خلوت به ليلاً يدير مدامة ... وجنح الدجى دون الرقيب لنا ستر
فلما سرت كأس الحميا بعطفه ... ومالت به تيهاً ورنحه السكر
هممت بلثم (١) الثغر منه فصدني ... عذار له في منع تقبيله عذر
حمى ثغره المعسول نمل عذاره ... ومن عجب نمل يصان به ثغر ٣٦١ (٢)
علاء الدين الشاعر المنجم
علي بن محمود بن حسن بن نبهان بن سند، علاء الدين أبو الحسن اليشكري الربعي البغدادي الأصل البصري المولد، الشاعر المنجم؛ ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة ثمانين وستمائة.
سمع بدمشق من ابن طبرزد والكندي، أخذ عنه الدمياطي وغيره، وسمع منه البرزالي، وكانت له يد طولى في علم الفلك وحل التقاويم، مع النظم وحسن الخط، وكانت وفاته بدمشق.
ومن شعره:
ولما دهاني الخطب من كل جهة ... وأصبح حالي حائلاً متبدلاً (٣)
عكفت على الأفلاك أرجو معونة ... بها أو بسعد للكواكب يجتلى
فخاطب منها المشتري بعد زهرة ... فما ازددت إلا حيرة وتقلقلا
أما والعلا لو كنت خاطبت عاقلاً ... لأصغى إلى ما قلته وتأملا
стр. 982
ولكن خطابي أطلساً (١) غير سامع ... مقالي له " ... " (٢)
فلا فلك التدوير للقول يرعوي ... ولا الكوكب الدري يفهم مقولا
وليس سوى الخلاق ﷻ ... أوجه وجهي نحوه متوسلا (٣) وقال:
إني أغار من النسيم إذا سرى ... بأريج عرفك خيفة من ناشق
وأود لو سهدت لا من علة ... خوفاً عليك من الخيال الطارق وقال:
من لي بمقتبل العذار كأنه ... مسك بوردة خده مفتوت
وتخال جمر الخد يحرق خاله الن ... دي إلا أنه ياقوت وقال أيضاً:
وسرب من الغيد الحسان عرضن لي ... فخلت ظباء بالصريم نوافرا
تكحلن سحراً واعتجزن دياجياً ... ولحن صباحاً وابتسمن جواهرا
وأقبلن في خضر الحلى فكأنما ... سلبن غصوناً أو لبسن مرائرا
نصبت لها أشراك عيني طماعة ... وقد رفعت خمراً وجرت غدائرا
فغادرن قلبي في الحبائل واقعاً ... وإن كان لبي بالصبابة طائرا وقال في صبي لعب وعرق وأخذ المرآة ينظر وجهه فيها:
لما غدا تعباً وكل ... ل وجهه عرق المراح
أخذ المراءة فاجتلى ... في الورد نوار الأقاح
لا بل حباب قد طفا ... من وجنتيه فوق راح
стр. 983
وقال:
ولما أتاني (١) العاذلون عدمتهم ... وما منهم إلا للحمي قارض
وقد بهتوا لما رأوني شاحباً ... وقالوا به عين فقلت وعارض وقال:
أشممت من عرف الصبا المتضوع ... طيباً تأرج عن ظباء الأجرع
وافى يقص علي أخبار الغضا ... ففهمت من رياه ما لم أسمع
رقصت قدود الدوح عند هبوبه ... وترنمت ورق الحمام السجع
وسرى عليلاً إذ براه هواهم ... من لم يطق حمل الهوى يتوجع
فسقى حيا جفني إذا ضن (٢) الحيا ... داراً (٣) لهم بين العذيب ولعلع
أوطان لهو قد قضت أوطارنا ... غفلات أيام لنا لم ترجع
وبمهجتي قاس علي وإنه ... ليميله نفس النسيم المولع
جذلان مقتبل الشباب بطرفه ... نظر الأبي وكسرة المتخضع
متمنع لما سألت وصاله ... واذلتي من عزه المتمنع
لقضيتي في الحب سقم شاهد ... لو تسمع الشكوى ودمع مدعي وقال:
ومعذر غاض الجمال بوجهه ... من بعد ما قد كان ليس بغائض
وعذاره بالنتف يصبح واقعاً ... فكأن عارضه أصيب بعارض وقال:
لا تضع بالفصاد من دمك الطي ... ب واستبقه فما ذاك رشد
فهو إن حال ريقه كان خمراً ... وإذا جال في الخدود فورد
стр. 984
وقال ذوبيت:
يا ليلة وصلنا سقتك السحب ... عودي فعسى يقر هذا القلب
إذا طاب عتابنا فيا فوزي لو ... أكثرت ذنوباً كي يطول العتب وقال أيضاً:
أهوى قمراً تحار منه الحور ... كالصبح سناً وفرعه ديجور
يزور مقطباً إذا أبصرني (١) ... كالكأس إذا عاينها المخمور وقال:
قم نشربها فقد أضاء الشرق ... والصبح فقد بدا لنا ينشق
قم نسلب روح الزق حتى نحيا ... سكراً ويموت بالفراق الزق ٣٦٢ (٢)
علاء الدين الوداعي
علي بن المظفر بن إبراهيم بن عمر بن زيد، الأديب البارع المقرئ المحدث الكاتب المنشئ، علاء الدين الكندي المعروف بالوداعي كاتب ابن وداعة؛ ولد سنة أربعين وستمائة تقريباً، وتوفي سنة ست عشرة وسبعمائة.
تلا بالسبع على القاسم الأندلسي، وطلب الحديث ونسخ الأجزاء، وسمع من الخشوعي والكفرطابي والصدر والبكري وعثمان ابن خطيب
стр. 985
القرافة والنقيب ابن أبي الجن وابن عبد الدايم وغيرهم، ونظر في العربية، وحفظ كثيراً من أشعار العرب، وكتب المنسوب، وخدم موقعاً بالحصون، وتحول إلى دمشق، وهو صاحب " التذكرة الكندية " الموقوفة بالسميساطية في خمسين مجلد (١) بخطه، فيها عدة فنون، وتوفي ببستانه عند قبة المسجف، وكان شيعياً، وكان شاهداً بديوان الجامع الأموي، وولي مشيخة النفيسية (٢) وكانت له ذؤابة بيضاء إلى أن مات.
