← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

نسبوا الفويرة للغزال وما دروا ... أن الغزال إلى الفويرة ينسب وقال أيضاً في مليح سمين: وقالوا من كلفت به سمين ... وذلك لا يخف على القلوب فقلت لهم نحول الجسم وصف ال ... محب وليس من وصف الحبيب وقال أيضاً في مليح ضعيف: قيل لي جسم من تحب نحيل ... وهو مما يشينه فاسل عنه قلت ما ذاك من سقام ولكن ... خفة الروح أعدت الجسم منه وقال أيضاً: ألا يا سائلي عن شرح حالي ... سؤال المشفق البر الرحيم فأما الجسم فهو كما تراه ... سقيم مثل ناظرك السقيم وأما حال قلبي يا حبيبي ... فلا تسأل عن أصحاب الجحيم وقال أيضاً ذوبيت: قد طارحني الحديث في ناديه ... بدر حسن جميع ما يبديه يا مهدي در لفظه من فيه ... شرفت مسامعي فإيه إيه وقال أيضاً: يا للهوى ما لي من راحم ... يأخذ حقي منك يا ظالمي لو لم تكن في مهجتي حاكماً ... ما غبت عني غيبة الحاكم وقال أيضاً ذوبيت: صبرت فؤادي عنهم إذ جاروا ... في الحب وأرباب الهوى أطوار نادوني كم تظهر عنا جلداً ... في قلبك غيرنا؟ فقلت: النار وقال أيضاً: أليلة وصل كنت أم ليلة القدر ... سقى عهدك الماضي سلاف من الخمر

стр. 1157

لئن كان ذاك العهد ولى ولم يدم ... فإني له إني له دائم الذكر أآمل أن الدهر يسخو برده ... فوا أسفاً ما ذاك من شيم الدهر (١) وبي رشأ أهوى رشاقة قده ... إذا ما انثنى يا خجلة الغصن النضر أيا صنم الحسن الذي فتن الورى ... وبرهان قولي أن قلبك من صخر سباني ثغر منك كالدر نظمه ... ويا من رأى دراً يشبه بالبدر أشاهد ريقاً منه كالشهد طعمه ... وما ذقته يوماً ولكنني أدري ٤٢٢ (٢) النور الإسعردي محمد بن محمد - " وقيل محمد " (٣) ابن عبد العزيز - ابن عبد الصمد بن رستم الإسعردي نور الدين الشاعر؛ ولد سنة تسع عشرة وستمائة، وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة؛ كان من كبار شعراء الملك الناصر وله به اختصاص، وله ديوان شعر، وغلب عليه المجون، وأفرد هزلياته من شعره وجمعها وسماها " سلافة الزرجون في الخلاعة والمجون " وضم إليها أشياء من نظم غيره، وكان ماجناً (٤) خليعاً يجلس (٥) تحت الساعات؛ حضر ليلة عند الملك

стр. 1158

الناصر في مجلس أنس، فخلع عليه قباء وعمامة بطرف (١) ذهب، فأتى بهما من الغد وجلس تحت الساعات. ومن شعره: ولقد بليت بشادن أن لمته ... في قبح ما يأتيه ليس بنافع متبذل في خسة وجهالة ... ومجاعة كشهود باب الجامع وحضر ليلة عند الناصر في مجلس أنس، وكان في شرف الدين ابن الشيرجي، وكان ألحى، فقام ابن الشيرجي فقضى شغله وعاد، فأشار إليه السلطان بصفع النور الإسعردي فصفعه، فلما فعل نزلت ذقنه على كتف النور، فقبض عليها وأنشد في الحال: قد صفعنا في ذا المحل الشريف ... وهو إن كنت ترتضي تشريفي فارث للعبد من مصيف صفاع ... يا ربيع الندى وإلا خري في قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: ما أحسن ما أتى بياء المنادى هنا لتشريح التورية بين الربيع والخريف، وقوله " وإلا خري في " من أحسن التورية (٢) بقرينة إمساكه ذفن ابن الشيرجي، وقد ظرف غاية. وأضر قبل موته فقال: قد كنت من قبل في أمن وفي دعة ... طرفي يرود لقلبي روضة الأدب حتى تلقبت نور الدين فانعمشت ... عيني وحول ذاك النور للقب (٣) وقال أيضاً: سألت الله يختم لي بخير ... فعجل لي ولكن في عيوني

стр. 1159

وقال أيضاً: يا سائلي لما رأى حالتي ... والطرف منى ليس بالمبصر لست أحاشيك ولكنني ... سمحت بالعينين للأعور وقال أيضاً: قلت إذ راح ناعساً ثم أبدى (١) ... ضرطة آذنت لشملي بجمع " فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي " (٢) وقال مضمناً قول المتنبي: سباني معسول المراشف عاسل ال ... معاطف مصقول السوالف مائد يروم على أردافه الخصر مسعداً ... " إذا عظم المطلوب قل المساعد " وقال أيضاً: قلت يوماً للصدر (٣) هل تثبت الب ... عث وتنفي إنكارهم للحشر قالت أثبت ذقنك في استي ... قال أنفي فقلت في وسط حجري وقال أيضاً يفضل حشيش الفقراء (٤) : لك الخير لا تسمع كلام المفند ... ودونك في فتياك غير مقلد سألت عن الخضراء والخمر فاسمتع ... مقالة ذي رأي مصيب ومسدد وحقك ما بالخمر بعض صفاتها ... أتشرب جهراً في رباط ومسجد؟ عليك بها خضراء غير مبالغ ... بأبيض ورق أو بأحمر عسجد ولكن على رغم المدام هدية ... تنزه عن بيع بغير التزهد

стр. 1160

رياضية يحكي الجنان اخضرارها ... وخمرهم كالمارج المتوقد مدامهم تنسي المعاني وهذه ... تذكر أسرار الجمال الموحد هي السر ترقى الروح فيها إلى ذرى ال ... معالم في معراج فهم مجرد بل الروح حقاً لا يحل بربعها ... هموم ولا يحظى بها غير مهتدي ولا داسها العصار عمداً ودنس ال ... دنان بمختوم من القار أسود ولا تتعب الأبدان عند نزالها ... وفي القيء إذ تبدو كزق ممدد ولا تستخف الناس عقلك بينهم ... لعمري ولا تدعى لديهم بمفسد وفي طرف المنديل يوماً وعاؤها ... ويعتاض عن حمل الزجاجة باليد وتخلص من إثم وحد ولا ترى ... ذليلاً وتنجو من نديم معربد وتشربها في العسر واليسر دائماً ... ولا تتقي فيها ليالي التعبد وتأمن كبسات الحماة وكيدهم ... وتسلم من جور الولاة ولا تدي وتغدوا ذكياً فاضلاً ذا نباهة ... ظريفاً ولا يغشاك فرط تبلد وتصبح عند الناس غير مبغض ... وتمنح من كل بحسن التودد وإن ذاقها المعشوق وافاك خلسة ... من الحاسد الواشي على غير موعد ومن فضلها في الطب جودة هضمها ... وهيهات يحصى فضلها لمعدد ولا سيما إن كان فيها منادمي ... غزال كغصن البانة المتأود ينادم بالشعر اللطيف وتارة ... يغني فيزري بالحمام المغرد يغازلني سراً بعيني غزالة ... ويبسم عن ثغر كدر منضد فلا تستمع فيها مقالة عاذل ... يصدك عنها واعص كل مفند وقال أيضاً يفضل الخمر على الحشيش: فديتك نور الحق قد لاح فاهتد ... نديمي وكن في اللهو غير مقلد أترضى بأن تمسي شبيه بهيمة ... بأكل حشيش يابس غير أرغد فدع رأي قوم كالدواب ولا تدر ... سوى درة كالكواكب المتوقد

