سمع من الزبيدي وابن باقا وغيرهما (١) ، وبرع في النظم، وكتب في ديوان الإنشاء، وله يد طولى في التفسير والبديع واللغة، وانتهت إليه رياسة الأدب، وأفتى وناظر، ودرس بالظاهرية وانقطع بها، وله في النحو مقدمتان كبرى وصغرى، وكان حلو المناظرة مليح النادرة يشارك في الأصول والطب وغير ذلك، ودرس بالناصرية مدة قبل الظاهرية. روى عن الدمياطي وابن دبوقا والمزي والبرزالي وآخرون، وكتب المنسوب، وانتفع به جماعة، وخنق في بيته بالظاهرية وأخذ ذهبه، وشنق الذي خنقه على باب الظاهرية، ودرس بالظاهرية بعده علاء الدين ابن بنت الأعز.
من شعره ما كتبه إلى جمال الدين علي بن جرير إلى قرية القاسمية على يد راجل اسمه علي أيضاً:
حسدت علياً على كونه ... توجه دوني إلى القاسميه
وما بي شوق إلى قرية (٢) ... ولكن مرادي ألقى سميه وكتب إلى شيخ الشيوخ عماد الدين ابن حمويه:
من غرس نعمته وناظم مدحه ... بين الورى وسميه ووليه
يشكو ظماه إلى السحاب لعله ... يرويه من وسميه ووليه وقال:
خوذ تجمع فيها كل مفترق ... من المعاني التي تستغرق الكلما
عطت غزالاً سطت ليثاً خطت غصناً ... فاحت عبيراً رنت نبلاً بدت صنما وقال وكتب بها إلى الوزير ابن جرير وقد سوغه سكنى المنيبع بدمشق:
فديت بناناً أراني الندى ... عياناً وكان الندى يسمع
وكفاً حكى البحر جوداً ومن ... أنامله صح لي المنبع
стр. 1017
وقال ملغزاً في خيمة:
ما اسم إذا نصبته ... رفعت ما ينصب به
ولا يتم نصبه ... إلا بجر سببه وقال ملغزاً في سبسب:
ما اسم إذا عكسته ... فلذلك اسم للفلا
وإن تركت عكسه ... فهو المسمى أولا وقال، وكتب بها إلى المكرم محمد بن بصاقة:
يا جواداً جود راحته ... أغنت الدنيا عن الديم
ووفياً من سجيته ... رعي أهل الود والذمم
إني أصبحت ذا ثقة ... بكريم غير متهم
خص بالحمد اسمه وغدا ال ... نعت مشتقاً من الكرم وقال بيتين ولا يؤتى لهما بثالث:
ومخطفة تسبي القلوب وتخطف ال ... عقول كأن السحر من جفنها يوحى
رنت وسطت ظبياً وليثاً وأسفرت ... صباحاً وفاحت عنبراً وبدت يوحا ٣٧٤ (١)
ابن الحسام الذهبي
عمر بن الحسام أقوش؛ هو الشاعر زين الدين أبو حفص الشبلي الدمشقي الذهبي الشافعي الافتخاري، سألته عن مولده فقال: سنة أربع وثمانين
стр. 1018
" وستمائة " وكانت وفاته في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
اجتمعت به غير مرة، وأنشدني كثيراً من شعره، وفيه تودد كثير وحسن صحبة وطهارة لسان، أنشدني من لفظه لنفسه:
قد أثقلتني الخطايا ... فكيف أخلص منها
يا رب فاغفر ذنوبي ... واصفح بفضلك عنها وقال أيضاً:
يا من عليه اتكالي ... ومن إليه مآبي
جد لي بعفوك عني ... إذا أخذت كتابي وقال:
يا سائلي كيف حالي في مراقبتي ... وما العقيدة في سري وإعلاني
أخاف ذنبي وأرجو العفو عن زللي ... فانظر فبين الرجا والخوف تلقاني وقال:
ولما اعتنقنا للوداع عشية ... وفي القلب نيران لفرط غليله
بكيت وهل يعني البكا عند هائم ... وقد غاب عن عينيه وجه خليله؟ وقال أيضاً:
يا سيد الوزراء دعوة قائل ... من بعد إفلاس وبيع أثاث
أبطت حوالتكم علي كأنها ... تأتي إذا ما صرت في الأجداث
فإذا أتت من بعد موتي فاحسنوا ... بوصولها للأهل في ميراثي وقال، وكتب بها إلى الصاحب شرف الدين يعقوب ناظر طرابلس يشكو من أيوب:
بليت بالضر من أيوب حين غدا ... ينكد العيش في أكل ومشروب
стр. 1019
وزاد يعقوب في حزني لغيبته ... فضر أيوب لي مع حزن يعقوب وقال:
إذا ما جئتم لغناء فقري ... تقول ابشر إذا قدم الأمير
وقد طال المطال وخفت يأتي ... أميركم وقد مات الفقير ٣٧٥ (١)
أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز
عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أمير المؤمنين أبو حفص الأموي ﵁، ولد بالمدينة سنة ستين للهجرة عام توفي معاوية، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، روى عن أنس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ويوسف بن عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والربيع ابن سبرة وطائفة.
وكان أبيض رقيق الوجع جميلاً، نحيف الجسم حسن اللحية غائر العينين، بجبهته أثر حافر دابة، ولذلك سمي " أشج بني أمية "، وخطه الشيب؛ قيل إن أباه لما ضربه الفرس وأدماه جعل يسمح الدم ويقول: إن كنت أشج بني مروان إنك لسعيد.
بعثه أبوه من مصر إلى المدينة ليتأدب بها، فكان يختلف إلى عبد الله بن عبيد الله يسمع منه، ولما مات أبوه عبد العزيز طلبه عمه عبد الملك إلى دمشق وزوجه
стр. 1020
بابنته فاطمة، وكان قبل الإمرة يبالغ في التنعم، ويفرط في الاختيال في المشية.
قال أنس ﵁: ما صليت خلف إمام أشبه برسول الله ﷺ من هذا الفتى، عمر بن عبد العزيز. وقال زيد بن أسلم: كان يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود. سئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر، فقال: هو نجيب بني أمية، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. وقال عمر بن ميمون بن مهران عن أبيه: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة. وقال نافع: بلغنا عن عمر أنه قال: إن من ولدي رجلاً بوجهه شين يملأ الدنيا عدلاً، فلا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز.
ولما طلب للخلافة كان في المسجد، فسلموا عليه بالخلافة، فعقر به فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه، فأصعدوه المنبر فجلس طويلاً لا يتكلم، فلما رآهم جالسين قال: ألا تقوموا فتبايعوا أمير المؤمنين، فنهضوا إليه فبايعوه رجلاً رجلاً.
وروى حماد بن زيد عن أبي هاشم أن رجلاً جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال: لقد رأيت النبي ﷺ في النوم وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله، فإذا رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس، فقال لك: يا عمر إذا عملت فاعمل بعمل هذين، لأبي بكر وعمر؛ وقيل إن عمر هو الذي رأى هذا المنام.