ومن شعره فيها:
يا عائباً مني بقاء ذؤابتي ... مهلاً فقد أفرطت في تعييبها
قد واصلتني في زمان شبيبتي ... فعلام أقطعها زمان مشيبها؟ وقال:
من زار بابك لم تبرح جوارحه ... تروي محاسن ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والأذن عن حسن وقال:
وذي دلال أحور أهيف ... أصبح في عقد الهوى شرطي
طاف على القوم بكاساته ... وقال ساقي قلت في وسطي وقال:
ولم أرد الوادي ولا عدت صادراً ... مع الركب إلا قلت يا حادي النوق
فديتك عرج بي وعرس هنيهة ... لعلي أبل الشوق من آبل السوق وقال:
стр. 986
لا أرى لقط عارضيه قبيحاً ... يا عذولاً (١) عن حبه ظل ينهى
وجهه روضة وغير عجيب ... أنه يلقط البنفسج منها وقال أيضاً:
أتيت إلى البلقاء أبغي لقاءكم ... فلم أركم فازداد شوقي وأشجاني
فقالت لي الأقوام من أنت راصد ... لرؤياه قلت الشمس قالوا بحسبان وقال:
لنا صاحب قد هذب الشعر طبعه ... فأصبح عاصيه على فيه طيعا
إذا خمس الناس القصيد لحسنه ... فحق لشعر قاله أن يسبعا وقال:
قل للذي بالرفض أتهم ... ني أضل (٢) الله قصده
أنا رافضي ألعن ... الشيخين أباه وجده وقال:
قالوا حبيبك قد دامت ملاحته ... وما أتاه عذار إن ذا عجب
فقلت خداه تبر والعذار صدا ... وقد زعمتم بأن لا يصدأ الذهب وقال:
رو بمصر وبسكانها ... شوقي وجدد عهدي البالي
وصف لي القرط وشنف به ... سمعي وما العاطل كالحالي
وارو لنا يا سعد عن نيلها ... حديث صفوان بن عسال
فهو مرادي لا يزيد ولا ... ثورا وإن رقا وراقا لي وقال في مليح سمين كثير الشعر:
تعشقت فلاحاً بنيرب جلق ... ففي حسنه لا في الرياض تفرجي
стр. 987
وقالوا اسل عنه فهو عبل ومشعر ... وما هو إلا من جبال البنفسج وقال:
سمعت بأن الكحل للعين قوة ... فكحلت في عاشور مقلة ناظري
لتقوى على سح الدموع على الذي ... أذاقوه دون الماء حر البواتر وقال:
سئل الورد عندما استقطروه ... لم كذا عذبوك بالنيران
قال ما لي جناية غير أنني ... جئت بعض السنين في رمضان وقال:
لا نال من وصلك ما يسومه ... إن كان قد أصغى لمن يلومه
حاشا حشاه أن يبيت ليلة ... مقفرة من الهوى رسومه
واوحشة الصب الذي أنيسه ... أنينه ودمعه حميمه
النوم لا يلوي على جفونه ... وصبره يلوي به غريمه
هذا وما يشكو سوى عذوله ... فكم بما (١) يسوءه يسومه
وكيف يسلو عن غزال دمعه ... عقيقه ووده صريمه
إن لم يكن في الحسن عن بدر الدجى ... خليفة فإنه قسيمه
قباؤه سماؤه عذاره ... هالته أزراره نجومه
كالأقحوان والبروق ثغره ... أشمه إن شيت أو أشيمه
طوبى بمن يسعده زمانه ... وذاك في نديه نديمه وقال:
كلما دغدغت أكف الجنوب ... خصر نهر وعطف غصن رطيب
انثنى الغصن ضاحكاً بالأزاهي ... ر وزاد الغدير في التقطيب
стр. 988
وإذا هم أن يقبل خد ال ... ورد شوقاً ثغر الأقاح الشنيب
خلال أن النيلوفر الغض والنر ... جس أذن الواشي وعين الرقيب وقال:
ويوم لنا بالنيربين رقيقة ... حواشيه خال من رقيب يشينه
وقفنا على الوادي نحييه بكرة (١) ... فردت علينا بالرؤوس غصونه
وقد هب علوي النسيم فلم تزل ... تغازلنا من كل نهر عيونه
ومالت بنا الجرد العتاق إلى رشاً ... جديد العذار رائقات فنونه
من الترك تقري الطارقين جفانه ... وتفري قلوب العاشقين جفونه
يرنحه سكر الدلال فينثني ... فينهضه من شعره زرجونه
إذا تاهت الأبصار في ليل شعره ... هداهن من فرق الصباح جبينه وقال:
ليس لي بالصدود منك يدان ... لا ولا طاقة على السلوان
وإذا ما أردت كتمان وجدي ... نم دمعي وكان شاني شاني
حر قلبي من برد قلبك عني ... وسهادي من طرفك الوسنان
وعذولي لما رأى منك إعرا ... ضاً رثى لي وإن أطلت رثاني
وغرامي هو العذاب وما في ... ض دموعي إلا حميم آن
ودماء سقت (٢) سماء خدودي ... فغدت وهي وردة كالدهان
فتكرم بعطفة والتفات ... مثل باقي الغصون والغزلان وقال:
الزهر في الأكمام راح مقطباً ... والريح قد خطرت عليه بذيلها
وغدت تبشره بإقبال الحيا ... حتى تبسم ضاحكاً من قولها
стр. 989
وقال:
إن أسرع العارض في وجنته ... فأسرعت تعيبه اللوائم
فما نبات خده أول من ... قد دخل الجنة وهو ظالم وقال:
هيهات ما أنا بالمفيق من الهوى ... ما دام يسكرني بحسن فائق
متناسب في حسنه متجانس ... برشيق قامته وطرف راشق
سقياً لوادي النيربين فكم لنا ... من صابح فيه الغداة وغابق
أيام ليس لنا عدو أزرق ... غير البنفسج والخزامى العابق
كلا ولا للغانيات مشاقق ... في حمرة الوجنات غير شقائق
والغصن يلحفنا (١) بظل ساكن ... والنهر يلقانا بقلب خافق ٣٦٣ (٢)
ابن سعيد المغربي
علي بن موسى بن سعيد المغربي الغماري الأديب نور الدين، ينتهي نسبه إلى عمار بن ياسر؛ ورد من الغرب وجال في الديار المصرية والعراق والشام، وجمع وصنف ونظم، وهو صاحب كتاب " المغرب في أخبار المغرب " و " المشرق في أخبار المشرق " و " المرقص والمطرب "
стр. 990
و " ملوك الشعر "؛ توفي بدمشق في شعبان سنة ثلاث وسبعين وستمائة (١) .
حكي أنه كان يوماً في جماعة " من " شعراء عصره المصريين، وفيهم أبو الحسين الجزار، فمروا في طريقهم بمليح نائم تحت الشجرة، وقد هب الهوا فكشف ثيابه عنه فقالوا: قفوا بنا لينظم كل منا في هذا شيئاً، فابتدر الأديب نور الدين فقال:
الريح أقود ما يكون لأنها (٢) ... تبدي خفايا الردف (٣) والأعكان
وتميل الأغصان عند هبوبها ... حتى تقبل أوجه الغدران
فلذلك العشاق يتخذونها ... رسلاً (٥) ، إلى الأحباب والأوطان فقال أبو الحسين: ما بقي أحد منا يأتي بمثل هذا. وقال:
لله من أقطار جلق روضة ... راقت لنا حيث السحاب يراق
وتلونت أزهارها فكأنما (٥) ... نزلت بها الأحباب والعشاق وقال:
أنا من علمت بشوقه ذكر الحمى ... وتساق روحي والركاب تساق
أخلصت في حبي وكم من عاشق ... في ما ادعاه من الغرام نفاق
يدعو الحمام وترقص الأغصان من ... طرب بهم وتصفق الأوراق
وحدي جمعت من الهوى مثل الذي ... جمعوا كذاك تقسم الأرزاق وقال أيضاً:
في جلق نزلوا حيث النعيم غدا ... مطولاً وهو في الآفاق مختصر
стр. 991
فكل واد به موسى يفجره ... وكل روض على حافاته الخضر وقال:
يا غصن روض سقته أدمعي مطراً ... وليس لي منه لا ظل ولا ثمر
