← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

رياض كوشي البرد تزهو بحسنها ... جداولها والنور بالماء يشرق فمن نرجس يخشى فراق فريقه ... ترى الدمع في أجفانه يترقرق ومن كل ريحان مقيم وزائر ... تضاعف رياه الرياح فيعبق كأن قدود السرو فيه موائساً ... قدود عذارى ميلها يترقرق إذا ما تداعت للتعانق صدها ... عيون من النور المفتح ترمق وقصر يكل الطرف عنه كأنه ... إلى النسر نسر في السماء محلق زها ببديع الوشي حسناً كأنما ... مدبج روض في نواحيه ملصق وكم جدول جار يطارد جدولاً ... وكم جوسق عال يوازيه جوسق وكم بركة فيه تضاحك بركة ... كم قسطل في الماء للماء يدفق وكم منزل يعشي العيون كأنما ... تألق فيه بارق يتألق وفي الربوة الشماء للقلب جاذب ... وللسمع إصمات وللعين مرمق فهام بها الوادي ففاضت عيونه ... فكل قرار منه بالدمع يملق تكفل من دون الجداول شربها ... يزيد يصفيه لها ويصفق إذا أشرف الولدان من شرفاتها ... رأيت بدوراً في بروج تألق وفي بردى معنى يشوق ومنظر ... يروق ومأوى للسرور ومطرق إذا أنت من أعلاه أشرفت ناظراً ... تجيل عنان الطرف فيه وتطلق رأيت به بحراً من الدوح مزبداً ... وغدرانه حيتانه منه ترمق تميل مع الأفنان فيه كأنها ... نشاوى وما دار الرحيق المعتق وتعطف أعطاف الغصون حمامة ... إذا ما تغنت والغدير يصفق وتجمع فيه كل حسن مفرق ... وشمل الأسى عن حاضريه مفرق كأن رياض الغوطتين جنوده ... يقسم فيها جوده ويفرق وبالمزة الفيحاء دام نعيمها ... جنان تأنى أهلها وتأنقوا حدائقها من ريها ذات بهجة ... بها الراح والريحان والورد محدق وفي كنفي سطرى ومقرى معالم ... تعلم أسباب الهوى كيف تعلق

стр. 1192

عليلة أنفاس النسيم رياضها ... كأن سراها فأر مسك مفتق إذا ما تغنت في ذرى الدوح ورقها ... غدا كل عود منه كالعود يخفق وإن جمشت أنهارها نسمة الصبا ... تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق جنيت بها ما شئت من ثمر المنى ... وغازلني فيها الغزال المقرطق وفي بيت أبيات (١) مصايد للنهى ... خيول الهوى واللهو فيهن سبق فكم من كئيب نال فيها ترفقاً ... بمن كان لا يحنو ولا يترفق وكم من خلي لازم طوقه الهوى ... ينوح كما ناح الحمام المطوق وفي ساحة الميدان أثواب سندس ... لها بهجة تجلو العيون ورونق كأن شعاع الشمس في كل وجهة ... يفر إذا الغزلان فيه تفرقوا من الترك لا عانيهم يبلغ المنى ... ولا هو منون عليه فيعتق عيونهم المرضى ومرضى عهودهم ... تؤكد أسباب الهوى وتوثق أكفهم ترمي ولا دم طائح ... وألحاظهم تصمي القلوب وترشق إذا أرسلوا سود الذوائب خلتها ... محاسنها من جنة الخلد تسرق تؤلف شمل الماء بعد شتاته ... وتجمع شمل الأنس وهو مفرق ومن جسر جسرين إلى تل راهط ... ظلال عنان الأنس فيهن مطلق فكم من غياض في رياض وجنة ... بها كوثر من مائها يتدفق حدائقها لا ظلها قالص ولا ... مجال خيول اللهو فيهن ضيق رعى الله من ودعت والوجد قابض ... عنان لساني والمدامع تنطق وفارقتهم لا عن ملال ولا رضى ... وغربت عنهم غير قال وشرقوا لئن حالت الأيام دون لقائهم ... فما حال لي العهد ولا انحل موثق أجيراننا بالغوطتين عليكم ... سلام مشوق قد براه التشوق

стр. 1193

له كل يوم ثوب وجد مجدد ... وصبر كما شاءت نواكم ممزق أعاتب دهراً صرفه غير معتب ... أصرف فيه كنز عمري وأنفق نأت بي ولم تسمع خطابي خطوبه ... فدام زفيري والحنين المؤرق وبدلت عن تلك الظلال وطيبها ... منازل صافي العيش منها مرنق أظل نجي الشوق لا نار لوعتي ... تبوح ولا شمل الأسى يتفرق وكم ليلة شاب الفؤاد بطولها ... وما شاب للظلماء فود ومفرق وإن غيبتني غشية توهم الكرى ... يواصل طيف الهم فيها ويطرق ويمزج ماء النيل عند وروده ... بدمعي أشواق إليكم فأشرق فيا ليت شعري هل تلوح لمقلتي ... منازل ظني باللقاء محقق وهل شائم برق الثنية ناظري ... على القرب يخفى تارة ثم يخفق وهل بارد من ماء باناس مبرد ... لظى كبد حرى لها الشوق محرق وهل زمني بالصالحية عائد ... يبلغني أقصى المنى ويحقق وهل يجمعني والأحبة موقف ... لنشكو جميعاً ما لقيت وما لقوا وهل لي إلى باب البريد وقد نأى ... بريد به فيما يبلغ موثق دمشق أذاقتني الليالي فراقها ... وقد كنت أخشى منه قدماً وأفرق هي الغرض الأقصى ورؤيتها المنى ... وسكانها ودي لهم متوثق ولو لم تكن ذات العماد لما غدت ... وليس لها مثل على الأرض يخلق حنيني إليها ما حييت مرجع ... وقلبي أسير الشوق والدمع مطلق عليها تحياتي غواد روائح ... بها الريح تجري والركائب تخفق لجامعها المعمور بالذكر بهجة ... ومرأى يسر الناظرين ورونق محاسنه بكر الزمان فصرفه ... علينا مدى الأيام حان ومشفق به زجل التسبيح عال بهيجه ... حنين إلى ذاك الحمى وتشوق وللعلم فيه والعبادة معلم ... جديد على أمر الجديدين مونق وفيه لأرباب التلاوة لذة ... إذا أخذوا في شأنهم وتحلقوا

стр. 1194

كأن مجاج النحل في لهواتهم ... إذا رجعوا الأصوات فيها وأطلقوا وكم فيه من مثوى نبي ومشهد ... بنسبته يسمو محلاً ويسمق وكم قائم لله فيه تهجداً ... بدعوته نكفى المخوف ونرزق مصابيحه تجلو الظلام كأنها ... مصابيح في جو السماء تألق وقبته مأوى الهلال وبرجه ... وفي كل أفق منه للحسن مشرق وقد جاوز الجوزاء فيه مآذن ... بأكنافها نور الجلالة محدق فواحدها منه الهلال سوارة ... وأخرى لها الجوزاء قرط معلق وأخرى ترى الإكليل في غسق الدجى ... يزان بها منها جبين ومفرق إذا ما بدا قوس السحاب لناظر ... فمنها له في الجو سهم مفوق وقد نازع النسر العنان كأنه ... إلى أخويه نازع متشوق أحاطت به الأمواه من كل جانب ... وأمثالها في أرضه تتخرق فمن بركة فيحاء يدعج ماؤها ... ومن جدول ريان كالسهم يمرق وفوارة يحكي سبيكة فضة ... تلألؤها أو بارقاً يتألق فإن تنجز الأيام وعداً بقربها ... فإني موفى الحظ منها موفق وإن أرض طوعاً أرض مصر وحرها ... بديلاً فإني فائل الرأي أخرق سقاها فروى كل منفصم العرى ... من الدلو دان مرعد السحب مبرق إذا أثقلت حملاً رواعد مزنه ... حسبت عشار النوق للرعد تطلق وإن شهرت سيفاً من البرق كفها ... رأيت بخديه دم المحل يرهق على أنه أضحى الكفيل بريها ... وإن ضن غيثاً ماؤها المتدفق وكان قد وعده الشيخ شهاب الدين محمود وفخر الدين ابن الجنان فأخلفا، فكتب إلى الشيخ شهاب الدين محمود: مواعد الفخر والشهاب ... أكذب من لامع السراب أحسنت بالسيدين ظناً ... فكان نقباً على خراب