وقد عمل له ابن الجوزي سيرة، مجلد كبير.
وكانت وفاته بدير سمعان لعشر بقين من شهر رجب سنة إحدى ومائة، سقاه بنو (١) أمية السم لما شدد عليهم وانتزع كثيراً مما في أيديهم، وصلى عليه يزيد بن عبد الملك، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة شعر يوماً، ونقش خاتمه " عمر يؤمن بالله " وهو الذي بنى الجحفة، واشترى ملطية من الروم بمائة ألف أسير وبناها، وروى له الجماعة.
стр. 1021
وفي عمر بن عبد العزيز يقول الشريف الرضي (١) :
يا ابن عبد العزيز لو بكت ... العين فتى من أمية لبكيتك
غير أني أقول إنك قد طبت ... وإن لم يطب ولم يزك بيتك
أنت نزهتنا عن السب والقذ ... ف فلو أمكن الجزاء جزيتك
ولو أني رأيت قبرك لاستح ... ييت من أن أرى وما حييتك
دير سمعان فيك مأوى أبي ... حفص فودي لو أنني آويتك
أنت بالذكر بين عيني وقلبي ... إن تدانيت منك أو إن نأيتك
وعجيب أني قليت بني مر ... وان طراً وأنني ما قليتك
قرب العدل منك لما نأى الجو ... ر بهم فاجتويتهم واجتبيتك
فلو أني ملكت دفعاً لما نا ... بك من طارق الردى لافتديتك ٣٧٦ (٢)
أبو حفص الشطرنجي
عمر بن عبد العزيز، أبو حفص الشطرنجي، مولى بني العباس؛ كان أبوه أعجمياً من موالي المنصور، ونشأ عمر في دار المهدي ومع أولاد مواليه فكان كأحدهم، وتأدب، وكان مشغوفاً بالشطرنج ولعبه، ولما مات المهدي انقطع إلى علية وخرج معها لما تزوجت، وعاد معها لما عادت إلى القصر، وكان يقول لها الأشعار فيما تريده من الأمور بينها وبين إخوتها وبني أخيها من الخلفاء فتنتحل بعض ذلك وتترك بعضه.
стр. 1022
وقال محمد بن الجهم البرمكي: رأيت أبا حفص الشطرنجي فرأيت إنساناً يلهيك حضوره عن كل غائب، وتسليك مجالسته عن كل الهموم والمصائب، قربه عرس، وحديثه أنس، وجده لعب، ولعبه جد، دين ماجن، إن لبسته على ظاهره لبست موموقاً لا تمله، وإن تتبعه لتنظر خبرته وقفت على مروءة لا تطور (١) الفواحش بجنباتها، وكان من علمته أقل ما فيه الشعر، وهو القائل (٢) :
تحبب فإن الحب داعية الحب ... وكم من بعيد الدار مستوجب القرب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
ففكر فإن حدثت أن أخا الهوى ... نجا سالماً فراج النجاة من الحب
وأطيب أيام الهوى يومك الذي ... تروع بالهجران (٣) فيه وبالعتب ومن شعره:
وقد حسدوني قرب داري منكم ... وكم من قريب الدار وهو بعيد
دخولك من باب الهوى إن أردته ... يسير ولكن الخروج شديد وقال له الرشيد: يا حبيبي، لقد أحسنت ما شئت في بيتين قلتهما، فقال: ما هما يا سيدي؟ فمن شرفهما استحسانك، فقال: قولك:
لم ألق ذا شجن يبوح بحبه ... إلا حسبتك ذلك المحبوبا
حذراً عليك وإنني بك واثق ... أن لا ينال سواي منك نصيبا فقال: يا أمير المؤمنين ليسا لي، هما للعباس بن الأحنف، فقال: صدقك والله أعجب لي، ولك والله أحسن منهما حيث تقول:
стр. 1023
إذا سرها أمر وفيه مساءتي ... قضيت لها فيما تريد على نفسي
وما مر يوم (١) أرتجي فيه راحة ... فأذكره إلا بكيت على أمسي قيل غضب الرشيد على علية بنت المهدي، فأمرت أبا حفص الشطرنجي شاعرها بأن يقول شعراً يعتذر فيه عنها، ويسأله الرضى عنها، فقال:
لو كان يمنع حسن الفعل صاحبه ... من أن يكون له ذنب (٢) إلى أحد
كانت علية أبرا (٣) الناس كلهم ... من أن تكافا بسوء آخر الأبد
ما لي إذا غبت لم أذكر بواحدة ... وإن سقمت فطال السقم لم أعد
ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه ... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي فغنت عليه لحناً وألقته على جماعة من جواري الرشيد، فغنينه إياه في أول مجلس جلس فيه، فطرب طرباً شديداً وسأل عن القصة فأخبرته بذلك، فأحضر علية وقبلت رأسه واعتذرت إليه، وسألها إعادة الصوت فغنته فبكى وقال: لا غضبت عليك ما عشت أبدا.
وكانت وفاة أبي حفص في خلافة المعتصم.
٣٧٧ - (٤)
قطب الدين الشارعي
عمر بن عوض بن عبد الرحمن بن عبد الوهاب الشارعي، يعرف بابن قليلة ويدعى قطب الدين؛ كانت وفاته بعد السبعمائة.
стр. 1024
من شعره، وقيل هي لابن خلكان (١) :
ألا يا سائراً في قفر عمر (٢) ... يقاسي في السرى (٣) حزناً وسهلا
بلغت نقا المشيب وجزت عنه ... وما بعد النقا إلا المصلى وله:
عزمت على تزويج بكر مدامة ... بماء قراح والليالي تساعد
فأمهرتها در الحباب وإنه ... إذا جليت ليلاً عليها قلائد
وجاءت رياحين البساتين عرفت ... فطابت بذاك النفس واللوز عاقد
وكان حضور النبق فألاً مهنئاً ... لنا بالبقا في العقد والورد شاهد ٣٧٨ (٤)
مجير الدين ابن اللمطي
عمر بن عيسى بن نصر بن محمد بن علي بن أحمد بن محمد بن حسن بن حسين التيمي، مجير الدين ابن اللمطي؛ قال العلامة أثير الدين أبو حيان: رأيته بقوص وكتبت عنه شيئاً من شعره، قدم علينا " مصر " (٥) وسكنها أيام القاضي تقي الدين ابن دقيق العيد، واشتغل عنده أوقات، وكان قد نظر في العربية، وأنشدني لنفسه بمدرسة الأفرم سنة ثمانين وستمائة (٦) :
стр. 1025
أبى الدمع إلا أن يفيض وأن يجري ... على ما مضى من مدة النأي من عمري
وما لي إن كفكفت ماء محاجري ... وقد بعدت دار الأحبة من عذر
أما إنه لولا اشتياقي لذكراهم ... ولا شوق إلا ما يهيج بالذكر
لما شاقني نظم القريض ولا صبا ... فؤادي على البلوى إلى عمل الشعر
وكان لمثلي عن أفانين منطقي ... هنالك ما يلهي عن النظم والنثر وأنشدني أيضاً:
جفن قريح بالبكاء موكل ... فعلت به العبرات ما لا يفعل
وجوانح مني على شحط النوى ... أضحت تمزق في الهوى وتوصل
عجباً لحكم الحب في، فليته ... يوماً يجور به ويوماً يعدل
إني وإن أمسى يحملني الهوى ... من ثقله في الحب ما لا يحمل
فلقد حلت منه مرارات الجوى ... عندي وخف لدي ما يستثقل
لا يطمع اللوام في ترك الهوى ... إن كثروا من لومهم أو قللوا
لهفي على زمني بمنعرج اللوى ... والشمل مجتمع وجدي مقبل
ما كان أهنا العيش فيه فليته ... لو دام منه ريثما أتأمل وقال:
وزهدني في الخل أن وداده ... لرهبة جاه أو لرغبة مال
فأصبحت لا أرتاح منه لرؤية ... ولا أرتجي نفعاً لديه بحال ولما توفي قاضي القضاة ابن دقيق العيد ترك ما ولاه من نظر رباع الأيتام وتوجه إلى قوص، وأقام بها إلى أن توفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وله من العمر ثلاث وثمانون سنة.