стр. 1161

مدام إذا ما لاح للركب نورها ... وقد ضل ليلاً عاد بالنور يهتدي حشيشتهم تكسو المهيب مهانة ... فتلقاه مثل القاتل المتعمد ويبدو على خديه مثل اخضرارها ... فيضحي بوجه مظلم اللون أربد وتفسد من ذهن النديم خياله ... فينظر مبيض الصباح كأسود وخمرتنا تكسو الذليل مهابة ... وعزاً فتلقى دونه كل سيد وتجلى فتجلو هم كل منادم ... ويروى بها من شربها قلبه الصدي وتبدو فيبدو سره وتسره ... فيشبهها لوناً بخد مورد وفيها على رغم الحشيش منافع ... فقل في معانيها وصفها وعدد وفي غيرها للناس كل مضرة ... فحدث بكل السوء عن وصفها الردي وحقك ما ذاق الحشيش خليفة ... ولا ملك فاق الأنام بسؤدد ولا جد في وصف لها قط شاعر ... بتنميق ألفاظ كألحان معبد ولم تضرب الأوتار في مجلس لها ... وما ذاك إلا للشراب المورد أتخضب من غير المدامة راحة ... إذا ما بدت في الكأس تجلى على اليد بها ينثني المعشوق نشوان مائلاً ... بقد كغصن البانة المتأود يعاطيك راحاً مثلها في رضابه ... ومبسمه مثل الحباب المنضد وينعم بالوصل الذي كان باخلاً ... به ثم ينسى كل ما كان في الغد أعن مثلها يا صاح يصبر عاقل ... لقد كنت في تركي لها غير مهتدي ولولا فضول الناس ما بت صاحياً ... ولم أستمع فيها مقال المفند فخذها ولا تسمع مقالة لائم ... وإن حرمت يوماً على دين أحمد تأمل هاتين القصيدتين وكيف ناقض بينهما، وبهذا يعرف حذق الشاعر فإنه يمدح الشيء ويذم ضده، ثم يعكس فيميل الطباع إلى ما مدح، ويصرفها على ما ذم، من غير أن يغير حقيقة هذا ولا هذا. وقال أيضاً:

стр. 1162

أيا حبذا دوح حللنا ظلاله ... فطاب لنا فيه مقيل ومسرح سرينا إليه خلسة كنسيمة ... وعدنا كأغصان به تترنح وقال وهو ببستان البهاء ابن سيدة: ألا يا بهاء الدين ليس بنادم ... نديمك بل تسدي إليه المكارم خرينا وبلنا إذ سكرنا بنهركم ... " ووجهك وضاح وثغرك باسم " وقال في أحول لائط: يا ظريفاً يكاد يقطر من عط ... فيه ماء اللواط في كل واد عش هنيئاً فإن عينيك يغني ... حول فيهما عن القواد وقال أيضاً: ولي صاحب قال نلت المنى ... بمن هو دون الورى منيتي فقلت أتى زائراً قال لا ... ولكن جلدت ولي نيتي ٤٢٣ (١) شهاب الدين ابن تمرداش محمد بن محمد بن محمود بن تمرداش، شهاب الدين أبو عبد الله؛ كان في أول مرة جندياً، وخدم بحماة وصحب صاحبها الملك المنصور، ثم أبطل

стр. 1163

ذلك ولبس زي العدول وجلس في مركز الرواحية بدمشق، وبها ولد وتوفي. ومن شعره: أقول لمسواك الحبيب لك الهنا ... برشف فم ما ناله ثغر عاشق فقال وفي أحشائه حرقة الجوى ... مقالة صب للديار مفارق تذكرت أوطاني فقلبي كما ترى ... أعلله بين العذيب وبارق قال الشيخ صلاح الدين الصفدي حرسه الله تعالى: ما أحلى قول محيي الدين ابن قرناص: سألتك يا عود الأراكة إن تعد ... إلى ثغر من أهوى فقبله مشفقا ورد من ثنيات العذيب منيهلاً ... تسلسل ما بين الأبيرق والنقا ولابن تمرداش: ولما التقينا بعد بعد وفي الحشا ... لواعج شوق في الفؤاد تخيم أراد اختباري بالحديث فما رأى ... سوى نظر فيه الجوى يتكلم وقال أيضاً: ومهفهف الأعطاف معسول اللمى ... كالغصن يعطفه النسيم إذا سرى قال اسقني فأتيته بزجاجة ... ملئت قراحاً وهو لاه لا يرى وتأرجت برضابه وأمدها ... من نار وجنته شعاعاً أحمرا ثم انثنى ثملاً وقد أسكرته ... برضابه وبوجنتيه وما درى وقال أيضاً: قال لي ساحر اللواحظ صف لي ... هيفي قلت يا رشيق القوام لك قد لولا جوارح جفني ... ك لغنت عليه ورق الحمام وقال أيضاً:

стр. 1164

حتام لا تصل المدام وقد أتت ... لك في النسيم من الحبيب وعود والنهر من طرب يصفق من فرحة ... والغصن يرقص والرياض تميد وقال أيضاً: قد صنت سر هواكم ضناً به ... إن المتيم بالهوى لضنين فوشت به عيني ولم أك عالماً ... من قبلها أن الوشاة عيون ومن شعر ابن تمرداش: لقد لذ لي من بعد طول تنسكي ... غرامي بمعسول اللمى وتهتكي وأصليت قلبي في جحيم صدوده ... وإن كان في توحيده غير مشرك ولم أنس إذ ودعته وحشاشتي ... تقابل جيش الشوق في كل معرك فلو يسمع الشكوى حسود لراعه ... غريب الهوى من حيث أشكي ويشتكي ولما سرت من نحوه نسمة الصبا ... يفوح شذاها كالعبير الممسك علمت يقيناً أن نار ذكائه ... أعارت نسيم الريح من عرفها الذكي وقال أيضاً في خياط: رأيت في السوق خياطاً محاسنه ... تزهو على البدر إذ يبدو من الأفق إن قرض الخيط في فيه وألصقه ... إلى ثنايا كنظم الدر في النسق تكسوه نوراً ثناياه فتحبسه ... على المراشف خيط الصبح في الشفق وقال أيضاً: أراه بعيداً وهو في نفسي أدنى ... إلي وألقاه إذا غاب بالمعنى وتشتاقه شوق الرياض إلى الحيا ... عيوني وإن أضحى فؤادي له مغنى تشرد نومي إذ جفاني لأجله ... وسال من الصبر إلى المقلة الوسنى " كذا " وكيف يلام النوم في عشق مقلة ... لواحظها تلقاك بالحسن والحسنى يلوم عليه الحاسدون وبينناً ... من الود ما يفني الزمان وما يفنى

стр. 1165

إذا قطعت العمر في ظل عشقه ... فلله ما أحلاه عيشاً وما أهنا وله أيضاً: قسماً بظبي ليس فيه نفور ... إني بعشق عذاره معذور قمر يميس به كما شاء الصبا ... غصن يسر الناظرين نضير يرنو إلي بناظر فيه الرضى ... فيغور في قلبي الجوى ويغير وتزيدني ألطافه شغفاً به ... وقليل إحسان الحبيب كثير وإذا أتاني زائراً وافى وفي ... ديباجتيه نضرة وسرور لا يعتريه تكلف أنى سرى ... سراً ولا يرزوه حين يزور وقال أيضاً: ولرب ليل سرت فيه والدجى ... يدعى لفرط ظلامه بالكافر طوراً أضل عن الطريق وأهتدي ... طوراً بنجم من هلال الحافر وقال أيضاً ذوبيت: أخفيت هواك عن جميع البشر ... ضناً بحديث سرك المستتر فانصان وكاد يخفى قمري ... عن فرط ذكا مثلك لولا نظري وله أيضاً: كلما زادني اللواحي ملاما ... في هوى من أحب قلت سلاما أنا من معشر إذا استمعوا العذ ... ل تجافوا عنه ومروا كراما لي سمع للمنطق العذب إلا ... أنه لا يعي سواه كلاما يصبح العاذلون في الهرج والمر ... ج وقلبي لا يستفيق غراما وجفاني الذي أحب وأجفا ... ني يبيتون سجداً وقياما وقال أيضاً: طرب الدوح من غناء الحمام ... وتثنى سكراً بغير مدام

