وقال أيضاً (١) :
أسير ألحاظ لخد (٢) أسيل ... كليم أحشاء لطرف كليل
في حب من حظي كشعر له ... لكن قصير ذا وهذا طويل
ليس خليلاً لي ولكنه ... أضرم (٣) في الأحشاء نار الخليل
يا ردفه جرت على خصره ... رفقاً به ما أنت إلا ثقيل وقال أيضاً (٤) :
في غزلي من لحظ ذاك الغزال ... أخبار صب قتلته النبال
غصن سقته أدمعي ثم ما ... أثمر لما مال إلا الملال
حل ثلاثاً يوم حمامه ... ذوائباً تعبق منها الغوال
فقلت والقصد ذؤاباته ... يا سهري في ذي الليالي الطوال وقال أيضاً (٥) :
لم أنس لما زارني مقبلاً ... أولاني الوصل وما ألوى
وقعت بالرشف على ثغره ... وقع المساطيل على الحلوى (٦) وقال أيضاً (٧) :
رأى رضاباً عن تسل ... يه أولو العشق سلوا
ما ذاقه وشاقه ... هذا وما وكيف لو
стр. 1262
وقال (١) :
يا من أطال التجني ... وقد أسا في التوخي
أسرفت تيهاً وعجباً ... وكثرة الشد يرخي وقال أيضاً (٢) :
بحق هذي الأعين الساحرة ... وحسن هذي الوجنة الزاهره
خف في الهوى إثمي يا قاتلي ... فاليوم دنيا وغداً آخره
قلبي مصر لك ما باله ... قد ذاب من أخلاقك القاهره وقال أيضاً (٣) :
أحلى من الشهد من هويت وكم ... شقت (٤) به في الهوى مرارات
وكيف لا تستطاب ريقته ... وثغره سكر سنينات وقال أيضاً (٥) :
يا خاله خضرة بعارضه ... حرستها عن متيم مغرى
كف عن العاشقين مقتصرا ... هل أنت إلا حويرس الخضرا وقال أيضاً (٦) :
مثل الغزال نظرة ولفتة ... ممن ذا رآه مقبلاً ولا افتتن
أعذب خلق الله ثغراً وفماً ... إن لم يكن أحمق بالحسن فمن
стр. 1263
في ثغره وخده وشكله (١) ... الماء والخضرة والوجه الحسن وقال أيضاً (٢) :
حللت بأحشاء لها منك قاتل ... فهل أنت فيها نازل أو منازل
أرى الليل مذ حججت ما حال لونه ... على أنه بيني وبينك حائل
أيسعدني يا طلعة البدر طالع ... ومن شقوتي خط بخديك نازل
شطر ولو أن قساً واصف منك وجنة ... لأعجزه نبت بها وهو باقل على كل أمر منك عون فربما يعين الذي أبلى بما أنت فاعل
وبي ساحر باللحظ للخد حارس ... وذابل أعطاف لدمعي نازل
وشعر كليلي كان طولاً فما له ... قصير كحظي هل لذاك دلائل
نعم قد تناهى في الغرام تطاولاً ... " وعند التناهي يقصر المتطاول " وقال أيضاً (٣) :
ما بين هجرك والنوى ... قد ذبت فيك من الجوى
وحياة وجهك لا سلا ... عنك المحب ولا نوى
يا فاتني بمعاطف ... سجدت لها قضيب اللوى
يا من حكى بقوامه ... قد القضيب إذا التوى
ما أنت عندي والقضي ... ب اللدن في حال سوا
هذاك حركه الهوا ... ء وأنت حركت الهوى وقال أيضاً (٤) :
تمشى بصحن الجامع اليوم شادن ... على قده أغصان بان النقا تثني
стр. 1264
فقلت ولد لاحت عيه حلاوة ... ألا فانظروا هذي الحلاوة في الصحن وقال أيضاً (١) :
بدا وجهه من فوق أسمر قده ... وقد لاح من ليل الذوائب في جنح
فقلت عجيباً كيف لم يذهب الدجى ... وقد طلعت شمس النهار على رمح وقال أيضاً (٢) :
وهل فيه من شيء أن طرفه ... لكل فؤاد في البرية صائد
وأن محياه إذا قابل الدجى ... أضاء به جنح من الليل راكد
فكم يتجافى خصره وهو ناحل ... وكم يتحالى ريقه وهو بارد
وكم يدعي صوناً وهذي جفونه ... بفترتها للعاشقين مواعد وقال أيضاً (٣) :
للعاشقين بأحكام الغرام رضى ... فلا تكن في الهوى بالعذل معترضا
روحي الفداء لأحبابي وإن نقضوا ... عهد الوفي الذي للعهد ما نقضا
قف واستمع سيرة الصب الذي قتلوا ... فمات في حبهم لم يبلغ الغرضا
رأى فحب فرام (٤) الوصل فامتنعوا ... فرام صبراً فأعيا نيله فقضى وقال أيضاً موشح (٥) :
بدر عن الوصل في الهوى عدلا ... مالي عنه إن جار أو عدلا مذهب مترك اللحظ لفظه خنث ...
