← Адаб

Адаб · id 1002

نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب ت إحسان عباس

المقري التلمساني

Полный текст (4 204 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

١٤٩ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن أيمن بن فرج، القرطبي (١) ، سمع من محمد بن وضاح وأكثر عنه، وأخذ عن محمد الخشني وقاسم بن أصبغ وإبراهيم بن قاسم بن هلال (٢) ، ورحل سنة ٢٧٤، فسمع بمصر من المطلب بن شعيب والمقدام (٣) بن داود الرّعيني، وأدرك بالعراق إسماعيل القاضي وعبد الله ابن أحمد بن حنبل. قال الحميدي: حدث بالمغرب وبالمشرق، وصنّف السنن، وممّن روى عنه خالد بن سعيد، وقال لنا أبو محمد ابن حزم: مصنّف ابن أيمن مصنف رفيع احتوى من صحيح الحديث وغريبه على ما ليس في كثير من المصنفات، وتوفي في ذي القعدة سنة ٣٣٠، بقرطبة، رحمه الله تعالى. ١٥٠ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن ضيفون اللخمي (٤) ، الرصافي، القرطبي، الحداد، سمع بقرطبة من عبد الله بن يونس وقاسم بن أصبغ، وحج سنة ٣٣٩ سنة ردّ القرامطة الحجر الأسود إلى مكانه، وسمع بمكة من ابن الأعرابي، وبمصر من ابن الورد (٥) وأبي علي ابن السكن وعبد الكريم النسائي وغيرهم وسمع بأطرابلس والقيروان من جماعة، وكان رجلاً صالحاً (٦) ، عدلاً، حدث وكتب عنه الناس، وعلت سنه، وتوفي بشوال سنة ٣٩٤، وولد فيما أظن سنة ٣٠٢، وكانت وفاته بقرطبة، وقد اضطرب في أشياء قرئت عليه، وممّن أخذ عنه الحافظ أبو عمران ابن عبد البر، رحم الله تعالى الجميع.

стр. 947

١٥١ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الملك، الخزرجي، السعدي، القرطبي أبو عبد الله روى عن أبي الحسن علي بن هشام، وروى عنه أبو القاسم ابن بشكوال، وقدم مصر وحدث بها، وممّن سمع منه بها ابن وردان وأبو الرضى القيسراني في آخرين، واستوطن مصر، وتوفي سنة ٥٨٨. ١٥٢ - ومنهم أبو بكر ابن السرّاج، النحوي (١) - بتشديد الراء - وهو محمد بن عبد الملك بن محمد ين السّرّاج الشّنتمري، أحد أئمة العربية المبرزين فيها، ويكفيه فخراً أنه أستاذ أبي محمد عبد الله بن بري المصري اللغوي النحوي، وحدث عن أبي القاسم عبد الرحمن (٢) بن محمد النفطي (٣) ، وقرأ العربية بالأندلس على ابن أبي العافية وابن الأخضر، وقدم مصر سنة ٥١٥، وأقام بها وأقرأ الناس العربية، ثم انتقل إلى اليمن، وروى عنه أبو حفص عمر بن إسماعيل وأبو الحسن علي والد الرشيد العطار، وله تواليف منها تنبيه الألباب في فضل الإعراب " (٤) وكتاب في العروض، وكتاب مختصر العمدة لابن رشيق وتنبيه أغلاطه. قال السلفي: كان من أهل الفضل الوافر، والصلاح الظاهر، وكانت له حلقة في جامع مصر لإقراء النحو، وكثيراً ما كان يحضر عندي - رحمه الله تعالى - مدة مقامي بالفسطاط، توفي بمصر سنة ٥٤٩، وقيل: سنة خمس وأربعين، وقيل: خمسين وخمسمائة، برمضان، والأول أثبت. ١٥٣ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن سعيد [العنسي] ، ويكنى أيضاً أبا القاسم، الغرناطي، سمع من الجلّة بمصر والإسكندرية ودمشق وبغداد: منهم الحراني أبو عبد الله وأبو محمد عبد الصمد

стр. 948

ابن داود بدمشق، وكتب الحديث [وعني] بالرواية أتم عناية، وفقد بأصبهان حين استولى عليها التتار قبل الثلاثين وستمائة. ١٥٤ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الدفاع (١) ، بالدال المهملة، وقيل: بالراء، قرطبي سمع عبد الملك بن حبيب، ورحل فسمع بمصر من الحارث بن مسكين وغيره، وكان زاهداً فاضلاً، وتوفي سنة ٢٨١، رحمه الله تعالى. ١٥٥ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عابد، المعافري القرطبي (٢) ، ولد بقرطبة سنة ٣٥٨، ودخل مصر فسمع من أبي بكر ابن المهندس وأبي بكر البصري، وروى عن أبي عبد الله ابن مفرج وأبي محمد الأصيلي وجماعة، ولقي الشيخ أبا محمد ابن أبي زيد في رحلته سنة ٣٨١ فسمع منه رسالته في الفقه وغيرها، وحج من عامه، ثم عاد من مصر إلى المغرب سنة ٣٨٢، وكان معتنياً بالأخبار والآثار، ثقة فيما رواه، وعني به، خيّراً، فاضلاً، ديّناً، متواضعاً، متصاوناً، مقبلاً على ما يعنيه، صاحب حظ من الفقه، وبصر بالمسائل، ودعي إلى الشورى بقرطبة فأبى، ومات سنة ٤٣٩. وعابد جده بالباء الوحدة، رحم الله تعالى الجميع. ١٥٦ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سليمان بن عثمان بن هاجد (٣) الأنصاري البلنسي، أخذ القراءات (٤) عن جماعة من أهل بلده، وخرج حاجّاً سنة ٥٧١، فجاور بمكة، وسمع بها وبالإسكندرية من السّلفي، وعاد إلى بلده

стр. 949

سنة ٥٩٦ (١) ، وحدث وكان من أهل الصلاح والفضل والورع، كثير البر، ومفاداة الأسرى، ويحترف بالتجارة، ومولده بعد سنة ٥٣٠ (٢) ، ومات سنة ٥٩٨ بمرسية، رحمه الله تعالى. ١٥٧ - ومنهم أبو الوليد محمد بن عبد الله ابن محمد بن خيرة القرطبي، المالكي (٣) ، الحافظ، ولد سنة ٤٧٩ (٤) ، وأخذ الفقه عن القاضي أبي الوليد ابن رشد، والحديث عن ابن عتاب، وروى الموطأ عن أبي بحر سفيان بن العاص بن سفيان (٥) ، وأخذ الأدب عن أبي الحسين (٦) سراج بن عبد الملك بن سراج الأموي، وعن مالك بن عبد الله العتبي، وخرج من قرطبة في الفتنة بعدا درّس بها وانتفع الناس به في فروع الفقه وأصوله، وأقام بالإسكندرية خوفاً من بني عبد المؤمن بن علي، ثم قال: كأني والله بمراكبهم قد وصلت إلى الإسكندرية، ثم سافر إلى المصر بعدما روى عنه السّلفي، وأقام بها مدة، ثم قال: والله ما مصر والإسكندرية بمتباعدتين، ثم سافر إلى الصعيد، وحدث في قوص بالموطأ، ثم قال: والله يصلون إلى مصر ويتأخرون عن هذه البلاد، فمضى إلى مكة، وأقام بها، ثم قال: وتصل إلى هذه البلاد ولا تحج ما أنا إلاّ هربت منه إليه ثم دخل اليمن، فلما رآها قال: هذه أرض لا يتركها بنو عبد المؤمن، فتوجه إلى الهند، فأدركته وفاه بها سنة ٥٥١، وقيل: بل مات بزبيد من مدن اليمن، وكان من جلّة العلماء متقناً متفنناً في المعارف كلها جامعاً لها، كثير الرواية، واسع المعرفة، حافل الأدب، من كبار فقهاء المالكية