стр. 1195

كم أخلفاني فخلفاني ... إذ كنت غراً على التراب بما تكلفت من أمور ... ما كن من عادتي ودابي خرجت فيهن من قشوري ... فأفقراني من اللباب راغا وزاغا وليس هذا ال خداع من شيمة الصحاب لو أنصفاني بفرط شوقي ... لوافياني بلا طلاب أو عدلاً في الوداد عادا ... بعد عدول إلى الصواب هل أمن الصعب من ملامي ... والمؤلم المر من عقابيي فأجابه شهاب الدين: أبارق لاح في صباح ... أم نظم الدر في سخاب أم أسطر فر جيش همي ... حين تسارعن في طلابي لم ير من قبلها محب ... كتائباً سرن في كتاب أرسلها سيد نداه ... يهزأ بالزاخر العباب إلى غريبين لو يزالا ... لها مدى الدهر في ارتقاب لم يخلفا الوعد بل أقاما ... ليأخذ الجوع في التهاب ويستطيلا بكل ناب ... كالصارم العضب غير نابي ويصبح الفخر وهو جاث ... ينقض للأكل كالشهاب فلما زاره كتب إلى الأمير ناصر الدين الحراني متولي حرب دمشق: تفضل فخر الدين مثل شهابه ... وزارا محل العبد وامتثلا الأمرا وجاءا بجمع ضامرين من الطوى ... فما تركوا عندي لباباً ولا قشرا فأوسعتهم بالرغم مني كرامة ... وإن كنت بالتحقيق ضقت بهم صدرا وقالوا جميعاً يخلف الله قلت إن ... تقبل منكم كان في السنة الأخرى وقال أيضاً (١) :

стр. 1196

أدار عقيقاً في إناء من الدر ... فعاينت شمس الراح في راحة البدر وأبدت سماء الكأس زهر نجومها ... فيا حسن يوم حف بالأنجم الزهر غدت كعبة الأفراح إذ طاف ناحراً ... بها لهم مصقول الترائب والنحر غزال له من أخته البعد والسنا ... وليس لها در القلائد والثغر أغارت على أسرار أرواح شربها ... وأنقذت الأفراح من قبضة الأسر غرير من الأتراك زنجي خاله ... كقلبي مقيم من هواه على جمر إذا ازور سخطاً أو تلفت راضياً ... أمات وأحيا بالقطوب وبالبشر وإن سل سيف اللحظ أو هز عطفه ... فيا خجلة البيض القواضب والسمر تمتع بأيام الصبا واغد جامعاً ... لشمل صبا الأيام باللذة بالبكر فما العيش إلا وصل كأس بأختها ... وجارية تسقي وساقية تجري وداو بحسن الظن بالله كل ما ... جنيت فعفو الله يجلو دجى الوزر ٤٣٣ (١) قطب الدين القسطلاني محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن ميمون، الإمام الزاهد قطب الدين القسطلاني التوزري الأصل المصري ثم المكي، ابن الشيخ الزاهد أبي العباس؛ ولد " بمصر " (٢) سنة أربع عشرة وستمائة، ونشأ بمكة (٣) ، وسمع من ابن البناء والسهروردي وابن الزبيدي وجماعة، وقرأ

стр. 1197

العلم ودرس وأفتى ورحل في طلب الحديث؛ وسمع ببغداد ومصر والشام والموصل، وكان شيخاً عالماً زاهداً عابداً كريم النفس كثير الإيثار حسن الأخلاق قليل المثال؛ طلب من مكة إلى القاهرة وولي مشيخة دار الحديث بالدار الكاملية إلى أن مات، وله شعر مليح. وروى عنه الدمياطي والمزي والبرزالي وخلق كثير. وكان يتوجه إلى أبي الهول الذي عند أهرام مصر، وهو رأس الصنم الذي هناك، ويعلو رأسه ويضربه باللالكة، ويقول: يا أبا الهول، افعل كذا، افعل كذا، لأن جماعة من أهل مصر يزعمون أن الشمس إذا كانت في الحمل وتوجه أحدهم إلى أبي الهول، وبخر بشكاعى وباذاورد، ووقف عليه وقال ثلاثاً وثلاثين (١) مرة كلمات يحفظونها، وقال معها: يا أبا الهول افعل كذا، فزعموا أن ذلك يتفق وقوعه، وكان الشيخ قطب الدين يفعل ذلك إهانة لأبي الهول وعكساً لذلك المقصد الفاسد؛ لأن تلك الكلمات ربما تكون تعظيماً له ضرورة. وتوفي الشيخ قطب الدين سنة ستمائة وست وثمانين؛ ومن شعره: إذا كان أنسي في التزامي لخلوتي ... وقلبي عن كل البرية خالي فما ضرني من كان في الدهر قالياً (٢) ... وما سرني من كان في موالي وقال أيضاً: ألا هل لهجر العامرية إقصار ... فتقضى من الوجد المبرح أوطار عسى ما مضى من خفض (٣) عيشي في الحمى ... يعود ولي فيه نجوم وأقمار عدمت فؤادي إن تعلقت غيرها ... وإن زين السلوان لي فهو غدار

стр. 1198

ولي من دواعي الشوق في السخط والرضى ... على الوصل والهجران ناه وأمار أأسلو وفي الأحشاء من لاعج الجوى ... لهيب أسأل الروح فالصبر منهار وقال أيضاً: لما رأيتك مشرقاً في ذاتي ... بدلت من حالي ذميم صفاتي وتوجهت أسرار فكري سجداً ... لجميل ما واجهت من لحظاتي وتلوت من آيات حسنك سورة ... وسارت محاسنها لجمع (١) شتاتي وبلوت أحوالي فخلت معبراً ... في الصحو عن سكري بصدق ثباتي وتحولت أحوال سري في العلا ... فعلت على (٢) محو وعن إثبات وتوحدت صفتي فرحت مروحاً ... نظراً لما أشهدت من آيات لا أشتهي أن أشتهي متنزهاً (٣) ... بل أنتهي عن غفلة الشهوات أنا إن ظهرت فعن ظهور بواطن ... شهدت بنطق كان من سكتاتي من كان يجهل ما أقول عذرته ... فالشمس تخفى في دجى الظلمات فدع المعنف والعذول وقل له ... الحق أبلج فاستمع كلماتي لا تيأسن بذاهب من حاضر ... أو غائب يدعو إلى الغفلات لا تنظرن لغير ذاتك واسترح ... عن كل ما في الكون من طلبات نزه مصادر وردها عن كل ما ... يلقي بها في ظلمة الشبهات

стр. 1199

٤٣٤ - (١) قاضي القضاة الخويي محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر، قاضي القضاة ذو الفنون شهاب الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين الخويي (٢) الشافعي، قاضي دمشق وابن قاضيها؛ ولد في سنة ست وعشرين وستمائة ونشأ بدمشق، وقد اشتغل في صغره، ومات والده وله إحدى عشرة سنة فبقي منقطعاً بالعادلية، ثم أدمن الدرس والسهر والتكرار مدة بالمدرسة، وحفظ عدة كتب وعرضها، وتميز على أقرانه، وسمع في صغره من ابن اللتي، وابن المقير والسخاوي وابن الصلاح، وأجاز له خلق من أصبهان وبغداد ومصر والشام، ولازم الاشتغال في كبره. وصنف كتاباً كبيراً يحتوي على عشرين علماً، وشرح " الفصول " لابن معطي، ونظم " علوم الحديث " لابن الصلاح و " الفصيح " لثعلب، و " كفاية المتحفظ "، وشرح من أول " الملخص " للقابسي خمسة عشر حديثاً في مجلد. قال الشيخ شمس الدين: ثم انجفل إلى القاهرة فولي قضاء القاهرة والوجه البحري خاصة، اقتطع له من ولاية الوجيه البهنسي، وأقام البهنسي على قضاء مصر والوجه القبلي؛ ولما مات القاضي بهاء الدين ابن الزكي بدمشق نقل الخويي