стр. 1265
إليه تصبو الحشا وتنبعث ... أشكو إليه وليس يكترث ...
دعا فؤادي بأن يذوب قلى ... الموت والله إذ دعا وقلى أقرب لم يبق لي مقلة ولا كبد ... والقلب فيه أودى به الكمد ... وليس يلفى لهجره أمد ...
لا تعجبوا أن غدوت محتملا ... لكن قلبي إن كان عنه سلا أعجب بالحسن كل العقول قد نهبا ... والحزن كل القلوب قد وهبا ... شمس ولكنني لديه وهبا ...
فانظر لذاك القوام كيف جلا ... غصن وكم بالجمال منه جلا غيهب وقال ذوبيت (١) :
قاسيت بك الغرام والهجر سنين ... ما بين بكاء وأنين وحنين
أرضيك ولا تزداد إلا غضباً ... الله كما أبلى بك القلب يعين وقال أيضاً (٢) :
يا من بفؤادي نار وجدي غادر ... من قاس إليك حسنه من فاخر
لا تخش إذا ما قيل هذا حسن ... عن غيرك فالشيخ غداً شيء آخر وقال أيضاً (٣) :
стр. 1266
يا من غدت القلوب في حكم (١) يديه ... ذا صبك كم تهدي تجنيك إليه
عذل وتسهيد ووجد وقلى ... ما تم على الكلاب (٢) ما تم عليه وقال أيضاً (٣) :
لا تعتقدوا عذاره الفتان (٤) ... قد وشح ورد الخد بالريحان
ذا خالقه قد خط في وجنته ... لاماً كتبت بالقلم الريحاني وقال أيضاً (٥) :
يا ممرض جسم صبه بالتيه (٦) ... أوردت فؤاده بحار التيه
لا يطلب مضنى مغرم فيه سوى ... إبلاغ حويجة له في فيه وقال أيضاً (٧) :
كم يشمت بي في حبك العذال ... كم يكثر فيك القيل بي والقال
والصبر بكل حالة أليق بي ... أحتاج أداريك ويمشي الحال وقال أيضاً (٨) :
إن صد وراح (٩) للجفا يعتمد ... أو زال وداده الذي أعتقد
فالأمر له وما عليه حرج ... لا يدخل بينه وبيني (١٠) أحد
стр. 1267
وقال أيضاً (١) :
وقد أصبح آخر الهوى أوله ... فالعاذل في هواك ما لي وله
بالله عليك خل ما أوله ... وارحم دنفاً حشو حشاه وله وكانت وفاة شمس الدين المذكور في شهور سنة ثمان وثمانين وستمائة بدمشق، وكان مولده بالقاهرة في عاشر جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وستمائة.
ورثاه والده الشيخ عفيف الدين وذكر أخاه أيضاً (٢) :
ما لي بفقد المحمدين يد ... مضى أخي ثم بعده الولد
يا نار قلبي وأين قلبي أو ... يا كبدي لو يكون لي كبد
يا بائع الموت مشتريه أنا ... فالصبر ما لا يصاب والجلد
أين البنان التي إذا كتبت ... وعاين الناس خطها سجدوا
أين الثنايا التي إذا ابتسمت ... أو نطقت لاح لؤلؤ نضد
ما فقدتك الإخوان (٣) يا ولدي ... وإنما شمس أنسهم (٤) فقدوا
محمد يا محمد عدداً ... وما لما ليس ينتهي عدد " منها " (٥) :
ماذا على الغاسلين إذ قرب الأم لاك منه لو أنهم بعدوا
قد حملت نفسه العلوم إلى ال فردوس والنعش فوقه الجسد
أبكيت خالاتك الضواحك من قبل وما صفاتك النكد
بي كبر مسنى وأمك قد شاخت فمن أين لي يرى ولد
وهبه قد كان لي فمثلك لا يرجى وأين الزمان والأمد
стр. 1268
" منها ":
يا ليتني لم أكن أباً لك أو ... يا ليت ما كنت أنت لي ولد قيل: إنه عمل مرة جماعة سماعاً حسناً وكان فيه جماعة ملاح، فبعثوا منهم مليحاً إلى شمس الدين يطلبونه من والده، فلما جاء الرسول كتب والده على يده:
أرسلتما لي رسولاً في رسالته ... حلو المراشف والأعطاف والهيف
وقدتما ويسير ذاك أنكما ... وقدتما النار في بادي الضنا (١) دنف فلما حضر ولده وبلغته الواقعة واطلع على مجيء الرسول كتب إلى والده:
مولاي كيف انثنى عنك (٢) الرسول ولم ... تكن لوردة خديه بمرتشف
جاءتك من بحر ذاك الحسن لؤلؤة ... فكيف ردت بلا ثقب إلى الصدف؟ ٤٦٠ (٣)
ابن النقيب المفسر
محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين، العلامة الزاهد جمال الدين أبو عبد الله البلخي الأصل المقدسي الحنفي، المعروف بابن النقيب أحد الأئمة؛ ولد سنة إحدى عشرة وستمائة، ودخل القاهرة ودرس بالعاشورية ثم تركها
стр. 1269
وأقام بالجامع الأزهر مدة. وكان صالحاً زاهداً متواضعاً عديم (١) التكلف، وكان الأكابر يترددون إليه ويسألونه الدعاء، وصرف همته إلى التفسير وصنف تفسيراً حافلاً جمع فيه خمسين مصنفاً وذكر في أسباب النزول والقراءات والإعراب واللغات والحقائق وعلم الباطن، قيل إنه في خمسين مجلدة. وتوفي سنة ثمان وتسعين وستمائة، رحمه الله تعالى.
