المكتفي، فكانت ولايته تسع سنين وتسعة أشهر وأياماً. وهو أحد من ولي الخلافة ولم يكن أبوه خليفة، وهم: السفاح والمنصور والمستعين والمعتضد.
وكان المعتضد حسن الميل إلى آل الرسول ﷺ ، وتزوج قطر الندى بنت خمارويه، أصدقها ألف ألف درهم.
ومن شعره:
غلب الشوق اصطباري ... لتباريح الفراق
إن جسمي حيث ما سر ... ت وقلبي بالعراق
أملك الأرض ولا أم ... لك دفع الإشتياق وحكى ابن حمدون النديم أن المعتضد كان قد شرط علينا أنا إذا رأينا منه شيئاً ننكره نقول له، وإن اطلعنا على عيب واجهناه به، قال: فقلت له يوماً: يا مولانا في قلبي شيء أردت سؤالك عنه منذ سنين، قال: ولم أخرته إلى اليوم؟ قلت: لاستصغاري قدري ولهيبة الخلافة، قال: قل ولا تخف، قلت: اجتاز مولانا ببلاد فارس، فتعرض الغلمان للبطيخ الذي كان في تلك الأرض، فأمرت بضربهم وحبسهم، وكان ذلك كافياً، ثم أمرت بصلبهم، وكان ذنبهم لا يجوز عليه الصلب، فقال: أوتحسب أن المصلبين كانوا أولئك الغلمان؟ وبأي وجه كنت ألقى الله تعالى يوم القيامة لو صلبتهم لأجل البطيخ؟ وإنما أمرت بإخراج قوم من قطاع الطريق كان وجب عليهم القتل، وأمرت أن يلبسوا أقبية الغلمان وملابيسهم إقامة للهيبة في قلوب العسكر، ليقولوا: إذا صلب أخص غلمانه على غصب البطيخ فكيف يكون على غيره؟ وأمرت بتلثيمهم ليستتر أمرهم على الناس.
стр. 72
٣٤ - (١)
الشيخ تقي الدين بن تيمية
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني الشيخ الإمام العلامة الفقيه المفسر الحافظ المحدث، شيخ الإسلام نادرة العصر، ذو التصانيف والذكاء، تقي الدين أبو العباس ابن العالم المفتي شهاب الدين، ابن الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات. ولد بحران عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين، وتحول به أبوه إلى دمشق سنة سبع وستين، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
سمع من ابن عبد الدايم وابن أبي اليسر والكمال ابن عبد والشيخ شمس الدين والقاسم الاربلي وابن علان وخلق كثير، وقرأ بنفسه، ونسخ عدة أجزاء، وصار من أئمة النقد ومن علماء الأثر مع التدين والذكر والصيانة والنزاهة عن حطام هذه الدار، ثم أقبل على الفقه ودقائقه، وغاص على مباحثه. وأما أصول الدين ومعرفة أقوال الخوارج والروافض والمعتزلة والمبتدعة فكان لا يشق فيها غباره، مع ما كان عليه من الكرم الذي لم يشاهد مثله، والشجاعة المفرطة، والفراغ عن ملاذ النفس: من اللباس الجميل، والمأكل الطيب، والراحة الدنيوية.
قيل إن والدته طبخت له يوماً قرعية، ولم تذقها أولاً وكانت مرة، فلما ذاقتها تركتها على حالها، فأتى الشيخ إلى الدار فرأى القرعية، فأكل منها حتى
стр. 73
شبع، وما أنكر منها شيئاً (١) .
وحكي أنه كان قد شكا له إنسان من قطلوبك الكبير (٢) ، وكان المذكور فيه جبروت وأخذ أموال الناس واغتصابها، وحكاياته في ذلك مشهورة، فلما دخل إليه الشيخ، وتكلم معه في ذلك، قال: أنا الذي كنت أريد أجي إليك لأنك رجل عالم زاهد، يعني يستهزي به، فقال له: لا تعمل علي دركوان (٣) ، موسى كان خير مني وفرعون كان شراً منك، وكان موسى كل يوم يجي إلى باب فرعون مرات، ويعرض عليه الإيمان.
قال الشيخ شيم الدين: وصنف في فنون، ولعل تواليفه تبلغ ثلثمائة مجلدة. وكان قوالاً بالحق، نهاءً عن المنكر، ذا سطوة وإقدام وعدم مداراة، وكان أبيض أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عيينه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، جهوري الصوت، فصيح اللسان، سريع القراءة، توفي محبوساً في قلعة دمشق على مسألة الزيارة، وكانت جنازته عظيمة إلى الغاية، ودفن في مقابر الصوفية صلى عليه قاضي القضاة الشيخ علاء الدين القونوي، انتهى كلام الشيخ شمس الدين الذهبي.
ذكر تصانيفه:
كتب التفسير: قاعدة في الاستعاذة، قاعدة في البسملة والكلام على الجهر بها، قاعدة في قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعين، وقطعة كبيرة من سورة البقرة في قوله تعالى " ومن النّاس مَنْ يَقول آمنّا بالله وباليوم الآخر " ثلاث كراريس، وفي قوله تعالى " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا " كراسين، وفي قوله تعالى " يا أيها النّاس اعبدوا " سبع كراريس. " إلاّ مَن سَفِه نَفْسَه " كراسة. آية الكرسي، كراسان، وفي قوله " شهد الله أنّه
стр. 74
لا إله إلاّ هو " ست كراريس؛ " ما أصابك من حسنة " عشر كراريس، وغير ذلك من سورة آل عمران، تفسير المائدة مجلد لطيف. " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة " ثلاث كراريس. " وإذ أخذ ربك من بني آدم " سبع كراريس. سورة يوسف، مجلد كبير. سورة النمر، مجلد لطيف (١) . سورة القلم وأنها أول سورة أنزلت، مجلد. سورة لم يكن. سورة الكافرون. سورة تبت والمعوذتين، مجلد. سورة الإخلاص، مجلد.
كتب الأصول: الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية، أربع مجلدات. ما أملاه في الجب رداً على تأسيس القديس. شرح أول المحصل، مجلد. شرح بضع عشرة مسألة من الأربعين للإمام فخر الدين. تعارض العقل والنقل، أربع مجلدات. جواب ما أورده كمال الدين ابن الشريشي، مجلد. الجواب الصحيح، رد على النصارى، ثلاث مجلدات. منهاج الاستقامة. شرح عقيدة الأصفهاني مجلد. شرح أول كتاب الغزنوي في أصول الدين، مجلد. الرد على المنطق، مجلد. رد آخر لطيف. الرد على الفلاسفة، أربع مجلدات. قاعدة في القضايا الوهمية، قاعدة في تناهي ما لا يتناهى (٢) ، جواب الرسالة الصفدية. جواب في نقض قول الفلاسفة: إن معجزات الأنبياء ﵈ قوى نفسانية، مجلد كبير. إثبات المعاد والرد على ابن سينا. شرح رسالة ابن عبدوس في كلام الإمام أحمد في الأصول. ثبوت النبوات عقلاً ونقلاً والمعجزات والكرامات، مجلدان. قاعدة في الكليات، مجلد لطيف. الرسالة القبرصية. رسالة إلى أهل طبرستان وجيلان في خلق الروح والنور. الرسالة البعلبكية. الرسالة الأزهرية. القادرية. البغدادية. أجوبة الشكل والنقط. إبطال الكلام النفساني أبطله من نحو ثمانين وجهاً. جواب من حلف بالطلاق الثلاث أن القرآن حرف وصوت. إثبات الصفات
стр. 75
والعلو والاستواء مجلدان. المراكشية. صفات الكمال والضابط فيها. جواب في الاستواء وإبطال تأويله بالاستيلاء. جواب من قال: لا يمكن الجمع بين إثبات الصفات على ظاهرها مع نفي التشبيه. أجوبة كون العرش والسموات كرية وسبب قصد القلوب جهة العلو. جواب كون الشيء في جهة العلو مع أنه ليس بجوهر أو عرض معقول أو مستحيل. جواب هل الاستواء والنزول حقيقة؟ وهل لازم المذهب مذهب سماه الإربلية. مسألة النزول واختلاف وقته باختلاف البلدان والمطالع، مجلد لطيف. شرح حديث النزول، مجلد كبير. بيان حل إشكال ابن حزم الوارد على الحديث. قاعدة في قرب الرب من عابديه وداعيه، مجلد. الكلام على نقض المرشدة. المسائل الإسكندرية في الرد على الاتحادية والحلولية. ما تضمنه فصوص الحكم. جواب في لقاء الله. جواب رؤية (١) النساء ربهن في الجنة. الرسالة المدنية في إثبات الصفات النقلية. الهلاوونية. جواب ورد على لسان ملك التتار، مجلد. قواعد في إثبات القدر والرد على القدرية والجبرية، مجلد. رد على الروافض في الإمامة (٢) على ابن مطهر. جواب في حسن إرادة الله تعالى لخلق الخلق وإنشاء الأنام لعلة أم لغير علة. شرح حديث فحج أدم موسى. تنبيه الرجل الغافل على تمويه المجادل، مجلد. تناسي الشدائد في اختلاف العقائد، مجلد. كتاب الإيمان، مجلد. شرح حديث جبريل في حديث الإيمان والإسلام، مجلد. عصمة الأنبياء ﵈ فيما يبلغونه. مسألة في العقل والروح. مسألة في المقربين: هل يسألهم منكر ونكير. مسألة هل يعذب الجسد مع الروح في القبر. الرد على أهل الكسروان (٣) ، مجلدان. في فضل أبي بكر وعمر ﵄ على غيرهما. قاعدة في فضل معاوية وفي ابنه يزيد لا يسب. في تفضيل صالحي الناس على سائر الأجناس. مختصر في
стр. 76
كفر النصيرية. في جواز قتال الرافضة، كراسة. في بقاء الجنة والنار وفي فنائهما رد على (١) مولانا قاضي القضاة تقي الدين السبكي أعزه الله تعالى.