стр. 950

يتصرف في علوم شتى حافظاً للآداب، عارفاً بشعراء الأندلس، وكان علمه أوفر من منطقه، ولم يرزق فصاحة ولا حسن إيراد [والله أعلم] (١) . قال قال ابن نقطة: خيرة بكسر الخاء المعجمة وفتح الياء المنقوطة من تحتها باثنتين. ١٥٨ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل، السلمي، المرسي (٢) ، قال ابن النجار: ولد بمرسية سنة ٥٧٠، وقال غيره: في التي قبلها، وخرج من بلاد المغرب سنة ٦٠٧، ودخل مصر، وسار إلى الحجاز، ودخل مع قافلة الحجاج إلى بغداد، وأقام بها يسمع ويقرأ الفقه والخلاف والأصلين بالنّظامية، ثم سافر إلى خراسان، وسمع بنيسابور وهراة ومرو، وعاد إلى بلاد بغداد، وحدث بكتاب السنن الكبير (٣) للبيهقي عن منصور ابن عبد المنعم الفراوي، وبكتاب غريب الحديث للخطابي، وقدم إلى مصر فحدث بالكثير عن جماعة منهم أم المؤيد زينب وأبو الحسن المؤيد الطوسي، وخرج من مصر يريد الشام فمات بين الزّعقة والعريش من منازل الرمل في ربيع الأول سنة ٦٥٥، ودفن بتل الزعقة، وكان من الأئمة الفضلاء في جميع فنون العلم من علوم القرآن والحديث والفقه والخلاف والأصلين والنحو واللغة، وله فهم ثاقب، وتدقيق في المعاني، مع النظم والنثر المليح، وكان زاهداً، متورعاً، حسن الطريقة، متديّناً، كثير العبادة، فقيهاً، مجرداً (٤) ، متعففاً، نزه النفس، قليل المخالطة (٥) لأوقاته، طيب الأخلاق، متودداً، كريم النفس،

стр. 951

قال ابن النجار: ما رأيت في فنه مثله، وكان شافعي المذهب، وله كتاب تفسير القرآن سماه ري الظمآن كبير جدّاً، وكتاب " الضوابط الكلية " في النحو، وتعليق على الموطأ، وكان مكثراً شيوخاً وسماعاً، وحدث بالكثير بمصر والشام والعراق والحجاز، وكانت له كتب في البلاد التي ينتقل إليها بحيث إنه لا يستصحب كتباً في سفره اكتفاء بما له من الكتب في البلد الذي يسافر إليه (١) ، وكان كريماً، قال أبو حيان: أخبرني الشرف الجزائري بتونس أنه كان على رحلة، وكان ضعيفاً، فقال له: خذ ما تحت هذه السجادة أو البساط، فرفعت ذلك، فوجدت تحته نحواً من أربعين ديناراً ذهباً، فأخذتها. وقال الجمال اليغموري: أنشدني لنفسه بالقاهرة (٢) : قالوا فلان قد أزال بهاءه ... ذاك العذار وكان بدر تمام فأجبتهم بل زاد نور بهائه ... ولذا تضاعف فيه فرط غرامي استقصرت ألحاظه فتكاتها ... فأتى العذار يمدّها بسهام ومن شعره قوله (٣) : من كان يرغب في النجاة فما له ... غير اتّباع المصطفى فيما أتى ذاك السّبيل المستقيم، وغيره ... سبل الغواية والضلالة والرّدى فاتبع كتاب الله والسنن التي ... صحت، فذاك إذا اتبعت هو الهدى ودع السؤال بكم وكيف فإنه ... بابٌ يجر ذوي البصيرة للعمى الدين ما قال النبي وصحبه ... والتابعون ومن مناهجهم قفا

стр. 952

١٥٩ - ومنهم أبو بكر محمد بن عبد الله البنتي، الأندلسي، الأنصاري، قدم مصر، وأقام بالقرافة مدة، وكان شيخاً صالحاً زاهداً فاضلاً، وتوجه إلى الشام فهلك، قال الرشيد العطار: كان من فضلاء الأندلسيين ونبهائهم، ساح في الأرض ودخل بلاد العجم وغيرها من البلاد البعيدة، وكان يتكلم بألسنة شتى. ومن شعره قوله: إذا قلّ منك السّعي فالعزم ناشد ... وكلّ مكانٍ في مرائك واحد توجّه بصدقٍ واتّق المين واقتصد ... تجئك رهينات النجاح المقاصد والبنتي - بضم الباء، وسكون النون - نسبة إلى بنت حصن بالأندلس، ويقال بونت بزيادة واو. ١٦٠ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله، الخولاني، الباجي، ثم الإشبيلي، المعروف بابن القوق (١) سمع بقرطبة من جماعة، ورحل إلى المشرق سنة ٢٦٦، فسمع بمكة من علي بن عبد العزيز وغيره، وبمصر من محمد بن عبد الحكم ومن أخيه سعد، وكان فقيهاً في الرأي، حافظاً له، عاقداً للشروط، قال ابن الفرضي: كان رجلاً صالحاً ورعاً ثقة، وكان خالد بن سعيد قد رحل إليه وسمع منه، وكان يقول إذا حدّث عنه: كان من معادن الصدق، توفي سنة ٣٠٨. ١٦١ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللوشي، الطبيب، اشتغل بالطب، وبرع فيه، وأقام بمصر مدّة، وبها مات في عشر الستين وستمائة.

стр. 953

١٦٢ - ومنهم أبو عبد الله محمد بن عبدون، العذري، القرطبي (١) ، رحل سنة ٣٣٧، فدخل مصر والبصرة، وعني بعلم الطب، ودبر مارستان مصر، ثم رجع إلى الأندلس سنة ٣٦٠، واتصل بالحكم المستنصر وابنه المؤيد، وله في التكسير كتاب حسن. قال صاعد: تمهر في الطب، ونبل فيه، وأحكم كثيراً من أصوله، وعانى صنعة المنطق معاناة صحيحة، وكان شيخه فيه أبو سليمان محمد بن محمد ابن طاهر بن بهرام السجستاني البغدادي، وكان قبل أن يتطبب مؤدباً للحساب والهندسة، وأخبرني أبو عثمان سعيد الطليطلي، أنّه لم يلق (٢) في قرطبة من يلحق محمد بن عبدون في صناعة الطب، ولا يجاريه في ضبطها وحسن دربته فيها وإحكامه لغوامضها، رحمه الله تعالى. ١٦٣ - ومن الراحلين إلى المشرق من أهل الأندلس أبو مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زهر (٣) ، الإيادي، الأندلسي، صاحب البيت الشهير بالأندلس، رحل المذكور إلى المشرق، وتطبب به زماناً، وتولى رئاسة الطب ببغداد، ثم بمصر، ثم القيروان، ثمّ استوطن مدينة دانية، وطار ذكره فيها إلى أقطار الأندلس والمغرب، واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى بزّ أهل زمانه، ومات في مدينة دانية، رحمه الله تعالى. ووالده محمد بن مروان (٤) كان عالماً بالرأي، حافظاً للأدب، فقيهاً حاذقاً بالفتوى متقدّماً فيها، متقناً للعلوم، فاضلاً، جامعاً للدراية والرواية، وتوفّي بطلبيرة سنة ٤٢٢، وهو ابن ست وثمانين سنة، حدث عنه جماعة من علماء

стр. 954

الأندلس، ووصفوه بالدين والفضل والجود والبذل، رحمه الله تعالى. وأمّ أبو العلاء زهر بن عبد الملك المذكور فقال ابن دحية فيه (١) : إنّه كان وزير ذلك الدهر وعظيمه، وفيلسوف ذلك العصر وحكيمه، وتوفّي ممتحناً من نغلة بين كتفيه سنة ٥٢٥ بمدينة قرطبة، انتهى. وكانت بينه وبين الفتح صاحب القلائد عداوة، ولذلك كتب في شأنه إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ما صورته: أطال الله تعالى بقاء الأمير الأجلّ سامعاً للنّداء، دافعاً للتطاول والاعتداء، لم ينظم الله تعالى بلبّتك الملك عقداً، وجعل لك حلاًّ للأمور وعقداً، وأوطأ لك عقباً، وأصار من الناس لعونك منتظراً ومرتقباً، إلا أن تكون للبرية حائطاً، وللعدل فيهم باسطاً، حتى لا يكون فيهم من يضام، ولا ينال أحدهم اهتضام، ولتقصر يد كل معتدٍ في الظلام، وهذا ابن زهر الذي أجررته رسنا، وأوضحت له إلى الاستطالة سننا، لم يتعد من الإضرار إلا حيث انتهيته، ولا تمادى على غيّه إلاّ حين لم تنهه أو نهيته، ولمّا علم أنّك لا تنكر عليه نكراً، ولا تغير له متى ما مكر في عباد الله مكراً، جرى في ميدان الأذيّة ملء عنانه، وسرى إلى ما شاء بعدوانه، ولم يراقب الذي خلقه، وأمدّ في الحظوة عندك طلقه، وأنت بذلك مرتهن عند الله تعالى، لأنّه مكّنك لئلاّ يتمكّن الجور، ولتسكن بك الفلاة والغور، فكيف أرسلت زمامه حتى جرى من الباطل في كل طريق، وأخفق به كلّ فريق، وقد علمت أن خالقك الباطش الغيور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما تخفى عليه نجواك، ولا يستتر عنه تقلّبك ومثواك، وستقف بين يدي عدل حاكم، يأخذ بيد كل مظلوم من ظالم، قد علم كل قضيّة قضاها، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، فبم تحتجّ معي لديه، إذا وقفت أنا وأنت بين يديه أترى ابن زهر ينجيك في ذلك