وله شعر جيد، وكان صحيح الود حافظ العهد حسن الصحبة، ﵀.
стр. 1026
٣٧٩ - (١)
السراج الوراق
عمر بن محمد بن حسن، سراج الدين الوراق الشاعر المشهور والأديب المذكور؛ ملكت ديوان شعره، وهو في سبعة أجزاء كبار ضخمة بخطه إلى الغاية، هذا الذي اختاره لنفسه وأثبته، فلعل الأصل كان من حساب خمسة عشر مجلداً، وكل مجلد يكون مجلدين، فهذا الرجل أقل ما يكون ديوانه لو ترك جيده ورديه في ثلاثين مجلداً، وخطه في غاية الحسن والقوة والأصالة. وكان حسن التخيل جيد المقاصد صحيح المعاني عذب التركيب، قاعد التورية والاستخدام، عارف (٢) بالبديع وأنواعه، وكان أشقر أزرق العين، وفي ذلك يقول:
ومن رآني والحمار مركبي ... وزرقتي للروم عرق قد ضرب
قال وقد أبصر وجهي مقبلاً: ... لا فارس الخيل ولا وجه العرب وكان يكتب الدرج للأمير سيف الدين أبي بكر ابن أسباسلار والي مصر، وتوفي في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وستمائة، رحمه الله تعالى، وقد قارب التسعين أو جاوزها بقليل، وأكثر شعره في اسمه، فمن ذلك:
وكنت حبيباً إلى الغانيات ... فألبسني الشيب بغض الرقيب
وكنت سراجاً بليل الشباب ... فأطفأ نوري نهار المشيب وقال:
بني اقتدى بالكتاب العزيز ... وراح لبري سعياً وراجا
стр. 1027
فما قال لي أف مذ كان لي ... لكوني أباً ولكوني سراجا وقال:
وقالت يا سراج علاك شيب ... فدع لجديده خلع الغذار
فقلت لها نهار بعد ليل ... فما يدعوك أنت إلى النفار
فقالت قد صدقت، وما علمنا ... بأضيع من سراج في نهار وقال:
إلهي قد جاوزت تسعين حجة ... فشكراً لنعماك التي ليس تكفر
وعمرت في الإسلام فازددت بهجة ... ونوراً، كذا يبدو السراج المعمر
وعمم نور الشيب رأسي فسرني ... وما ساءني أن السراج منور وقال:
طوت الزيارة إذ رأت ... عصر المشيب طوى الزياره
ثم انثنت لما انثنت ... بعد الصلابة كالحجاره
وبقيت أهرب وهي تس ... أل جارة من بعد جاره
وتقول: يا ستي استرح ... نا لا سراج ولا مناره وقال:
كم قطع الجود من لسان ... قلد من نظمه النحورا
فها أنا شاعر سراج ... فاقطع لساني أزدك نورا وقال أيضاً:
أثنى علي الأنام أني ... لم أهج خلقاً ولو هجاني
فقلت لا خير في سراج ... إن لم يكن دافئ اللسان وقال:
رب سامح أبا الحسين وسامح ... ني فشأني وشأنه في الإسلام
стр. 1028
فذنوب الوراق كل جريح ... وذنوب الجزار (١) كل عظام " وقال:
واخجلتي وصحائفي قد سودت ... وصحائف الأبرار في إشراق
وفضيحتي لمعنف لي قائل: ... أكذا تكون صحائف الوراق (٢) " وقال:
وباخل يشنأ الأضياف حل به ... ضيف من الصفع نزال على القمم
سألته ما الذي يشكو فأنشدني ... " ضيف ألم برأسي غير محتشم (٣) " وقال:
وضاع خصر لها ما زلت أنشده ... أو رق لي ورثى للسقم من بدني
وقال لي بلسان من مناطقه: ... " لولا مخاطبتي إياك لم ترني (٤) " وقال أيضاً:
رأت حالي وقد حالت ... وقد غال الصبا فوت
فقالت إذ تشاجرنا ... ولم يخفض لنا صوت
فلا خير ولا مير ... ولا أير فذا موت وقال:
أصبحت أعجن إذ أقوم وشر ما ... وقعت عليه العين شيخ عاجن (٥)
وإذا أردت أدق شيئاً لم أجد ... عندي يداً والبيت فيه الهاون
стр. 1029
وقال:
قام فلما دنوت منها ... نام، وما مثل تلك خجله
وكل كفي لفرط جذبي ... له وما للجبان حمله
فزرجنت (١) وانثنت وقالت: ... قوموا انظروا عاشقاً بوصله
فقلت هذا لفرط حبي ... قالت دع الترهات بالله
قلت أقيم الدليل قالت ... لو قام ما احتجت للأدله وقال في أقرع (٢) :
أبدا لنا لما بدا قرعة ... يحار في تشبيهها القلب
قالوا فهل تشبه يقطينة ... فقلت لو كان لها لب وقال:
ما كنت أعرف في فلان حالة ... تدعو لحب الأسود الغربيب
حتى رأيت محل سعد عنده ... فرأيت كل غريبة وغريب
ورأيته فرحاً به في غاية ... ومقطباً لي غاية التقطيب
فسألت بعض الحاضرين فقال لي ... حاشاك يغرب عنك فهم أديب
أوليس سعد أسوداً (٣) غض الصبا ... أولست أبيض في خليع مشيب
فأجبته حتى كلامي عنده ... يلغى وسعد (٤) لم يكن بأديب
وكلامه المسموع قال أطلت ما ... المسموع عند الشيخ إلا النوبي وقال:
دع الهوينا وانتصب للتقى ... واكدح فنفس المرء كداحه
стр. 1030
وكن عن الراحة في معزل ... فالصفع موجود مع الراحة وقال:
وقائل قال لي لما رأى قلقي ... لطول وعد وآمال تعنينا
عواقب الصبر فيما قال أكثرهم ... محمودة قلت أخشى أن تخرينا (١) وقال:
هززته بالمدح جهدي فما اه ... تز ونادى إلياس كم تتعب
فقلت أرجو زبدة قال لي ... فاتك: أين اللبن الطيب وقال:
لي حرمدان كاتب قد تهرا ... وتخلى عني ومني تبرا
أبكي وتبكي وما لنا سبب ... يدخل في كسها ولا كيسي وقال:
سألتهم وقد حثوا المطايا ... قفوا نفساً فساورا حيث شاءوا
وما عطفوا علي وهم غصون ... وما التفتوا إلي وهم ظباء وقال:
ما حل عزمي مثل عقد قبائه ... بدراً يعد البدر من رقبائه
مرح المعاطف تائه بجماله ... واه لصب تائه في تائه
стр. 1031
يحلو (١) مقبله وبرد رضابه ... " كالأقحوان غداة غب سمائه " (٢)