كتب أصول الفقه: قاعدة غالبها أقوال الفقهاء، مجلدان. قاعدة كل حمد وذم من المقالات والأفعال لا يكون إلا بالكتاب والسنة. شمول النصوص للأحكام، مجلد لطيف. قاعدة في الإجماع وأنه ثلاثة أقسام. جواب في الإجماع وخبر التواتر. قاعدة في كيفية الاستدراك على الأحكام بالنص والإجماع. في الرد على من قال إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، ثلاث مصنفات. قاعدة فيما يظن من تعارض النص والإجماع. مواخذ (٢) على ابن حزم في الإجماع. قاعدة في تقرير القياس. قاعدة في الاجتهاد والتقليد في الأحكام. رفع الملام عن الأئمة الأعلام. قاعدة في الاستحسان. وصف العموم والإطلاق. قواعد في أن المخطىء في الاجتهاد لا يأثم. هل العامي يجب عليه تقليد مذهب معين. جواب في ترك التقليد. فيمن يقول مذهبي مذهب النبي ﵇ وليس أنا محتاج (٣) إلى تقليد الأربعة. جواب من تفقه في مذهب ووجد حديثاً صحيحاً هل يعمل به أو لا. جواب تقليد الحنفي الشافعي في الجمع للمطر (٤) والوتر. الفتح على الإمام في الصلاة. تفضيل قواعد مذهب مالك وأهل المدينة. تفضيل الأئمة الأربعة وما امتاز به كل واحد منهم. قاعدة في تفضيل الإمام أحمد. جواب هل كان النبي ﷺ قبل الرسالة نبياً. جواب هل كان النبي ﷺ متعبداً بشرع من قبله. قواعد أن النهي يقتضي الفساد (٥) .
كتب الفقه: شرح المحرر في مذهب أحمد، ولم يبيض. شرح العمدة لموفق
стр. 77
الدين، أربع مجلدات. جواب مسائل وردت من أصفهان. جواب مسائل وردت من الأندلس. جواب مسائل وردت من الصلت. مسائل من بغداد. مسائل وردت من زرع. مسائل وردت من الرحبة. أربعون (١) مسألة لقبت (٢) الدرر المضية في فتاوى ابن تيمية. الماردانية. الطرابلسية. قاعدة في المياه والمائعات وأحكامهما. طهارة بول ما يؤكل لحمه. قاعدة في حديث القلتين وعدم رفعه. قواعد في الاستجمار وتطهير الأرض بالشمس والريح. جواز الاستجمار مع وجود الماء. نواقض الوضوء. قواعد في عدم نقضه بلمس النساء. التسمية على الوضوء. خطأ القول بجواز المسح على الخفين. جواز المسح على الخفين المنخرقين والجوربين واللفائف. فيمن لا يعطي أجرة الحمام. تحريم دخول الحمام بلا مئزر. في الحمام والاغتسال. ذم الوسواس. جواز طواف الحائض. تيسير العبادات لأرباب الضرورات بالتيمم والجمع بين الصلاتين للعذر. كراهية التلفظ بالنية وتحريم الجهر بها. الكلم الطيب في الأذكار. كراهية تقديم بسط سجادة المصلي قبل مجيئه. في الركعتين اللتين تصليان (٣) قبل الجمعة، في الصلاة بعد أذان الجمعة. القنوت في الصبح والوتر. قتل تارك المباني وكفره. الجمع بين الصلاتين في السفر. فيما يختلف حكمه بالسفر والحضر. أهل البدع: هل يصلى خلفهم صلاة بعض أهل المذاهب خلف بعض. الصلوات المبتدعة. تحريم السماع. تحريم الشبابة. تحريم اللعب بالشطرنج. تحريم الحشيشة القنبية ووجوب الحد عليها وتنجيسها. النهي عن المشاركة في أعياد النصارى واليهود وإيقاد النيران في الميلاد ونصف شعبان وما يفعل في عاشوراء من الحبوب. قاعدة في مقدار الكفارة في اليمين. في أن المطلقة بثلاثة لا تحل إلا بنكاح زوج ثان. بيان الحلال والحرام في الطلاق. جواب من حلف لا يفعل شيئاً على المذاهب الأربعة ثم طلق ثلاثاً في الحيض.
стр. 78
الفرق المبين بين الطلاق واليمين. لمحة المختطف في الفرق بين الطلاق والحلف. كتاب التحقيق في الفرق بين الأيمان والتطليق. الطلاق البدعي لا يقع. مسائل الفرق بين الطلاق البدعي والخلع ونحو ذلك. مناسك الحج. في حجة النبي ﷺ . في العمرة المكية. في شهر (١) السلاح بتبوك وشرب السويق بالعقبة وأكل التمر بالروضة وما يلبس المحرم وزيارة الخليل ﵇ عقيب الحج. زيارة القدس مطلقاً. جبل لبنان كأمثاله من الجبال ليس فيه رجال الغيب (٢) ولا أبدال. جميع أيمان المسلمين مكفرة.
الكتب في أنواع شتى: جمع بعض الناس فتاويه بالديار المصرية مدة مقامه بها سبع سنين في علوم شتى، فجاءت ثلاثين مجلد. الكلام على بطلان الفتوة المصطلح عليها بين العوام، وليس لها أصل متصل بعلي ﵁. كشف حال المشايخ الأحمدية وأحوالهم الشيطانية. بطلان ما يقوله أهل بيت الشيخ عدي. النجوم: هل لها تأثير عند القران والمقابلة في الكسوف: هل يقبل قول المنجمين فيه ورؤية الأهلة، مجلد. تحريم أقسام المعزمين بالعزائم المعجمة وصرع الصحيح وصفة الخواتيم. إبطال الكيميا وتحريمها ولو صحت وراجت.
ومن نظم الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى على لسان الفقراء المجردين:
والله ما فقرنا اختيار ... وإنما فقرنا اضطرار
جماعة كلنا كسالى ... وأكلنا ما له عيار
تسمع منّا إذا اجتمعنا ... حقيقة كلّها فشار وله أجوبة وسؤالات كان يسألها نظماً فيجيب عنها نظماً، وليس هذا موضع إيراد ذلك رحمه الله تعالى.
стр. 79
٣٥ - (١)
ابن عبد الدايم
أحمد بن عبد الدايم بن أحمد بن نعمة بن إبراهيم بن أحمد بن بكير، المعمر العالم مسند الوقت، زين الدين أبو العباس المقدسي الفندقي الحنبلي الناسخ؛ ولد بفندق المشايخ (٢) من جبل نابلس سنة خمس وسبعين وخمسمائة وأدرك الاجازة (٣) التي من السلفي لمن أدرك حياته، وأدرك الإجازة الخاصة (٤) من خطيب الموصل أبي الفضل الطوسي وأبي الفتح بن شاتيل ونصر الله القزاز وخلق سواهم. وسمع من يحيى الثقفي وأبي (٥) الحسين الموازيني ومحمد بن علي بن صدقة والمكرم بن هبة الله الصوفي وبركات الخشوعي وابن طبرزد والحافظ عبد الغني. ودخل بغداد وسمع من ابن كليب وطبقته، وتفقه على الشيخ الموفق، وكتب بخطه المليح السريع ما لا يوصف، لنفسه وبالأجرة، حتى كان يكتب إذا تفرغ في اليوم تسع كراريس قيل إنه كان يكتب الخرقي (٦) في ليلة واحدة، وكان ينظر في الصفحة مرة واحدة ويكتبها، ولازم النسخ خمسين سنة، وخطه لا نقط ولا ضبط، وكتب ألفي مجلدة.
