليه مطلب في هذه الدار فقال لي: ما آمر الناس إلا بما ينتفعون به، وإنّي لمّا قرأت القرآن وقعدت بين يدي الشيخ أبي عبد الله الفخار تلميذ القاضي عياض ونظرت في كتب الأحكام وبلغت من السن عشرين سنة وجدت قوله تعالى ﴿إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ فتدبرته وقلت: أنا مطلوب به، فلم أزل أبحث عنها (٣) إلى أن وقفت على أنّها نزلت حين آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وأنّهم سألوا النبي ﷺ أن يعلمهم حكم المؤاخاة، فأمرهم بالمشاطرة، ففهمت أن العدل المأمور به في الآية هو المشاطرة، ثم نظرت إلى حديث " تفترق أمتي على ثلاثين فرقة - الحديث " وأنّه ﷺ
стр. 3954
قاله صبيحة اليوم الذي آخى فيه ببن المهاجرين والأنصار، وذكر له الأنصار أنّهم شاطروا المهاجرين، فقال لهم ذلك بأثره (١) ، فعلمت أن الذي هو عليه وأصحابه المشاطرة والإيثار، فعقدت مع الله تعالى نيّة أن لا يأتيني شيء إلا شاطرت فيه الفقراء، فعملت (٢) عليه عشرين سنة، فأثمر لي الحكم بالخاطر (٣) ، فلا أحكم على خاطري بشيء إلا صدق، فلمّا أكملت أربعين سنة راجعت تدبر الآية فوجدت الشطر هو العدل، والإحسان ما زاد عليه، فعقدت مع الله تعالى نيّة لا يأتيني قليل ولا كثير إلا أمسكت ثلثه وصرفت الثلثين لله تعالى، فعملت عليه عشرين سنة، فأثمر لي الحكم في الخلق بالولاية والعزل فأولي من شئت، وأعزل من شئت، ثم نظرت بعد ذلك في أوّل ما فرضه الله تعالى على عباده في مقام الإحسان، فوجدت شكر النعمة، بدليل إخراج الفطرة عن المولود قبل أن يفهم ووجدت أصناف من تصرف إليهم الصدقات (٤) الواجبة [سبعة] وسبعة أصناف أخر صرفها فيها للإحسان والزيادة، وذلك أن لنفسك عليك حقّاً، وللزوجة حقّاً، وللرحم حقّاً، ولليتيم حقّاً، وللضعيف حقّاً، وذكر صنفين آخرين، فانتقلت لهذه الدرجة، وعقدت مع الله تعالى عقداً أن كل ما يأتيني أمسك سبعيه حق النفس وحق الزوجة وأصرف الخمسة أسباع لمستحقيها، فأقمت عليه أربعة عشر عاماً، فأثمر لي الحكم في السماء، فمتى قلت يا رب قال لي: لبيك، ثم قال لي: إنّها نهايتي بتمام عمري، وهو أن تنقضي لي ستة أعوام تكملة العشرين عاماً.
قال الصنهاجي: فأرخت ذلك اليوم، فلمّا مات وحضرت جنازته تذكرت التاريخ المكتوب، وحققت العدد، فنقصت من ستّة أعوام ثلاثة أيام خاصة،
стр. 3955
فيحتمل أن تكون من الشهور الناقصة، والله أعلم بالصواب.
وقال أبو بكر ابن مساعد: جاء بعض السلاطين إلى أبي العباس وهو راكب، وقال له: إلى متى تحيرنا ولا تصرح لنا عن الطريق فقال له: هو الإحسان، فقال له: بيّن لي، فقال له: كل ما أردت أن يفعله الله تعالى معك فافعله مع عبيده.
وقال له أبو الحسن الخباز (١) : أما ترى ما فيه الناس من القحط والغلاء فقال: إنّما حبس المطر لبخلهم، فلو تصدقوا لمطروا، فقل لأصحابك الفلاحين: تصدقوا بمثل ما أنفقتم تمطروا، فقال له: لا يصدقني أحد، ولكن مرني في خاصة نفسي، فقال له: تصدق بمثل ما أنفقت، فقال له: إن الله تعالى لا يعامل بالدّين، ولكن أستسلف، فاحتال وتصدق بها كما أمره، قال: فخرجت إلى البحيرة التي عمرتها والشمس شديدة الحر، فأيت من المطر، ورأيت جميع ما غرست مشرفاً على الهلاك، فأقمت ساعة فإذا سحابة أمطرت البحيرة حتى رويت، وظننت أن الدنيا كلّها مطرت، فخرجت فإذا المطر لم يتجاوزها؛ انتهى.