стр. 1166

وسقته سحب الغوادي فأضحى ... باسم النور من بكاء الغمام باسماً في كمامه وابتسام ال ... عجب يخفي للحسن في الأكمام كيف لا يزدهيه عجب وقد أص ... بح يحكيك يا رشيق القوام يا حمام الأراك لا تعرب اللح ... ن فحسبي ما فيك من إعجام لا تبح بالذي تجن فتلقى ... ما ألاقي من كثرة اللوام وقال أيضاً: ولقد قطعت العيش في زمن الصبا ... قطع امرئ عن غيه لا يرجع أيام ألقى الحادثات بمثلها ... بأساً وأنف الخطب عني أجدع والآن قد ولى الشباب وأقبل ال ... شيب الملم وخطبه لا يدفع وقال أيضاً: تقضت شهور بالبعاد وأحوال ... جرت بعدكم فيها أمور وأحوال فإن يسر الله التلاقي ذكرتها ... وإلا فلي في هذه الأرض أمثال وقال أيضاً: يا قمري إن جزت وادي الأراك ... وقبلت أغصانه الخضر فاك أرسل إلى عبدك من بعضها ... فإنني والله ما لي سواك وقال أيضاً: روى دمع عيني عن غرامي فأشكلا ... ولكنه ورى الحديث فأشكلا وأسنده عن واقدي أضالعي ... فأضحى صحيحاً بالغرام معللا وله أيضاً: وافى النسيم وقد تحمل منكم ... لطفاً يقصر فهمه عن علمه وشكا السقام وما درى ما قد جرى ... وأنا أحق من الرسول بسقمه وقال أيضاً:

стр. 1167

إن طال ليلي بعدكم فلطوله ... عذر وذاك لما أقاسي منكم لم تسر فيه نجومه لكنها ... وقفت لتسمع ما أحدث عنكم وقال أيضاً: عجباً لمشغوف يحدث عنكم (١) ... ماذا يقول وما عساه يمدح والكون إما صامت فمعظم ... حرماتكم أو ناطق فمسبح وقال أيضاً: من لأسير أمست أنيسته (٢) ... في الدوح عن حاله تسائله فهو يغني مبدى الحزين (٣) لها ... وهي بأوراقها تراسله وقال أيضاً: حتى إذا رق جلباب الدجى وسرت ... من تحت أذياله مسكية النفس تبسم الصبح إعجاباً بخلوتنا ... ووصلنا الطاهر الخالي من الدنس وقال أيضاً: جيادك يا من طبق الأرض عدله ... وحاز بأعلى الجد أعلى المناصب إذا سابقتها في المهبة (٤) غرة ... رياح الصبا عادت لها كالجنائب ولو لم يكن في ظهرها كعبة المنى ... لما شبهت آثارها بالمحارب وقال أيضاً: يا سيدي أوحشت قوماً ما لهم ... عن حسن منظرك الجميل بديل وتعللت شمس النهار فما لها ... من بعد بعدك بكرة وأصيل

стр. 1168

وبكى السحاب مساعداً لتفجعي ... من طول هجرك والنسيم عليل وقال أيضاً: يقولون شبهت الغزال بأهيف ... وهذا دليل في المحبة واضح ولو لم يكن لحظ الغزال كلحظه اح ... وراراً لما تاقت إليه الجوارح سبقه إلى هذا شمس الدين محمد بن دانيال فقال " (١) : بي من أمير شكار (٢) ... وجد يذيب الجوانج لما حكى الظبي حسناً (٣) ... حنت إليه الجوارح وقال أيضاً: انظر إلى الأزهار تلق رؤوسها ... شابت وطفل ثمارها ما أدركا وعبيرها قد ضاع من أكمامها ... وغدا بأذيال الصبا متمسكا وقال أيضاً: ولما أشارت بالبنان وودعت ... وقد أظهرت للكاشحين تشهدا طفقنا نبوس الأرض نوهم أننا ... نصلي الضحى عليها من العدا وقال أيضاً: ما أبطأت أخبار من أحببته ... عن مسمعي بقدومه ورجوعه إلا جرى قلبي إليه خافقاً ... وشكا إليه تشوقي بدموعه وقال أيضاً: يقول لي الدولاب راض حبيبك ال ... ملول بما يهوى الخير والنفع

стр. 1169

فإني من عود خلقت وها أنا ... إذا مال عني الغصن أسقيه من دمعي وقال أيضاً ذوبيت: الصب بك المتعوب والمعتوب ... والقلب بك المسلوب والملسوب يا من طلبت لحاظه سفك دمي ... مهلاً ضعف الطالب والمطلوب قيل إن الشيخ صدر الدين ابن الوكيل كان يقول: وددت لو أخذ شعري كله وأعطاني هذين البيتين. وله غير ذلك وكل شعره مليح، رحمه الله تعالى وعفا عنه. ٤٢٤ - (١) ابن الحداد الأندلسي محمد بن أحمد بن عثمان، أبو عبد الله القيسي الأندلسي، ابن الحداد الشاعر؛ له ديوان كبير، وكتاب في العروض، اختص بالمعتصم ابن صمادح وتوفي سنة ثمانين وأربعمائة. ومن شعره قوله من قصيدة: بعيشكما ذات اليمين فإنني ... أراح بشم (٢) الروح من عقداتها فقد عبقت ريح النعامى كأنما ... سلام سليمى فاح من نفحاتها وتيماء للقلب المتيم منزل ... فعوجا بتسليم على سلماتها مشاعر تهيام وكعبة فتنة ... فؤادي من حجاجها ودعاتها

стр. 1170

فكم صافحتني من (١) مناها يد المنى ... وكم هب عرف اللهو في عرفاتها عهدت بها أصنام حسن عهدتي ... هوى عبد عزاها وعبد مناتها أهل بأشواقي إليها وأتقي ... شرائعها في الحب حق تقاتها وله أيضاً: هم في ضميرك خيموا أو قوضوا ... ومنى جفونك أقبلوا أم أعرضوا وهم رضاك من الزمان وأهله ... سخطوا كما زعمت وشاتك أو رضوا أهواكم وإن استمر قلاهم ... ومن العجائب أن يحب المبغض وله أيضاً: وقد هوت بهوى نفسي مها سبإ ... فهل درت (٢) مضر من تيمت سبأ كأن قلبي سليمان وهدهده ... طرفي وبلقيس ليلى والهوى النبأ ٤٢٥ (٣) ابن الصابوني الإشبيلي محمد بن أحمد ابن الصابوني الصدفي، من أهل إشبيلية؛ قال ابن الأزبار: ذهبت البدائع (٤) بذهابه، وختمت الأندلس شعراءها به، ذهب إلى المشرق فتوفي بالإسكندرية وهو طالب مصر سنة أربع " وثلاثين " (٥) وستمائة.