стр. 80
وكان تام القامة، حسن الأخلاق والشكل، وولي خطابة كفر بطنا (١) ، وأنشأ خطباً كثيرة، وحدث ستين سنة.
روى عنه الشيخ محيي الدين والشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد وشرف الدين الدمياطي وابن الظاهري وابن جعوان وابن تيمية ونجم الدين ابن صصرى وشرف الدين الفزاري وأخوه تاج الدين، وولده برهان الدين، وإمام الكلاسة ومنيف قاضي القدس وعلاء الدين بن العطار وعلاء الدين ابن غانم، وخلق كثير بمصر والشام، وتفرد بالكثير، وكف بصره في آخر عمره، وتوفي لتسع خلون من رجب سنة ثمان وستين وستمائة. ومن شعره لما أضر، رحمه الله تعالى:
إن يذهب الله من عيني نورهما ... فإنّ قلبي بصير ما به ضرر
والله إنّ لكم في القلب منزلةً ... ما نالها قبلكم أنثى ولا ذكر
وصالكم لي حياةٌ لا نفاد لها ... والهجر موت فلا عين ولا أثر ومن شعره:
عجزت عن حمل قرطاس وعن قلم ... من بعد إلفي بالقرطاس والقلم
كتبت ألفا وألفا من مجلدةٍ ... فيها علوم الورى من غير ما ألم
ما العلم فخر امرىءٍ إلاّ لعامله ... إن لم يكن عمل فالعلم كالعدم ٣٦ (٢)
الشارمساحي
أحمد بن عبد الدايم بن يوسف بن قاسم بن عبد الخالق الكناني الشارمساحي؛
стр. 81
قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: مولده بشار مسارح (١) سنة ثلاث وستين وستمائة؛ ومن شعره:
محجبةٌ بين الترائب والحشا ... فدمعي لها طلقٌ وقلبي لها رهن
وحال الهوى ما ليس يدرك كنهه ... وهل هو وهمٌ يعتري القلب أو وهن
ومسلكه بالطرف سهلٌ وإنما ... له منهج أعيا القلوب به حزن
لديه الأماني بالمنايا مشوبةٌ ... وفيه الرجا واليأس والخوف والأمن
وكم مهلكٍ فيه يقين لعاشق ... ومطلبه من دونه في الورى ظن (٢) وله أيضاً:
تخشى الظُّبا والظِّبا من فتك ناظره ... وإن تثنّى فلا تسأل عن الأسل
لا واخذ الله عينيه فقد نشطت ... إلى تلافي وفيها غاية الكسل
يرمي القلوب فلا ندري أقام بها ... هاروت أم ذاك رام من بني ثعل
هذا الغزال الذي راقت محاسنه ... فلا عجيبٌ عليه رقة الغزل
لما تواليت من وجدٍ ومن شغفٍ ... تحقق النّاس أنّي مغرم بعلي ومن شعره:
لا تعجبوا للمجانيق التي رشقت ... عكّا بنار وهدّتها بأحجار
بل اعجبوا للسان النار قائلةً ... هذي منازل أهل النار في النار
стр. 82
٣٧ - (١)
ابن نفادة
أحمد بن عبد الرحمن بن علي بن نفادة السلمي الأديب البارع بدر الدين نشو الدولة، الشاعر المحسن؛ روى عنه الشهاب القوصي. كان رئيساً وديوانه مشهور. توفي سنة إحدى وستمائة وقد ناهز الستين. وله مدائح كثيرة في السلطان صلاح الدين الكبير وفي أولاده وأخيه العادل وجماعته، وفي الوزير صفي الدين ابن القابض، وفي القاضي الفاضل والقاضي ابن الشهرزوري ومحيي الدين ابن الزكي؛ وهو من المشهورين بحسن النظم، فمن شعره لغز في يوسف:
يا سائلي ما اسم الذي أحببته ... إنّي بسرّ هواه غير مصرّح
لكن إذا فكرت فيه وجدته ... معكوس سابع لفظةٍ في سبح (٢) ومن شعره:
إن أعوز الحاذق فاستبدلوا ... مكانه آخر لم يحذق
فلاعب الشطرنج من شأنه ... وضع حصاةٍ موضع البيذق وقال:
أفدي التي سفرت فقابل ناظري ... مرآة وجهٍ بالجمال صقيل
أبكي فأبصر أدمعي في خدّها ... لصقاله فأظنها تبكي لي أخذه من قول الأرجاني (٣) :
стр. 83
قابلني حتى بدت أدمعي ... في خده المصقول مثل المراه
يوهم صحبي أنه مسعدي ... بأدمعٍ لم تذرها مقلتاه
وإنّما قلّدني منّةً ... بدمع عينٍ من جفوني مراه
ولم يقع من دمعه قطرةٌ ... إلاّ خيالات دموع البكاه وقال ابن نفادة:
حتام إن أمر الغرام وإن نهى ... طاوعته وعصيت في الحبّ النّهى
أرضيت جفني للدموع موهلاً ... أبداً وقلبي بالولوع مولها
قد كنت معتمداً على صبري إذا ... ما الخطب فاجاني وها صبري وهى
ومدلّلٍ ما زلت من هجرانه ... أبداً على مرّ الزمان مدلّها
متأوّد الأعطاف، قلب محبّه ... ما زال من إعراضه متأوّها
تجني على عشّاقه وجناته ... بالصدّ فهو (١) المشتكى والمشتهى
فيه إذا عدّ الملاح المبتدا ... وإلى غرامي في هواه المنتهى
يا مطلعين لنا بدوراً أوجها ... لم يدر غزلاناً تغازل أم مها
فحذار من تلك العيون خديعة ... فبمكرها سلبت فؤادي مكرها وله أيضاً:
دعه مثلي يبكي الصبا وزمانه ... إن ذكراه هيّجت أحزانه
ناح شجواً على ليالٍ وأيّا ... مٍ تقضت لم يقض منها لبانه
كيف يرجو في الأربعين وفاءً ... من شبابٍ قبل الثلاثين خانه
أو ينال اللذات في أخريات (٢) العم؟ ... ر من لم يفز بها ريعانه
стр. 84
وقال:
قد حجبوا البيض ببيض الصفاح ... ومنعوا السّمر بسمر الرماح
وأطبقوا أصداف أجفانهم ... فما ترى شمس الصباح الصباح منها:
يثبت تأليف الهوى حسنها ... وقدها للصبر إن ماح ماح
وطرفها مسكرةٌ خمره ... إذا أديرت وهو يا صاح صاح
أمدّ قلبي نحو كاساتها ... رشفاً إذا مدّت إلى الراح راح
واضحها موضح عذري فما ... يلومني فيها إذا لاح لاح وقوله أيضاً:
وامتدّ ليلي إذ سهرت وكلّما ... قصرت جفوني زاد ليلي طولا
وكأن مرآة الصباح تنفسي ال؟ ... صعداء أصدأ وجهها المصقولا وله غير ذلك كل معنى حسن، وديوانه موجود، رحمه الله تعالى وإيانا.
٣٨ - (١)
الحنبلي معبر المنامات
أحمد بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة بن سلطان بن سرور المقدسي الشيخ الإمام العالم شهاب الدين الحنبلي مفسر المنامات؛ ولد بنابلس سنة ثمان وعشرين وستمائة، وسمع من عمه التقي يوسف ومن الصاحب محيي الدين ابن
стр. 85
الجوزي، وسمع بمصر من ابن رواج والساوي وابن الجميزي وسبط السلفي. وروى الكثير.
وكان إليه المنتهى في تعبير الرؤيا، واشتهر عنه في ذلك عجائب، ويخبر بأشياء، وكان بعض الناس يعتقد فيه الكشف والكرامات، وبعضهم يقول: كهانات وإلهامات، ولكل منهم في دعواه شبه وعلامات.