٤٦١ - (٢)
نجم الدين ابن إسرائيل
محمد بن سوار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل بن الحسن بن علي ابن الحسين، نجم الدين أبو المعالي الشيباني الشاعر المشهور؛ ولد بدمشق سنة ثلاث وستمائة، وتوفي بها سنة سبع وسبعين وستمائة، ودفن داخل قبة الشيخ رسلان. صحب الشيخ علي الحريري ولبس الخرقة من الشيخ شهاب الدين السهروردي وسمع عليه وأجلسه في ثلاث خلوات. وكان قادراً على النظم مكثراً منه، مدح الرؤساء والقضاة وغيرهم، وتجرد وسافر " إلى " البلاد على قدم الفقر (٣) وقضى الأوقات الطيبة، وكان ريحانة المشاهد وديباجة السماعات. وحضر بعض الليالي وقتاً وفيه نجم الدين ابن الحكيم الحموي فغنى المغني من شعر ابن إسرائيل قوله:
стр. 1270
وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هذا السر من هو ذائق فقال " ابن " الحكيم: كفرت كفرت، فقال ابن إسرائيل: لا ما كفرت ولكن أنت ما تفهم؛ وتشوش الوقت.
ومن شعره:
وفى لي من أهواه جهراً بموعدي ... فأرغم عذالي عليه وحسدي
وزار على شحط المزار تطولاً ... على مغرم بالوصل لم يتعود
فيا حسن ما أبدى لعيني جماله ... ويا برد ما أهدى إلى قلبي الصدي
ويا صدق أحلامي ببشرى وصاله ... ويا نيل آمالي ويا نجح مقصدي
نديمي من سعد أريحا ركائبي ... فقد أمنت من أن تروح وتغتدي
ولا تلزمني النسك فالحب شاغلي ... ولا تذكرا لي الورد فالراح موردي
ولا تقفا بي في الرسوم التي عفت ... فقد طال حبسي بين نؤي وموقد
ومرا علي حي بمنعرج اللوى ... وقولا لغزلان الصريم ألا ابعدي
ولا تسعداني بعدها لكما البقا ... فما في بعد اليوم فقر لمسعد
أمن بعد ما قد برق الشوق غلتي ... وزار الكرى أجفان طرفي المسهد
وهامت بي الصهباء وجداً فكل من ... سقاها له طرف إلى رؤيتي صدي
وأمسيت والكاسات شمسي وأصبحت ... عروس حميا الحان تجلى على يدي
وأضحت ظباء الحي صيد خلاعتي ... وإن صدن من أهل النهى كل أصيد
ذراني وعزمي والدجى ومزاره ... فقد أبت العلياء إلا تفردي
ولا تأيسا من روحه وتأسيا ... فكم معرض في اليوم يقبل في غد
ففي الحي صب باع مهجة نفسه ... لجيرة ذاك الحي نقداً بموعد
هو الحب إما منية أو منية ... ودون العلا حد الحسام المهند
ألم تريا أني وجدت تلذذي ... برؤياه عقبى حيرتي وتلددي
وقد عشت دهراً والزمان يهزني ... وتطربني الألحان من كل منشد
стр. 1271
فأغدو وفي ليل الغدائر دائباً ... أضل ومن صبح المباسم أهتدي
ويسقم جسمي كل جفن وتارة ... يورد دمعي كل خد مورد
فطوراً أرى في الربع يبدو تولهي ... وطوراً وراء الظعن يوهى تجلدي
أحن للمع النار شب ضرامها ... بنعمان في ظل الأراك المعمد
وأصبو متى هبت صباحاً جرية ... تخبرني عن منجد غير منجدي
وتخجل أجفاني السحاب بوبلها ... متى لاح لي برق ببرقة ثهمد وقال في غلام جميل الصورة حياه بتفاحة:
لله تفاحة وافى به سكني ... فسكنت لهباً في القلب يستعر
كفرصة المسك وافاني الغزال بها ... وغرة النجم حياني بها القمر
حمراء في صورة المريخ عاطرة ... يزري بنشر الحميا نشرها العطر
أتى بها قاتلي نحوي فهل أحد ... قبلي تمشى إليه الغصن والثمر وقال أيضاً:
عسى الطيف بالزوراء منك يزور ... فقد نام عنه كاشح وغيور
وكيف يزور الطيف صباً مسهداً ... له النجم بعد الظاعنين سمير
سروا في ضياء من شموس خدورهم ... كأن سراهم في الظلام منير
ظعائن تغزوا الجيش وهي رديفة ... عليهن من سمر الرماح ستور
إذا نزلوا أرضاً تولت محولها ... وأضحت وفيه روضة وغدير
وإن فارقوا أرضاً غدت ورمالها ... من الطيب مسك والتراب عبير