стр. 1200

إليها. وسمع منه المزي والبرزالي والنابلسي والختني وعلاء الدين المقدسي. وتوفي في بستان صيف فيه بالسهم يوم الخميس خامس عشرين (١) رمضان سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وصلي عليه بالجامع المظفري ودفن عند والده بتربته بالجبل. كان يعرف من العلوم التفسير والأصولين والفقه والنحو والخلاف والمعاني والبيان والحساب والفرائض. ومن شعره رحمه الله تعالى: بخفي لطفك كل سوء أتقي ... فامنن بإرشادي إليه ووفق أحسنت في الماضي وإني واثق ... بك أن تجود علي فيما قد بقي أنت الذي أرجو فما لي والورى (٢) ... إن الذي يرجو سواك هو الشقي وقال أيضاً: أما سواك فبابه لا أطرق ... حسبي كريم جوده متدفق ما إن يخافك بظل بابك واقف ... ظمأ وبحر نداك طام مغدق بحبال جودك لا يزال تعلقي ... ما خاب يوماً من بها يتعلق بشرى لمن أضحى رجاؤك كنزه ... وله الوثوق بأنه لا يملق ٤٣٥ (٣) الشيخ محمد ابن تمام محمد بن أحمد بن تمام الصالحي الحنبلي الخياط؛ هو الشيخ البركة أخو الشيخ تقي الدين ابن تمام، ولد بطريق الحج سنة إحدى وخمسين وستمائة،

стр. 1201

وسمع سنة ست وخمسين من عمره بن عوة التاجر وتمام السروري (١) وابن عبد الدايم وعبد الوهاب بن محمد، وسمع منه خلق كثير. واشتهر بالصلاح والتواضع، وقد طال عمره، وكان يرتزق من خياطة الخام ومما يفتح عليه، ويطعم ويؤثر. وكان مليح الوجه بساماً لين الكلمة أماراً بالمعروف، له وقع في القلوب ومحبة في الصدور، نشأ في تصون وعفاف وقناعة، وتفقه قليلاً وصحب الأخيار مثل الشيخ شمس الدين ابن الكمال، ورافق ابن مسلم والشيخ علي بن نفيس. وكان الأمير سيف الدين تنكز يكرمه ويزوره، ويذهب هو إليه ويشفع عنده، وتمتع بحواسه وأبطأ مشيبه. وتوفي ثالث عشر ربيع الأول سنة إحدى أربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى. ٤٣٦ - (٢) الحافظ شمس الدين الذهبي محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، الشيخ الإمام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي، حافظ لا يجارى، ولافظ (٣) لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأبان الإبهام في تواريخهم والإلباس، جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف، وقف الشيخ كمال الدين ابن

стр. 1202

الزملكاني رحمه الله تعالى على تاريخه الكبير المسمى بتاريخ الإسلام جزءاً بعد جزء إلى أن أنهاه مطالعة، هذا كتاب علم (١) . ومن تصانيفه: كتاب " تاريخ الإسلام " عشرين مجلداً، وكتاب " تاريخ النبلاء " عشرين مجلداً، و " الدول الإسلامية " و " طبقات القراء " و " طبقات الحفاظ " مجلدان، و " ميزان الاعتدال " ثلاث مجلدات و " المشتبه في الأسماء والأنساب " مجلد. " نبأ الدجال " مجلد. " تذهيب التهذيب " اختصار تهذيب الكمال ثلاث مجلدات. " اختصار كتاب الأطراف " مجلدان. " الكاشف ". اختصار " التذهيب " مجلد. " اختصار سنن البيهقي " خمس مجلدات. " تنقيح أحاديث التعليق " لابن الجوزي. " المستحلى اختصار المحلى ". " المقتنى في الكنى ". " المغني في الضعفاء ". " العبر في خبر من غبر " مجلدان. " أختصار المستدرك للحاكم " مجلدان. " اختصار تاريخ ابن عساكر " عشر مجلدات. " اختصار تاريخ الخطيب " مجلدان. " اختصار تاريخ نيسابور " مجلد. " الكبائر " جزآن. " تحريم الإدبار " جزآن. " أخبار السد ". " أحاديث مختصر ابن الحاجب ". " توقيف أهل التوفيق على مناقب الصديق " مجلد. " نعم السمر في سيرة عمر " مجلد. " التبيان في مناقب عثمان " مجلد. " فتح المطالب في أخبار علي بن أبي طالب " مجلد. " معجم أشياخه " وهم ألف وثلاثمائة شيخ. " اختصار كتاب الجهاد لابن عساكر " مجلد. " ما بعد الموت " مجلد. " اختصار كتاب القدر للبهيقي " ثلاثة أجزاء. " هالة البدر في عدد أهل البدر ". " اختصار تقويم البلدان " لصاحب حماة. " نفض الجعبة في أخبار شعبة ". " قض نهارك بأخبار ابن المبارك ". " أخبار أبي مسلم الخراساني ". وله في تراجم الأعيان لكل واحد منهم مصنف قائم الذات، مثل الأئمة الأربعة، ومن يجري مجراهم، لكنه أدخل الكل " في تاريخ النبلاء " (٢) .

стр. 1203

وكان مولده في ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وتوفي في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. ومن شعره: إذا قرأ الحديث علي شخص ... وأخلى موضعاً لوفاة مثلي فمات جازى بإحسان لأني ... " أريد حياته ويريد قتلي " وله أيضاً: لو أن سفيان على حفظه ... في بعض همي نسي الماضي نفسي وعرسي ثم ضرسي سعوا ... في غربتي والشيخ والقاضي وقال أيضاً: العلم قال الله قال رسوله ... إن صح والإجماع فاجهد فيه وحذار من نصب الخلاف جهالة ... بين الرسول وبين رأي فقيه ٤٣٧ (٢) المنتصر بالله محمد بن جعفر أمير المؤمنين المنتصر " بالله " (٣) ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور؛ كان أعين أقنى أسمر مليح الوجه جسيماً

стр. 1204

مهيباً، وكان وافر العقل راغباً في الخير قليل الظلم محسناً إلى العلويين. وكان يقول: يا بغا أين أبي؟ من قتل أبي؟ ويسب الأتراك ويقول: هؤلاء القتلة الخلفاء، فدسوا للطبيب ابن طيفور ثلاثين ألف دينار عند مرضه فأشار بفصده بريشة مسمومة فمات. ويقال إن ابن طيفور نسي وقال لغلامه: افصدني، ففصده بتلك الريشة فمات أيضاً. وقيل مات بالخوانيق، وقيل سم في كمثراة بإبرة، وقال عند موته: يا أماه، ذهبت مني الدنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت. ولم يتمتع بالخلافة لأنه ولي في شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، ومات في ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وعاش ستاً وعشرين سنة، وقال عند الموت: فما متعت نفسي بدنيا أصبتها ... ولكن إلى الرب الكريم أصير وما كان ما قدمته رأي فلتة ... ولكن بفتياها أشار مشير وقال أيضاً: متى ترفع الأيام من قد وضعته ... وينقاد لي دهر علي جموح أعلل نفسي بالرجاء وإنني ... لأغدو على من ساءني وأروح وله فيما نسب إليه من قتل أبيه: لو يعلم الناس نالني ... فليس لي عندهم عذر كان إلي الأمر في ظاهر ... وليس لي في باطن الأمر قال سبط ابن الجوزي في " المرآة ": كان المتوكل قد أراد أن ينقل العهد من ابنه المنتصر لابنه المعتز لمحبته لأمه، وسام المنتصر أن ينزل عن ولاية العهد فأبى، وكان يحضره ويتهدده بالقتل، فأحضره ليلة وشتمه شتماً قبيحاً وشتم أمه، فقام المنتصر وهو يقول: والله لو أنها جارية لبعض سواسك لمنعت من ذكرها ولوجب عليك صيانتها، فغضب المتوكل وقال للفتح بن