стр. 955

المقام، أوي حميك من الانتقام وقد أوضحت لك المحجّة، لتقوم عليك الحجّة، والله سبحانه النصير، وهو بكل خلق بصير لا ربّ غيره، والسلام، انتهى. [رسالة للفتح في غريق] وقد تذكرت هنا بذكر الفتح ما كتبه وقد مات بعض إخوانه غريقاً: أتاني ورحلي بالعراق عشيّةً ... ورحل المطايا قد قطعن بنا نجدا نعيٌّ أطار القلب عن مستقرّه ... وكنت على قصدٍ فأغلطني القصدا نعوا والله باسق الأخلاق لا يخلف، ورموا قلبي بسهم أصاب صميمه فما أخلف، لقد سام الردى منه حسناً وجمالاً ووسامة، وطوى بطيّه نجده وتهامه، فعطل منه النّديّ والنّدى، وأثكل فيه الهديّ والهدى، كم فلّ السيوف طول قراعه، ودل عليه الضيوف موقد ناره بيفاعه، وكم تشوّف إليه السرير والمنبر، وتصرّف فيه الثناء المحبّر، وكم راع البدر ليلة إبداره، وروّع العدوّ في عقر داره، وأي فتى غدا له البحر ضريحاً، وأعدى عليه الحين ماء وريحاً، فبدل من ظلل علىً ومفاخر، بقعر بحر طامي اللّجج زاخر، وبدل من صهوات الخيل، بلهوات اللّجج والسّيل، غريق حكى مقلتي في دمعها، وأصاب نفسي في سمعها، ومن حزنٍ لا أستسقي له الغمام فما له قبر تجوده، ولا ثرى تروى به تهائمه ونجوده، وقد آليت الموج حنقاً، ومشت عليه خبباً وعنقاً، حتى أعادته كالكثبان، وأودعته قضيب بان، فيا أسفا لزلال غاض في أجاج، ولسلسال فاض عليه بحر عجّاج، وما كان إلاّ جوهراً ذهب إلى عنصره، وصدفاً بان عن عين مبصره، لقد آن للحسام أن يغمد فلا يشام، وللحمام أن تبكيه بكل أراكة وبشام، وللعذارى أن لا يحجبهن الخفر والاحتشام، ينحن فتى ما ذرّت الشمس

стр. 956

إلاّ ضرّ أو نفع، ويبكين من لم يدع فقده في العيش من منتفع، فكم نعمنا بدنوّه، ونسمنا نسيم الأنس في رواحه وغدوّه، وأقمنا بوضة موشية، ووقفنا بالمسرات عشيّة، وأدرناها ذهباً سائلة، ونظرناها وهي شائلة، لم نرم السهر، ولم نشم برقاً إلاّ الكأس والزهر، ولو غير الحمام زحف إليه جيشه، أو غير البحر رجف به ارتجاجه وطيشه، لفداه من أسرته كلّ أروع إن عاجله المكروه تثبّطه، أو جاءه الشرّ تأبّطه، ولكنها المنايا لا تردّها الصّوارم والأسل، ولا تفوتها ذئاب الغضا والعسّل، قد عرفت بين مالك وعقيل، وأشرقت بعدهما جذيمة بالحسام الصّقيل، انتهى. وقد عرّفنا بالفتح في غير هذا الموضع فليراجع. رجع إلى بيت بني زهرٍ (١) ، رحمهم الله تعالى - وأمّا أبو بكر محمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء زهر المذكور، فهو عين ذلك البيت، وإن كانوا كلّهم أعياناً علماء رؤساء حكماء وزراء، وقد نالوا المراتب العليّة، وتقدّموا عند الملوك، ونفذت أوامرهم، قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في المطرب من أشعار أهل المغرب: كان شيخنا الوزير أبو بكر ابن زهر بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطّلب عذب معين، وكان يحفظ شعر ذي الرّمّة وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب، والمنزلة العلياء عند أصحاب المغرب، مع سموّ النسب، وكثرة الأموال والنّشب، صحبته زماناً طويلاً، واستفدت منه أدباً جليلاً، وأنشد من شعره المشهور قوله (٢) : وموسّدين على الأكفّ خدودهم ... قد غالهم نوم الصّباح وغالني

стр. 957

ما زلت أسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالني والخمر تعلم كيف تأخذ ثارها ... إنّي أملت إناءها فأمالني ثم قال ابن دحية: وسألته عن مولده، فقال: ولدت سنة سبع وخمسمائة، قال: وبلغتني وفاته آخر سنة ٥٩٥، رحمه الله تعالى، انتهى. وزعم ابن خلّكان أن ابن زهر ألمّ في الأبيات المذكورة بقول الرئيس أبي غالب عبيد الله بن هبة الله (١) : عاقرتهم (٢) مشمولةً لو سالمت ... شرّابها ما سمّيت بعقار ذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... صرعى تداس بأرجل العصّار لانت لهم حتى انتشوا وتمكّنت ... منهم وصاحت فيهم بالثار ومن المنسوب إلى أبي بكر ابن زهر قوله في كتاب جالينوس المسمى بحيلة البرء، وهو من أجلّ كتبهم وأكبرها (٣) : حيلة البرء صنعةٌ لعليل ... يترجّى الحياة أو لعليله فإذا جاءت المنيّة قالت: ... حيلة البرء ليس في البرء حيله ومن شعره، رحمه الله تعالى، يتشوّق ولداً له صغيراً بإشبيلية وهو بمراكش (٤) : ولي واحدٌ مثل فرخ القطاة ... صغير تخلّفت قلبي لديه وأفردت عنه فيا وحشتا ... لذاك الشّخيص وذاك الوجيه (٥)

стр. 958

تشوّقني وتشوّقته ... فيبكي عليّ وأبكي عليه (١) وقد تعب الشوق ما بيننا ... فمنه إليّ ومنّي إليه وأخبرني الطبيب الماهر الثقة الصالح العلاّمة سيدي أبو القاسم ابن محمد الوزير الغساني الأندلسي الأصل الفاسي المولد والنشأة حكيم حضرة السلطان المنصور بالله الحسني صاحب المغرب رضي الله تعالى عنه أن ابن زهر لمّا قال هذه الأبيات وسمعها أمير المؤمنين يعقوب المنصور سلطان المغرب والأندلس أواخر المائة السادسة أرسل المهندسين إلى إشبيلية، وأمرهم أن يحتاطوا علماً ببيوت ابن زهر وحارته ثم يبنوا مثلها بحضرة مراكش، ففعلوا ما أمرهم في أقرب مدة، وفرشها بمثل فرشه، وجعل فيها مثل آلاته، ثم أمر بنقل عيال ابن زهر وأولاده وحشمه وأسبابه إلى تلك الدار، ثم احتال عليه حتى جاء [إلى] ذلك الموضع، فرآه أشبه شيء ببيته وحارته، فاحتار لذلك، وظنّ أنه نائم، وأن ذلك أحلام، فقيل له: ادخل البيت الذي يشبه بيتك، فدخله، فإذا ولده الذي تشوّق إليه يلعب في البيت، فحصل له السرور ما لا [مزيد عليه، ولا] يعبر عنه: هكذا هكذا وإلاّ فلا لا (٢) . ومن نظم ابن زهر المذكور حيث شاخ وغلب عليه الشيب (٣) : إني نظرت إلى المرآه قد جليت ... فأنكرت مقلتاي كلّ ما رأتا رأيت فيه شويخاً (٤) لست أعرفه ... وكنت أعهده من قبل ذاك فتى فقلت: أين الذي بالأمس كان هنا ... متى ترحّل عن هذا المكان متى

стр. 959

فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة: ... إنّ الذي أنكرته مقلتاك أتى (١) كانت سليمى تنادي يا أخيّ وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم يا أبتا (٢) والبيت الأخير ينظر إلى قول الأخطل (٣) : وإذا دعونك عمّهنّ فإنّه ... نسبٌ يزيدك عندهنّ خبالا وإذا دعونك يا أخيّ فإنّه ... أدنى وأقرب خلّةً ووصالا وقال ابن دحية في حقه أيضاً (٤) : والذي انفرد به شيخنا وانقادت لتحليته طباعه، وصارت النبهاء فيه من خوله وأتباعه، الموشحات، وهي زبدة الشعر ونخبته، وخلاصة جوهره وصفوته (٥) ، وهي من الفنون التي أغرب بها أهل المغرب على أهل المشرق، وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق، انتهى. ومن مشهور موشحات ابن زهر قوله (٦) : ما للموله ... من سكره لا يفيق وهذا مطلع موشح يستعمله أهل المغرب إلى الآن، ويرون أنه من أحسن الموشحات.