أأحبابنا النائين أدعو وبيننا ... سهول عسير قطعها ووعور
سقى أبرق الحنان حيث مصيفكم ... من المزن داني الهيدبين مطير
ودار لكم بالبان عن أيمن الحمى ... يلوح عليها نضرة وسرور
قريبة عهد بالخليط رسومها ... مواثل ما محت لهن سطور
كأن مواطي الخيل فيها أهله ... وآثار أخفاف المطي بدور
стр. 1272
وقال أيضاً:
في ذمة الله من أهوى وإن بانا ... وإن أسر الغدر الذي بانا
وفي سبيل الهوى عهداً تحمله ... قلب يرى حفظه الأيمان إيمانا
يا ظاعناً لم أكن من قبل فرقته ... أهوى ربوعاً ولا أشتاق أوطانا
لم يبق بينك عندي يا منى أملي ... للشوق قلباً ولا للدمع أجفانا وقال أيضاً في كحال كحل محبوبه:
يا سيد الحكماء هذي سنة ... مسنونة في الطب أنت سننتها
أو كلما كلت سيوف جفون من ... سفكت لواحظه الدماء (١) سننتها وقال أيضاً:
يا من يشير إليهم المتكلم ... وإليهم يتوجه المتظلم
وعليهم يحلو التأسف والأسى ... ويلذ لوعات الغرام المغرم
هذا الوجود وإن تعدد ظاهراً ... وحياتكم ما فيه إلا أنتم
وشغلتم كلي بكم وجوارحي ... وجوانحي أبداً سمعت فمنكم أو عنكم
وإذا نطقت ففي صفات جمالكم ... وإذا سألت الكائنات فعنكم
وإذا سكرت فمن مدامة حبكم ... وبذكركم في سكرتي أترنم
إذا نظمت تغزلاً في صورة ... فلأجل حسنكم المحجب أنظم
أنتم حقيقة كل موجود بدا ... ووجود هذي الكائنات توهم
أنا في وجودكم غريب بائس ... وغريبكم ما باله لا يرحم وقال أيضاً:
وأهيف القامة عذب اللمى ... يقر عينيه دوام السهر
стр. 1273
وما رأينا قبل أجفانه ... من نرجس يذبل وقت السحر وقال أيضاً:
إن أم سمراً أو أراك ... فإنما مقصدهم أن أراك
وإن ترنمت بذكر الحمى ... فإنما عقد ضميري حماك
وإن دعا غيرك داع فما ... أحسب إلا أنه قد دعاك
وإن بكا صب حبيباً فما ... أحسب إلا أنه قد بكاك
يا جملة الحب وتفصيله ... أجملت إذ فرغتني من سواك
ويا غنياً عن غرامي به ... من لي بأن يرحم فقري غناك
ملأت كل الكون عشقاً فما ... أعرف قلباً خالياً من هواك وقال أيضاً:
إلى كم، رعاك الله، تنأى وأقرب ... وأرضى بما تجني علي وتغضب
فلا أنت مشك إن شكوت فيشتفي ... فؤادي وإن أعتب فما أنت معتب
تكلفت لي ذاك الوداد فلم يدم ... وكل وداد بالتكلف يصعب
ومن يتكلف ضد ما هو طبعه ... تعد نفسه للطبع، والطبع أغلب
يقولون هند لا تدوم وزينب ... على العهد، كل الناس هند وزينب
تطلبت وداً لا يكون لعلة ... فأعوزني وجدان ما أتطلب
وحاولت من يوفي بعهد فلم أجد ... كأن الذي حاولت عنقاء مغرب
تلطف فإن اللطف منك سجية ... تعطف فإن العطف منك مجرب
وإن كان لا بداً من الهجر فاتئد ... لعل رحيلي عن جنابك يقرب
سأرحل عنك اليوم لا متلفت ... بوجهي كأني خائف مترقب
وأما ودادي فهو باق وإن من ... بقاء ودادي أنني أتعتب وقال أيضاً:
يا غزالاً قد سبانا حسنه ... وهلالاً لاح في غصن لجين
стр. 1274
قمر العقرب (١) خوفت؛ فمن ... منصفي من قمر في عقربين وقال أيضاً:
ما أحسن الجامع في ليلة الن ... صف وقد لاح عليه السرور
وأشبهت زهر قناديله ... كاسات راح للندامى تدور
وقارن النسر الثريا به ... وقابل البدر هناك البدور وقال أيضاً:
ما مثل جامعنا ومثل وقيده ... كضياء طلعة شاهدي ومواصلي
وكأن ذاك الوجه قنديل يرى ... ومن العذار معلق بسلاسل وقال أيضاً في مروحة:
ومحبوبة في القيظ لم تخل من يد ... وفي القر تجفوها أكف الحبائب
إذا ما الهوى المقصور هيج عاشقاً ... أتت بالهوى الممدود من كل جانب وقال في مليح مغن:
وأهيف إن غنى فقمري بانة ... وإن ماس من عجب فبعض غصونها
