وصفّ جمعته فائز إذ أجساد المنافقين بالتغابن استعرت، وله الطلاق والتحريم ومقام الملك والقلم فناهيك به من مقام، وفي الحاقة أعلى الله له المعارج على نوح المتطهر، وخصّه من بين الإنس والجن بيا أيّها المزّمّل ويا أيّها المدّثّر، وشفّعه في القيامة إذا دموع الإنسان مرسلات كالماء المتفجر، ووجهه عند نبإ النازعات وقد عبس الوجه كالهلال المتنور، ويوم التكوير والانفطار وهلاك المطففين وانشقاق ذات البروج بشفاعته غير متضجر، وقد حرست لمولده السماء بالطارق الأعلى وتمّت غاشية العذاب إلى الفجر لعى المردة اللئام، فهو البلد الأمين وشمس الليل والضحى المخصوص بانشراح الصدر، والمفضل بالتين والزيتون المستخرج من أمشاج العلق الطاهر العلي القدر، شجاع البرية يوم الزلزال إذ عاديات القارعة تدوس أهل التكاثر ومشركي العصر، أهلك الله به الهمزة وأصحاب الفيل إذ مكروا بقريش ولم يتواصوا بالحقّ ولم يتواصوا بالصبر، المخصوص بالدين الحنيفي والكوثر السلسال والمؤيد على أهل الجحد بالنصر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما تبّت يدا معاديه، ونعم بالتوحيد مواليه، وما أفصح فلق الصبح بين الناس وامتد الظلام.
[قصيدة على مثالها للكفعمي]
ولنشفع هذه الخطبة بقصيدة على سور القرآن، في مدح سيد ولد عدنان، يحسن هنا أن ننضي عن فرائد نفائسها لطلابها، ما أغدف من خمرها وستورها، ونجلّي عن خرائد عرائسها لخطابها، ما أسدف من غررها في خدورها، فانظر إلى سور أبياتها وصور تورياتها، ثم ادعهن يأتينك سعياً، فحفظاً لها ووعياً، وهي هذه:
يا من له السبع المثاني تنزل ... وخواتم البقرة عليه تنزل
في آل عمران النساء لم تلد ... كنظيره الأجساد ذلك تفعل
стр. 4027
مولى له الأنعام والأعراف وال ... أنفال والحكم التي لا تجهل
بعلاه توبة يونس قبلت كذا ... هود ويوسف رعدهم يتجلجل
وكذاك إبراهيم في حجر له ... والنحل في الإسرا عليه تعوّل
يا كهف مريم أنت طه الأنبيا ... والحج ثم المؤمنون الأفضل
يا نور يا فرقان يا من مدحه ... نطقت به الشعراء وهو المرسل
والنمل في قصص الحديث به دعت ... وعليه نسج العنكبوت يهدّل
والروم تتلو إسمه ولكم به ... لقمان حقّاً في المضاجع يسأل
وبعزمه الأحزاب جمعهم سبا ... وبه الملائكة الكرام تفضل
يس سمّاه الإله بذكره ... وكواكب بسعوده لا تأفل
يا ليتني صاد شربت بكأسه ... وعليه في زمر وردت فأنهل
كم مؤمن قد فصّلت أعلامه ... من زخرف بجداه يا من يعقل
ودخان جاثية على أحقافها ... بقتاله أطفى وفتح أدخل
حجرات قاف ذاريات سمائه ... في طورها نجم منير يكمل
ودنا له القمر المنير وشقّه ال ... رحمن واقعة له لا تجهل
زغف الحديد بحربه أصواتها ... رعد مجادلة لقوم أبسلوا
وله لدى الحشر العظيم شفاعة ... في أمّة بالإمتحان تسربلوا
عن صفّ جمعته المنافق نائياً ... يوم التغابن من حديد ينعل
يا من به شرع الطلاق ومن له ال ... تحريم والملك العظيم الأكمل
يا من به ذو النون لاذ بيمنه ... لمّا أصيب بحاقة لا تعدل
يا من سأل نوح بطاهر إسمه ... يا من أتته الجنّ يا مزّمّل
مدّثّر يوم القيامة شافع ... ومخلّص الإنسان وهو الموئل
يا من نزول المرسلات ببعثه (١) ... يا أيّها النّبأ العظيم الأكمل
стр. 4028
والنازعات نزعن نفس عدوّه ... هذا، وقد عبس الجبين وأذهلوا
وهو الشفيع إذا المنيرة كوّرت ... والإنفطار من السماء يعجل
ولدى ذوي التطفيف ويل والسما ... في الإنشقاق إذ البروج تبدل
والله قد حرس السماء بطارق ... لولادة الأعلى به يتفضل
وأزال غاشية العذاب ونوره ... كالفجر إذ أنواره تتهلّل
بلد أمين ثم شمس أشرقت ... والشعر ضاهى الليل بل هو أليل
شمس الضحى من وجهه ولصدره ... ألانشراح، وقلبه لا يغفل
يا من أتى في التين حقّاً ذكره ... فاقرأ ولا يرتاب فيه، واسألوا
يا من ليالي القدر بيبّنة له ... وعداه بالزلزال منه تزلزلوا
بالعاديات أزال قارعة العدا ... وبقوله ألهاكم ما تجهل
ولقد أتى من قبل عصر نبيّنا ... ويل لأهل الفيل منه وقتّلوا
هو صاحب الإيلاف والدين الذي ... يسقى غداً من كوثر يتسلسل
والكافرون لنصره في جيدهم ... مسد إذا التوحيد عنه تعدل
يا خاتماً فلق الصباح كوجهه (١) ... والنّاس منه مكبر ومهلّل
أبياتها ميقات موسى عدّة ... والكفعمي بمدحه يتجمّل
صلّى عليه الله مع أصحابه (٢) ... ما زال طير العندليب يعندل [ترجمة الكفعمي]
والكفعمي هو إبراهيم بن علي بن حسن بن محمد بن صالح نسبة إلى كفر عيما (٣) قرية من قرى أعمال صفد، كما تقول في النسبة إلى بني عبد الدار:
стр. 4029
عبدري، وإلى حص كيفا: حصكفي، وشرحه لبديعيته سماه نور حدقة البديع ونور حديقة الربيع " (١) وما رأيت مثله في سعة الحفظ والجمع.
ومن نظمه في أسماء الكتب:
يا طريق النجاة بحر فلاح ... أنت دفع الهموم والأحزان
أنت أنس التوحيد عدّة داع ... ثم روح الإحيا وفلك المعاني
نهج حيّ ونثر درّ نبيه ... ورياض الآداب ذكرى البيان
فائق رائع مسرة راض ... منتهى السؤل جامع للأماني
نزهة عدّة ظرائف لطف ... روضة مبهج جنان الجنان
زاهر كامل شهاب وكنز ... مجتنى من ذخيرة الإخوان
فصحاح الألفاظ فيه تلقّى ... وشذور العقود والمرجان
وهو قوت القلوب نهج جنان ... وكنوز النجاح والبرهان فناسب بين أسماء الكتب، وقصده غير ذلك، وأكثر هذه الكتب التي ورّى بها غير موجودة بأيدي الناس، بل ولا معروفة لديهم، وهذا دليل على سعة اطلاعه.
