فأخبر أنّه وجد بركته في غير موطن، فسألته عمّا بدا له في وقت (١) ، فقال لي: وحق ما أنزل على موسى بن عمران ما أذكر لك إلا ما اتفق لي، سريت ليلة مع قافلة في مفازة، فعجرت دابتي، فما شككت في قتلي وسلب مالي، فجلست وبكيت، وبيني وبين الناس بعد، وقلت: يا سيدي أبا العباس، خاطرك، قال لي: والله ما أتممت الكلام إلاّ وأهل القافلة أصابهم سبب وقفوا به، وضربت دابتي، وخف عرجها، ثم زال، واتصلت بالناس، فقلت له: لم لم تسلم فقال: حتى يريد الله تعالى، وعجبت من كون ذلك من يهودي، وهذه شهادة من عدوّ في الدين. ولقد وقفت على قبره مرات، وسألت الله تعالى في أشياء يسّر لي فيها سؤلي: منها أن أكون ممّن يشتغل بالعلم ويوصف به، وأن ييسر عليّ فهم كتب عينتها، فيسر الله تعالى عليّ ذلك في أقرب مدّة. وكان السبتي آية في أحواله، ما أدرك صحبته إلاّ الخواص من الناس، وكان أصل مذهبه الحض على الصدقة، وكان أمره عجباً في إجابة الدعاء بنزول المطر، واختصاصه بمكان دون آخر، وقال لأصحابه: أنا القطب، وكان تفقّه على أبي عبد الله الفخار، ووقفت على قبره، وله بركات وأنوار. وكان السبتي آية في المناظرة، وأوذي باللسان كثيراً جدّاً فصفح وتجاوز.
ورأى (٢) عبد الرحمن بن يوسف الحسني النبي ﷺ في النوم، فقال له: يا رسول الله، ما تقول في السبتي قال: وكنت سيىء الاعتقاد فيه، فقال لي بعد أن تبسّم: هو من السّبّاق، قال: فقلت بيّن لي يا رسول الله، فقال: هو ممّن يمر على الصراط كالبرق، قال: فخرجت بعد الصبح، فلقيني أبو العباس، فقال لي: ما رأيت وما سمعت والله لا تركتك (٣) حتى
стр. 3957
تعرفني، فعرفته، فصاح: كلمة الصفا من المصطفى ﷺ ؛ انتى ببعض اختصار.
وقال ابن الزيات: وحدثني أبو العباس الصنهاجي وغيره أن رجلاً يعرف بابن الشكاز (١) ، وكان غنياً فدار عليه الزمان وافتقر، حدّث أنّه وصل لأبي العباس السبتي وعليه ثوب خلق تظهر منه عورته، فشكا إليه حالته، فأخذ بيده إلى أن خرج معه من باب تاغزوت، فجاء إلى مطهرة هنالك، قال: فدخل أبو العباس المطهرة وتجرّد من أثوابه وناداني، وقال لي: خذ هذه الثياب، فأخذتها، وكان بعد العصر، فأردت أن أرى ما يكون من أمره، فصعدت إلى حائط هناك إلى قرب المغرب، فإذا بفتى خرج من الباب على دابة معه رزمة ثياب، فلمّا رأيته نزلت إليه، فقال لي: أين الفقيه أبو العباس فقلت: ها هو في الساقية عريان، فقال لي: أمسك الدابة، فسمعت الفقيه يقول له: أين تلك الثياب فأخذها منه وخرج، فلمّا رآني قال لي: وما لك هنا قلت: يا سيدي خفت عليك، فلم أقدر على الانصراف وأتركك، فقال لي: أفترى الذي فعلت ما فعلت له يتركني ثم سألت الفتى عن سبب وصوله إليه، فذكر له أن إحدى الكرائم أمرته أن يحمل إليه تلك الثياب، وقالت له: لا تدفعها إلا للفقيه، ولا يلبسها إلاّ هو، وهذه قصّة صحيحة مشهورة.
وقال ابن الخطيب: وروضته بباب تاغزوت أحد أبواب مراكش غير حافلة البناء، ربما يتبرع متبرع باحتفالها فلا تساعده الأقدار، وزرتها، وربما شاهدت في داخلها أشياخاً من أهل التعفف والتصوّف يسارقون خفية الناظر إلى مساقط رحمات الله تعالى عليها لكثرة زائريها، فيقتحم (٢) ذو الحاجة بابها خالعاً نعله مستحضراً نيته ويقعد بإزاء القبر ويخاطبه بحاجته، ويعين بين يدي النجوى صدقة
стр. 3958
على قبره، ويدسها في أواني في القبر معدة لذلك، ومن عجز عن النقدين تصدق بالطعام ونحوه، فإذا خف الزائرون آخر النهار عمد القائم إلى التربة إلى ما أودع هناك في تلك الأواني وفرّقه على المحاويج الحافّين بالروضة، ويحصون كل عشية، ويعمهم الرزق المودع فيها، وإن قصر عنهم كملوه في غده.
قال ابن الخطيب لسان الدين: وترافع خدام الروضة لقاضي البلد، وتخاصموا في أمر ذاك الرزق المودع هناك، فسألهم القاضي عن خرجه اليوم، فقالوا: يحصل في هذه الأيام في اليوم الواحد ثمانمائة مثقال ذهباً عيناً، وربما وصل في بعض الأيام لألف دينار فما فوقها، فروضة هذا الوليّ ديوان الله تعالى في المغرب لا يحصى دخله ولا تحصر جبايته، فالتبر يسيل، واللجين يفيض، وذو الحاجة كالطير تغدو خماصاً وترجع بطاناً؛ يختص برحمته من يشاششء والله ذو الفضل العظيم.
قال: وأنا ممّن جرب المنقول عن القبر، فاطّرد القياس، وتزيفت الشبهة، وتعرفت من بدء زيارته ما تحقّقت من بركته، وشهد على برهان دعوته؛ انتهى.
وقال الشيخ أبو الحجاج يوسف التادلي في كتابه " التشوّف إلى رجال التصوّف " (١) : كان أبو العباس جميل الصورة، أبيض اللون، حسن الثياب، فصيح اللسان، مقتدراً على الكلام، حليماً صبوراً، يحسن إلى من يؤذيه، ويحلم على من يسفه عليه، رحيماً عطوفاً محسناً إلى اليتامىة والأرامل، يجلس حيث أمكنه الجلوس من الطرق والسوق، ويحض على الصدقة، ويذكر في فضلها آيات وأحاديث، ويأخذها ويفرقها على المساكين، ويرد أصول الشرع إلى الصدقة، ويفسّرها بها، ويقول: معنى قول المصلي الله أكبر أي: من أن نضن عليه بشيء، فمن رأى شيئاً من متاع الدنيا في نفسه أكبر فلم يحرم ولا كبّر، ومعنى رفع اليدين للتكبير: تخليت من كل شيء لا قليلاً ولا كثيراً،
стр. 3959
وهكذا يتكلم بنحو هذا في جميع العبادات، ويقول: سرّ الصوم أن تجوع، فإذا جعت تذكرت الجائع، وما يقاسيه من نار الجوع، فتتصدق عليه، فمن صام ولم يعطف على الجائع فكأنّه لم يصم، إلى غير ذلك من كلامه في مثل هذا.
وكان إذا أتاه امرؤ يأمره بالصدقة، ويقول له: تصدق، ويتفق لك ما تريده، وأخباره في ذلك كثيرة عجيبة.
قال التادلي: وحدثني ولده الفقيه أبو عبد الله عن أبيه أنّه قال: كان ابتداء أمري وأنا صغير أنّي سمعت كلام الناس في التوكل، ففكرت في حقيقته (١) فرأيت أنّه لا يصح إلا بترك شيء، ولم يكن عندي منه [بد] ، فتركت الأسباب، واطّرحت العلائق، ولم تتعلّق نفسي بمخلوق، فخرجت سائحاً متوكّلاً، وسرت نهاري كلّه فأجهدني الجوع والتعب، وقد نشأت في رفاهية [من العيش] (٢) ، وما مشيت قط على قدمي، فبلغت قرية فيها مسجد، فتوضأت ودخلت المسجد فصليت المغرب ثم العشاء، وخرج الناس، فقمت لأصلي، فلم أقدر من شدة الجوع والتألّم بالمشي، فصليت ركعتين، وجلست أقرأ القرآن إلى أن مضى جزء من الليل، فإذا قارع يقرع الباب بعنف، فاستجاب له صاحب الدار، فقال له: هل رأيت بقرتي فقال: لا، فقال: إنّها ضلت وقد أكثر عجلها من الحنين فطلبتها فلم نجدها في القرية، فقال أحدهم: لعلّها [دخلت] في المسجد وقت العتمة، ففتحوا باب المسجد ودخلوا فوجدوني، فقال صاحب البقرة: ما أظنّك أكلت الليلة شيئاً، فذهب وجاءني بكسرة خبز وقدح لبن، ثم ذهب ليأتيني بالماء فوجد بقرته في داخل الدار، فخرج لجيرانه وقال لهم: ما زالت البقرة من الدار، وما كان خروجي إلا لهذا الفتى الجائع في المسجد، ثم رغّبني أن أمشي معه لمنزله، فأبيت.
стр. 3960
وكان في أول أمره يسكن في الفندق (١) ويعلّم الحساب والنحو ويأخذ الأجرة على ذلك، وينفقها على طلبة العلم الغرباء، ويمشي في الأسواق، ويذكّر الناس، ويضربهم على ترك الصلاة، ويأتي بالطعام على رأسه.
