وثلاثين وثلاثمائة، وهذا الكاتب هو سيف الدولة ابن حمدان، وتحت ذلك مكتوب:
يا قصر ضعضعك الزما ... ن وحط من علياء قدرك (١)
ومحا محاسن أسطر ... شرفت بهن متون جدرك
واهاً لكاتبها الكري ... م وقدره الموفي بقدرك وتحت الأبيات: وكتبه الغضنفر بن الحسن بن عبد الله بن حمدان بخطه في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وتحت ذلك مكتوب:
يا قصر ما فعل الأولى ... ضربت خيامهم بعقرك؟
أخنى الزمان عليهم ... وطواهم تطويل نشرك
آهاً لقاصر عمر من ... يختال فيك وطول عمرك وتحت ذلك مكتوب: وكتب المقلد بن المسيب بن رافع بخطه سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وهذا هو حسام الدولة أبو قرواش المذكور، وتحت ذلك مكتوب:
يا قصر ما فعل الكرا ... م الساكنون قديم عصرك
عاصرتهم فبذذتهم ... وشأوتهم طراً بصبرك
ولقد أثار تفجعي ... يا ابن المسيب رقم سطرك
وعلمت أني لا حق ... بك دائباً (٢) في قفو إثرك وتحت ذلك مكتوب: وكتبه قرواش بن المقلد بن المسيب سنة إحدى وأربعمائة. قال الراوي: فعجبت لذلك، وقلت له: الساعة كتبت هذا؟ قال: نعم، ولقد هممت بهدم هذا القصر فإنه مشوم، ودفن الجماعة؛ فدعوت
стр. 1087
له بالسلامة، ولم يهدم القصر.
وسيأتي ذكر والده المقلد في مكانه من حرف الميم إن شاء الله تعالى.
ومن شعر قرواش (١) :
لله در النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الأحرار
ما كنت إلا زبرة فطبعنني ... سيفاً وأطلق صرفهن غراري ومنه أيضاً:
وآلفة للطيب ليست تغبه ... منعمة الأطراف لينة اللمس
إذا ما دخان الند من جيبها علا ... على وجهها أبصرت غيماً على شمس ٣٩٨ (٢)
المظفر قطز
قطز بن عبد الله الشهيد، الملك المظفر سيف الدين المعزي؛ كان من أكبر مماليك المعز أيبك التركماني، وكان بطلاً شجاعاً مقداماً حازماً حسن التدبير يرجع إلى دين وإسلام وخير، وله اليد البيضاء في جهاد التتار.
حكى شمس الدين الجزري في تاريخه عن أبيه قال: كان قطز في رق ابن الزعيم بدمشق في القصاعين، فضربه أستاذه فبكى ولم يأكل يومه شيئاً، ثم ركب أستاذه وأمر الفراش يترضاه ويطعمه، فحدثني الحاج علي الفراش قال: جئته فقلت له: ما هذا البكاء من ضربة؟ فقال: إنما بكائي من
стр. 1088
لعنته أبي وجدي وهما خير (١) منه، فقلت: ومن أبوك؟ واحد كافر، فقال: والله ما أنا إلا مسلم ابن مسلم، أنا محمود بن مودود ابن أخت خوارزم شاه، من أولاد الملوك؛ فترضيته. ولما تملك أحسن إلى الفراش وأعطاه خمسمائة دينار وعمل له راتباً.
وحكى الجزري أيضاً في تاريخه قال: حدثني أبو بكر بن الدريهم الإسعردي والزكي إبراهيم الجبيلي أستاذ الفارس أقطاي قال: كنا عند قطز لما تسلطن أستاذه المعز أيبك، وعنده منجم مغربي، فصرف أكثر مماليكه، فأردنا القيام فأمرنا بالقعود، ثم أمر المنجم فضرب الرمل وقال: اضرب لمن يملك بعد أستاذي ومن يكسر التتار؛ فضرب وبقي زماناً يحسب وقال: يا خوند يطلع معي خمس حروف بلا نقط، فقال: لم لا تقول محمود بن مودود؟ فقال؟ يا خوند لا يقع إلى هذا الاسم، فقال: " أنا " هو، وأنا أكسرهم وآخذ بثأر خالي خوارزم شاه، فقلنا: يا خوند إن شاء الله تعالى، فقال: اكتموا هذا، وأعطى المنجم ثلاثمائة درهم.
وكان مدبر دولة ابن أستاذه المنصور علي بن المعز أيبك، فلما دهم التتار الشام رأى أن الوقت يحتاج إلى سلطان مهيب، فعزل الصبي وتسلطن، وتم له ذلك في أواخر سنة سبع وخمسين، فلم يبلغ ريقه ولا تهنا بالسلطنة حتى امتلأ الشام تتار (٢) ، فتجهز للجهاد وأخذ أهبة الغزو، والتف إليه عسكر الشام وبايعوه، فسار بالجيوش في أوائل رمضان وعمل المصاف مع التتار على عين جالوت، وعليهم كتبغا، فنصره الله عليهم وقتل مقدمهم.
وكان قطز شاباً أشقر كبير اللحية، ولما كسر التتار جهز بيبرس - أعني الظاهر - في أثر التتار ووعده بنيابة حلب، فساق وراءهم إلى أن طردهم عن الشام، ثم انثنى عزمه عن إعطائه حلب وولاها علاء الدين
стр. 1089
ابن صاحب الموصل، فتأثر الظاهر من ذلك، ودخل قطز دمشق وأحسن إلى الرعية فأحبوه حباً زايداً، ثم استناب على البلد علم الدين سنجر الحلبي، ورجع بعد شهر إلى القاهرة، فقتل بين الغرابي والصالحية، ودفن بالقصير، رحمه الله تعالى، سنة ثمان وخمسين وستمائة، تولى قتله الظاهر وأعانه جماعة من الأمراء، وبقي ملقى فدفنه بعض غلمانه، وصار قبره يقصد بالزيارة ويترحم عليه ويسب من قتله، فلما كثر ذلك بعث الظاهر من نبشه ونقله إلى مكان لا يعرف ودفنه، وعفى قبره وأثره، وكان قتله في سادس عشر القعدة من السنة.
٣٩٩ - (١)
المنصور قلاوون
قلاوون السلطان المنصور سيف الدنيا والدين، أبو المعالي وأبو الفتوح الصالحي النجمي؛ اشتري بألف دينار ولهذا كان يقال له " الألفي "؛ كان من أحسن الناس صورة في صباه وأبهاهم، كان تام الشكل مهيباً مستدير اللحية، قد وخطه الشيب، على وجهه هيبة الملك وعليه سكينة ووقار؛ كان في إمرته إذا دخل دمشق ينزل في دار الزاهر، وعمل نيابة السلطنة للملك العادل سلامش ابن الظاهر عندما خلعوا السعيد وحلفوا لسلامش وهو ابن سبع سنين، وضربت السكة بوجهين: وجه عليه اسم سلامش ووجه عليه اسم قلاوون، وبقي هذا الحال مدة شهرين، وفي رجب سنة
стр. 1090
ثمان وسبعين خلعوا العادل سلامش، وبايعوا الملك المنصور قلاوون، واستقل بالملك، وأمسك جماعة أمراء ظاهرية، واستعمل مماليكه على نيابة البلاد.