طال انتظاري لوعد لا وفاء له ... وإن صبرت فقد لا يصبر العمر وقال في جزيرة مصر (١) :
تأمل لحسن الصالحية إذ بدت ... وأبراجها مثل النجوم تلالا
ووافى إليها النيل من بعد غاية ... كما زار مشغوف يروم وصالا
وعانقها من فرط شوق محبها ... فمد يميناً نحوها وشمالا وقال:
إن للجبهة في قلبي هوى ... لم يكن عندي للوجه الجميل
يرقص الماء بها من طرب ... ويميل الغصن للظل الظليل
وتود الشمس لو باتت بها ... فلذا تصفر أوقات الأصيل وقال:
إذا الغصون غدت خفاقة العذب ... فاسجد هديت إلى الكاسات واقترب
وطارح الورق في أوراقها طرباً ... ومل إذا مالت الغصون من طرب
وانهض إلى أم أنس بنت دسكرة ... تجلى عليك بإكليل من الذهب
وانظر إلى زينة الدنيا وزخرفها ... في روضة رقمتها أنمل السحب
وللأزاهر أحداق محدقة ... قد كحلتها يمين الشمس بالذهب وقال أيضاً:
أسكان مصر جاور النيل أرضكم ... فأكسبكم تلك الحلاوة في الشعر
وكان بتلك الأرض سحر وما بقي ... سوى أثر يبدو على النظم والنثر
стр. 992
وقال (١) :
يا واطئ النرجس ما تستحي ... أن تطأ الأعين بالأرجل
قابل جفوناً بجفون ولا ... تبتذل الأرفع بالأسفل وقال:
انظر إلى الغيم كيف يبدو ... وقد أتى مسبل الإزار
والبرق في جانبيه يذكي ... أنفاسه وهو كالشرار
ما طاب هذا النسيم إلا ... والجو من عنبر ونار وقال:
أتى عاطل الجيد يوم النوى ... وقد حان موعدنا للفراق
فقلدته بلآلي الدموع ... ووشحته بنطاق العناق ٣٦٤ (٢)
صاحب شذور الذهب
علي بن موسى بن علي بن موسى بن محمد بن خلف، أبو الحسن الأنصاري الأندلسي الجياني نزيل فاس؛ ولي خطابة فاس، وهو صاحب كتاب " شذور الذهب في صناعة الكيمياء " توفي سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
لم ينظم أحد في الكيمياء مثل نظمه بلاغة معاني وفصاحة ألفاظ وعذوبة تراكيب، حتى قبل فيه: إن لم يعلمك صنعة الذهب، علمك صنعة الأدب،
стр. 993
وقيل هو شاعر الحكماء وحكيم الشعراء، وقصيدته الطائية أبرزها في ثلاث مظاهر: مظهر غزل، ومظهر قصة موسى، والمظهر الذي هو الأصل في صناعة الكيمياء، وهذا دليل على القدرة والتمكن، وأولها:
بزيتونة الدهن المباركة الوسطى ... غنينا فلم نبدل بها الأثل والخمطا
صفونا فآنسنا من الطور نارها ... تشب لنا وهناً ونحن بذي الأرطى
فلما أتيناها وقرب صبرنا ... على السير من بعد المسافة ما اشتطا
نحاول منها جذوة ما ينالها ... من الناس من لا يعرف القبض والبسطا
هبطنا من الوادي المقدس شاطئاً ... إلى الجانب الغربي نمتثل الشرطا
وقد أرج الأرجاء منها كأنها ... لطيب شذاها تحرق العود والقسطا (١)
وقمنا فألقينا العصا في طلابها ... إذا هي تسعى نحوها حية رقطا
وثار لطيف النقع عند اهتزازها ... وأظلم من نور الظهيرة ما غطى
ومد إليها الفيلسوف يمينه ... فجاذبها أخذاً وأوسعها ضغطا
فصارت عصاً في كفه وأحبها ... فأخرجها بيضاء تجلو الدجى كشطا
فلم أر ثعباناً أذل لعالم ... سواها، ولا منها على جاهل أسطى
هي المركب الصعب المرام وإنها ... ذلول ولكن لا لكل من استمطى
فأعجب بها من آية لمفكر ... يقصر عن إدراكها كل من أخطا
وتفجيرها من صخرة عشر أعين ... وثنتين تسقس كل واحدة سبطا
وتفليقها رهواً من البحر فاستوى ... طريقاً فمن ناج ومن هالك غمطا
فتلك عصانا لا عصا خيزرانة ... على أنها في كف ممسكها ألطا
وقد كان للزيتون فيها قساوة ... ولكن لين الدهن صيرها نقطا
تسيل بماء الخد أبيض صافياً ... إذا ما شرطناها على ساقها شرطا
ومن قبل ما أغوى أبانا بذوقها ... جذاذاً فأخطا والقضاء فما أخطا
стр. 994
قطفت جناها واعتصرت مياهها ... فجمدت ما استعلى وذوبت ما انحطا
ولينة الأعطاف قاسية الحشا ... إذا نفثت في الصخر تصدعه هبطا
كأن عليها من زخاريف جلدها ... رداء من الوشي المفوف أو مرطا
توصل إبليس بها في هبوطه ... إلى الأرض من عدن ففارقها سخطا
أمت بها حياً وسودت أبيضاً ... وأسرفت في قلع السواد فما أبطا
وأحييت تلك الأرض من بعد موتها ... بري وكانت تشتكي الجدب والقحطا
كأن العيون الثابتات بخصرها ... عقدن نطاقاً أو على جيدها سمطا
كأن من البدر المنير مشابهاً ... ومن أنجم الجوزاء في أذنها قرطا
كأن من الصدغ الذي فوق خدها ... على ورده نوناً ومن خاله نقطا
ظفرت بها بالنفس من جسم أمها ... كما ظفرت بالقلب في صدره لقطا
وأرضعتها بالدر من ثدي بنتها ... فعاشت وكانت قبل ماتت به عبطا
فحلت به روح الحياة كأنما ... مزجت لها في ذلك الدر إسفنطا
وصيرتها بنتاً وصيرت بنتها ... لها مرضعاً فاعجب لمرضعة شمطا
فحالت هناك البيت والأم فضة ... فتى لم يزاحمه العذر ولا خطا
له منظر كالشمس يعطي ضياءه ... وليس كمثل البدر يأخذ ما أعطى
فهذا الذي أعيا الأنام فأضمروا ... لمن وضع الأرماز في علمه سخطا
وهذا هو الكنز الذي وضعوا له ... برابي إخميم وخصوا بها قفطا
وتخليصه سهل بغير مشقة ... لمن عرف التطهير والعقد والخلطا
أبا جعفر خذها إليك يتيمة ... تورع لوقا أن يورثها قسطا
ولكنني لما رأيتك أهلها ... سمحت بها لفظا وأثبتها خطا ومن شعره أيضاً في الصناعة:
لقد قلبت عيناي عن عينه قلبي ... بلينة الأعطاف قاسية القلب
يهيم الفتى الشرقي منها بغادة ... تشوق إلى شرق وترغب عن غرب
стр. 995
هي الشمس إلا أنها قمرية ... هي البدر إلا أنه كامن الشهب
إذا الفلك الناري أطلع شهبها ... على الذروة العليا من الغصن الرطب
تراءت عروساً برزة الوجه تبتغي ... رفاقاً وكانت خلف ألف من الحجب
فزوجها بكراً أخاها لأمها ... أبوها رجاء في المودة والقرب
فعاد بها حياً وكان فراقها ... له سبباً إذ مات من شقة الحب
فجن هوى لما استجنت بنفسه ... وطار فقالت بعد جهد له حسبي
ولما ثنته عن طبيعته التي ... بدت عنه إلا أن تناهبها قلبي
تعالى عن الأشباه لوناً وجوهراً ... وجل فلم ينسب إلى طينة الترب ٣٦٥ (١)
ابن عصفور
علي بن مؤمن بن محمد بن علي، العلامة ابن عصفور النحوي الحضرمي الإشبيلي حامل لواء العربية بالأندلس؛ أخذ عن الأستاذ أبي الحسن الدباج، ثم عن الأستاذ أبي علي الشلوبين، وتصدى للاشتغال مدة، ولازم الشلوبين عشر سنين إلى أن ختم عليه كتاب سيبويه، وكان أصبر الناس على المطالعة لا يمل ذلك، وأقرأ بإشبيلية وشريش ومالقة ولورقة ومرسية.