وبات ليلة عند الطلبة فارتفعت أصواتهم بالمذاكرة، فإذا بالحرس قد قرعوا باب الفندق فقام إليهم القيّم بخدمته، فقالوا له: ما تعلمون أن من رفع صوته باللّيل يقتل ثم قعد اثنان من الحرس على باب الفندق ليحملونا إذا طلع الفجر للوالي (٢) ، فجاء القيّم فأخبرنا فأدركنا خوف عظيم، وأيقنّا بالهلاك، فأخذ أبو العباس في الضحك ولا يبالي، ثمّ خلا بنفسه عند السحر ساعة ثم قال لنا: لا خوف عليكم، قد استوهبتكم من الله تعالى، وهذان الحرسيان الواقفان غداً يقتلان إن شاء الله تعالى، فقيل له: الجزاء عندك على الأفعال من الخير والشر، وهما لا يفعلا ما يوجب قتلهما، بل جزاؤهما يروّعان كما روّعانا، فقال: العلماء ورثة الأنبياء، وترويعكم عظيم لا يقابله منهم إلا القتل، فمازلنا نعارضه في ذلك حتى قال: عقوبتهما أن يضرب كل واحد منهما مائة سوط، ثم اجتاز عبد الله الخرّاز صاحب الوقت بالجامع الأعظم، فوجد حانوته (٣) مفتوحاً، ورأى الحرسيين على قرب، فلم يشكّ أنهما حلاّه (٤) ، فحملا إلى ربحة القصر قبل طلوع الفجر، فقال لنا أبو العباس: احضروا على ضربهما كما أرادا قتلكم، فتبعناهما، وحضرنا حتى ضرب كل واحد مائة سوط.
وكراماته ومناقبه كثيرة لا تحصى.
وكان يقول (٥) : أصل الخير في الدنيا والآخرة الإحسان، وأصل الشرّ فيهما البخل، قال الله تعالى " فأمّا من أعطى (الليل: ٥) وقال عن إبليس " ثمّ
стр. 3961
لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم " الأعراف: ١٧ وقال " ومنهم من عاهد الله " التوبة: ٧٥ وقال " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " الحشر: ٩ وقال " إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنّة " القلم: ١٧ وقال " وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم " آل عمران: ١٣٣ وقال " ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم " البقرة: ١٧٧ وقال " إنّا عرضنا الأمانة على السّموات والأرض - الآية " الأحزاب: ٧٢ فهذه الأمانة هي الرزق، فأعطت السموات ما فيها من الماء وهو المطر، والأرض ما فيها من الماء النازل من الجبال، والجبال ما فيها كذلك، وأنبتت الأرض وأبت إمساكها، فخزن الإنسان جميعها عنده ومنع المساكين إنّه كان ظلوماً جهولاً، وفي الحديث " هم الأقلّون وربّ الكعبة، إلا من قال هكذا وهكذا - الحديث " ولمّا أراد الله تعالى إهلاك فرعون وقومه دعا عليهم موسى بالبخل، فقال " ربنا إنّك آتيت فرعون - إلى قوله: دعوتكما " يونس: ٨٨، ٨٩ وكان ﵁ في آخر عمره كثيراً ما يقرأ هذه الآية " أفرأيت الّذي تولّى - إلى قوله: سوف يرى " النجم: ٢٣ وكان يقول: من قال إن الله تعالى لا يجازي على الصدقات فقد وافق اليهود في الفرية على الله تعالى لأنهم قالوا " يد الله مغلولة، غلّت أيديهم " المائدة: ٦٤ أي لا يجازي على الصدقات، قال الله تعالى " غلّت أيديهم - إلى آخره " أي يجازي على العطاء كيف شاء. وكان يقول في قوله تعالى " والذين يكنزون الذّهب والفضّة - الآية " التوبة: ٣٤ إنّما كويت هذه المواضع لأن الغني يعرض عن المسكين بوجهه، ثم بجنبه، ثمّ بظهره، فعوقبت هذه المواضع بالكيّ بالنار لإعراضه عن الفقير، ومنازعه رحمه الله تعالى في أمثال هذا كثيرة؛ انتهى ملخصاً.
وحدث أبو إسحاق إبراهيم بن أبي يعمور (١) أنّه دخل صحبة الشيخ سيدي أبي العباس السبتي إلى الأمير السيد أبي سعيد عثمان يعوده، فقال له: ادع الله
стр. 3962
تعالى لي أيّها الشيخ، فقال له: ارجع إلى الله تعالى حق الرجوع بحيث تتحقّق أنّه الممرض والمعافي، واخرج عن بعض ما عندك من فضول الدنيا لأبناء الجنس، لتكون ممّهن وقي شح نفسه، فحينئذ يحصل لك ما ترجوه من الدعاء، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: في المرض فوائد لا ينبغي أن تجهل: الأولى معرفة قدر العافية، الثانية تمحيص بعض الذنوب، الثالثة توقّع الثواب، الرابعة تنقية الجسم من فضول الأخلاط، الخامسة كثرة ذكر الله تعالى والتضرع إليه، السادسة حدوث الرقة والشفقة، السابعة - وهي العظمى - الصدقة والخروج عن رذيلة البخل؛ انتهى. وحدث الكاتب أبو القاسم ابن رضوان عن أبي بكر ابن منظور عن بعض أعيان مراكش أنّه توفّي وأوصى ابناً له كان من أهل البطالة أن يعمد إلى ألف دينار من متخلّفه، فيدفعها للشيخ سيدي أبي العباس السبتي، ففعل، وقال للشيخ: إن أبي توفّي وأوصاني أن أدفع إليك هذه الألف دينار تضعها حيث شئت، فقال له الشيخ: قد قبلتها وصرفتها إليك، فقال له: يا سيدي، وما تأمرني أن أفعل بها قال: خذها، قال: فانصرفت من عنده وسؤت ظنّاً بقوله، ثم قلت: وأنا أنفق مثل ذلك على عادتي في الوجه الذي يلذ لي، فلأفعلن بها ما أفعل بغيرها، فأخذتها في محفظة، وخرجت ألتمس الزنى، فإذا امرأة عل دابة وغلام يقودها، فأشرت إلى الغلام، فقال لي: نعم، واتبعني إلى بستان لي، فنزلت المرأة، فأدخلتها إلى قبة كانت في البستان، وأخذ الغلام الدابة وصار ناحية، وقال: أغلق الباب، ففعلت، ثم أقبلت إلى القبة فإذا المرأة تبكي بكاء شديداً حتى طال بكاؤها، وبكيت لبكائها، فقلت لها: ما شأنك فقالت: افعل ما دعوتني لأجله، ودع عنك هذا، ونحيبها يزيد، فقلت لها: إن المعنى الذي دعوتك لأجله لا يصلح مع البكاء، بل مع الأنس وانشراح الصدر وزوال الانقباض ورفع الخجل، فقالت: نترك البكاء ونرجع للأنس على ما تحب ويوفى غرضك، فقلت: لا، حتى أعلم سبب بكائك، وألححت عليها، فقالت: أتعرف حاجب الملك الذي سجنه قلت: نعم، قالت: فأنا ابنته
стр. 3963
ولم يبق له أحد غيري، وقد سجنه الملك وأخذ أمواله، فما زلت أبيع ما ترك أبي وأنفقه عليه، حتى لم يبق بيدي شيء، فلمّا أعيتني الحيلة فيما أنفقه ألجأت نفسي ووقفت هذا الموقف وأنا بكر ما رأى لي أحد وجهاً قط، فرميت لها بالألف دينار وقلت لها: والله لا قربت منك على هذا الوجه أبداً، فأنفقي الدنانير على والدك إلى أن تنفد، وابعثي لي غلامك أعلمه بمنزلي، ولازمي دارك، واستمري على صيانتك وإلا فضحتك، وتريني واللله لا أزال أبيع أملاكي وأنفقها على والدك حتى أموت أو يفنى كل ما أملكه، ثم خرجت ألتمس الغلام وإذا بجماعة يطلبون البنت، وقالوا: إن الملك رضي عن والدها، ورد عليه ضياعه وأملاكه، ووصله بعشرة آلاف دينار، وقعد يلتمس بنته فلم توجد، فسقط في يد الغلام الذي كان مع الدابة، وظن أن الأمر على ما جرى بيني وبين البنت، فبادرته وقلت له: لا عليك، فتجاهل في خبرها حتى ينصرفوا، ودخلت إلى البنت وقلت لها: إن الملك قد رضي عن والدك، ورد عليه ماله ووصله، فسيري إلى دارك، فركبت دابتها وانصرفت، فدخلت على والدها فقال لها: أين كنت وما الذي أخرجك عن دارك وهمّ بها، فقالت له: أخرج عني كل من في الدار، ففعل، فأخبرته أمرها مع الشاب من أوله إلى آخره، ورمت إليه بالألف دينار، وقالت له: هذا الذي أعطاني لأنفق عليك، فقال أبوها: هذا والله هو الكبريت الأحمر، والله لو كان أبوه كنافاً ما أنفت أن أزوجك منه، فوجّه العبد الذي كان معها إلى الشاب، وقال له: إن سيدي يدعوك، قال: فخفت أن يوضع عنده الأمر على غير وجهه، ثم أقدمت إقدام من علم براءة نفسه، فدخلت عليه، فقام إليّ وعانقني، وقد عرف لي مقامي (١) ، وقال: أما الآن وأنت من أعيان الناس فقد قرّت بك عيني، وقال: والله لو كان أبوك كنافاً ما أنفت لبنتي أن أزوجك منها، فما قام من المجلس حتى وجّه إلى
стр. 3964
العدول وأشهد على نفسه بأنّه زوّج ابنته فلانة من هذا الشاب، ونقندها عنه الشطر الأول من العشرة آلاف دينار التي وصله بها الملك وأجّل لها عنه الشطر الثاني، وأهدى لها من الحلي كذا وكذا، ومن الثياب كذا وكذا، حتى أتى على أكثر أملاكه حتى أنفقها على ذلك، فحصل من إشارة الشيخ السبتي ﵁ في تلك الألف دينار على أضعاف مضاعفة من الأموال، وظفر ببنت حاجب الملك؛ انتهى. أكثر أملاكه حتى أنفقها على ذلك، فحصل من إشارة الشيخ السبتي ﵁ في تلك الألف دينار على أضعاف مضاعفة من الأموال، وظفر ببنت حاجب الملك؛ انتهى.