في شعره وجبينه لي موقف ال ... حيران بين ظلامه وضيائه
يتشبه الغصن النضير بقده ... يا غصن حسبك لست من نظرائه وقال:
شمت برقاً من ثغرها الوضاح ... والدجى نسره مهيض الجناح
فتمارى شكي به ويقيني ... هل تجلى الصباح قبل الصباح
فأجابت متى تبسم صبح ... عن حباب أو لؤلؤ أو أقاح
ومتى كان للصباح لمى كالمس ... ك أو نكهة كصرف الراح
سل بثغري المسواك تسأل خبيراً ... باغتباق من خمره واصطباح
قلت ما لي وللسكارى فقالت ... أنت أيضاً من الهوى غير صاح
حجة من مليحة قطعتني ... هكذا كل حجة للملاح
لا ولحظ كفترة النرجس ... الغض وخد كحمرة التفاح
ما تيقنت بل ظننت وما في ال ... ظن يا هذه كبير جناح
وكثيراً شبهت بالبدر والشم ... س وسامحت فارجعي للسماح
واجعلي ذا من ذاك واطرحي القو ... ل اطرحي عليك قول اللاحي وقال:
أحسن ما سطر في صفحة ... عذار من أهوى على خده
يا قلم الريحان سبحان من ... خطك بالآس على ورده وقال:
جاء عذار الذي أهيم به ... فجرد الوجد أي تجريد
وظنه آخر الغرام به ... مفند جاهل بمقصودي
стр. 1032
وما درى أن لام عارضه ... لام ابتداء أو لام توكيد وقال (١) :
يا نازح الطيف مر نومي يعاودني ... لقد بكيت لفقد النازحين دما
أوجبت غسلاً على عيني بأدمعها ... فكيف وهي التي لم تبلغ الحلما وقال:
ومهفهف عني يميل ولم يمل ... يوماً إلي فقلت من ألم الجوى
لم لا تميل إلي يا غصن النقا ... فأجاب كيف وأنت من جهة الهوى وقال:
أقول وكفي في خصرها ... يدور وقد كاد يخفى علي
أخذت عليك عهود الهوى ... وما في يدي منك يا خصر شي ٣٨٠ (٢)
السراج المحار
عمر بن مسعود الأديب، سراج الدين المحار، الحلبي الكناني صاحب الموشحات، والأزجال الرائقة؛ توفي بدمشق في سنة " إحدى عشرة و " سبعمائة (٣) ؛ فمن شعره:
رأيته في المنام معتنقي (٤) ... يا ليت ما في المنام لو كانا
стр. 1033
ثم انثنى معرضاً فواعجبي ... يهجوني نائماً ويقظانا وقال في مليح نجار بالمعرة:
قالوا المعرة قد غدت من فضلها ... يسعى إلى أبوابها وتزار
وجبت زيارتها علينا عندما ... شغف القلوب حبيبها النجار وقال في أحدب:
وأحدب أنكروا عليه وقد ... سمي حساماً وغير منكور
ما لقبوه الحسام عن سفه ... لو لم يروا قده القلاجوري (١) وقال:
بعثت نحوي المشط يا مالكي ... فكدت أن تسلبني روحي
وكيف لا تسلب روحي وقد ... بعثت منشوراً لتسريحي وقال:
أرى لابن سعد لحية قد تكاملت ... على وجهه واستقبلت غير مقبل
ودارت على أنف عظيم كأنه ... " كبير أناس في بجاد مزمل " (٢) وقال:
يا حبذا وادي حماة وطيبه (٣) ... وطلاوة العاصي بها والجوسق
فاقت منارة جلق فلحسنها ال ... شقراء تكبو خلفها والأبلق (٤) وقال في إبريق فخار:
يا حبذا شكل إبريق تميل له ... منا القلوب وتصبو نحوه الحدق
стр. 1034
يروق لي حين أجلوه، ويعجبني ... منه طلاوة ذاك الجسم والعنق
كم قد شربت له ماء الحياة، ولن ... ينالني منه لا غص ولا شرق
حتى غدا خجلاً مما أقبله ... فظل يرشح من أعطافه العرق وقال في قنديل:
يا حسن بهجة قنديل خلوت به ... والليل قد أسلت منا ستائره
أضاء كالكوكب الدري متقداً ... فراق باطنه نوراً وظاهره
تزيده ظلمة الليل البهيم سناً ... كأنما الليل طرف (١) وهو باصره وقال في مليح معالج:
بروحي أفدي في الأنام معالجاً ... معاطفه أزهى من الغصن الغض يكلف عطفيه العلاج فيبسط ال قلوب إلى حبيه في ساعة القبض
إذا ما امتطى لطفاً مقيرة له ... وأقعدها واحمر سالفه الفضي
رأيت محياه وما في يمينه ... كشمس تجلت دونها كرة الأرض وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ما بث شكواه لولا مسه الألم ... ولا تأوه لولا شفه السقم
ولا توهم أن الدمع مهجته ... أذابها الشوق حتى سال وهو دم
صب له مدمع صب يكفكفه ... فتستهل غواديه وتنسجم
فطرفه بمياه الدمع في غرق ... وقلبه بلهيب الشوق يضطرم
أراد إخفاء ما يلقاه من كمد ... حتى لقد عاد بالسلوان يتهم
يبدي التجلد والأجفان تفضحه ... كالبرق تبكي (٢) الغوادي وهو يبتسم
سقته أيدي النوى كأساً مدعدعة ... فما نداماه إلا الحزن والندم
стр. 1035
يمسي ويصبح لا صبراً ولا جلد ... ولا قرار ولا طيف ولا حلم
لولا (١) يؤمل إلماماً بجيرته ... لكاد يعتاده مما به لمم
قال (٢) الوشاة تسلى عن محبتهم ... يا ويحهم جهلوا فوق الذي علموا
أنى يميل إلى السلوان مكتئب ... باق على الود والأيام تنصرم
قضى بحبهم عصر الشباب وما ... خان الوداد وهذا الشيب والهرم
أنا المقيم على ما يرتضون به ... مصغ إذا نطقوا راض بما حكموا
متى دعاني هواهم جئت معتذراً ... أسعى على الرأس إن لم يسعد القدم ومن موشحاته:
جسمي ذوى بالكمد والسهر ... والوصب من جاني
ذي شنب كالبرد كالدرر ... كالحبب جماني
بي غصن بان نضر ... يسبيك منه الهيف
يرتع فيه النظر ... فزهره يقتطف
الخد منه خفر ... والجسم منه ترف
قد جاءنا يعتذر ... عذاره المنعطف
ثم التوى كالزرد معبقري ... معقرب ريحاني