قال الشيخ شمس الدين: حدثني الشيخ تقي الدين ابن تيمية أن شهاب الدين العابر كان له تابع من الجن يخبره بالمغيبات، وكان صاحب أوراد وتعبد، وما برح كذلك حتى مات.
صنف في التعبير مقدمة سماها البدر المنير وكان عارفاً بالمذهب، وذكر الدرس بالجوزية (١) ، وكان شيخاً حسن البشر، وافر الحرمة، معظماً في النفوس، أقام بمصر مدة؛ وكانت وفاته بدمشق سنة سبع وتسعين وستمائة، وحضر جنازته ملك الأمراء والقضاة والأكابر.
وقال الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس: كنت عنده يوماً وقد جاءه إنسان، قال: رأيت كأني صرت أترجة، فقال: أترجة ألف تا را جيم ها، وعدها خمسة أحرف، وقال: أنت تموت بعد خمسة أيام، فإن من رأى أنه صار ثمرة تؤكل فإنه يموت، وهذه زيادة من عنده عدد حروف الأترجة.
وقال بهاء الدين ابن غانم: كنت عنده يوماً، فجاء إليه إنسان ومعه آخر، فقال: رأيت رؤيا وقصها، فقال له: ما رأيت شيئاً، وإنما تريد الاستخفاف (٢) ، فخرجا بعدما اعترفا، فقلنا له: من أين لك هذا؟ قال: لما تكلما نظرت في ذيل أحدهما نقطة من دم فذكرت الآية وهي قوله تعالى " وجاؤا على قميصه بدم كذب " يوسف فاتفق أني رأيت أحدهما فيما بعد، فسألته عن
стр. 86
القصة، فقال: لما اجتزنا عليه ذكرنا أمره الغريب، وقلنا: نريد نمتحنه، وصنفنا رؤيا للوقت، فكان ما سمعت.
وحكي عنه أنه جاء إليه آخر وقال: رأيت كأن في داري شجرة يقطين، قال: أعندك في دارك غير الزوجة؟ قال: نعم جارية، قال: بعني إياها، قال: إنما ملك زوجتي، قال: قل لها تبيعني إياها، فراح وعاد وقال: إنها لا تبيعها، فقال: امضي إلى هذه الجارية واعتبرها، فمضى وعاد وقال: إنها طلعت عبد (١) وزوجتي تكتمني أمره، وتلبسه لباس النساء.
وجاء إليه إنسان وقال له: رأيت كأني قد وضعت رجلي على رأسي، فقال له: أفسر لك هذه الرؤيا بيني وبينك أو في الظاهر؛ فقال: في الظاهر، فقال: أن كنت من ليالي (٢) تشرب الخمر وسكرت ووطئت أمك، فاستحيا ومضى.
وقيل جاء إليه إنسان وقال له: رأيت كأن قائلاً يقول لي: اشرب شراب الهكاري فقال له: فؤادك يوجعك؟ قال: نعم، قال: اشرب العسل تبرأ، فسئل: من أين لك هذا؛ قال: سمعتهم يقولوا (٣) اشرب الديناري، ولم أسمع بالهكاري، فرجعت إلى الحروف فرأيته شراب إلهك أري، والأري: العسل، وذكرت قوله ﷺ : كذب بطن أخيك، اسقه العسل.
٣٩ - (٤)
المستظهر بالله
أحمد بن عبد الله أمير المؤمنين المستظهر أبو العباس ابن المقتدي بن الذخيرة
стр. 87
ابن القائم بن القادر؛ ولد يوم السبت العشرين من شوال سنة سبعين وأربعمائة، وبويع له وهو ابن ستة عشر وشهرين، ولي الخلافة ثامن عشر المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وتوفي سابع عشر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة (١) وخمسمائة، فكانت ولايته خمساً وعشرين سنة وأشهراً (٢) .
ولما بويع له صلى على والده، وصلى بالناس صلاة الظهر، وكان ميمون الطلعة، حميد الأيام، وكان لين الأخلاق، موصوفاً بالعطاء والكرم، يحب العلماء ويتفقد الفقراء، وكان حسن الخط جيد التوقيعات لا يقاربه فيها أحد.
وقال محمد الدين ابن النجار: أنشدني محمد بن محمود المعدل، قال أنشدنا أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني، وذكر أنها للمستظهر:
أذاب حرّ الهوى في القلب ما جمدا ... يوم مددت إلى رسم الوداع يدا
فكيف أسلك نهج الإصطبار وقد ... أرى طرائق في مهوى الهوى قددا
قد أخلف الوعد بدر (٣) قد شغفت به ... من بعد ما قد وفى دهري بما وعدا
إن كنت أنقض عهد الحبّ في خلدي ... من بعد هذا فلا عاينته أبدا وطلب من يؤم به في الصلوات ويلقن أولاده القرآن، وقصد أن يكون من أرباب البيوت الصالحين وأن يكون مكفوف البصر، فوقع الاختيار على المبارك ابن دواس المقرىء، فوقع منه موقعاً حسناً. ولما صلى به أول ليلة التراويح قرأ في كل ركعة آية، فلما سلم قال له: زدنا من التلاوة، فصلى في كل ركعة بآيتين، فلما سلم قال له زدنا، فأقام (٤) يزيده إلى أن صلى في كل ركعة بجزء كامل، فلما كان ليلة الجمعة أحضر له كاغد طيب وعود ند وكافور وما أشبه
стр. 88
ذلك، وكاغد فيه ذهب ووضعه على مصلاه، فلما فرغ من الصلاة وضع يده عليهما فدفعهما بظاهر كفه وانصرف، فلما وصل إلى المكان الذي أفرد له جاء إليه خادم بالكاغدين وقال: إن أمير المؤمنين استحسن ذلك منك وقال: ما قصر معكم، قال لكم: ما أنا حمال، ومنزلي فتعرفونه إن أردتم أن تعطوني شيء (١) فاحملوه إلى منزلي.
ومات المستظهر بعلة المراقيا، رحمه الله تعالى.