стр. 1171

ومن شعره من قصيدة، رحمه الله تعالى: أقسم فرق الليل عن سنة الضحى ... واهبط خصر القاع من كفل الدعص إلى أن أرى برقاً إذا شمت وجهه ... رأيت جبين البدر مكتمل القرص وقال أيضاً: لقد حجبت زج الحواجب سلوتي ... ومن لحظ هذا (١) سميت بالحواجب وواوات أصداغ أقارب نسبة ... لنوناتها تدعى بوصف عقارب وميم فم تحت صاد لشارب ... سلافاً حواها ختم صاد لشارب وله أيضاً: أما وعذار فوق خديك إنه ... لأنكأ فعلي مقلتيك لفاعل وما خيلت نفسي إلي بأنه ... ستفعل أفعال السيوف الحمائل وله أيضاً: رأيت في خده عذاراً ... خلعت في حبه عذاري قد كتب الحسن فيه سطراً ... " ويولج الليل في النهار " وله أيضاً: يسقي الرحيق المختوم من يده (٢) ... ختامة من عذاره مسك أسبل دمعي من صده درراً ... جسمي لفرط الضنا لها سلك (٣)

стр. 1172

٤٢٦ - (١) أبو نصر الأواني محمد بن أحمد بن الحسين الفروخي (٢) ، أبو نصر الكاتب الأواني (٣) ؛ كان كاتباً على أعمال السواد من قبل الوزير ابن هبيرة، وكان شيخاً فاضلاً نبيلاً أديباً حاذقاً، وصنف عدة رسائل: منها " رسالة في الربيع "؛ وتوفي سنة سبع وخمسين وخمسمائة. ومن شعره (٤) : ما لعين جنت على القلب ذنب ... إنما يرسل اللحاظ القلب والهوى قائد القلوب فإن سل ... ط جيش الغرام فالقلب نهب أحياة بعد التفرق يا قل ... ب فأين الهوى وأين الحب كان دعوى ذاك التأوه للبي ... ن ولم ينصدع لشملك شعب إن موت العشاق من ألم الفرق ... ة في الحب سنة تستحب وعلاج الهوى عذاب المحبي ... ن ولكنه عذاب عذب وقال أيضاً: يا رب عفوك إنني في معشر ... لا أبتغي منهم سواك ملاذا هذا ينافق ذا وذا يغتاب ذا ... ويسب هذا ذا ويشتم ذا ذا

стр. 1173

وقال أيضاً: قالت وقد عاينت حمرة كفها ... لا تعتبن فالعهد غير مضيع ما إن تعمدت الخطاب وإنما ... زفرات حبك أوقدت في أضلعي فبكيت من شوقي دماً فمسحته ... بأناملي فتخضبت من أدمعي وله ترسل مليح، رحمه الله تعالى. ٤٢٧ - (١) فتح الدين ابن سيد الناس محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس، الشيخ الإمام العالم الحافظ المحدث، فتح الدين أبو الفتح ابن الفقيه أبي عمرو ابن الحافظ أبي بكر اليعمري؛ كان حافظاً بارعاً أديباً بليغاً مترسلاً، حسن المحاورة لطيف العبارة، فصيح الألفاظ كامل الأدوات لا تمل محاضرته، كريم الأخلاق زائد الحياء (٢) ، حسن الشكل والعمة، وهو من بيت رياسة وعلم، سمع وقرأ وارتحل وكتب وحدث وأجاز. أجاز له عبد اللطيف وكناه بأبي الفتح، وسمع حضوراً سنة خمس وسبعين من القاضي شمس الدين ابن القسطلاني (٣) وقرأ على أصحاب ابن طبرزد وأصحاب الكندي وأصحاب الحرستاني،

стр. 1174

وارتحل إلى دمشق سنة تسعين فكاد يدرك الفخر بن البخاري (١) ففاته (٢) بليلتين، قال الشيخ شمس الدين: ولعل مشيخته تقارب الألف. ونسخ بخطه، واختار وانتقى شيئاً كثيراً، ولازم الشهادة مدة؛ وكان عنده كتب كبار وأمهات جيدة: منها مصنف ابن أبي شيبة، ومسنده، والمحلى، والتمهيد، وجامع عبد الرزاق، وتاريخ أبي خيثمة، والاستيعاب، والاستذكار، وتاريخ الخطيب، والمعاجم الثلاثة للطبراني، وطبقات ابن سعد، وتاريخ المظفري وغير ذلك. وصنف " عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير " (٣) و " النفخ الشذي في شرح الترمذي " ولم يكمل، وكتاب " بشرى (٤) اللبيب بذكر الحبيب " و " منح المدح ". وشعره رقيق سهل التركيب منسجم الألفاظ عذب النظم بلا كلفة، وكتب بالمغربي طبقة كما كتب بالمشرقي. فن شعره قوله: عهدي به والبين ليس يروعه ... صباً براه نحوله ودموعه لا تطلبوا في الحب ثأر متيم ... فالموت من شرع الغرام وشروعه عن ساكن الوادي سقته مدامعي ... حدث حديثاً طاب لي مسموعه أفدي الذي عنت البدور لوجهه (٥) ... إذ حل معنى الحسن فيه جميعه البدر من كلف به كلف به ... والغصن من عطف عليه خضوعه لله (٦) معسول المراشف واللمى ... حلو الحديث ظريفه مطبوعه دارت رحيق لحاظه فلنا بها ... سكر يجل عن المدام صنيعه

стр. 1175

يجني فأضمر عتبه فإذا بدا ... فجماله مما جناه شفيعه وقال أيضاً: قضى ولم يقض من أحبابه أربا ... صب إذا مر خفاق النسيم صلبا راض بما صنعت أيدي الغرام به ... فحبسه الحب ما أعطى وما سلبا لا تحسبن قتيل الحب مات ففي ... شرع الهوى عاش للإخلاص (١) منتسبا في جنة من معاني حسن قاتله ... لا يشتكي نصبا فيها ولا وصبا ما مات من مات في أحبابه كلفاً ... وما قضى بل قضى الحق الذي وجبا فالسحب تبكيه بل تسقيه هامية ... وكيف تبكي محباً نال ما طلبا فطوقت جيدها الورقاء واختضبت ... له وغنت على أعوادها طربا ومالت الدوحة (٢) الغناء راقصة ... تصبو وتنثر من أوراقها ذهبا والغصن نشوان يثنيه الغرام به ... كأنه من حميا وجده شربا والروض حمل أنفاس النسيم شذا ... أزهاره راجياً من قربه سببا فراقه الورد فاستغنى به وثنى ... عطفاً إليه ومن رجع الجواب أبى ففارقت روضها الأزهار واتخذت ... نحو الرسول سبيلاً وابتغت سربا (٣) وحين وافته نادت عند رؤيته ... لمثل هذا حبيباً فلتحل (٤) حبا تهللت (٥) وجنات الورد من فرح ... وأعين النرجس انهلت له نغبا (٦) سقته واستوسقت من عرفه أرجاً ... أذكى وأعطر أنفاساً إذا انتسبا

стр. 1176

وأملت لمحة من حسن قاتله (١) ... فأجفلت رهباً إذ لم تطق هربا (٢) أما درى حين جد الوجد أن لها ... من دمعها ولها من حسنه حجبا وبانة الشيح جادتها سحائبها ... أوفت وفاء ولفت (٣) حولها عذبا عرارها وخزاماها وما حملت ... من البشام سقاه الغيث منسكبا والعاذلون لووا أكتافهم حزناً ... والكاشحون ثنوا أعطافهم حربا لم يبق عذل ولا لوم يؤنبه ... سيان إن بعد اللاحي (٤) وإن قربا ولم يكن قبل ذا يصغي لهم أذناً ... ولا تخوف يوماً أعين الرقبا وربما طاف شيطان السلو به ... فأرسل الشوق من آماقه شهبا أفديه من حافظ للعهد إذ نقضوا ... عهداً ومن صادق في الحب ما كذبا راض الصبابة واستحلى لواعجها ... حتى استلان له منها الذي صعبا تراه منقبضاً (٥) للوصل مقتضياً ... طوراً ومكتئباً للبين مرتقبا يستخبر الركب هل شط المزار بهم ... والرسم أعجم أنى خاطب العربا بالله يا نسمات الريح هل خبر ... عنهم يعيد لي العيش الذي ذهبا بانوا فأي فؤاد لم يذب أسفاً ... وأي قلب غداة البين ما وجبا ناديت بالسفح قلباً في ضيافتهم ... لا يذكر السفح إلا حن مغتربا غير أن تصرعه الذكرى إذا خطرت ... والريح إن نسمت والدمع إن نضبا يرتاع للقضب إن ماست معاطفها ... ليناً وكان يروع السمر والقضبا شوقاً إلى غصن بان مثمر قمراً ... على كثيب نقاً بالحسن منتقبا تضرم الماء في جنات وجنته ... ناراً وأضرم في أحشائنا لهبا