стр. 960

ومن موشحاته قوله: سلّم الأمر للقضا ... فهو للنّفس أنفع واغتنم حين أقبلا ... وجه بدرٍ تهلّلا ... لا تقل بالهموم لا ... كل ما فات وانقضى ... ليس بالحزن يرجع واصطبح بابنة الكروم ... من يدي شادن رخيم ... حين يفترّ عن نظيم ... فيه برقٌ قد أومضا ... ورحيقٌ مشعشع أنا أفديه من رشا ... أهيف القدّ والحشا ... سفي الحسن فانتشى ... مذ تولّى وأعرضا ... ففؤادي يقطّع من لصبٍّ غدا مشوق ... ظلّ في دمعه غريق ... حين أمّوا حمى العقيق ... واستقلّوا بذي الغضا ... أسفي يوم ودّعوا ما ترى حين أظعنا ... وسرى الركب موهنا ... واكتسى اللّيل بالسّنا ...

стр. 961

نورهم ذا الذي أضا ... أم مع الركب يوشع ورأيت من هذا موشحاً آخر لا أدري هل هو لابن زهر أم لا، وهو هذا: فتق المسك بكافور الصّباح ... ووشت بالرّوض أعراف الرياح فاسقنيها قبل نور الفلق ... وغناء الورق بين الورق ... كاحمرار الشمس عند الشّفق ... نسج المزج عليها حين لاح ... فلك اللهو وشمس الاصطباح وغزال سامني بالملق ... وبرى جسمي وأذكى حرقي ... أهيف مذ سلّ سيف الحدق ... قصرت عنه أنابيب الرماح ... وثنى الذعر مشاهير الصفاح صار بالدّلّ فؤادي كلفا ... وجفون ساحرات وطفا ... كلما قلت جوى الحب انطفا ... أمرض القلب بأجفانٍ صحاح ... وسبى العقل بجدٍّ ومزاح يوسفيّ الحسن عذب المبتسم ... قمريّ الوجه ليليّ اللمم ... عنتريّ البأس علويّ الهمم ...

стр. 962

غصنيّ القدّ مهضوم الوشاح ... مادريّ الوصل طائيّ السماح قدّ بالقدّ فؤادي هيفا ... وسبى عقلي لمّا انعطفا ... ليته بالوصل أحيا دنفا ... مستطار العقل مقصوص الجناح ... ما عليه في هواه من جناح يا علي أنت نور المقل ... جد بوصل منك لي يا أملي ... كم أغنّيك إذا ما لحت لي ... طرقت واللّيل ممدود الجناح ... مرحباً بالشمس من غير صباح ١٦٤ - ومنهم أبو الحجاج الساحلي، يوسف بن إبراهيم بن محمد بن قاسم بن علي، الفهري، الغرناطي، قال في الإحاطة: صدر من صدور حملة القرآن على وتيرة الفضلاء و [سنن] الصالحين، حج ولقي الأشياخ بعد أن قرأ على الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير وطبقته، ومن نظمه يخاطب الوزير ابن الحكيم (١) وقد أصابته حمى تركت على شفته بثوراً: حاشاك أن تمرض حاشاكا ... قد اشتكى قلبي لشكواكا إن كنت محموماً ضعيف القوى ... فإنّني أحسد حمّاكا ما رضيت حمّاك إذ باشرت ... جسمك حتى قبّلت فاكا قال أبو الحجاج، رحمه الله تعالى: وكتب إليّ شيخنا محمد بن عتيق

стр. 963

ابن رشيق في الاستدعاء الذي أجازني فيه ولمن ذكر معي: أجزت لهم أبقاهم الله كلّ ما ... رويت عن الأشياخ في سالف الدهر وما سمعت أذناني من كلّ عالم ... وما جاد من نظمي وما راق من نثري على شرط أصحاب الحديث وضبطهم ... بريء عن التصحيف عارٍ عن النّكر كتبت لهم خطّي وإسمي محمّد ... أبو القاسم المكنيّ ما فيه من نكر وجدّي رشيقٌ شاع في الغرب ذكره ... وفي الشرق أيضاً فادر إن كنت لا تدري ولي مولدٌ من بعد عشرين حجّة ... ثمانٍ على الست المئين ابتدا عمري وبالله توفيقي عليه توكّلي ... له الحمد في الحالين في العسر واليسر ومولد أبي الحجاج المذكور سنة ٦٦٢ (١) ، وتوفّي سنة ٧٠٢ (٢) ، رحمه الله تعالى، انتهى باختصار. ١٦٥ - وممن ارتحل من الأندلس إلى المشرق يحيى بن الحكم البكري الجياني الملقب بالغزال لجماله (٣) ، وهو في المائة الثالثة، من بني بكر بن وائل. قال ابن حيان في " المقتبس ": كان الغزال حكيم الأندلس، وشاعرها، وعرّافها، عمّر أربعاً وتسعين سنة، ولحق أعصار خمسة من الخلفاء المروانية بالأندلس: أولهم عبد الرحمن بن معاوية، وآخرهم الأمير محمد بن عبد الرحمن ابن الحكم.

стр. 964

ومن شعره: أدركت بالمصر ملوكاّ أربعه ... وخامساً هذا الذي نحن معه وله على أسلوب ابن أبي حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب (١) : خرجت إليك وثوبها مقلوب ... ولقلبها طرباً إليك وجيب وكأنّها في الدّار حين تعرّضت ... ظبيٌ تعلّل بالفلا مرعوب وتبسّمت فأتتك حين تبسّمت ... بجمان درّ لم يشنه ثقوب ودعتك داعية الصّبا فتطرّبت ... نفسٌ إلى داعي الضلال طروب حسبتك في حال الغرام كعهدها ... في الدار إذ غصن الشباب رطيب وعرفت ما في نفسها فضممتها ... فتساقطت بهنانةٌ عبوب وقبضت ذاك الشيء قبضة شاهن ... فنزا إليّ عضنّكٌ حلبوب بيدي الشّمال وللشّمال لطافة ... ليست لأخرى والأديب أريب فأصاب كفّي منه حين لمسته ... بللٌ كماء الورد حين يسيب وتحلّلت نفسي للذّة رشحه ... حتى خشيت على الفؤاد يذوب فتقاعس الملعون عنه وربّما ... ناديته خيراً فليس يجيب وأبى فحقّق في الإباء كأنّه ... جانٍ يقاد إلى الرّدى مكروب وتغضّنت جنباته فكأنّه ... كيرٌ تقادم عهده مثقوب حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... قبساً وحان من الظلام ذهوب ساءلتها خجلاً: أما لك حاجة ... عندي فقالت: ساخر وحروب قالت حر أمّك إذا أردت وداعها ... قرنٌ وفيه عوارضٌ وشعوب

стр. 965

وذكره ابن دحية بمخالفة لما سردناه. قال عتبة التاجر، وجّهني الأمير الحكم وابنه عبد الرحمن إلى المشرق وعبد الله بن طاهر أمير مصر من قبل المأمون، فلقيته بالعراق، فسألني عن هذه القصيدة هل أحفظها للغزال قلت: نعم فاستنشدنيها، فأنشدته إياها، فسر بها وكتبها، وقال عتبة: ونلت بها حظّاً عنده. والبهنانة: المرأة الطيبة النفس والأرج، كما في الصّحاح، وقيل: اللينة في منطقها وعملها، وقيل: الضحّاكة المتهللة، والرعبوب: السبطة البيضاء، والسبطة: الطويلة. وقال سامحه الله تعالى: سألت في النّوم أبي آدماً ... فقلت والقلب به وامق إبنك بالله أبو حازم ... صلّى عليك المالك الخالق فقال لي: إن كان مني ومن ... نسلي فحوّا أمّكم طالق وقال رضي الله تعالى عنه: أرى أهل اليسار إذا توفّوا ... بنوا تلك المقابر بالصخور أبو إلا مباهاة وفخراً ... على الفقراء حتى في القبور فإن يكن التفاضل في ذراها ... فإن العدل فيها في القعور رضيت بمن تأنّق في بناء ... فبالغ في تصريف الدهور (١) ألمّا يبصروا ما خربته الد ... هور من المدائن والقصور لعمر أبيهم لو أبصروهم ... لما عرف الغنيّ من الفقير ولا عرفوا العبيد من الموالي ... ولا عرفوا الإناث من الذكور ولا من كان يلبس ثوب صوفٍ ... من البدن المباشر للحرير