وكسر التتار سنة ثمانين، ونازل حصن المرقب (١) وفتحه سنة أربع وثمانين، وفتح طرابلس، وأنشأ بالقاهرة بين القصرين المدرسة العظيمة والبيمارستان العظيم الذي لم يكن مثله (٢) ، وتوفي في سادس القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة ظاهر القاهرة، وحمل إلى القلعة وملك بعده ولده الأشرف، فلما كان مستهل سنة تسع أنزل من القلعة في تابوته إلى تربته، وفرق الذهب على القراء، وكان ملكاً عظيماً لا يحب سفك الدماء، إلا أنه كان يحب جمع الأموال، وأبقى الله تعالى الملك في بيته من بنيه ومماليكه وبني بنيه إلى الآن، رحمه الله تعالى.
٤٠٠ - (٣)
قيس ابن ذريح
قيس بن ذريح - بالذال المعجمة - الكناني صاحب لبنى؛ قال صاحب " الأغاني ": كان رضيعاً للحسن بن علي ﵉، مر بخيام بني كعب والحي خلوف فوقف على خيمة لبنى بنت الحباب، فاستسقى ماء فسقته،
стр. 1091
وكانت امرأة مديدة القامة شهلاء حلوة المنظر والكلام، فلما رآها وقعت في نفسه فشرب الماء، فقالت: انزل فتبرد عندنا، قال: نعم، ونزل، فجاء أبوها فنحر له وأكرمه، وانصرف قيس وفي قلبه النار من لبنى، فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع وروي، ثم أتاها يوم آخر وقد اشتد وجده بها، فظهرت له فشكا إليها ما يجده من حبها وشكت إليه مثل ذلك، وانصرف إلى أبيه يسأله زواجها فأبى عليه وقال: بنات عمك أحق بك، وكان ذريح كثير المال، فانصرف قيس وقد ساءه ما خاطبه به، فاستعان بأمه على أبيه فلم يجد عندها ما يحب، فأتى الحسن بن علي ﵄ وشكا إليه ما به، فقال: أنا أكفيك، ومشى معه إلى أبي لبنى، فلما رآه أعظمه، فقال له: قد جئتك خاطباً ابنتك لقيس بن ذريح، فقال: يا ابن بنت رسول الله ما كنا لنعصي لك أمراً، وما بنا عن الفتى رغبة، ولكن نحب أن يخطبها أبوه ذريح، فإنا نخاف إن لم يسمح أبوه أن يكون علينا عار وسبة، فأتى الحسن ﵁ ذريحاً وقومه فأعظموه، فقال لذريح: أقسمت عليك إلا خطبت لبنى لقيس، فقال: السمع والطاعة، ثم قام في وجوه القوم وخطبها لابنه وزوجه إياها وزفت إليه، فأقام معها مدة لا ينكر أحد منهم من صاحبه شيئاً. وكان أبر الناس بأبيه، فألهاه عكوفه على لبنى عن ذلك، ووجدت أمه في نفسها فقالت لأبيه: لقد خشيت أن يموت قيس ولم يترك ولداً، وقد حرم الولد من هذه المرأة، وأنت ذو مال فيصير مالك إلى غير ولدك، فزوجه بغيرها لعل الله يرزقه ولداً، وألحت عليه، فأمهل قيس (١) حتى اجتمع قومه وقال له: يا قيس إنك اعتللت هذه العلة فخفت عليك ولا لي ولد سواك، وهذه المرأة ليست بولود فتزوج غيرها من بنات عمك لعل الله يهب لك ولداً تقر به أعيننا،
стр. 1092
فقال قيس: لا أتزوج غيرها أبداً، فقال أبوه: إن في مالي سعة فتسرى بالجواري، قال: ولا أسوؤها بشيء، فقال: أقسمت عليك إلا طلقتها، قال: الموت عندي والله أسهل من ذلك، ولكن أخيرك خصال، قال: ما هي؟ قال: تزوج أنت لعل الله يرزقك ولداً غيري، قال: ما في فضل لذلك، قال: فدعني أرحل عنك بأهلي واصنع ما أنت صانع لو مت في علتي هذه، قال: ولا هذه، قال: فأدع لبنى عندك وأرتحل عنك فلعلي أسلوها فإنها تطيب نفسي أنها في حبالي، قال: ولا هذه، ولا أرضى إلا أن تطلقها، ثم حلف أنه لا يكنه بيت ولا سقف إلا أن تطلق (١) لبنى، وكان يخرج فيقف في الشمس فيجيء قيس ويقف إلى جانبه ويظلل عليه بردائه ويصلى هو بحر الشمس حتى يفيء الفيء، فينصرف عنه فيدخل إلى لبنى فيعانقها ويبكي وتبكي معه وتقول له: يا قيس إياك أن تطيع أباك فتهلك وتهلكني، فيقول: ما كنت لأطيع فيك أحداً أبداً. فيقال إنه مكث كذلك سنة، وقيل بل أربعين يوماً، ثم طلقها، فلما بانت بطلاقها وفرغ من الكلام لم يلبث أن استطير عقله ولحقه مثل الجنون، وأسف وجعل يبكي وينشج، وبلغها الخبر فأرسلت إلى أبيها، فأقبل بهودج على ناقة وإبل تحمل أثاثها، فلما رأى قيس ذلك أقبل على جاريتها وقال: ويلك! ما دهاني فيكم؟ قالت: لا تسألني وسل لبنى، فذهب إلى لبنى ليسلم عليها فمنعه قومها، وأقبلت عليه امرأة من قومه وقالت له: مالك تسأل كأنك جهل أو تتجاهل؟ هذه لبنى ترحل الليلة أو غداً؛ فسقط مغشياً عليه لا يعقل، ثم أفاق وهو يقول:
وإني لمفن دمع عيني بالبكا ... حذار الذي قد كان أو هو كائن
وقالوا غداً أو بعد ذلك بليلة ... فراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي ... بكفك إلا أن ما حان حائن
стр. 1093
ورحلت لبنى واشتد مرضه، فسأل أبوه فتيات الحي أن يعدنه ويتحدثن عنده ويعللنه، فأتينه وجلسن عنده، وجاءه طبيب يداويه فقال قيس:
عدن (١) قيساً من حب لبنى، ولبنى ... داء قيس، والحب داء شديد
فإذا عادني العوائد يوماً ... قالت العين: لا أرى (٢) ما أريد
ليت لبنى تعودني ثم أقضي ... إنها لا تعود فيمن يعود
ويح قيس ماذا تضمن منها ... داء خبل والقلب منه عميد فقال الطبيب: مذ كم وجدت العلة بهذه المرأة؟ فقال:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا نطافاً وفي المهد
فزاد كما زدنا فأصبح نامياً ... وليس إذا متنا بمنفصم العهد
ولكنه باق على كل حادث ... وزائرنا في ظلمة القبر واللحد ومن شعره:
وفي عروة العذري أن مت أسوة ... وعمرو بن عجلان الذي قتلت هند
وبي مثل ما قد نابه، غير أنني ... إلى أجل لم يأتني وقته بعد
هل الحب إلا عبرة ثم زفرة ... وحر على الأحشاء ليس برد
وفيض دموع تستهل إذا بدا ... لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو وشكا أبو لبنى قيساً إلى معاوية، وأعلمه بتعرضه لها بعد الطلاق، فكتب إلى مروان بن الحكم بهدر دمه، وأمر أباها أن يزوجها بخالد بن حلزة من بني غطفان، فلما علم قيس جزع جزعاً شديداً، وقال:
فإن يحجبوها أو يحل وصلها ... مقالة واش أو وعيد أمير
فلن يمنعوا عيني من دائم البكا ... ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري
стр. 1094
وكنا جميعاً قبل أن يظهر النوى ... بأنعم حالي غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا ... بطون النوى مقلوبة لظهور
لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا ... ولكنما الدنيا متاع غرور ولم يزل تارة يتوصل إلى زيارتها بالحيلة عليها، وتارة تزوره وهو نازل على قوم، إلى أن ماتت لبنى، فتزايد ولعه وجزعه وخرج في جماعة قومه حتى وقف على قبرها، وقال:
ماتت لبينى فموتها موتي ... هل تنفعن حسرة على الفوت
فسوف أبكي بكاء مكتئب ... قضى حياة وجداً على ميت ثم أكب على القبر يبكي حتى أغمي عليه، فرفعه أهله إلى منزله وهو لا يعقل؛ ولم يزل عليلاً لا يفيق ولا يجيب متكلماً حتى مات ودفن إلى جانبها، وكانت وفاتهما في حدود السبعين للهجرة، رحمهما الله.