ومن بدائع الكفعمي المذكور رسالة كتب بها إلى قاضي القضاة العالم العلامة أبي العباس ابن الفرفور (٢) في شأن أستاذ دار قاضي القضاة المذكور الأمير علاء
стр. 4030
الدين، ويخرج من أثنائها قصيدة منها: يقبّل الأرض وينهي (سلام) عبد لكم محب وعلى المقة مكب لو بدا للناظرين عشر معشار شوقه وغرامه لطبّق ذلك ما بين آفاق السموات السبع والأرض لشدة هيامه تراه حقّاً لكم حافياً بالأمن والسرور والسعد والحبور داعياً لا جرم وهذا الثناء المتوالي والدعا للمقام العالي لا شكّ من لازم الفرض ملّكه الله تعالى أزمّة البسط والقبض، وأنجاك ربي من المعاطب في دينك ودنياك وأنقذك من شر كل صغير شدة وكبيرها، وأرضاك، وجعلك أميناً في الأرض، إلى يوم القيامة والنشور والعرض، كما أنت أمن لي من المخاوف وعون في كل شدة وغوث وملجأ وعدة وأنجت آمالي ووفرت بإخدامك لي مالي وأحسنت قرضي ووفرت بإجلالك لي عرضي، وينهي المملوك إلى سيده قاضي القضاة وكافي الكفاة بأن المتولي الأمين ذا الفخر المبين علي ابن المرحوم فخر الدين قوله في أمركم العالي مرضي وفعله مقضي ومدحكم عليه فرض واجب قراه أبداً لسانه ويذكر المناقب وحبّكم له واختياركم إياه دالّ بأنّه أمين حليم شاهده حقّاً يقضي بجعله على خزائن الأرض إنّه حفيظ عليم حديث مدح سواكم ليس من مدائحه، ولا يمرّ أبداً بقلبه وجوارحه وإن مرّ في خاطره لا يحلو قطعاً وحكمكم عليه شرعاً، ومرسومكم يمضي وأمركم يقضي يتيه سروراً به رؤساء أهل الشام، ومن في القبيبات من الأنام، عزّة وعلوّاً لخدمته الشريفة إياك ولأنّه يا قاضي قضاة الدين والأرض لا يريد سواك، فإن يك الخادم المذكور في بعض أفعاله غافلاً أو في مقاله غير كامل وعصاكم في بعض الأمر فعين العفو والستر عن ذنبه لا جرم تغضي، وهو بتوبته إليه يفضي
стр. 4031
وسلام الله عليكم ورحمته لديكم كلّما نطق ناطق أو ذرّ في المشارق شارق وما دارت الأفلاك، وسبحت بلغاتها الأملاك، في فسيح الطول ورحب العرض، دوماً ما بين السماء والأرض.
وهذه أبيات القصيدة المتولدة من هذه الرسالة:
سلام محب لو بدا عشر شوقه ... لطبّق ما بين السّموات والأرض
تراه لكم بالأمن والسعد داعياً ... وهذا الدعا لا شك من لازم الفرض
وأنجاك في دنياك من كل شدة ... وأرضاك في يوم القيامة والعرض
كما أنت لي عون وغوث وعدّة ... ووفرت لي ما لي ووفرت لي عرضي هذا، ويصح أن يقرأ عوناً بالنصب على الحاليّة، وهو الذي رأيته بخطه، أعني الكفعمي، ثم قال:
وينهي إلى قاضي القضاة بأنّ ذا ... عليّ بن فخر الدين في أمركم مرضي
ومدحكم فرض قراه لسانه ... وحبّكم إيّاه شاهده يقضي
حديث سواكم لا يمر بقلبه ... وإن مرّ لا يحلو وحكمكم يمضي
يتيه به أهل القبيبات عزّة ... لخدمته إياك يا قاضي الأرض
فإن يك في أفعاله أو مقاله ... عصاكم فعين العفو معن ذنبه تغضي
سلام عليكم كلّما ذرّ شارق ... وسبّحت الأملاك في الطول والعرض قلت: وهذه طريقة بديعة، وقد تبارى فيها البلغاء، فبعضهم يعمد إلى أحاديث أو آيات وينسج على منواله مثلها، ويفرقها في أبياته أو سجعاته، ويكتبها بلون مخالف للأصل، وقد ذكرت في روضة الورد من أزهار الرياض من كلام ابن عاصم ما لا مزيد وراءه، فليراجعه من أراده، وذكرت في غيره أيضاً نبذة.
стр. 4032
رجع إلى نظم ابن جابر - فمن ذلك قوله:
ناديت من أسري به ... بحياة من أسري به
سل مدمعاً تجري به ... بلواه في تجريبه وقوله:
أيّها العاذل في حبي له ... خلّ نفسي في جواها تحترق
ما الذي ضرّك منه بعدما ... صار قلبي في هواه تحت رق وله:
برد الصباح على برد الصّا سحراً ... ما زال يذكرني أوقات نعمان
لهفي لعيش قضينا في معاهدها ... ما بين حسن من الدنيا وإحسان وله رحمه الله تعالى من حسناته المقبولة المضاعفة أيضاً:
جعلت ملاك العين والقلب في الهوى ... بناطقة القرطين صامتة القلب
تصحّف لي ألحاظها لين قدّها ... وتقلّبه كيما تصيد به قلبي قال بعض علماء المشرق: أجاد والله هذا العالم المغربي المقال، وأراد أ، لفظ لين إذا قلب صار نيلاً، وإذا صحّف صار نبلاً، وهذا زيادة على ما فيه من التحريف؛ انتهى.
[من شعر أبي جعفر رفيق ابن جابر]
وقريب منه لرفيق المذكور قوله:
يفترّ عن برد يثير ببرده ... حرّ الغرام ولا سبيل لرشفه
أخذ الرشا من حسنه طرفاً لذا ... نسب الورى ملح الجمال لطرفه
стр. 4033
وله:
تجرّ فرعيها على إثرها ... رافلةً في حلل الحسن
فتطلع البدر لنا في الدجى ... وترسل البدر على الغصن وله:
قد نعمنا بجزع نعمان لكن ... عقّنا البعد، والعقوق قبيح
قل لأهل الخيام أمّا فؤادي ... فجريح لكنّ ودّي صحيح وقوله:
مقدّمات الرقيب كيف غدت ... عند لقاء الحبيب متّصلة
تمنعنا الجمع والخلوّ معاً ... وإنّما ذاك حكم منفصله وله يمدح سيد الخلق وخاتم المرسلين، صلى الله عليه وعليهم أجمعين:
رحمةً أرسله الله لنا ... وشفيعاً قد غدا فينا غدا
وهب المال لمن مال له ... وفدى من ذنبه من وفدا
ليس يحصي فضله إلا الذي ... هو أحصى كلّ شيء عددا وله:
حسّن النية ما اسطعت ولا ... تتّبع في الناس أسباب الهوى
إنّما الأعمال بالنيات، من ... ينو شيئاَ فله ما قد نوى وله:
قالت وقد حاولت نيل وصالها ... من غير شيء لا تجوز المسألهْ
بالله قل لي أين نحوك يا فتى ... أرأيت موصولاً يجيء بلا صله
стр. 4034
وهذا معنى قد تلاعب الشعراء بكرته، وقضية ابن عنين في ذلك مع المعظّم دالة على توقد فكرته، وما ذاك إلاّ أنّه مرض فكتب إلى الملك المعظّم:
انظر إليّ بعين مولىً لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي، أحتاج ما يحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي فعادة المعظّم وأعطاه ألفاً، وقيل: ثلاثمائة، وقال له: هذه الصلة، وأنا العائد.
قال بعض المغاربة في هذا: قد تلطف ابن عنين في الصلة والعائد، وأجاد وسبق المعظم إلى فهم مقصوده مطابقة الجوار فأتى بما يستغرب عن سيبويه ونظرائه، فلذلك جعل الشرف ابن عنين ديوانه مملوءاً بمدحه وأطرابه، ونقلته من حفظي وفيه بعض تغيير بيتين.
