ومن شعر متتم في مالك:
نعم القتيل إذا الرياح تناوحت ... فوق العضاة قتلت يا ابن الأزور
أدعوته بالله ثم غدرته ... بل لو دعاك بذمة لم يغدر
لا يلبس الفحشاء تحت ثيابه ... صعب مقادته عفيف المئزر
فلنعم حشو الدرع كنت وحاسراً ... ولنعم مأوى الطارق المتنور وقال يرثيه من أبيات:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فقد بان محموداً أخي يوم ودعا
أقول وقد طار السنا في ربابه ... وجون يسح الماء حتى تربعا
سقى الله أرضاً حلها قبر مالك ... ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
تحيته مني وإن كان نائياً ... وأمسى تراباً فوقه الأرض بلقعا وقال:
وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى والدكادك
لقد لامني عند القبور على البكا ... رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقلت لهم إن الشجا يبعث الشجا ... دعوني فهذا كله قبر مالك وقال عمر ﵁ لمتمم: أكان مالك يحبك مثل محبتك إياه؟ فقال: أين أنا من مالك؟ والله يا أمير المؤمنين لقد أسرني حي من العرب فشدوني وثاقاً وألقوني بفنائهم، فبلغه خبري فأقبل علي على راحلته حتى انتهى إلى القوم وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إلي أعرض عني وقصد إلى القوم، فعرفت ما أراد، فوقف عليهم فسلم وحادثهم وضاحكهم
стр. 1122
فوالله ما زال حتى ملأهم سروراً، وأحضروا غداءهم فسألوه النزول يتغدى معهم ففعل، ثم نظر إلي وقال: ليقبح بنا أن نأكل ورجل ملقى بين أيدينا لا يأكل معنا، وأمسك عن الطعام، فقاموا القوم إلي وصبوا الماء على قدي حتى لان وحلوني، ثم جاءوا بي وأجلسوني معهم على الغداء، فلما أكلنا قال لهم: ما ترون تحرم هذا بنا وأكله معنا، وإنه لقبيح بكم أن تردوه إلى القيد، فخلوا سبيلي وأطلقوني بغير فداء؛ وكان مقتل مالك في حدود سنة " اثنتي عشرة " (١) .
٤٠٩ - (٢)
مجاهد الخياط
مجاهد بن سليمان بن مرهف بن أبي الفتح المصري التميمي الأديب، المعروف بالخياط، ويعرف بابن " أبي " (٣) الربيع؛ كان من كبار أدباء العوام، لكنه قرأ النحو وفهم، وكان قد سلطه الله تعالى على أبي الحسين الجزار شاعر الديار المصرية؛ وتوفي مجاهد سنة اثنتين وسبعين وستمائة (٤) :
ومن شعره (٥) :
أب الحسين تأدب ... ما الفخر بالشعر فخر
стр. 1123
ما تبللت منه ... بقطرة وهو بحر
وإن أتيت بيت ... وما لبيتك قدر
ولم تأت بالبيت إلا ... عليه للناس حكر وكان ناصر الدين ابن النقيب قد وعده بإردب قمح، فجهز له ويبتين وتأخر له أربعة (١) ، فكتب إلى ابن النقيب:
ما ماجداً بالقمح قد جاد لي ... ماذا الذي ألجاك أن تمنعه
وقد شكا لي نقصه فرقة ال ... باقي عسى مولاي أن يجمعه
أأبعث الثنتين من حاصلي ... إليك أو تبعث لي الأربعة فكتب إليه ابن النقيب الجواب:
تا الله ما أخرتها مانعاً ... لها ولا في ذاك من مطمعه
وإنما أخرتها خيفة ... من كفك المتلفة المضيعة
وما عسى مقدارها عندكم ... والألف مع مثلك مستودعة
وإنها أجود ما يقتنى ... وإنك الميشوم بالأربعه ومن شعره:
أعد يا برق ذكر أهيل نجد ... فإن لك اليد البيضاء عندي
أشيمك بارقاً فيضل (٢) عقلي ... فواعجباً تضل وأنت تهدي
ويبكيك السحاب وأنت ممن ... تحمل بعض أشواقي ووعدي
بعثت مع النسيم لهم سلاماً ... فما عطفوا علي له برد وقال:
وظبي تظلمت من خده ... لقلبي عليه حقوق ودم
أخذت القصاص بتعضيضه ... ولم يجر بعد عليه القلم
стр. 1124
٤١٠ - (١)
ابن مواهب البغدادي
محمد بن محمد بن مواهب، أبو العز ابن الخراساني الشاعر البغدادي صاحب العروض ومصنف النوادر، المنسوب إلى حدة الخاطر؛ قرأ الأدب على الجواليقي، وله ديوان شعر في خمسة عشر مجلداً.
قال العماد الكاتب: ومدح الخلفاء والوزراء، وله مصنفات أدبية، وتغير ذهنه آخر عمره، وتوفي سنة ست وسبعين وخمسمائة، وله اثنتان (٢) وثمانون سنة، وأورد له ابن النجار ما يكتب على كمران (٣) :
أنا محسود من النا ... س على أمر عجيب
أنا ما بين قضيب ... يتثنى وكثيب وقال:
أنا راض منكم بأيسر شيء ... يرتضيه لعاشق معشوق
بسلام على الطريق إذا ما ... جمعتنا بالاتفاق الطريق وقال:
إن شئت أن لا تعد غمرا ... فخل زيدا معاً وعمرا
واستغن بالله في أمور ... ما زلن طول الزمان امرا
стр. 1125
ولا تخالف مدى الليالي ... لله حتى الممات أمرا
واقنع بما راج من طعام ... والبس إذا ما عريت طمرا ٤١١ (١)
القاضي نجم الدين الطبري
محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله، القاضي نجم الدين ابن جمال الدين الطبري؛ كان فقيهاً جيداً فيه كرم وحسن أخلاق، وله نظم منه:
أشبيه البدر التمام إذا بدا ... حسناً وليس البدر من أشباهك
مأسور حبك إن يكن متشفعاً ... فإليك بالحسن (٢) البديع بجاهك
وأساه قد (٣) أعيا الأساة دواؤه ... وشفاه يحصل بارتشاف شفاهك
فصليه واغتنمي بقاء حياته ... لا تقطعيه جفاً بحق إلهك قال تاج الدين اليمني: توفي نجم الدين الطبري سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة (٤) ، ومولده سنة ثمان وخمسين وستمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 1126
٤١٢ - (١)
الوأواء الدمشقي
محمد بن أحمد - وقيل هو ابن محمد - أبو الفرج الوأواء الغساني الدمشقي؛ شاعر مطبوع منسجم العبارة حسن جيد التشبيه، بنى الحريري مقامة (٢) على قوله:
وأمرت لؤلؤاً من نرجس وسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد ومن شعره (٣) :
وليل كفكري في صدود معذبي ... وإلا كأنفاسي عليه من الوجد
وإلا كعمر الهجر فيه لأنه ... إذا قسته بالوصل كان بلا حد وقال أيضاً (٤) :
اسقياني ذبيحة الماء في الكأ ... س وكفا عن شرب ما تسقياني
إنني قد أمنت بالأمس إذ م ... ت بها أن أموت موتاً ثاني
قهوة تطرد الهموم إذا ما ... سكنت في (٥) مواطن الأحزان
نثرت راحة المزاج عليها ... حدقاً ما تدور في الأجفان
فهي تجري من اللطافة في الأر ... واح مجرى الأرواح في الأبدان
стр. 1127
يتهادى بكأسها من هدايا ... هـ إلينا طرائف الأشجان