٤٠ - (٢)
الاعيمى الاندلسي
أحمد بن عبد الله بن هريرة أبو العباس الأعيمى الاشبيلي، توفي سنة خمس وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. من شعره (٣) :
بحياة عصياني عليك عواذلي ... إن كانت القربات عندك تنفع
هل تذكرين ليالياً سلفت لنا ... لا أنت باخلةٌ ولا أنا أقنع وله أيضاً (٤) :
أعد نظراً في روضتي ذلك الخدّ ... فإني أخاف الياسمين على الورد
وخذ لهما دمعي وعلّلهما به ... فإنّ دموعي لا تعيد ولا تبدي
стр. 89
وإلاّ ففي كأس المدامة بلغة ... تقوم مقام الدنّ عندك أو عندي
وفي ريقك المعسول لو أن روضة ... تعلّل بالكافور والمسك والشهد
وماء شبابي كان أعذب مورداً ... لو أن الليالي لم تزاحمك في الورد
أمنك الخيال الطارقي كلّ ليلةٍ ... على مثل حدّ السيف أو طرّة البرد
منىً لا أبالي أن تكون كواذباً ... فتفنى ولكن المدار على وجدي
وليلة وافاني وقد ملت ميلةً ... وكنت أنا والنجم بتنا على وعد
ألّم فحيا بين رقبا ورقبةٍ ... ولا شيء أحلى من دنوٍّ على بعد
وقد زانه لمحٌ من البدر في الدجى ... كما لاح وسم الشيب في الشعر الجعد
رأى أدمعي حمراً وشيبي ناصعاً ... وفرط نحولي واصفراري على خدي
فودّ لو أني عقده أو وشاحه ... وإن لم يطق حمل الوشاح ولا العقد
ألمّ فأعداني ضناه وسهده ... وقد كان هذا الشوق أولى بأن يعدي
وولّى فلا تسأل بحالي بعده ... ولكن سل الأيّام عن حاله بعدي
تفاوت قومي (١) في الحظوظ وسبلها ... فمكدٍ على حرصٍ ومثرٍ على زهد
وأمّا أنا والحضرميّ فإنّنا ... قسمنا المعالي بين (٢) غور إلى نجد
فأبت أنا بالشعر أحمي لواءه ... وآب ابن عيسى بالسيادة والمجد
فتىً لا يبالي فوز من فاز بالعلا ... إذا امتلأت كفا يديه من الحمد وله أيضاً (٣) :
وبديع الأوصاف كالشمس كالد ... مية كالغصن كالقنا كالريم
سكريّ اللمى وضيء المحيّا ... يستخفّ النفوس قبل الجسوم
متهدّ (٤) إلى الحلوم بلحظ ... ربّما كان ضلّةً للحلوم
стр. 90
ما (١) يبالي من بات يلهو به إن ... لم ينل ملك فارس والروم
قمت أسقيه من لمى ثغره العذ ... ب على صحن خدّه المرقوم
بين ليلٍ كخضرة الروض في اللو ... ن وصبحٍ كعرفه في الشميم
وكأن النجوم في غبش الصب؟ ... ح وقد لفها فرادى (٢) بتوم
أعين العاشقين أدهشها البي؟ ... ن فأغضت بين الضنى والوجوم (٣) وله أيضاً (٤) :
أما والهوى وهو إحدى الملل ... لقد مال قدّك حتى اعتدل
وأشرق وجهك للعاذلات ... حتى رأت كيف يعصى العذل
ولم أر أفتك من مقلتيه ... على أن لي خبرةً بالمقل
كحلتهما يهوىً قاتل ... وقلت الردى حيلة في الكحل
وانّي وإن كنت ذا غفلةٍ (٥) ... لأعلم كيف تكون الحيل
ولست أسائل عينيك بي ... ولكن بعهد الرضى ما فعل
وقد كنت جاريت تلك الجفون ... إلى الموت بين المنى والعلل وقال يرثي شاباً قتل غيلة (٦) :
خذا حدثاني عن فل وفلان ... لعلتي أرى باق على الحدثان
وعن دول حسن الديار وأهلها ... فنين وصرف الدهر ليس بفان
وعن هرمي مصر الغداة أمتّعا ... بشرخ شباب أم هما هرمان
وعن نخلتي حلوان كيف تناءتا ... ولم يطويا كشحاً على شنآن
стр. 91
وطال ثواء (١) الفرقدين بغبطةٍ ... وما علما أن سوف يفترقان
وزايل بين الشعريين تصرف ... من الدهر لا وانٍ ولا متواني
فإن تذهب الشعرى العبور لشانها ... فإن الغميصا في بقية شان
وجن سهيل (٢) بالثريا جنونه ... ولكن سلاه كيف يلتقيان
وهيهات من جور القضاء وعدله ... شآمية ألوت بدين يماني
فأزمع عنها آخر الدهر سلوةً ... على طمعٍ خلاه للدبران
وأعلن صرف الدهر لابني نويرة ... بيوم تناءٍ غال كلّ تدان
وكانا كندماني جذيمة حقبة ... من الدّهر لو لم ينصرم لأوان
فهان دم بين الدكادك فاللوى ... وما كان في أمثالها بمهان
وضاعت دموع بات يبعثها الأسى ... يهيّجها قبرٌ بكلّ مكان
ومال على عبس وذبيان ميلةً ... فأودى بمجنيٍّ عليه وجان
فعوجا على جفر الهباءة فاعجبا ... بضيعة أعلاق هناك ثمان
دماء جرت منها التلاع بمثلها ... ولا ذحل إلاّ أن جرت فرسان
وأيّام حرب لا ينادى وليدها ... أهاب بها في الحيّ يوم رهان
فآب الربيع والبلاد تهزه ... ولا مثل مودٍ (٣) من وراء عمان
وأنحى على ابني وائل فتهاصرا ... غصون الردى من كزة ولدان
تعاطى كليب فاستمرّ بطعنة ... أقامت لها الأبطال سوق طعان
وبات عديٌّ بالذنائب يصطلي ... بنار وغىً ليست بذات دخان
فذلّت رقابٌ من رجال أعزّةٍ ... إليهم تناهي عزّ كلّ زمان
وهبوا يلاقون الصوارم والقنا ... بكلّ جبينٍ واضحٍ ولسان
فلا خدّ إلاّ فيه حدّ مهنّدٍ ... ولا صدر إلاّ فيه صدر سنان
وصال على الجونين بالشّعب فانثنى ... بأسلاب مطلولٍ وربقة عان
стр. 92
وأمضى على أبناء قيلة حكمه ... على شرسٍ (١) أدلوا به وليان
ولو شاء عدوان الزمان ولو يشا ... لكان عذير (٢) الحيّ من عدوان
وأي قبيل لم يصدع جميعهم ... ببكر من الأرزاء أو بعوان
خليليّ أبصرت الرّدى وسمعته ... فإن كنتما في مريةٍ فسلاني
ولا تعداني أن أعيش إلى غدٍ ... لعلّ المنايا دون ما تعداني
ونبهني ناعٍ مع الصبح كلّما ... تشاغلت عنه عنّ لي وعناني
أُغمّض أجفاني كأنّي نائمٌ ... وقد لجت الأحشاء في الخفقان
أبا حسنٍ أما أخوك فقد مضى ... فوالهف نفسي ما التقى أخوان
أبا حسن إحدى يديك رزئتها ... فهل لك بالصبر الجميل يدان
أبا حسنٍ ألق (٣) السلاح فإنّها ... منايا وإن قال الجهول أماني
أبا حسن هل يدفع الموت حينه ... بأيد شجاع أبو بكيد جبان
توقوه شيئاً ثمّ كروا فجعجعوا (٤) ... بأروع فضفاض الرداءٍ هجان
قليل حديث النّفس عمّا يروعه ... وإن لم يزل من ظنّه بمكان
أبيّ وإن تتبع رضاه فمصحب ... بعيد وإن تطلب جداه فداني
بنفسي وأهلي أي بدر دجنّةٍ ... لستّ خلت من شهره وثمان
يقولون لا يبعد ولله درّه ... وقد حيل بين العير والنّزوان
ويأبون إلاّ ليته ولعلّه ... ومن أين للمقصوص بالطيران
ليشعركما السلوان أنّ محمّداً ... مجاور حورٍ في الجنان حسان
وأن النّجوم الزهر في كل مطلع ... يجدن به مثل الذي تجدان
سفاك كدمعي أو كجودك واكفٌ ... من المزن بين السحّ والهملان
стр. 93
٤١ - (١)
الشهاب العزازي
أحمد بن عبد الملك العزازي التاجر بقيسارية جركس (٢) ، الشاعر المشهور؛ كان كيساً ظريفاً، جيد النظم في الشعر والموشحات، فمن شعره يمدح رسول الله ﷺ :
دمي بأطلال ذات الخال مطلول ... وجيش صبري مهزوم ومفلول
ومن يلاق (٣) العيون الفاتكات بلا ... صبر يدافع عنه فهو مخذول
لم يدر من سلب العشاق أنفسهم ... بأنّه عن دم العشّاق مسئول
وبي أغنّ غضيض الطرف معتدل ... القوام لدن مهزّ العطف مجدول
كأنّه في تثنّيه وخطرته ... غصن من البان مطلول ومشمول
سلافة منه تسبيني وسالفة ... وعاسل منه يصبيني ومعسول
وكلّما مرضت أجفان مقلته ... يصحّ إلاّ غرامي فهو منحول
يا برق كيف الثنايا الغرّ من إضمٍ ... يا برق أم كيف لي منهنّ تقبيل
ويا نسيم الصّبا كرر على أذني ... حديثهنّ فما التكرار مملول
ويا حداة المطايا دون ذي سلم ... عوجوا وشرقيّ بانات اللّوى قيلوا منها:
منازل لأكف الغيث توشيةٌ ... بها وللنّور توشيع وتكليل