٤٠١ - (١)
مجنون ليلى
قيس بن الملوح بن مزاحم بن قيس، هو مجنون بني عامر؛ قال صاحب " الأغاني ": لم يكن مجنوناً، ولكن كانت به لوثة مثل أبي حية النميري (٢)
стр. 1095
وكان سبب عشقه لليلى أنه أقبل ذات يوم على ناقة له، وعليه حلتان من حلل الملوك، وكان من أجمل الفتيان، فمر بامرأة من قومه يقال لها كريمة وعندها جماعة من النسوان تحدثهن فيهن ليلى، فأعجبهن جماله فدعونه إلى النزول، فنزل وأمر عبداً كان معه فعقر لهن ناقته، وتحدثن بقية يومه معه، فبينما هم كذلك إذ طلع فتى من الحي يسمى منازل، فلما رأينه أقبلن عليه وتركن المجنون، فغضب وقام من عندهن وهو يقول (١) :
أأعقر من أجل الكريمة ناقتي ... ووصلي مقرون بوصل (٢) منازل
إذا جاء قعقعن الحلي ولم أكن ... إذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل
متى ما انتضلنا بالسهام نضلته (٣) ... وإن يرم رشقاً عندها فهو ناضلي ولما أصبح لبس حليته وركب ناقة أخرى ومضى متعرضاً لهن، فرأى ليلى قاعدة بفناء بيتها، وكان قد علق قلبه بحبها، وعندها جويريات يتحدثن معها، فوقف المجنون وسلم عليهن فدعونه إلى النزول وقلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازل ولا غيره؟ فقال: إيه لعمري، ونزل وعقر ناقته، فأرادت ليلى أن تعلم: هل لها عنده مثل ما له عندها، فجعلت تعرض عن حديثه ساعة بعد ساعة وتحدث غيره، وكان قد شغفته " بحبها واستملحته " (٤) واستملحها، فبينما هي تحدثه إذ أقبل فتى من الحي، فدعته ليلى وساررته سراً ثم قالت له: انصرف، ونظرت إلى وجه المجنون وقد تغير وامتقع لونه فقالت:
كلانا مظهر للناس بغضاً ... وكل عند صاحبه مكين
стр. 1096
تبلغنا العيون بما أردنا ... وفي القلبين ثم هوى دفين فلما سمع البيتين شهق وأغمي عليه فنضحوا الماء على وجهه، فأفاق بعد ساعة وقد تمكن حب كل منهما من قلب الآخر، وانصرفا وقد أصاب المجنون لوثة ولم يزل في جنبات الحي منفرداً عارياً ولا يتكلم، إلا أن يذكروا له ليلى فيثوب إليه عقله.
فلما تولى الصدقات عليهم نوفل بن مساحق رأى المجنون يلعب بالتراب عرياناً، فسأل عنه فأخبروه بخبره وحكوا له ما هو فيه، فأراد أن يكلمه فقيل له: ما يكلمك إلا إن ذكرت له ليلى وحديثها، فأقبل عليه وذكرها له فثاب إليه عقله وأقبل يحدثه بحديثه وينشده شعره فيها، فرق له نوفل وقال له: أتحب أن أزوجكها؟ قال: نعم، وكيف لي بذلك؟ فدعا له بثياب فألبسه إياها، وراح معه كأصح ما يكون يحدثه وينشده، فبلغ ذلك رهط ليلى فتلقوه بالسلاح وقالوا: لا والله يا ابن مساحق، لا يدخل المجنون منازلنا وقد أهدر السلطان دمه، فأقبل بهم وأدبر فأبوا، فقال للمجنون: إن انصرافك (١) أهون من سفك الدماء، فانصرف وهو يقول (٢) :
أيا ويح من أمس يخلس عقله ... فأصبح مذهوباً به كل مذهب
خلياً من الخلان إلا معذراً (٣) ... يضاحكني من كان يهوى (٤) تجنبي
إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعت ... روائع عقلي من هوى متشعب
وقالوا صحيح ما به طيف جنة ... ولا الهم إلا بافتراء التكذب
تجنب ليلى أن يلج بك الهوى ... وهيهات كان الحب قبل التجنب
ألا إنما غادرت يا أم مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب
стр. 1097
ثم إن المجنون وأهله وعشيرته اجتمعوا إلى أبي ليلى ووعظوه وناشدوه الرحم وقالوا: إن هذا الرجل هالك، وقد حكمناك في المهر، فأبى وحلف بالطلاق أن لا يزوجها به أبداً وقال: يا قوم أفضح نفسي وعشيرتي!! فانصرفوا عنه، وزوجها رجل من قومه وبنى بها في تلك الليلة، فيئس المجنون وزال عقله جملة، فقالوا لأبيه: احجج به وادع الله له فلعل الله أن يخلصه، فحج به، فلما كان بمنى سمع صارخاً بالليل يصيح " يا ليلى " فصرخ صرخة كادت نفسه تزهق معها ووقع مغشياً عليه، ولم يزل كذلك حتى أصبح فأفاق وهو حائل اللون وجعل يقول (١) :
عرضت على قلبي العزاء فقال لي ... من الآن فايأس لا أعزك من صبر (٢)
إذا بان من تهوى وأصبح نائباً ... فلا شيء أجدى من حلولك في القبر
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائراً كان في صدري
دعا باسم ليلى ضلل الله سعيه (٣) ... وليلى بأرض عنه نازحة قفر قال العتبي: مر المجنون يوماً بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم بارد، فوقف عليه المجنون ثم أنشأ يقول (٤) :
بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها؟
وهل رفت عليك قرون ليلى ... رفيف الأقحوانة في نداها؟ فقال: اللهم إذ حلفتني فنعم، فقبض المجنون بتلك يديه قبضتين من الجمر فسمع نشيش لحمه وسقط لحم كفيه مع الجمر ووقع مغشياً عليه
стр. 1098
وقام زوج ليلى متعجباً منه مغموماً عليه.