ما رأينا ورداً كورد بخدي ... هـ بدا طالعاً على غصن بان
زارني والصباح في ساعد الأف ... ق كبحر (١) في نصفه نصف جان
وغدا والهلال في شرك الفج ... ر شريكي في قبضة الارتهان
ويمين الجوزاء تبسط باعاً ... لعناق الدجى بغير بنان
وكأن الإكليل (٢) إذ رمي الغر ... ب به شعله من النيران
وكأن النجوم أحداق روم ... ركبت في محاجر السودان
رشأ تشره النفوس إلى ما ... في ثناياه من رحيق اللسان
لا وما احمر من تورد خدي ... هـ وما اصفر من شموس الدنان
لأطيل (٣) السجود في قبلة الكأ ... س بتسبيح ألسن العيدان
كم صلاة على فتى مات سكراً ... قد أقيمت فينا بغير أذان
أيها الرائح الذي راحتاه ... بخضاب الكؤوس مخضوبتان
عج بضحك الأقداح في رهج القص ... ف إذا ما بكت عليها القناني
واسقني القهوة التي تنبت الور ... د إذا شئت في خدود الغواني
لا تدغدغ صدر المدام بأيدي ال ... مزج ما دغدغت صدور المثاني
كتبتها أيدي السحاب بأقلا ... م دموع على طروس المغاني
ألفات مؤلفات ولاما ... ت تكون من ضمير المعاني
في رياض تريك بالليل منها ... سرجاً من شقائق النعمان انظر إلى ما في هذه القصيدة من جودة التشبيه وصحته ولطف الاستعارات ورشاقة ألفاظها؛ ومن شعره (٤) :
стр. 1128
وجلا الثريا في ملا ... ءة نوره البدر التمام
فكأنها كأس ليش ... ربها (١) الدجى والبدر جام
وكأن زرق نجومها ... حدق مفتحة نيام وقال أيضاً (٢) :
سقياً ليوم غدا الغمام به ... والشمس مشرقة والبرق خلاس
كأنه قوس رام والبروق له ... رشق السهام وعين الشمس برجاس وقال أيضاً (٣) :
والبدر أول ما بدا متلثماً ... يبدي الضياء لنا بخد مسفر
وكأنما هو خوذة من فضة ... قد ركبت في هامة من عنبر وله أيضاً (٤) :
لست أنسى قلبي وقد راح نهباً ... بين بين مبرح وصدود
وسماء العيون إذ ذاك تسقي ... بسحاب الدموع (٥) روض الخدود وقال، وهو لطيف عذب (٦) :
بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه
وعرضاه بي وقولا في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه؟
فإن تبسم قولا في ملاطفة ... ما ضر بوصال منك تسعفه؟
وإن بدا لكما في وجهه غضب ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه
стр. 1129
وقال آخر في المعنى (١) :
ألا يا نسيم الريح بلغ رسالتي ... سليمى وعرض بي كأنك مازح
فإن أعرضت عني فموه مغالطاً ... بغيري وقل ناحت بذاك النوائح أخذه القائل فنظمه ذوبيت:
باللطف إذا لقيت من أهواه ... عاتبه وقل له الذي ألقاه
إن أغضبه الوصال غالطه به ... أو رق فقل عبدك لا تنساه وقال الآخر موالياً:
بحرمة العهد إن جزت النقا يا سعد ... أبصرت ذاك المحيا والأثيث الجعد
عرض بذكري وغالطها وقل يا دعد ... إذ لم تجودي بوصلك فاسمحي بالوعد وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي من أبيات:
ويا رسولي إليهم صف لهم أرقي ... وأن طرفي لطيف الضيف مرتقب
واسأل مواهبهم للعين بعض كرى ... لعل أن يهبوا لي بعض ما نهبوا
ولطف القول لا تسأم مراجعة ... عند الهوى والنوى قد ينجح الطلب
عرض بذكري فإن قالوا أتعرفه ... فاسأل لي الوصل وانكرني إذا غضبوا ومن قول الوأواء الدمشقي في سيف الدولة (٢) :
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين اثنين
أنت إذا جدت ضاحك أبداً ... وهو إذا جاد دامع (٣) العين وقال أيضاً (٤) :
أيا ملزمي ذنب الدموع وقد جرت ... فأبدت من الأسرار كل مصون
стр. 1130
أعني على تأديب دمعي فإنه ... يتوب إذا ما كنت أنت معيني وقال أيضاً وهو لطيف جداً (١) :
إذا اشتد ما ألقى جلست حذاءه ... ونار الهوى قد أضرمت بين أوصالي
أقبل من فيه نسيم كلامه ... إذا مر بي صفحاً بأفواه آمالي وقال أيضاً (٢) :
يا من بزرقة سيف اللحظ طل دمي ... والسيف ما فخره إلى بزرقته
علمت إنسان عيني أن يعوم فقد ... جادت سباحته في ماء مقلته (٣) وقال أيضاً (٤) :
ولما وقفنا ساعة البين لم نطق (٥) ... كلاماً تناجينا بكسر الحواجب
نناجي بإضمار الهوى ظاهر الهوى ... بأطيب من نجوى الأماني الكواذب وقال أيضاً (٦) :
رعى الله من لم يرع لي حق صحبتي ... وإن كان في كف المنية مودعي
فيا أسفي زدني عليه تأسفاً ... ويا كبدي وجداً عليه تقطعي
وإني لمشتاق إلى من أحبه ... فلا معه شوقي ولا صبره معي وقال أيضاً (٧) :
تنفست الغداة وقد تولت ... ركائبهم معارضة طريقي
стр. 1131
تنادت بالحريق فظلت أبكي ... فنادت بالحريق وبالغريق وقال في جرب معشوقه من أبيات (١) :
دب في كفيه ما من ... حبه دب مقلتي
فهو يشكو حر حب ... واشتكائي حر حب وكانت وفاة الوأواء في عشر التسعين والثلاثمائة تقريباً، رحمه الله تعالى.
٤١٣ - (٢)
محيي الدين ابن سراقة
محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسين بن سراقة، محيي الدين الأنصاري الأندلسي الشاطبي؛ ولد في رجب سنة اثنتين وتسعين (٣) وخمسمائة بشاطبة، وتوفي سنة اثنتين وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم.
سمع الكثير، وولي مشيخة دار الحديث البهائية بحلب، ثم قدم إلى الديار المصرية ولي مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة إلى حين وفاته، وكان أحد الأئمة المشهورين بغزارة الفضل وكثرة العلم والجلالة " والنبل "، وأحد المشايخ المعروفين بطريق القوم، وله في ذلك إشارات لطيفة، مع ما جبل عليه من مكارم الأخلاق واطراح التكليف ورقة الطبع ولين الجانب، وله شعر منه:
إلى كم أمني النفس ما لا تناله فيذهب عمري والأماني لا تقضى
стр. 1132
وقد مر لي خمس وعشرون حجة ... ولم أرض فيها عيشي فمتى أرضى
وأعلم أني والثلاثون مدتي ... وخير مغاني اللهو أوسعها ركضا
فماذا عسى في هذه الخمس أرتجي ... ووجدي (١) إلى أوبٍ من العشر قد أفضى وقال أيضاً:
وصاحب كالزلال يمحو ... صفاؤه الشك باليقين
لم يحص إلا الجميل مني ... كأنه كاتب اليمين وهذا عكس قول المنازي:
وصاحب خلته خليلاً ... وما جرى غدره ببالي
لم يحص إلا القبيح مني ... كأنه كاتب الشمال وكان محيي الدين من أبناء القضاة، حفظ القرآن العظيم وتفقه على مذهب مالك، ﵀.