стр. 966

إذا أكل الثّرى هذا وهذا ... فما فضل الكبير على الحقير وقال رضي الله تعالى عنه: لا، ومن أعمل المطايا (١) إليه ... كلّ من يرتجي إليه نصيبا ما أرى ههنا من النّاس إلاّ ... ثعلباً يطلب الدّجاج وذيبا أو شبيهاً بالقطّ ألقى (٢) بعيني ... هـ إلى فارةٍ يريد الوثوبا وقال رضي الله تعالى عنه: قالت أحبّك قلت كاذبة ... غريّ بذا من ليس ينتقد هذا كلامٌ لست أقبله ... الشيخ ليس يحبّه أحد سيّان قولك ذا وقولك إن ... الريح نعقدها فتنعقد أو أن تقولي النار باردة ... أو أن تقولي الماء يتقد وحكى أو الخطاب ابن دحية في كتاب " المطرب " (٣) أن الغزال أرسل إلى بلاد المجوس وقد قارب الخمسين، وقد وخطه الشيب، ولكنّه كان مجتمع الأشد، فسألته زوجة الملك يوماً عن سنّه، فقال مداعباً لها: عشرون سنة، فقلت: وما هذا الشيب فقال: وما تنكرين من هذا ألم تري قطّ مهراً ينتج وهو أشهب فأعجبت بقوله، فقال في ذلك، واسم الملكة تود (٤) : كلّفت يا قلبي هوىً متعبا ... غالبت منه الضّيغم الأغلبا إنّي تعلّقت مجوسيّةً ... تأبى لشمس الحسن أن تغربا أقصى بلاد الله في حيث لا ... يلفي إليه ذاهبٌ مذهبا

стр. 967

يا تود يا رود الشّباب التي ... تطلع من أزرارها الكوكبا يا بأبي (١) الشخص الذي لا أرى ... أحلى على قلبي، ولا أعذبا إن قلت يوماً إنّ عيني رأت ... مشبهه لم أعد أن أكذبا قالت: أرى فدويه قد نوّرا ... دعابة توجب أن أدعبا قلت لها: ما باله إنّه ... قد ينتج المهر كذا أشهبا فاستضحكت عجباً بقولي لها ... وإنّما قلت لكي تعجبا قال: ولمّا فهّمها الترجمان شعر الغزال ضحكت، وأمرته بالخضاب، فغدا عليها وقد اختضب وقال (٢) : بكرت تحسّن لي سواد خضابي ... فكأنّ ذاك أعادني لشبابي ما الشيب عندي والخضاب لواصفٍ ... إلاّ كشمسٍ جلّلت بضباب تخفى قليلاً ثمّ يقشعها الصّبا ... فيصير ما سترت به لذهاب لا تنكري وضح المشيب فإنّما ... هو زهرة الأفهام والألباب فلديّ ما تهوين من شأن الصّبا ... وطلاوة الأخلاق والآداب وحكى ابن حيان في " المقتبس " أن الأمير عبد الرحمن بن الحكم المرواني وجّه شاعره الغزال إلى ملك الروم، فأعجبه حديثه، وخف على قلبه، وطلب منه أن ينادمه، فامتنع من ذلك، واعتذر بتحريم الخمر، وكان يوماً جالساً عنده، وإذا بزوجة الملك قد خرجت وعليها زينتها، وهي كالشمس الطالعة حسناً، فجعل الغزال لا يميل طرفه عنها، وجعل الملك يحدثه وهو لاهٍ عن حديثه، فأنكر ذلك عليه، وأمر الترجمان بسؤاله، فقال له: عرّفه أنّي قد بهرني من حسن هذه الملكة ما قطعني عن حديثه، فإنّي لم أر قطّ

стр. 968

مثلها، وأخذ في وصفها والتعجّب من جمالها، وأنّها شوقته إلى الحور العين، فلمّا ذكر الترجمان ذلك للملك تزايدت حظوته عنده، وسرّتت الملكة بقوله، وأمرت الترجمان أن يسأله عن السبب الذي دعا المسلمين إلى الختان، وتجشّم المكروه فيه وتغيير خلق الله، مع خلوّه من الفائدة، فقال للترجمان: عرّفها أن فيه أبر فائدة، وذلك أن الغصن إذا زبر قوي واشتد وغلظ، وما دام لا يفعل به ذلك لا يزال رقيقاً ضعيفاً، فضحكت وفطنت لتعريضه، انتهى. ومن شعر الغزال قوله (١) : يا راجياً ودّ الغواني ضلّةً ... وفؤاده كلفٌ بهنّ موكّل إن النساء لكالسّروج حقيقةً ... فالسّرج سرجك ريثما لا تنزل فإذا نزلت فإنّ غيرك نازلٌ ... ذاك المكان وفاعلٌ ما تفعل أو منزل المجتاز أصبح غادياً ... عنه وينزل بعده من ينزل أو كالثمار مباحة أغصانها ... ندنو لأول من يمر فيأكل أعط الشبيبة لا أبا لك حقّها ... منها، فإنّ نعيمها متحوّل وإذا سلبت ثيابها لم تنتفع ... عند النّساء بكل ما تستبدل وقال (٢) : قال لي يحيى وصرنا ... بين موجٍ كالجبال وتولّتنا رياحٌ ... من دبور وشمال شقّت القلعين وانب ... تّت عرى تلك الحبال وتمطّى ملك المو ... ت إلينا عن حيال فرأينا الموت رأي ال ... عين حالاً بعد حال

стр. 969

لم يكن للقوم فينا ... يا رفيقي رأس مال ومنها: وسليمى ذات زهدٍ ... في زهيدٍ في وصال كلّما قلت صليني ... حاسبتني بالخيال والكرى قد منعته ... مقلتي أخرى الليالي وهي أدرى فلماذا ... دافعتني بمحال أترى أنّا اقتضينا ... بعد شيئاً من نوال وله: من ظنّ أن الدهر ليس يصيبه ... بالحادثات (١) فإنّه مغرور فالق الزّمان مهوّناً لخطوبه ... وانجرّ حيث يجرّك المقدور وإذا تقلّبت الأمور ولم تدم ... فسواءٌ المحزون والمسرور وعاش الغزال أرباعاً وتسعين سنة، وتوفي في حدود الخمسين والمائتين، سامحه الله تعالى. وكان الغزال أقذع في هجاء علي بن نافع المعروف بزرياب، فذكر ذلك لعبد الرحمن، فأمر بنفيه، فدخل العراق، وذلك بعد موت أبي نواس بمدة يسيرة، فوجدهم يلهجون بذكره، ولا يساوون شعر أحد بشعره، فجلس يوماً مع جماعة منهم فأزروا بأهل الأندلس، واستهجنوا أشعارهم، فتركهم حتى وقعوا في ذكر أبي نواس، فقال لهم: من يحفظ منكم قوله (٢) :

стр. 970

ولمّا رأيت الشّرب (١) أكدت سماؤهم ... تأبّطت زقّي واحتبست (٢) عنائي فلمّا أتيت الحان ناديت ربّه (٣) ... فثاب خفيف الروح نحو ندائي قليل هجوع العين إلا تعلّةً ... على وجلٍ منّي ومن نظرائي فقلت أذقنيها فلمّا أذاقها ... طرحت عليه ربطتي وردائي وقلت أعرني بذلةً أستتر بها ... بذلت له فيها طلاق نسائي فوالله ما برّت يميني ولا وفت ... له غير أنّي ضامنٌ بوفائي فأبت إلى صحبي ولم أك آئباً ... فكلّ يفدّيني وحقّ فدائي فأعجبوا بالشعر، وذهبوا في مدحهم له، فلمّا أفرطوا قال لهم: خفضوا عليكم، فإنّه لي، فأنكروا ذلك، فأنشدهم قصيدته التي أولها: تداركت في شرب النّبيذ خطائي ... وفارقت فيه شيمتي وحيائي فلمّا أتم القصيدة بالإنشاد خجلوا، وافترقوا عنه. وحكي أن يحيى الغزال أراد أن يعارض سورة " قل هو الله أحدٌ " فلمّا رام ذلك أخذته هيبة وحالة لم يعرفها، فأناب إلى الله، فعاد إلى حاله. وحكي أن عباس بن ناصح الثقفي قاضي الجزيرة الخضراء كان يفد على قرطبة ويأخذ عنه أدباؤها، ومرت عليهم قصيدته التي أولها: لعمرك ما البلوى بعارٍ ولا العدم ... إذا المرء لم يعدم تقى الله والكرم حتى انتهى القارئ إلى قوله: تجاف عن الدنيا فما لمعجّزٍ ... ولا عاجز إلا الذي خطّ بالقلم