стр. 1205

خاقان: وحق قرابتي من رسول الله ﷺ لئن لم تلطمه لأقتلنك، فقام الفتح ولطمه، وقال المتوكل: اشهدوا علي، إنني قد خلعته من الخلافة، فبقيت هذه الأشياء في قلبه، وعمل ما عمل مما هو مذكور في ترجمة المتوكل والله أعلم. ٤٣٨ - (١) المعتز بالله محمد بن جعفر، أمير المؤمنين المعتز بالله ابن المتوكل ابن المعتصم؛ ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، ولم يل الخلافة قبله أصغر منه، بويع له بالخلافة عند عزل المستعين بالله وهو ابن تسع عشرة سنة، وكانت خلافته ثلاث سنين وستة أشهر وأربعة عشر يوماً، ومات عن أربع وعشرين سنة. وكان مستضعفاً مع الأتراك، اجتمع إليه الأتراك وقالوا له: أعطنا أرزاقنا لنقتل صالح بن وصيف، وكان يخافه، فطلب من أمه مالاً لنفقة الأتراك فأبت، ولم يكن في بيوت الأموال شيء، فاجتمعوا هم وصالح واتفقوا على خلعه، وجروه برجله وضربوه بالدبابيس وأقاموه في الشمس في يوم صائف، فبقي يرفع قدماً ويضع أخرى وهم يلطمون وجهه ويقولون: اخلع نفسك، ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب والشهود وخلعوه، ثم أحضروا محمد بن الواثق من سامرا فسلم عليه المعتز بالخلافة وبايعه، ولقبوه المهتدي، ثم إنهم أخذوا المعتز بعد خمسة أيام وأدخلوه الحمام وعطشوه،

стр. 1206

وطلب الماء فمنعوه من ذلك حتى أغمي عليه، فأخرجوه وسقوه ماء فشربه وسقط ميتاً. وقال سبط ابن الجوزي في المرآة: لما أوقفوه في الشمس طلب نعلاً فلم يعطوه، فأسبل سراويله على رجليه، وقيل أنهم نزعوا أصابع يديه ورجليه ثم خنقوه، وقيل أدخلوه سرداباً مجصصاً جديداً فاختنق، ولم يعذب خليفة بمثل ما عذب على صغر سنه؛ وتوفي يوم السبت لست خلون من رمضان (١) سنة خمس وخمسين ومائتين، ودفن إلى جانب أخيه المنتصر. وكان أبيض جميل الوجه، على خده الأيسر خال أسود، وصلى عليه المهتدي. وأمه رومية، وكان نقش خاتمه " المعتز بالله " وهو ثالث خليفة خلع من بني عباس، ورابع خليفة قتل منهم. قال البحتري: كنت صاحباً لأبي معشر المنجم، فتضايقنا مضايقة شديدة، فدخلنا على المعتز وهو محبوس قبل أن يلي الخلافة، فأنشدته أبياتاً كنت قلتها (٢) : جعلت فداك الدهر ليس بمنفك ... من الحادث المشكو والنازل المشكي وما هذه الأيام إلا منازل ... فمن منزل رحب إلى منزل ضنك وقد هذبتك الحادثات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك ضنك أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوساً على الظلم والإفك أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك فدفع الورقة إلى خادم على رأسه وقال: احتفظ بها فإن فرج الله تعالى ذكرني لأقضي حاجتهم، وكان أبو معشر قد أخذ له طالعاً لمولده فحكم له بالخلافة بمقتضى الطالع، فلما ولي الخلافة أعطى كل واحد منا ألف دينار، وأجرى له في كل شهر مائة دينار.

стр. 1207

وقال الزبير بن بكار: دخلت على المعتز فقال لي: يا عبد الله، قد قلت أبياتاً في مرضي هذا، وقد أعيا علي إجازة بعضها، وأنشدني: إني عرفت علاج القلب من وجعي ... وما عرفت علاج الحب والهلع جزعت للحب والحمى صبرت لها ... فليس يشغلني عن حبكم وجعي " قال الزبير: فقلت " (١) : وما أمل ببيتي ليلتي أبداً ... مع الحبيب ويا ليت الحبيب معي ٤٣٩ (٢) الراضي بالله محمد بن جعفر بن أحمد، الراضي بالله أمير المؤمنين ابن المقتدر ابن المعتضد؛ كان سمحاً واسع النفس، أديباً شاعراً كريم الأخلاق، محباً للعلماء مجالس لهم، ختم الخلفاء في أمور عدة: منها أنه آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال، وآخر خليفة جالس الندماء، وآخر خليفة كانت عطاياه ونفقاته وجوائزه تجري على ترتيب الخلفاء الأول؛ وقع حريق في الكرخ فأطلق خمسين ألف دينار لعمارة ما احترق. قال الصولي: دخلت عليه وهو جالس على آجرة قبالة الصانع، وكنت أنا وجماعة من الجلساء، فأمر بالجلوس، فأخذ كل واحد منا آجرة وجلس عليها، واتفق أني قد أخذت أنا آجرتين ملتصقتين فجلست عليهما، فلما

стр. 1208

قمنا أمر أن توزن كل آجرة ويدفع إلى صاحبها بوزنها دنانير، قال الصولي: فتضاعفت جائزتي عليهم. وقد حكي عنه أنواع من الكرم. ومن شعره وقد تكلم الناس في إنفاقه الأموال: لا نقد في (١) كرمي على الإسراف ... ربح المحامد متجر الأشراف أجري كآبائي الخلائف سابقاً ... وأشيد ما قد أسست أسلافي إني من القوم الذين أكفهم ... معتادة الإتلاف والإخلاف وقال أيضاً: يصفر وجهي إذا تأمله ... طرفي ويحمر وجهه خجلا حتى كأن الذي بوجنته ... من دم جسمي إليه قد نقلا وقال أيضاً: قد أفصحت بالوتر الأعجم ... وأفهمت من كان لم يفهم جارية تحسب (٢) من لطفها ... مخاطباً ينطق لا من فم جست من العود مجاري الهوى ... جس الأطباء مجاري الدم وقال أيضاً عند موته: كل صفو إلى كدر ... كل أمر إلى حذر ومصير الشباب لل ... موت فيه أو الكبر أيها الآمل الذي ... تاه في لجة الغرر أين من كان قبلنا ... درس الشخص والأثر رب إني ادخرت عن ... دك أرجوه مدخر أنني مؤمن بما ... بين الوحي في السير قيل إنه مرض وتقيأ في يومين أربعة عشر رطل دم، وقيل إنه استسقى وأصابه

стр. 1209

ذرب عظيم، وكان عظم آفاته كثرة الجماع؛ توفي ببغداد منتصف ربيع الآخر سنة تسع (١) وعشرين وثلاثمائة، وهو ابن إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر، وكانت خلافته ستة سنين وعشرة أيام، ولم يوجد له حنوط لأن الخزائن ختمت عند موته، فاشتروا له حنوطاً من بعض العطارين، وحمل إلى الرصافة في طيار ودفن في تربة عظيمة له أنفق عليها أموال كثيرة. قال ابن الجوزي: درست الآن، ولم يبق لها عين ولا أثر. كان قصيراً أسمر نحيفاً في وجهه طول، رحمه الله تعالى عفا عنا وعنه. ٤٤٠ - (٢) ابن حمدون صاحب التذكرة محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون، أبو المعالي ابن أبي سعد، الكاتب المعدل كافي الكفاة بهاء الدين البغدادي؛ من بيت فضل ورياسة، وكان ذا معرفة بالأدب والكتابة، سمع وروى وصنف كتاب " التذكرة " في الأدب والنوادر والتواريخ، وهو كتاب كبير يدخل في اثني عشر مجلداً، اختص بالمستنجد يجتمع به وينادمه (٣) ، وولاه ديوان الزمام، وكان أولاً عارض جيش المقتفي. وكان كريم الأخلاق حسن العشرة، وقف المستنجد على حكايات له رواها في " التذكرة " توهم غضاضة على الدولة، فأخذ من دست منصبه