٤١٤ - (٢)
نصير الدين الطوسي
محمد بن محمد بن الحسن، نصير الدين الطوسي الفيلسوف صاحب علم الرياضي؛ كان رأساً في علم الأوائل، لا سيما في الأرصاد والمجسطي فإنه فاق الكبار، قرأ على المعين سالم بن بدران المعتزلي الرافضي وغيره،
стр. 1133
وكان ذا حرمة وافرة ومنزلة عالية عند هولاكو، وكان يطيعه فيما يشير به عليه، والأموال في تصريفه، وابتنى بمراغة قبة ورصداً عظيماً، واتخذ في ذلك خزانة عظيمة فسيحة الأرجاء وملأها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة حتى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد، وقرر بالرصد المنجمين والفلاسفة، وجعل له الأوقاف (١) ، وكان حسن الصورة سمحاً كريماً جواداً حليماً حسن العشرة غزير الفضل.
حكي أنه لما أراد العمل للرصد رأى هولاكو ما يغرم عليه، فقال له: هذا العلم المتعلق بالنجوم ما فايدته؟ أيدفع ما قدر أن يكون؟ فقال: أنا أضرب لك مثلاً: يأمر القان من يطلع إلى هذا المكان، ويرمي من أعلاه طشت نحاس كبير من غير أن يعلم به أحد، ففعل ذلك، فلما وقع كانت له وقعة عظيمة هائلة روعت كل من هناك، وكاد بعضهم يصعق، وأما هو وهولاكو فإنهما ما حصل لهما شيء لعلمهما بأن ذلك يقع، فقال له: هذا العلم النجومي له هذه الفائدة، يعلم المتحدث فيه ما يحدث فلا يحصل له من الروعة ما يحصل للذاهل الغافل عنه، فقال له: لا بأس بهذا، وأمره بالشروع فيه، أو كما قيل.
ومن دهائه ما حكي أنه حصل لهولاكو غضب من علاء الدين الجويني (٢) - صاحب الديوان - فأمر بقتله، فجاء أخوه إلى النصير وذكر له ذلك، فقال النصير: هذا القان إن أمر بأمر لا يمكن رده، خصوصاً إذا برز إلى الخارج، فقال له: لا بد من الحيلة في ذلك، فتوجه إلى هولاكو وبيده عكاز وسبحة ثم اصطرلاب، وخلفه من يحمل مبخرة وبخوراً وناراً، فرآه خاصة هولاكو الذين على باب المخيم، فلما وصل أخذ يزيد في البخور ويرفع الاصطرلاب ناظراً فيه ويضعه، فلما رأوه يفعل ذلك دخلوا على
стр. 1134
هولاكو وأعلموه، ثم خرجوا إليه فقال لهم: القان أين هو؟ قالوا له: جوا، قال: طيب معافى موجود في صحة؟ قالوا: نعم، فسجد شكراً لله تعالى، ثم قال لهم: طيب في نفسه؟ قالوا: نعم، وكرر ذلك مراراً وقال: أريد أرى وجهه بعيني، فدخلوا فأعلموه، وكان في وقت لا يجتمع " فيه " به أحد، فقال: علي به، فلما دخل ورآه سجد وأطال السجود، فقال له: ما خبرك؟ قال: اقتضى الطالع في هذا الوقت أن يكون على القان أمر فظيع (١) عظيم إلى الغاية، فقمت وعملت هذا وبخرت بهذا البخور ودعوت بأدعية أعرفها أسأل الله تعالى صرف ذلك عن القان، وينبغي الآن أن القان يكتب إلى سائر ممالكه بإطلاق من في الاعتقال والعفو عمن له جناية لعل الله يصرف هذا الحادث العظيم، ولو لم أر وجه القان ما صدقت، فأمر في تلك الساعة هولاكو بما قال، وانطلق علاء الدين صاحب الديوان في جملة الناس، ولم يذكره النصير الطوسي، وهذا غاية في الدهاء بلغ به مقصده ودفع عن الناس أذاهم.
ومما وقف له عليه أن ورقة حضرت إليه من شخص من جملة ما فيها: يا كلب " يا " ابن الكلب، فكان الجواب: أما قوله يا كذا فليس بصحيح؛ لأن الكلب من ذوات الأربع، وهو نابح طويل الأظفار، وأما أنا فمنتصب القامة بادي البشرة عريض الأظفار ناطق ضاحك، فهذه الفصول والخواص غير تلك الفصول والخواص، وأطال في نقض كل ما قاله، هكذا رد عليه بحسن طوية (٢) وتأن غير منزعج، ولم يقل في الجواب كلمة قبيحة.
ومن تصانيفه: " كتاب المتوسطات بين الهندسة والهيئة " وهو جيد
стр. 1135
إلى الغاية، و " مقدمة في الهيئة " واختصر " المحصل " للإمام فخر الدين وهذبه وزاد فيه، وشرح " الإرشادات " ورد على الإمام فخر الدين في شرحه، وقال: هذا جرح وما هو شرح وقال فيه: إني حررته في عشرين سنة، وناقض فخر الدين كثيراً، ومن تصانيفه " التجريد في المنطق " و " أوصاف الأشراف " و " قواعد العقائد " و " التخليص (١) في علم الكلام " و " العروض " بالفارسية، و " شرح الثمرة (٢) " لبطليموس، و " كتاب المجسطي " و " جامع الحساب في التخت والتراب " و " الكرة والاسطرلاب " و " المغطيات " و " الظاهرات " و " المناظ (٣) ر " و " الليل والنهار " و " الكرة المتحركة " و " الطلوع والغروب " و " " تسطيح الكرة " " و " " المطالع " و " تربيع الدائرة " و " المخروطات " و " الشكل المعروف بالقطاع " و " الجواهر " و " الاسطوانة " و " الفرائض على مذهب أهل البيت " و " تعديل المعيار في نقض (٤) تنزيل الأفكار " و " بقاء النفس بعد بوار البدن " و " الجبر والمقابلة " و " إثبات العقل الفعال " و " شرح مسألة العلم " و " رسالة الإمامة " و " رسالة إلى نجم الدين الكاشي (٥) في إثبات واجب الوجود " و " الحواشي على كليات القانون " و " الزيج الإيلخاني " و " رسالة ثلاثون فصلاً في معرفة التقويم " و " كتاب أكر مانالاوس " و " أكر ثاوذوسيوس (٦) " وله شعر كثير بالفارسية.
وقال شمس الدين ابن المؤيد العرضي: أحذ النصير العلم عن كمال الدين ابن يونس الموصلي ومعين الدين سالم بن بدران المصري المعتزلي، وكان
стр. 1136
منجماً " لأبغا " (١) بعد أبيه، وكان يعمل الوزارة لهولاكو من غير أن يدخل يده في الأموال، واحتوى على عقله حتى إنه لا يركب ولا يسافر إلا في وقت يأمره به، ودخل عليه مرة ومعه كتاب مصور في عمل الدرياق الفاروق، فقرأه عليه وعظمه عنده وذكر منافعه وقال: إن كمال منفعته أن تسحق مفرداته في هاون ذهب، فأمر له بثلاثة آلاف دينار لعمل هاون، وولاه هولاكو جميع الأوقاف في سائر بلاده، وكان له في كل بلد نائب يستغل الأوقاف ويأخذ عشرها ويحمل إليه ليصرفه في جامكيات المقيمين بالرصد ولما يحتاج إليه من الأعمال بسبب الأرصاد، وكان للمسلمين به نفع خصوصاً الشيعة والعلويين والحكماء وغيرهم، وكان يبرهم ويقضي أشغالهم ويحمي أوقافهم، وكان مع هذا كله فيه تواضع وحسن ملتقى.