ومن شعر المجنون (١) :
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... سبيل الصبا يخلص إلي نسيمها
أجد بردها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مهموم (٢) تجلت همومها ومنه، وبه سمي المجنون (٣) :
يقول أناس عل مجنون عامر ... يروم سلواً قلت إني لما بيا
وقد لامني في حب ليلى أقاربي ... أخي وابن عمي وابن خالي وخاليا
يقولون ليلى أهل بيت عداوة ... بنفسي ليلى من عدو وماليا
خليلي لا والله لا أملك البكا ... إذا علم من أرض ليلى بدا ليا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى قضى ليا فسلب عقله.
ومن شعره (٤) :
جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتي غروب
وما ذاك إلا حين أيقنت أنه ... يمر بواد أنت منه قريب
يكون أجاجاً دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقى نشركم فيطيب
أظل غريب الدار في أرض عامر ... ألا كل مهجور هناك غريب
وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمى ... إلي وإن لم آته لحبيب
ولا خير في الدنيا إذ أنت لم تزر ... حبيباً ولم يطرب إليك حبيب
стр. 1099
وقال أيضاً (١) :
وأدنيتني حتى إذا ما ملكتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح
تناءيت عني حين لا لي حيلة ... وغادرت ما أوريت بين الجوانح وقال أيضاً (٢) :
أمزمعة للبين ليلى ولم تمت ... كأنك عما قد أظلك غافل
ستعلم إن شطت بهم غربة النوى ... وزالوا بليلى أن لبك زائل وقال أيضاً (٣) :
كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح
قطاه عزها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح ولم يزل المجنون يهيم في كل واد ويتبع الظباء ويكتب ما يقوله على الرمل، ولا يأنس بالناس، حتى أصبح ميتاً في واد كثير الحجارة، وما دل عليه إلا رجل من بني مرة، فحضر أهله وغسلوه وكفنوه، واجتمع حي بني عامر يبكونه أحر بكاء، ولم ير أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم، وذلك في حدود الثمانين من الهجرة، رحمه الله تعالى وعفا عنه، آمين.
стр. 1100
٣٣٤١ -
المكتفي بالله
علي بن أحمد بن طلحة بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب؛ هو أمير المؤمنين المكتفي بالله ابن المعتضد ابن الموفق ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور، الهاشمي العباسي، ولد سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
كان معتدل القامة دري اللون أسود الشعر حسن الوجه؛ بويع له بالخلافة عند موت والده في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين، وكانت أيامه ست سنين ونصف، ومات شاباً في ذي القعدة، وخلف مائة ألف ألف دينار عيناً، وأمتعة وعقاراً وأواني بمثلها، وثلاثة وستين ألف ثوب وكان يلقب " المترف " لنعمة جسمه وحسنه، وكان نقش خاتمه " اعتمادي على الذي خلقني ".
ومن شعره:
من لي بأن تعلم ما ألقى فتعرف الصبوة والعشقا
مازال لي عبداً وحبي له صيرني عبداً له حقا
أعتق من رقي ولكنني من حبه لا آمن العتقا
وله أيضاً: الزركشي: ٢٣١ والروحي: ٥٩ وتاريخ الخلفاء: ٤٠٥ والفخري: ٢٣٢ وخلاصة الذهب المسبوك: ٢٣٧ وراجع التواريخ العامة كالطبري والمسعودي وابن الأثير ... الخ؛ وقد وردت في ر.
стр. 1101
حَرفُ الكاف
стр. 1102
٣٣٤١ -
المكتفي بالله
علي بن أحمد بن طلحة بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب؛ هو أمير المؤمنين المكتفي بالله ابن المعتضد ابن الموفق ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور، الهاشمي العباسي، ولد سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
كان معتدل القامة دري اللون أسود الشعر حسن الوجه؛ بويع له بالخلافة عند موت والده في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين، وكانت أيامه ست سنين ونصف، ومات شاباً في ذي القعدة، وخلف مائة ألف ألف دينار عيناً، وأمتعة وعقاراً وأواني بمثلها، وثلاثة وستين ألف ثوب وكان يلقب " المترف " لنعمة جسمه وحسنه، وكان نقش خاتمه " اعتمادي على الذي خلقني ".
ومن شعره:
من لي بأن تعلم ما ألقى فتعرف الصبوة والعشقا
مازال لي عبداً وحبي له صيرني عبداً له حقا
أعتق من رقي ولكنني من حبه لا آمن العتقا
وله أيضاً: الزركشي: ٢٣١ والروحي: ٥٩ وتاريخ الخلفاء: ٤٠٥ والفخري: ٢٣٢ وخلاصة الذهب المسبوك: ٢٣٧ وراجع التواريخ العامة كالطبري والمسعودي وابن الأثير ... الخ؛ وقد وردت في ر.
стр. 1103
٤٠٢ - (١)
" ظهير الدين البادرائي "
كامل بن الفتح بن ثابت، ظهير الدين الضرير البادرائي (٢) الأديب؛ له شعر وترسل، كتب الصاحب كمال الدين ابن العديم عنه (٣) ، وتوفي سنة ست وتسعين وخمسمائة، وكان مسكنه ببغداد بباب الأزج، وكان يدخل على الخليفة الناصر ويحاضره ويخلو معه، وعلمه علم الأوائل، وهون عليه الشرائع، والله أعلم.
وقال ياقوت: وكان متهماً في دينه؛ ومن شعره من قصيدة:
وفي الأوانس من بغداد آنسة ... لها من القلب ما تهوى وتختار
سألتها (٤) نهلة من ريقها بدمي ... وليس إلا خفي الطرف سمسار
عند العذول اعتراضات ولائمة ... وعند قلبي جوابات وأعذار
стр. 1104
٤٠٣ - (١)
" كتبغا المنصوري "
كتبغا الملك العادل، زين الدين المنصوري المغلي؛ كان أسمر قصيراً رقيق الصوت، له لحية صغيرة من الحنك، أسر حدثاً من عسكر هولاكو نوبة حمص الأولى في آخر سنة ثمان وخمسين وستمائة، وأمره أستاذه الملك المنصور، وكان من أمراء الألوف، ثم إنه عظم في دولة الأشرف، ولما قتل الأشرف التفت الخاصكية عليه، فحمل بهم على بيدرا وقتلوه، ولما تملك السلطان الملك الناصر جعل كتبغا نائبه، ولما تحول الناصر إلى الكرك تسلطن كتبغا ولقب بالعادل، ونهض بأمره لاجين وقراسنقر وطائفة كان قد اصطنعهم في نوبة الأشرف، وتمكن، وقدم دمشق وسار بالجيش إلى حمص ثم رد، ولما كان بأرض بيسان وثب حسام الدين لاجين وشد على بتخاص والأزرق (٢) فقتلهما في الحال وكانا عضدي كتبغا، واختبط الجيش وفر كتبغا على فرس النوبة وتبعه أربعة من مماليكه، وساق كتبغا إلى دمشق فتلقاه نائبها مملوكه وفتح له أرجواس القلعة ودقت البشائر، ولم ينتظم له حال، واجتمع كجكن والأمراء وحلفوا لمن هو صاحب مصر وصرحوا لكتبغا في الحال فقال: أنا ما مني خلاف، وخرج من القلعة إلى قاعة صغيرة وبذل الطاعة، فرسم له أن يقيم بقلعة صرخد فأقام بها، وانطوى ذكره إلى بعد نوبة غازان، فأحسن الملك الناصر إليه وأعطاه حماة فمات بها
стр. 1105
سنة اثنتين وسبعمائة.