رجع إلى ابن زمرك رحمه الله تعالى:
قال الشاطبي في الإشارات والإفادات ما صورته:
إفادة: أفادني صاحبنا الفقيه الكاتب أبو عبد الله ابن زمرك إثر إيابه إلى وطنه من رحلة العدوة في علم البيان فوائد أذكر منها الآن ثلاثاً: الفقه في اللغة، وهو النظر في مواقع الألفاظ وأين استعملتها العرب، ومن مثل هذا الوجه قرم وعام إذا اشتهى، لكن لا يستعمل قرم إلا مع اللحم، ولا يستعمل عام إلاّ مع اللبن، فتقول: عمت إلى اللن، وكذلك قولهم: أصفر فاقع، وأحمر قان، ولا يقال بالعكس، وهذا كثير. والثانية تحري الألفاظ البعيدة عن طرفي الغرابة والابتذال، فلا يستدل بالحوشي من اللغات، ولا المبتذل في ألسن العامة. والثالثة اجتناب كل صيغة تخرج الذهن عن أصل المعنى أو تشوش عليه؛ إذ المقصود الوصول في بيان المعنى إلى أقصاه، والإتيان بما يحصله سريعاً ويمكنه في الذهن، وتحري كل صيغة تمكن المعنى وتحرض السامع على الاستماع، وأخبرني أن كتّاب المغرب يحافظون في شعرهم وكتابتهم على طريقة العرب، ويذمّون ما عداها من طريقة المولدين، وأنّها خارجة عن الفصاحة، وهذه المعاني الثلاثة لا توجد إلا فيها.
وذكر من شرح بديعية الحلي من المغاربة وهو الشيخ النحوي عبيد الثعالبي في شواهد حسن الختام أن منه ختام قصيدة للكاتب البارع أبي عبد الله المعروف
стр. 3965
بابن زمرك الأندلسي مدح بها ملك المغرب عبد العزيز حين قدم عليه رسولاً من صاحب الأندلس، وهو قوله:
ولو أنشدت بين العذيب وبارق ... لقال رواة الغرب يا حبذا الشرق ولم يظهر لي كل الظهور دلالته لي على حسن الختام، ولا بد، فالله سبحانه أعلم.
وقد أطلنا في ترجمة ابن زمرك فلنختم نظامه بموشّحة له زهرية مولدية تضمنت مدح المصطفى ﷺ ، وهي هذه (١) :
لو ترجع الأيام بعد الذهابْ ... لم تقدح الأيام (٢) ذكرى حبيب (٣)
وكلّ من نام بليل الشبابْ ... يوقظه الدهر بصبح المشيب
يا راكب العجز ألا نهضة ... قد ضيّق الدهر عليك المجال
لا تحسبن أن الصّبا روضة ... تنام فيها تحت فيء الظلال
فالعيش نوم والردى يقظة ... والمرء ما بينهما كالخيال (٤)
والعمر قد مرّ كمرّ السحاب ... والملتقى بالله عمّا قريب
وأنت مخدوع بلمع السراب ... تحسبه ماء ولا تستريب
والله ما الكون بما قد حوى ... إلاّ ظلال توهم الغافلا
وعادة الظلّ إذا ما استوى ... تبصره منتقلاً زائلا
إنّا إلى الله عبيد الهوى ... لم نعرف الحقّ ولا الباطلا
فكل من يرجو سوى الله خاب ... وإنّما الفوز لعبد منيب
يستقبل الرّجعى بصدق المتاب ... ويرقب الله الشهيد القريب
стр. 3966
يا حسرتا مرّ الصّبا وانقضى ... وأقبل الشيب يقص الأثر
واخجلتا والرحل قد قوّضا ... وما بقي في الخبر غير الخبر
وليتني لو كنت فيما مضى ... أدّخر الزاد لطول السّفر
قد حان من ركب التصابي إياب ... ورائد الرشد أطال المغيب
يا أكمه القلب بغين الحجاب ... كم ذا أناديك فلا تستجيب
" هل يحمل الزاد لدار الكريم " (١) ... والمصطفى الهادي شفيع مطاع
فجاهه ذخر الفقير العديم ... وحبّه زادي ونعم المتاع
والله سمّاه الرؤوف الرحيم ... فجاره المكفول ما إن يضاع
عسى شفيع الناس يوم الحساب ... وملجأ الخلق لرفع الكروب
يلحقني منه قبول مجاب ... يشفع لي في موبقات الذنوب
يا مصطفى والخلق رهن العدم ... والكون لم يفتق كمام الوجود
مزية أعطيتها في القدم ... بها على كلّ نبيّ تسود
مولدك المرقوم لمّا نجم ... أنجز للأمّة وعد السّعود
ناديت لو يسمح لي بالجواب ... شهر ربيع يا ربيع القلوب
أطلعت للهدي بغير احتجاب ... شمساً ولكن ما لها من غروب
٢ - ومن تلامذة لسان الدين رحمه الله تعالى، الطبيب العالم ابن المهنا شارح ألفية ابن سينا (٢) ، وشرحه عليها من أبدع الشروح، وقد نقل عن لسان الدين
стр. 3967
كثيراً، واعتمد عليه في أمور الطب، وقد طال عهدي به الآن، وهو من الكتبالمشهورة بالمغرب، ولم أره بهذه الديار المشرقية.
٣ - من تلامذة لسان الدين رحمه الله تعالى: الأديب الكاتب العالم العلامة القاضي أبو بكر ابن جزيّ الكلبي، وأبوه الشيخ أبو القاسم ابن جزي شيخ لسان الدين، وبيت بني جزي بيت كبير مشهور بالمغرب والأندلس، وقد عرّفنا فيما سبق بالشيخ أبي القاسم وابنيه العلامتين الناظمين الناثرين الكاتب أبي عبد الله محمد والقاضي أبي بكر المذكور، فليراجع في الباب الثالث (١) .
ورأيت بخط بعض علماء المغرب أن أبا بكر المذكور روى عن لسان الدين ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - جميع تواليفه مع أنّه مقاربه في السن، ولكن الإنصاف في ذلك الزمان غير معدوم، وقد عرّف به لسان الدين في الإحاطة والذي فهمت من عبارته في الإحاطة أنّه إن عبر بصاحبنا فلا يطلقها غالباً إلا على تلامذته، وربما أطلقها على غيرهم كما لا يخفى على من مارس كلامه، رحمه الله تعالى؛ وأتقن تاريخ أهل المغرب والأندلس، رحم الله تعالى الجميع.
٤ - ومن تلامذة لسان الدين رحمه الله تعالى: مؤدب أولاد الملوك ومعلمهم القرآن وسنّة رسول الله ﷺ أبو عبد الله الشريشي، وهو الذي تولى أولاً نقل " الإحاطة " من مبيضتها، كما يبقت الإشارة إليه في كلام حفيط السلطان ابن الأحمر، وأحكم النسخة، فكانت في مجلدات ستة، وكان لسان الدين ألقى إليه بالمبيضات اعتماداً منه عليه، وثقة به، لاشتغال لسان الدين بأمور المملكة.
٥ - ومن تلامذة لسان الدين: القاضي الكاتب أبو محمد عطية بن يحيى بن عبد الله بن طلحة بن أحمد بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي.