قال ابن الزبير (٢) : لم يكن عنده ما يؤخذ عنه سوى العربية ولا تأهل
стр. 996
لغير ذلك، قال: وكان يخدم الأمير أبا عبد الله محمد بن أبي بكر الهنتاني.
ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة تسع وستين وستمائة، بتونس؛ ولم يكن بذلك الورع، كان الشيخ تقي الدين ابن تيمية يدعي أنه لم يزل يرجم بالنارنج في مجلس الشراب إلى أن مات.
ومن تصانيفه كتاب " الممتع " وكتاب " المفتاح " وكتاب " الهلال " وكتاب " الأزهار " وكتاب " إنارة الدياجي " وكتاب " مختصر الغرة " وكتاب " مختصر المحتسب " وكتاب " السالف والعذار " وكتاب " شرح الجمل " وكتاب " المقرب " (١) في النحو، يقال: إن حدوده كلها مأخوذة من الجزولية، وكتاب " البديع " شرح الجزولية و " شرح المتنبي " و " سرقات الشعراء " و " شرح الأشعار الستة " و " شرح المقرب " و " شرح الحماسة " وهذه الشروحات لم يكملها، وله غير ذلك.
ومن شعره:
لما تدنست بالتخليط في كبري ... وصرت مغرى برشف الراح واللعس
رأيت أن خضاب الشيب أستر لي ... إن البياض قليل الحمل للدنس ٣٦٦ (٢)
ابن ماكولا
علي بن هبة الله بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف بن القاسم بن
стр. 997
عيسى، المعروف بابن ماكولا؛ كان أبوه وزير جلال الدولة بن بويه، وكان عمه أبو عبد الله الحسين بن جعفر (١) قاضي القضاة ببغداد، وكان عالماً حافظاً متقناً، وكان يقال عنه: الخطيب الثاني.
قال ابن الجوزي: سمعت شيخنا عبد الوهاب يقدح فيه ويقول: يحتاج إلى دين (٢) .
صنف كتاب " المختلف والمؤتلف " جمع فيه بين كتاب الدارقطني وعبد الغني والخطيب وزاد عليهم زيادات كثيرة، وله كتاب " الوزراء ".
وكان نحوياً مجوداً شاعراً صحيح النقل، ما كان في البغداديين في زمانه مثله؛ سمع أبا طالب ابن غيلان وأبا بكر بن بشران وأبا القاسم بن شاهين وأبا الطيب الطبري، وسافر إلى الشام والسواحل وديار مصر والجزيرة والثغور والجبال، ودخل بلاد خراسان وما وراء النهر، وجال في الآفاق.
ولد بعكبرا سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وتوفي سنة خمس وثمانين وأربعمائة؛ قال الحميدي: خرج إلى خراسان ومعه غلمان له ترك، فقتلوه بجرجان وأخذوا ماله وهربوا، وطاح دمه هدراً.
ومن شعره:
ولما تفرقنا تباكت قلوبنا ... فممسك دمع عند ذاك كساكبه
فيا نفسي الحرى البسي (٣) ثوب حسرة ... فراق الذي تهوينه قد كساك به وقال أيضاً:
فؤاد ما يفيق من التصابي ... أطاع غرامه وعصى النواهي
стр. 998
وقالوا لو تصبر كان يسلو ... وهل صبر يساعد والنوى هي وقال أيضاً:
علمتني بهجرها الصبر عنها ... فهي مشكورة على التقبيح
وأرادت بذاك قبح صنيع ... فعلته فكان عين المليح وقال أيضاً:
أقول لقلبي قد سلا كل واحد ... ونفض أثواب الهوى عن مناكبه
وحبك ما يزداد إلا تجلداً ... فيا ليت شعري ذا الهوى من مناك به وقال أيضاً:
تجنبت أبواب الملوك لأنني ... علمت بما لم يعلم الثقلان
رأيت سهيلاً لم يحد عن طريقه ... من الشمس إلا من مقام هوان ٣٦٧ (١)
نجم الدين الحلي
علي بن يحيى بن بطريق، بجم الدين أبو الحسن الحلي الكاتب؛ كتب بالديار المصرية أيام الدولة الكاملية، ثم اختلت حاله فعاد إلى العراق ومات ببغداد سنة اثنتين وأربعين وستمائة؛ وكان فاضلاً أصولياً.
قال القوصي: أنشدنا لنفسه بدمشق وكتب بها إلى ابن عنين، وكان به جرب انقطع بسببه في داره:
مولاي لا بت في همي وفي نصبي ... ولا لقيت الذي ألقى من الجرب
стр. 999
هذا زماني (١) أبو جهل وذا جربي ... أبو معيط وذا قلبي أبو لهب وأنشدني لنفسه وقد بلغه أن الملك الأشرف أعطى الحلي سيفاً محلى فتقلد به وتشبه بالحيص بيص:
تقلد راجح الحلي سيفاً ... محلى واقتنى سمر الرماح
وقال الناس فيه فقلت كفوا ... فليس عليه في ذا من جناح
أيقدر أن يغير على القوافي ... وأموال الملوك بلا سلاح وقال أيضاً:
لي على الريق كل يوم ركوب ... في غبار أغص منه بريقي
أقصد القلعة السحوق كأني ... حجر من حجارة المنجنيق
فدوابي تحفى وجسمي يضني ... هذه قلعة على التحقيق ٣٦٨ (٢)
" ابن الذروي "
علي بن يحيى، القاضي الوجيه المعروف بابن الذروي؛ شاعر مجيد، وكانت وفاته بالديار المصرية سنة " ... " (٣) ومن شعره:
جن به العاذل لما رآه ... وعاد يستعذر مما جناه
стр. 1000
أتاه كي يهدي إلى سلوة ... عنه فضل العقل منه وتاه
وهل يطيع القلب تقييده ... وقد عصى لما نهته نهاه
الحب بالكتمان عقل فإن ... تجد به وشاه قول الوشاه
وما على العاذل من مغرم ... شفاؤه ما ضمنته الشفاه
هويته كالروض في حسنه ... إذا رضيت بالوصف مني حلاه
ينور وجهاً وابتساماً، فما ... نعرف منه الثغر لولا لماه
إن لم يكن بدراً على بانه ... فإن بين المنظرين اشتباه
أنكر من قتلي ألحاظه ... منه دماً تعرفه وجنتاه
وشفني سقماً فما ضره ... لو أبرأ السقم الذي قد براه وقال أيضاً:
ألم وطرف النجم قد كاد يغمض ... خيال إذا دب الكرى يتعرض
سرى لي من أقصى الشآم وبيننا ... فياف على الساري تطول وتعرض
هدته من الأشواق نار دخانها ... هموم عليه صبغة الليل تنفض
وأداه للعشاق دمع تقطرت ... مرائرنا في مائه فهي عرمض
له الله من طيف متى ذقت هجعة ... أتتني به خيل الأماني تركض
يواصلني عمن هو الدهر هاجر ... ويقبل لي عمن هو الدهر معرض
وما شاقني إلا تألق بارق ... أرقت له والجو بالصبح يحرض
وللغيم مسك في ذرانا مطبق ... وللطل كافور لدينا مرضرض
وقد أشرب الصهباء من كف شادن ... حلاه على شرب المدام تحرض
يروقك خد منه للثم أحمر ... ويصيبك (١) ثغر منه للرشف أبيض