وكان موصوفاً بالديانة والخير والرفق بالرعية، ونقل تابوته إلى تربته بسفح قاسيون بدمشق، وجرى في أيامه الغلاء العظيم بالديار المصرية، وكان يبكي ويقول: هذا بخطيئتي، وفيه يقول الوداعي لما تسلطن وخلع على أهل دمشق:
إنما العادل سلطان الورى ... عندما جاد بتشريف الجميع
مثل قطر صاب قطراً ماحلاً ... فكسا أعطافه زهر الربيع ٤٠٤ (١)
العتابي
كلثوم بن عمرو العتابي الشاعر؛ أصله من الشام من أرض قنسرين، صحب البرامكة وصحب طاهر بن الحسين، وكان حسن الاعتذار في رسائله وشعره، وهو أديب مصنف له من الكتب " كتاب المنطق " و " كتاب الآداب " و " كتاب فنون الحكم " و " كتاب الخيل " و " كتاب الألفاظ ". وتوفي في حدود العشرين والمائتين.
وكان تزهد ومدح الرشيد والمأمون، وكان قد نقل إلى الرشيد عنه ما أهدر به دمه، فخلصه جعفر فقال فيه شعراً:
стр. 1106
ما زلت في غمرات الموت مطرحاً ... يضيق عني فسيح الرأي من حيلي
فلم تزل دائماً تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي وكلم يحيى بن خالد في حاجة بكلمات قليلة فقال له يحيى: لقد نزر كلامك اليوم وقل، فقال: وكيف لا يقل وقد كفيتني ذل المسألة وحيرة الطلب وخوف الرد؟ فقال له يحيى: لئن قل كلامك لقد كثرت فوائده.
ومن شعره:
ولو كان يستغني عن الشكر حامد ... لعزة ملك أو علو مكان
لما أمر الله العباد بشكره ... وقال اشكروا لي أيها الثقلان ولما دخل على المأمون كان عنده إسحاق الموصلي، فسلم عليه فرد عليه وأدناه وقربه حين دخل عليه وقبل يده، وأقبل عليه يسأله عن حاله وهو يجيبه بلسان طلق، فاستظرفه المأمون وأقبل عليه بالمداعبة والمزاح، فظن أنه استخف به فقال له: يا أمير المؤمنين الإيناس قبل الإبساس، فاشتبه على المأمون، وأقبل على إسحاق مستفهماً، فأومأ إليه وغمزه على معناه حتى فهمه، فقال: يا غلام، ألف دينار، فأتي بذلك فدفعها إلى العتابي، ثم غمز المأمون إسحاق الموصلي عليه، فجعل العتابي لا يأخذ في شيء إلا عارضه، فبقي العتابي متعجباً، ثم قال: يا أمير المؤمنين أيذن لي في مسألة هذا الشيخ عن اسمه، فقال: نعم سله، فقال لإسحاق: يا شيخ من أنت؟ وما اسمك؟ فقال: أنا من الناس واسمي كل بصل، فتبسم العتابي، وقال: أما أنت فمعروف وأما الاسم فمنكر، فقال إسحاق: ما أقل إنصافك، أتنكر أن يكون اسمي كل بصل واسمك كل ثوم؟ وما كل ثوم من الأسماء؟ أليس البصل أطيب من الثوم؟ فقال العتابي: لله درك ما أحجك! أيأذن لي أمير المؤمنين أن أصله بما وصلني به؟ فقال: لا بل هو موفر عليك ونأمر له بمثله، فقال إسحاق: أما إذ أقررت فتوهمني أنت، فقال:
стр. 1107
ما أظنك إلا إسحاق الموصلي الذي يتناهى إلينا خبره، قال: أنا حيث ظننت، فأقبل عليه بالتحية والسلام، فقال المأمون وقد طال الحديث بينهما: أما إذ اتفقتما فانصرفا متنادمين، فانصرف العتابي إلى منزل إسحاق وأقام عنده.
وقال عمر الوراق: رأيت العتابي يأكل خبزاً على الطريق بباب الشام فقلت له: ويحك أما تستحي؟ فقال: أرأيت لو كنا في دار فيها بقر أكنت تحتشم أن تأكل وهو يراك؟ فقلت: لا، فقال: فاصبر حتى أعلمك أنهم بقر، ثم قام فوعظ وقص ودعا حتى كثر الزحام عليه، فقال لهم: روي لنا من غير وجه أنه من بلغ لسانه أرنبة أنفه لم يدخل النار، قال: فما بقي أحد منهم إلا أخرج لسانه نحو أرنبة أنفه ويقدره هل يبلغها أم لا، فلما تفرقوا قال العتابي: ألم أعلمك أنهم بقر؟
ودخل العتابي على عبد الله بن طاهر، فلما مثل بين يديه أنشده:
حسن ظني وحسن ما عود الل ... هـ بسؤلي (١) منك الغداة أتى بي
أي شيء يكون أحسن من حس ... ن يقين حدا إليك ركابي فأمر له بجائزة، ثم دخل عليه من الغد فأنشده:
ودك يكفينيك في حاجتي ... ورؤيتي كافية عن سؤال
وكيف أخشى " الفقر " ما عشت لي ... وإنما كفاك لي بيت مال؟ فأمر له بجائزة، ثم دخل عليه في اليوم الثالث فأنشده:
بهجات الثياب يخلقها الده ... ر وثوب الثناء غض جديد
فاكسني ما يبيد، أصلحك الل ... هـ فإني أكسوك ما لا يبيد " فأمر له بكسوة وجارية " (٢) .
стр. 1108
٣٣٤١ -
المكتفي بالله
علي بن أحمد بن طلحة بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب؛ هو أمير المؤمنين المكتفي بالله ابن المعتضد ابن الموفق ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور، الهاشمي العباسي، ولد سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
كان معتدل القامة دري اللون أسود الشعر حسن الوجه؛ بويع له بالخلافة عند موت والده في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين، وكانت أيامه ست سنين ونصف، ومات شاباً في ذي القعدة، وخلف مائة ألف ألف دينار عيناً، وأمتعة وعقاراً وأواني بمثلها، وثلاثة وستين ألف ثوب وكان يلقب " المترف " لنعمة جسمه وحسنه، وكان نقش خاتمه " اعتمادي على الذي خلقني ".
ومن شعره:
من لي بأن تعلم ما ألقى فتعرف الصبوة والعشقا
مازال لي عبداً وحبي له صيرني عبداً له حقا
أعتق من رقي ولكنني من حبه لا آمن العتقا
وله أيضاً: الزركشي: ٢٣١ والروحي: ٥٩ وتاريخ الخلفاء: ٤٠٥ والفخري: ٢٣٢ وخلاصة الذهب المسبوك: ٢٣٧ وراجع التواريخ العامة كالطبري والمسعودي وابن الأثير ... الخ؛ وقد وردت في ر.
стр. 1109
حَرف اللام
стр. 1110
٣٣٤١ -
المكتفي بالله
علي بن أحمد بن طلحة بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب؛ هو أمير المؤمنين المكتفي بالله ابن المعتضد ابن الموفق ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور، الهاشمي العباسي، ولد سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
كان معتدل القامة دري اللون أسود الشعر حسن الوجه؛ بويع له بالخلافة عند موت والده في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين، وكانت أيامه ست سنين ونصف، ومات شاباً في ذي القعدة، وخلف مائة ألف ألف دينار عيناً، وأمتعة وعقاراً وأواني بمثلها، وثلاثة وستين ألف ثوب وكان يلقب " المترف " لنعمة جسمه وحسنه، وكان نقش خاتمه " اعتمادي على الذي خلقني ".