تحرك خلف الدف حتى تحركت ... شطر ثانيقلوب رجال فجعت بسكونها وقال أيضاً:
هل عهد ليلى بالكثيب عائد ... أم طيفها لسقم جسمي عائد
حوراء حار العقل في صفاتها ... لها الجمال عاشق وحاسد
فكل عضو فيه بدر طالع ... وكل عطف فيه غصن مائد
فعطفها وحسن صبري ناقص ... وحسنها وفرط وجدي زائد
يا كعبة الحسن التي أحجها ... فؤاد مضناك عليك وافد
قد سقت في الهوى إليك مهجتي ... والدم دمع لغرامي شاهد
стр. 1275
وطفت في مغناك حتى ملني ... من أرضك الرسوم والمعاهد
ولم أقصر فيك عن حفظ الهوى ... شطر ثانيوالحر من يحفظ من يعاهد
وربما يجمع جمع شملنا ... بكم وتصفو عندك الموارد
وعلنا نقضي منانا يمنى ... وتنقضي من وصلنا المواعد
أو لا فموتي فيكم شهادة ... علي فيها بالرضى شواهد وحكى لي الشيخ عز الدين الدربندي المؤذن بالجامع الأموي، رحمه الله تعالى، قال: أخبرني نجم الدين ابن إسرائيل قال: أضقت في بعض الأوقات إضاقة شديدة، فقلت في نفسي: والله لا مدحت غير الله تعالى، فقلت القصيدة السينية التي أولها:
يا ناق ما دون الأثيل معرس ... جدي فصبحك قد بدا يتنفس
واستصحبي عزماً يبلغ الحمى ... لتظل تغبطك الجواري الكنس قال: فجاءت اثنين وستين بيتاً، وكان لي عادة أن أنظم القصيدة وأنقحها فيما بعد، فعرضت القصيدة فلم أر فيها ما يحذف، فنمت ليلتي، فلما كان وقت السحر وإذا بالباب يدق، فقمت فوجدت قاصداً من مصر ومعه كتاب من الأمير جمال الدين " ابن " يغمور، وصحبته صرة ذهب، وقال: الأمير يسلم عليك، وهذه برسم النفقة، فعددت الذهب فكان اثنين وستين ديناراً، أو كما قال، رحمه الله تعالى.
стр. 1276
٤٦٢ - (١)
شرف الدين ابن الوحيد
محمد بن شريف بن يوسف، الكاتب شرف الدين بن الوحيد صاحب الخط الفائق والنظم والنثر؛ كان تام الشكل حسن البزة موصوفاً بالشجاعة متكلماً بعدة ألسن، يضرب المثل بحسن كتابته. توفي سنة إحدى عشرة وسبعمائة وقد شاخ.
سافر إلى العراق واجتمع بياقوت المجود، وكان قد اتصل بخدمة بيبرس الجاشكنير، وكتب له أجزاء ختمة في سبعة أجزاء بليقة ذهب بقلم الثلث في قطع البغدادي (٢) ، دخل فيها جملة من الذهب أعطاها له الجاشكنير (٣) ألف وستمائة دينار أو ألف وأربعمائة دينار، دخل الختمة ستمائة دينار وأخذ الباقي، فقيل له في ذلك فقال: متى يعود آخر مثل هذا يكتب مثل هذه الختمة؛ وزمكها (٤) صندل المذهب، وهي وقف في جامع الحاكم. وكتب السبعة أقلام طبقة، وخدم بديوان الإنشاء بالقاهرة، ومن نظمه في تفضيل الحشيش:
وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها ... لها وثبات في الحشا وثبات
تؤجج ناراً في الحشا وهي جنة ... وتبدي مرير الطعم وهي نبات وقال أيضاً:
جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى أستاذه وزمانه
стр. 1277
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدري الطريق فلا يزال مكانه وكان ناصر الدين شافع قد وقف على شيء من نظمه فأثنى عليه وشكره
فلما بلغ ابن الوحيد ذلك قال:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وكان ناصر الدين شافع قد عمي، فلما بلغه قوله كتب إليه أبياتاً يهجوه:
نعم نظرت ولكن لم أجد أدباً ... يا من غدا واحداً في قلة الأدب
عيرتني بعمى أصبحت تذكره (١) ... والعيب في الرأس دون العيب في الذنب وكان الواقع " عظيماً " (٢) بينه وبين محيي الدين ابن البغدادي، و " ابن البغدادي " (٣) عمل له ذلك المنشور الذي أقطعه فيه قائم الهرمل وابن عروة وأبو عروق وما أشبه هذه الأماكن.