فللحسن من هذا شقيق مذهب (٢) ... وللطيب من ذا أقحوان مفضض
стр. 1001
وندمان صدق قد بلوت وكلهم ... لودك يصفي أو لنصحك يمحض وقال أيضاً:
يا بان إن كان سكان الحمى بانوا ... ففيض شاني له في إثرهم شان
ويا حمائم إن سجعت مسعدة ... فلي على دوحة الأشواق ألحان
أبكي الأحبة أو أبكي منازلهم ... فإن مضى ذكر نعمى قلت نعمان
قد كان في تلك أوطار نعمت بها ... ولت كما كان من هاتيك أوطان
من لي بأقمار أنس في دجى طرر ... أفلاكها العيس والأبراج أظعان
تلك القدود مع الأرداف إن خطرت ... ما القضب قضب ولا الكثبان كثبان
سقوا من الحسن ماء واحداً فبدا ... منهم لنا غير صنوان وصنوان
يا يوم توديعهم ماذا به ظفرت ... عيني من الحسن لو والاه إحسان
جئنا فولى بها الإعراض من حذر ... فكيف لم تتلفت وهي غزلان
من كل قانية الخدين ناهدة ... لو كان للضم أو للثم إمكان
يدل على وجنتيها الجلنار على ... أن الذي حاز منها الصدر رمان
كم طرت شوقاً إليها في الرياح صنى ... فظن بلقيس وافاها سليمان وقال أيضاً:
ما بين وجهك والهلال سوى ... أن الأهلة لا تميت هوى
لله منظر من كلفت به ... ماذا من الحسن البديع حوى
والنجم منه إذا هوى وروى ... ما ضل مثلي عاشق وغوى
ما الغصن هزته الجنوب إذا ... ما السكر هز قوامه ولوى
لام العذول وقد رآه وكم ... عاو على البدر المنير عوى
يا من غدا بنواه يوعدني ... ليكن عقابك لي بغير نوى
انظر إلى جسمي يذوب ضنى ... وانظر تجد قلبي يفت جوى وقال من أبيات:
стр. 1002
أنت المنى والمنايا للأنام فإن ... أردت آمن قلوب الناس أو أخف
قال العواذل كم تعنى به أسفاً ... فقلت: يا أسفي إن حلت عن أسف
يا من تعطفت الصدغان منه على ... ذلي وما قلبه القاسي بمنعطف
إن كان عندك عدوى كل ذي جنف ... فإن كان عندي بلوى كل ذي دنف
أقول والفجر قد لاحت بشائره ... والجو قد كاد (١) يكسى حلة السدف
والليل خلف عصا الجوزاء من خور ... فذاك في عمره للشيب والخرف
راهنت يا نجم جفني في السهاد وقد ... بدا بأجفانك التسهيد فاعترف ودخل الوجيه ابن الذروي إلى الحمام ومعه ابن وزير الشاعر، فقال ابن وزير (٢) :
لله يومي بحمام نعمت بها (٣) ... والماء ما بيننا من حوضها جاري
كأنه فوق شفاف الرخام ضحى ... ماء يسيل على أثواب قصار فقال ابن الذروي:
وشاعر أوقد الطبع الذكي (٤) له ... فكاد يحرقه من فرط إذكاء
أقام يعمل أياماً قريحته (٥) ... وشبه (٦) الماء بعد الجهد بالماء ولابن الذروي في الحمام:
إن عيش الحمام أطيب عيش (٧) ... غير أن المقام فيه قليل
стр. 1003
فهي مثل المليك (١) يصفي لك الو ... د ولكن وده مستحيل
جنة تكره (٢) الإقامة فيها ... وجحيم يطيب فيه الدخول
فكأن الغريق فيها كليم ... وكأن الحريق فيها خليل وفيه يقول ابن المنجم:
لا تحسبن الوجيه حين كسا ... بردته للغلام من غلطه
والله ما لفه ببردته ... إلا لأخذ القضيب من وسطه ٣٦٩ (٣)
" ابن القفطي "
علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى، وزير حلب، القاضي الأكرم الوزير جمال الدين أبو الحسن ابن القفطي، أحد الكتاب المشهورين، وكان أبوه القاضي الأشرف كاتباً أيضاً؛ ولد بقفط من الصعيد الأعلى بالديار المصرية وأقام بحلب، وكان يقوم بعلوم من اللغة والنحو والفقه والحديث وعلوم القرآن والأصول والمنطق والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل؛ ولد سنة ستين (٤) وخمسمائة وتوفي سنة ست وأربعين وستمائة.
стр. 1004
وكان صدراً محتشماً كامل السؤدد، جمع من الكتب ما لا يوصف وقصد بها من الآفاق، وكان لا يحب من الدنيا سواها، ولم يكن له دار ولا زوجة، وأوصى بكتبه للناصر صاحب حلب وكانت تساوي خمسين ألف دينار، وله حكايات غريبة في غرامه بالكتب، وهو أخو المؤيد ابن القفطي.
ومن شعره (١) :
ضدان عندي قصرا همتي ... وجه حيي ولسان وقاح
إن رمت أمراً خانني ذو الحيا ... ومقول يطمعني في النجاح
فأنثني في حيرة منهما ... لي مخلب ماض وما من جناح
شبه جبان فر من معرك ... خوفاً وفي يمناه عضب الكفاح وله من التصانيف كتاب " الضاد والظاء " وهو ما اشتبه في اللفظ واختلف في المعنى والخط. كتاب " الدر الثمين في أخبار المتيمين ". كتاب " من ألوت الأيام عليه فرفعته ثم التوت عليه فوضعته ". كتاب " أخبار المصنفين وما صنفوه ". كتاب " أخبار النحويين " كبير. كتاب " أخبار مصر من ابتدائها إلى أيام صلاح الدين ". ست مجلدات. كتاب " تاريخ المغرب ". كتاب " تاريخ اليمن ". كتاب " المحلى في استيعاب وجوه كلا ". كتاب " إصلاح خلل صحاح الجوهري ". كتاب " الكلام على الموطأ " لم يتم. كتاب " الكلام على صحيح البخاري " لم يتم. " تاريخ محمود بن سبكتكين وبيته (٢) ". " كتاب تاريخ السلجوقية ". كتاب " الإيناس في أخبار آل مرداس ". كتاب " الرد على النصارى وذكر مجامعهم ". كتاب " مشيخة تاج الدين الكندي ". كتاب " نهزة الخاطر ونزهة الناظر، في أحاسن ما نقل من ظهور الكتب ".
стр. 1005
٣٧٠ - (١)
ابن الصفار المارديني
علي بن يوسف بن شيبان، جلال الدين المارديني المعروف بابن الصفار؛ مولده بماردين سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ومات مقتولاً، قتلته التتار لما دخلوا ماردين سنة ثمان وخمسين وستمائة.
خدم بكتابة الإنشاء الملك المنصور ناصر الدين أرتق صاحب ماردين، وتولى كتابة أشراف دنيسر ثماني عشرة (٢) سنة؛ كان شاعراً مجيداً، وله فضل وأدب، وصنف كتاباً يحتوي على آداب كثيرة وسماه كتاب " أنس الملوك " وله شعر رائق منه من قصيدة:
أنا ما سلوت وبرق فيه خلب ... أسلو وعارضه أمامي سائل؟!