стр. 1177

ولم يكن بابلي الريق مبسمه ... لما اكتسى ثغره من دره حببا للأقحوانة مما فيه منظرها ... ولم تنل مثله عرفاً ولا ضربا والبرق يخفق لما شام بارقه ... فالمزن تبكي له أن أعوز الشنبا من لي وللكبد الحرى ومقلتي العبرى (١) ... استهلت وسحت دمعها سحبا ومن لمضنى إذا لج السقام به ... والحب لم يرض إلا روحة سلبا ما زال يتعبه حتى استراح به ... وإنما يألف الراحات من تعبا وقال أيضاً: ما شروط الصوفي في عصرنا اليو ... م (٢) سوى ستة بغير زيادة وهي نيك العلوق والسكر والسط ... لة والرقص والغنا والقيادة وإذا ما اهتدى وأبدى اتحاداً ... وجميلاً من خلوة وأعاده وأتى المنكرات عقلاً وشرعاً ... فهو شيخ الشيوخ ذو السجادة وقال أيضاً: يا كاتم الشوق إن الدمع مبديه ... حتى يعيد زمان الوصل مبديه أصبو إلى البان بانت عنه (٣) هاجرتي ... تعللاً بليالي وصلها فيه عصر مضى وجلابيب الصبا قشب ... لم يبق من طيبه إلا تمنيه وقال أيضاً: صرفت الناس عن بالي ... فحبل ودادهم بالي وحبل الله معتصمي (٤) ... به علقت آمالي فمن يسلو الورى طراً ... فإني ذلك السالي

стр. 1178

فار وجهي لذي جدة ... ولا ميلي لذي مال وقال أيضاً: فقري لمعروفك المعروف يغنيني ... يا من أرجيه والتقصير يرجيني إن أوثقتني الخطايا عن مدى شرف ... نجا بإدراكه الناجون من دوني وغض من أملي ما ساء من عملي ... فإن لي حسن ظن فيك يكفيني وقال أيضاً: عذيري من دهري تصدى معاتباً ... لمستمنح العتبى (١) فأقصد من قصد رجوت به وصل الحبيب فعندما ... تبدى له المعشوق قابله الرصد وقال أيضاً: يا بديع الجمال شكر جمالك ... أن توافي عشاقه بوصالك لنت (٢) عطفاً لهم وقلبك قاس ... فهم يأخذون من ذا لذلك غير أن الكمال أولى بذا الحس ... ن ومن للبدور مثل كمالك قابلت وجهك السماء فشكل ال ... بدر ما مرآتها من خيالك مثلته لكن رسوم صداها ... كلفته فقصرت عن مثالك وقال أيضاً: إن غض من فقرنا قوم منحوا ... فكل حزب بما أوتوه قد فرحوا إن هم أضاعوا لحفظ المال دينهم ... فإن ما خسروا أضعاف ما ربحوا وكانت وفاة الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس حادي عشر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، ومولده رابع عشر ذي القعدة سنة إحدى وستين وستمائة، ﵀.

стр. 1179

٤٢٨ - (١) أبو اليسر ابن الصايغ محمد بن محمد بن عبد القادر الأنصاري، الشيخ الإمام المفتي بركة الوقت بدر الدين أبو اليسر ابن قاضي القضاة عز الدين ابن الصايغ الدمشقي الشافعي، مدرس الدماغية (٢) والعمادية (٣) ؛ ولد سنة ست وسبعين وستمائة؛ وسمع كثيراً من أبيه وابن شيبان والفخر علي وبنت مكي، وحضر على ابن علان، وحدث بصحيح البخاري عن اليونيني، وكان يلازم حلقة الشيخ برهان الدين، وعرض عليه قاضي القضاة فامتنع واستعفى وصمم، فاحترمه الناس وأحبوه لتواضعه ودينه، وعظمه تنكز (٤) نائب دمشق واعتقد فيه، وحج غير مرة، وتولى خطابة القدس مدة مديدة وتركها، وكان مقتصداً في لباسه وأموره، زار القدس فتعلل هناك ونقل إلى دمشق فمات بها شهور سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، ودفن عند أبيه بسفح قاسيون، وشيعه الخلائق وحمل على الرؤوس، رحمه الله تعالى وعفا عنه.

стр. 1180

٤٢٩ - (١) الشيخ بهاء الدين ابن النحاس الحلبي محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر، الإمام العلامة حجة العرب، بهاء الدين ابن النحاس الحلبي النحوي، شيخ العربية بالديار المصرية؛ ولد في سلخ جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وستمائة بحلب، وتوفي سنة ثمان وتسعين وستمائة بالقاهرة. سمع ابن اللتي (٢) والموفق ابن يعيش وأبا القاسم ابن رواحة وابن خليل، وقرأ القرآن على أبي عبد الله الفاسي وأخذ عن جمال الدين ابن عمرون، ودخل مصر لما خربت حلب وأخذ عن بقايا شيوخها، ثم جلس للإفادة وتخرج به جماعة من الأئمة، وكان من أذكياء بني آدم، وله خبرة بالمنطق وإقليدس، مشهوراً بالدين والصدق والعدالة، مع اطراح الكلفة، يمشي في الليل بين القصرين بقميص وطاقية على رأسه فقط، وكان حسن الأخلاق فيه ظرف النحاة وانبساطهم، وكان له صورة كبيرة في صدور الناس، معروفاً بحل المشكلات، واقتنى كتباً نفيسة، ولم يتزوج قط، وكانت له أوراد من العبادة. قال قطب الدين عبد الكريم: كان كثير التلامذة كثير الذكر كثير الصلاة، ثقة حجة، يسعى في مصالح الناس، وكان لا يدخر شيئاً، وكان عنده من أصحابه ومن الطلبة من يأكل على مائدته، وكان لا يكلم أحداً في حل النحو إلا بلغة العوام لا يراعي الإعراب.

стр. 1181

وقال الشيخ أثير الدين: كان الشيخ بهاء الدين والشيخ محيي الدين محمد ابن عبد العزيز المازوني (١) المقيم بالإسكندرية شيخي الديار المصرية، ولم ألق أحداً أكثر سماعاً لكتب الأدب من الشيخ بهاء الدين، وانفرد بسماع " الصحاح " للجوهري، وكان كثير العبادة والمروءة والترحم (٢) على من يعرفه، لا يكاد يأكل شيئاً وحده، وكان ينهى عن الخوض في العقائد، وله تودد إلى من ينتمي إلى الخير. ولي التدريس بجامع ابن طولون بالقبة المنصورية، وله تصدير بمصر (٣) ، ولم يصنف شيئاً إلى إملاء على كتاب " المقرب " لابن عصفور من أول الكتاب إلى باب الوقف أو نحوه. توفي يوم الثلاثاء سابع جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين. وكنت أنا وأياه نمشي بين القصرين، فعبر علينا صبي يسمى بجمال، وكان مصارعاً، فقال الشيخ بهاء الدين: ينظم كل منا في هذا المصارع، فنظم الشيخ بهاء الدين: مصارع تصرع الآساد سمرته ... تيهاً فكل مليح دونه همج لما غدا راجحاً في الحسن قلت لهم ... عن حسنه حدثوا عنه ولا حرج ونظم الشيخ أثير الدين أبو حيان: سباني جمال من مليح مصارع ... عليه دليل للملاحة واضح لئن عز منه المثل فالكل دونه ... وإن خف منه الخصر فالردف راجح قال الشيخ أثير الدين: وسمع الشيخ شهاب الدين العزازي (٤) نظمنا فنظم: هل حكم ينصفني من هوى ... مصارع يصرع أسد الشرى مذ فر مني الصبر في حبه ... حكى عليه مدمعي ما جرى