ورأيت كتاب " خواص الحيوان " وفيه مكتوب ذكر الضبع: من خواص شعرها أنه من تحمل بشيء منه حدث له البغاء، وقد كتب ابن البغدادي على الهامش: أخبرني الثقة شريف الدين ابن الوحيد الكاتب أنه جرب ذلك فصح معه، أو كما قال.
стр. 1278
٤٦٣ - (١)
العلوي
محمد بن صالح بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن ابن علي بن أبي طالب؛ حمله المتوكل من البادية سنة أربعين ومائتين في من طلبه من آل أبي طالب، فحبس ثلاث سنين ثم أطلق، فأقام بسامرا ثم عاد إلى الحجاز. وكان راوية أديباً شاعراً، وهو القائل في الحبس من أبيات:
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألق بالحمى لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرى متمنع أركانه
فدنا لينظر أين لاح فلم يجد (٢) ... نظراً إليه وصده سجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه ٤٦٤ (٣)
عماد الدين الدنيسري
محمد بن عباس بن أحمد بن صالح، الحكيم البارع عماد الدين الدنيسري؛ ولد بدنيسر سنة خمس وستمائة (٤) ، وقرأ الطب حتى برع فيه، وساد (٥)
стр. 1279
وسمع الحديث بالديار المصرية، وصحب البهاء زهيراً مدة وتخرج به في الأدب والشعر، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي، وصنف " المقالة المرشدة في درج الأدوية المفردة " و " أرجوزة في الدرياق الفاروق "، ونظم " مقدمة المعرفة " (١) لبقراط وغير ذلك، وسكن الشام، وخدم بالقلعة في الدولة الناصرية ثم خدم بالبيمارستان الكبير، وكان أبوه خطيباً بدنيسر. سمع منه قاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى والبرزالي. وتوفي سنة ست وثمانين وستمائة.
ومن شعره، رحمه الله تعالى:
وقلت شهودي في هواك كثيرة ... وأصدقها قلبي ودمعي مسفوح
فقال شهود ليس يقبل قولهم ... فدمعك مقذوف وقلبك مجروح وقال أيضاً:
عشقت بدراً مليحاً ... عليه في الحسن هاله
مثل الغزال ولكن ... تغار منه الغزاله
فقلت أنت حبيبي ... ومالكي لا محاله
جسمي يذوب وجفني ... دموعه هطاله
بعثت من نار وجدي ... مني إليه رساله
ولي عليك شهود ... معروفة بالعداله وقال أيضاً:
إذا رفع العود تكبيره ... ونادى على الراح داعي الفرح
رأيت سجودي لها دائماً ... ولكن عقيب ركوع القدح وقال أيضاً:
стр. 1280
كلفت بالمعسول من ريقه ... وهمت بالعسال من قده
بدر إذا أبصرته مقبلاً ... أبصرت بدر التم في سعده
يجرح قلبي لحظه مثلما ... يجرحه لحظي في خده
قلت لعذالي على حبه ... والقلب موقوف على وجده
من يده في الما إلى زنده ... يعرف حر الماء من برده وقال أيضاً:
ولقد سألت وصاله فأجابني ... عنه الجمال إشارة عن قائل
في نون حاجبه وعين جفونه ... مع ميم مبسمه جواب السائل ٤٦٥ (١)
بدر الدين ابن الفويرة
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن حفاظ، بدر الدين السلمي الحنفي الدمشقي، ابن الفويرة؛ تفقه على الصدر سليمان، وبرع في المذهب ودرس وأفتى، وأخذ العربية عن الشيخ جمال الدين ابن مالك ونظر في الأصول، وقال الشعر الفائق، وكان ذا مروءة ودين ومعروف، وهو والد القاضي جمال الدين ابن الفويرة.