في مذهب مورد مدنر ... مكتب سوساني
ظبي له مرتشف ... كالسلسبيل البارد
بدر علاه سدف ... من ليل شعر وارد
غصن نقا منعطف ... من لين قد مائد
مقرطق مشنف ... يختال في القلائد
стр. 1036
بين اللوى وثهمد كجؤذر ... في ربرب غزلاني
من كثب ذي جيد ذي حور ... ذي هدب وسنان
أما وحلي جيده ... ورنة الخلاخل
والضم من بروده ... قد قضيب مائل
والورد من خدوده ... إذ نم في الغلائل
لا كنت من صدوده ... مستمعاً لعاذل
نار الجوى واستعري ... وكذبي سلواني
وانسكبي واطردي وانهمري ... كالسحب أجفاني
مولاي جفني ساهر ... مؤرق كما ترى
فلا خيال زائر ... يطرقني ولا كرى
إني عليك صابر ... فما جزا من صبرا
إن سح دمعي الهامر ... فلا تلمه إن جرى
جال الهوى خلدي ومضمري ... أضر بي كتماني
مؤنبي اتئد لا تفتري ... وجنب عن عاني وقال أيضاً (١) :
ترى دهر مضى بكم يؤوب منيبا ... يضحي روض آمالي الجديب خصيبا
عسى صب تملكه هواه ... يعاود جفن مقلته كراه
ويبلغ من وصالكم مناه ... ويرجع دهرنا عما جناه
ويجمع شملنا حسن وطيب قريبا ... ويصبح حيث أدعوه الحبيب مجيبا
أرى أمد الصدود بكم تمادى ... وكم لمت الفؤاد فما أفادا
وتأبى عبرتي إلا اطرادا ... ونار صبابتي إلا اتقادا
стр. 1037
فخدي رده الدمع السكوب خضيبا ... وقلبي كاد أشواقاً يذوب لهيبا
وبي رشأ بناظره يصول ... حسام من ضرائبه العقول
على وجناته لدمي دليل ... ولكن ما إلى قود سبيل
حبته من ضمائرها القلوب نصيبا ... فكان لها وإن كره الرقيب حبيبا
غزال وهو في المعنى هلال ... قريب وصله ما لا ينال
وغصن راح يعطفه الدلال ... كذا الأغصان تثنيها الشمال
إذا مالت بعطفيه الجنوب هبوبا ... تثنى في غلائله القضيب رطيبا
كلفت بحبه حلو المعاني ... أعاني في هواه ما أعاني
أراه وإن تباعد عن عياني ... كبدر التم قاص وهو داني
يرينا حين تطلعه الجيوب عجيبا ... جمالاً لا يكلفه الغروب مغيبا وقال أيضاً (١) :
من دون رملة عالج ... لربة الخال دار
حلت عليها السحائب ... منا الدموع الغزار
همت عليها دموع ... لها السحاب شؤون
فاخضل منها النقيع ... ومسن فيها الغصون
حدث فتلك الربوع ... حديثهن شجون
في القلوب لواعج ... من ذكرها وأوار
ونار فقد الحبائب ... زنادها الإدكار
لم أنس يوم تولى ... حادي المطي وسارا
شطر أول ... شطر ثاني
خلى المحبين قتلى ... كما ترى وأسارى
стр. 1038
ودون رامة خلى ... منا العقول حيارى
لأن بين الهوادج ... أقمار تم تحار
منها بدور الغياهب ... لم يخفهن سرار
حكوا البروق ابتساماً ... والسمهريات لينا
أغصان بان إذا ما ... مالت تغير الغصونا
كم خلفت مستهاماً ... ملقى لديها طعينا
مذ أعينعت في الدمالج ... لها البدور ثمار
أوراقهن الذوائب ... حق (١) الغصون تغار
سفرن بين الستور ... هيف دقاق الخصور
عن أوجه كالبدور ... في جنح ليل الشعور
تقلدوا في النحور ... بمثل ما في الثغور
يحكين غزلان ضارج ... شعارهن النفار
فليس يدنو لطالب ... من طيفهن مزار
هل للحياة سبيل ... وقد دهتنا العيون
وسل منها نصول ... لها الجفون جفون
قضب علينا تصول ... شفارهن المنون
فكيف للهم فارج ... أو للمحب اصطبار
وفي الجفون قواضب ... لها المنون شفار وقال أيضاً (٢) :
أيخفى غرامي والدموع السوافح ... تنم بما تطوى عليه الجوانح
стр. 1039
وقلبي في واد من الشوق هائم ... حزين وغاد في الغرام ورائح
صب هيمان بعد الخلان ... نامي الأشجان بادي الأحزان
كتمت الهوى العذري بين أضالعي ... وأخفيته لولا وشاة مدامعي
وحاولت سلواناً فلم ألق سلوة ... فقلت لقلبي مت بداء المطامع
سلواني بان وسري بان ... فلا سلوان ولا كتمان
تملكني حلو الشمائل أهيف ... مليح التثني ناحل الخصر مخطف
أغض من الغصن الرطيب شمائلاً ... وأحسن مرأى في العيون وأظرف
يثني ريان قد فينان ... فاق الأغصان أغصان البان
أعار قضيب البان هزة عطفه ... ورق على نشر النسيم بلطفه
وزاد على البدر المنير بوجهه ... سناً وعلى الظبي الغرير بطرفه
ما للغزلان معنى أجفان ... طرف وسنان صاحي نشوان
تقوى على ضعفي برقة خصره ... وأضرم أشواقي إلى لثم ثغره
فقلت لقلبي عندما صد مغضباً ... وزاد إلى عدوانه طول هجره
كم ذا العدوان بذا الهجران ... ترى ما آن يرضى الغضبان؟
أجرني من الهجران يا غاية المنى ... وجد لي بوصل منك إن كان ممكنا
وعدني إذا لم يمكن الوصل زورة ... وزدني من الحسنى فلا زلت محسنا
وأحسن إن كان تلقى إمكان ... إن الإنسان عبد الإحسان
ظفرت بمحمود الوصال حميده ... حباني به المحبوب بعد صدوده
فقلت لقلبي بين آس عذاره ... ونرجس عينيه وورد خدوده
قم يا جنان وايش ذا النسيان ... واجني ريحان هذا البستان
стр. 1040
٣٨١ - (١)
رشيد الدين الفهري
عمر بن مظفر بن سعيد، القاضي رشيد الدين أبو حفص الفهري الفوي المصري الشاعر الكاتب؛ تنقل في الخدم الديوانية ومدح الملوك والوزراء، وكان كثير الحفظ، روى عنه المنذري، وعاش خمساً وسبعين سنة، وتوفي سنة ثمان وثلاثين وستمائة.