стр. 3968
قال في " الإحاطة ": صاحبنا الفقيه الخطيب، كاتب الإنشاء بالباب السلطاني أبو محمد، نسيج وحده في أصالة البيت وعفاف النشأة، مقصود المنزل، نبيه الصهر، معم مخول في الأصالة، بارع الخط، جيّد القريحة، سيّال المداد، نشيط البنان، جلد على العمل، خطيب ناظم ناثر، قرأ بغرناطة، وولي الخطابة بالمسجد الأعظم والقضاء سنتين ببلده في حداثة السن، ثم انتقل إلى غرناطة فجأجأت به الكتابة السلطانية داحضة بالحق، آوته إلى هضبة أمانة مستظهرة ببطل كفاية، فاستقل رئيساً في غرض إعانتي وانتشالي من هفوة الكلفة على جلل الضعف وإلمام المرض. ثم كشفت الخبرة منه عند الحادثة على الدولة، وإزعاجها من الأندلس عن سوأة لا توارى، وعورة لا يرتاب في أشنوعتها ولا يتمارى، فسبحان من علّم النفس فجورها وتقواها، إذ لصق بالدائل الفاسق (١) فكان آلة انتقامه، وجارحة صيده، وأحبولة كيده، فسفك الدماء، وهتك الأستار، ومزق الأسباب، وبدل الأرض غير الأرض، وهو يزقه في أذنه زقوم النصيحة، وينحله لقب الهداية، ويبلغ في شدّ أزره إلى الغاية، عنوان عقل الفتى اختياره، يجري في سبيل دعوته طوالاً، أخرق يسيء السمع فيسيء الإجابة، بدويّاً قحّاً جهوريّاً ذاهلاً عن عواقب الدنيا والآخرة، طرفاً في سوء العهد وقلّة الوفاء، مردوداً في الحافرة، منسلخاً من آية السعادة، تشهد عليه بالجهل يده، ويقيم عليه الحجج شرهه (٢) ، وتبوئه هفوات الندم جهالته، ثم أسلم المحروم مصطنعه أحوج ما كان إليه، وتبرأ منه، ولحقته بعده مطالبة مالية لقي لأجلها ضغطاً، وهو الآن بحال خزي، واحتقاب تبعات، واستدعيت شيئاً من نظمه ونثره حال التصنيف ليترجم به، فكتب إليّ ما نصّه:
يا سيّداً فاق في مجد وفي شرف ... وفات سبقاً بفضل الذات والسلف
стр. 3969
وفاضلاً عن سبيل الذمّ منحرفاً ... وعن سبيل المعالي غير منحرف
وتحفة الزّمن الآتي به فلقد ... ربا بما حازه منها على التحف
ومعدناً لنفيس الدرّ فهو لما ... حواه منه لدى التشبيه كالصدف
وبحر علم جميع الناس مغترف ... منه، ونيل المعالي خير مؤتلف
وسابقاً بذّ أهل العصر قاطبة ... فالكل في ذاك منهم غير مختلف
من ذا يخالف في نار على علم ... أو يجحد الشمس نوراً وهو غير خفي
ما أنت إلاّ وحيد العصر في شيم ... وفي ذكاء وفي علم وفي ظرف
لله من منتم للمجد منتسب ... بالفضل متّسم، بالعلم متصف
لله من حسب عدّ ومن كرم ... قد شاده السلف الأخيار للخلف
إيه أيا من به تبأى الوزارة إذ ... كنت الأحقّ بها في الذات والشرف
يا صاحب القلم الأعلى الذي جمعت ... فيه المعالي فبعض البعض لم أصف
يا من يقصّر وصفي في علاه ومن ... أنسي مديح حبيب في أبي دلف
شرّفتني عندما استدعيت من نظمي ... نظماً تدوّنه في أبدع الصحف
وربما راق ثغر في تبسّمه ... حتى إذا ناله إلمام مرتشف
أجلّ قدرك أن ترضى لمنتجع ... بسوء كيلته حظاً مع الحشف
هذا، ولو أنّني فيما أتيت به ... نافحت بالطيب زهر الروضة الأنف
لكنت أفضي إلى التقصير من خجل ... إذ لست بالبعض ممّا تستحق أفي
فنحسبي العجز عمّا قد أشرت به ... فالعجز حتماً قصارى كلّ معترف
لكن أجبت إلى المطلوب ممتثلاً ... وإن غدوت بمرمى القوم كالهدف
فانظر إليها بعين الصفح عن زلل ... واجعل تصفّحها من جملة الكلف
بقيت للدهر تطويه وتنشره ... تسمو من العزّ باسمٍ غير منصرف ثم ذكر نثراً، وأن مولده بوادي آش آخر عام تسعة وسبعمائة، وتولّى الخطابة والإمامة بها عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة، ثم ولي القضاء بها وبأعمالها عام
стр. 3970
ثلاثة وأربعين وسبعمائة، ثم انتقل للحضرة آخر رجب عام ستّة وخمسين وسبعمائة، ومن شعره قوله:
ألا أيّها الليل البطيء الكواكب ... متى ينجلي صبح بليل المآرب
وحتى متى أرعى النّجوم مراقباً ... فمن طالع منها على إثر غارب (١)
أحدّث نفسي أن أرى الركب سائراً ... وذنبي يقصيني بأقصى المغارب
فلا فزت من نيل الأماني بطائل ... ولا قمت في حقّ الحبيب بواجب
فكم حدّثتني النفس أن أبلغ المنى ... وكم علّلتني بالأماني الكواذب
وما قصّرت بي عن زيارة قبره ... معاهد أنس من وصال الكواعب
ولا حبّ أوطان نبت بي ربوعها ... ولا ذكر خلّ حلّ فيها وصاحب
ولكن ذنوب أثقلتني فها أنا ... من الوجد قد ضاقت عليّ مذاهبي
إليك رسول الله شوقي مجدّداً ... فيا ليتني يممت صدر الركائب
فأعملت في تلك الأباطح والرّبى ... سراي مجدّاً بين تلك السباسب
وقضّيت من لثم البقيع لبانتي ... وجبت الفلا ما بين ماش وراكب
وروّيت من ماء بزمزم غلّتي ... فلله ما أشهاه يوماً لشارب
حبيبي شفيعي منتهى غايتي التي ... أرجّي ومن يرجوه ليس بخائب
محمد المختار والحاشر الذي ... بأحمد حاز المجد من كلّ جانب
رؤوف رحيم خصّنا الله باسمه ... وأعظم بماح في الثناء وعاقب
رسول كريم رفع الله قدره ... وأعلى له قدراً رفيع الجوانب
وشرّفه أصلاً وفرعاً ومحتداً ... يزاحم آفاق السما بالكواكب
سراج الهدى ذو الجاه والمجد والعلا ... وخير الورى الهادي الكريم المناسب
هو المصطفى المختار من آل هاشم ... وذو الحسب العدّ الرفيع المناصب
стр. 3971
هو الأمد الأقصى هو الملجأ الذي ... ينال به مرغوبه كلّ راغب
إمام النبيين الكرام، وإنّه ... لكالبدر فيهم بين تلك المواكب (١)
بشير نذير مفضل متطوّل ... سراج منير بذّ نور الكواكب
شريف منيف باهر الفضل كامل ... نفيس المعالي والحلي والمناقب
عظيم المزايا ما له من مماثل ... كريم السجايا ما له من مناسب
ملاذ منيع ملجأ عاصم لمن ... يلوذ به من بين آت وذاهب
جليل جميل الخلق والخلق ما له ... نظير، ووصف الله حجّة غالب
وناهيك من فرع نمته أصوله ... إلى خير مجد من لؤيّ بن غالب
أولي الحسب العدّ الرفيع جنابه ... بدور الدياجي أو صدور الكتائب
له معجزات ما لها من معارض ... وآيات صدق ما لها من مغالب
تحدّى بهن الخلق شرقاً ومغرباً ... وما ذاك عمّن حاد عنها بغائب
فدونكها كالأنجم الشّهب عدة ... ونور سناً لا يختفي للمراقب
وإحصاؤها مهما تتبعت معوز ... وهل بعد نور الشمس نور لطالب
لقد شرّف الله الوجود بمرسلٍ ... له في مقام الرسل أعلى المراتب
وشرّف شهراً فيه مولده الذي ... جلا نوره الأسنى دياجي الغياهب
فشهر ربيع في السهور مقدّم ... فلا غرو أنّ الفخر ضربة لازب
فلله منه ليلة قد تلألأت ... بنور شهاب بيّن الأفق شاهب
ليهن أمير المسلمين بها المنى ... وأن نال من مولاه أسنى الرغائب
على حين أحياها بذكر حبيبه ... وذكر الكرام الطاهرين الأطايب
وألّف شملاً للمحبين فيهم ... فسار على نهج من الرشد لاحب
стр. 3972
فسوف يجازى عن كريم صنيعه ... بتخليد سلطان وحسن عواقب
وسوف يريه الله في نصر دينه ... غرائب صنع فوق تلك الغرائب
فيحمي حمى الإسلام عمّن يرومه ... بسمر العوالي أو بيض القواضب
ويعتز دين الله شرقاً ومغرباً ... بما سوف يبقى ذكره في العجائب
إلهي ما لي بعد رحماك مطلب ... أراه بعين الرشد أسنى المطالب
سوى زورة القبر الشريف وإنّه ... لموهبة فاقت جميع المواهب
عليه سلام الله ما لاح كوكب ... وما رافق الأظعان حادي الركائب وقال لسان الدين رحمه الله تعالى: وليس لهذا الرجل انتحال لغير الشعر والكتابة وغير هذا الشعر قران، فقلّ أن ينتهي هذا الشعر في الضعة والاسترذال إلى ما دون هذا النمط، فهو بغير ثان شعراً وشكلاً وبلداً، لطف الله تعالى بنا وبه؛ انتهى باختصار.
٦ - ومن تلامذة لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى الكاتب أحمد بن سليمان بن فركون (١) ، ومن نظمه على لسان من يرمى بالداء العضال في فرج (٢) عبد ابن زمرك الوزير بعد ابن الخطيب:
قالوا كلفت به غلاماً حالكاً ... فأجبتهم في فيه ما يرضي المهج
مهما جننت بحسنه وبحبّه ... علّقت فوقي منه حرزاً من سبجْ
стр. 3973
ورأيت بخط الوادي آشي ما صورته: وجدت بخط لسان عالدين، وخاتمة أعلام البيان المجيدين، ذي الوزارتين أبي عبد الله ابن الخطيب رحمه الله تعالى في طرة اسم الكاتب أحمد بن سليمان بن فركون، المختص به، المتأدب بما انفرد به من انتساخ تواليف ابن الخطيب ما نصّه: يسقط هذا الساقط من الديوان؛ انتهى.
ولعلّ لسان الدين إنّما أمر بإسقاطه من الإحاطة لما يتّهم به من معنى بيتيه السابقين، ويحتمل أن يكون لغير ذلك (١) ، والله أعلم.
стр. 3974
الباب الثامن
في ذكر أولاده
الرافلين في حلل الجلاله، المقتفين أوصافه الحميدة وخلاله، الوارثين العلم
والعمل والرياسة والمجد عن غير كلاله، ووصيته لهم الجامعة لآداب الدين
والدنيا، المشتملة على النصائح الكافية والحكم الشافية من كل مرض بلا ثنيا،
المنقذة من أنواع الضلاله، وما يقع في ذلك من المناسبات القوية، والأمداح
النبوية، التي لها على حسن الختام أظهر دلاله
اعلم - وفقني الله تعالى وإياك لمرضاته، وجعلنا ممّن يعتبر بالدهر في معضاته - أن أولاد لسان الدين ثلاثة: عبد الله، ومحمد، وعلي، وكلّهم حدّث عن أبيه وعن ابن الجياب.
أما محمد فقد نال حظه من التصوّف، ولم يكن له إلى خدمة الملوك تشوّف، ولم يحضرني الآن نص من أنبائه أكتبه لعدم وجود الكتب التي هي مظّان ذلك، إذ قد تركتها بالمغرب.
وقد سبق فيما مرّ (١) من كلام ابن خلدون أن أولاد لسان الدين كانوا من ندماء السلطان وأهل خلوته، وأن عليّاً كان خالصة السلطان، رحم الله تعالى الجميع.