يسعى بإبريقين: ذا من ثغره ... يحيي وذا من مقلتيه قاتل
فمتى تقوم قيامتي بوصاله ... ويضم شملينا معاد شامل؟
وأكون من أهل الخطايا: خده ... ناري وصدغاه علي سلاسل وقال أيضاً:
مشوق إذا ما ارتاح هيجه الحب ... وصب لوبل الدمع في خده صب
إذا نفحته من صبا الشوق نفحة ... صبا نحوها والمدنف الصب قد يصبو
بروحي ريم قد رمتني جفونه ... بأسهم لحظ كان برجاسها القلب
نضا عضب جفنيه علي عذاره ... فمن مهجتي جفن ومن لحظه عضب
يعذب قلبي ظالماً عذب ظلمه ... ولكن تعذيبي لمرشفه عذب
стр. 1006
نصبت لضيف الطيف منه حبائلاً ... من النوم لما عز في اليقظة القرب
وما كنت أدري أنه رافض الهوى ... ينفره عن زورتي ذلك النصب
تجمعت الأضداد فيه ولم يكن ... ليجتمع الإيجاب في الشيء والسلب
ففي خده نار وفي الثغر جنة ... وفي لفظه سلم وفي حلظه حرب
وفي قده لين وفي القلب قسوة ... وفي خصره جدب وفي ردفه خصب وقال أيضاً:
إذا نظرت عيني وجوه حبائبي ... فتلك صلاتي في ليالي الرغائب منها:
تبدت لنا عند الصباح طليعة ... من الترك مرد فوق جرد سلاهب
بأيديهم سمر طوال كأنما ... أسنتها تبغي التقاط الكواكب
تثنوا غصوناً في السروج وأطلقوا ... سهام لحاظ من قسي الحواجب
والقوا القنا المران عنهم وقوموا ... قدوداً أعدوها لقرع الكتائب
ولو كشفوا بيض العوارض في الوغى ... لأغنتهم عن سل بيض القواضب
ترى كل عين منهم عين فتنة ... تنادي أسود الحرب: هل من محارب؟
فظلت موالينا أسارى محاسن ... من القوم صرعى لا أسارى المضارب
فما ملك إلا أسير لمالك ... ولا حاجب إلا أسير لحاجب وقال أيضاً:
هل اختط فانآد غصناً وريقا ... غرير (١) حكى الكأس ثغراً وريقا
أم الصدغ لما صفا خده ... تمثل فيه خيالاً دقيقا
رنا فرمى أسهماً وانثنى ... رشيقاً فراح كلانا رشيقا
وأبدع فيه فمالي أرى ... له الخال وهو فريد (١) شقيقا
стр. 1007
وما بال مبسمه ميسماً ... وما ملكته يمين رقيقا
وهبه ارتوى من نمير الصبا ... فكيف استحال بفيه رحيقا
فأجرى لنا من فم أولاً ... وثغر جديد كميتاً عتيقا
حججت إلى كعبة الحسن منه ... ووجهت وجهي إليها مشوقا
وقبلته فوردت العذيب ... وجزت الثنايا وجئت العقيقا وقال:
برق بدا أم ثغرك المنعوت ... أم لؤلؤ قد ضمه ياقوت
وظبا سيوف جردت من لحظك ال ... فتاك أم هاروت أم ماروت
يا للنصارى برقعوا شماسكم ... قبل الضلال فإنه طاغوت
ما قام أقنوم الجمال بوجهه ... إلا وفي ناسوته لاهوت
أحسن فإن الحسن وصف زائل ... واصنع جميلاً فالجمال يفوت
واستبق أبناء الغرام فإنهم ... سيقلدوك دماهم ويموتوا وقال:
مذ عقربت صدغاه واستجمع ال ... نمل على شهد اللمى الأشنب (١)
تقدم الحاجب للعارض أن ... يكتب بالأدهم في الأشهب
وقام في جيش الهوى معلناً ... وصاح والعشاق في الموكب
يا أمراء الحسن لا تركبوا ... القمر (٢) الأرضي في العقرب وقال في غلام مليح غرق في الماء (٣) :
يا أيها الرشأ المكحول ناظره ... إني أعيذك من نار بأحشائي (٤)
стр. 1008
إن انغماسك في التيار حقق أن ... الشمس تغرب في عين من الماء وقال أيضاً:
ويوم قر برد أنفاسه ... يمزق الأوجه من قرصها
يوم تود الشمس من برده ... لو جرت النار إلى قرصها أخذه من قول القاضي الفاضل: في ليلة جمد خمرها، وخمد جمرها، إلى يوم تود البصلة لو ارتدت إلى قمصها، والشمس لو جرت النار إلى قرصها.
وقال أيضاً:
ما برحت يوم وداعي لها (١) ... تضمني ضمة مستأنس
حتى تثنى الغصن فوق النقا ... وانتثر الطل على النرجس وقال أيضاً:
تعشقته أمي (٢) حسن فماله ... أتى بكتاب ضمنه سورة النمل
ومالي أنا المجنون (٣) فيه وشعره ... إذا مر بالكثبان خط على الرمل وهو مثل لقول آخر:
وتركي نقي الخد ألمى ... بقد ماس كالغصن الرطيب
له شعر حكى مجنون ليلى ... يخط إذا مشى فوق الكثيب وقال أيضاً:
إذا هب النسيم بطيب نشر ... طربت وقلت إيه يا رسول
سوى أني أغار لأن فيه ... شذاك وأنه مثلي عليل
стр. 1009
وقال أيضاً:
وأعجب شيء أن ريقك ماؤه ... يولد دراً وهو عذب مروق
وأنك صاح وهو فيك مسكر ... وأنت جديد الحسن وهو معتق وقال أيضاً " ذوبيت ":
لا تعتقدوا شامته في الخد ... قد زخرفها تعمداً بالقصد
ذا خالقه لما بدا حاجبه ... نوناً جعل النقطة فوق الخد ٣٧١ (١)
علية بنت المهدي
علية بنت المهدي العباسية، أخت أمير المؤمنين هارون الرشيد؛ كانت من أحسن خلق الله وجهاً، وأظرف النساء (٢) وأعقلهن، ذات صيانة وأدب بارع، تزوجها موسى بن عيسى العباسي، وكان الرشيد يبالغ في إكرامها واحترامها، ولها ديوان شعر.
عاشت خمسين سنة، توفيت سنة عشر ومائتين، وكان سبب موتها أن المأمون سلم عليها وضمها إلى صدره، وجعل يقبل رأسها ووجهها مغطى، فشرقت من ذلك وحمت، وماتت لأيام يسيرة، وكانت تتغزل في خادمين: أحدهما طل والآخر رشاً. فمن قولها في طل وصحفت اسمه:
أيا سروة البستان (٣) طال تشوقي ... فهل لي إلى ظل لديك سبيل
стр. 1010
متى يلتقي من ليس يقضي خروجه ... وليس لمن يهوى إليه وصول وقالت فيه أيضاً:
سلم على ذاك الغزا ... ل الأغيد الحسن الدلال
سلم عليه وقله له: ... يا غل ألباب الرجال
خليت جسمي ضاحياً ... وسكنت في ظل الحجال
وبلغت مني غاية ... لم أدر منها ما احتيالي فبلغ الرشيد ذلك فحلف أنها لا تذكره، ثم تسمع عليه يوماً فوجدها وهي تقرأ في آخر سورة البقرة حتى بلغت قوله تعالى: فإن لم يصبها وابل فما نهى عنه أمير المؤمنين، فدخل الرشيد وقبل رأسها وقال لها: قد وهبت لك طلاً لا منعتك بعد هذا عما تريدين.
وكانت من أعف الناس: كانت إذا طهرت لازمت المحراب، وإذا لم تكن طاهرة غنت.
ولما خرج الرشيد إلى الري أخذها معه، فلما وصلت إلى المرج نظمت قولها:
ومغترب بالمرج يبكي لشجوه ... وقد غاب عنه المسعدون على الحب
إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنشق يستشفي برائحة الكرب وغنت بهما، فلما بلغ الرشيد الصوت علم أنها قد اشتاقت إلى العراق وأهلها، فأمر بردها.