стр. 94
كأنّما طيب ريّاها ونفحتها ... بطيب ترب رسول الله مجبول
أوفى النبيّين برهاناً ومعجزةً ... وخير من جاءه بالوحي جبريل
له يد وله باع يزينهما ... في السلم طولٌ وفي يوم الوغى طول
سلّ الإله به سيفاً لملّته ... وذلك السيف حتى الحشر مسلول
وشاد ركناً أثيلاً من نبوّته ... والكفر واهٍ وعرش الشرك مثلول
ويلٌ لمن جحدوا برهانه وثنى ... عنان رشدهم غيٌّ وتضليل
أولئك الخاسرون الخاسئون ومن ... لهم من الله تعذيبٌ وتنكيل
نمته من هاشم أسدٌ ضراغمة ... لها السيوف بيوتٌ والقنا غيل
إذا تفاخر أرباب العلى فهم ال؟ ... غرّ المغاوير والصّيد البهاليل
لهم على العرب العرباء قاطبةً ... به افتخارٌ وترجيح وتفضيل
قومٌ عمائمهم ذلّت لعزّتها ال؟ ... قعساء تيجان كسرى والأكاليل وله أيضاً ﵀:
منذ عشقت الشارعيّ الذي ... بالحسن يختال ويغتال
لم يبق في ظهري ولا راحتي ... تالله لا ماء ولا مال وله أيضاً (١) :
ما عذر مثلك والركاب تساق ... ألا تفيض بدمعك الآماق
فأذل مصونات الدموع فإنّما ... هي سنةٌ قد سنّها العشّاق
ولربّ دمعٍ خان بعد وفائه ... مذ حان من ذاك الفريق فراق
ووراء ذيّاك العذيب منيزلٌ ... لعبت بقلبك نحوه الأشراق
خذ أيمن الوادي فكم من عاشقٍ ... فتكت به من أهله (٢) الأحداق
стр. 95
واحفظ (١) فؤادك إن هفا برق الحمى ... أو هبّ منه نسيمه الخفّاق وقال أيضاً:
تعشّقته ساحر المقلتين ... كبدر يلوح وغصن يميل
إذا احمرّ من وجنتيه الأسيل ... واحورّ من مقلتيه الكحيل
فقل للشقائق ماذا ترين ... وللنّرجس الغضّ ماذا تقول
وقالوا: ذبول بأعطافه ... فقلت: يزين القناة الذبول
وعابوا تمرض أجفانه ... فقلت: أصحّ النّسيم العليل وكتب شهاب الدين العزازي إلى ناصر الدين ابن النقيب ملغزا في شبابة وأحسن:
وما صفراء شاحبة ولكن ... يزيّنها النّضارة والشباب
مكتّبةٌ وليس لها بنان ... منقبةٌ وليس لها نقاب
تصيخ لها إذا قبّلت فاها ... أحاديثاً تلذّ وتستطاب
ويحلو المدح والتشبيب فيها ... وما هي لا سعاد ولا الرّباب فأجابه ناصر الدين ابن النقيب:
أتت عجمية أعربت عنها ... لسلمانٍ يكون لها انتساب
ويفهم ما تقول ولا سؤال ... إذا حققت ذاك ولا جواب
يكاد لها الجماد يهزّ عطفاً ... ويرقص في زجاجته الحباب وقال الشهاب العزازي ملغزاً في القوس والنشاب:
ما عجوزٌ كبيرةٌ بلغت عم؟ ... راً طويلاً وتتّقيها الرجال
قد علا جسمها صفارٌ ولم تش؟ ... ك سقاماً ولا عراها هزال
ولها في البنين سهمٌ وقسم ... وبنوها كبار قدرٍ نبال
وبنوها لم يشبهوها ففي الأ ... مّ اعوجاجٌ وفي البنين اعتدال
стр. 96
وقال أيضاً:
قال لي من أحبه عند لثمي ... وجنات تحدّث الورد عنها
خلّ عني أما شبعت فنادي ... ت رأيت الحياة يشبع منها؟ ووقفت على ديوان الاعزازي، وهو في مجلدين: شعر وموشح، فمن موشحاته:
يا ليلة الوصل وكاس العقار ... دون استتار علّمتماني كيف خلع العذار اغتنم اللذات قبل الذهاب ... وجرّ أذيال الصّبا والشباب ... واشرب فقد طابت كؤوس الشراب ...
على خدودٍ تنبت الجلّنار ... ذات احمرار طرّزها الحسن بآس العذار الراح لا شك حياة النفوس ... فحلّ منها عاطلات الكؤوس ... واستجلها بين الندامى عروس ...
تجلى على خطّابها في إزار ... من النّضار حبابها قسام مقام النثار أما ترى وجه الهنا قد بدا ... وطائر الأشجار قد غرّدا ... والروض قد وشّاه قطر النّدى ...
فكمّل اللهو بكأس تدار ... على افترار مباسم النّوّار غبّ القطار اجن من الوصل ثمار المنى ... وواصل الكأس بما أمكنا ... مع طيّب الريقة حلو الجنى ...
стр. 97
بمقلة أفتك من ذي (١) الفقار ... ذات احورار منصورة الأجفان بالانكسار زار وقد حلّ عقود الجفا ... وافترّ عن ثغر الرضى والوفا ... فقلت والوقت لنا قد صفا ...
يا ليلةً أنعم فيها وزار ... شمس النهار حيّيت من دون (٢) الليالي القصار وقال أيضاً:
ما سلّت الأعين الفواتر ... من غمد أجفانها الصفاح
إلاّ أسالت دم المحاجر ... من غير حرب ولا كفاح
تالله ما حرّك السّواكن ... غير الظباء الجآذر
لما استجابت بكل طاعن ... من القدود النّواضر
وفوّقت أسهم الكنائن ... من كلّ جفنٍ وناظر
عربٌ إذا صحن يال عامر ... بين سرايا من الملاح
طلّت علينا من المحاجر ... طلائعٌ تحمل السلاح
أحبب بما تطلع الجنوب ... منها وما تبرز (٣) الكلل
من أقمرٍ ما لها مغيب ... وأغصنٍ زانها الميل
هيهات أن تعدل القلوب ... عنها ولو جارت المقل
لمّا توشّحن بالغدائر ... سفرن عن أوجهٍ صباح
فانهزم اللّيل وهو عاثر ... بذيله واختفى الصّباح
стр. 98
وأهيفٍ ناعم الشّمائل ... تهزه نسمة الشّمال
فينثني كالقضيب مائل ... كما انثنى شاربٌ ومال
له عذار كالند سائل ... لله كم من دم أسال
شقّت على نبته المرائر ... من داخل الأنفس الصحاح
تكلّ في وصفه الخواطر ... وتخرس الألسن الفصاح
ظبيٌ إلى الإنس لا يميل ... الشمس والبدر من حلاه
والحسن قالوا ولم يقولوا ... مبداه منه ومنتهاه
وطرفه الناعس الكحيل ... هيهات من صنعه النجاه
أذلّ بالسّحر كلّ ساحر ... فهو له خافض الجناح
يجول في باطن الضّمائر ... كما يجول القضا المتاح
أما ترى الصبح قد تطلع ... مذ غمّضت أعين الغسق
والبدر نحو الغروب أسرع ... كهاربٍ ناله فرق
والبرق بين السّحاب يلمع ... كصارم حين يمتشق
وتحسب الأنجم الزواهر ... أسنةً ألقت الرّماح
فانهزم النّهر وهو سائر ... فدرّعته يد الرّياح وقال أيضاً:
كأس رويّه ... جلا علينا النّديم أم سنا مصباح
أم شمس حسن ... قد توجتها النجوم في سما الأفراح
هات الكؤوسا ... ممزوجة بالرضاب من ثناياكا
واخطب عروسا ... تروق تحت الحباب كسجاياكا
وادع الجليسا ... لمجلسٍ وشراب مثل ريّاكا
стр. 99
واشرب سبيّه ... بها النفوس تهيم ولها ترتاح
من بنت دنِّ ... أليس نحن الجسوم وهي الأرواح
خذها مداما ... وجرّ ذيل المجون أيّما جرّ
وافضض فداما ... لها من الزرجون طيب النّشر
حيّا النّدامى ... بها سقيم الجفون ناحل الخصر
حرّ السّجيّه ... حلو الدلال رخيم خنثٌ مزّاح
لدن التّثنّي ... له قوامٌ قويم للقنا فضّاح
مدّ الربيع ... للورد أيّ بساط حفّ بالآس
قم يا خليع ... إلى الصّبوح بشاطي نهر باناس
فما الهجوع ... وقد دعاك معاطي جذوة الكاس
في سندسيّه ... أجرت عليها الغيوم مدمعاً سحاح
من ماء مزن ... وصال منها النّسيم أرجا نفاح
لنا خليل ... نراه منذ ليالي غائب عنّا
وما الشّمول ... لذيذة وهو سالي أليس منّا
قل يا رسول ... بأنّنا في ظلال روضة غنّا
زبرجديه ... وثمّ شادٍ وريم وبقايا راح
ويوم دجن ... وقد دعاك النديم أجب يا صاح
سقياً لدهر ... مضى بعلّ ونهل وبغزلان
وطيب عمر ... قضى بليلة وصل ما لها ثاني
خلعت عذري ... فيها وقلت لخلي ولندماني
стр. 100
في البابليّة ... لا تسمعن من يلوم واهجر النصاح
واشرب وغنّي ... يا ليلةً لو تدوم دامت الأفراح وقال موشح ذوبيتي:
أقسمت عليك بالأسيل القاني ... أن تنظر في حال الكئيب العاني
أو تقصر عن إطالة الهجران ... يا من سلب المنام من أجفاني ما أليق هذا الحسن بالإحسان ...