وأمّا عبد الله فقد كتب بالعدوتين، لملوك الحضرتين، وتولى القيادة والكتابة بالأندلس أيام كان أبوه مدبر الدولة، وأكثر الناس بها كالخواص
стр. 3975
حوله، ولا أعلم الآن ما آل إليه أمره بعد وفاة أبيه، وقد ألمّ ببعض التعريف بمبدإ أحواله أبوه لسان الدين في كتاب " الإحاطة في تاريخ غرناطة " فقال في حقّه ما ملخصه (١) : عبد الله بن محمد بن علي بن سعيد بن الخطيب التلمساني، حسن الشكل، جيد الفهم، يغطي منه رماد السكون جمرة حركة، منقبض عن الناس قليل البشاشة، حسن الخط، وسط النظم، كتب عن الأمراء بالمغرب، وأنشدهم واقتضى صكوكهم بالإقطاعات (٢) والإحسان، واختال في خلعهم، ثم لما كانت الفتنة كتب عن سلطان وطنه معزز الخطة بالقيادة، قرأ على قاضي الجماعة الخطيب أبي القاسم الحسني، والخطيب أبي سعيد فرج بن لب التغلبي، واستظهر بعض المبادىء في العربية، واستجيز (٣) له من أدركه ميلاده من أهل المشرق والمغرب. وشعره مترفع عن الوسط إلى الإجادة، يكلّله عذر الحداثة، فمنه قوله في مولد أربعة وستين وسبعمائة:
بحقّ الهوى يا حداة الحمول ... قفوها قليلاً بتلك الطلول
معاهد مرّت عليها السحاب ... ببرق خفوق ودمع همول
أحنّ إليها حنين العشار ... وأبكي عليها بشجو طويل
فيا سعد عرّج عليها الركاب ... ففيها لقلبي شفاء الغليل
سقاها من المزن صوب الغمام ... وحيّا بعرف النسيم العليل
ولا زال فيها يجرّ الذيول ... فيحيي النفوس بجرّ الذيول
لئن حلت يا ربع عن عهدنا ... فعهد الهوى ليس بالمستحيل
وممّا شجاني وميض خفوق ... كقلبي غداة النوى والرحيل
وميض إذا سلّه المزن وهناً ... يضيء سناه كعضب صقيل
стр. 3976
أطار الفؤاد فؤاد المشوق ... وأغرى السهاد بطرف كليل
فبت أطاول ليل التمام ... بوجد جديد وصبر محيل
ودمع يساجل دمع الغمام ... وشجو الحمائم عند الهديل
فيا ليت شعري وهل من سبيل ... على الوجد يوماً بصبر جميل
وهل (١) يسمح الدهر بعد العناد ... بجبر الكسير وعزّ الذليل
وهل راجع عهدنا بالحمى ... على رغم دهر ظلوم جهول
فيا حسن مأوى عزاء جميل ... ويا طيب مأوى بظلّ ظليل
وفي ذمّة الله ركب سروا ... يجدّون والليل مرخى السدول
نشاوى بكأسين كأس الهوى ... وكأس من الأمن مثل الشّمول
يؤمّون بالعيس أمّ القرى ... وقبرَ النبيِّ الشفيع الرسول
ديار بها الوحي وحي السما ... تنزّل، أكرم به من نزول
بها أشرق الدين كالشمس نوراً ... وآن من الشرك وقت الأفول
فيا حادي العيس يطوي الفلا ... بوخد القلاص ونصّ الذّميل
سفائن آل طواها السرى ... وشق الحزون وقطع السهول
نشدتك بالبان بان الحمى ... وبالمورد العذب والسلسبيل
إذا ما حللت لدى طيبة ... وجئت محلّ الرضى والقبول
وقبراً ثوى فيه خير الورى ... وبشرى الكليم وفخر الخليل
فأبلغ تحيّة صبّ مشوق ... عدته عوادي الزمان الخذول
وقل يا رسول الهدى والشفيع ... إذا ضاق صدر أب عن سليل
عليك الصلاة وطيب السلام ... يحيّيك عند الضحى والأصيل
نبيّ كريم رؤوف رحيم ... بنص الكتاب وحكم العقول
إمام الهدى المجتبي المصطفى ... بأزكى شهيد وأهدى دليل
стр. 3977
به أظهر الله دين الهدى ... وعلّم كيف سواء السّبيل
وقام بأعباء دين الإله ... أتمّ القيام بفعل وقيل
فأكرم بليلة ميلاده ... على كلّ وقت وعصر وجيل
لك الله من ليلة فضلها ... يجرّ على النجم فضل الذيول
وأيّد بالنصر مولى أقام ... مواسمها فعل برّ وصول
أعاد بها الليل مثل النّهار ... بوجه كريم وفعل جميل
وأبدى الرضى نحوها والقبول ... وأكرم به من حفيّ كفيل
سميّ النبي الكريم الرسول ... وسيف الإله العليّ الجليل
محمد المرتجى المستجار ... مبيد العدا ومنيل الجزيل
من النفر الغرّ أسد الكفاح ... وأهل السماح عشيّ النزول
تراهم لدى السلم أطواد حلم ... ويوم الكريهة آساد غيل
مبيد العداة، ومحيي العفاة ... ومأوى الغريب ومدني الدخيل
فبأس حكى النار عند احتدام ... وجود حكى السحب عند الهمول
فيصلي عداه لدى الحرب ناراً ... ويروي نداه زمان المحول
مليك كفيل لمن يرتجيه ... بكلّ مرام بعيد وسول
وفرع كريم حميد الخلال ... نماه إلى المجد طيب الأصول
فدام لنا ما سرى في الرياض ... نسيم الصّبا ومهبّ القبول
وحنّ مشوق لأرض الحجاز ... إذا لاح إيماض برقٍ كليل وقال يمدح السلطان أبا عبد الله محمد بن يوسف بن نصر من مدينة فاس (١) :
لمن طلل بالرقمتين محيل ... عفت دمنتيه شمأل وقبول
стр. 3978
يلوح كباقي الوشم غيّره البلى ... وجادت عليه السحب وهي همول
فيا سعد مهلاً بالركاب لعلّنا ... نسائل ربعاً فالمحبّ سؤول
قف العيس ننظر نظرة تذهب الأسى ... ويشفى بها بين الضلوع غليل
وعرّج على الوادي المقدس بالحمى ... فطاب لديه مربع ومقيل
فيا حبّذا تلك الديار وحبّذا ... حديث بها للعاشقين طويل
دعوت لها سقي الحمى بعدما سرى ... وميض وعرف للنسيم عليل
وأرسلت دمعي للغمام مساجلاً ... فسال على الخدين منه مسيل
فأصبح ذاك الرّبع من بعد محله ... رياضاً بها الغصن المروح يميل
لئن حال رسم الدار عمّا عهدته ... فعهد الهوى في القلب ليس يحول
وممّا شجاني بعدما سكن الهوى ... بكاء حمامات لهنّ هديل
توسّدن فرع البان، والنجم ماثل ... وقد آن من جيش الظلام رحيل
فيا صاحبي دع عنك لومي فإنّه ... كلام على سمع المحبّ ثقيل
تقول: اصطباراً عن معاهدك الألى ... وهيهات صبري ما إليه سبيل
فلله عينا من رآني وللأسى ... غداة استقلّت بالخليط حمول
يطاول ليل التمّ مني مسهّد ... وقد بان عنّي منزل وخليل
فيا ليت شعري هل يعودنّ ما مضى ... وهل يسمحنّ الدهر وهو بخيل
وهل راجع عهد الحمى سقي الحمى ... وظلّ بعين الدمع فيه ظليل
وأيام أنس كم نعمنا بقربها ... وقد غاب عنّا حاسدٌ وعذول
حلفت بربّ الراقصات إلى منىً ... لهنّ إلى البيت العتيق ذميل
لجود أمير المسلمين محمد ... بكلّ مرام في الزّمان كفيل
مليك أتاه الله في الملك عزمةً ... يروع الأعادي بأسها ويهول
هو الملك المنصور والبطل الذي ... يهون عليه الخطب وهو جليل
стр. 3979
إذا فلّت البيض الرقاق وجدته ... أخا عزمات ما بهنّ فلول
يقصر باع المدح دون صفاته ... ويرجع عنها الفكر وهو كليل
من النفر البيض الوجوه لدى الوغى ... لهم غرر وضّاحة وحجول
هم ما هم والحرب قد شبّ نارها ... وللخيل في جنح العجاج صهيل
إذا سئلوا يوم الندى فنوالهم ... تفيض شآبيب له وسيول
بهم عزّ دين الله شرقاً ومغرباً ... وأصبح دين الكفر وهو ذليل
هم السادة الأنصار والعرب الألى ... حمى الدين حيّ منهم وقبيل
لهم يوم بدر والرسول أميرهم ... تصول به أرماحهم وتطول
فأصبح أصحاب القليب كأنّهم ... كثيب لوطء المرهفات مهيل
وقد أمن الإسلام كيد عدوّه ... وغودر ربع الكفر وهو محيل
وعدّوا رواحاً للمدينة والرضى ... لهم منه فوز عاجل وقبول
فمن ذا يجاري أو يداني عصابة ... جزاؤهم عند الإله جزيل
لكم يا بني نصر من المجد هضبة ... تزول الرواسي وهي ليس تزول
فيا سيّد الأملاك والواحد الذي ... إذا عدّ فخر ليس عنه عدول
لقد قرع الأعداء منك مؤيد ... له الذعر نصر والحسام دليل
فلم يدركوا ما أمّلوا غير ساعة ... كذاك متاع الأخسرين قليل
تعاوَين في باب البنود بسحرة ... كلاب عليهم بعد ذاك عويل