ومن شعرها:
إني كثرت عليه في زيارته ... فمل والشيء مملول إذا كثرا
ورابني منه أني لا أزال أرى ... في طرفه قصراً عني إذا نظرا وقالت:
كتمت اسم الحبيب عن العباد ... ورددت الصبابة في فؤادي
стр. 1011
فواشوقي إلى ناد خلي ... لعلي باسم من أهوى أنادي وقالت:
خلوت بالراح أناجيها ... آخذ منها وأعاطيها
نادمتها إذ لم أجد صاحباً ... أرضاه أن يشركني فيها وهذا يشبه قول أبي النواس:
على مثلها مثلي يكون منادمي ... وإن لم يكن مثلي خلوت بها وحدي وقالت:
بني الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج
ليس يستحسن في حكم الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج
وقليل الحب صرفاً خالصاً ... هو خير من كثير قد مزج وقالت عريب المغنية: أحسن يوم (١) مر بي في الدنيا وأطيبه يوم اجتمعت فيه مع إبراهيم بن المهدي وأخته علية، وعندهم أخوهم يعقوب، وكان من أحذق الناس بالزمر، فبدأت علية فغنتهم من صنعتها في شعرها، وأخوها يعقوب يزمر عليها:
تحبب (٢) فإن الحب داعية الحب ... وكم من بعد الديار متوجب القرب
تبصر فإن حدثت أنا أخا هوى ... نجا سالماً فارج النجاة من الحب
وأطيب أيام الفتى يومه الذي ... يروع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب وغنى إبراهيم وزمر عليه يعقوب:
стр. 1012
لم ينسنيك سرور لا ولا حزن ... وكيف لا كيف ينسى (١) وجهك الحسن
ولا خلا منك قلبي ولا جسدي ... كلي بكلك مشغول ومرتهن
وحيدة الحسن مالي منك مذ كلفت ... نفسي بحبك إلا الهم والحزن
نور تولد من شمس ومن قمر ... حتى تكامل فيه (٢) الروح والبدن فما سمعت مثل ما سمعت منهما قط، وأعلم أني لا أسمع مثله أبداً.
ولدت سنة ستين ومائة وتوفيت سنة عشر ومائتين، رحمها الله تعالى.
٣٧٢ - (٣)
كمال الدين ابن العديم
عمر بن أحمد بن هبة الله ابن أبي جرادة، الصاحب العلامة رئيس الشام، كمال الدين العقيلي الحلبي المعروف بابن العديم؛ ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة وتوفي سنة ست وستين وستمائة، وسمع من أبيه ومن عمه أبي غانم محمد وابن طبرزد والافتخار والكندي والحرستاني، وسمع جماعة كثيرة بدمشق وحلب والقدس والحجاز والعراق، وكان محدثاً حافظاً مؤرخاً صادقاً فقيهاً مفتياً منشئاً بليغاً كاتباً مجوداً، درس وأفتى وصنف، وترسل عن الملوك، وكان رأساً في الخط المنسوب لا سيما النسخ الحواشي. أطنب الحافظ شرف الدين الدمياطي في وصفه وقال: ولي قضاء حلب خمسة من آبائه متتالية، وله الخط
стр. 1013
البديع والحظ الرفيع، والتصانيف الرائقة منها " تاريخ حلب " أدركته المنية قبل إكمال تبييضه، روى عنه الدواداري وغيره ودفن بسفح المقطم بالقاهرة؛ انتهى.
قال ياقوت (١) : سألته لم سميتم ببني العديم؟ فقال: سألت جماعة من أهلي عن ذلك فلم يعرفوه، وقال: هو اسم محدث، ولم يكن في آبائي القدماء من يعرف به، ولا أحسب إلا أن جدي القاضي أبا الفضل هبة الله بن أحمد بن يحيى ابن زهير بن " أبي " جرادة - مع ثروة واسعة ونعمة شاملة - كان يكثر في شعره من ذكر العدم وشكوى الزمان، فسمي بذلك، فإن لم يكن هذا سببه فما أدري ما سببه.
ولكمال الدين من المصنفات كتاب " الدراري في ذكر الذراري (٢) " صنفه للملك الظاهر غازي وقدمه له يوم ولده الملك العزيز، وكتاب " ضوء الصباح في الحث على السماح " صنفه للملك الأشرف، وكتاب " الأخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة ". كتاب في الخط وعلومه وآدابه ووصف طروسه وأقلامه، وكتاب " دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري " وكتاب " تبريد حرارة الأكباد في محفة تشد له بين بغلين ويجلس فيها ويكتب، وقدم إلى مصر رسولاً وإلى بغداد، وكان إذا قدم إلى مصر يلازمه أبو الحسين الجزار، فقال فيه بعض أهل العصر:
يا ابن العديم عدمت كل فضيلة ... وغدوت تحمل راية الإدبار
ما إن رأيت ولا سمعت بمثلها ... تيس يلوذ بصحبة الجزار ومن شعر الصاحب كمال الدين (٣) :
стр. 1014
وأهيف معسول المراشف خلته ... وفي وجنتيه للمدامة عاصر
يسيل إلى فيه اللذيذ مدامة ... رحيقاً وقد مرت عليه الأعاصر
فيسكر منه عند ذاك قوامه ... فيهتز تيهاً والعيون فواتر
كأن أمير النوم يهوى جفونه ... إذا هم رفعاً خالفته المحاجر
خلوت به من بعد ما نام أهله ... وقد غارت الجوزاء والليل ساتر
فوسدته كفي وبات معانقي ... إلى أن بدا ضوء من الصبح سافر
فقام يجر البرد منه على تقى (١) ... وقمت ولم تحلل لإثم مآزر
كذلك أحلى الحب ما كان فرجه ... عفيفاً ووصلاً (٢) لم تشبه الجرائر وقال:
فواعجباً من ريقه (٣) وهو طاهر ... حلال وقد أضحى علي محرما
هو الخمر لكن أين للخمر طعمه ... ولذته مع أنني لم أذقها وقال:
بدا يسحر الألباب بالحسن والحسنى ... هلم إليه إنه المقصد الأسنى
وزر بين (٤) أزرار القميص ترائباً ... وضم إليك الدعص والغصن اللدنا وقال، وكتب بها إلى نور الدين ابن سعيد:
يا أحسن الناس نظماً غير مفتقر ... إلى شهادة مثلي مع توحده
إن كان خطي كسا خطاً كتبت له ... إلي حسناً بدا في لون أسوده
فقد أتت منك أبيات (٥) تعلمني ... نظم القريض الذي يحلو لمنشده
стр. 1015
أرسلتها تقتضيني ما وعدت به ... والحر حاشاه من إخلاف موعده
وما نسيت ولكن عاقني ورق ... يجيد خطي فآتيه بأجوده
وسوف أسرع فيه الآن مجتهداً ... حتى يوافيك بدراً في مجلده
بأحرف حسنت كالوجه دار به ... مثل الحواشي عذار (١) في مورده وكتب إلى ولده قاضي القضاة مجد الدين:
هذا كتابي إلى من غاب عن نظري ... وشخصه في سواد القلب والبصر
ولا يمن بطيف منه يطرقني ... عند المنام ويأتيني على قدر
ولا كتاب له يأتي فأسمع من ... أنبائه عنه فيه أطيب الخبر
حتى الشمال التي تسري على حلب ... ضنت علي فلم تخطر ولم تسر
أخصه بتحياتي وأخبره ... أني سئمت من الترحال والسفر
أبيت أرعى نجوم الليل مكتئباً ... مفكراً في الذي ألقى إلى السحر
وليس لي أرب في غير رؤيته ... وذاك عندي أقصى السول والوطر ٣٧٣ (٢)
رشيد الدين الفارقي
عمر بن إسماعيل بن مسعود بن سعد بن سعيد بن أبي الكاتب، الأديب العلامة رشيد الدين أبو حفص الربعي الفارقي الشافعي، ولد سنة ثمان وتسعين " وخمسمائة " وتوفي سنة تسع (٣) وثمانين وستمائة.