قال شمس الدين الجزري، قال حسن بن أحمد الحكيم صاحبنا: سافرت إلى مراغة وتفرجت في الرصد ومتوليه علي بن الخواجا نصير الدين الطوسي، وكان شاباً فاضلاً في التنجيم والشعر بالفارسية، وصادفت شمس الدين " ابن " المؤيد العرضي وشمس الدين الشرواني والشيخ كمال الدين الأيكي وحسام الدين الشامي، فرأيت فيه من آلات (٢) الرصد شيئاً كثيراً، منها ذات الحلق وهي خمس دوائر متخذة من نحاس: الأولى دائرة نصف النهار، وهي مركوزة في الأرض، ودائرة معدل النهار، ودائرة منطقة البروج، ودائرة العرض، ودائرة الميل، ورأيت الدائرة الشمسية التي يعرف بها سمت الكواكب، وأخبرني شمس الدين العرضي أن نصير الدين أخذ من هولاكو بسبب عمارة هذا الرصد ما لا يحصيه إلا الله تعالى (٣) خارجاً عن الجوامك والرواتب التي للحكماء والقومة.
стр. 1137
وقال نصير الدين في الزيج الإيلخاني: أنني جمعت لبناء الرصد جماعة من الحكماء: منهم المؤيد العرضي من دمشق، والفخر المراغي " الذي " (١) كان بالموصل، والفخر الخلاطي الذي كان بتفليس، ونجم الدين القزويني، وقد ابتدأنا في بنائه في سنة سبع وخمسين وستمائة بمراغة، والأرصاد التي بنيت قبل وعليها كان الاعتماد دون غيرها هو رصد برجس (٢) ، وله مذ بني ألف وأربعمائة سنة، وبعده رصد بطليموس، وبعده في ملة الإسلام رصد المأمون ببغداد، وله أربعمائة سنة وثلاثون سنة، والرصد البناني (٣) في حدود الشام، والرصد الحاكمي بمصر، ورصد بني (٤) الأعلم ببغداد وله مائتان وخمسون سنة، وقال الأستاذون: إن أرصاد الكواكب " السبعة " (٥) لا تتم في أقل من ثلاثين سنة، لأن فيها يتم دوران هذه السبعة، فقال هولاكو: اجهد في أن رصد هذه السبعة يتم في اثنتي عشرة سنة، قلت: أجتهد (٦) في ذلك.
وكان النصير قد قدم من مراغة إلى بغداد ومعه كثير من تلامذته وأصحابه، فأقام بها مدة أشهر ومات، وخلف من الأولاد صدر الدين علي والأصيل حسن والفخر أحمد، وولي صدر الدين بعد أبيه غالب مناصبه، فلما مات ولي بعده الأصيل حسن، وقدم الشام مع غازان، وحكم في أوقاف الشام تلك الأيام وأخذ منها جملة، ورجع مع غازان، وولي نيابة بغداد فأساء السيرة، فعزل وصودر وأهين، فمات غير حميد، وأما الفخر أحمد فقتله غازان لكونه أكل أوقاف الروم وظلم.
стр. 1138
ومولد النصير بطوس سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وتوفي في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وستمائة ببغداد، وشيعه صاحب الديوان والكبار، وكانت جنازته حفلة، ودفن في مشهد الكاظم، رحمه الله تعالى آمين.
٤١٥ - (١)
مؤيد الدين ابن العلقمي
محمد بن محمد بن علي، أبو طالب الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي البغدادي الرافضي، وزير المستعصم؛ ولي الوزارة أربع عشرة سنة فأظهر الرفض قليلاً، وكان وزيراً كافياً خبيراً بتدبير الملك، ولم يزل ناصحاً لأصحابه وأستاذه حتى وقع بينه وبين الدوادار لأنه كان متغالياً (٢) في السنة، وعضده ابن الخليفة، فحصل عنده من الضغن ما أوجب سعيه في دمار الإسلام وخراب بغداد على ما هو مشهور؛ لأنه ضعف جانبه وقويت شوكة الدوادار بحاشية الخليفة حتى قال في شعره من ذلك:
وزير رضي (٣) من بأسه وانتقامه ... بطي رقاع حشوها النظم والنثر
كما تسجع الورقاء وهي حمامة ... وليس لها نهي يطاع ولا أمر وأخذ يكاتب التتار إلى أن جر هولاكو وجرأه على أخذ بغداد، وقرر
стр. 1139
مع هولاكو أموراً انعكست عليه، وندم حيث لا ينفعه الندم، وكان كثيراً ما يقول بعد ذلك:
وجرى القضاء بعكس ما أملته
لأنه عومل بأنواع الهوان من أراذل التتار والمرتدة؛ حكي أنه كان جالساً بالديوان، فدخل عليه بعض التتار ممن ليس له وجاهة راكباً فرسه، فسار (١) إلى أن وقف بفرسه على بساط الوزير وخاطبه بما أراد، وبال الفرس على البساط وأصاب الرشاش ثياب الوزير، وهو صابر لهذا الهوان يظهر قوة النفس وأنه بلغ مراده.
وقال له بعض أهل بغداد: يا مولانا أنت فعلت هذا جميعه حمية، وحميت الشيعة، وقد قتل من الأشراف الفاطميين خلق لا تحصى، وارتكبت الفواحش مع نسائهم، فقال: بعد أن قتل الدوادار ومن كان على رأيه لا مبالاة بذلك. ولم تطل مدته حتى مات غماً وغيظاً في أوائل سنة سبع وخمسين وستمائة.
بعث إليه المستعصم شدة أقلام، فكتب إليه: قبل الملوك الأرض شكراً للإنعام عليه بأقلام قلمت أظافر الحدثان، وقامت له في حرب الزمان، مقام عوالى المران، وأجنته ثمار الأوطار من أغصانها، وحازت له قصبات المفاخر بيوم (٢) رهانها، فيا لله كم عقد زمام في عقدها، وكم بحر سعادة أصبح جارياً من مدادها ومددها، وكم منآد (٣) خط استقام بمثقفاتها، وكم صوارم فل مضاربها مطرر (٤) مرهفاتها.
стр. 1140
لم يبق لي أمل إلا وقد بلغت ... نفسي أقاصيه براً بي وإنعاما
لأفتحن بها والله يقدر لي ... مصانعاً (١) أعجزت من قبل بهراما
تعطي الأقاليم من لم يبد مسألة ... له فلا عجب إن تعط أقلاما وكان قد طالع المستعصم في شخص من أمراء الجبل يعرف بابن شرف شاه وقال في آخر كلامه " وهو مدبر " فوقع المستعصم له:
ولا تساعد أبداً مدبراً ... وكن مع الله على المدبر فكتب ابن العلقمي أبياتاً في الجواب منها:
يا مالكاً أرجو بحبي له ... نيل المنى والفوز في المحشر
أرشدتني لا زلت لي مرشداً ... وهادياً من رأيك الأنور
أبنت لي بيت هدى (٢) قلته ... عن شرف من بيتك الأطهر
فضلك فضل ما له منكر ... ليس لضوء الشمس من منكر
أن يجمع العالم في واحد ... ليس على الله بمستنكر اشتغل بالحلة على عميد الرؤساء أيوب، وعاد إلى بغداد وأقام عند خاله عضد الدين أبي نصر المبارك ابن الضحاك، وكان أستاذ الدار.