стр. 1210

وحبس، ولم يزل في سجنه إلى أن رمس؛ توفي محبوساً سنة اثنتين وستين وخمسمائة. ومن شعره: يا خفيف العقل والرأس معاً ... وثقيل الروح أيضاً والبدن تدعي أنك مثلي طيب ... طيب أنت ولكن بلبن (١) وقال أيضاً: وحاشا معاليك أن تستزاد ... وحاشا نوالك أن يقتضى ولكنما أستزيد الحظوظ ... وإن أمرتني النهى بالرضى ٤٤١ (٢) ابن الأردخل محمد بن " أبي " الحسن بن يمن، أبو عبد الله الأنصاري الموصلي، المعروف بابن الأردخل الشاعر، نديم صاحب الموصل، ونديم صاحب ميافارقين؛ كان من الشعراء المجيدين، مدح الأشرف موسى وغيره، والأردخل هو المجيد في البناء (٣) توفي سنة ثمان وعشرين (٤) وستمائة.

стр. 1211

ومن شعره ﵀: ولقد رأيت على الأراك حمامة ... تبكي فتسعدني على أحزاني تبكي على غصن وأندب قامة ... فجميعنا يبكي على الأغصان صرع الزمان وحيدها فتعللت ... من بعده بالنوح والأحزان تخشى من الأوتار وهي مروعة ... منها فلم غنت على العيدان وقال أيضاً: أير أنام الليل وهو يقوم ... حامي الإهاب كأنه محموم مغرى بحرف الجر إلا أنه ... ما زال مفتوحاً به المضموم وله أيضاً: أفي كل يوم لي من الدهر صاحب ... جديد ولي حاد إلى بلد يحدو أروح وأغدو للغنى غير مدرك ... ويدركه من لا يروح ولا يغدو وقال أيضاً: وذكرها ماء بدحلة لائم ... فلم تتمالك أن جرت عبراتها فلله عين ما عتبت دموعها ... صمتن وإقرار الجواري صماتها وله أيضاً: ما على من وصاله الصبح لو قص ... ر من ليل هجره ما أطاله ألفي القوام عني أمالو ... هـ فقلبي مكسور تلك الإمالة وقال: واهاً على عيش مضت سنواته ... فكأنما كانت هي الساعات والراح ترجم كل هم طالع ... بكواكب أفلاكها الراحات قابلت بالساقي السماء فأطلعت ... بدراً علي كأنها مرآة الخضر عارضه وواضح ثغره ... عين الحياة وصدغه الظلمات

стр. 1212

وله أيضاً: يا قريباً عصيت فيه التنائي ... وعزيزاً أطعت فيه الهوانا أخذت وصف قدك الورق عني ... فأحبت لحبه (١) الأغصانا ٤٤٢ (٢) الشمس الصايغ محمد بن الحسن بن سباع، شمس الدين الصايغ العروضي؛ أقام بالصاغة زماناً يقرئ الناس العربية والعروض والأدب، وكان يألف بقطب الدين ابن شيخ السلامية، ورأيته " غير " مرة. توفي سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة تقريباً، وكان له نظم ونثر، وشرح " ملحة الإعراب " وشرح الدريدية في مجلدين كبيرين، رأيته بخطه، وديوانه مجلدين كبيرين، واختصر " صحاح " الجوهري وجرده من الشواهد، وله قصيدة تائية على وزن الهيتية التي لشيطان العراق (٣) وتزيد على ألفي (٤) بيت، وله المقامة الشهابية عملها للقاضي شهاب الدين الخويي. ومن نظمه: إن جزت بالموكب يوماً فلا ... تسأل عن السيارة الكنس فثم آرام على ضمر ... لله ما تفعل بالأنفس فقل لذي الهيئة يا ذا الذي ... ينقل ما ينقل عن هرمس

стр. 1213

قولك هذا خطل (١) باطل ... أما ترى الأقمار في الأطلس أخذ هذا المعنى من سيف الدين المشد ونقضه فإنه قال: زعم الأوائل أنما ... تبدو الذوائب للكواكب وتوهموا الفلك المعظ م أطلساً ما فيه ثاقب أتراهم لم ينظروا ... ما في الزمان من العجائب كم من هلال قد بدا ... في أطلس وله ذوائب وقال وهو بمصر يتشوق إلى دمشق: لي نحو ربعك دائماً يا جلق ... شوق أكاد به جوى أتمزق وهمول دمع من جوى بأضالع ... ذا مغرق عيني وهذا محرق أشتاق منك منازلاً لم أنسها ... أنى وقلبي في ربوعك موئق طلل به خلقي تكون أولاً ... وبه عرفت بكل ما أتخلق وقف عليه لدى التأسف والبكا ... قلبي الأسير ودمع عيني المطلق أدمشق لا بعدت ديارك عن فتى ... أبداً إليك بكله يتشوق أنفقت في ناديك أيام الصبا ... حباً وذاك أعز شيء ينفق ورحلت عنك ولي إليك تلفت ... ولكل جمع صدعة وتفرق فاعتضت عن أنسي بظلك وحشة ... منها وهي جلدي وشاب المفرق فلبست ثوب الشيب وهو مشهر ... وخلعت (٢) ثوب الشرخ وهو معتق ولكم أسكن عنك قلباً طامعاً ... بوعود قربك وهو شوقاً يخفق ولكم أحدث عنك من لاقيته ... وجميع من سمع الحديث يصدق والأرض في عرض وطول دائماً ... لم يحو مثلك غربها والمشرق لله وادي النيربين (٣) وظله ... لا الرقمتان ورامة والأبرق

стр. 1214

وسقى ديار الصالحية وابل ... يهمي على تلك المنازل مغدق والسهم لا افترت ثغور أقاحه ... إلا ودمع سحابه يترقرق كم فيه من قصر منيف مشرف ... يبدو به قمر منير مشرق وببيت لهيا لا تعداه الحيا ... طلل عليه من النضارة رونق هو منزل آثاره مشهورة ... ولأهله عهد علي وموثق وحباك يا أطلال جوبر (١) واصلاً ... غيث مريع مستهل مشفق لله سرحه ذلك الربع الذي ... قلبي يهيم به وذاك الجوسق (٢) والوادي الشرقي لا برحت به ... ديم تسح ووبلها يتدفق فغياضه ورياضه كعيونه ... هذا يعوم به وهذا يغرق ولكم قطعت به زماناً لم أزل ... أشتاقه ما دمت حياً أرزق في سكر زبدين إلى جسرين كم ... حيا الحيا حياً عليه رونق بالواديين (٣) كلاهما الغربي والشر ... قي نزهة من برفق يرمق أنى اتجهت رأيت دوحاً ماؤه ... متسلسل يعلو عليه جوسق والقصر والشرفات والشقراء وال ... ميدان عشقاً للذي لا يعشق فلكم حوت تلك المنازل صورة ... فيها الجمال مجمع ومفرق فمخضب ومؤزر ومعمم ... ومزنر ومبرقع ومقرطق كم من غزال بالنفوس متوج ... وقضيب بان بالعيون ممنطق والريح تكتب والجداول أسطر (٤) ... خط له نسخ الربيع (٥) محقق والطير يقرأ والنسيم مردد ... والغصن يرقص والغدير يصفق (٦)