والله لقد ضاعفت عندي الكمدا ... مذ جزت من الهجر الطويل الأمدا
أدرك رمقي أوهب فؤادي جلدا ... يا من أخذ الرّوح وأبقى الجسدا ما أصنع بعد الروح بالجثمان؟ ...
بالله إذا قضيت وجداً وغرام ... فابسط عذري يوم عتابٍ وملام
قد كنت خلياً من عذار وقوام ... لا أعطي لصبوةٍ قياداً وزمام حتى علقت بي أعين الغزلان ...
من لي بسقيم الجفن واهي الخصر ... يرنو بعيون كحّلت بالسحر
كم أوضح لي عذاره من عذر ... ما مال به الدلال ميل السكر إلاّ سجدت معاطف الغزلان ...
في مرشفه مواردٌ للقبل ... تحمى بفتور لحظه والكحل
كم قلت لمن كثّر فيه عذلي ... ما دام سواد طرفه لم يحل لا تطمع يا عذول في سلواني ...
بدريّ محيا غصنيّ القدّ ... يسبيك بجلنارة في الخدّ
ذو مبتسم عذب وخد وردي ... مذ عاينت العين نظام العقد منه نثرت قلائد العقيان ...
стр. 101
سالم لحظات طرفه الرشاق ... واستكف سهاماً ما لها من واق
أو خذ لك موثقاً من الأحداق ... واستخبر عن مصارع العشّاق تنبيك وعن مقاتل الفرسان ... وقال أيضاً:
وقفت مذ سارت المحامل ... واقتربت ساعة الفراق
أكفكف الدمع بالأنامل ... والدمع يأبى إلاّ اندفاق
أم هل لطيف الكرى مزار
هيهات والصبر مستحيل ... والقلب لا يملك القرار
إن أوحشت منهم الطلول ... فطالما آنسوا الدّيار
ساروا وقد زمّت المحامل ... بهم وأظعانهم تساق
وخلّفوا أضلعاً نواحل ... ترقّ مع أدمعٍ تراق
قف باللّوى نندب الرّبوعا ... على فراق الحبايب
واسفح بأطلالها الدموعا ... إن كنت خلّي وصاحبي
ملاعب تنبت الولوعا ... سقياً لها من ملاعب
ما بال أقمارها أوافل ... وقد محا نورها المحاق
وما لباناتها ذوابل ... وكنّ مهزوزةً رشاق
بكيت من لوعتي ووجدي ... حتى فني كنز أدمعي
وكان يوم الفراق ودّي ... تبكي عيون الحيا معي
إن لم أف (١) بعدهم بعهدي ... فكنت في الحبّ مدّعي
стр. 102
فإن جفا النوم وهو واصل ... فكلّ شملٍ له افتراق
أو غاض دمعي وكان سائل ... فالنيل يعتاده احتراق
من لفتىً ساهر المآقي ... قد ذلّ في طاعة الهوى
يشكو إلى الله ما يلاقي ... من التّباريح والجوى
قد بلغت روحه التراقي ... مذ بعدت شقّة النوى
صبٌّ لثقل الغرام حامل ... وحمل ذيّاك لا يطاق
راح لكأس الفراق ناهل ... وكاسه مرة المذاق وقال أيضاً:
زمان شبابي كنت خير زمان ... فلا زلت مشكوراً بكلّ لسان
فلله كم جرّرت ذيل بطالتي ... وأطلقت للّذّات فيك عناني
وقد كنت سباقاً إلى غاية الصّبا ... مجيباً إذا داعي المجون دعاني
أقبل ثغر الكأس أبيض واضحاً ... وألثم خدّ الراح أحمر قاني
ألا خلياني والتصابي فإنني ... أرى في التّصابي غير ما تريان
سأملأ من طيب العذار مفارقي ... وأخضب من صرف الكؤوس بناني وقال أيضاً:
أرامة للآرام كنت مراتعا ... فمالك للعشاق صرت مصارعا
فأين غصونٌ كنّ فيك موائساً ... وأين بدور كنّ فيك طوالعا
وقفنا لتوديع الحمول عشيةً ... نبث صباباتٍ ونذري مدامعا
وعدنا وما بلّ الوداع غليلنا ... ولا بردت منّا الدموع الأضالعا
سألتكما ما ضرّ حادي ركابهم ... لو احتبس الأظعان أو كرّ راجعا
وماذا على المستودعين قلوبنا ... بحبلي زرود لو رددن الودائعا
تعرضن لي يوم الكثيب كأنما ... تعرض لي سربٌ من الرمل راتعا
стр. 103
وما كنت أدري أن بين ستورهم ... شموس الضحى حتى رفعن البراقعا وقال أيضاً:
أدرك بقية نفسٍ فات أكثرها ... أصبحت بالهجر تطويها وتنشرها
يا من إذا نظرت عيني محاسنه ... ألومها في هواه ثمّ أعذرها
حسبي علاقة حب قد برت جسدي ... حتّام أكتمها والدمع يظهرها
ومهجة يتحاماها تجلّدها ... إذا هجرت ويغشاها تذكرها
يا للرجال أما في الحبّ من حكمٍ ... ينهى العيون إذا جارت ويزجرها
ويا ولاة الهوى قوموا بنصر فتىً ... حقوقه بيّناتٌ وهي تنكرها
لا تطلبنّ من الأعطاف عاطفة ... فإن أعدلها في الحبّ أجورها وقال أيضاً:
يا راشق القلب منّي ... أصبت فاكفف سهامك
ويا كثير التجنّي ... منعت عنّي سلامك
وخنت ذمّة صبٍّ ... ما خان قط ذمامك
فاردد عليّ منامي ... فلا عدمت منامك
فمن رأى سوء حالي ... بكى عليّ ولامك
فلو أردت حياتي ... لما هززت قوامك
بمن أحلّك قلبي ... ارفع قليلاً لثامك
وابسم لعلّي أحيا ... إذا رأيت ابتسامك
يا خدّه ما أحبلى ... للعاشقين التثامك
بكيت دالاً وميماً ... لمّا تأمّلت لامك
стр. 104
٤٢ - (١)
علاء الدين ابن بنت الأعز
أحمد بن عبد الوهاب بن خلف بن عبد المحمود (٢) بن بدر، علاء الدين المعروف بابن بنت الأعز.
قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: درس المذكور بالكهارية والقطبية وتولى الحسبة، وكان له معرفة بالأدب، وكان فصيح العبارة، جميل الصورة، فيه إحسان ومروة، لطيف المزاج كثير التبسم، حج ودخل اليمن؛ ترددت إليه مراراً بالقاهرة، دعاني يوماً لمأدبة صنعها بالروضة، وحضر معنا القاضي صدر الدين ابن فخر الدين الماراني (٣) ، فرأينا شاباً حسناً يسبح وقد تلطخ بالتراب، فقال لنا القاضي علاء الدين: لينظم كل منا في هذا الشاب، فقام كل منا إلى ناحية وانفرد، فنظمنا نظماً قريب الاتفاق، ولم يطلع أحد منا على ما نظمه صاحبه إلى أن أكمل كل منا ما نظمه، وكان الذي نظمه القاضي علاء الدين:
ومتّربٍ لولا التراب بجسمه ... لم تبصر الأبصار منه منظرا
وكأنه بدرٌ عليه سحابةٌ ... والترب ليلٌ من سناه مقمرا وكان الذي نظمه أبو حيان:
ومتّربٍ قد ظنّ أن جماله ... سيصونه منا بترب أعفر
стр. 105
فغدا يضمّخه فزاد ملاحةً ... إذ قد حوى ليلاً بصبح أنور (١)
وكأنما الجسم الصقيل وتربه ... كافورةٌ لطخت بمسكٍ أذفر ومن شعر علاء الدين ابن بنت الأعز:
تعطّلت فابيضت دواتي لحزنها ... ومذ قلّ مالي قلّ منها مدادها
وللناس مسودّ اللباس حدادهم ... ولكنّ مبيضّ الدواة حدادها ومن شعره:
وقالوا بالعذار تسلّ عنه ... وما أنا عن غزال الحسن سالي
وإن أبدت لنا خدّاه مسكاً ... " فإنّ المسك بعض دم الغزال " (٢) قال الشيخ شمس الدين: قدم دمشق وتولى تدريس الظاهرية والقيمرية، وكان مليح الشكل لطيف الشمايل، يركب البغلة، ثم عاد إلى مصر وأقام بها مديدة، وتوفي سنة تسع وتسعين وستمائة، ﵀، وهو أخو الأخوين: قاضي القضاة صدر الدين وقاضي القضاة تقي الدين، رحمهما الله تعالى.