стр. 971

فقال له الغزال، وكان في الحلقة، وهو إذ ذاك حدثٌ نظّامٌ متأدب ذكي القريحة: أيها الشيخ، وما الذي يصنع مفعل مع فاعل فقال له: كيف تقول فقال: كنت أقول: فليس لعاجز ولا حازم، فقال له عباس: والله يا بني لقد طلبها عمّك فما وجدها. وأنشد يوماً قوله من قصيدة: بقرت بطون الشعر فاستفرغ الحشا ... بكفّي حتى آب خاويه من بقري فقال له بكر بن عيسى الشاعر: أما والله يا أبا العلاء، لئن كنت بقرت الحشا لقد وسخت يديك بفرثه، وملأتهما بدمه، وخبّثت نفسك بنتنه، وخمشت أنفك بعرفه، فاستحيا عباس وأفحم عن جوابه. ١٦٦ - ومنهم الشهير بالمغارب والمشارق، المحلّي بجواهره صدور المهارق، أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد العنسي (١) ، متمم كتاب المغرب في أخبار المغرب قال فيه: وأنا أعتذر في إيراد ترجمتي هنا بما اعتذر به ابن الإمام في كتاب سمط الجمان وبما اعتذر به الحجاري في كتاب المسهب وابن القطّاع في الدرة الخطيرة وغيرهم من العلماء. فمن نظمه عندما ورد الديار المصرية: أصبحت أعترض الوجوه ولا أرى ... ما بينها وجهاً لمن أدريه عودي على بدئي ضلالاً بينهم ... حتّى كأنّي من بقايا التّيه ويح الغريب توحّشت ألحاظه ... في عالم ليسوا له بشبيه إن عاد لي وطني اعترفت بحقّه ... إن التغرّب ضاع عمري فيه

стр. 972

وله من قصيدة يمدح ملك إفريقية أبا زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفصٍ: الأفق طلقّ والنّسيم رخاء ... والروض وشّت رده الأنداء والنهر قد مالت عليه غصونه ... فكأنّما هو مقلةٌ وطفاء وبدا نثار الجلّنار بصفحه ... فكأنّما هو حيّةٌ رقطاء والشّمس قد رقمت طرازاً فوقه ... فكأنّما هي حلّةٌ زرقاء فأدر كؤوسك كي يتم لك المنى ... واسمع إلى ما قالت الورقاء تدعوك حيّ على الصّبوح فلا تنم ... فعلى المنام لدى الصّباح عفىء وله أيضاً: كم جفاني ورمت أدعو عليه ... فتوقّفت ثمّ ناديت قائل لا شفى الله لحظه من سقام ... وأراني عذاره وهو سائل وله من قصيدة كتب بها إلى مالك سبتة الموفق أبي العباس أحمد بن أبي الفضل السّبتي شافعاً لشخص رغب في خدمته: بالعدل قمت وبالسماح فدن وجد ... لا فارقتك كفاية وعطاء ما كلّ من طلب السعادة (١) نالها ... وطلاب ما يأبى القضاء شقاء ومنها: وقد استطار بأسطري نحو الندى ... من أنهضته لنحوك العلياء طلب التباهة في ذراك فما له ... إلاّ لديك تأمّلٌ ورجاء وهو الذي بعد التجارب أحمدت ... أحواله وجرى عليه ثناء

стр. 973

لا يقرب الدنس المريب كواصل ... هجرته خوفاً أن يشان الراء [قد مارس الحرب الزبون زمانه ... وجرت عليه شدة ورخاء] (١) وعلاك تقضي أن يسود بأفقها ... لا غرو أن يعلي الشهاب بهاء وقوله في قصيدة: ألف التغرّب والتوحّش مثل ما ... ألف التوحّش والنفور ظباء حجّابه ألفوا التجهّم والجفا ... فهم لكلّ أخي هدىً أعداء مهما يرم طلبٌ إليه تقرّباً ... بعدت بذاك البدر عنه سماء لكنّني ما زلت أخدع حاجباً ... ومراقباً حتى ألان حباء والأرض لم تظهر محجّب نبتها ... حتى حبتها الديمة الوطفاء (٢) قيل: وهذا معنى لم يسمع من غيره، وقوله في خسوف البدر: شان الخسوف البدر بعد جماله ... فكأنّه ماء عليه غثاء أو مثل مرآة لخودٍ قد قضت ... نظراً بها فعلا الجلاء غشاء وله من قصيدة عتاب يقول فيها: ولقد كسبت بكم علاً لكنها ... صارت بأقوال الوشاة هباء فغدوت ما بين الصحابة أجرباً ... كلٌّ يحاذر منّي الإعداء ولقد أرى أن النجوم تقلّ لي ... حجباً وأصغر أن أحلّ سماء فليهجروا هجر الفطيم لدرّه ... ويساعدو الزمنالخئون جفاء فلقد شكوت لهم إحالة ودّهم ... إذ لم أكن أرضى بهم خدماء

стр. 974

إيهٍ فذكرهم أقلّ، وإنّما ... أومي إليك فتفهم الإيماء (١) لو لم يكن قينٌ لما فتكت ظباً ... أنت الذي صيرتهم أعداء ولو أنني أرجو ارتجاعك لم أطل ... شكوى ولم أستبعد الإغضاء لكن رأيتك لا تميل سجيّةً ... نحوي ولا تتكلّف الإصغاء إن لم يكن عطفٌ منّوا بالنّوى ... إنّ الكريم إذا أهين تناءى وقوله: ولكم سرينا في متون ضوامر ... تثني أعنتها من الخيلاء من أدهم كالليل حجّل بالضحى ... فتشقّ غرته عن ابن ذكاء أو أشهب يحكي غدائر أشيبٍ ... خلعت عليه الشّهب فضل رداء أو أشقر قد نمّقته بشعلة ... كالمزج ثار بصفحة الصّهباء أو أصفر قد زيّنته غرّة ... حتى بدا كالشمعة الصفراء طارت، ولكن لا يهاض جناحها ... هبّت، ولكن لم تكن رخاء وقوله من أبيات في افتضاض بكر: وخريدةً ما إن رأيت مثالها ... حيّت من الألحاظ بالإيماء فسألتها سمع الشكاة فأفهمت ... أنّ الرقيب جهينة الأنباء وتبعتها وسألت منها قبلةً ... في خلوة من أعين الرقباء فثنت عليّ قوامها بتعانقٍ ... أحيا فؤاداً مات بالبرحاء ووجدتها لمّا ملكت عنانها ... عذراء مثل الدّرّة العذراء جاءت إليّ كوردةٍ حمراء (٢) ... فتركتها كعرارة صفراء وسلبتها ما احمرّ منها صفوه ... فجرى مذاباً منجحاً لرجائي

стр. 975

وقوله من أبيات: أحبابنا عودوا علينا عودةً ... ما منكم بعد التفرّق مرغب كم ذا أداريكم بنفس جاهداً ... وكأنّما أرضيكم كي تغضبوا وأزيد بعداً ما اقتربت إليكم ... كالسّهم أبعد ما يرى إذ يقرب وأجوب نحوكم المنازل جاهداً ... ومع اجتهادي فاتني ما أطلب كالبدر أقطع منزلاً في منزل ... فإذا انتهيت إلى ذراكم أغرب وقوله من أبيات: سألتك يا من يستلان فيصعب ... ومن يترضّى بالحياة فيغضب أما خدّك البدر المنير فلم غدت ... تحلّ به ضدّ القضيّة عقرب وقوله، وقد داعبه أحد الفقهاء وسرق سكينه من حرز: أيا سارقاً ملكاً مصوناً ولم يجب ... على يده قطعٌ وفيه نصاب ستندبه الأقلام عند عثارها ... ويبكيه إن يعد الصّواب كتاب وقوله في تفاحة عنبر أهديت للملك الصالح نجم الدين أيوب: أنا لون الشباب والخال أهدي ... ت لمن قد كسا الزمان شبابا ملك العالمين نجم بني أيّ ... وب ولا زال في المعالي شهابا جئت ملأى من الثّناء عليه ... من شكورٍ إحسانه والثوابا لست ممّن له خطابٌ ولكن ... قد كفاني أريج عرفي خطابا وقوله من قصيدة: فالحمد لله على ساعة ... قد قرّبتني من علا الصاحب وليعذر المولى على أنّني ... قد كنت من علياه في جانب