[عود إلى شعر ابن جابر]
وقال ابن جابر المذكور:
يا دار ليلى لا صمتك يد البلى ... وسقاك درّ الغيث كلّ سحاب
أصبو إلى تلك الربوع، وكيف لا ... أصبو وهنّ منازل الأحباب وقال من قصيدة:
وأطلب تشويق الأنام بحسنه ... فأذكر من أسمائه كلّ طيّب ومنها:
وإنّي لم أمدحه إلا تشوّقاً ... وإن كان مشهوراً بشرقِ ومغرب
стр. 4035
وقال:
أمر الشباب [......] ... فهفا فقالت: دمعتي أغلى
أسر الهوى مهج الأنام لها ... إذ سلّ من أعطافها أسلا وقال:
ظعنوا [والقدود] منهم رماح ... طعنوا في الحشا بها فأصابوا
جاد دمعي لهم وقد حاد صبري ... حين سارت بالظاعنين الرّكاب وقال:
شاه وجه الرقيب إذ شاء وصلي ... قمري، والأنام عنّا نيام
زارني بالنّهار في الليل لكن ... ليل فرع يحار فيه الظلام وقال:
يا أيّها الجائر في حكمه ... إني فيما قد جرى حائر
قدّك من أعدل شيء يرى ... وأنت في أهل الهوى جائر وقال:
قد زعم العاذل لي أنّه ... يهدي لي الرّشد بما يصنع
ما هو هاد لي ولكنّه ... هاذٍ فسمعي قال لا تسمعوا وقال:
شفى فؤادي من شقا هجره ... وبتّ من لقياه في عيد
وزارني يحكي غزال النقا ... في الحسن لولا الحلّي في الجيد وقال:
стр. 4036
سلب القلب غزال قدّه ... قد حكى البان لنا والسّلما
ساحر العين إذا أبصره ... كاتب ألقى لديه القلما وقال:
يكفي الأنام بسيفه وبسيبه ... عقد المكاره والمكارم دائما وقال:
تجلّت بما يحكي محاسن ثغرها ... وحلّت عقود الصبر مني عقودها
ثقيلة أرداف فصعب قيامها ... بما حملت منها وسهل قعودها وقال:
أبى حسنها إلا افتنان قلوبنا ... فكم قد أباد الحسن فيها من الناس
وقالت تحمل طول هجري إن ترد ... وصال ذوات الحسن قلت على راسي وقال:
أرى أناساً، من أراد الرضى ... منهم رجا ما ليس بالممكن
سيّان أن يعطوا وأن يمنعوا ... قد ضاع فيهم كرم المحسن وقال:
يا جيرة الحيّ حيّا الله واديكم ... فكم سرور به للقلب قد عرضا
فلن أنسال حياة أستلذ بها ... إذا أنا لم أنل عن وصلكم غرضا وقال:
شبّ حرّ الفؤاد ماء رضاب ... منه قد حار فيه ماء الغمام
زان بالحلي جيده قلت: ماذا ... قال: شيء نظمته من كلامي
стр. 4037
وقال:
صاد قلبي وصدّ عني صدودا ... وانثنى يسحب الذوائب سودا
فرأيت الصباح في الليل يبدو ... وشهدت الرّشا يصيد الأسودا وقال:
إنّي سئمت من الزمان لطول ما ... قد صدّ عن حسن الوفاء رجاله
ومن النوادر في زمانك أن ترى ... خلاّ حمدت وداده وخلاله وقال:
إن قابل الغصن بأعطافه ... فقلّ أن تبصر من فرق
قلت قد استبعد كلّ الورى ... فقال ذاك البعض من حقّي وقال:
صحّ أنّ الصباح من وجنتيها ... وغصون الرياض من معطفيها
قاتل الله عاذلي قلّ يومٌ ... ليس يسعى بالعذل فيه إليها وقال:
شدّوا محاملهم يوم الرحال وقد ... محا رسوم اصطباري فقد من رحلا
هزّوا الغصون على الكثبان حين مضوا ... وأسبلوا فوق أقمار الدجى كللا وقال:
خدّ ترى الورد بعضاً من محاسنه ... تبارك الله ما أبهى شمائله
لصارم اللحظ قد أرخى حمائل من ... عذاره فحمى عنّا خمائله وقال:
стр. 4038
قام حادي الركاب ليلاً فغنّى ... فاستقام السّرى وثار الغرام
قيل نام الأنام فاهجع قليلاً ... قلت دون الحبيب لست أنام وقال:
ترامى بنا في البيد شوق إلى الحمى ... ترى عنده الأجفان منهلّة الدمع
فلمّا رأينا ربع من سكن الحشا ... نزلنا فقبّلنا ثرى ذلك الرّبع وقال:
يراودني الواشي على حبّ غيرها ... وإنّ محالاً أن يرى مثل حسنها
موفّرة الأرداف، مهضومة الحشا ... يريك التفات الظبي فاتر جفنها وقال:
سلّت علينا سيوفاً من لواحظها ... ومن لنا من سيوف اللحظ من واقي
أضحت لسفك دم العشاق هادرة ... فما ترى ديةً في قتل عشّاق وقال:
في خدّها شبهٌ للخال أو شيةٌ ... بما حوى الحسن من ألطاف أسرار
وشيٌ من الحسن لم يحتج لصنع يد ... تبارك الله هذي صنعة الباري وقال:
بين الجوانح لو علمت من الجوى ... نار عليها سكب عيني يهمع
فدع المدامع في مدى جريانها ... فالدمع بعد فراقهم لا يمنع وقال:
قالوا بدارين قد قالوا، وقد وردوا ... ماء العقيق، وبالزوراء قد باتوا
стр. 4039
بانوا عن العين لكن بالقلوب ثووا ... وفي البعاد عن الأحباب آفات وقال:
مليحة الخدّ به شامة ... كالورد قد نقّط بالغاليهْ
قلت لها: ما اسمك قولي لنا ... قالت: فما تعرفني غاليهْ وقال:
جارية جارية في مدى ... شبابها من أملح الخلق
ما بين فرق الصبح لمّا بدا ... ووجهها للناس من فرق وقال:
لصبّه منه امتداد النوى ... فلا يلام الدمع في صبّه
في قدّه لين فهلاّ قضى ... بقلبه منه إلى قلبه يريد بالقلب الأول التحويل والنقل: أي فهلاّ قضى بنقل اللين الذي في قدّه إلى قلبه.
وقال:
يا لابس اللام والأسياف عارية ... قد انعطفت على الأعطاف واللام
ويا ضجيع رماح الخطّ يرسلها ... في كلّ هام لها بالحظ في الهام الهام الأول: جمع هامة، والثاني اسم فاعل من همى يهمي.
قال رفيقه: لو قال " من الهام " لكان أليق بالمعنى وألطف.
وقال:
من مال يبغي كسب مال له ... من حرمه إن جاء أو حلّه
стр. 4040
فلا تثق يوماً به واحترز ... منه فما يبقي على خلّه وقال يتشوق إلى وطنه بالمرية:
لله عيش بالمريّة قد ذهب ... أخباره بالحسن تكتب بالذهب
وهبت لنا تلك اللّيالي مدة ... ثم استردّ الدهر منّا ما وهب وقال:
أنّ من شوقه فثار الضّرام ... ودرى الناس أنّه مستهام
لا تسل ما جرى من الدمع لمّا ... قيل هذي النقا وهذي الخيام وقال:
صلاة إله العالمين على الذي ... أقلّ العطايا منه واد من النّعم
يجود على الراجي وإن كان مذنباً ... وما قوله للسائلين سوى نعم وقال:
قد سبا قلبي غزال فاتن ... سل به كيف اعتدى في سلبه
أنا لا أعتب فيما قد جرى ... صفح الله له عن ذنبه وقال:
صبرت له فتمادى به ... هواه، فكانت هي الفاصله
وأنكر برّي ويا طالما ... أتاني يوماً فألقى صله وقال:
وليل نظمنا به شملنا ... كما انتظم البيت بالقافيه
وفرقنا الدهر من بعد ذا ... فلست من اليوم ألقى فيه
стр. 4041
فئة، ولا يكمل التجنيس فيه إلاّ بتسهيل الهمزة كما قال رفيقه، ولمّا أنشده قال:
ومن هذا النوع قول بعض الأندلسيين:
وقائل قال ألا صف لنا ... بستاننا هذا ونارنجنا
قلت لهم بستانكم جنّة ... ومن جنى النارنج ناراً جنى وقال ابن جابر المذكور:
قل بحقّ الهوى سمحت بوصل ... ربة القلب أم نهاك الرقيب
رمت نيل الوصال منها فقالت ... لك وصل غداً فقلت: قريب وقال:
زيّن الخدّ منه صدغ كنون ... قد بدا تحته عذار كلام
قلت هذي محاسن ابن هلال ... فانثنى وهو ضلاحك من كلامي وقال:
لها حسن لها عن كلّ شيء ... به قلبي، فما أنا أستفيق
على وجناتها نعمان يبدو ... لنا وشفاهها هنّ العقيق وقال:
تمرّ في ذكركم، والله، أحياني ... ولو سرى طيفكم ليلاً لأحياني
لا يعذب العيش لي بعد العذيب ولا ... نعيم مثل ليالينا بنعمان وقال:
مداراة هذا الخلق أوليك بينهم ... صفات هي الأقمار والنظم دارات
стр. 4042
وشارات حمد المرء أن لا ترى له ... على الناس ممّا لازم الحلم دارات وقال:
أرى كمداً سعيي إلى خاملٍ، ولو ... أراك مدى في فرقد بلغ السها
وما الخير يوماً من لئيم بممكن ... وإن كان منه الخبر يوماً فقد سها وقال:
أرى حيدي عن كلّ طارىء نعمةٍ ... أراح يدي من أن يقيّدها الذلّ
فمن أخذ المعروف من غير أهله ... تروح الليالي وهو في عنقه غلّ وقال:
شبا لحظها الماضي وحسن شبابها ... هما حمّلا نفسي من الوجد ما بها
كثيب النقا من ردفها، وقضيبه ... لمعطفها، والبدر تحت نقابها وقال:
حلّ عقد الصبر مني عقدها ... إذ سبت قلبي بما في قلبها
تحسب الدّرّ على لبّتها ... أنجماً قد كلّل البدر بها وقال:
شعر كالليل يبدو تحته ... قمر قد حار شعري في صفاته
نقل المسواك عن مبسمه ... أنّ ماء الورد يجري من لثاته وقال:
من سنّ تلك اللحاظ فاتّبعت ... من سنّة الحبّ كلّ متّبع
تقتل عشّاقها بلا سبب ... وذاك في الحبّ غير مبتدع
стр. 4043
وقال:
وما شجو صال لوعة الهجر قد قضى ... زمان وصال لم تكدّر مشاربه
كشجو محبّ لم يذق لذّة الرضى ... ولا بات والغيد الحسان تلاعبه وقال:
سرت في رحال العيس منه أهلّةٌ ... فأيسر حال أن أزوّدها قلبي
بعيشك قل لي هل دروا كيف علّتي ... وفيض دموعي بعد منصرف الركب وقال:
من جنى باللحاظ زهر المعاني ... من جناب الحمى إذا الناس ناموا
هو قد نال كلّ ما يتمنى ... وسعت في مراده الأيام وقال:
لطائف حسنها بربوع قلبي ... لطائف ألجأتني للغرام
تريك تكاسلاً في اللحظ منها ... لتحسبه تنبّه من منام وقال:
إذا زرت حيّاً بالعقيق فحيّهم ... وذكّرهم عهدي وحقّ ودادي
حرامٌ فراق العيس حتى تحلّني ... بواديه من تلك الوجوه بوادي وقال:
من فرط ما في الطرف من فتنة ... قد غلب الحبّ على النّاس
قالت نسيت العهد قلت اكففي ... عنّي فما عبدكِ بالنّاسي وقال:
стр. 4044
بين نعمان وسلع ملأ ... ليس منهم لمحبّ ألم
كلفي منهم ببدر حلّ في ... فلك العياء فاعرف من هم وقال:
أراقبها وحين أرى سبيلاً ... أقاربها فتنفر كالغزال
وقالت أنت مرتقب لماذا ... فقلت لها: ارتقابي للهلال وله من قصيدة مطوّلة في فضائل الصحابة العشرة وأهل البيت، فمما يختص منها بأبي بكر رضي الله تعالى عنه قوله:
فمنهم أبو بكر خليفته الذي ... له الفضل والتقديم في كلّ مشهد
وصدّيق هادي الخلق والمؤثر الذي ... لإنفاقه للمال في الله قد هدي
وصهر رسول الله، وانته التي ... يبرئها نصّ الكتاب الممجّد
وصاحبه في الغار إذ قال لا تخف ... فثالثنا ذو العرش أوثق منجد
وسدّ على المختار مخرج حيّةٍ ... هناك برجلٍ منه فازت بأسعد
وفيه وفي خير الأنام تسامعوا ... بمكّة صوت الهاتف المتقصد (١)
" جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين حلاّ خيمتي أمّ معبد " (٢)
وعتق بلال حسبه، فهو سيّد ... تأثل في الإسلام، إعتاق سيد
стр. 4045
وقال رسول الله إنّ أمنّكم ... عليّ أبو بكر وأوفى بموعد (١)
فصدّق إذ كذبتم، وأطاع إذ ... عصيتم، ووافاني موافاة مسعد
ولو أنّني من أمتي كنت آخذاً ... خليلاً تولّى خلّتي وتودّدي
كان أبو بكر، ولكن أخوّة ... في الإسلام مهما تنقص الناس تزدد (٢)
فلمّا أراد الله قبض نبيّه ... وصار إلى دار النعيم المخلّد
تقدم في نيل الخلافة بعده ... بإجماعهم لا بالحسام المهنّد
وقد فارقت يومالسقيفة فرقة ... فلمّا رأته الحقّ لم تتردّد
وقام عليّ بعد ذاك مبايعاُ ... فأثنى ثناء المخلص المتودّد
وأظهر عذراً في تأنّيه صادقاً ... وبايع طوعاً لا لفقدان مسند
فآب بحمد منهم غير قاصر ... ومن يتبع الإنصاف والحقّ يحمدِ
وما أشبه الصدّيق في الفضل مشبه ... ولا أحصيت أوصافه بتعدّد وممّا يختص بعمر رضي الله تعالى عنه قوله من هذه القصيدة:
ويتبعه في فضله عمر الذي ... رمى عن قسيّ الصدق قوس مسدّد
وما كلّ من رام السعادة نالها ... ولكنّه من يسعد الله يسعد
هو المرء لم يترك له الحق صاحباً ... ولا قعد الشيطان منه بمقعد
ولا سلك الشيطان فجّاً قد اغتدى ... له سالكاً من خوفه المتزيّد
ومن ظلّه قد كان ينفر هيبةً ... له حيثما أضحى يروح ويغتدي (٣)
стр. 4046
وقد جاء عنهم: ما برحنا أعزة ... بإسلامه فانكفّ من كان يعتدي
ومن قولهم: إسلامه كان غرة ... وهجرته فتحاً شجا كلّ ملحد
وإمرته كانت على الناس رحمة ... فآبوا إلى فتح وعزّ ممهّد
ومن فضله رعي النبيّ بغيرة ... له فانثنى عن قصره المتشيد
وقد قيل للفاروق: هذا، ومن به ... فأنبأه عن ذا النعيم المؤبّد
فأقبل يبكي قائلاً كيف غيرتي ... عليك، ولولا أنت ما كنت أهتدي (١)
ورؤيا رسول الله للقدح الذي ... تناول من درّ به غاية الصدي
وناوله الفاروق من بعد ما ارتووا ... إلى أن غدا من ظفره الريّ يبتدي (٢)
فأوّله العلم الذي منه ناله ... وأوّل رؤيا الدلو حسن التأيد
فصارت له غرباً فأروى بها الورى ... فكان افتتاح الأرض فتح ممهّد
ورؤياه أيضاً في قميص يجرّه ... وللناس قمص بعضها يبلغ الثّدي
فأوّل خير الخلق طول قميصه ... بما حاز في إيمانه من تأيّد (٤)
وتفريقه ما بين حقّ وباطل ... بيوم سقى الكفّار أفظع مورد
وسمّي بالفاروق من أجل هذه ... ومازال في نصّ الهدى ذا تجلّد
وحسبك أنّ الله وافق رأيه ... لدى يوم بدر إذ رأى قتل من فدي
كذا في أذان والحجاب وجعلهم ... مصلّى مقاماً للخليل بمسجد (٤)
стр. 4047
شديد على أهل الهوى رحمة لمن ... عن الحقّ لم يجنح ولم يتحيّد
وممّا رووا إن كان في أمةٍ فتى ... يحدّث فالفاروق من ذاك فاعدد (١)
وما أبغض الفاروق إلا مفارق ... لدين الهدى ذو مذهب لم يسدّد وممّا يختص بعثمان رضي الله تعالى عنه قوله:
وحسبي عثمان بن عفان أنّه ... عليه اعتمادي وهو سؤلي ومقصدي
إمام صبور للأذى وهو قادر ... حليم عن الجاني جميل التعوّد
هو الجامع القرآ، والقانت الذي ... إذا جنّ ليل ليس يأوي لمرقد
ويقطع بالصوم النهار وينثني ... مدى ليله في خشية وتهجّد
وقال رسول الله في بئر رومة ... أما مشتر يبغي بها الأجر في غد
له الجنّة العليا بذلك فاشترى ... وتجهيز جيش العسرة اذكر وعدّد
فقال رسول الله إذ جاءه بما ... قد احتاج من مال وظهرٍ وأعبد
هنيئاً لعثمان بن عفّان عفله ... وما ضرّه ما بعد مع هذه اليد (٢)