стр. 1215

ومعاطف الأغصان غنتها (١) الصبا ... طرباً فذا عار وهذا مورق وكأن زهر اللوز أحداق إلى ال ... زوار من خلل الغصون تحدق وكأن أشجار الرياض سرادق ... في ظلها من كل لون نمرق والورد بالألوان يجلو منظراً ... ونسيمه عطر كمسك يعبق فبلابل منها تهيج بلابلاً ... وكذاك (٢) أثواب الشقيق تشقق وهزاره يصبو إلى شحروره ... ويجاوب القمري فيه مطوق وكأنما في كل عود صادح ... عود حلا مزمومه والمطلق والورق في الأوراق يشبه شجوها ... شجوي وأين الخلي (٣) الموثق تتلو على الأغصان أخبار الهوى ... فيكاد ساكن كل شيء ينطق يا سائراً والريح تعثر دونه ... والبرق يبسم إذ به يتألق إن جزت من وادي دمشق منازلاً ... لي نحوها حتى الممات تشوق بالجبهة الغراء والوجه (٤) الذي ... يزهو (٥) به القصر المنيف الأبلق ورأيت ذلك الجامع الفرد الذي ... في الأرض طراً مثله لا يخلق قل للفتى عبد الرحيم (٦) فإنني ... أبداً بحسن وداده أتحقق إن كنتم عرضتم بتشوق ... وحياتكم إني إليكم أشوق أشتاقكم من أرض مصر وبيننا ... بيد تخب لها المطي وتعنق قفر يحار به (٧) الدليل ودونه ... رمل تكاد به المطايا تغرق لم أستطع فيه المسير كأنه ... لتوقد الرمضاء نار تحرق

стр. 1216

فارقتكم لا عن رضى فلبعدكم ... عني علي الرحب ضنك ضيق وقنعت حتى صرت أرجو منكم ... من بعد ذاك القرب طيفاً يطرق ولقد عطفت على الزمان معاتباً ... فرأيت كفي عنه صبراً أليق يمضي النهار وفيه قلبي مفكر ... والليل طرفي بالبعاد مؤرق فعليكم مني التحية ما بدا ... صبح به وجه الغزالة مشوق ٤٤٣ (١) شمس الدين ابن دانيال الحكيم محمد بن دانيال بن يوسف الموصلي الحكيم الفاضل الأديب، شمس الدين صاحب النظم الحلو والنثر العذب والطباع الداخلة والنكت الغريبة والنوادر العجيبة؛ قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: هو ابن حجاج عصره، وابن سكرة مصره، وضع كتاب " طيف الخيال " فأبدع طريقه، وأغرب فيه فكان هو المطرب والمرقص على الحقيقة؛ أخبرني الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس قال: كان الحكيم شمس الدين ابن دانيال له دكان كحل داخل باب الفتوح، فاجتزت عليه أنا وجماعة من أصحابه، فرأينا عليه زحمة ممن يكحله، فقالوا: تعالوا نخايل على الحكيم، فقلت لهم: لا تشاكلوه تخسروا (٢) معه، فلم يسمعوا وقالوا: يا حكيم تحتاج إلى عصيات؟ يعنون أن هؤلاء الذين يكحلهم يعمون ويحتاجون إلى العصا، فقال بسرعة: لا، إلا إن كان فيكم من يقود لله تعالى، فمروا خجلين؛ وله من هذا النوع غرائب

стр. 1217

ينقلها المصريون عنه. وكانت وفاته بالديار المصرية في شهور سنة عشر وسبعمائة (١) فمن نظمه، قال لغزاً في سرموزة: وجارية هيفاء ممشوقة القد ... لها وجنة أبهى احمراراً من الورد من اليمنيات التي حر وجهها ... يفوق صقالاً صفحة الصارم الهندي وثيقة حبل الوصل منذ صحبتها ... فلست أراه قط منتقض العهد وفي وصلها أمسى الشقاء ميسراً ... وجاوز في تيسيره غاية الجهد ولم أر وجهاً قبلها كل ساعة ... على الترب ألقاها معفرة الخد ومن عجبي أني إذا ما وطئتها ... تئن أنيناً دونه أنة الوجد مباركة عندي ولا برحت إذاً ... مدورة الكعبين شؤماً على ضد وقال أيضاً: قلت لمولاي السني ... المحسن المستحسن من قال إنك ما تنا ... فإن عبدك ما يني وقال أيضاً: ولرب ليل بالخليج قطعته ... إذ بت منه ساهراً بالشاطي أمسى الضياء منادمي وحشاه لي (٢) ... محشوه بغرائب الأخلاط ولشقوتي بتنا معاً في مضجع ... مترديين على الثرى ببساط عصفت علي رياحه فوجدتها ... أقوى هبوباً من رياح شباط قد كنت أنعس لانتشاق فسائه ... غشياً فيوقظني بصوت ضراط ما زلت أنشق منه ريحاً منتناً ... حتى استحال إلى الخراء مخاطي يا أيها المفتوق (٣) من أرياحه ... هذي النصيحة فيك للخياط

стр. 1218

وقال أيضاً في فرسه: قد كمل الله برذوني لمنقصة ... وشانه بعد ما أعماه بالعرج أسير وهو يعرج بي ... كأنه ماشياً ينحط من درج فإن رماني على ما فيه من عرج ... فما عليه إذا مت من حرج وقال في الشيخ ابن ثعلبة وقد ترك الغناء واللهو وتصوف في المشتهى من روضة مصر: لطمت بعدك الخدود الدفوف ... وتحاملت تلك الصروف الكفوف وتساوى عند الرقاق وقد ما ... ت لدينا ثقيلها والخفيف وعلت ضجة المواصل حزناً ... والندامى على السرور عكوف وجرت أدمع الرواويق حتى ... عاد منها النزيف وهو نزيف وبدا الشمع وهو من سيلان ال ... دمع إنسان عينه مطروف يا إمام الملاح دعوة قاض ... في قضايا المجون ليس يحيف كيف ذقت الخشوع هل هو حلو ... يا حريفي بالله أو حريف تبت لله توبة الشيخ إن ال ... زهد لا يحتوي عليه الضعيف لا تكن راسب المقر فما ير ... سب في المستقر إلا الكثيف وإذا قمت للصلاة فقم ثع ... لبة ناشقاً فأنت نظيف وإذا ما خلوت في خلوة المس ... جد قل للمريد عندي ضيوف وإذا ما أخرجت كيسك بالمع ... لوم قل للحضور هذا سفوف حبذا زهدك التليد فما أن ... ت به في الشيوخ إلا ظريف قسماً يا قلبة البين إني ... قرم الشوق للقا ملهوف أترجى منك الرجوع قريباً ... طمعاً فيك والمحب عطوف وقال أيضاً: أصبحت أفقر من يروح ويغتدي ... ما في يدي من فاقة إلا يدي

стр. 1219

في منزل لم يحو غيري قاعداً ... فإذا رقدت رقدت غير ممدد لم يبق فيه سوى رسوم حصيرة ... ومخدة كانت لأم المهتدي ملقى على طراحة في حشوها ... قمل كمثل السمسم المتبدد والفأر يركض كالخيول تسابقت ... من كل جرداء الأديم وأجرد هذا وكم ناشر طاوي الحشا ... يبدو كمثل الفاتك المتردد هذا ولي ثوب تراه مرقعاً ... من كل لون مثل ريش الهدهد وقال أيضاً: قد عقلنا والعقل أي وثاق ... وصبرنا والصبر مر المذاق كل من كان فاضلاً كان مثلي ... فاضلاً عند قسمة الأرزاق وقال أيضاً: ما عاينت عيناي في عطلتي ... أدبر (١) من حظي ولا بختي قد بعت عبدي وحماري وقد ... أصبحت لا فوقي ولا تحتي وقال أيضاً: يا سائلي عن حرفتي في الورى ... وضيعتي فيهم وإفلاسي ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس وقال أيضاً (٢) : رأيت سراج الدين للصفع صالحاً ... ولكنه في علمه فاسد الذهن أستره بالكف خوف انطفائه ... وآفته في طفئه كثرة الدهن (٣) وقال وقد صلبوا ابن الكازروني وفي عنقه جرة خمر في الأيام الظاهرية: لقد كان حد الخمر من قبل صلبه ... خفيف الأذى إذ كان في شرعنا جلدا