стр. 976

كمن أتى نافلةً أوّلاً ... ثمّ أتى من بعد بالواجب وقوله من أبيات (١) : فإن كنت في أرض التغرّب غارباً ... فسوف تراني طالعاً فوق غارب فصمصام عمروٍ حين فارق كفّه ... رموه ولا ذنبٌ لعجز المضارب وما عزّة الضّرغام إلاّ عرينه ... ومن مكّةٍ سادت لؤيّ بن غالب وقوله في فرس أصفر أغر أكحل الحلية (٢) : وأجرد تبريٍّ أثرت به الثرى ... وللفجر في خصر الظلام وشاح له لون ذي عشقٍ وحسن معشّقٍ ... لذلك في دلّة (٣) ومراح عجبت له وهو الأصيل بعرفه ... ظلامٌ وبين الناظرين صباح يقيّد طير اللحظ والوحش عندما ... يطير به نحو النجاح جناح وقوله من أبيات: إذا ما غراب البين صاح فقل له ... ترفّق رماك الله يا طير بالبعد لأنت على العشّاق أقبح منظراً ... وأكره في الأبصار من ظلمة اللحد تصيح بنوحً ثم تعثر ماشياً ... وتبرز في ثوبٍ من الحزن مسودّ متى لحت صحّ البين وانقطع الرجا ... كأنك من وشك الفراق على وعد وقوله في غلام جميل الصورة أهدى تفاحة: ناب ما أهديت عن عر ... فٍ وعن ريقٍ وخدّ

стр. 977

حبّذا تفاحةٌ قد ... أشبهت أوصاف مهدي بتّ منها في سرورٍ ... فكأنّما قد بتّ عندي وقوله من قصيدة: هذا الذي هب الدّنيا بأجمعها ... وبعد ذلك يلفى وهو يعتذر إن هزّة المدح فالأموال في بددٍ ... والغصن ما هزّ إلا بدّد الثمر [فقلت لمّا بدا لي حسن منظره ... لكنه زاد إشراقاً: هو القمر] (١) متّع لحاظك في وجهٍ بلا ضرر ... إن كان شمساً يداه تحتها مطر وقوله من أبيات: لي جيرة ضنّوا عليّ وجاروا ... فنبت بي الأوطان والأوطار ومن العجائب أنني مع جورهم ... ما قرّ لي بعد الفراق قرار وقوله: أنا شاعر أهوى التخلّي دون ما ... زوج لكيما تخلص الأفكار لو كنت ذا زوج لكنت منغّصاً ... في كلّ حينٍ رزقها أمتار دعني أرح طول التغرب خاطري ... حتى أعود ويستقرّ قرار كم قائلٍ لي ضاع شرخ شبابه ... ما ضيّعته بطالةٌ وعقار إذ لم أزل في العلم أجهد دائماً ... حتّى تأتّت هذه الأبكار مهما أرم من دون زوج لم أكن ... كلاًّ ورزقي دائماً مدرار وإذا خرجت لفرجةٍ هنّيتها ... لا صنعةٌ ضاعت ولا تذكار وقوله من قصيدة:

стр. 978

ما كنت أحسب أن أضيع وأنت في ال ... دّنيا وأن أمسي غريباً معسرا أنا مثل سهمٍ سوف يرجع بعدما ... أقصاه راميه المجيد ليخبرا وقوله سامحه الله تعالى: وافى عليٌّ لنا بسيفٍ ... والبين قد حان والوداع فقال شبّه فقلت شمس ... قد مدّ من نورها شعاع وقوله من قصيدة في ملك إشبيلية الباجي، وقد هزم ابن هود (١) : لله فرسان غدت راياتهم ... مثل الطيور على عداك تحلّق السّمر تنقط ما تسطّر بيضهم ... والنقع يترب والدماء تخلّق وقال ارتجالاً بمحضر زكي الدين بن أبي الإصبع وجمال الدين أبي الحسين الجزار المصري الشاعر ونجم الدين بن إسرائيل الدمشقي بظاهر القاهرة، وقد مشى أحدهم على بسيط نرجس: يا واطئ النرجس ما تستحي ... أن تطأ الأعين بالأرجل فتهافتوا بهذا البيت، وراموا إجازته، فقال ابن أبي الإصبع مجيزاً: فقلت دعني لم أزل محرجاً ... على لحاظ الرشإ الأكحل وكان أمثل ما حضرهم، ثم أبوا أن يجيزه غيره، فقال: قابل جفوناً بجفونٍ ولا ... تتبذل الأرفع بالأسفل وقوله في الجزيرة الصالحية بمصر، وهي الشهيرة الآن بالروضة: تأمّل لحسن الصالحيّة إذ بدت ... مناظرها مثل النّجوم تلالا

стр. 979

وللقلعة الغرّاء كالبدر طالعاً ... تفجّر صدر الماء عنه هلالا ووافى إليها النّيل من بعد غاية ... كما زار مشغوفٌ يروم وصالا وعانقها من فرط شوق بحسنها ... فمدّ يميناً نحوها وشمالا جرى قادماً بالسعد فاختطّ حولها ... من السعد إعلاماً بذلك دالا وقوله من أبيات في ملك إفريقية وقد جهز ولده الأمير أبا يحيى بعسكر: وقد أرسلته نحو الأعادي ... كما جرّدت من غمدٍ حساما وقوله في قوس: أنا مثل الهلال في ظلم النّق ... ع سهامي تنقضّ مثل النجوم تقصر القضب والقنا عن مجالي ... عند رجمي بها لكلّ رجيم قد كستها الطيور لمّا رأتها ... كافلاتٍ لها برزقٍ عميم وقوله من أبيات (١) : وأشقر مثل البرق لوناً وسرعةً ... قصدت عليه عارض الجود فانهمى ولنذكر ترجمته من الإحاطة ملخصة، فنقول: قال لسان الدين (٢) : علي بن موسى بن عبد الملك بن سعيد بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن الحسن بن عثمان بن عبد الله بن سعد بن عمار بن ياسر بن كنانة بن قيس بن الحصين العنسي، المدلجي، من أهل قلعة يحصب، غرناطي، قلعي، سكن تونس، أبو الحسن ابن سعيد، وهذا الجل وسطى عقد بيته، وعلم أهله، ودرة قومه، المصنف، الأديب، الرحالة، الطرفة،

стр. 980

الأخباري، العجيب الشأن في التجوّل في الأقطار، ومداخلة الأعيان والتمتّع بالخزائن العلمية، وتقييد الفوائد المشرقية والمغربية، أخذ عن أعلام إشبيلية كأبي علي الشّلوبين، وأبي الحسن الدباج، وابن عصفور وغيرهم، وتواليفه كثيرة: منها " المرقصات والمطربات " و " المقتطف من أزاهر الطرف " و " الطالع السعيد في تاريخ بني سعيد " تاريخ بلده وبيته، والموضوعان الغريبان المتعددا الأسفار، وهما " المغرب في حلى المغرب " و " المشرق في حلى المشرق " وغير ذلك ممّا لم يتصل إلينا، فلقد حدّثني الوزير أبو بكر ابن الحكيم أنه تخلف كتاباً يسمى " المرزمة " (١) يشتمل على وقر بعير من رزم الكراريس لا يعلم ما فيه من الفوائد الأدبية والأخبارية إلاّ الله تعالى، وتعاطى نظم الشعر في حد من الشبيبة يعجب فيه من مثله، فيذكر أنه خرج مع أبيه إلى إشبيلية وفي صحبته سهل ابن مالك، فجعل سهل بن مالك يباحثه عن نظمه إلى أن أنشده في صفة نهر والنسيم يردده والغصون تميل عليه: كأنّما النّهر صفحةٌ كتبت ... أسطرها، والنّسيم ينشئها لمّا أبانت عن حسن منظرها ... مالت عليها الغصون تقرؤها فطرب وأثنى عليه. ثم ناب عن أبيه في أعمال الجزيرة، ومازج الأدباء، ودوّن كثيراً من نظمه، ودخل القاهرة، فصنع له أدباؤها صنيعاً في ظاهرها، وانتهت بهم الفرجة إلى روض (٢) نرجس، وكان فيهم أبو الحسين الجزار فجعل يدوس النرجس برجله، فقال أبو الحسن: يا واطئ النرجس ما تستحي ... أن تطأ الأعين بالأرجل