ومن شعره:
وشاعر يسحرني طرفه ... ورقة الألفاظ من شعره
стр. 1281
أنشدني نظماً بديعاً له ... أحبب بذاك النظم من ثغره وقال أيضاً:
عاينت حبة خاله ... في روضة من جلنار
فغدا فؤادي طائراً ... فاصطاده شرك العذار وقال:
كانت دموعي حمراً قبل بينهم ... فمذ نأوا قصرتها لوعة الحرق
قطفت باللحظ ورداً من خدودهم ... فاستقطر البين (١) ماء الورد من حدقي وقال أيضاً:
ورياض كلما انعطفت ... نثرت أوراقها ذهبا
تحسب الأغصان حين شدا ... فوقها القمري منتحبا
ذكرت عصر الشباب وقد ... لبست أبراده القشبا
فانثنت في الدوح راقصة ... ورمت أثوابها طربا (٢) وقال أيضاً:
والروض مثل العروس قد خطرت ... أعطافه في ملابس قشب
وريقه الطل قد طفت درراً ... على كؤوس الشقيق كالحبب
في أعين النور كالدموع وفي ... مباسم الأقحوان كالشنب وقال أيضاً:
ألا رب غصن أثمر البدر طالعاً ... وأورق ليلاً من عذاريه أليلا
محياه روض نرجس اللحظ زهره ... وقد سال فيه عارض الخد جدولا
стр. 1282
وقال أيضاً:
ألمت بنا والليل زهر نجومه ... كأحداق زهر فتحتها الحدائق
وأبدت محياها لنا وتبسمت ... وهل مع شروق الشمس يلمع بارق وقال أيضاً:
تأمل إلى الروض الأنيق وحسنه ... وبهجة ذاك النور بين الحدائق
وقد نثرت أيدي السماء لآلئاً ... نظمن حباباً في كؤوس الشقائق وقال يمدح الملك الناصر يوسف بن عبد العزيز:
أذاع لسان الدمع يوم النوى سري ... وحلت أكلف البين في عرى صبري
وطلت على الأطلال (١) أسياف نأيهم ... دمي واغتدى قلبي أسيراً مع السفر
وعطل نادي الأنس من حلي حسنهم ... فحليته من أدمع العين (٢) بالدر
رعى الله ليلات تقضت بوصلهم ... فقد كن كالخيلان في وجنة الدهر
وحيا رياضاً بالحمى كنت منهم ... أنال المنى في ظل أغصانه الخضر
وأركض طرف اللهو في حلبة الهوى ... فأعثر في ذيل المسرة بالسكر
ولله ليل زارني في ظلامه ... غزال رشيق القد كالغصن النضر
شربت مياه الحسن من روض وجهه ... براحة طرفي والدجى مسبل الستر
وبتنا وثوب الوصل ينشر بيننا ... إلى أن طوت برد الظلام يد الفجر
فقام كبدر التم في غسق الدجى ... يدير شموس الراح في الأنجم الزهر
وطاف علينا بالكؤوس ضحى وقد ... تمايل عطف الروض في الحلل الخضر
تعانق قد الغصن أيديه تارة ... ويلثم طوراً ثغره وجنة النهر
وألقت عليه الشمس ثوب شعاعها ... لتمسح دمع الطل من أعين الزهر
وفاح نسيم يعبث في الربى ... بديباج روض حاكه واكف القطر
стр. 1283
وينساب منها الماء بين شقائق ... بدت كالغواني في غلائلها الحمر
كما لمعت أسياف يوسف في الوغى ... مخضبة أطرافها من دم الكفر ومنها في المديح أيضاً:
يشيد بنيان المعالي لمجده ... ويرفل في ثوب المكارم والفخر
هو البحر يسطو في غدير مفاضة ... بجدوله الماضي على الجحفل المجر
ويغرس في لباتهم سوسن القنا ... فينبت ورد الطعن من ساحة الصدر
ولو لم تكن يمناه غيثاً لما بدا ... بها لامعاً برق المهندة البتر
ولا أورقت بالنضر في موقف الوغى ... وقد جال أغصان المثقفة السمر
ويا عجباً من كفه كيف أضرمت ... شرار حروب وهي أندى من البحر
ورقصت في ليل المداد عقيلة ... تناغي بألفاظ أرق من الخمر
وقد قلدت من بحر علياك جيدها ... بنظم لآل هذبته يد الفكر
تغالي ملوك الأرض في مهر مثلها ... وها هي قد جاءت إليك بلا مهر ٤٦٦ (١)
شهاب الدين الباجربقي
محمد بن عبد الرحيم بن عمر الباجربقي (٢) الجزري، الشيخ الزاهد ابن المفتي الكبير جمال الدين؛ تحول جمال الدين بولديه بعد الثمانين
стр. 1284
وستمائة إلى دمشق، فسمعهما من ابن البخاري، وجلس للإفادة والإفتاء ودرس ومات وقد شاخ بعد الستمائة، فتزهد ولده محمد المذكور وحصل له حال وكشف، فانقطع فصحبه جماعة من الرذالة، وهون لهم أمر الشرائع وأراهم بوارق شيطانية، وكان له قوة تأثير، فقصده جماعة من الفضلاء قلدوا الشيخ صدر (١) الدين ابن الوكيل في تعظيمه، وكان ممن قصده الشيخ مجد الدين التونسي النحوي، فسلكه على عادته، فجاء إليه في اليوم الذي قال له تعود إلي فيه فقال له: ما رأيت؟ قال: وصلت في سلوكي إلى السماء الرابعة، فقال: هذا مقام موسى بن عمران بلغته في أربعة أيام، فرجع الشيخ مجد الدين إلى نفسه وتوجه إلى القاضي وحكى له ما جرى، وتاب إلى الله تعالى وجدد إسلامه، فطلب الباجربقي وحكم بإراقة دمه فاختفى، وتوجه إلى مصر وانقطع بالجامع الأزهر وتردد إليه جماعة، وكان الشيخ صدر الدين يتردد إليه " وهو بدمشق " ويجلس بين يديه ويحصل له بهت في وجهه، ويضع يده تحت ذقنه ويخلل ذقنه بأصابعه وينشد:
عجب من عجائب البر والبح ... ر وشكل فرد ونوع غريب وشهد عليه مجد الدين التونسي وخطيب الزنجيلية والشيخ أبو بكر ابن شرف (٢) بما أبيح به دمه، وحكي عنه التهاون بالصلاة وذكر النبي ﷺ باسمه من غير تعظيم ولا صلاة عليه، حتى يقول: ومن محمد هذا؟ فحكم القاضي جمال الدين الزواوي المالكي بإراقة دمه، فاختفى وسافر إلى العراق، وسعى أخوه بحماية بيبرس العلائي إلى الحنبلي، فشهد نحو العشرين بأن الستة الذين شهدوا عليه بينهم وبينه عداوة، فحقن الحنبلي دمه، فغضب المالكي وجدد الحكم بقتله، وجاء بعد مدة ونزل بالقابون على باب دمشق، ولم
стр. 1285
يزل مختفياً إلى أن مات، وله ستون سنة، سنة أربع وعشرين وسبعمائة.