ولما قبض على مؤيد الدين القمي - وكان أستاذ الدار - فوضت (٣) الأستاذ دارية إلى شمس الدين ابن الناقد، ثم عزل وفوضت الأستاذ دارية إلى ابن العلقمي، فلما توفي المستنصر بالله وولي الخليفة المستعصم وتوفي ابن الناقد وزر ابن العلقمي، وكان قد سمع الحديث واشتغل على أبي البقاء العكبري.
وحكي أنه لما كان يكاتب التتار تحيل إلى أن أخذ رجلاً وحلق رأسه
стр. 1141
حلقاً بليغاً وكتب ما أراد عليه بالإبر (١) ، ونفض عليه الكحل وتركه عنده إلى أن طلع شعره وغطى ما كتب، فجهزه وقال: إذا وصلت مرهم بحلق رأسك ودعهم يقرأون ما فيه، وكان آخر الكلام " اقطعوا الورقة " فضربت عنقه، وهذا غاية في المكر والخزي.
٤١٦ - (٢)
تاج الدين ابن حنا
محمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم المصري، الصاحب تاج الدين ابن الصاحب فخر الدين ابن الوزير بهاء الدين ابن حنا؛ ولد سنة أربعين وستمائة، وتوفي سنة سبع وسبعمائة، وسمع من سبط السلفي ومن الشرف المرسي، وبدمشق من ابن عبد الدايم وابن أبي اليسر، وانتهت إليه رياسة عصره بمصره، وكان ذا تصون وسؤدد ومكارم أخلاق وشكل حسن وبزة فاخرة إلى الغاية، يتناهى (٣) في المطاعم والملابس والمساكن، ومع ذلك صدقاته كثيرة وتواضعه وافر، ومحبته في الفقراء والصلحاء زائدة، وهو الذي اشترى الآثار النبوية - على ما قيل - بستين ألف درهم وجعلها في مكانه بالمعشوق، وهو المكان المنسوب إليه بالديار المصرية، وهي قطعة من العنزة (٤) ومرود ومخصف وملقط من فضة، ورأى من العز والرياسة
стр. 1142
والوجاهة ومن السيادة ما لا رآه جده الصاحب بهاء الدين.
حكى الشيخ شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى أن الصاحب فخر الدين " ابن " (١) الخليلي لما لبس خلعة (٢) الوزارة توجه من القلعة بالخلعة إلى دار الصاحب تاج الدين، وجلس بين يديه وقبل يده، فأراد أن يجبره ويعظم قدره، فالتفت إلى بعض غلمانه وطلب منه توقيعاً يختص بذلك الشخص، فأخذه وناوله لابن الخليلي وقال: مولانا يعلم على هذا التوقيع، فأخذه وقبله ووضعه على رأسه وكتب عليه قدامه؛ وكان فتح الدين ابن سيد الناس إذا حكى هذه الحكاية يقول: وهذه الحركة من الصاحب تاج الدين بمنزلة الإجازة والإمضاء لوزارة ابن الخليلي.
ومن أحسن حركة اعتمدها ما حكاه الشيخ صلاح الدين الصفدي حرسه الله تعالى في تاريخه، قال: حكى لي القاضي شهاب الدين ابن فضل الله رحمه الله تعالى قال: اجتزت بتربته، فرأيت إلى جانبها (٣) مكتباً للأيتام وهم يكتبون القرآن في ألواحهم، فإذا أرادا مسحها غسلوا الألواح وسكبوا ذلك على قبره، فسألت عن ذلك فقيل لي: هذا شرط الواقف (٤) ، وهذا قصد حسن وعقيدة صحيحة.
وكان الصاحب بهاء الدين يؤثره على أولاده لصلبه ويعظمه، وكتب له عليه حجة بمبلغ ستين مثقال (٥) مصرية؛ ومن وجاهته وعظمه في النفوس أنه لما نكب على يد الشجاعي جرده من ثيابه وضربه مقرعة واحدة فوق قميصه، ولم يدعه الناس يصل إلى أكثر من ذلك، مع جبروت
стр. 1143
الشجاعي وعتوه وتمكنه من السلطان.
وكان له شعر حسن، فمن ذلك ما كتبه إلى الشراج الوراق في حمار سقط
في بئر فمات:
يفديك جحشك إذ مضى متردياً ... وبتالد يفدى الأديب وطارف
عدم الشعير فلم يجده ولا رأى ... تبناً وراح من الظما كالتالف
ورأى البويرة غير خاف ماؤها ... فرمى حشاشة نفسه لمخاوف
فهو الشهيد لكم بوافر فضلكم ... هذي المكارم لا حمامة خاطف (١)
قوم يموت حمارهم عطشاً لقد ... أزروا بحاتم في الزمان السالف وأجابه الوراق بقصيدة على وزنها في غاية الحسن، أولها:
أدنت ثمار قطوفها (٢) للقاطف ... وثنت بأنفاس النسيم معاطفي ومنها في ذكر الحمار:
ولكم بكيت عليه عند مرابع ... ومراتع رشت بدمعي الذارف
يمشي على عسري ويسري صابراً ... بمعازف (٣) تلهيه دون معالف
وقد استمر على القناعة يقتدي ... بي وهي في ذا الوقت جل وظائفي
ودعاه للبئر الصدى فأجابه ... واعتاقه صرف الحمام الآزف
وهو المدل بألفة طالت وما ... أنسي حقوق مرابعي ومآلفي
ومواقفي في كل ما حاولته ... في الدهر غير مواقفي ومخالفي
دوران ساقية لطاحون ونق ... ل الماء في شات ويوم صائف
стр. 1144
لكن بماء البئر راح بنقله ... قتلته شا مات (١) بموت جارف وبعث الصاحب تاج الدين إلى السراج، وقد ولد له ولد، صلة وثلثاً حريرياً، وكتب مع ذلك أبياتاً خمسة أولها:
بعثت بها وبالثلث الرفيع ... فأجابه الوراق بأبيات أولها:
سرت من جانب العز الرفيع ... إلي بطيب أنفاس الربيع
مصرعة كأني اليوم منها ... ولجت على حبيب والصريع
دعونا الخمسة الأبيات ستاً ... لسبع علقت فوق الجميع
فدينا من هباتك مذهبات ... كأن بحوكها (٢) قطع الربيع
تزيد بلمس كفك حسن وشي ... كحسن الروض بالغيث المريع (٣)
بها أحييت للنفساء نفساً ... ولي معها وللطفل الرضيع
وقد سمنت كيسي بعد ضعف ... به التقت الضلوع مع الضلوع وحكي أنه أضاف جده يوماً ووسع في الضيافة، فلما عاد جده إلى بيته أخذ الناس يتعجبون من همته وكرم نفسه؛ فقال الصاحب بهاء الدين: ليس ما ذكرتموه بعجيب، لأنه نفسه " كريمة ومكنته " (٤) متسعة، والعجيب العجيب كونه طول هذا النهار وما أحضره من المشروب والمأكول من الطعام والفاكهة والحلوى وغير ذلك على اختلاف الأنواع ما قام من مكانه، ولا دعا خادماً " فأسر إليه " ولا أشار إليه بيده ولا طرفه. وقيل إن الناس تعجبوا على كثرتهم من شربهم الماء المبرد في كيزان عامة نهارهم، فسئل عن ذلك فيما بعد
стр. 1145
فقال: اشترينا خمسمائة كوز، وبعثنا إلى الجيران قليلاً قليلاً بردوا ذلك في الباذهنجات (١) التي لهم. ولا شك أنه كان عالي الهمة ممجداً مسوداً.