стр. 981

فتهافتوا بهذا البيت، وراموا إجازته، فقال ابن أبي الإصبع: فقال دعني لم أزل محنقاً ... على لحاظ الرشإ الأكحل وكان أمثل ما حضرهم، ثم أبوا أن يجيزه غيره، فقال: قابل جفوناً بجفونٍ، ولا ... تبتذل الأرفع بالأسفل ثم استدعاه (١) سيف الدين ابن سابق إلى مجلس بضفّة النيل مبسوط بالورد، وقد قامت حوله شمامات نرجس، فقال في ذلك: من فضّل النرجس فهو الذي ... يرضى بحكم الورد إذ يأس أما ترى الورد غدا قاعداً ... وقام في خدمه النرجس ووافق ذلك مماليك الترك وقوفاً في الخدمة، على عادة المشارقة، فطرب الحاضرون. ولقي بمصر أيدمر التركي والبهاء زهيراً وجمال الدين بن مطروح وابن يغمور وغيرهم، ورحل صحبة كمال الدين بن العديم إلى حلب، فدخل على الناصر صاحب حلب، فأنشده قصيدة أولها: جد لي بما ألقى الخيال من الكرى ... لا بدّ للضيف الملمّ من القرى فقال كمال الدين: هذا رجل عارف، ورّى بمقصودة من أول كلمة، وهي قصيدة طويلة، فاستجلسه السلطان، وسأله عن بلاده ومقصوده برحلته، وأخبره أنّه جمع كتاباً في الحلى البلادية والعلى العبادية المختصة بالمشرق، وأخبره أنّه سمّاه " المشرق في حلى المشرق " وجمع مثله فسمّاه " المغرب في حلى المغرب " فقال: نعينك بما عندنا من الخزائن، ونوصلك إلى ما ليس

стр. 982

عندنا كخزائن الموصل وبغداد، وتصنف لنا، فخدم على عادتهم، وقال: أمر مولاي بذلك إنعام وتأنيس، ثم قال له السلطان مداعباً: إن شعراءنا ملقبون بأسماء الطيور، وقد اخترت لك لقباً يليق بحسن صوتك وإيرادك للشعر، فإن كنت ترضى به، وإلا لم نعلم به أحداً غيرنا، وهو البلبل، فقال: قد رضي المملوك يا خوند. فتبسّم السلطان، وقال له أيضاً يداعبه: اختر واحدةً من ثلاث: إمّا الضيافة التي ذكرتها أوّل شعرك، وإمّا جائزة القصيدة، وإمّا حق الاسم، فقال: يا خوند المملوك ممّا لا يختنق بعشر لقمٍ لأنّه مغربي أكول فكيف بثلاث فطرب السلطان وقال: هذا مغربي ظريف، ثم أتبعه من الدنانير والخلع الملوكية والتواقيع بالأرزاق ما لا يوصف. ولقي بحضرته عون الدين العجمي، وهو بحر لا تنزفه الدلاء، والشهاب التّلّعفري، والتاج ابن شقير، وابن نجيم الموصلي، والشرف بن سليمان الإربلي، وطائفة من بني الصاحب. ثم تحول إلى دمشق، ودخل الموصل وبغداد، ودخل مجلس السلطان المعظم [ابن الملك الصالح] (١) بدمشق، وحضر مجلس خلوته، وكان ارتحاله إلى بغداد في عقب سنة ثمان وأربعين وستمائة في رحلته الأولى إليها، ثم رحل إلى البصرة ودخل أرّجان، وحج، ثم عاد إلى المغرب، وقد صنّف في رحلته مجموعاً سمّاه ب " النفحة المسكية في الرحلة المكية " وكان نزوله بساحل مدينة إقليبية (٢) من إفريقية في إحدى جمادى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، واتصل بخدمة الأمير أبي عبد الله المستنصر، فنال الدرجة الرفيعة من حظوته. حدثني شيخنا الوزير أبو بكر ابن الحكيم أن المستنصر جفاه في آخر عمره وقد أسنّ لجرّاء خدمة مالية أسندها إليه، وقد كان بلا منه قبل جفوةً أعقبها انتشال وعناية، فكتب إليه بنظم من جملته:

стр. 983

لا ترعني بالجفا ثانيةً ... فرقّ له، وعاد إلى حسن النظر إليه، إلى أن توفّي تحت بر وعناية (١) . مولده بغرناطة ليلة الفطر سنة عشر وستمائة (٢) ، ووفاته بتونس في حدود خمس وثمانين وستمائة، انتهى باختصار. وذكرت حكاية إجازة بيته في النرجس وإن تقدمت لاتصال الكلام. قلت: قد كنت وقفت على بعض ديوان شعره التعدد الأسفار، ونقلت منه قوله من قصيدة يهنئ ابن عمّه الرئيس أبا عبد الله ابن الحسين (٣) بقدومه من حركة هوّارة: أما واجبٌ أن لا يحول وجيب ... وقد بعدت دارٌ وخان حبيب وليس أليفٌ غير ذكرٍ وحسرةٍ ... ودمعٌ على من لا يرقّ صبيب وخفق فؤادٍ إن هفا الرق خافقاً ... وشوقٌ كما شاء الهوى ونحيب ويعذلني من ليس يعرف ما الهوى ... وعذل مشوقٍ في البكاء عجيب (٤) ألا تعس اللّوام في الحبّ قد عموا ... وصمّوا ودائي ليس منه طبيب يرومون أن يثني الملام (٥) صبابتي ... وليس إلى داعي الملام أجيب وفائي إذا ما غبت عنكم مجدّدٌ ... وغيري ذو غدرٍ أوان يغيب ولو لم يكن مني الوفاء سجيّةً ... لكنت لغير ابن الحسين أنيب سموأل هذا العصر حاتم جوده ... مهلّبه إن مارسته (٦) حروب

стр. 984

فتىً سيّر (١) الأمداح شرقاً ومغرباً ... أبو دلفٍ من دونه وخصيب إذا رقم القرطاس قلت ابن مقلة ... وإن نظم الأشعار قلت حبيب وإن نثر الأسجاع قلت سميّه ... وإن سرد التاريخ قلت عريب وما أحرز الصّوليّ آدابه التي ... إذا ما تلاها لم يجبه أديب ومنها: وأمّا إذا ما الحرب أخمد (٢) نارها ... ففيه تلظّى (٣) مارجٌ ولهيب فكم قارع الأبطال في كلّ وجهةٍ ... نحاها وكم لفّت عليه حروب وكائن له بالغرب (٤) من موقفٍ له ... حديثٌ إذا يتلى تطير قلوب بمرّاكشٍ سل عنه تعلم غناءه ... وقد ساءهم (٥) يومٌ هناك عصيب إذا ما ثنى الرمح الطويل كأنّه ... مديرٌ لغصن الخيزران لعوب وإن جرّه أبصرت نجماً مجرّراً ... ذؤابته، منه الكماة تذوب يهيم به ما إن يزال معانقاً ... له راكعاتٍ ما تحوز كعوب محمد، لا تبد الذي أنت قادرٌ ... عليه، وخف عيناً علاك تصيب نفوذ سهام العين أودى بمصعبٍ ... وطاح به بعد الشّبوب شبيب ألا فهنيئاً أن رجعت لتونس ... فأطلعت شمساً والسّفار (٦) غروب كواكبها تبدو إذا ما تركتها ... وقد جعلت مهما حضرت تغيب إذا سدت في أرضٍ فغيرك تابعٌ ... علاك، ومهما ساد فهو مريب

стр. 985

ومنها: كفاني أنّي أستظلّ بظلّكم ... ومن هاب ذاك المجد فهو مهيب فأصلك أصلي والفروع تباينت ... بعيدٌ على من رامه وقريب وحسبي فخراً أن أقول محمدٌ ... نسيب عليٍّ جلّ منه نصيب تركت جميع الأقربين لقصده ... على حين حانت فتنةٌ وخطوب رأيت به جنّات عدنٍ فلم أبل ... إذا وصلتنا للخلود شعوب فقبّلت كفّاً لا أعاب بلثمها ... وأيدي الأيادي لثمهنّ وجوب وكيف وليس الرأس كلرّجل، فرّقت ... شياتٌ لعمري بيننا وضروب ولو كان قدري مثل قدرك في العلا ... لحقّ بأن يعلو الشباب مشيب ولولا الذي أسمعت من مكر حاسدٍ ... أتاك بقولٍ وهو فيه كذوب لما كنت محتاجاً لقولي آنفاً ... تخلّيت من ذنبٍ وجئت أتوب إذا كنت ذا طوعٍ وشكرٍ وغبطةٍ ... فمن أين لي يا ابن الكرام ذنوب لقد كنت معتاداً ببشرٍ فما الذي ... تقلّدته حتى يزال قطوب أإن رفع السلطان سعيي بقدركم (١) ... أحّلأ عن وردٍ لكم وأخيب فأحسب ذنبي ذنب صحرٍ (٢) ، بدارها ... إلى البرّ عند الخابرين معيب وحاشاك من جورٍ عليّ، وإنّما ... أخاطب من أصفي (٣) له فيشوب صحابٌ هم الداء الدفين فليتني ... ولم أدن منهم، للذئاب صحوب كلامهم شهدٌ ولكنّ فعلهم ... كسمّ له بين الضلوع دبيب سأرحل عنهم والتجارب لم تدع ... بقلبي لهم شيئاً عليه أثيب
следующие страницы →