стр. 1182

أباح قتلي في الهوى عامداً ... وقال كم من عاشق في الورى رميته في أسر حبي ومن ... أجفان عينيه أخذت الكرى وقال الشيخ أثير الدين: أنشدني بهاء الدين يخاطب رضي الدين الشاطبي وقد كلفه أن يشتري له قطراً: أيها الأوحد الرضي الذي طا ل علاء وطاب في الناس نشرا أنت بحر لا غرو إن نحن وافي ناك راجين من نداك القطرا وأنشدني لنفسه ما كتب على منديل: ضاع مني خصر الحبيب نحولاً ... فلهذا أضحي عليه أدور لطفت خرقتي وودقت فجلت ... عن نظير كما حكتها الخصور أكتم السر عن رقيب لهذا ... بي يخفي دموعه المهجور وأنشدني لنفسه أيضاً: أني تركت لذا (١) الورى دنياهم ... وظللت أنتظر الممات وأرقب وقطعت في الدنيا علائق (٢) : ليس لي ... ولد يموت ولا عقار يخرب وله أيضاً في مليح شرطوه: قلت لما شرطوه وجرى ... دمه القاني على الخد اليقق (٣) ليس بدعاً ما أتوا في فعلهم ... هو بدر ستروه (٤) بالشفق وكتب الخط الفائق المنسوب، وقرأ عليه جماعة من أهل عصره ومصره،

стр. 1183

وقرأ عليه الشيخ شمس الدين الذهبي، وكان يحفظ ثلث " صحاح " الجوهري، رحمه الله تعالى وعفا عنه. ٤٣٠ - (١) البدر ابن جماعة محمد بن إبراهيم بن سعد بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر، قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله الكناني الحموي الشافعي؛ ولد بحماة سنة تسع وثلاثين وستمائة، وسمع سنة خمسين من شيخ الشيوخ " الأنصاري، وبمصر من الرضي ابن البرهان والرشيد العطار وإسماعيل " (٢) ابن عزون وغيره (٣) ، وبدمشق من الواني بن أبي اليسر وابن عبد الله وطائفة، وحدث بالشاطبية عن ابن عبد الوارث صاحب الشاطبي، وحدث بالكثير وتفرد في وقته، وكان قوي المشاركة في علم الحديث والفقه والأصول والتفسير، خطيباً تام الشكل، ذا تعبد وأوراد، وحج، وله تصانيف، درس وأفتى وأشغل (٤) ؛ ولي خطابة القدس، ثم طلبه الوزير ابن السلعوس فولاه قضاء مصر، ورفع شأنه، ثم حضر إلى الشام قاضياً وولي خطابة الجامع الأموي مع القضاء، ثم طلب لقضاء مصر بعد ابن دقيق العيد وامتدت أيامه إلى أن شاخ وأضر وثقل سمعه،

стр. 1184

فعزل بقاضي القضاة جلال الدين القزويني سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وكثرت أمواله، وباشر آخراً بلا معلوم على القضاء، ولما رجع السلطان من الكرك صرفه وولى جمال الدين الزرعي، فاستتم (١) نحو السنة، ثم أعيد بدر الدين ابن جماعة وولي مناصب كباراً، وكان يخطب من إنشائه، وصنف في علوم الحديث وفي الأحكام، وله " رسالة في الكلام على الاسطرلاب " وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، ﵀. ٤٣١ - (٢) أبو العبر محمد بن أحمد الهاشمي، كنيته أبو العباس، فصيرها " أبا العبر " ثم إنه كان يزيدها كل سنة حرفاً فمات وهو أبو العبر طرد طبك طلياري بك بك بك (٣) . وكان شاعراً ترك الجد وعدل إلى الهزل، حبسه المأمون (٤) وقال: هذا عار على بني هاشم، فصاح في الحبس: نصيحة لأمير المؤمنين، فأخبروه، فاستحضره وقال: هات نصيحتك، فقال: الكشكية أصلحك الله لا تطيب إلا بكشك، فضحك منه وقال: أرى أنه مجنون، فقال أبو العبر: إنما امتخطت حوت، فقال: ويحك! ما معنى قولك؟ فقال: أصلحك الله زعمت أنني مججت نون، وإنما

стр. 1185

امتخطت (١) حوت، فأطلقه وقال: أظنني في حبسك مأثوم، قال: لا ولكنك في ماء بصل (٢) ، فقال: أخرجوه عني ولا تقم في بغداد فهذا عار علينا. وكان في مبدأ أمره صالح الشعر مع توسط، لا ينفق مع أبي تمام والبحتري وأضرابهما، فعمد إلى الحمق وكسب بذلك أضعاف ما كسبه كل شاعر بالجد. ومن قوله الصالح: لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متهم وإذا ما الدهر ضعضعني ... لم تجدني كافر النعم قنعت نفسي بما ظفرت ... وتناهت في العلا هممي قال عبد العزيز ابن (٣) أحمد: كان أبو العبر يجلس في مجلس يجتمع إليه المجان فكان يجلس على سلم وبين يديه بالوعة فيها ماء وحمأة وقد سد (٤) مجراها، وبيده قصبة طويلة، وعلى رأسه خف وفي رجليه قلنسوتان، ومستمليه في جوف بئر، وحوله ثلاثة يدقون بالهواوين، حتى تكثر الجلبة ويقل السماع (٥) ، ويصيح مستمليه من البئر، ثم يملي عليهم، فإن ضحك أحد (٦) ممن حضر قاموا فصبوا على رأسه من البالوعة إن كان وضيعاً، وإن كان ذا مروءة رشوا عليه بالقصبة من مائها، ثم يحبس (٧) في الكنيف (٨) إلى

стр. 1186

أن ينقضي المجلس، فلا يخرج (١) منه حتى يغرم درهمين. ومن شعره الصالح: أيها الأمرد المولع بالهج ... ر أفق ما كذا سبيل الرشاد فكأني بحسن وجهك قد أل ... بس في عارضيك ثوب حداد وكأني بعاشقيك وقد أب ... دلت فيهم من خلطة ببعاد حيث تغضي العيون عنك كما ين ... قبض السمع من حديث معاد فاغتنم قبل أن تصير إلى كا ... ن وتضحي من جملة الأضداد وقال أيضاً: رأيت من العجائب قاضيين ... هما أحدوثة في الخافقين هما اقتسما العمى نصفين عمداً ... كما اقتسما قضاء الجانبين هما فأل الزمان بهلك (٢) يحيى ... إذ افتتح القضاء بأعورين وتحسب منهما من هز رأساً ... لينظر في مواريث ودين كأنك قد جعلت عليه دناً ... فتحت بزاله من فرد عين وكان المتوكل يرمي به في المنجنيق إلى البركة، فإذا علا في الهواء يقول: الطريق، جاءكم المنجنيق، حتى يقع في البركة، فيطرح عليه الشباك ويصطاد، ويخرج وهو يقول: ويأمر بي ذا الملك " فيطرحوني في البرك " ويصطادني بالشبك، كأني بعض السمك، ويضحك لي هك هك. قال بعضهم: رأيته ببعض آجام سامرا وهو عريان لا يواريه شيء، على يده اليمنى باشق وبيده اليسرى قوس، وعلى رأسه قطعة رثة من حبل (٣)