وقول ألا أبدي حياء لمن له ... قد استحيت الأملاك أشرف محتد (٣)
وبلّغ بشرى الهاشميّ بأنّه ... من الجنة العليا بأكرم مقعد
ولكن على بلوى، وقال سأرتضي ... وأصبر صبر الطائع المتجلد
стр. 4048
فأظهر يوم الدار صبر أولي النّهى ... ولو شاء لم تظفر به يد معتد
ولم يرض، صوناً للدم، بحربهم ... وكان متى يستنجد القوم ينجد
فمات شهيداً صابراً فهو خير من ... على نفسه في غير حقّ قد اعتدي
على بنّي المختار أرخى ستوره ... فناهيك من مجد وعزٍّ مجدّد
ولم يدع ذا النورين إلا لأنّه ... حوى بيته نورين من نور أحمد
وإنّ لعثمان بن عفّان رتبةً ... من المجد تسمو عن سماكٍ وفرقد وممّا يختص بعلي رضي الله تعالى عنه قوله:
وإنّ عليّاً كان سيف رسوله ... وصاحبه السامي لمجد مشيّد
وصهر النبيّ المجتبى وابن عمّه ... أبو الحسنين المحتوي كلّ سؤدد
وزوّجه ربّ السما من سمائه ... وناهيك تزويجاً من العرش قد بدي
بخير نساء الجنة الغرّ سؤدداً ... وحسبك هذا سؤدداً لمسوّد
فباتا وحلي الزهد خير حلاهما ... وقد آثرا بالزاد من جاء يجتدي
فآثرت الجنات من حلل ومن ... حليّ لها رعياً لذاك التزهد
وما ضرّ من قد بات والصوف لبسه ... وفي السندس الغالي غداً سوف يغتدي
وقال رسول الله إنّي مدينة ... من العلم وهو الباب، والباب فاقصد
ومن كنت مولاه عليّ وليّه ... ومولاك فاصدق حبّ مولاك ترشد
وإنّك مني خالياً من نوّة ... كهرون من موسى وحسبك فاحمد (١)
وقال غداً أعط اللواء محبباً ... إليّ وللرحمن بالنصر مرتدي
فباتوا وكلّ يشتهي أن ينالها ... إلى أن بدا وجه الصباح المجوّد
فنادى علياً ثم أبرأ عينه ... بنفث كأن لم يمس قبل بأرمد
فأعطاه إياها وقال له ادعهم ... ومهما أبوا فانهد إليهم تؤيد
стр. 4049
فجدّل منهم من جنى عندما دعا ... إلى الحرب دعوى الفاتك المتمرّد
وقاتل طول اليوم والباب ترسه ... يجرّ به للقوم في كل مرصد (١)
فأعجزهن الباب من بعد عشرة ... فما الظن في ههذا القوي المؤيد
وكان من الصبيان أوّل سابق ... إلى الدين لم يسبق بطائع مرشد
وجاء رسول الله مرتضياً له ... وكان عن الزهراء بالمتشرّد
فمسّح عنه الترب إذ مسّ جلده ... وقد قام منه آلفاً للتفرّد
وقال له قول التلطف قم أبا ... تراب كلام المخلص المتودد (٢)
وفي ابنيه قال المصطفى ذان سيدا ... شبابكم في دار عزّ وسؤدد
وأرسله عنه الرسول مبلّغاً ... وخصّ بهذا الأمر تخصيص مفرد
وقال هل التبليغ عني ينبغي ... لمن ليس من بيتي فبالقوم فاقتد
وقد قال عبد الله للسائل الذي ... أتى سائلاً عنهم سؤال مندّد
وأمّا عليّ فالتفت أين بيته ... وبيت رسول الله فاعرفه واشهد
بأمرين من حرّ وبرد فلم يجد ... أذى بردها أو حرّها المتوقد
وما زال صوّاماً منيباً لربّه ... على الحقّ قوّاماً كثير التّعبّد
قنوعاً من الدنيا بما نال، معرضاً ... عن المال، مهما جاءه المال يزهد
لقد طلّق الدنيا ثلاثاً، وكلّما ... رآها وقد جاءت يقول لها ابعدي
وأقربهم للحق فيها وكلّهم ... أول الحق لكن كان أقرب مهتد ومنها في ذكر السّبطين رضي الله تعالى عنهما:
стр. 4050
وبالحسنين السيدين توسّلي ... بجدهما في الحشر عند تفرّدي
هما قرّتا عين الرسول وسيدا ... شباب الورى في جنّة وتخلّد
وقال: هما ريحانتاي، أحبّ من ... أحبّهما، فاصدقهما الحبّ تسعد
هما اقتسما شبه الرسول تعادلاً ... وماذا عسى يحصيه منهم تعددي
فمن صدره شبه الحسين أجله ... وللحسن الأعلى وحسبك فاعدد
وللحسن السامي مزايا كقوله ... هو ابني هذا سيد وابن سيد (١)
سيصلح رب العالمين به الورى ... على فرقة منهم وعظم تبدد
وإن تطلبوا ابناً للنبي فلن تروا ... سواي: مقال منه غير مفنّد
بدا سيداً ظهر الرسول قد ارتقى ... فقرّ ولم يعجله وهو بمسجد
فقالوا له طال السجود فقال لا ... ولكنما ابني خفت إن قمت يشرد (٢)
وكان الحسين الصارم الحازم الذي ... متى يقصر الأبطال في الحرب يشدد
شبيه رسول الله في البأس والندى ... وخير شهيد ذاق طعم المهنّد
لمصرعه تبكي العيون وحقّها ... فلله من جرمٍ وعظم تمرّد
فبعداً وسحقاً لليزيد وشمره ... ومن سار مسرى ذلك المقصد الردي ومنها في ذكر حمزة رضي الله تعالى عنه:
ومن مثل ليث الله حمزة ذي الندى ... مبيد العدا مأوى الغريب المطرّد
فكم حزّ أعناق العداة بسيفه ... وذبّ عن المختار كلّ مشدد
فقال رسول الله: هذا أمرته ... ولي أسد ضار لدى كلّ مشهد
وقال أبو جهل: أصبت محمداً ... بما ساءه فاهتزّ هزّة سيّد
стр. 4051
وأهوى له بالقوس ما بين قومه، ... وقال: وأخرى بالحسام المهنّد
وقال له: إنّي على دينه فإن ... أطقت فعرّج عن طريقي واردد
فذلّ أبو جهل وأبدى تلطفاً ... ومن ينصر الحقّ المبين يؤيد (١)
فعاد وقد نال السعادة واهتدى ... وأضحى لدين الله أكرم مسعد
وفي يوم بدر حثّ عند سؤالهم ... لما شهدوا من بأسه المتوقّد
لمن كان إعلامٌ بريش نعامة ... يشردنا مثل النعام المشرّد
فذاك الذي والله قد فعلت بنا ... أفاعيله في الحرب ما لم نعوّد
وفي أحد نال الشهادة بعدما ... أذاق سباعاً للردى شرّ مورد
ففاز وأضحى سيد الشّهداء في ... ملائكة الرحمن يسعى ويغتدي
وصلّى رسول الله سبعين مرّة ... عليه إلى ثنتين عند التعدّد
وقال: مصاب لن نصاب بمثله ... وإن كان لي يوم سأجزي بأزيد
وأسمعهم لكن حمزة ما له ... وبشر بالنّار النوائح ما عدي
نوائحه.. ... ... ... ... ... ... وقلن يا أعين اسعدي (٢)
وزاد إلى فضل العمومة أنّه ... أخوه رضاعاً هكذا المجد فاشهد
وما زال ذا عرض مصون عن الأذى ... ومال مهان في العطايا مبدد
كريم متى ما أوقد النّار للقرى ... " تجد خير نار عندها خير موقد " (٣) ومنها في ذكر العباس رضي الله تعالى عنه:
стр. 4052
وقد بلغ العباس في المجد رتبةً ... تقول لبدر التم: قصّرت فابعد
ألا إنّه فضل السقاية قد حوى ... فكان لوفد الله أكرم مورد
وكان طويل الباع في الباس والندى ... كريماً متى يسترفد القوم يرفد
ويوم حنين ليس ينسى ثباته ... ودعوته مستنجداً كلّ منجد
وقال رسول الله فيه عليّ ما ... عليه وأيضاً مثله في التزيد
ألا إنّ عمّ المرء صنو أبيه كي ... يزيدهم في برّه المتأيد
ألا إنّ عمّ المرء صنو أبيه كي ... يزيدهم في برّه المتأيد
وبشّره أنّ الخلافة في الورى ... لأولاده من سيد ومسوّد
بشيبته استسقوا إذ المحل شامل ... فجاءهم غيث سقى كلّ فدفد انتهى ما وقفت عليه من هذه القصيدة الفريدة، وليس بيدي الآن ديوان شعره حتى أكتبها بكمالها فإنّها مناسبةٌ لهذا الباب الذي جعلناه ختماً للكتاب كما لا يخفى.