أبى الله إلا أن يموتوا بغيظهم ... فويل لهم من مكرهم وأليل
فأضحوا حديثاً في البلاد ويومهم ... وساء صباح عندهم وأصيل
بسعد إمام ينزل العصم سعده ... ويروي نداه والزمان محول
وفرع كمال في الخلافة ثابت ... نمته إلى المجد الزكيّ أصول
حكى وجهه شمس النهار إذا بدا ... وريّاه عرف الروض وهو بليل
أعاد لنا بالعدل أيّامه التي ... عهدنا، فدارت للسرور شمول
стр. 3980
فدام لنا ما هبّ عرف من الصّبا ... وأومض برق في الظلام كليل
وحنّ مشوق للحجاز إذا بدت ... لعينيه منه شامة وطفيل
وأشرق نجم مثل قلبي خافق ... وحان له عند الغروب أفول
ولا زالت الأقدار تجري بأمره ... وصنع إله العرش فيه جميل وقال في إعذار ابن السلطان رحمه الله تعالى ورضي عنه:
أثرها عزمة تنضي الركابا ... وإن دميت لها العين انسكابا
لعلّ الوجد تطفأ منه نار ... أبت إلا زفيراً والتهابا
أما بعد الألى ترجو قلوب ... تسارع نحو أرضهم انقلابا
فيا أخويّ كفّا عن عتابي ... فلست بسامع أبداً عتابا
تذكرت العقيق فسال دمعي ... عقيقاً من تذكره مذايا
أقول لنسمة مرّت صباحاً ... يعطّر عرفها القفر اليبابا
ألا يا هذه كوني رسولي ... وكوني إن رجعت لي الجوابا
نشدتك بلّغي صحبي سلامي ... إذا جئت المعاهد والقبابا
يلومني العواذل في اشتياقي ... إذا ما القلب من وجدي تصابى
وكم بين الأباطح من مهاة ... تروع بلحظها الأسد الغضابا
رمتني ثم قالت وهي تزري ... ولم تحذر بفتكتها العقابا
إذا ما الشهب للغرب استمالت ... وفود الليل بالإصباح شابا
أوجّه إن رقدت إليك طيفي ... كلمع البرق يخترق السحابا
فقلت: لقد بخلت على مشوق ... أبى إلا غراماً (١) واكتئابا
وكيف له بنومٍ بعد وجد ... يذيب لهيبه الصمّ الصلابا
стр. 3981
سينصره من الأنصار ملك ... إذا ناداه مظلوم أجابا
كريم الذات من ملإ كرام ... لقد طابت سجاياهم وطابا
تواضع رحمة وعلا محلاّ ... وسهّل منه للناس الحجابا
فليس يصدّ عن جدواه راج ... وليس يسدّ عن عافيه بابا
له عطف على الراجي جميل ... يفلّ من الردى ظفراً ونابا
وعدل (١) أمّن الأرجاء حتى ... ترى الغزلان لا تخشى الذئابا
أمولاي الذي أحيا المعالي ... وقد بليت وألحفت الترابا
مددت على البلاد جناح عدل ... وكفّ الجور تستلب استلابا
وتاب الدهر ممّا قد جناه ... فجدت له بعفوك حين تابا
وسكّن عزّ دولتك الدواهي ... فكانت رحمة دفعت عذابا
ويا لله إعذار سعيد ... دعوت السعد فيه فاستجابا
عجبت لمقدم والروع يهفو ... بأفئدة الكماة وما استرابا
ومن شبلٍ أطاع أخا سلاح ... وحكّمه اصطباراً واحتسابا
وهل عذر لعاذر ليث غاب ... أظنّ فؤاده والعقل غابا
فلولا سنّة حكمت وهدي ... أصبت وقد سلكت به الصوابا
لحامت عصبة الأنصار عنه ... بأسياف تقدّ بها الرقابا
من الصّيد الذين لهم نفوس ... لغير الفخر لا تصل الطّلابا
تنير الليل أوجههم إذا ما ... أرادوا السير أو حثّوا الركابا
دعوت به الأنام ليوم حشرٍ ... ولم تذخر لهم إلا الثوابا
رأوا من زخرف الدنيا مقاماً ... يذكّر بالجنان لمن أنابا
وأبهتهم فما عاطوا حديثاً ... ولا عرفوا السؤال ولا الجوابا
стр. 3982
ولو مكثوا به دهراً طويلاً ... لما ذكروا الطعام ولا الشرابا
وطاردت الصّوار بكلّ ضار ... كما أتبعت عفريتاً شهابا
ضربت به على الآذان منها ... فلم تسطع حراكاً واضطرابا
ومعصوب الجبين بتاج روقٍ ... يروع خواره الأسد الغضابا
تعرّف أنّ تحت الأرض ثوراً ... فرام بأن يشقّ له الترابا
وكلت به هضيم الكشح أجنى ... حديد الناب تحسبها حرابا
تباعد مجمع الشدقين منه ... وسال الموت بينهما لعابا
فأثبته كوحي الطرف حتى ... توثق منه جازره غلابا
وصاح به الصّوار وقد رآه ... حبيس الكلب قد منع الإيابا
" فغض الطرف إنّك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا " (١)
وأرسلت الجياد إلى استباق ... كأنّ بوارقاً شقّت سحابا
فمن وردٍ أقبّ ومن كميتٍ ... وأشهب يلهب الأرض التهابا
وساقية العماد إذا أطلّت ... إلى الأدواح تنساب انسيابا
تحوم بها العصيّ فراش ليل ... تروم بسمعه منه اقترابا
تجفّ بها خيول القوم منّا ... فترسل نحوها الجرد العرابا
عجائب أبدعت علياك فيها ... ومثلك يبدع الأمر العجابا
محمد لا عدمت الدهر حمداً ... فقد أحسنت في الملك المنابا
وزكّى نفسك الرحمن لمّا ... رآك ملكت للمجد النّصابا
تداركت البلاد ومن عليها ... فأمّنت التنائف والشعابا
لقد أوليتنا بيض الأيادي ... لقد طوّقتنا المنن الرغابا
روت عنك العوالي في المعالي ... حديث الفخر حقّاً لا انتسابا
ستفتح من بلاد الشرك أرضاً ... قد اعتقلت عقائلها اغتصابا
стр. 3983
وتعمل في العدا بيض المواضي ... إلى أن ينكر السيف القرابا
فما كأس من الصهباء صرف ... تعيد الشيخ من طرب شبابا
وطاف بها من الرهبان بدر ... يهتّك من دجى الليل الحجابا
تجدّ الأنس عوداً بعد بدء ... وربع الهمّ تتركه خرابا
بأعذب من ثنائك حين يطوي ... به الركب الأباطح والهضابا
أمولاي استمعها بنت فكر ... تخيّرها فأبرزها لبابا
وغاص على فرائدها الغوالي ... وشقّ على نفائسها العبابا
وهنّاك الإله بكلّ نعمى ... تقود لك الأمانيّ الصعابا
ودمت لعزة الإسلام ركناً ... إلى أن يشمل الشيب الغرابا وقال، وقد أنشدها السلطان ليلة الميلاد عام خمسة وستين وسبعمائة:
نفس الصّبا أهدى إليّ نسيما ... قد رام ممتنعاً ورام عظيما
يا هل يبلّغني السّرى خير الورى ... فأرى معاهد للهوى ورسوما
وأسابق الركبان فوق نجيبة ... تفري من البيد العراض أديما
وأحطّ رحلي في كريم جواره ... أرجو نعيماً في الجنان مقيما
حتى إذا بلغوا الذي قد أمّلوا ... ورأوا مقاماً بالرضى موسوما
وتزاحموا في الترب يستلمونه ... أرأيت في الورد الظّماء الهيما
قبّلت ذاك الترب من شوقي إلى ... من حلّه وأقمت فيه لزيما
وبكيت من دمع المآقي زمزماً ... وتركت جسمي كالحطيم حطيما
صلّى عليه الله ما هبّت صباً ... تهدي من الطيب الزكيّ شميما
لله مولده الذي أنواره ... صدعت ظلاماً للضلال بهيما
شرعت من التأييد سيف هداية ... أردت ظباه فارساً والروما
كسر الأكاسر بالعراء ولم يدع ... أن ردّ قيصر قاصراً مهزوما
стр. 3984
لله منها ليلة أضحى بها ... شمل الهدى لأولي الهدى منظوما
أبداً أمير المسلمين أعدّها ... بدعاً من القصر (١) الكريم جسيما
ملك أقام الله منه لخلقه ... مولىً رؤوفاً بالعباد رحيما
يحمي ذمار المسلمين من الردى ... ويبيح ربعاً للعدا وحريما
بمحمّد قد عاد دين محمّد ... غضّ الرياض وكان قبل هشيما
أحيا به الله الخلافة بعدما ... كانت بأطباق التراب رميما
من آل سعد الخزرج بن عبادة ... طابوا فروعاً في العلا وأروما
تلقاه في يوم الكريهة والوغى ... والخيل عابسة أغرّ وسيما
وتخال كفّيه إذا شحّ الحيا ... أفقاً بعامية الغيوث غيوما
تأبى خلال العدل والشيم العلا ... من أن يرى في دهره مظلوما
كهف العباد وفخرها وثناؤه ... ترك المديح على الطروس رقيما
لا زال يلقى العيش طلقاً والعلا ... مرقىً وصرف الحادثات خديما
ما اهتز غصن في الحديقة ناعم ... لمّا أحسّ من الشمال شميما مولده بغرناطة، يوم السبت سابع عشر صفر عام ثلاثة وأربعين وسبعمائة؛ انتهى.