واعتكف في مئذنة عرفات بجامع مصر ثلاثة أيام، فكتب إليه السراج الوراق:
ثلاثة أيام قطعت لطولها ... ثلاث شديدات من السنوات
حجبن محيا الصاحب ابن محمد ... لتجمع بين الحسن والحسنات
وما كاد قلبي أن يقر قراره ... لأني بمصر وهو في عرفات وقال الحكيم شمس الدين ابن دانيال (٢) يهجوه:
يحتاج ذا التاج من يرصعه ... بدره تحت دالها كسره
فمن رأى عنقه الطويل ولا ... ينزل فيه يموت بالحسره ٤١٧ (٣)
الأثير ابن بنان
محمد بن محمد " بن محمد " (٤) بن بنان الأنباري، أبو طاهر بن أبي الفضل الكاتب؛ من أهل مصر وأصله من الأنبار؛ قرأ الأدب وسمع الحديث، وكان شيخاً جليلاً مهيباً عالماً أديباً كاملاً بليغاً، يكتب الخط الحسن ويقول
стр. 1146
الشعر الجيد ويترسل، وفيه مفاكهة (١) ودماثة أخلاق.
قدم بغداد رسولاً مع قافلة من مكة من جهة سيف الإسلام طغتكين أخي صلاح الدين من اليمن، فأنزل بباب الأزج وأكرم مثواه، وحدث بكتاب " الصحاح في اللغة " للجوهري، وبالسيرة النبوية.
ولد سنة سبع وخمسمائة " بمصر " (٢) وتوفي بها سنة ست وتسعين وخمسمائة، ودفن بالقرافة وله كتاب " تفسير القرآن المجيد " وكتاب " المنظوم والمنثور " في مجلدين، ومن نظمه في صاحب له توفي:
عجباً لي وقد مررت بآثا ... رك كيف اهتديت نهج الطريق
أتراني نسيت عهدك فيها ... صدقوا ما لميت من صديق وكتب الكثير بخطه المليح، وتولى ديوان النظر في الدولة المصرية، وتنقلت به الخدم في الأيام الصلاحية بتنيس وإسكندرية، وكان القاضي الفاضل ممن يغشى بابه (٣) ويمدحه ويفتخر بالوصول إليه.
٤١٨ - (٤)
ابن عروس الكاتب
محمد بن محمد بن عروس الشيرازي، الكاتب الشاعر نزيل سامرا؛ له نظم، وتوفي في سنة ثمانين (٥) ومائتين.
стр. 1147
ومن شعره:
ولقد تأملت الحيا ... ة بعيد فقدان التصابي
فإذا المصيبة بالحيا ... ة هي المصيبة بالشباب وله أيضاً في أبي العيناء:
طرف أبي العيناء معلول (١) ... ودينه لا شك مدخول
وليس ذا علم بشيء ولا ... له إذا حصلت محصول
ما هو إلا جملة غثة ... وليس للجملة تفصيل قال محمد بن عروس: اجتمعت أنا وعلي بن الجهم في سفينة، ونحن غير متعارفين فتذاكرنا ووجدت له مذاكرة حلوة، فكان في بعض ما قاله: أنا أشعر الناس، قلت: بماذا؟ قال: بقولي (٢) :
سقى الله ليلاً ضمنا بعد هجعة ... وأدنى فؤاداً من فؤاد معذب
فبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب فقلت: والله قد أحسنت، ولكنني أشعر منك، قال: بأي شيء؟ قلت: بقولي:
لا والمنازل من نجد وليلتنا ... بفيد إذ جسدانا بيننا جسد
كم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... نوماً فما انفك لا خد ولا عضد فقال: أحسنت، ولكن بما صرت أشعر مني؟ قلت: لأنك منعت دخول جسد بين جسدين، وأنا منعت دخول عرض بين جسدين، قال: من أنت؟ قلت (٣) : أنا ابن عروس فمن أنت؟ قال: أنا علي بن الجهم.
стр. 1148
٤١٩ - (١)
أبو الحسن البصروي
محمد بن محمد بن أحمد، أبو الحسن البصروي، وبصرى قرية بدجيل دون عكبرا؛ كان شاعراً فصيحاً مطبوعاً له نوادر، منها أنه قال " له " (٢) رجل: لقد شربت البارحة كثيراً فاحتجت للقيام للبول كل ساعة كأني جدي، فقال: لم تصغر نفسك يا سيدي؟ وتوفي ببغداد في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة؛ ومن شعره:
ترى الدنيا وزهرتها فتصبو (٣) ... وما يخلو من الشبهات صب (٤)
فضول العيش أكثره هموم ... وأكثر ما يضرك ما تحب
فلا يغررك زخرف ما تراه ... وعيش لين الأطراف رطب
إذا ما بلغه جاءتك عفواً ... فخذها فالغنى مرعى وشرب
إذا حصل القليل وفيه سلم ... فلا ترد الكثير وفيه حرب وله غير ذلك، ﵀.
стр. 1149
٤٢٠ - (١)
ابن الجنان الشاطبي
محمد بن سعيد بن هشام بن الجنان - بتشديد النون - الشيخ فخر الدين أبو الوليد الشاطبي الحنفي؛ ولد سنة خمس عشرة وستمائة بشاطبة، وقدم الشام وصحب الصاحب كمال الدين ابن العديم وولده قاضي القضاة مجد الدين، فاجتذباه ونقلاه من مذهب مالك إلى مذهب أبي حنيفة، ودرس بالإقبالية (٢) وكان أديباً فاضلاً وشاعراً محسناً، وكان يخالط الأكابر وفيه حسن عشرة ومزاج؛ وتوفي سنة خمس وسبعين وستمائة.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي حرسه الله تعالى: أخبرني الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس قال: أخبرني والدي قال: كنا عند القاضي شمس الدين ابن خلكان وهو ينوب في الحكم بالقاهرة، والشيخ فخر الدين حاضر وهو إلى جانبي، فأنشد:
عرف النسيم بعرفكم يتعرف ... وأخو الغرام بحبكم يتشرف
شرف المتيم في هواكم أنه ... طوراً ينوح (٣) وتارة يتلهف
لطفت معانيه فهب مع الصبا ... فرقيبه بهبوبه لا يعرف
وإذا الرقيب درى به فلأنه ... أخفى عليه من النسيم وألطف
стр. 1150
ولأنه يعد (١) والنسيم ديارهم ... وله على تلك الربوع توقف فقال القاضي شمس الدين: يا شيخ فخر الدين لطفته لطفته إلى أن عاد لا شيء، فالتفت وقال بلسانه: الكاضي (٢) حمار (٣) ما له دوك شيء، يعني القاضي حمار ما له ذوق.