ومن مقطّعات ابن جابر:
شغفت بها حيناً من الدهر لم يكن ... سوى سكب دمعي في محبتها كسبي
وما أصل هذا كلّه غير نظرة ... إلى مقلة منها أضعت لها قلبي وقال:
قد بان عذري في مليح له ... لحظا رشاً بلحظ من ذعر
إنّي على الهجر مطيع له ... ممتثل في السرّ والجهر وقال:
هذا الرشا يقنص ليث الشري ... بنظرة منه فلا مخلص
لو عارض العاذل يوماً له ... لكان من أول ما يقنص
стр. 4053
وقال:
ظبية في ثغرها لعسٌ ... يجتنى من رشفه عسل
سلك التيه بمقلتها ... مسلكاً قد زانه كسل وقال:
رقم الخال خدّها فرأينا ... قمر الأفق فيه نقطة ليل
قلت: أين الكثيب والغصن قالت: ... كل ما قد ذكرته تحت ذيلي وقال:
إن خفت من فتك المهنّد والقنا ... فإذا رنت وإذا مشت لا تقرب
في قلب برقعها محاسن أنزلت ... قمر السماء لنا بقلب العقرب وقال:
رأى عذولي حسنها بعدما ... حقّق كوني للهوى جانحا
فقال إن كنت محبّاً لها ... فقد حمدنا رأيك الناجحا وقال:
ذكر الله بالمريّة عيشاً ... لست عن ذكره الجميل أحول
طال عهدي بها وما دمت حيّاً ... لا يزيد الرجاء بل قد يطول وقال:
مرّت ليال بالمريّة طالما ... قضّيت من ليل بهنّ مآربا
لم أسل عن تلك الديار وإنّما ... جعل القضاء لكلّ نفس غالبا
стр. 4054
وقال:
لا تعقني عن العقيق فإنّي ... بين أكنافه تركت فؤادي
وعلى تربه وقفت دموعي ... ولسكّانه وهبت ودادي وقال:
عرف المنزل الذي دار فيه ... زمن الأنس والشباب النضير
فشجاه قلب التلاقي فراقاً ... وانثنى عنه ذا فؤاد كسير وقال:
جمال هذا الغزال سحر ... يا حبّذا ذلك الجمال
هلال خدّيه لم يغيّب ... عني وإن غيّب الهلال
غزال أنس يصيد أسداً ... فاعجب لما يصنع الغزال
دلاله دلّ كلّ شوق ... عليّ إذ زانه الدلال
كماله لا يخاف نقصاً ... دام له الحسن والكمال
نباله قد رمت فؤادي ... يا حبّذا تلكم النبال
حلال وصلي له حرام ... وحكم قتلي له حلال
زلال ذاك الحمى حياتي ... وأين لي ذلك الزلال
قتاله لا يطاق لكن ... يعجبني ذلك القتال وقال:
بين تلك الخيام أكرم حيّ ... طربت للنّدى عليهم خيام
قد أقاموا بين العقيق وسلع ... فحياة النفوس حيث أقاموا وقال:
إذا جئت نجداً كرّم الله عهده ... فسلّم على أهل المنازل من نجد
стр. 4055
لئن حال بعد الدار بيني وبينهم ... فإنّي لأرعاهم على ذلك البعد وقال:
خجلت عندما نظرت إليها ... وانثنت وهي بين تيه ومنع
إنّما ورد خدّها زرع طرفي ... حين مروا فكيف أحرم زرعي وقال:
لك نفسي إذا بدت لك نجد ... فلقد سرّني الزّمان بنجد
فلتلك الخيام عندي عهد ... وأبى الله أن أضيّع عهدي وقال:
سل عن القوم إن بدت لك سلع ... ففؤادي عند الذين بسلع
لي على تلكم المعاهد دمع ... كاد يغني بها عن اللثّ دمعي وقال:
صفحوا عن محبهم وأقالوا ... من عثار النوى ومنّوا بوصل
لست أستوجب الوصال ولكن ... أهل تلك الخيام أكرم أهل وقال:
مال الزمان بهم عنّي وقد بعدوا ... لم يلهني عنهم أهل ولا مال
إنّي لأخشى وما الأيام طوع يدي ... أنّي أموت ولي في القلب آمال وقال:
بين وادي النقا وبان المصلّى ... ملأ ألبسوا الوجود جمالا
إن يكن قد نوى لي الدهر قرباً ... منهم فهو قد كفاني نوالا
стр. 4056
وقال:
زرت الديار عن الأحبة سائلاً ... ورجعت إذلالاً بدمع سائل
ونزلت في ظلّ الأراكة قائلاً ... والرّبع أخرس عن جواب القائل وقال:
لا أوحش الله المنازل منهم ... منهم غدت تلك الديار حسانا
فاشكر لدهرك أن أراك بحاجر ... بان الحمى وأراكه قد بانا وقال:
لك يا وادي العقيق علينا ... كل ما شئت من ذمام وثيق
فمن البرّ أنّني أتبرّى ... من عقوق لمنزل بالعقيق وقال:
يا أهل ذي سلمٍ بشرى لمستلم ... ذاك الثرى مقدمٍ في السير لم ينم
يؤم داراً بها خير الورى حسباً ... الخاتم الرسل من عرب ومن عجم ولنقتصر من كلام ابن جابر في هذا الموضع على هذا المقدار، وإنّما أطنبت فيه لما تقدم من الاعتراض على لسان الدين في عدم توفيته بحق المذكور وحق رفيقه، مع أنّه أطال فيمن دونهما من أهل عصره، وأيضاً فإن كليهما غريب عندنا بالمغرب، لكونهما ارتحلا قبل أن يشتهرا كل الاشتهار، وكان خبرهما في الشرق أشهر.
[من شعر رفيق ابن جابر]
وأمّا رفيقه شارح بديعيته فقد ذكرنا في غير هذا الموضع بعض حاله وكلامه، ولنزد هنا ما تيسّر، فنقول: من نظمه:
стр. 4057
لمّا عدا في الناس عقرب صدغها ... كفّت أذاه من الورى بالبرقع
والصبح تحت خمارها متستر ... عنّا متى شاءت تقول له اطلع وقال:
تجنّت فجنّ في الهوى كلّ عاقل ... رآها وأحوال المحبّ جنون
وما وعدت إلاّ عدت في مطالها ... كذلك وعد الغانيات يكون وقال:
لا تجدوا في الهوى على كلف ... نظيره في الغرام لن تجدوا
لهفان ما يشتيك إلى أحد ... ظمآن غير الدموع لا يرد وقال:
ربّ ليل قطعته بالجزيره ... فتذكرت أهلنا بالجزيره
قصّر الأنس ما تطاول منه ... وكذا أزمن السرور يسيره قال: والجزيرة الأولى المراد بها حمص المحيط بها النهر المسمى بالعاصي، والثانية جزيرة الأندلس.