قال شهاب الدين القوصي: أنشدني المذكور بدمشق عند قدومه إليها زائراً عقيب انفصاله من الخدمة الملكية الكاملية هذه الأبيات في النسيان:
أفرط بي النسيان في غاية ... لم يترك النسيان لي حسا
وكنت مهما عرضت حاجة ... مهمة أودعتها الطرسا
فصرت أنسى الطرس في راحتي ... وصرت أنسى أنني أنسى وأنشدني:
قد نسيت الذي حفظت قديماً ... من معان غر وحسن بيان
غار مني قليب قلبي فذهني ... شارب من بلاذر النسيان وأنشدته قول ابن سناء الملك (٢) :
خاصمني من سكت عنه ... فظن أن ليس لي لسان
فقلت ما أنت لي بخصم ... وإنما خصمي الزمان فأنشدني لنفسه:
стр. 1041
سكت إذ سبني من لا خلاق له ... فقيل لي خفت منه إنه لسن
فقلت: والله ما عياً سكت ولا ... ذا النحس خصمي ولكن خصمي الزمن وأنشدته قول ابن الخيمي:
أأبناء هذا الجبل طراً أكلكم ... يعوق وما فيكم يغوث ولا ود
لقد طال تردادي إليكم فلم أجد ... سوى رب شأن منكم شانه الرد فأنشدني لنفسه:
لأصنام الزمان عبدت دهراً ... وقد أسلمت واتسع المضيق
فما فيهم يغوث أقول هذا ... ولكن كل من فيهم يعوق ٣٨٢ (١)
ملك بطليوس
عمر بن المظفر بن الأفطس ملك بطليوس؛ هو المتوكل، من قبيلة من البربر يعرفون بمكناسة، ورث الملك ببطليوس من أبيه، وأبوه هو الذي كان يحارب المعتضد بن عباد، وكان المتوكل ببطليوس كالمعتمد بإشبيلية، آل أمره إلى أن حصره الملثمون، وحصل في أيديهم فقتلوه صبراً وقتلوا ولديه (٢) قبله وهو ينظر إليهما، وفيه قال ابن عبدون قصيدته المشهورة التي أولها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر ...
стр. 1042
ومن شعره ما خطب به وزيره أبا غانم (١) :
انهض أبا غانم إلينا ... واسقط سقوط الندى علينا
فنحن عقد من غير وسطى ... ما لم تكن حاضراً (٢) لدينا وقال، وقد ذكر في مجلس أخيه المنصور بسوء:
وما بالهم لا أنعم الله بالهم ... ينوطون بي ذماً وقد علموا فضلي
يسيئون (٣) لي في القول جهلاً وضلة ... وإني لأرجو أن يسوءهم فعلي
وكيف وراحي درس كل فضيلة (٤) ... وورد التقى شمي وحرب العدا نقلي
فإن كان حقاً ما أذاعوا فلا مشت (٥) ... إلى غاية العلياء من بعدها رجلي
ولم ألق أضيافي بوجه طلاقة ... ولم أسخ للعافين (٦) في الزمن المحل
ولي خلق في السخط كالشوك (٧) طعمه ... وعند الرضى أحلى جنى من جنى النحل
فيا أيها الساقي أخاه على النوى ... كؤوس القلى جهلاً رويدك بالعل
لتطفئ ناراً أضرمت في نفوسنا ... فمثلي لا يقلى ومثلك لا يقلي
وقد كنت تشكيني إذا جئت شاكياً ... فقل لي لمن أشكو صنيعك بي قل لي
فبادر إلى الأولى وإلا فإنني ... سأشكوك يوم الحشر للحكم العدل
стр. 1043
٣٨٣ - (١)
" زين الدين ابن الوردي "
عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس، القاضي الأجل، الإمام الفقيه، الأديب الشاعر، زين الدين ابن الوردي المعري الشافعي أحد فضلاء العصر وفقهائه، وأدبائه وشعرائه، تفنن في العلوم، وأجاد في المنثور والمنظوم، نظمه جيد إلى الغاية، وفضله بلغ النهاية.
ومن شعره:
مليح ردفه والساق منه (٢) ... كبنيان القصور على الثلوج
خذوا من خده القاني نصيباً ... فقد عزم الغريب على الخروج وقال:
جاءنا مكتتماً ملتثما ... فدعوناه لأكل وعجبنا (٣)
مد في السفرة كفا ترفا ... فحسبنا أن في السفرة جبنا وكتب إلى القاضي فخر الدين ابن الخطيب جبرين قاضي حلب، وقد عزله وعزل أخاه:
جنبتني وأخي تكاليف القضا ... وشفيتنا في الدهر من خطرين
يا حي عالم دهرنا أحييتنا ... فلك التحكم (٤) في دم الأخوين
стр. 1044
وقال:
قلت وقد عانقته ... عندي من الصبح فلق (١)
قال وهل يحسدنا ... قلت نعم قال انفلق وقال أيضاً:
جبرت يا عائدتي بالصله ... فتممي الإحسان تنفي الوله
وهذه قد حسبت زورة ... مالك بالفيئة (٢) مستعجله وقال:
بالله يا معشر أصحابي ... اغتنموا علمي وآدابي
فالشيب قد حل برأسي وقد ... أقسم لا يرحل إلا بي وقال أيضاً:
رامت وصالي فقلت لي شغل ... عن كل خود تريد تلقاني
قالت كأن الخدود كاسدة ... قلت كثيراً لقلة القاني وقال أيضاً:
لا تقصد القاضي إذا أدبرت ... دنياك واقصد من جواد كريم
كيف ترجي الرزق من عند من ... يفتي بأن الفلس مال عظيم وقال أيضاً:
وكنت إذا رأيت ولو عجوزاً ... يبادر بالقيام على الحراره
فأصبح لا يقوم لبدر تم ... كأن النحس قد ولي الوزاره وقال أيضاً:
стр. 1045
أنت ظبيي أنت مسكي ... أنت دري أنت غصني
في التفات وثناء ... وثنايا وتثني وقال:
لما شتت عيني ولم ... ترفق لتوديع الفتى
أدنيتها من خده ... والنار فاكهة الشتا وقال أيضاً:
من كان مردوداً بعيب فقد ... ردتني الغيد بعيبين
الرأس واللحية شابا معاً ... عاقبني الدهر بشيبين أنشدني الشيخ جمال الدين ابن نباته أمتع الله بفوائده ورضي عنه:
لا حبذا شيب برأسي ولا ... شيب بقلبي، أقذيا (١) عيني
ما كنت بالتائب من صبوتي ... أصلاً (٢) فقد تبت بشيئين ومن شعر ابن الوردي ﵀:
دهرنا أمسى ضنينا ... باللقا حتى ضنينا
يا ليالي الوصل عودي ... واجمعينا أجمعينا وقال:
أنتم أحباي وقد ... فعلتم فعل العدا
حتى تركتم خبري ... في العالمين مبتدا وقال:
سبحان من سخر لي حاسدي ... يحدث لي في غيبتي ذكرا
стр. 1046
لا أكره الغيبة من حاسد ... يفيدني (١) الشهرة والأجرا وقال:
وتاجر شاهدت عشاقه ... والحرب فيما بينهم ثائر (٢)
قال: علام اقتتلوا هكذا؟ ... قلت: على عينك يا تاجر وقال:
إني عدمت صديقاً ... قد كان يعرف قدري
دعني لقلبي ودمعي ... عليه أحرق (٣) وأذري ومن مصنفاته " البهجة الوردية في نظم الحاوي " فوائد فقيه منظومة. " شرح ألفية ابن مالك ". " ضوء الدرة على ألفية ابن مطي ". قصيدة " اللباب في علم الإعراب " وشرحها. اختصار " ملحة الإعراب " نظماً. " مذكرة الغريب " نظماً وشرحها. " المسائل المذهبة في المسائل الملقبة ". " أبكار الأفكار ". " تتمة تاريخ صاحب حماة ". و " أرجوزة في تعبير المنامات ". أرجوزة في خواص الأحجار " و " منطق الطير " نظماً. وبلغنا وفاته في الطاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وهو في عشر السبعين، رحمه الله تعالى.