والحكايات عنه في مثل هذا كثيرة.
وقال ابن الخطيب القسمطيني في رحلته (٢) : حضرت عند الحاج الصالح الورع الزاهد أبي العباس أحمد بن عاشر بمدينة سلا، وقد سأله أحد الفقراء عن كرامة الأولياء، فقال له: لا تنقطع بالموت الكرامة، انظر إلى السبتي، يشير إلى الشيخ الفقيه العالم المحقق أبي العباس السبتي المدفون بمراكش، وما ظهر عند قبره من البركات في قضاء الحاجات بعقب الصدقات، سمعت يهوديّاً بمراكش يلهج ببركته وينادي باسمه في أمر أصابه لا مع المسلمين، فسألته عن سببه،
стр. 3956
فأخبر أنّه وجد بركته في غير موطن، فسألته عمّا بدا له في وقت (١) ، فقال لي: وحق ما أنزل على موسى بن عمران ما أذكر لك إلا ما اتفق لي، سريت ليلة مع قافلة في مفازة، فعجرت دابتي، فما شككت في قتلي وسلب مالي، فجلست وبكيت، وبيني وبين الناس بعد، وقلت: يا سيدي أبا العباس، خاطرك، قال لي: والله ما أتممت الكلام إلاّ وأهل القافلة أصابهم سبب وقفوا به، وضربت دابتي، وخف عرجها، ثم زال، واتصلت بالناس، فقلت له: لم لم تسلم فقال: حتى يريد الله تعالى، وعجبت من كون ذلك من يهودي، وهذه شهادة من عدوّ في الدين. ولقد وقفت على قبره مرات، وسألت الله تعالى في أشياء يسّر لي فيها سؤلي: منها أن أكون ممّن يشتغل بالعلم ويوصف به، وأن ييسر عليّ فهم كتب عينتها، فيسر الله تعالى عليّ ذلك في أقرب مدّة. وكان السبتي آية في أحواله، ما أدرك صحبته إلاّ الخواص من الناس، وكان أصل مذهبه الحض على الصدقة، وكان أمره عجباً في إجابة الدعاء بنزول المطر، واختصاصه بمكان دون آخر، وقال لأصحابه: أنا القطب، وكان تفقّه على أبي عبد الله الفخار، ووقفت على قبره، وله بركات وأنوار. وكان السبتي آية في المناظرة، وأوذي باللسان كثيراً جدّاً فصفح وتجاوز.
ورأى (٢) عبد الرحمن بن يوسف الحسني النبي ﷺ في النوم، فقال له: يا رسول الله، ما تقول في السبتي قال: وكنت سيىء الاعتقاد فيه، فقال لي بعد أن تبسّم: هو من السّبّاق، قال: فقلت بيّن لي يا رسول الله، فقال: هو ممّن يمر على الصراط كالبرق، قال: فخرجت بعد الصبح، فلقيني أبو العباس، فقال لي: ما رأيت وما سمعت والله لا تركتك (٣) حتى
стр. 3957
تعرفني، فعرفته، فصاح: كلمة الصفا من المصطفى ﷺ ؛ انتى ببعض اختصار.