وله أيضاً:
وما لي والتزين يوم عيد ... وجيد صبابتي بالدمع حالي
وقد أرسلت أشهبها بريداً ... وبعد كميتها ينبي بحالي والمراد بالأشهب الدمع الذي لا يشوبه شيء؛ وبالكميت الدمع المشوب بالدم، قال ﵀ في شرح البديعية وقد ذكر العقيق بعد كلام ما نصّه: قلت: وكان هذا الوادي المبارك زمن عثمان رضي الله تعالى عنه ذا قصور محتفّة، وحدائق ملتفّة، وبنيان مشيد، ونخل طلعه نضيد، وجنات ترتي أكلها كلّ حين
стр. 4058
وسواق تجري به بماء معين، ثم لعبت به أيدي السنين، وغيرت معالمه فصار عبرة للناظرين، فلم يبق من معاهده إلا آثار تشهد بحسنه، ونضرة نعيم تدل على ما سلف من نضارة غصنه؛ وقد خرجنا إلى هذا الوادي أيام مجاورتنا بالمدينة الشريفة، وهو يتدفّق بمائه، ويعارض بجوهر حبابه أنجم سمائه، وقد سالت شعابه، وفاض عبابه، والناس تفرقوا في جهاته، وافترشوا غضّ نباته، والشّيح قد توشّح بالندى، والأنس قد راح به وغدا، والأصيل مذهب الرداء، والبيداء مخضرة الأنداء، وبحافته آثار قصور، ليس لها في الحسن قصور، قد بليت وحسنها جديد، وخربت وربعها بالأنس مشيد؛ انتهى.
ومن بديع نظمه قوله:
مهلاً فما شيم الوفا منقادة ... لمن ابتغى من نيلها أوطارا
رتب المعالي لا تنال بحيلة ... يوماً ولو جهد الفتى أو طارا وقوله رحمه الله تعالى:
على وادي العقيق سكبت دمعي ... بلا عين فيبدو كالعقيق
فكم غصن وريق منه يحكي ... قوام رشا شهيّ فم وريق وقال:
سألتك بالله يا من غدا ... يصرّف بالقلب أفعاله
تدارك محبّاً بدرياق وصل ... فإنّ عبادك أفعى له وقال:
لا تأمننه على القلو ... ب فمنه أصل غرامها
فلحاظه هنّ التي ... رمت الورى بسهامها ومن فوائده رحمه الله تعالى في شرح البديعية ما نصّه: ومن غريب ما في
стр. 4059
لدى أن أبا علي حكى في تذكرته عن المفضّل أنها أتت بمعنى هل وأنشد:
لدى من شبابٍ يسترى بمشيب ... وكيف شباب المرء بعد ذهاب (١) رجع - وقال رحمه الله تعالى يتشوّق إلى حمراء غرناطة:
ذابت على الحمراء حمر مدامعي ... والقلب فيما بين ذلك ذائب
طال المدى بي عنهم ولربما ... قد عاد من بعد الإطالة غائب وقال:
ما هبّ من نحو السّبيكة بارقٌ ... إلاّ غدا شوشقي لقلبي شابكا
والله ما اخترت الفراق لربعها ... لكن قضاء الله أوجب ذلكا وقال:
منازل سلمى إن خلت فلطالما ... بها عمرت في القلب مني منازل
رسائل شوقي كلّ يوم تزورها ... وما ضيّعت عند الكرام الرسائل (٢) وقال:
بجور الوداع لنا موقف ... أذاب الفؤاد لأجل الوداع
فما أنا أنسى غداة النوى ... وحادي الركائب للبين داعي قال: وجور الوداع موضع بظاهر غرناطة، عادة من سافر أن يودّع هناك.
وقال:
ناولته وردة فاحمرّ من خجلٍ ... وقال: وجهي يغنيني عن الزّهر
стр. 4060
الخدّ ورد، وعيني نرجس، وعلى ... خدّي عذار كريحانٍ على نهر وقال رحمه الله تعالى في التشريع:
يا راحلاً يبغي زيارة طيبة ... نلت المنى بزيارة الأخيار
حيّ العقيق إذا وصلت وصف لنا ... وادي منىبأطايب الأخبار
وإذا وقفت لدى المعرّف داعياً ... زال العناوظفرت بالأوطار وقال:
يا أولاً في المرسلين وآخراً ... الله خصّك بالكمال ليرضيك
من قبل آدم قد جعلت نبيّه ... قدماً فقدّمك الإله ليعليك
أوحى إليك لكي تكون حبيبه ... ويتمّ نعمته عليك ويهديك وقال:
صيرتني في هواك اليوم مشتهراً ... لا قيس ليلى ولا غيلان في الأوّل
زعمت أنّ غرامي فيك مكتسبٌ ... لا والذي خلق الإنسان من عجل وقال:
لا تعاد الناس في أوطانهم ... قلّما يرعى غريب الوطن
وإذا ما شئت عيشاً بينهم ... خالق الناس بخلق حسن وقال:
نسختي اليوم في المحبّة أصل ... فعليها اعتماد كلّ عميد
نقلوا مرسل المدامع منها ... وصحيح الهوى بغير مزيد
قد رواها قبلي جميل وقيس ... حين هاما بكلّ لحظ وجيد
стр. 4061
ومن فوائده: أنّه لما أنشد في طراز اعلحلة قول سعد الدين محمد بن عربي في ابن مالك:
إنّ الإمام جمال الدين فضّله ... إلى آخره قال ما ملخصه: ولما أورده الصفدي في فض الختام قال: هذا في غاية الحسن لو كان الكتاب المذكور يسمى الفوائد وإنّما هو تسهيل الفوائد فذكر المضاف إليه دون المضاف، وهي تورية ناقصة، قلت: ابن مالك له كتابان: أحدهما الفوائد صنعه أولاً ثم صنع تسهيل الفوائد بعده، وكأنّه سهّل فيه كتاب الفوائد، وكنت وقفت على هذا الكتاب المسمّى بالفوائد ببلدنا غرناطة، فلمّا وصلنا إلى هذه البلاد بحثنا عنه فلم نجده، وتمادى الأمر على ذلك إلى سنة ٧٦٠، فوجدناه في حلب، وهو الآن عندنا، وهو عزيز الوجود، ولذلك خفي على القاضي صلاح الدين؛ انتهى وبعضه بالمعنى.
وقال أبو جعفر أحمد المترجم به: كتبت إلى صاحبنا الشيخ بدر الدين خليل الناسخ:
مددت النوى وقصرت اللّقا ... أرتضى بهبذا وأ، ت الخليل
وتترك أحمد ذا وحشة ... لديك وأنت له ابن جليل وقال:
قد كان لي أنسٌ بطيب حديثكم ... والآن صار حديثكم برسول
ولقد مددت من النوى مقصوره ... إنّ الخليل يراه غير جميل وله رحمه الله تعالى:
ما للنوى مدّت وأنت خليلنا ... ولقبل قد قصرت برغم الكاشح
أتبعت في ذا مذهباً لا يرتضى ... أبداً وليس الرأي فيه بصالح
стр. 4062
وله:
ولمّا رأى الحساد منك التفاتة ... إلى جانب اللهو الذي كان مرفوضا
أضافوا إلى علياك كلّ نقيصة ... حقيق لدينا بالإضافة مخفوضا وله:
حسنك ما بين الورى شائع ... قد عرّف الآن بلام العذار
فجاء منه متبداً للهوى ... خبره الآس مع الجلّنار ولنقتصر على هذا المقدار إلى هنا.
رجع إلى أولاد لسان الدين رحمهم الله تعالى:
وقد قدمنا أن علي بن لسان الدين كان نديم السلطان وخاصّته، كما ذكرنا في مخاطبته لابن مرزوق في الباب الخامس قوله: فالسلطان يرعاه الله تعالى يوجب ما فوق مزية التعظيم، والولد هداهم الله تعالى قد أخذوا بحظ قلّ أن ينالوه بغير هذا الإقليم، والخاصة والعامة تعامل بحسب ما بلته من نصح سليم وترك لما بالأيدي وتسليم، وتدبير عاد على عدوّها بالعذاب الأليم، إلا من أبدى السلامة وهو من إبطان الحسد بحال السليم؛ انتهى.