стр. 1047
٣٨٤ - (١)
" عمر الأشدق "
عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس؛ كان أحد الأشراف الأمويين، ولي المدينة ليزيد بن معاوية، وكان يسمى الأشدق، سمي بذلك لأنه كان أفقم مائلاً إلى الذقن، ولهذا سمي " لطيم الشيطان "، وقيل: إنما سمي الأشدق لتشادقه في الكلام، وكان مروان ابن الحكم قد ولاه العهد بعد ابنه عبد الملك، فقتله عبد الملك، فقيل أنها كانت أول غدرة كانت في الإسلام، وقال ابن الزبير لما بلغه قتله: إن أبا الذبان قتل لطيم الشيطان، " وكذلك نولي بعض الظالمين بما كانوا يكسبون " " الأنعام: ١٢٩ " وقال يحيى بن الحكم أخو مروان يرثيه:
أعيني جودا بالدموع على عمرو ... عشية سددنا الخلافة بالخير
كأن بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطير اجتمعن على صقر
غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل ... ومثلكم يبني البيوت على غدر
فرحنا وراح الشامتون بنعشه ... كأن على أكتافنا فلق الصخر وكان عمرو قد رام الخلافة وغلب على دمشق، وكانت قتلته في سنة سبعين من الهجرة.
وقد روى له مسلم والترمذي وابن ماجة والنسائي، رحمه الله تعالى.
стр. 1048
٣٨٥١ -
" عوف بن ملحم الخزاعي "
عوف بن ملحم الخزاعي، أحد العلماء الأدباء الرواة الفهماء الندماء الظرفاء الشعراء الفصحاء؛ كان صاحب أخبار ونوادر ومعرفة بأيام الناس، اختصه طاهر بن الحسين لمنادمته ومسامرته، فلا يسافر إلا وهو معه، فيكون زميله وعديله.
قال محمد بن داود: إن سبب اتصاله به أنه نادى على الجسر أيام الفتنة بهذه الأبيات، وطاهر منحدر في حراقة له بدجلة، وأنشده إياها، وهي هذه ٢:
عجبت لحراقة ابن الحسي ... ن كيف تعوم ولا تغرق
وبحران من تحتها واحد ... وآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عبدانها ... وقد مسها كيف لا تورق فضمه طاهر إليه وبقي معه ثلاثين سنة لا يفارقه، وكلما استأذنه في الانصراف إلى أهله ووطنه لم يأذن له، فلما مات طاهر ظن أنه قد تخلص، وأنه يلحق بأهله، فقربه عبد الله بن طاهر، وأنزله منزلته من أبيه، وأفضل عليه حتى كثر ماله وحسنت حاله، وتلطف بجهده أن يأذن له بالعودة، فاتفق أن خرج عبد الله بن طاهر إلى خراسان فجعل عوفاً عديله، فلما شارف الري سمع صوت عندليب يغرد بأحسن تغريد، فأعجب ذلك عبد الله والتفت إلى عوف وقال: يا ابن محلم، هل سمعت بأشجى من
стр. 1049
هذا؟ فقال: لا والله، " فقال عبد الله ": قاتل الله أبا كبير حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح؟
أفق لا تنح من غير شيء فإنني ... بكيت زماناً والفؤاد صحيح
ولوعاً فشطت عربة دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد قريح فقال عوف: أحسن والله أبو كبير، إنه كان في الهذليين مائة وثلاثون شاعراً ما فيهم إلا مفلق، وما كان فيهم مثل أبي كبير، وأخذ عوف يصفه، فقال له عبد الله: أقسمت عليك إلا عارضت قوله، فقال عوف: قد كبر سني وفني ذهني وأنكرت كل ما أعرف، فقال له عبد الله: بتربة طاهر إلا فعلت، فقال عوف ﵀:
أفي كل عام غربة ونزوح ... أما للنوى من ونية فتريح
لقد طلح (١) البين المشت ركائبي ... فهل أرين البين وهو طريح
وأرقني بالري نوح حمامة ... فنحت وذو البث الغريب ينوح
على أنها ناحت ولم تذر دمعة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفراخها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه قيح
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح؟
عسى وجود عبد الله أن يعكس النوى ... فيلقي (٢) عصا التطواف وهي طليح
فإن الغنى يدني الفتى من صديقه ... وعدم الفتى بالمعسرين طروح فاستعبر عبر الله ورق له وجرت دموعه، وقال له: والله إني ضنين بمفارقتك شحيح على الفائت من محاضرتك، ولكن والله لا أعلمت معي خفاً ولا حافراً إلا راجعاً إلى أهلك، وأمر له بثلاثين ألف درهم، فقال له عوف:
стр. 1050
يا ابن الذي دان له المشرقان ... وألبس (١) الأمن به المغربان
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط انحنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان
وقاربت مني خطى لم تكن ... مقاربات وثنت من عنان
فأنشأت بيني وبين الورى ... عنانة من غير نسج العنان
ولم تدع في لمستمتع ... إلا لساني وبحبسي اللسان
أدعو بالله وأثني على ... صنع الأمير المعصبي الهجان
وهمت بالأوطان وجداً بها ... لا بالغواني أين مني الغوان؟
فقرباني بأبي أنتما ... من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة ... أوطانها حران والرقتان (٢)
سقى قصور الشاذياخ الحيا ... من بعد عهدي وقصور الميان
فكم وكم من دعوة لي بها ... أن تتخطاها صروف الزمان وكر راجعاً إلى أهله فلم يصل إليهم، ومات في حدود العشرين ومائتين.