ومن شعره:
من لي بأن تعلم ما ألقى فتعرف الصبوة والعشقا
مازال لي عبداً وحبي له صيرني عبداً له حقا
أعتق من رقي ولكنني من حبه لا آمن العتقا
وله أيضاً: الزركشي: ٢٣١ والروحي: ٥٩ وتاريخ الخلفاء: ٤٠٥ والفخري: ٢٣٢ وخلاصة الذهب المسبوك: ٢٣٧ وراجع التواريخ العامة كالطبري والمسعودي وابن الأثير ... الخ؛ وقد وردت في ر.
стр. 1111
٤٠٥ - (١)
أبو مخنف
لوط بن يحيى بن مخنف بن سليمان (٢) الأزدي، أبو مخنف - بالميم والخاء المعجمة والنون والفاء - وجده مخنف من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁.
توفي لوط سنة سبع وخمسين ومائة. وكان راوية أخبارياً صاحب تصانيف، وكان يروي عن جماعة من المجهولين؛ قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال الدراقطني: أخباري ضعيف.
ومن تصانيفه: " كتاب الردة ". " فتوح الشام ". " فتوح العراق ". " كتاب الجمل ". " كتاب صفين ". " كتاب النهروان ". " كتاب الغارات ". " كتاب الخريت بن راشد وبني ناجية ". " كتاب مقتل علي ﵁ ". " كتاب مقتل حجر بن عدي وأصحابه ". " مقتل محمد بن أبي بكر والأشتر ومحمد بن أبي حذيفة ". " كتاب الشورى ". " " كتاب " مقتل عثمان ﵁ ". " كتاب المسور بن علقمة ". " كتاب وفاة معاوية وولاية يزيد ووقعة الحرة ومقتل عبد الله بن الزبير ". " كتاب سليمان بن صرد وعين الوردة ". " كتاب مرج راهط ومقتل الضحاك بن قيس الفهري ". " كتاب مصعب بن الزبير والعراق ". " كتاب مقتل
стр. 1112
عبد الله بن الزبير ". كتاب حديث وادي الجماجم ومقتل عبد الرحمن ابن الأشعث ". " كتاب نجدة الحروري ". " كتاب الأزارقة ". " كتاب حديث روستقباذ ". " كتاب شبيب الحروري وصالح بن مسرح ". " كتاب المطرف بن المغيرة ". " كتاب يزيد بن المهلب ومقتله بالعقر ". " كتاب خالد القسري ويوسف بن عمر وموت هشام وولاية الوليد ". " كتاب زيد بن علي ويحيى بن زيد ". " كتاب الضحاك الخارجي ". " كتاب الخوارج والمهلب بن أبي صفرة "، وله غير ذلك من الفتوحات.
٤٠٦ - (١)
ليلى الأخيلية
ليلى بنت عبد الله الأخيلية الشاعرة المشهورة؛ كانت من أشهر النساء لا يتقدم عليها إلا الخنساء، توفيت في عشر الثمانين للهجرة. وكان توبة بن الحمير يهواها - وقد نقدم ذكره (٢) خطبها فأبى أبوها، فكان يزورها.
قال لها الحجاج: إن شبابك قد مضى واضمحل أمرك وأمر توبة، فأقسم عليك إلا صدقتيني، هل كانت بينكما ريبة قط أو خاطبك في ذلك؟ قالت: لا والله أيها الأمير، إلا أنه قد قال لي ليلة وقد خلونا كلمة ظننت أنه قد خضع فيها لبعض الأمر، فقلت له:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
стр. 1113
لنا صاحب لا نبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل فلا والله ما سمعت بعدها منه ريبة حتى فرق بيننا، فقال لها الحجاج: فما كان منه بعد ذلك؟ قالت: وجه صاحباً له إلى حاضرنا وقال له: اعل شرفاً واهتف بهذا البيت بين أهله:
عفا الله عنها هل أبيتن ليلة ... من الدهر لا يسري إلي خيالها فلما فعل ذلك عرفت المعنى، فقلت:
وعنه عفا ربي وأحسن حفظه ... يعز علينا حاجة لا ينالها وعن محمد بن الحجاج بن يوسف قال: بينما الأمير جالس إذ استؤذن لليلى، فأذن لها فدخلت امرأة طويلة دعجاء العين حسنة المشية حسنة الثغر، فسلمت عليه، فرحب بها الحجاج وقال لها: ما وراءك؟ ضع لها وسادة يا غلام، فجلست، فقال لها: ما أقدمك إلينا؟ فقالت: السلام على الأمير والقضاء لحقه والتعرض لمعروفه، فقال: كيف خلفت قومك؟ قالت: في حال خصب وأمن ودعة؛ أما الخصب ففي الأموال والكلأ، وأما الأمن فقد أمنهم الله ، وأما الدعة فقد خامرهم من خوفك ما أصلح بينهم، ثم قالت: ألا أنشدك أيها الأمير؟ قال: إن شئت، فقالت:
أحجاج لا يفلل سلاحك إنما ال ... منايا بكف الله حيث يراها
إذا هبط الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها دماء المارقين وعلها ... إذا جمحت يوماً وخيف أذاها
أعد لها مصقولة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها
أحجاج لا تعط العداة مناهم ... أبى الله يعطي للعداة مناها
ولا كل خلاف تقلد بيعة ... بأعظم عهد الله ثم شراها
стр. 1114
فأمر وكيله أن يعطيها خمسمائة درهم ويكسوها خمسة أثواب كسا خز.
وفي خبر آخر أنها وفدت عليه فقال لها: أنشديني بعض شعر في توبة، فأنشدته:
لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه في الحياة المعاير
وما أحد حي وإن عاش سالماً ... بأخلد ممن غيبته المقابر
ولا الحي مما أحدث الدهر معتب ... ولا الميت أن لم يصبر الحي ناشر
وكل جديد أو شباب إلى بلى ... وكل امرئ يوماً إلى الله صائر
قتيل بني عوف فيا لهفتا له ... وما كنت إياهم عليه أحاذر
ولكنني أخشى عليه قبيلة ... لها بدروب الشام باد وحاضر فقال الحجاج لحاجبه: اذهب فاقطع عني لسانها، فدعا بالحجام ليقطع لسانها، فقالت: ويحك! إنما قال الأمير: اقطع لسانها بالعطاء والصلة، فارجع إليه فاستأذنه، فرجع إليه فاستأذنه فاستشاط غيظاً، وهم بقطع لسانه، ثم أمر بها فأدخلت عليه، فقالت: كاد وعهد الله يقطع أيها الأمير مقولي، وأنشدته:
حجاج أنت الذي ما فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستعظم الصمد
حجاج أنت شهاب الحرب إذ نهجت ... وأنت للناس نور في الدجى يقد
стр. 1115
حَرف المِيم
стр. 1116
٣٣٤١ -
المكتفي بالله
علي بن أحمد بن طلحة بن جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب؛ هو أمير المؤمنين المكتفي بالله ابن المعتضد ابن الموفق ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور، الهاشمي العباسي، ولد سنة أربع وستين ومائتين، وتوفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
كان معتدل القامة دري اللون أسود الشعر حسن الوجه؛ بويع له بالخلافة عند موت والده في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين، وكانت أيامه ست سنين ونصف، ومات شاباً في ذي القعدة، وخلف مائة ألف ألف دينار عيناً، وأمتعة وعقاراً وأواني بمثلها، وثلاثة وستين ألف ثوب وكان يلقب " المترف " لنعمة جسمه وحسنه، وكان نقش خاتمه " اعتمادي على الذي خلقني ".