стр. 1187

مشدود بأنشوطة (١) ، وفي ذكره شعر مفتول فيه شص (٢) قد ألقاه لصيد السمك، وعلى شفته دوشاب ملطخ، فقلت له: خرب بيتك ما تصنع؟ قال: أصطاد بجميع جوارحي. وفي كتاب " نثر الدر " (٣) باقي نوادره؛ وكانت وفاته بعد الأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى وعفا عنه. ٤٣٢ - (٤) الشيخ مجد الدين ابن الظهير الإربلي محمد بن أحمد بن عمرو بن أحمد بن أبي شاكر، الشيخ مجد الدين أبو عبد الله ابن الظهير الإربلي الحنفي الأديب؛ ولد بإربل في ثاني صفر سنة اثنتين وستمائة، وسمع ببغداد في الكهولة من أبي بكر ابن الخازن والكاشغري، وبدمشق من السخاوي وكريمة وتاج الدين ابن حمويه وتاج الدين ابن أبي جعفر، وقيل إنه سمع من ابن اللتي. روى عنه أبو شامة والدمياطي وأبو الحسين اليونيني وشهاب الدين محمود، وعليه تدرب وبه تخرج، وابن العطار وابن الخباز والشيخ جمال الدين المزي وجماعة، وكان من كبار الحنفية، ودرس بالقيمازية (٥) ، وكان ذا رأي منتقى، وهو من أعيان شيوخ الأدب

стр. 1188

وفحول المتأخرين في الشعر، له ديوان شعر في مجلدين. وكانت وفاته سنة سبع وسبعين (١) وستمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية، ورثاه الشيخ شهاب الدين محمود بقصيدة أولها: تنكر ليلي واطمأنت كواكبه ... وسدت على صبحي الغداة مذاهبه " منها " (٢) : بكته معاليه ولم ير قلبه ... كريم مضى والمكرمات نوادبه ولا غرو أن تبكي المعالي بشجوها ... على المجد إذ أودى وهن صواحبه فأي إمام في الندي وفي الهدى ... تماثله (٣) آدبابه ومآدبه أظن الردى نسر السماء (٤) وأنه ... علا فوقه فاستنزلته مخالبه وهي من قصيدة طويلة مليحة. وهي من شعر الشيخ مجد الدين: حيث الأراكة والكثيب الأوعس ... واد يهيم به الفؤاد مقدس يحمى بأطراف الرماح طرافه ... عزاً وبالبيض المواضي يحرس وتكاد أنفاس النسيم إذا سرت ... من خيفة الغيران لا تتنفس وبجو (٥) ذاك الشعب أنفس مطلب ... أمست تذوب أسى عليه الأنفس وبكل خدر منه ليث مخدر ... أفغابة ذاك الحمى أم مكنس يا جيرة الحي المظلل بالقنا ... هل ناركم بسوى الأضالع تقبس أضرمتموها للنزيل ودونها ... غير أن فتاك الحفيظة أشوس

стр. 1189

وقال أيضاً: غش المفند كامن في نصحه ... فأطل وقوفك بالغوير وسفحه واخلع عذارك في محل ريه ... برذاذ دمع العاشقين وسفحه وإذا سرى سحراً طليح نسيمه ... مالت به سكراً ذوائب طلحه جهل الهوى قوم فراموا شرحه ... جل الهوى وجنابه (١) عن شرحه أفدي الذي يغنيه فاتر طرفه ... عن سيفه وقوامه عن رمحه ذو وجنة شرقت بماء نعيمها ... كالورد أشرقه نداه برشحه وكأن طرته ونور جبينه ... ليل تألق فيه بارق صبحه " منها " (٢) : قلبي وطرفي ذا يسيل دماً وذا ... بين الورى أنت العليم بقرحه وهما بحبك شاهدان وإنما ... تعديل كل منهما في جرحه والقلب منزلك القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام فنحه وقال أيضاً: أواصل فيه لوعتي وهو هاجر ... ويؤنسني تذكاره وهو نافر ويغري هواه ناظري بأدمعٍ ... يوردها ورد له وهو ناظر (٣) ويفتن في تيه الملاحة خاطراً ... فكل خلي في هواه مخاطر ويزور سخطاً ثاني العطف معرضا ... فلا عطفه يرجى ولا الطيف زائر محياه زاه بالملاحة زاهر ... فقلبي وطرفي فيه ساه وساهر يجيل على القد (٤) معجباً ... حبالة شعر كم بها صيد شاعر

стр. 1190

جلا طلعة كالروض دبجة الحيا ... ترف بماء الحسن فيه أزاهر وشهر خداً بالعذار مطرزاً ... فما الفؤاد لم يهم في عاذر فإن صاد قلبي طرفه فهو جارح (١) ... وإن فتنت آياته فهو ساحر (٢) إذا كان صبري في الصبابة خاذلاً ... فمالي سوى دمعي على الشوق ناصر على أن يفيض الدمع لم يرو غلة ... من الوجد أذكتها العيون الفواتر وقال أيضاً يتشوق إلى دمشق (٣) : لعل سنا برق الحمى يتألق ... على النأي أو طيفاً لأسماء يطرق فلا نارها تبدو لمرتقب ولا ... وعود الأماني الكواذب تصدق وعل رياح الهوج تهدي لنازح ... عن الشام عرفاً كاللطيمة يعبق ديار قضينا العيش فيها منعماً ... وأيامنا تحنو علينا وتشفق سحبنا بها برد الشباب وشربنا ... لذيذ كما شئنا مصفى مصفق مواطن فيها السهم سهمي فكلنا ... نحث مطايا اللهو فيه ونعنق كلا جانبيه معلم متجعد ... من الماء في أطلاله يتدفق إذا الشمس حلت متنه (٤) فهو مذهب ... وإن حجبتها دوحه فهو أزرق وإن فرج الأوراق جادت بنورها ... فرقم أجادته الأكف منمق أطل عليه الشمس قبل غروبها ... وترجف إجلالاً له حين تشرق وتصفر من قبل الأصيل كأنها ... محب من البين المشتت مشفق وفي النيرب المرموق للب سالب ... من المنظر الزاهي وللطرف مونق بدائع من صنع القديم ومحدث ... تألق فيه المحدث المتأنق

стр. 1191

رياض كوشي البرد تزهو بحسنها ... جداولها والنور بالماء يشرق فمن نرجس يخشى فراق فريقه ... ترى الدمع في أجفانه يترقرق ومن كل ريحان مقيم وزائر ... تضاعف رياه الرياح فيعبق كأن قدود السرو فيه موائساً ... قدود عذارى ميلها يترقرق إذا ما تداعت للتعانق صدها ... عيون من النور المفتح ترمق وقصر يكل الطرف عنه كأنه ... إلى النسر نسر في السماء محلق زها ببديع الوشي حسناً كأنما ... مدبج روض في نواحيه ملصق وكم جدول جار يطارد جدولاً ... وكم جوسق عال يوازيه جوسق وكم بركة فيه تضاحك بركة ... كم قسطل في الماء للماء يدفق وكم منزل يعشي العيون كأنما ... تألق فيه بارق يتألق وفي الربوة الشماء للقلب جاذب ... وللسمع إصمات وللعين مرمق فهام بها الوادي ففاضت عيونه ... فكل قرار منه بالدمع يملق تكفل من دون الجداول شربها ... يزيد يصفيه لها ويصفق إذا أشرف الولدان من شرفاتها ... رأيت بدوراً في بروج تألق وفي بردى معنى يشوق ومنظر ... يروق ومأوى للسرور ومطرق إذا أنت من أعلاه أشرفت ناظراً ... تجيل عنان الطرف فيه وتطلق رأيت به بحراً من الدوح مزبداً ... وغدرانه حيتانه منه ترمق تميل مع الأفنان فيه كأنها ... نشاوى وما دار الرحيق المعتق وتعطف أعطاف الغصون حمامة ... إذا ما تغنت والغدير يصفق وتجمع فيه كل حسن مفرق ... وشمل الأسى عن حاضريه مفرق كأن رياض الغوطتين جنوده ... يقسم فيها جوده ويفرق وبالمزة الفيحاء دام نعيمها ... جنان تأنى أهلها وتأنقوا حدائقها من ريها ذات بهجة ... بها الراح والريحان والورد محدق وفي كنفي سطرى ومقرى معالم ... تعلم أسباب الهوى كيف تعلق