وقال ابن الزيات: وحدثني أبو العباس الصنهاجي وغيره أن رجلاً يعرف بابن الشكاز (١) ، وكان غنياً فدار عليه الزمان وافتقر، حدّث أنّه وصل لأبي العباس السبتي وعليه ثوب خلق تظهر منه عورته، فشكا إليه حالته، فأخذ بيده إلى أن خرج معه من باب تاغزوت، فجاء إلى مطهرة هنالك، قال: فدخل أبو العباس المطهرة وتجرّد من أثوابه وناداني، وقال لي: خذ هذه الثياب، فأخذتها، وكان بعد العصر، فأردت أن أرى ما يكون من أمره، فصعدت إلى حائط هناك إلى قرب المغرب، فإذا بفتى خرج من الباب على دابة معه رزمة ثياب، فلمّا رأيته نزلت إليه، فقال لي: أين الفقيه أبو العباس فقلت: ها هو في الساقية عريان، فقال لي: أمسك الدابة، فسمعت الفقيه يقول له: أين تلك الثياب فأخذها منه وخرج، فلمّا رآني قال لي: وما لك هنا قلت: يا سيدي خفت عليك، فلم أقدر على الانصراف وأتركك، فقال لي: أفترى الذي فعلت ما فعلت له يتركني ثم سألت الفتى عن سبب وصوله إليه، فذكر له أن إحدى الكرائم أمرته أن يحمل إليه تلك الثياب، وقالت له: لا تدفعها إلا للفقيه، ولا يلبسها إلاّ هو، وهذه قصّة صحيحة مشهورة.
وقال ابن الخطيب: وروضته بباب تاغزوت أحد أبواب مراكش غير حافلة البناء، ربما يتبرع متبرع باحتفالها فلا تساعده الأقدار، وزرتها، وربما شاهدت في داخلها أشياخاً من أهل التعفف والتصوّف يسارقون خفية الناظر إلى مساقط رحمات الله تعالى عليها لكثرة زائريها، فيقتحم (٢) ذو الحاجة بابها خالعاً نعله مستحضراً نيته ويقعد بإزاء القبر ويخاطبه بحاجته، ويعين بين يدي النجوى صدقة
стр. 3958
على قبره، ويدسها في أواني في القبر معدة لذلك، ومن عجز عن النقدين تصدق بالطعام ونحوه، فإذا خف الزائرون آخر النهار عمد القائم إلى التربة إلى ما أودع هناك في تلك الأواني وفرّقه على المحاويج الحافّين بالروضة، ويحصون كل عشية، ويعمهم الرزق المودع فيها، وإن قصر عنهم كملوه في غده.
قال ابن الخطيب لسان الدين: وترافع خدام الروضة لقاضي البلد، وتخاصموا في أمر ذاك الرزق المودع هناك، فسألهم القاضي عن خرجه اليوم، فقالوا: يحصل في هذه الأيام في اليوم الواحد ثمانمائة مثقال ذهباً عيناً، وربما وصل في بعض الأيام لألف دينار فما فوقها، فروضة هذا الوليّ ديوان الله تعالى في المغرب لا يحصى دخله ولا تحصر جبايته، فالتبر يسيل، واللجين يفيض، وذو الحاجة كالطير تغدو خماصاً وترجع بطاناً؛ يختص برحمته من يشاششء والله ذو الفضل العظيم.
قال: وأنا ممّن جرب المنقول عن القبر، فاطّرد القياس، وتزيفت الشبهة، وتعرفت من بدء زيارته ما تحقّقت من بركته، وشهد على برهان دعوته؛ انتهى.
وقال الشيخ أبو الحجاج يوسف التادلي في كتابه " التشوّف إلى رجال التصوّف " (١) : كان أبو العباس جميل الصورة، أبيض اللون، حسن الثياب، فصيح اللسان، مقتدراً على الكلام، حليماً صبوراً، يحسن إلى من يؤذيه، ويحلم على من يسفه عليه، رحيماً عطوفاً محسناً إلى اليتامىة والأرامل، يجلس حيث أمكنه الجلوس من الطرق والسوق، ويحض على الصدقة، ويذكر في فضلها آيات وأحاديث، ويأخذها ويفرقها على المساكين، ويرد أصول الشرع إلى الصدقة، ويفسّرها بها، ويقول: معنى قول المصلي الله أكبر أي: من أن نضن عليه بشيء، فمن رأى شيئاً من متاع الدنيا في نفسه أكبر فلم يحرم ولا كبّر، ومعنى رفع اليدين للتكبير: تخليت من كل شيء لا قليلاً ولا كثيراً،
стр. 3959
وهكذا يتكلم بنحو هذا في جميع العبادات، ويقول: سرّ الصوم أن تجوع، فإذا جعت تذكرت الجائع، وما يقاسيه من نار الجوع، فتتصدق عليه، فمن صام ولم يعطف على الجائع فكأنّه لم يصم، إلى غير ذلك من كلامه في مثل هذا.