стр. 1220

فلما بدا المصلوب قلت لصاحبي ... ألا تب فإن الحد قد جاوز الحدا وقال أيضاً: لقد منع الإمام الخمر فينا ... وصير حدها حد اليماني فما جسرت ملوك الجن خوفاً ... لأجل الخمر تدخل في القناني وقال أيضاً: كم قيل لي إذ دعيت شمساً ... لا بد للشمس من طلوع فكان ذاك الطلوع داء ... سما (١) إلى السطح من ضلوعي وقال أيضاً: يا رشاً لحظه الصحيح العليل ... كل صب بسيفه مقتول لك ردف غادرته رهن خصر ... وهو رهن كما علمت ثقيل وقال أيضاً: يا لائمي في العذار مهلاً ... فأنت بالعذل لي مهيج الحسن قد زادني غراماً ... إذ رقم الورد بالبنفسج وكل ديباج خد ظبي ... إن لم يكن معلماً فدحرج وقال أيضاً: يقولون سيف الدين من أجل علقه ... جفاك فلا تأمن غوائل حقده فقلت ألا يا قوم ما أنا جاهل ... فأدخل بين السيف عمداً وغمده

стр. 1221

وقال وقد أبطلت المنكرات في أيام حسام الدين لاجين: احذر نديمي أن تذوق المسكرا ... أو أن تحاول قط أمراً منكرا لا تشرب الصهباء صرفاً قرقفاً ... وتزور من تهواه إلا في الكرى أنا ناصح لك إن قبلت نصيحتي ... اشرب إذا ما رمت سكراً سكرا والرأي عندي ترك عقلك سالماً ... من أن تراه بالمدام تغيرا ذي دولة المنصور لاجين الذي ... قهر الملوك وكان سلطان الورى إياك تأكل أخضراً في عصره ... يا ذا الفقير يصير جسمك (١) أحمرا والمزر يا مسعود دعه جانباً ... واشرب من اللبن المخيض مبكرا وبني حرام احفظوا أيديكم ... فالوقت سيف والمراقب قد درى توبوا وصلوا داعيين لملكه ... فيه تنالون النعيم الأكبرا وقال أيضاً وقد دعي إلى عرس: دعوتني للعرس يا سيدي ... فكدت أن أحضر من أمس وها أنا الليلة في داركم ... فالكلب ما يهرب من عرس وقال في برهان الفاحشة وقد صفع وهو أرمد: صفع البرهان وما رجما ... فبكى من بعد الدمع دما قد كان شكا رمداً صعباً ... فازداد بذاك الصفع عمى ورمى النوروز أخادعه ... حتى باتت تشكو ورما أدماه القوم بآخرة ... كانت حوراً لا بل أدما نزلوا سحراً في ساحله ... فرأى الإصباح بهم ظلما من كل فتى بالنطع بدا ... مثل القصار إذا احتزما فسقاه بها صرفاً سبعاً ... وسقاه بها سبعين بما

стр. 1222

وقال أيضاً: في وصف حسنكم تكل الألسن ... وجمالكم فهو الجمال الأحسن يا سادة غابوا فمات تصبري ... وبكيتهم حتى بكاني المسكن لي فيكم ظبي ذكرت لحسنه ... عين الجنان أجم أحور أعين قاسي الفؤاد علي ولكن عطفه ... مثلي على غمز الصبابة لين باد ولكن في الضمير محجب ... سهل ولكن بالرماح محصن حلفوا بأن الورد زهرة خده ... صدق الوشاة وعارضاه سوسن متلون الميثاق لكن وجهه ... بسوى الحياء الطلق لا يتلون في خط عارضه ونقطة خاله ... شكل يصادر في الهوى ويبرهن وقال أيضاً في شرح حاله وشكوى زوجته: قل لقاضي الفسوق والإدبار ... عضد البله عمدة الفجار والذي قد غدا سفينة جهل ... وله من قرونه كالصواري بك أشكو من زوجة صيرتني ... غائباً بين سائر الحضار غيبتني عني بما أطعمتني ... فأنا الدهر مفكر في انتظار غبت حتى لو أنهم صفعوني ... قلت كفوا بالله عن صفع جاري فنهاري من البلادة ليل ... في التساوي والليل مثل النهار دار رأسي عن باب داري فبالله ... أخبروني يا سادتي أين داري ملكتني عيارة وعياراً ... حتى زادت بالدردبيس عياري أين مخ الجمال من طبع مخي ... في التساوي وأين مخ الحمار غفر الله لي بما رحت للبح ... ر من البرد أصطلي بالنار وتجردت للسباحة في الآ ... ل لظني به الزلال الجاري ولكم قد عصبت رجلي برؤيا ... أوطأتني حلماً على مسمار ولكم رمت قلع ضرسي ضروب ... بعد ما ضر غاية الإضرار

стр. 1223

فإذا بي قلعت بعد عنائي ... واجتهادي القوي من أوزاري ورحى حزتها لطحن فما زل ... ت ظلالاً أدور حول المدار وأنادي وقد سئمت من الرك ... ض إلى أين منتهى مضماري أنا أختار لو قعدت من الجه ... د ولكن أمشي بغير اختيار أنا أنسى أني نسيت فلا يخ ... شى سميري إذاعة الأسرار أنا سطل الشرائحي بما أو ... دعت من عجة ومن أبزار ولكم قد رأيت في الماء شيخاً ... وهو جاث في الجب كالعيار شيخ سوء كالثلج ذقناً ولكن ... وجهه في سواده كالقار أشبه الناس بي وقد يشبه التي ... س أخاه في حومة الجزار فاعتراني رعب وناديت ما كن ... ت إخال اللصوص في الأزيار أين ترسي وأين درعي الحقيني ... أم عمرو بصارمي البتار إن أمت كنت في الغزاة شهيداً ... أو أعش كنت شاطر الشطار ثم أثخنت ذلك الزير ضرباً ... بحسامي حتى هوى لانكسار وجرى الماء فاختشيت وإلا ... كدت أقفو الآثار في التيار أنا كالبان في قوامي وإن أف ... ردتني كنت في التهارش ضاري أنا مثل الخروف قرناً وإن أس ... قط فإني أعد في الأقذار أنا لو رمت للعلاج طبيباً ... ما تعديت دكة البيطار بعد ما كنت من ذكائي أدري ... أن بابي من صنعة النجار أحزر البيض قبل ما يكسروه ... أن فيه البياض فوق الصفار وبعيني نظرت كوز نحاس ... كان عندي أقوى من الفخار وكثير مني على شيب رأسي ... حفظ هذي الأشياء مثل الكبار وقال موشحاً يعارض به أحمد الموصلي: غصن من البان مثمر قمرا ... يكاد من لينه إذا خطرا يعقد

стр. 1224

بديع حسن سبحان خالقه ... مسك ذكي الشذا لناشقه ... أبيض ثغر يبدي لعاشقه ... نمل عذار يحير الشعرا ... وفوق شعر يستوقف النهرا أسود (١) يا بأبي شادن فتنت به ... يهواه قلبي على تقلبه ... مذ زاد في التيه من تجنبه ... أحرمني النوم عند ما نفرا ... حتى لطيف الخيال حين سرى قيد جوى أذاب الحشا فحرقني ... ونيل دمعي جرى فغرقني ... لكنه بالدمع خلقني ... فرحت أمشي في الدمع منحدرا ... ذاك لأني غدوت منكسرا مفرد وأما موشح أحمد الموصلي فإنه قوله (٢) : بي رشأ عندما رنا وسرى ... باللحظ للعاشقين إذ أسرا قيد بما بأجفانه من الوطف ... وما بأعطافه من الهيف ... وما بأردافه من الترف ... ذا الأسمر اللدن ردني سمرا ... وفي فؤادي من قده سمرا أملد السحر من لحظه ومقلته ... والرشد من فرقه وغرته ... والغي من صدغه وطرته ...