٤٣ - (٣)
الماهر الحلبي
أحمد بن عبيد الله بن فضال، أبو الفتح الموازيني الحلبي الشاعر المعروف بالماهر، روى عنه من شعره أبو عبد الله الصوري وأبو القاسم النسيب، وتوفي
стр. 106
بحلب سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. ومن شعره:
برغمي أن أعنّف فيك (١) دهرا ... قليلا فكره بمعنّفيه
وأن أرعى النّجوم ولست فيها ... وأن أطأ التراب وأنت فيه ومنه أيضاً:
أرى نفسي تحدّثها (٢) الظنون ... بأن البين بعد غدّ يكون
وما ترك الفراق عليّ دمعاً ... يسحّ ولا تشحّ به الجفون
وجيش الصبر منهزمٌ فقل لي ... عليك بأيّ دمعٍ أستعين
كأني من حديث النفس عندي ... جهينة عندها الخبر اليقين ومنه أيضاً:
من صحّ قبلك في الورى (٣) ميثاقه ... حتى تصحّ، ومن وفى حتى تفي؟
عرف الهوى في الخلق مذ عرف الهوى ... بمذلّة الأقوى وعزّ الأضعف
يا من توقّد في الحشا بصدوده ... نارٌ بغير وصاله لا تنطفي وقال:
أموجبة الدعوى عليها ولا تفي ... وسامعة الشكوى إليها ولا تشكي
أظنّ الأسى والدمع لا يبقيان لي ... فؤاداً به أهوى وعيناً بها أبكي
стр. 107
٤٤ - (١)
ابن الخل
أحمد بن المبارك بن أحمد بن عبد الله بن الخل؛ ولد سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، ﵀؛ كان فاضلاً أديباً شاعراً، وهو أخو الفقيه ابن الخل شارح التنبيه؛ من شعره ذوبيت:
ساروا وأقام في فؤادي الكمد ... لم يلق كما لقيت منهم أحد
شوقٌ وجوى ونار وجدٍ تقد ... مالي جلدٌ، ضعفت، مالي جلد وله أيضاً:
هذا ولهي وقد كتمت الولها ... صوناً لحديث من هوى النفس لها
يا آخر محنتي ويا أوّلها ... آيات غرامي فيك من أوّلها (٢) وله في بعض الوعاظ:
ومن الشقاوة أنهم ركنوا إلى ... نزغات ذاك الأحمق النمّام (٣)
شيخٌ يبهرج دينه بنفاقه ... ونفاقه منهم على أقوام
وإذا رأى الكرسيّ تاه بأنفه ... أي أنّ هذا موطني (٤) ومقامي
ويدقّ صدراً ما انطوى إلاّ على ... غلٍّ يواريه بكفّ عظام
ويقول أيش أقول، من حصرٍ به ... لا لازدحام عبارةٍ وكلام
стр. 108
٤٥ - (١)
ابن خلكان
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان قاضي القضاة شمس الدين الإربلي الشافعي؛ ولد باربل سنة ثمان وستمائة، وسمع بها صحيح البخاري من ابن مكرم الصوفي، وأجاز له المؤيد الطوسي، وروى عنه البرزالي والمزي. وكان فاضلاً بارعاً متقناً عارفاً بالمذهب، حسن الفتاوي، بصيراً (٢) بالعربية، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة، وافر الحرمة، وصنف كتاب وفيات الأعيان وقد اشتهر كثيراً. وله مجاميع أدبية.
قدم الشام في شبيبته، وتفقه بالموصل على كمال الدين ابن يونس، وبحلب على بهاء الدين ابن شداد وغيرهما، ودخل مصر وسكنها وتأهل بها، وناب بها في القضاء عن بدر الدين السنجاري، ثم قدم الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفرداً بالأمر، ثم أقيم معه في القضاء سنة أربع وستين شمس الدين ابن عطا الحنفي وزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي وشمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر الحنبلي، وكان الحنفي قبل ذلك نائباً للشافعي (٣) . ثم عزل عن القضاء سنة تسع وستين بالقاضي عز الدين ابن الصايغ، ثم عزل ابن
стр. 109
الصايغ بعد سبع سنين به، وقدم من مصر، فدخل دخولاً لم يدخله غيره مثله من الحكام، وكان يوماً مشهوداً، وجلس في منصب حكمه، وتكلم الشعراء، فقال الشيخ رشيد الدين الفارقي:
أنت في الشام مثل يوسف في مص؟ ... ر وعندي أن الكرام جناس
ولكلٍّ سبعٌ شداد وبعد الس؟ ... بع عام فيه يغاث الناس ثاني وقال سعد الدين الفارقي:
أذقت الشام سبع سنين جدباً ... غداة هجرته هجراً جميلاً
فلمّا زرته من أرض مصرٍ ... مددت عليه من كفيك نيلا وقال نور الدين ابن مصعب:
رأيت أهل الشآم طرّاً ... ما فيهم قطّ غير راض
نالهم الخير بعد شرٍّ ... فالوقت بسطٌ بلا انقباض
وعوّضوا فرحةً بحزن ... مذ أنصف الدهر في التقاضي
وسرهم بعد طول غم ... قدوم قاض وعزل قاضي
فكلهم شاكرٌ وشاكٍ ... بحال مستقبلٍ وماض وكان كريماً ممدحاً فيه ستر وعفو وحلم، وحكاياته في ذلك مشهورة؛ ثم عزل بابن الصايغ، وبقي في يده الأمينية والنجيبية إلى أن مات ﵀، سادس رجب سنة إحدى وثمانين وستمائة بالنجيبية جوار النورية، وشيعه الخلايق، ودفن بسفح قاسيون.
وكان وجيه الدين ابن سويد صاحبه وكان يسومه قضاء أشغال كثيرة، ويقضيها فحضر في بعض الأيام ورام منه أمراً متعذراً فاعتذر، فقال وجيه الدين: ما يكون الصاحب صاحباً حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم، فقال له ابن خلكان: يا وجيه الدين، صرنا معك قشل مشل (١) وما ترضى.
стр. 110
ويقال إنه عمل سيرة (١) للملك الظاهر، وأوصل نسبه بجنكزخان، فلما وقف عليه قال: هذا يصلح أن يكون وزيراً، اطلبوه، فطلبوه فبلغ الخبر الصاحب بهاء الدين ابن حنا، فسعى في القضية إلى أن أبطل ذلك، وناسى السلطان عليه، فبقي في القاهرة يركب كل يوم، ويقف في باب القرافة، ويمشي قدام الصاحب إلى أن يوصله إلى بيته، وافتقر حتى لم يبق له غير البغلة لركوبه، وكان له عبد يعمل بابا (٢) ويطعمه. وكان الشيخ بهاء الدين ابن النحاس يؤثره، والصاحب بهاء الدين لا يحنو عليه، حتى فاوضه الدوادار وقال له: إلى متى يبقى هذا على هذه الحالة؟ فجهز إلى دمشق على القضاء.
ولما كان بطالاً أمر له بدر الدين الخازن دار بألفي درهم ومائة إردب قمح فأبى من قبولها وقال: تجوع الحرة ولا تأكل بثديها، ولم يقبل وأصر على الامتناع مع الفاقة الشديدة (٣) .
وكان له ميل إلى بعض أولاد الملوك، وله فيه أشعار رائقة، يقال، إنه أول يوم زاره بسط له الطرحة، وقال له: ما عندي أعز من هذه، طأ عليها، ولما فشا أمرهما وعلم به أهله منعوه الركوب، فقال ابن خلكان:
يا سادتي إني قنعت وحقكم ... في حبّكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاً ... ورأيتهم هجري وفرط تجنّبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى ... يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ... ألقاه من كمدٍ إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالة ... لولاك لم يك حملها من مذهبي
ومن البليّة والرزيّة أنني ... أقضي وما تدري الذي قد حل بي
قسماً بوجهك وهو بدرٌ طالعٌ ... وبليل طرتك التي كالغيهب