وكان إذا أتاه امرؤ يأمره بالصدقة، ويقول له: تصدق، ويتفق لك ما تريده، وأخباره في ذلك كثيرة عجيبة.
قال التادلي: وحدثني ولده الفقيه أبو عبد الله عن أبيه أنّه قال: كان ابتداء أمري وأنا صغير أنّي سمعت كلام الناس في التوكل، ففكرت في حقيقته (١) فرأيت أنّه لا يصح إلا بترك شيء، ولم يكن عندي منه [بد] ، فتركت الأسباب، واطّرحت العلائق، ولم تتعلّق نفسي بمخلوق، فخرجت سائحاً متوكّلاً، وسرت نهاري كلّه فأجهدني الجوع والتعب، وقد نشأت في رفاهية [من العيش] (٢) ، وما مشيت قط على قدمي، فبلغت قرية فيها مسجد، فتوضأت ودخلت المسجد فصليت المغرب ثم العشاء، وخرج الناس، فقمت لأصلي، فلم أقدر من شدة الجوع والتألّم بالمشي، فصليت ركعتين، وجلست أقرأ القرآن إلى أن مضى جزء من الليل، فإذا قارع يقرع الباب بعنف، فاستجاب له صاحب الدار، فقال له: هل رأيت بقرتي فقال: لا، فقال: إنّها ضلت وقد أكثر عجلها من الحنين فطلبتها فلم نجدها في القرية، فقال أحدهم: لعلّها [دخلت] في المسجد وقت العتمة، ففتحوا باب المسجد ودخلوا فوجدوني، فقال صاحب البقرة: ما أظنّك أكلت الليلة شيئاً، فذهب وجاءني بكسرة خبز وقدح لبن، ثم ذهب ليأتيني بالماء فوجد بقرته في داخل الدار، فخرج لجيرانه وقال لهم: ما زالت البقرة من الدار، وما كان خروجي إلا لهذا الفتى الجائع في المسجد، ثم رغّبني أن أمشي معه لمنزله، فأبيت.
стр. 3960
وكان في أول أمره يسكن في الفندق (١) ويعلّم الحساب والنحو ويأخذ الأجرة على ذلك، وينفقها على طلبة العلم الغرباء، ويمشي في الأسواق، ويذكّر الناس، ويضربهم على ترك الصلاة، ويأتي بالطعام على رأسه.
وبات ليلة عند الطلبة فارتفعت أصواتهم بالمذاكرة، فإذا بالحرس قد قرعوا باب الفندق فقام إليهم القيّم بخدمته، فقالوا له: ما تعلمون أن من رفع صوته باللّيل يقتل ثم قعد اثنان من الحرس على باب الفندق ليحملونا إذا طلع الفجر للوالي (٢) ، فجاء القيّم فأخبرنا فأدركنا خوف عظيم، وأيقنّا بالهلاك، فأخذ أبو العباس في الضحك ولا يبالي، ثمّ خلا بنفسه عند السحر ساعة ثم قال لنا: لا خوف عليكم، قد استوهبتكم من الله تعالى، وهذان الحرسيان الواقفان غداً يقتلان إن شاء الله تعالى، فقيل له: الجزاء عندك على الأفعال من الخير والشر، وهما لا يفعلا ما يوجب قتلهما، بل جزاؤهما يروّعان كما روّعانا، فقال: العلماء ورثة الأنبياء، وترويعكم عظيم لا يقابله منهم إلا القتل، فمازلنا نعارضه في ذلك حتى قال: عقوبتهما أن يضرب كل واحد منهما مائة سوط، ثم اجتاز عبد الله الخرّاز صاحب الوقت بالجامع الأعظم، فوجد حانوته (٣) مفتوحاً، ورأى الحرسيين على قرب، فلم يشكّ أنهما حلاّه (٤) ، فحملا إلى ربحة القصر قبل طلوع الفجر، فقال لنا أبو العباس: احضروا على ضربهما كما أرادا قتلكم، فتبعناهما، وحضرنا حتى ضرب كل واحد مائة سوط.
وكراماته ومناقبه كثيرة لا تحصى.
وكان يقول (٥) : أصل الخير في الدنيا والآخرة الإحسان، وأصل الشرّ فيهما البخل، قال الله تعالى " فأمّا من أعطى (الليل: ٥) وقال عن إبليس " ثمّ