ومن شعر عوف بن محلم رحمه الله تعالى (٣) :
وكنت إذا صحبت رجال قوم ... صحبتهم ونيتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا
وأنظر ما يسرهم بعين ... عليها من عيونهم غطاء وقال:
وصغيرة علقتها ... كانت من الفتن الكبار
بلهاء لم تعرف لغر ... تها يميناً من يسار
كالبدر إلا أنها ... تبقى على ضوء النهار
стр. 1051
٣٨٦ - (١)
" النقاش البغدادي "
عيسى بن هبة الله بن عيسى، أبو عبد الله البغدادي النقاش؛ كان ظريفاً صاحب نوادر خفيف الروح، له شعر، روى عنه التاج الكندي كتاب " الكامل " للمبرد؛ وتوفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
ومن شعره رحمه الله تعالى:
إذا وجد الشيخ في نفسه ... نشاطاً فذلك موت خفي
ألست ترى أن ضوء السراج ... له لهب قبل أن ينطفي ومنه:
رزقت يساراً فوافيت من ... قدرت به حين لم يرزق
وأملقت من بعد فاعتذرت ... إليه اعتذار أخ مملق
فإن كان يشكر فيما مضى ... يداً لي يعذر فيما بقي وقال أيضاً:
كيف السلو وقد تمل ... ك مهجتي من غير أمري
قمر تراه إذا استسر ... كمثل (٢) أربعة وعشر
يرنو بنجلاوين يس ... قم من يشا بهما (٣) ويبري
وإذا تبسم في دجى ... ليل شهدت له بفجر
ولذاك تظلمه إذا ... شبهت ريقته بخمر
стр. 1052
ولورد وجنته وحس؟ ... ن عذاره قد قام عذري وكان نقاشاً للحلي ثم صار بزازاً، وكان يمتنع من الرواية ويقول: ما أنا أهل ذلك.
قال ابن شجاع: لقيته امرأة يوماً فقالت له: يا سيدي، النظر منا بقيراط ونصف، كم لي بقيراط وحبة؟ فحل منديلاً كان بيده وأعطاها قطعة، وقال: مري إيش أعطوك فقد أنصفوك.
وقال: كان في دربنا شخص أبغضه لا لسبب، فاتفق أني خرجت يوم عيد وعلي ثياب العيد، فلقيني شخص في الظلمة وفي يده دستيجة ملأى شيرجاً، فصدمني بها فانكسرت على ثيابي وصيرني شهرة، قال: فأمسكته وأخرجته إلى الضوء، فلما رأيته قلت: هو ذا أنت؟ لهذا كنت أبغضك، مر، الله معك.
стр. 1053
٣٣٤١ -
المكتفي بالله
علي بن أحمد بن طلحة بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب؛ هو أمير المؤمنين المكتفي بالله ابن المعتضد ابن الموفق ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور، الهاشمي العباسي، ولد سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
كان معتدل القامة دري اللون أسود الشعر حسن الوجه؛ بويع له بالخلافة عند موت والده في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين، وكانت أيامه ست سنين ونصف، ومات شاباً في ذي القعدة، وخلف مائة ألف ألف دينار عيناً، وأمتعة وعقاراً وأواني بمثلها، وثلاثة وستين ألف ثوب وكان يلقب " المترف " لنعمة جسمه وحسنه، وكان نقش خاتمه " اعتمادي على الذي خلقني ".
ومن شعره:
من لي بأن تعلم ما ألقى فتعرف الصبوة والعشقا
مازال لي عبداً وحبي له صيرني عبداً له حقا
أعتق من رقي ولكنني من حبه لا آمن العتقا
وله أيضاً: الزركشي: ٢٣١ والروحي: ٥٩ وتاريخ الخلفاء: ٤٠٥ والفخري: ٢٣٢ وخلاصة الذهب المسبوك: ٢٣٧ وراجع التواريخ العامة كالطبري والمسعودي وابن الأثير ... الخ؛ وقد وردت في ر.
стр. 1054
٣٣٤١ -
المكتفي بالله
علي بن أحمد بن طلحة بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب؛ هو أمير المؤمنين المكتفي بالله ابن المعتضد ابن الموفق ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور، الهاشمي العباسي، ولد سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
كان معتدل القامة دري اللون أسود الشعر حسن الوجه؛ بويع له بالخلافة عند موت والده في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين، وكانت أيامه ست سنين ونصف، ومات شاباً في ذي القعدة، وخلف مائة ألف ألف دينار عيناً، وأمتعة وعقاراً وأواني بمثلها، وثلاثة وستين ألف ثوب وكان يلقب " المترف " لنعمة جسمه وحسنه، وكان نقش خاتمه " اعتمادي على الذي خلقني ".
ومن شعره:
من لي بأن تعلم ما ألقى فتعرف الصبوة والعشقا
مازال لي عبداً وحبي له صيرني عبداً له حقا
أعتق من رقي ولكنني من حبه لا آمن العتقا
وله أيضاً: الزركشي: ٢٣١ والروحي: ٥٩ وتاريخ الخلفاء: ٤٠٥ والفخري: ٢٣٢ وخلاصة الذهب المسبوك: ٢٣٧ وراجع التواريخ العامة كالطبري والمسعودي وابن الأثير ... الخ؛ وقد وردت في ر.
стр. 1055
حرف الغين
٣٨٧ - (١)
أبو الهندي الشاعر
غالب بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي، أبو الهندي؛ كان شاعراً مطبوعاً أدرك الدولتين الأموية والعباسية، وكان جزل الشعر سهل الألفاظ لطيف المعاني، وإنما أخمله وأمات ذكره بعده من العرب ومقامه بسجستان وخراسان ومعاقرة الشراب، وكان يتهم بفساد الدين، واستفرغ شعره في وصف الخمر، وهو أول من وصفها من شعراء الإسلام، فمن ذلك قوله (٢) :
سقيت أبا المطوع إذ أتاني ... وذو الرعثات منتصب يصيح
شراباً يهرب الذبان منه ... ويلثغ حين يشربه الفصيح وقال (٣) :
نبهت ندماني وقلت له اصطبح ... يا ابن الكرام من الشراب الأصهب
صفراء تنزو في الزجاج كأنها ... حدق الجرادة أو لعاب الجندب وقال (٤) :