[أشعار للسان الدين]
وممّا خاطب به لسان الدين رحمه الله تعالى ولده عبد الله المذكور ما في النفاضة من قوله: أنشدت ابني عبد الله وقد وصل لزيارتي من الباب السلطاني حيث جرايته ووظيفته، وانجر حديث ما فقد بغرناطة في شجون الكلام:
يا بنيّ عبد الإله احتساباً ... عن أثابٍ ومنزلٍ وعقار
стр. 3985
كيف يأسى على خسارة جزء ... من يرى الكلّ في سبيل الخسار
هدف لا تني سهام الليالي ... عن سباق تجاهه وبدار
واحد طائش وسهم مصيب ... ليس ينجي منها اشتمال حذار
غير ذي الدار صرف الهم فيها ... فمناخ الرحيل ليس بدار انتهى. وقال أيضاً رحمه الله تعالى: ممّا أنشدته ولدي عبد الله، وأمرته بحفظه والتأدب به واللهج بحكمته:
إذا ذهبت يمينك لا تضيّع ... يسارك في البكاء ولا المصيبهْ
ويسراك اغتنم فالقوس ترمي ... وما تدري أرشقتها قريبهْ
وما بغريبة نوب اللّيالي ... ولكنّ النجاة هي الغريبهْ قال: ومن المنظوم في قريب من هذا قولي:
أيا أهل هذا القطر ساعده القطر ... دهيت فدلوني لمن يرفع الأمر
تشاغلت بالدنيا ونمت مفرّطاً ... وفي شغلي أو نومتي سرق العمر وقال رحمه الله تعالى: وممّا قلته وقد انصرف عني الولد عبد الله إلى مدينة فاس لإقامة رسمه من الخدمة، وأشجاني انصرافه لوقوع قرحة على قرح، والله المستعان:
بان يوم الخميس قرّة عيني ... حسبي الله أيّ موقف بين
لو جنى موقف النوى حين حيّا ... حان يوم الوداع والله حيني
ضايقتني صروف هذي الليالي ... وأطالت همّي وألوت بديني
وطن نازح وشمل شتيت ... كيف يبقى معذّب بعد ذين
يا إلهي أدرك بلطفك ضعفي ... إنّ ما أشتكيه ليس بهين وقال رحمه الله تعالى: أنشدت يوماً ولدي عبد الله وقد رأيت منه نشاطاً
стр. 3986
ومرحاً انتقل مني إليه بعد السن:
سرق الدهر شبابي من يدي ... وفؤادي مشعر بالكمد
جملة الأمر إذا أبصرته ... باع ما أفقدني من ولدي وقد سبق هذان البيتان عند ذكر بعض نظم لسان الدين رحمه الله تعالى.
[علي وتعليقاته على الإحاطة]
وأمّا علي بن لسان الدين رحمه الله تعالى فهو شاعر البيت بعد أبيه النبيه، وكان مصاحباً للسلطان أحمد المريني المستنصر بالله ابن السلطان أبي سالم ابن السلطان أبي الحسن المريني، رحمهم الله تعالى.
وحكى بعضهم أنّه حضر معه في بستان، سحّ فيه ماء المذاكرة الهتّان، وقد أبدى الأصيل شواهد الاصفرار، وأزمع النهار لما قدم الليل على الفرار، فقال المستنصر لما لان جانبه، وسالت بين سرحات البستان جداوله ومذانبه:
يا فاس إنّي وأيم الله ذو شغف ... في كلّ ربع لهم مغناه يسبيني
وقد أنست بقرب منك يا أملي ... ونظرة فيكم بالأنس تحييني فأجابه أبو الحسن علي بن الخطيب، بقوله المصيب:
لا أوحش الله ربعاً أنت زائره ... يا بهجة الملك والدنيا مع الدين
يا أحمد الحمد، أبقاك الإله لنا ... فخر الملوك وسلطان السلاطين وقد رحل رحمه الله تعالى إلى مصر، ولم يحضرني الآن من أحواله بعد دخوله مصر ما أعوّل عليه، وقد كان وقف بالقاهرة على نسخة الإحاطة التي وجّهها أبوه إلى مصر ووقفها بخانقاه سعيد السعداء كما أشرنا إليه فيما مرّ، فكتب بالحواشي كتابات مفيدة، وقد ذكرنا بعضها فيما أسلفناه من هذا الكتاب
стр. 3987
فليراجع: إما تكميل لما أغفله أبوه، وإما إخبار عمّا شاهده هو، أو رواية له عن المترجم به، أو جواب عن أبيه فيما انتقد عليه.
[نماذج في تعليقاته من ترجمة ابن جابر]
ولنذكر شيئاً منها غير ما تقدم بعد إيراد نص " الإحاطة " فنقول:
قال في الإحاطة في حرف الميم في ترجمة شمس الدين الهواري (١) الضرير شارح ألفية ابن مالك وصاحب البديعية الشهيرة بالأعمى والبصير، ما صورته: محمد بن أحمد بن علي الهوّاري، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن جابر، من أهل المرية.
حاله - رجل كفيف البصر، مدل على الشعر، عظيم الكفاية والمنة على زمانته، رحل إلى المشرق، وتظاهر برجل من أصحابنا يعرف بأبي جعفر الإلبيري، صارا روحين في جسد، ووقع الشعر منهما بين لحيي أسد، وشمر للعلم وطلبه، فكان وظيفة الكفيف النظم، ووظيفة البصير الكتب، وانقطع الآن خبرهما؛ انتهى.
فكتب المذكور على أوّل الترجمة ما صورته: نعم الرجل ورفيقه أبو جعفر أحسن الله تعالى إليهما، فلقد أحسنا الصحبة، في الغربة، وانفردا بالنزاهة والفضل وعلو الهمّة، إلا أن المصنف قصّر فيهما بعض قصور، ومنهما يطلب الإغضاء والصفح، فالرجل مات، وذكر الأموات بالخير مشروع، وهما والله الشرف الباهر بقطرهما علماً وعملاً، أمتع الله تعالى بهما، قاله ولد المؤلف علي بن الخطيب القاهرة؛ انتهى.
стр. 3988
وكتب على قول أبيه وانقطع الآن خبرهما ما نصّه: هما الآن بإلبيرة من حلب، تحت إنعام ولطف، تحث إليهما الرواحل، وتضرب إليهما آباط النّجب.
رجع تكميل ترجمة الشمس ابن جابر من " الإحاطة ":
قال لسان الدين بعد ما مضى ما نصّه، وجرى ذكره في الإكليل بما نصّه: محسوب من طلبتها الجلّة، ومعدود فيمن طلع بأفقها من الأهلّة، رحل إلى المشرق وقد أصيب ببصره، واستهان في جنب الاستفادة بمشقّة سفره، على بيان عذره، ووضوح ضره.
شعره - وشعره كثير، فمنه قوله:
سلوا حسن ذاك الخال في صفحة الخدّ ... متى رقموا بالمسك في ناعم الورد
وقولوا لذاك الثغر في ذلك اللّمى ... متى كان شأن الدرّ يوجد في الشهد
ومن هزّ غصن القدّ منها لفتنّي ... وأودعه رمانتي ذلك النهد
ومن متّع القضب اللّدان بوصفها ... إلى أن أعؤن الحسن من ذلك القد
فتاة تفتّ القلب مني بمقلة ... لها رقّة الغزلان في سطوة الأسد
تمنيت أن تهدي إليّ نهودها ... فقالت رأيت البدر يهداه أو يهدي
فقلت أللرّمّان بدّ من الجنى ... فتاهت وقالت: باللواحظ لا الأيدي
فقلت أليس القلب عندك حاصلاً ... فقالت قلوب الناس كلّهم عندي
فقلت اجعليني من عبيدك في الهوى ... فقالت كفاني كم لحسني من عبد
إذا شئت أن أرضاك عبداً فمت جوىً ... ولا تشتكي واصبر على ألم الصدّ
ألم تر أنّ النحل يحمل ضرّها ... لأجل الذي تجنيه من خالص الشهد
كذلك بذل النفس سهل لذي النّهى ... لما يكسب الإنسان من شرف الحمد
ألست ترى كفّ ابن جانة طالما ... أضاع كريم المال في طلب المجد
стр. 3989
وكتب ابن المؤلف على هذه القصيدة ما صورته: عارضة قوية، ونزعة خفاجية، ويكف لا والشيخ أبو عبد الله صدر صدور الأندلس علماً ونظماً ونحواً، زاده الله تعالى من فضله؛ انتهى.
رجع إلى الترجمة - قال لسان الدين: وقال، يعني ابن جابر:
عرّج على بان العذيب ونادي ... وانشد فديتك أين حلّ فؤادي
وإذا مررت على المنازل بالحمى ... فاشرح هنالك لوعتي وسهادي
إيه فديتك يا نُسيمة خبري ... كيف الأحبة والحمى والوادي
يا سعد، قد بان العذيب وبانه ... فانزل فديتك قد بدا إسعادي
خذ في البشارة مهجتي يوماً إذا ... بان العذيب ونور حسن سعاد
قد صحّ عيدي يوم أبصر حسنها ... وكذا الهلال علامة الأعياد وممّا نقلته من جزء قيده لي صاحبنا الفقيه الأستاذ أبو علي الزواوي ممّا ادعاه لنفسه:
عليّ لكلّ ذي كرم ذمام ... ولي بمدارك المجد اهتمام
وأحسن ما لديّ لقاء حرّ ... وصحبة معشر بالمجد هاموا
وإنّي حين أنسب من أناس ... على قمم النجوم لهم مقام
يميل بهم إلى المجد ارتياح ... كما مالت بشاربها المدام
هم لبسوا أديم الليل برداً ... ليسفر عن أديمهم الظلام
هم جعلوا متون العيس أرضاً ... فمذ عزموا الرحيل فقد أقاموا
فمن كلّ البلاد لنا ارتحال ... وفي كلّ البلاد لنا مقام
وحول موارد العلياء منّا ... لنا مع كلّ ذي شرف زحام
تصيب سهامنا غرض المعالي ... إذا ضلّت عن الغرض السهام
وليس لنا من المجد اقتناع ... ولو أنّ النجوم لنا خيام
стр. 3990
ثم سرد لسان الدين القصيدة بتمامها، وذكر بعد ما سبق اثنين وستين بيتاً، ولم نثبتها لطولها، ثم قال بعدها: نجزت وما كادت، ثم قال بعدها أيضاً: وقد وطّأ لإمطاء قروحها، وأعيا لإكثار سروحها، ثم قال بعده: والله ولي النجاة بفضله؛ انتهى.
وكتب ابنه على أول القصيدة وهو: عليّ لكلّ ذي كرم ذمام ما نصّه: نزعة معرية، قاله ابن المؤلف رحمه الله تعالى؛ انتهى.