стр. 1016
سمع من الزبيدي وابن باقا وغيرهما (١) ، وبرع في النظم، وكتب في ديوان الإنشاء، وله يد طولى في التفسير والبديع واللغة، وانتهت إليه رياسة الأدب، وأفتى وناظر، ودرس بالظاهرية وانقطع بها، وله في النحو مقدمتان كبرى وصغرى، وكان حلو المناظرة مليح النادرة يشارك في الأصول والطب وغير ذلك، ودرس بالناصرية مدة قبل الظاهرية. روى عن الدمياطي وابن دبوقا والمزي والبرزالي وآخرون، وكتب المنسوب، وانتفع به جماعة، وخنق في بيته بالظاهرية وأخذ ذهبه، وشنق الذي خنقه على باب الظاهرية، ودرس بالظاهرية بعده علاء الدين ابن بنت الأعز.
من شعره ما كتبه إلى جمال الدين علي بن جرير إلى قرية القاسمية على يد راجل اسمه علي أيضاً:
حسدت علياً على كونه ... توجه دوني إلى القاسميه
وما بي شوق إلى قرية (٢) ... ولكن مرادي ألقى سميه وكتب إلى شيخ الشيوخ عماد الدين ابن حمويه:
من غرس نعمته وناظم مدحه ... بين الورى وسميه ووليه
يشكو ظماه إلى السحاب لعله ... يرويه من وسميه ووليه وقال:
خوذ تجمع فيها كل مفترق ... من المعاني التي تستغرق الكلما
عطت غزالاً سطت ليثاً خطت غصناً ... فاحت عبيراً رنت نبلاً بدت صنما وقال وكتب بها إلى الوزير ابن جرير وقد سوغه سكنى المنيبع بدمشق:
فديت بناناً أراني الندى ... عياناً وكان الندى يسمع
وكفاً حكى البحر جوداً ومن ... أنامله صح لي المنبع
стр. 1017
وقال ملغزاً في خيمة:
ما اسم إذا نصبته ... رفعت ما ينصب به
ولا يتم نصبه ... إلا بجر سببه وقال ملغزاً في سبسب:
ما اسم إذا عكسته ... فلذلك اسم للفلا
وإن تركت عكسه ... فهو المسمى أولا وقال، وكتب بها إلى المكرم محمد بن بصاقة:
يا جواداً جود راحته ... أغنت الدنيا عن الديم
ووفياً من سجيته ... رعي أهل الود والذمم
إني أصبحت ذا ثقة ... بكريم غير متهم
خص بالحمد اسمه وغدا ال ... نعت مشتقاً من الكرم وقال بيتين ولا يؤتى لهما بثالث:
ومخطفة تسبي القلوب وتخطف ال ... عقول كأن السحر من جفنها يوحى
رنت وسطت ظبياً وليثاً وأسفرت ... صباحاً وفاحت عنبراً وبدت يوحا ٣٧٤ (١)
ابن الحسام الذهبي
عمر بن الحسام أقوش؛ هو الشاعر زين الدين أبو حفص الشبلي الدمشقي الذهبي الشافعي الافتخاري، سألته عن مولده فقال: سنة أربع وثمانين
стр. 1018
" وستمائة " وكانت وفاته في شهر رمضان سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
اجتمعت به غير مرة، وأنشدني كثيراً من شعره، وفيه تودد كثير وحسن صحبة وطهارة لسان، أنشدني من لفظه لنفسه:
قد أثقلتني الخطايا ... فكيف أخلص منها
يا رب فاغفر ذنوبي ... واصفح بفضلك عنها وقال أيضاً:
يا من عليه اتكالي ... ومن إليه مآبي
جد لي بعفوك عني ... إذا أخذت كتابي وقال:
يا سائلي كيف حالي في مراقبتي ... وما العقيدة في سري وإعلاني
أخاف ذنبي وأرجو العفو عن زللي ... فانظر فبين الرجا والخوف تلقاني وقال:
ولما اعتنقنا للوداع عشية ... وفي القلب نيران لفرط غليله
بكيت وهل يعني البكا عند هائم ... وقد غاب عن عينيه وجه خليله؟ وقال أيضاً:
يا سيد الوزراء دعوة قائل ... من بعد إفلاس وبيع أثاث
أبطت حوالتكم علي كأنها ... تأتي إذا ما صرت في الأجداث
فإذا أتت من بعد موتي فاحسنوا ... بوصولها للأهل في ميراثي وقال، وكتب بها إلى الصاحب شرف الدين يعقوب ناظر طرابلس يشكو من أيوب:
بليت بالضر من أيوب حين غدا ... ينكد العيش في أكل ومشروب
стр. 1019
وزاد يعقوب في حزني لغيبته ... فضر أيوب لي مع حزن يعقوب وقال:
إذا ما جئتم لغناء فقري ... تقول ابشر إذا قدم الأمير
وقد طال المطال وخفت يأتي ... أميركم وقد مات الفقير ٣٧٥ (١)
أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز
عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أمير المؤمنين أبو حفص الأموي ﵁، ولد بالمدينة سنة ستين للهجرة عام توفي معاوية، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، روى عن أنس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ويوسف بن عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والربيع ابن سبرة وطائفة.
وكان أبيض رقيق الوجع جميلاً، نحيف الجسم حسن اللحية غائر العينين، بجبهته أثر حافر دابة، ولذلك سمي " أشج بني أمية "، وخطه الشيب؛ قيل إن أباه لما ضربه الفرس وأدماه جعل يسمح الدم ويقول: إن كنت أشج بني مروان إنك لسعيد.
بعثه أبوه من مصر إلى المدينة ليتأدب بها، فكان يختلف إلى عبد الله بن عبيد الله يسمع منه، ولما مات أبوه عبد العزيز طلبه عمه عبد الملك إلى دمشق وزوجه
стр. 1020
بابنته فاطمة، وكان قبل الإمرة يبالغ في التنعم، ويفرط في الاختيال في المشية.
قال أنس ﵁: ما صليت خلف إمام أشبه برسول الله ﷺ من هذا الفتى، عمر بن عبد العزيز. وقال زيد بن أسلم: كان يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود. سئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر، فقال: هو نجيب بني أمية، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. وقال عمر بن ميمون بن مهران عن أبيه: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة. وقال نافع: بلغنا عن عمر أنه قال: إن من ولدي رجلاً بوجهه شين يملأ الدنيا عدلاً، فلا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز.
ولما طلب للخلافة كان في المسجد، فسلموا عليه بالخلافة، فعقر به فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه، فأصعدوه المنبر فجلس طويلاً لا يتكلم، فلما رآهم جالسين قال: ألا تقوموا فتبايعوا أمير المؤمنين، فنهضوا إليه فبايعوه رجلاً رجلاً.
وروى حماد بن زيد عن أبي هاشم أن رجلاً جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال: لقد رأيت النبي ﷺ في النوم وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله، فإذا رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس، فقال لك: يا عمر إذا عملت فاعمل بعمل هذين، لأبي بكر وعمر؛ وقيل إن عمر هو الذي رأى هذا المنام.
وقد عمل له ابن الجوزي سيرة، مجلد كبير.
وكانت وفاته بدير سمعان لعشر بقين من شهر رجب سنة إحدى ومائة، سقاه بنو (١) أمية السم لما شدد عليهم وانتزع كثيراً مما في أيديهم، وصلى عليه يزيد بن عبد الملك، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة شعر يوماً، ونقش خاتمه " عمر يؤمن بالله " وهو الذي بنى الجحفة، واشترى ملطية من الروم بمائة ألف أسير وبناها، وروى له الجماعة.