стр. 1225

بدر لصبح الجبين قد سترا ... بليل شعر فانظر له سترى أسود إن قلت بدراً فالبدر ينخسف ... أو قلت شمس فالشمس تنكسف ... أو قلت غصن فالغصن ينقصف ... وسنان جفن سما عن النظرا ... وكل طرف إليه قد نظرا سهد يزهو بثغر كالدر والشهب ... والطلع والأقحوان والحبب ... رصع شبه اللجين في الذهب ... حوى الثريا من ثغره أثراً ... له الذي أدمعي به نثرا نضد حاجبه مشرف على شغفي ... عارضه شاهد على أسفي ... ناظره عامل على تلفي ... به غرامي قد شاع واشتهرا ... وسيفه في الحشا إذا شهرا يغمد عذاره النمل في الفؤاد سعى ... والنحل من ثغره الأقاح رعى ... ويوسف أيدي النسا قطعا ... بالنور من وجهه سبا الشعرا ... وردني بالجفا وما شعرا مكمد

стр. 1226

٤٤٤ - (١) أبو علي بن الشبل محمد بن الحسين بن عبد الله بن الشبل، أبو علي الشاعر الحكيم البغدادي؛ توفي في المحرم سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، ودفن بباب الحرب؛ كان شاعراً مجيداً وله ديوان، وكان ظريفاً نديماً مطبوعاً، ومن شعره: لا تظهرن لعاذل أو عاذر ... حاليك في السراء والضراء فلرحمة المتوجعين حرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء وقال أيضاً: يفني (٢) البخيل بجمع المال مدته ... وللحوادث والأيام (٣) ما يدع كدودة القز ما تبنيه يهدمها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع وقال أيضاً يرثي أخاه بقصيدة أولها: غاية الحزن والسرور انقضاء ... ما لحي من بعد ميت بقاء لا لبيد بأربد مات حزناً ... وسلت عن شقيقها الخنساء مثل ما في التراب يبلى الفتى فال ... حزن يبلى من بعده والبكاء غير أن الأموات مروا وأبقوا ... غصصاً لا تسيغها الأحياء

стр. 1227

إنما نحن بين ظفر وناب ... من خطوب أسودهن ضراء نتمنى وفي المنى قصر العم ... ر فنغدو كما نسر نساء صحة المرء للسقام طريق ... وطريق الفناء هذا البقاء بالذي نغتدي نموت ونحيا ... أقتل الداء للنفوس الدواء ما لقينا من غدر دنياً فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاء صلف تحت راعد وسراب ... كرعت فيه مومس خرقاء راجع جودها عليها فمهما ... تهب الصبح يسترد المساء ليت شعري حلماً تمر بنا الأيام ... أم ليس تعقل الأشياء من فساد يكون في عالم الكو ... ن فما للنفوس منه اتقاء وقليلاً ما يصحب المهجة الج ... سم ففيم الشقا وفيم العناء قبح الله لذة لشقانا ... نالها الأمهات والآباء نحن لولا الوجود لم نألم الفق ... د فإيجادنا علينا بلاء ومن شعره: بربك أيها الفلك المدار ... أقصد ذا المسير أم اضطرار مدارك قل لنا في أي شيء ... ففي أفهامنا عنك انبهار فطوق في المجرة أم لآل ... هلالك أم يد فيها سوار وفيك الشمس رافعة شعاعاً ... بأجنحة قوادمها قصار ودنيا كلما وضعت جنيناً ... عراه من نوائبها طوار هي العشواء ما خبطت هشيم ... هي العجماء ما جرحت جبار فكم من بعده عفر وعقر ... يضير وما تلا ليلاً نهار لقد بلغ العدو بنا مناه ... وحل بآدم وبنا الصغار وتهنا ضائعين كقوم موسى ... ولا عجل أضل ولا خوار فيا لك أكلة ما زال فيها ... علينا نقمة وعليه عار

стр. 1228

نعاقب في الظهور وما ولدنا ... ويذبح في حشا الأم الحوار ونخرج كارهين كما دخلنا ... خروج الضب أخرجه الوجار وكانت أنعماً لو كان كوناً ... نشاور قبله أو نستشار وما أرض عصته ولا سماء ... ففيم يغول أنجمها انكدار ومثل هذه للبحتري (١) : أناة أيها الفلك المدار ... أنهب ما تطرف أم جبار ستفنى مثل ما تفني وتبلى ... كما تبلي فيدرك منك ثار وما أهل المنازل غير ركب ... مطاياهم رواح وابتكار لنا في الدهر آمال طوال ... نرجيها وأعمار قصار وأهون بالخطوب على خليع ... إلى اللذات ليس لها عذار فآخر يومه سكر تجلى ... غوايته وأوله خمار ومن شعر أبي علي ابن الشبل: وكأنما الإنسان في غيرة ... متكوناً (٢) والحسن فيه معار متصرف وله القضاء مصرف ... ومكلف وكأنه مختار طوراً تصوبه (٣) الحظوظ وتارة ... حظ تحيل صوابه الأقدار تعمى بصيرته وتبصر بعدما ... لا يسترد الفائت استبصار فتراه يؤخذ قلبه من صدره ... ويرد فيه وقد جرى المقدار فيظل يضرب بالملامة نفسه ... ندماً إذا لعبت به الأفكار لا يعرف التفريط في إيراده ... حتى يبينه له الإصدار وقال أيضاً:

стр. 1229

إن تكن تجزع من دم ... عي إذا فاض فصنه أو تكن أبصرت يوماً ... سيداً يعفو فكنه أنا لا أصبر عمن ... شطر ثاني شطر أول ... لا يحل الصبر عنه كل ذنب في الهوى يغ ... فر لي ما لم أخنه وقال أيضاً: قالوا القناعة عز والكفاف غنى ... والذل والعار حرص النفس والطمع صدقتم من رضاه سد جوعته ... إن لم يصبه بماذا عنه يقتنع وله: قالوا وقد مات محبوب فجعت به ... وبالصبا وأرادوا عنه سلواني سواه في الحسن موجود فقلت لهم ... من أين لي للهوى الثاني صباً ثاني وقال أيضاً: بنا إلى الدير من درنا صبابات ... فلا تلمني فلا تجدي الملامات لا تبعدن وإن طال الزمان بها ... أيام لهو عهدناها وليلات فكم قضيت لبانات الشباب بها ... غنماً وكم بقيت عندي لبانات ما أمكنت دولة الأفراح مقبلة ... فانعم ولذ فإن العيش تارات قبل ارتجاع الليالي وهي عارية ... وإنما لذة الدنيا إعارات قم فاجل في فلك الظلماء وشمس ضحى ... بروجها الدهر كاسات وطاسات لعله إن دعا داعي الحمام بنا ... نقضي وأنفسنا منها رويات بم التعلل لولا ذاك من زمن ... أحياؤه باعتياد الهم أموات دارت تحيي فقابلنا تحيتها ... وفي حشاها لقرع المزج روعات عذراء أخفى مزاج الماء صورتها ... لم يبق من روحها إلا حشاشات مدت سرادق برق من أبارقها ... على مقابلها منها ملاءات فلاح في أذرع الساقين أسورة ... تبراً وفوق نحور الشرب جامات

стр. 1230

قد وقع الدهر سطراً في صحيفته ... لا فارقت شارب الخمر المسرات خذ ما تعجل واترك ما وعدت به ... فعل اللبيب فللتأخير آفات وللسعادة أوقات ميسرة ... تعطي السرور وللأحزان أوقات ٤٤٥ (١) ابن فروجة محمد بن حمد بن فروجة - بالفاء المضمومة وبعد الواو والراء (٢) جيم مشددة - البروجردي؛ قال الثعالبي في " التتمة " من شعره: كأن الأيك توسعنا نثاراً ... من الورق المكسر والصحاح تميد كأنما علت براح ... وما شربت سوى الماء القراح كأن غصونها شرب نشاوى ... تصفق كلها راح براح وقال في الفستق المملوح: أعجب إلي بفستق أعددته ... عوناً على العادية الخرطوم مثل الزبردج في حرير أخضر ... في حق عاج في غلاف (٣) أديم وقال أيضاً: فلو ترى نقلي وما أبدعت ... فيه بماء الملح أيدي (٤) الصنع
следующие страницы →