стр. 1192

عليلة أنفاس النسيم رياضها ... كأن سراها فأر مسك مفتق إذا ما تغنت في ذرى الدوح ورقها ... غدا كل عود منه كالعود يخفق وإن جمشت أنهارها نسمة الصبا ... تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق جنيت بها ما شئت من ثمر المنى ... وغازلني فيها الغزال المقرطق وفي بيت أبيات (١) مصايد للنهى ... خيول الهوى واللهو فيهن سبق فكم من كئيب نال فيها ترفقاً ... بمن كان لا يحنو ولا يترفق وكم من خلي لازم طوقه الهوى ... ينوح كما ناح الحمام المطوق وفي ساحة الميدان أثواب سندس ... لها بهجة تجلو العيون ورونق كأن شعاع الشمس في كل وجهة ... يفر إذا الغزلان فيه تفرقوا من الترك لا عانيهم يبلغ المنى ... ولا هو منون عليه فيعتق عيونهم المرضى ومرضى عهودهم ... تؤكد أسباب الهوى وتوثق أكفهم ترمي ولا دم طائح ... وألحاظهم تصمي القلوب وترشق إذا أرسلوا سود الذوائب خلتها ... محاسنها من جنة الخلد تسرق تؤلف شمل الماء بعد شتاته ... وتجمع شمل الأنس وهو مفرق ومن جسر جسرين إلى تل راهط ... ظلال عنان الأنس فيهن مطلق فكم من غياض في رياض وجنة ... بها كوثر من مائها يتدفق حدائقها لا ظلها قالص ولا ... مجال خيول اللهو فيهن ضيق رعى الله من ودعت والوجد قابض ... عنان لساني والمدامع تنطق وفارقتهم لا عن ملال ولا رضى ... وغربت عنهم غير قال وشرقوا لئن حالت الأيام دون لقائهم ... فما حال لي العهد ولا انحل موثق أجيراننا بالغوطتين عليكم ... سلام مشوق قد براه التشوق

стр. 1193

له كل يوم ثوب وجد مجدد ... وصبر كما شاءت نواكم ممزق أعاتب دهراً صرفه غير معتب ... أصرف فيه كنز عمري وأنفق نأت بي ولم تسمع خطابي خطوبه ... فدام زفيري والحنين المؤرق وبدلت عن تلك الظلال وطيبها ... منازل صافي العيش منها مرنق أظل نجي الشوق لا نار لوعتي ... تبوح ولا شمل الأسى يتفرق وكم ليلة شاب الفؤاد بطولها ... وما شاب للظلماء فود ومفرق وإن غيبتني غشية توهم الكرى ... يواصل طيف الهم فيها ويطرق ويمزج ماء النيل عند وروده ... بدمعي أشواق إليكم فأشرق فيا ليت شعري هل تلوح لمقلتي ... منازل ظني باللقاء محقق وهل شائم برق الثنية ناظري ... على القرب يخفى تارة ثم يخفق وهل بارد من ماء باناس مبرد ... لظى كبد حرى لها الشوق محرق وهل زمني بالصالحية عائد ... يبلغني أقصى المنى ويحقق وهل يجمعني والأحبة موقف ... لنشكو جميعاً ما لقيت وما لقوا وهل لي إلى باب البريد وقد نأى ... بريد به فيما يبلغ موثق دمشق أذاقتني الليالي فراقها ... وقد كنت أخشى منه قدماً وأفرق هي الغرض الأقصى ورؤيتها المنى ... وسكانها ودي لهم متوثق ولو لم تكن ذات العماد لما غدت ... وليس لها مثل على الأرض يخلق حنيني إليها ما حييت مرجع ... وقلبي أسير الشوق والدمع مطلق عليها تحياتي غواد روائح ... بها الريح تجري والركائب تخفق لجامعها المعمور بالذكر بهجة ... ومرأى يسر الناظرين ورونق محاسنه بكر الزمان فصرفه ... علينا مدى الأيام حان ومشفق به زجل التسبيح عال بهيجه ... حنين إلى ذاك الحمى وتشوق وللعلم فيه والعبادة معلم ... جديد على أمر الجديدين مونق وفيه لأرباب التلاوة لذة ... إذا أخذوا في شأنهم وتحلقوا

стр. 1194

كأن مجاج النحل في لهواتهم ... إذا رجعوا الأصوات فيها وأطلقوا وكم فيه من مثوى نبي ومشهد ... بنسبته يسمو محلاً ويسمق وكم قائم لله فيه تهجداً ... بدعوته نكفى المخوف ونرزق مصابيحه تجلو الظلام كأنها ... مصابيح في جو السماء تألق وقبته مأوى الهلال وبرجه ... وفي كل أفق منه للحسن مشرق وقد جاوز الجوزاء فيه مآذن ... بأكنافها نور الجلالة محدق فواحدها منه الهلال سوارة ... وأخرى لها الجوزاء قرط معلق وأخرى ترى الإكليل في غسق الدجى ... يزان بها منها جبين ومفرق إذا ما بدا قوس السحاب لناظر ... فمنها له في الجو سهم مفوق وقد نازع النسر العنان كأنه ... إلى أخويه نازع متشوق أحاطت به الأمواه من كل جانب ... وأمثالها في أرضه تتخرق فمن بركة فيحاء يدعج ماؤها ... ومن جدول ريان كالسهم يمرق وفوارة يحكي سبيكة فضة ... تلألؤها أو بارقاً يتألق فإن تنجز الأيام وعداً بقربها ... فإني موفى الحظ منها موفق وإن أرض طوعاً أرض مصر وحرها ... بديلاً فإني فائل الرأي أخرق سقاها فروى كل منفصم العرى ... من الدلو دان مرعد السحب مبرق إذا أثقلت حملاً رواعد مزنه ... حسبت عشار النوق للرعد تطلق وإن شهرت سيفاً من البرق كفها ... رأيت بخديه دم المحل يرهق على أنه أضحى الكفيل بريها ... وإن ضن غيثاً ماؤها المتدفق وكان قد وعده الشيخ شهاب الدين محمود وفخر الدين ابن الجنان فأخلفا، فكتب إلى الشيخ شهاب الدين محمود: مواعد الفخر والشهاب ... أكذب من لامع السراب أحسنت بالسيدين ظناً ... فكان نقباً على خراب

стр. 1195

كم أخلفاني فخلفاني ... إذ كنت غراً على التراب بما تكلفت من أمور ... ما كن من عادتي ودابي خرجت فيهن من قشوري ... فأفقراني من اللباب راغا وزاغا وليس هذا ال خداع من شيمة الصحاب لو أنصفاني بفرط شوقي ... لوافياني بلا طلاب أو عدلاً في الوداد عادا ... بعد عدول إلى الصواب هل أمن الصعب من ملامي ... والمؤلم المر من عقابيي فأجابه شهاب الدين: أبارق لاح في صباح ... أم نظم الدر في سخاب أم أسطر فر جيش همي ... حين تسارعن في طلابي لم ير من قبلها محب ... كتائباً سرن في كتاب أرسلها سيد نداه ... يهزأ بالزاخر العباب إلى غريبين لو يزالا ... لها مدى الدهر في ارتقاب لم يخلفا الوعد بل أقاما ... ليأخذ الجوع في التهاب ويستطيلا بكل ناب ... كالصارم العضب غير نابي ويصبح الفخر وهو جاث ... ينقض للأكل كالشهاب فلما زاره كتب إلى الأمير ناصر الدين الحراني متولي حرب دمشق: تفضل فخر الدين مثل شهابه ... وزارا محل العبد وامتثلا الأمرا وجاءا بجمع ضامرين من الطوى ... فما تركوا عندي لباباً ولا قشرا فأوسعتهم بالرغم مني كرامة ... وإن كنت بالتحقيق ضقت بهم صدرا وقالوا جميعاً يخلف الله قلت إن ... تقبل منكم كان في السنة الأخرى وقال أيضاً (١) :
следующие страницы →