قال أبو حيان: أنشدني فخر الدين ابن الجنان:
أفناني القبض عني ... حتى تلاشى وجودي
وجاءني البسط يحيي ... روحي بالنفس جودي
فقلت للنفس شكراً ... كذاك (٤) بالنفس جودي
وقمت أشطح سكراً ... فغبت عن ذا الوجود وقال أيضاً:
ذكر العذيب فمال من سكر الهوى ... صب على صحف الغرام قد انطوى
يبكي على وادي العقيق بمثله ... ويميل من طرب بمنعطف اللوى
وجهت وجهي نحوهم فبوجههم (٥) ... لا أبتغي غيراً ولا أرجو سوى
وبمهجتي معبود حسن منهم ... فلذا على عرش القلوب قد استوى
أوحى إلى قلبي الذي أوحى له ... فعجبت كيف نطقت فيه عن الهوى وقال أيضاً:
عليك من ذاك الحمى يا رسول ... بشرى (٦) علامات الرضى والقبول
стр. 1151
جئت وفي عطفيك منهم شذاً ... يسكر من خمر هواه العذول
يكفيك تشريفاً رسول الرضى ... أنك للعشاق فيهم رسول
حللتم قلبي وهو الذي ... يقول في دين الهوى بالحلول وقال أيضاً:
وأبيك لم يخفق حشاي وإنما ... طرباً بأودية العقيق يصفق
بالله قولوا من أكون لديهم ... حتى أرى بهواهم أتعشق
نطق الغرام بحالهم لما رأى ... أن اللسان بحاله لا ينطق
لا يدعي فيه الفؤاد خفوقه ... فوشاح من أهوى لعمري أخفق وقال أيضاً:
ودوح بدت معجزات له ... تبين عليه وتدعو إليه
جرى النهر حتى سقى غصنه ... فمال يقبل شكراً يديه
وكف الصبا ضيعت (١) حليه ... فأضحى الحمام ينادي لديه
كساه الأصيل ثياب الضنى ... فحل طبيب الدياجي لديه
وجاء النسيم له عائداً ... فقام له لاثماً معطفيه وقال أيضاً (٢) :
خبر بأنفاس النسيم معطر ... وافى إلي فظلت منه أسكر
لله ما أحلى شمائله التي ... جاء النسيم بعرفها يتبختر
وافى وما في القوم من يدري به ... إلا فتى في حبه متنكر
تتلى أحاديث الغرام بقلبه ... ولسانه عما به يستخبر
حتى إذا غنى له الحادي بهم ... وسرى له من نشر ليلى العنبر
стр. 1152
هز المعاطف ثم راح مولهاً ... نشوان في ذيل الصبا يتعثر
متهتكاً في العاشقين كما ترى ... يبدي الذي يخفيه منه ويضمر
سلطان حبي فيك أرسل أدمعاً ... أمست بأخبار الغرام تخبر
فقرأت منها في صحيفة وجنتي ... ما لا وعينك باللسان تعبر
نزلوا حديقة مقلتي أو ما ترى ... أغصان أهدابي بدمعي تزهر؟
لا أقفرت تلك المنازل منهم ... أبداً وربع الصبر منهم مقفر وقال أيضاً:
يا رعى الله عيشنا روض ... حيث مال السرور فيه نميل
تحسب النهر عنده يتثنى ... وتخال الغصون فيه تسيل وقال أيضاً:
أهيل الحي هل علم الفريق ... بأني فيكم صب مشوق
نعم علموا وذاك لأن دمعي ... غداة البين سال به الطريق
أتأتون الحجاز وما علمتم ... بأن القلب بيتكم العتيق؟
وألفاظي العذيب وفي ضلوعي ال ... حمى ودموع مقلتي العقيق وقال أيضاً:
لي حبيب عن حبه لا أحول ... إن شرح الغرام فيه يطول
قال لي عاذلي: تناس هواه ... قلت: أنسى يا عاذلي ما تقول
ولعمري لقد نسيت فقل لي ... أنت فيه مساعد أم عذول؟
لو ضللنا في فترة من هواه ... لهدانا من مقلتيه رسول وقال أيضاً:
قم فاسقنيها وجيش الليل منهزم (١) ... والصبح أعلامه محمرة العذب
стр. 1153
والسحب قد نثرت في الروض لؤلؤها ... فضمها الشمس في ثوب من الذهب (١) وقال أيضاً:
حديث ذاك الحمى روحي وريحاني ... فكيف يصبر عن هذين جثماني
فمن هواك لذاك الحسن راح به ... في الحي كل خلي القلب يهواني
ثم انثنيت وبي من سكرة طرب ... أهز عطفي به تيهاً وأرداني
وحقهم لو ملكت الكون أجمعه ... وهبته طمعاً في وصل هجراني وقال أيضاً:
بروحي وقلبي مبسمه الذي ... أبان لنا زهراً بأرض عقيق
وخاف بأن يسري النسيم بعطره ... فأصبح يخفيه بستر شقيق ٤٢١ (٢)
سعد الدين ابن عربي
محمد بن محمد بن علي بن العربي الطائي الحاتمي، سعد الدين ابن الشيخ محيي الدين ابن العربي، الأديب الشاعر؛ ولد بملطية في رمضان سنة ثمان عشرة وستمائة، سمع الحديث ودرس، وكان شاعراً مجيداً وله ديوان مشهور؛ وتوفي بدمشق سنة ست وثمانين وستمائة (٣) ، ودفن عند قبر أبيه بسفح قاسيون في تربة بني الزكي.
стр. 1154
ومن شعره في مليح رآه بالزيادة بدمشق:
يا خليلي في الزيادة ظبي ... سلبت مقلتاه جفني رقاده
كيف أرجو السلو عنه وطرفي ... ناظر حسن وجهه في الزيادة وقال في مليح قاض:
ورب قاض لنا مليح ... يعرب عن منطق لذيذ
إذا رمانا بسهم لحظ ... قلنا له دائم النفوذ وقال في مليح قواس:
قلت لقواس له طلعة ... من رام عنها الصبر لم يقدر
يا من له وجه كبدر الدجى ... بكم تبيع القوس للمشتري وله أيضاً:
لما تبدى عارضاه في نمط ... قيل ظلام بضياء اختلط
وقيل نمل فوق عاج سقط ... وقال قوم إنها اللام فقط وقال أيضاً (١) :
فاتر الطرف فاتك ... لدم الصب سافك
هاجر لي مواصل ... آخذ لي وتارك
وعلى كل حالة ... فهو مولى ومالك
قد أراني الدجى ضحى ... وجهه وهو ضاحك
يا سليماً من الأسى ... أنا والله هالك
لي حال كمثل شع ... رك يا بدر حالك
كم صبا فيك عابد ... ولكم ضل ناسك
стр. 1155
لك والله منظر ... قل فيه المشارك (١)
إن يوماً أراك في ... هـ ليوم مبارك وقال:
أسباك نرجس مقلتيه المضعف ... يا للهوى غلب القوي الأضعف
فتكت بقلبك مرهفات جفونه ... سله على م عليه سل المرهف
ويروقني الورد الجني بخده ... واهاً له لو كان مما يقطف
إن سامني فيه الهوان فإنني ... أبداً بعشق جماله أتشرف
يثنيه عن وصلي العفاف وطرفه ... أبداً يريق دمي ولا يتعفف
أمعنفي قسماً بمن قسم الهوى ... وقضى بأنك في الغرام تعنف
ما أبصرت عيناك أحسن منظراً ... من وجهه لو كنت ممن ينصف
قال الحبيب وقد رآني مبدياً ... فرط التأسف لو أفاد تأسف
مالي أراك لفرك حبك حاكياً ... يعقوب؟ قلت له: لأنك يوسف وقال أيضاً:
أن بالأحبة لا أزال مولها ... إن لم أكن أنا للصبابة من لها
جاء البشير بهم فلولا أنني ... عبد لهم لبذلت نفسي كلها
شرفت بهم منا القلوب وإنما ... شرف المنازل بالذي قد حلها
آه على أيامنا بطويلع ... ما كان أطيبها لنا وأجلها
لاحت منازلهم بأعلى المنحنى ... قف بي لألثم حزنهن وسهلها
يا سادة ملكوا النفوس لأنهم ... كانوا أحق بها وكانوا أهلها وقال أيضاً في مليح يسمى بابن الفويرة:
زعموا بأن المسك فارته اغتدت ... تجنى من الظبي الغرير وتجلب
стр. 1156
نسبوا الفويرة للغزال وما دروا ... أن الغزال إلى الفويرة ينسب وقال أيضاً في مليح سمين:
وقالوا من كلفت به سمين ... وذلك لا يخف على القلوب
فقلت لهم نحول الجسم وصف ال ... محب وليس من وصف الحبيب وقال أيضاً في مليح ضعيف:
قيل لي جسم من تحب نحيل ... وهو مما يشينه فاسل عنه
قلت ما ذاك من سقام ولكن ... خفة الروح أعدت الجسم منه وقال أيضاً:
ألا يا سائلي عن شرح حالي ... سؤال المشفق البر الرحيم
فأما الجسم فهو كما تراه ... سقيم مثل ناظرك السقيم
وأما حال قلبي يا حبيبي ... فلا تسأل عن أصحاب الجحيم وقال أيضاً ذوبيت:
قد طارحني الحديث في ناديه ... بدر حسن جميع ما يبديه
يا مهدي در لفظه من فيه ... شرفت مسامعي فإيه إيه وقال أيضاً:
يا للهوى ما لي من راحم ... يأخذ حقي منك يا ظالمي
لو لم تكن في مهجتي حاكماً ... ما غبت عني غيبة الحاكم وقال أيضاً ذوبيت:
صبرت فؤادي عنهم إذ جاروا ... في الحب وأرباب الهوى أطوار
نادوني كم تظهر عنا جلداً ... في قلبك غيرنا؟ فقلت: النار وقال أيضاً:
أليلة وصل كنت أم ليلة القدر ... سقى عهدك الماضي سلاف من الخمر
стр. 1157
لئن كان ذاك العهد ولى ولم يدم ... فإني له إني له دائم الذكر
أآمل أن الدهر يسخو برده ... فوا أسفاً ما ذاك من شيم الدهر (١)
وبي رشأ أهوى رشاقة قده ... إذا ما انثنى يا خجلة الغصن النضر
أيا صنم الحسن الذي فتن الورى ... وبرهان قولي أن قلبك من صخر
سباني ثغر منك كالدر نظمه ... ويا من رأى دراً يشبه بالبدر
أشاهد ريقاً منه كالشهد طعمه ... وما ذقته يوماً ولكنني أدري ٤٢٢ (٢)
النور الإسعردي
محمد بن محمد - " وقيل محمد " (٣) ابن عبد العزيز - ابن عبد الصمد بن رستم الإسعردي نور الدين الشاعر؛ ولد سنة تسع عشرة وستمائة، وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة؛ كان من كبار شعراء الملك الناصر وله به اختصاص، وله ديوان شعر، وغلب عليه المجون، وأفرد هزلياته من شعره وجمعها وسماها " سلافة الزرجون في الخلاعة والمجون " وضم إليها أشياء من نظم غيره، وكان ماجناً (٤) خليعاً يجلس (٥) تحت الساعات؛ حضر ليلة عند الملك
стр. 1158
الناصر في مجلس أنس، فخلع عليه قباء وعمامة بطرف (١) ذهب، فأتى بهما من الغد وجلس تحت الساعات.
ومن شعره:
ولقد بليت بشادن أن لمته ... في قبح ما يأتيه ليس بنافع
متبذل في خسة وجهالة ... ومجاعة كشهود باب الجامع وحضر ليلة عند الناصر في مجلس أنس، وكان في شرف الدين ابن الشيرجي، وكان ألحى، فقام ابن الشيرجي فقضى شغله وعاد، فأشار إليه السلطان بصفع النور الإسعردي فصفعه، فلما فعل نزلت ذقنه على كتف النور، فقبض عليها وأنشد في الحال:
قد صفعنا في ذا المحل الشريف ... وهو إن كنت ترتضي تشريفي
فارث للعبد من مصيف صفاع ... يا ربيع الندى وإلا خري في قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: ما أحسن ما أتى بياء المنادى هنا لتشريح التورية بين الربيع والخريف، وقوله " وإلا خري في " من أحسن التورية (٢) بقرينة إمساكه ذفن ابن الشيرجي، وقد ظرف غاية.
وأضر قبل موته فقال:
قد كنت من قبل في أمن وفي دعة ... طرفي يرود لقلبي روضة الأدب
حتى تلقبت نور الدين فانعمشت ... عيني وحول ذاك النور للقب (٣) وقال أيضاً:
سألت الله يختم لي بخير ... فعجل لي ولكن في عيوني
стр. 1159
وقال أيضاً:
يا سائلي لما رأى حالتي ... والطرف منى ليس بالمبصر
لست أحاشيك ولكنني ... سمحت بالعينين للأعور وقال أيضاً:
قلت إذ راح ناعساً ثم أبدى (١) ... ضرطة آذنت لشملي بجمع
" فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي " (٢) وقال مضمناً قول المتنبي:
سباني معسول المراشف عاسل ال ... معاطف مصقول السوالف مائد
يروم على أردافه الخصر مسعداً ... " إذا عظم المطلوب قل المساعد " وقال أيضاً:
قلت يوماً للصدر (٣) هل تثبت الب ... عث وتنفي إنكارهم للحشر
قالت أثبت ذقنك في استي ... قال أنفي فقلت في وسط حجري وقال أيضاً يفضل حشيش الفقراء (٤) :
لك الخير لا تسمع كلام المفند ... ودونك في فتياك غير مقلد
سألت عن الخضراء والخمر فاسمتع ... مقالة ذي رأي مصيب ومسدد
وحقك ما بالخمر بعض صفاتها ... أتشرب جهراً في رباط ومسجد؟
عليك بها خضراء غير مبالغ ... بأبيض ورق أو بأحمر عسجد
ولكن على رغم المدام هدية ... تنزه عن بيع بغير التزهد
стр. 1160
رياضية يحكي الجنان اخضرارها ... وخمرهم كالمارج المتوقد
مدامهم تنسي المعاني وهذه ... تذكر أسرار الجمال الموحد
هي السر ترقى الروح فيها إلى ذرى ال ... معالم في معراج فهم مجرد
بل الروح حقاً لا يحل بربعها ... هموم ولا يحظى بها غير مهتدي
ولا داسها العصار عمداً ودنس ال ... دنان بمختوم من القار أسود
ولا تتعب الأبدان عند نزالها ... وفي القيء إذ تبدو كزق ممدد
ولا تستخف الناس عقلك بينهم ... لعمري ولا تدعى لديهم بمفسد
وفي طرف المنديل يوماً وعاؤها ... ويعتاض عن حمل الزجاجة باليد
وتخلص من إثم وحد ولا ترى ... ذليلاً وتنجو من نديم معربد
وتشربها في العسر واليسر دائماً ... ولا تتقي فيها ليالي التعبد
وتأمن كبسات الحماة وكيدهم ... وتسلم من جور الولاة ولا تدي
وتغدوا ذكياً فاضلاً ذا نباهة ... ظريفاً ولا يغشاك فرط تبلد
وتصبح عند الناس غير مبغض ... وتمنح من كل بحسن التودد
وإن ذاقها المعشوق وافاك خلسة ... من الحاسد الواشي على غير موعد
ومن فضلها في الطب جودة هضمها ... وهيهات يحصى فضلها لمعدد
ولا سيما إن كان فيها منادمي ... غزال كغصن البانة المتأود
ينادم بالشعر اللطيف وتارة ... يغني فيزري بالحمام المغرد
يغازلني سراً بعيني غزالة ... ويبسم عن ثغر كدر منضد
فلا تستمع فيها مقالة عاذل ... يصدك عنها واعص كل مفند وقال أيضاً يفضل الخمر على الحشيش:
فديتك نور الحق قد لاح فاهتد ... نديمي وكن في اللهو غير مقلد
أترضى بأن تمسي شبيه بهيمة ... بأكل حشيش يابس غير أرغد
فدع رأي قوم كالدواب ولا تدر ... سوى درة كالكواكب المتوقد