ومن شعره:
من لي بأن تعلم ما ألقى فتعرف الصبوة والعشقا
مازال لي عبداً وحبي له صيرني عبداً له حقا
أعتق من رقي ولكنني من حبه لا آمن العتقا
وله أيضاً: الزركشي: ٢٣١ والروحي: ٥٩ وتاريخ الخلفاء: ٤٠٥ والفخري: ٢٣٢ وخلاصة الذهب المسبوك: ٢٣٧ وراجع التواريخ العامة كالطبري والمسعودي وابن الأثير ... الخ؛ وقد وردت في ر.
стр. 1117
٤٠٧ - (١)
" صاحب الرحبة "
مالك بن طوق التغلبي صاحب الرحبة؛ أحد الأشراف والفرسان الأجواد، ولي إمرة دمشق للمتوكل، كان ينادي على باب داره بالخضراء - وكانت دار الإمارة - بعد المغرب: الإفطار يرحمكم الله، قال: والأبواب مفتوحة يدخلها الناس؛ توفي سنة تسع وخمسين ومائتين.
وهو الذي بنى الرحبة التي على الفرات وإليه تنسب، وسبب ذلك أن هارون الرشيد ركب على حراقة مع ندمائه في الفرات ومعهم مالك بن طوق، فلما اقترب من الدواليب قال: يا أمير المؤمنين لو خرجت إلى الشط لنجوز هذه الدواليب، قال: أحبك تخاف هذه؟ قال: الله يكفي أمير المؤمنين كل محظور، قال الرشيد: قد تطيرت بقولك، ثم صعد إلى الشط، فلما بلغت الحراقة إلى الدواليب دارت دورة ثم انقلبت بما فيها، فتعجب الرشيد من ذلك وسجد شكراً لله تعالى وتصدق بأموال كثيرة، وقال لمالك: وجبت لك علينا حاجة فسل ما تحب، قال: يعطيني أمير المؤمنين هنا أرضاً أبنيها فتنسب إلي، قال: قد فعلنا وساعدناك بالأموال والرجال، فلما عمرها واستوثقت أموره فيها وتحول الناس فيها أنفذ إليه الخليفة يطلب منه مالاً، فتعلل ودافع ومانع وتحصن وجمع الجيوش، وطالت الوقائع بينه وبين عسكر الرشيد، إلى أن ظفر به صاحب الرشيد وحمله مكبلاً، فمكث في السجن عشرة أيام، ثم أمر بإحضاره في جمع
стр. 1118
من الرؤساء وأرباب الدولة، فقبل الأرض ولم ينطلق، فعجب الرشيد من صمته وغاظه ذلك وأمر بضرب عنقه، وبسط النطع وجرد السيف وقدم مالك، فقال الوزير: يا مالك تكلم فإن أمير المؤمنين يسمع كلامك، فرفع رأسه وقال: يا أمير المؤمنين أخرست عن الكلام دهشة، وقد أدهشت عن السلام والتحية، فأما إذ إذن أمير المؤمنين فإني أقول: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي خلق الإنسان من سلالة من طين، يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الدين، ولم بك شعث الأمة، وأخمد بك شهاب الباطل، وأوضح بك سبيل الحق، إن الذنوب تخرس الألسنة الفصيحة وتصدع الأفئدة، وايم الله لقد عظمت الجريمة وانقطعت الحجة، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، ثم أنشأ يقول بعد ما التفت يميناً وشمالاً:
أرى الموت بين النطع والسيف كامناً ... يلاحظني من حيث ما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله يفلت؟
يعز على الأوس بن تغلب وقفة ... يهز علي السيف فيها وأسكت
وأي امرئ يد لي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت
وما بي من خوف أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خوفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا
فإن عشت عاشوا آمنين بغبطة ... أذود الردى عنهم، وإن مت موتوا
فكم قائل لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسر ويشمت قال: فبكى هارون الرشيد وقال: لقد سكت على همة، وتكلمت على حلم وحكمة، وقد عفوت لك عن الصبوة ووهبتك للصبية؛ فارجع إلى ولدك ولا تعاود، فقال: سمعاً وطاعة، وانصرف.
стр. 1119
٤٠٨ - (١)
" مالك بن نويرة "
مالك بن نويرة بن حمزة بن شداد، أبو المغوار اليربوعي أخو متمم؛ كان يلقب بالجفول لكثرة شعره. قتل في الردة؛ قال صاحب " الأغاني " (٢) : كان أبو بكر ﵁ لما جهز خالد بن الوليد لقتال أهل الردة قد أوصاهم أنهم إذا سمعوا الأذان في الحي وإقامة الصلاة نزلوا عليهم، فإن أجابوا إلى أداء الزكاة وإلا الغارة، فجاءت السرية حي مالك، وكان في السرية أبو قتادة الأنصاري، وكان ممن شهد أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا، فقبض عليهم خالد وكانت ليلة باردة، فأمر خالد منادياً ينادي " ادفئوا أسراكم " وكان لغة كنانة إذا قالوا " ادفئوا الرجل " يعنون اقتلوه، فقتل ضرار بن الأزور مالكاً، وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمراً أصابه، فقال أبو قتادة: هذا عملك، فزبره خالد، فغضب ومضى حتى أتى أبا بكر، فغضب عليه أبو بكر حتى كلمه فيه عمر، فلم يرضى إلا أن يرجع إلى خالد ويقيم معه، فرجع إليه ولم يزل معه حتى قدم خالد المدينة، وكان خالد قد تزوج بزوجة مالك، فقال عمر: إن في سيف خالد رهقاً وحق عليه أن تقيده، وأكثر عليه في ذلك، وكان أبو بكر
стр. 1120
لا يقيد عماله فقال: يا عمر إن خالداً تأول فأخطأ فارفع لسانك عنه، ثم كتب إلى خالد أن يقدم عليه، فقدم وأخبره بخبره فقبل عذره، وعنفه بالتزويج، وقيل إن خالداً كان يهوى امرأة مالك في الجاهلية، وكان خالد يعتذر في قتله فيقول: إنه قال لي وهو يراجعني: ما إخال صاحبكم إلا قد كان يقول كذا وكذا، فقال خالد، أو ما تعده صاحبك؟ ثم قدمه فضرب عنقه.
ومما يؤيد خالد وأن (١) مالكاً مات مرتداً أن متمماً لما أنشد عمر مراثيه في مالك قال له عمر: والله لوددت أني أحسن الشعر فأرثي أخي زيداً بمثل ما رثيت أخاك، فقال متمم: لو أن أخي مات على ما مات عليه أخوك ما رثيته، فقال عمر ﵁ ما عزاني أحد عن أخي بأحسن مما عزاني به متمم.