وكتب الشيخ ابن مرزوق على قوله نجزت إلى آخره ما صورته: ما أنصف المصنف هذا الفاضل في ترجمته، وقدره شهير، ومكانه من الفضيلة كبير، وعلمه غزير، ولعلّه لم يطلع إلا على ما أودعه.
وكتب إثره ابن لسان الدين ما صورته: نعم يا سيدي أبا عبد الله ابن مرزوق لم ينصف المترجم به المؤلف، ولولا أنّهما بالحياة ما صدر منكم التنبيه، ولو حصلا تحت الصفيح لم تعملوا فيهما قلماً، هكذا شأن الدنيا بقلّة الوفاء شنشنة معروفة، والحقد على الأموات شأن المغاربة، قاله علي ابن المصنف رحمه الله تعالى؛ انتهى.
[استطراد بأشعار ابن جابر]
ولا خفاء أن لسان الدين لم يستوف حقوق الشمس ابن جابر الهوّاري المذكور مع أن له محاسن جمة. ومن محاسنه رحمه الله تعالى:
هناؤكم يا أهل طيبة قد حقّا ... فبالقرب من خير الورى حزتم السبقا
فلا يتحرّك ساكن منكم إلى ... سواها وإن جار الزّمان وإن شقا
فكم ملك رام الوصول لمثل ما ... وصلتم فلم يقدر ولو ملك الخلقا
فبشراكم نلتم عناية ربّكم ... فها أنتم في بحر نعمته غرقى
стр. 3991
ترون رسول الله في كلّ ساعة ... ومن يره فهو السعيد به حقّاً
متى جئتم لا يغلق الباب دونكم ... وباب ذوي الإحسان لا يقبل الغلقا
فيسمع شكواكم ويكشف ضركم ... ولا يمنع الإحسان حراً ولا رقّا
بطيبة مثواكم، وأكرم مرسل ... يلاحظكم فالدهر يجري لكم وفقا
فكم نعمة لله فيها عليكم ... فشكراً، وشكر الله بالشكر يستبقى
أمنتم من الدجّال فيها فحولها ... ملائكة يحمون من دونها الطّرقا
كذاك من الطاعون أنتم بمأمن ... فوجه اللّيالي لا يزال بكم طلقا
فلا تنظروا إلاّ لوجه حبيبكم ... وإن جاءت الدنيا ومرّت فلا
حياة وموتاً تحت رحماه أنتم ... وحشراً فستر الجاه فوقكم ملقى
فيا راحلاً عنها لدنيا يريدها ... أتطلب ما يفنى وتترك ما يبقى
أتخرج عن حرز النبيّ وحوزه ... إلى غيره تسفيه مثلك قد حقّا
لئن سرت تبغي من كريم إعانةً ... فأكرم من خير البرية ما تلقى
هو الرزق مقسوم فليس بزائل ... ولو سرت حتى كدت تخترق الأفقا
فكم قاعد قد وسع الله رزقه ... ومرتحل قد ضاق بين الورى رزقا
فعش في حمى خير الأنام ومت به ... إذا كنت في الدارين تطلب أن ترقى
إذا قمت فيما بين قبر ومنبر ... بطيبة فاعرف أين منزلك الأرقى
لقد أسعد الرحمن جار محمّد ... ومن جار في ترحاله فهو الأشقى ومن محاسنه رحمه الله تعالى المقصورة الفريدة، وهي قوله (١) :
بادر قلبي للهوى وما ارتأى ... لمّا رأى من حسنها ما قد رأى
فقرّب الوجد لقلبي حبها ... وكان قلبي قبل هذا قد نأى
стр. 3992
يا أيها العاذل في حبي لها ... أقصر فلي سمع عن العذل بأى (١)
لو أبصر العاذل منها لمحة ... ما فض باب عذله ولا فأى (٢)
سرّحت طرفي طالباً شأو العلا ... وتابعاً في حبها ما قد شأى (٣)
إنّي لأرعاها على تتبيعها ... عهدي، ومثل من وفى إذا وأى (٤)
من منصفي من شادن لم أرجه ... لحاجة من وصله إلا زأى (٥)
وإن قبضت النفس عن سلواته ... مدّ أديم هجره لي وسأى (٦)
لأقطعنّ البيد أفري حاذها ... بضامر يفري الحصى إذا جأى (٧)
حتى أزور ربّة الخدر وقد ... ذاد الكرى عني الوشاة وذأى (٨)
يا ربّ ليل قد تعاطينا به ... حديث أنس مثل أزهار الربى
في روضة تعانقت أغصانها ... إذا واصلت ما بينها ريح الصّبا
نادمت فيها من بني الحسن رشاً ... يصبو له من لم يكن قطّ صبا
حلو رخيم الدلّ في أعطافه ... لين وفي ألحاظه بيض الظّبى
أيام كان العيش غضّاً حسنه ... عذب الجنى ريبّان من ماء الصّبا
أي زمان ومحلّ للمنى ... ما ضاق مغناه بنا ولا نبا
يا مربعاً ما بين نجد والحمى ... ويا زماناً قد حباني ما حبا
стр. 3993
الله يرعاه زماناً لم يحل ... عن بذل ما نأمله ولا أبى
فأيّ مغنىً آهل يممته (١) ... لمقصد حلّت لنا فيه الحبا
هل ترجع الأيام عيشاً باللوى ... فراقه كان اللهيم الأربى (٢)
تالله لا أعبا بعيش قد مضى ... ولا زمان قد تعدّى وعتا
مذ علقت كفي بالهادي الذي ... ساد الورى طفلاً وكهلاً وفتى
كالبحر لا يغيض يوماً ورده ... لوارد إذا أصاف أو شتا
متصل البرّ لمن قد أمّه ... لا يكره العودة ممّن قد أتى
ولا يناجي نفسه في ضيقة ... أيّ نهار سرّ هذا ومتى
إنّ رسول الله مصباح هدىً ... يهدى به من في جدى الليل متا (٣)
كفّ بني الجور بعدل واضح ... كما تكفّ اليد كفّاً من فتى
كم ذي هوى قد راضه بهديه ... فانقاد كالعبد إذا العبد قتا (٤)
قد خالط الحلم سجايا طبعه ... كمثل ما قد خالط الثوب السنا (٥)
أقسمت لا زلت أوالي مدحه ... ما اشتدّ بالناس زمان ورتا (٦)
لولا اشتياقي لديار كرمت ... لبعدها يرثي لنا من قد رثى
ومدح من أرجو بأمداحي له ... إصلاح ما قد عاث مني وعثا
لم أجعل الشعر لنفسي خلّة ... ولم يخش فكري به ولا غثا (٧)
стр. 3994
فما أرى الأيام تبدي منصفاً ... ولو حكيت المسك من حسن النّثا
يا ضيعة الألباب في دهر غدا ... فيه فتيت المسك يعلوه الخثى (١)
يا ويل أم ليس تزجي ضيمها ... مثلي بما تبديه من منع الحثا (٢)
هل مارست إلا أخا عزم إذا ... ما قعد الناس عن الخطب جثا (٣)
تسيل من جهد السرى أعطافه ... كمثل ما سال من الدوح اللثى (٤)
له اعتصام بالرسول المجتبى ... أجود من أضفى العطايا وحثا
من ليس للدنيا محلّ عنده ... ولا ينيل المال إلا بالحثا (٥)
أنا الفتى لا يطّبيني طمع ... فأبذل الوجه لنيل يرتجى
لكن إذا اضطر زمان جائر ... أمّلت من ليس يردّ من رجا
لا أسأل النذل ولو أنّي به ... أملك ما حاز النهار والدجى
حسبي بنو عبد مناف بهم ... يغنى من استغنى وينجو من نجا
أولئك القوم الألى من أمّهم ... أمّن ممن لام يوماً وهجا
يلقاك منهم كلّ وجه مشرق ... كأنّه البدر إذا الليل سجا
إنّي مذ أمّلتهم لم يثنني ... عن طلب المجد زمان قد شجا
إن أنا قد نكّرني دهرٌ عدا ... فطالما عرّفني فضل الحجى
يطوي العدا ذكري ومجدي ناشري ... آليت لا زال لهم مني شجا
أنا الذي أعملت للمجد السّرى ... لا أسأم الأين ولا أشكو الوجى
стр. 3995
كم سرت في البيداء لا يقلقني ... حرّ الهجير لا ولا برد الضحى
أرسلها غرّ الذرا تسري بنا ... كلّ عويص السير صعب المنتحى
يطيح مفتوت الحصى من دونها ... كأنّه سهم عن القوس طحا (١)
فكم بذلت الجهد في كسب العلا ... وجدت بالنفس لحاني من لحا
أرغم أعداي بحزم نافذ ... يعركهم عرك الثفال بالرحى
أذود عن عرضي وأحمي حسبي ... بكرم جزل ومجد قد ضحا
أقسم بالبيت ومن طاف به ... ومن نحا وجهته فيمن نحا
وكلّ من أعمل لله الخطا ... محا بها من الخطايا ما محا
ومعشر ثجّوا وعجّوا فلهم ... بمرتقى المروة ذكر ووحى (٢)
لا زلت أزجيها لإدراك العلا ... حتى ترى من جهدها مثل اللّحا
يا عجباً من حاسد لي قد زها ... بعيشه الغض عليّ وانتخى
كأنّني لم أعرف العزّ ولا ... صاحبت دهري في سرور ورخا
وإنما الدهر له تقلّب ... إن ارتخى شد وإن شد ارتخى
إنّ الذي لا ينثني عن جوده ... إن بخل الدهر لنا وإن سخا
خير الورى طرّاً من الله به ... أذهب عنّا كلّ غيّ فامتخى (٣)
شرّفه الله وحلّى جيده ... بجوهر من كل مجد موتخى (٤)
زينة تواضع على علا ... فما ازدهى بعزة ولا نخا (٥)
فكم حمى بهديه وكم وقى ... وكم أفاد آملاً وكم نخا