ولقد صدق رحمه الله تعالى فيما ذكره من النصح وغيره.
ومن نصائحه رحمه الله تعالى ما كتب به على لسان السلطان، ونصّه: من عبد الله أمير المسلمين محمد وصل الله تعالى سعده، وبلّغه من فضله العميم قصده، إلى أوليائنا المخصوصين منّا ومن سلفنا بذمام الجوار القريب، والمساكنة التي لا يتطرق إلى حقّها الذي بني استرابة المستريب، المعتمدين إذا عدّت الرعايا، وذكرت المزايا، بمزيد الاعتناء والتقريب، من الأشياخ الجلّة الشرفاء والعلماء، والصّدور الفقهاء، والعدول الأذكياء، والأعيان
стр. 4063
الوزراء، والحماة المدافعين عن الأرجاء، والأمناء الثّقات الأتقياء، والكافة الذين نصل إيهم عوائد الاعتناء، ونسير فيهم بإعانة الله تعالى على السبيل السّواء، من أهل حضرتنا غرناطة المرحوسة بفضل الله تعالى وربضها، شرح الله تعالى لقبول الحكمة والموعظة الحسنة صدورهم، وكنف بنتائج الاستقامة سرورهم، وأصلح بعنايته أمورهم، واستعمل فيما يرضيهم أميرهم ومأمورهم: سلام كريم عليكم أجمعين ورحمة الله تعالى وبركاته.
أمّا بعد حمد الله الذي إذا رضي عن قوم جعل لهم التوقى لباساً، والذكرى لبناء المتاب أساساً، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله الذي هدانا إلى الفوز العظيم ابتغاء لرحمته والتماساً، والرضى عن آله الذين اختارهم له ناساً، وجعلهم مصابيح من بعده اقتداء واقتباساً، فإنّا كتبناه إليكم - كتب الله تعالى إعزازكم وحرس أحوازكم؛ وجعل للعمل الصالح اهتزازكم؛ وبقبول النصائح امتيازكم - من مستقرنا بمحروسة الحمراء، حماها الله سبحانه، ولا متعرف بفضل الله تعالى إلا هداية تظهر على الأقوال والأعمال، وعناية تحفّ من اليمين والشمال، وتوكّل على الله يتكفل لنا ببلوغ الآمال، وأنتم أولياؤنا الذين لا ندّخر عنهم نصحاً، ولا نهمل في تدبيرهم ما يثمر نجحاً، وبحسب هذا الاعتقاد لا نغفل عن نصيحة ترشدكم إذا غفلتم، وموعظة نقصّها عليكم إذا اجتمعتم في بيوت الله واختلفتم، وذب عنكم تارة بسلم نعقدها، ومطاولة نسدّدها، وتارة بسيوف في سبيل الله تعالى نحدّدها، وعمارة للشهادة نرددها، ونفوس بوعد الله نعدها، ونرضى بالسهر لتنام أجفانكم، وبالكدّ لتّتّدع صبيانكم وولدانكم، وباقتحام المخاوف ليتّصل أمانكم، ولو استطعنا أن نجعل عليكم وقاية كوقاية الوليد لجعلنا، أو أمكننا أن لا تفضلكم رعية بصلاح دين أو دنيا لفعلنا، هذا شغل زماننا منذ عرفناه، ومرمى همّنا مهما استهدفناه، وقد استرعانا الله تعالى جماعتكم، وملاّنا طاعتكم، وحرّم علينا إضاعتكم
стр. 4064
والراعي إذا لم يقصد بسائمته المراعي الطيبة، وينتجع مساقط الغمائم الصيّبة، ويوردها الماء النمير، ويبتغ لها النماء والتثمير، ويصلح خللها، ويداو عللها، قلّ عددها، وعدمت غلّتها وولدها، فندم على ما ضيعه في أمسه، وجنى عليها وعلى نفسه.
وألفيناكم في أيامنا هذه الميامن عليكم قد غمرتكم آلاء الله تعالى ونعمه، وملأت أيديكم مواهبه وقسمه، وشغل عدوّكم بفتنة قومه فنمتم للعافية فوق مهاد، وبعد عهدكم بما تقدم من جهد وجهاد، ومخمصة وسهاد، فأشفقنا أن يجركم توالي الرخاء إلى البطر، أو تحملكم العافية على الغفلة عن الله تعالى وهي أخطر الخطر، أو تجهلوا مواقع فضله تعالى وكرمه، أو تستعينوا على معصيته بنعمه، فمن عرف الله تعالى في الرخاء وجده في الشّدّة، ومن استعد في المهل وجد منفعة العدّة، والعاقل من لا يغتر في الحرب أو السلم بطلو المدة، فالدهر مبلي الجدّة، ومستوعب العدّة، والمسلمون إخوانكم اليوم قد شغلوا بأنفسهم عن جبركم، وسلموا لله في نصركم، ونشبت الأيدي ولا حول ولا قوّة إلا بالله بثغركم، وأهمتهم فتن تركت رسوم الجهاد خالية خاوية، ورياض الكتائب الخضر ذابةل ذاوية، فإن لم تشمّروا لما بين أيديكم في هذه البرهة فماذا تنتظرون وإذا لم تستنصروا بالله مولاكم فبمن تستنصرون وإذا لم تستعدّوا في المهل فمتى تستعدون لقد خسر من رضي في الدنيا والآخرة بالدون، فلا تأمنوا مكر الله " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " الأعراف: ٩٩.
ومن المنقول عن الملل، والمشهور في الأواخر والأول، أن المعصية إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت فيهم المثلات والنقمات، وشحّت السماء، وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفّت الضّروع، وأخلفت الرضوع.
стр. 4065
فوجب علينا أن نستميلكم بالموعظة الحسنة، والذكرى التي توقظ من السّنة، ونقرع آذانكم بقوارع الألسنة، فأفزعوا الشيطان بوعيها، وتقربوا إلى الله تعالى برعيها، الصلاة الصلاة فلا تهملوها، ووظائفها المعروفة فكملوها، فهي الركن الوثيق، والعلم الماثل على جادة الطريق، والخاصة التي يتميز بها هذا الفريق، وبادروا صفوفها الماثلة، وأتبعوا فريضتها النافلة، وأشرعوا إلى تاركها أسنّة الإنكار، واغتنموا بها نواشىء الليل وبوادي الأسحار، والزكاة أختها المنسوبة، ولدتها المكتوبة المحسوبة، فمن منعها فقد بخل على مولاه، باليسير ممّا أولاه، وما أحقّه بذهاب هبة الوهاب وأولاه؛ فاشتروا من الله تعالى كرائم أموالكم بالصّدقات، وأنفقوا في سبيله بربحكم أضعاف النفقات، ووسوا سؤالكم كلّما نصبت الموائد، وأعيدت للترفّه العوائد، وارعوا حق الجوار، وخذوا على أيدي الدّعرة والفجّار، وأخرجوا الشّنآن من الصدور، واجعلوا صلة الأرحام من عزم الأمور، وصونوا عن الاغتياب أفواهكم، ولا تعوّدوا السفاهة شفاهكم، وأقرضوا القرض الحسن إلهكم، وعلموا القرآن صبيانكم، فهو أسّ المبنى، وازرعوه في تراب ترائبهم فعسى أن يجنى، ولا تتركوا النصيحة لمن استنصح، وردوا السلام على من بتحية الإسلام أفصح، وجاهدوا أهواءكم فهي أولى ما جاهدتم، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، وثابروا على حلق العلم والتعلّم، وحفوا بمراقي التكلّم، وتعلّموا من دينكم ما لا يسعكم عند الله تعالى جهله، ويتبين أنّكم أهله، فمن القبيح أن يقوم أحدكم على وقاية برّه وشعيره، ورعاية شاته وبعيره، ولا يقوم على شيء يخلص به قاعدة اعتقاده، ويعدّه منجاة ليوم معاده، والله يقول ولقوله يرحل المنتجعون " أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً وأنّكم إلينا لا ترجعون " المؤمنون: ١١٥.
وائنفوا من الحوادي الشنيعة، والبدع التي تفتّ في عضد الشريعة، فقد شنّ علينا الملبّسة بأهل التصوّف المغار، ونال حملتها بل جملتها بإغماضهم