وقال الرياشي: صلى متمم بن نويرة مع أبي بكر ﵁ الصبح ثم أنشده:
نعم القتل إذا الرياح تناوحت ... تحت الإزار قتلت يا ابن الأزور الأبيات ...
ثم بكى حتى سالت عينه العوراء ثم انخرط على سية قوسه مغشياً عليه.
وقيل لمتتم: ما بلغ من وجدك على أخيك؟ فقال: أصبت بإحدى عيني فما قطرت منها قطرة عشرين سنة، فلما قتل أخي استهلت فما ترقأ.
ويقال في المثل: فتى ولا كمالك، ومرعى ولا كالسعدان، يعنون به مالكاً هذا.
وقيل لمتمم: صف لنا مالكاً فقال: كان يركب الجمل الثفال في الليلة القرة يرتمي لأهله بين المزادتين عليه الشملة الفلوات، يقود الفرس الحرون، ثم يصبح ضاحكاً.
стр. 1121
ومن شعر متتم في مالك:
نعم القتيل إذا الرياح تناوحت ... فوق العضاة قتلت يا ابن الأزور
أدعوته بالله ثم غدرته ... بل لو دعاك بذمة لم يغدر
لا يلبس الفحشاء تحت ثيابه ... صعب مقادته عفيف المئزر
فلنعم حشو الدرع كنت وحاسراً ... ولنعم مأوى الطارق المتنور وقال يرثيه من أبيات:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فقد بان محموداً أخي يوم ودعا
أقول وقد طار السنا في ربابه ... وجون يسح الماء حتى تربعا
سقى الله أرضاً حلها قبر مالك ... ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
تحيته مني وإن كان نائياً ... وأمسى تراباً فوقه الأرض بلقعا وقال:
وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك
لقد لامني عند القبور على البكا ... رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقلت لهم إن الشجا يبعث الشجا ... دعوني فهذا كله قبر مالك وقال عمر ﵁ لمتمم: أكان مالك يحبك مثل محبتك إياه؟ فقال: أين أنا من مالك؟ والله يا أمير المؤمنين لقد أسرني حي من العرب فشدوني وثاقاً وألقوني بفنائهم، فبلغه خبري فأقبل علي على راحلته حتى انتهى إلى القوم وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إلي أعرض عني وقصد إلى القوم، فعرفت ما أراد، فوقف عليهم فسلم وحادثهم وضاحكهم
стр. 1122
فوالله ما زال حتى ملأهم سروراً، وأحضروا غداءهم فسألوه النزول يتغدى معهم ففعل، ثم نظر إلي وقال: ليقبح بنا أن نأكل ورجل ملقى بين أيدينا لا يأكل معنا، وأمسك عن الطعام، فقاموا القوم إلي وصبوا الماء على قدي حتى لان وحلوني، ثم جاءوا بي وأجلسوني معهم على الغداء، فلما أكلنا قال لهم: ما ترون تحرم هذا بنا وأكله معنا، وإنه لقبيح بكم أن تردوه إلى القيد، فخلوا سبيلي وأطلقوني بغير فداء؛ وكان مقتل مالك في حدود سنة " اثنتي عشرة " (١) .
٤٠٩ - (٢)
مجاهد الخياط
مجاهد بن سليمان بن مرهف بن أبي الفتح المصري التميمي الأديب، المعروف بالخياط، ويعرف بابن " أبي " (٣) الربيع؛ كان من كبار أدباء العوام، لكنه قرأ النحو وفهم، وكان قد سلطه الله تعالى على أبي الحسين الجزار شاعر الديار المصرية؛ وتوفي مجاهد سنة اثنتين وسبعين وستمائة (٤) :
ومن شعره (٥) :
أب الحسين تأدب ... ما الفخر بالشعر فخر
стр. 1123
ما تبللت منه ... بقطرة وهو بحر
وإن أتيت بيت ... وما لبيتك قدر
ولم تأت بالبيت إلا ... عليه للناس حكر وكان ناصر الدين ابن النقيب قد وعده بإردب قمح، فجهز له ويبتين وتأخر له أربعة (١) ، فكتب إلى ابن النقيب:
ما ماجداً بالقمح قد جاد لي ... ماذا الذي ألجاك أن تمنعه
وقد شكا لي نقصه فرقة ال ... باقي عسى مولاي أن يجمعه
أأبعث الثنتين من حاصلي ... إليك أو تبعث لي الأربعة فكتب إليه ابن النقيب الجواب:
تا الله ما أخرتها مانعاً ... لها ولا في ذاك من مطمعه
وإنما أخرتها خيفة ... من كفك المتلفة المضيعة
وما عسى مقدارها عندكم ... والألف مع مثلك مستودعة
وإنها أجود ما يقتنى ... وإنك الميشوم بالأربعه ومن شعره:
أعد يا برق ذكر أهيل نجد ... فإن لك اليد البيضاء عندي
أشيمك بارقاً فيضل (٢) عقلي ... فواعجباً تضل وأنت تهدي
ويبكيك السحاب وأنت ممن ... تحمل بعض أشواقي ووعدي
بعثت مع النسيم لهم سلاماً ... فما عطفوا علي له برد وقال:
وظبي تظلمت من خده ... لقلبي عليه حقوق ودم
أخذت القصاص بتعضيضه ... ولم يجر بعد عليه القلم
стр. 1124
٤١٠ - (١)
ابن مواهب البغدادي
محمد بن محمد بن مواهب، أبو العز ابن الخراساني الشاعر البغدادي صاحب العروض ومصنف النوادر، المنسوب إلى حدة الخاطر؛ قرأ الأدب على الجواليقي، وله ديوان شعر في خمسة عشر مجلداً.
قال العماد الكاتب: ومدح الخلفاء والوزراء، وله مصنفات أدبية، وتغير ذهنه آخر عمره، وتوفي سنة ست وسبعين وخمسمائة، وله اثنتان (٢) وثمانون سنة، وأورد له ابن النجار ما يكتب على كمران (٣) :
أنا محسود من النا ... س على أمر عجيب
أنا ما بين قضيب ... يتثنى وكثيب وقال:
أنا راض منكم بأيسر شيء ... يرتضيه لعاشق معشوق
بسلام على الطريق إذا ما ... جمعتنا بالاتفاق الطريق وقال:
إن شئت أن لا تعد غمرا ... فخل زيدا معاً وعمرا
واستغن بالله في أمور ... ما زلن طول الزمان امرا
стр. 1125
ولا تخالف مدى الليالي ... لله حتى الممات أمرا
واقنع بما راج من طعام ... والبس إذا ما عريت طمرا ٤١١ (١)
القاضي نجم الدين الطبري
محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله، القاضي نجم الدين ابن جمال الدين الطبري؛ كان فقيهاً جيداً فيه كرم وحسن أخلاق، وله نظم منه:
أشبيه البدر التمام إذا بدا ... حسناً وليس البدر من أشباهك
مأسور حبك إن يكن متشفعاً ... فإليك بالحسن (٢) البديع بجاهك
وأساه قد (٣) أعيا الأساة دواؤه ... وشفاه يحصل بارتشاف شفاهك
فصليه واغتنمي بقاء حياته ... لا تقطعيه جفاً بحق إلهك قال تاج الدين اليمني: توفي نجم الدين الطبري سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة (٤) ، ومولده سنة ثمان وخمسين وستمائة، رحمه الله تعالى.