وكان يقول: إن لرسل طولت على الأمم الطريق (١) إلى الله تعالى.
٤٦٧ - (٢)
شمس الدين الرسعني
محمد بن عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني (٣) ، العدل شمس الدين المحدث الحنبلي نزل دمشق؛ كان شيخاً أبيض مليح الشكل، ولد سنة عشر (٤) وستمائة، وسمع من ابن روزبه وابن بهروز وابن القبيطي وكريمة وجماعة، وأم بالمسجد الكبير بالرماحين، وسافر إلى مصر في شهادة، ولما عاد دخل الشريعة يسقي فرسه فغرق ولم يظهر له خبر، وذلك سنة تسع وثمانين وستمائة.
كتب إليه بهاء الدين " ابن " الأرزني (٥) :
أحن إلى تلك السجايا وإن نأت ... حنين أخي ذكرى حبيب ومنزل
وأهدي إليها من سلامي مشاكلاً ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل فأجابه شمس الدين المذكور:
على فترةٍ جاء الكتاب معطراً ... بمسكٍ سحيقٍ لا بريا القرنفل
стр. 1286
فأذكرني ليلات وصل تصرمت ... بدار حبيب لا بدارة جلجل
شكوت إلى صبري اشتياقاً فقال لي ... ترفق ولا تهلك أسى وتجمل
فقلت له إني عليك معول ... وهل عند رسم دارس من معول ومن شعره أيضاً:
ولو أن إنسان يبلغ لوعتي ... ووجدي وأشجاني إلى ذلك الرشا
لأسكنته عيني ولم أرضها له ... ولولا لهيب القلب أسكنته الحشا وقال أيضاً:
أأحبابنا إن جادت المزن أرضكم ... فما هي إلا من دموعي تمطر (١)
وإن لاح برق فهو برق أضالعي ... وإن ناح ورقعن أنيني (٢) يخبر
وإن نسمت ريح الصبا وتأرجت ... فمن طيب أنفاسي بكم تتعطر
وإن رنحت أغصان دجلة فانثنت ... فعني بإبلاغ النسيم تخبر (٣)
ومن عجب أني أكتم لوعة ... وأودعها طي الصبا وهي تنشر ٤٦٨ (٤)
أمير المؤمنين المهدي
محمد بن عبد الله، أمير المؤمنين المهدي ابن المنصور، ثالث خلفاء
стр. 1287
بني العباس؛ مولده سنة سبع وعشرين ومائة؛ كان جواداً ممدحاً، مليح الشكل محبباً إلى الرعية، قصاباً (١) للزنادقة، وكان ملكه عشر سنين وشهراً ونصفاً، مات في سنة تسع وستين ومائة، وعاش ثلاثاً وأربعين سنة، وصلى عليه ولده هارون الرشيد. ومن شعره:
أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود
أما يكفيك أنك تملكني ... وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الرضى أحسنت زيدي وكتب إلى جاريته الخيزران وهو في منتزه له:
نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غبتم ونحن حضور
فأغذوا المسير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع النسيم فطيروا دخل ابن الخياط المكي عليه فقبل يده ومدحه، فأمر له بخمسين ألف درهم، فلما قبضها فرقها على الناس وقال:
لمست بكفي كفه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فضيعت ما عندي وبلغ المهدي ذلك فأعطاه بكل درهم ديناراً.
وجلس المهدي جلوساً عاماً فدخل عليه رجل وبيده منديل فيه نعل، فقال: يا أمير المؤمنين، هذه نعل رسول الله ﷺ قد أهديتها لك، فأخذها منه وقبلها ووضعها على عينيه وأعطاه عشرة آلاف درهم، فلما خرج قال لجلسائه: ما ترون؟ إني أعلم أن رسول الله ﷺ لم يرها فضلاً عن أن يكون قد لبسها، ولو كذبناه لقال للناس:
стр. 1288
أتيت أمير المؤمنين بنعل رسول الله ﷺ فردها علي، وكان من يصدقه أكثر ممن يكذبه، إذ كان من شأن العامة الميل إلى أشكالها، والنصرة للضعيف على القوي وإن كان ظالماً، فاشترينا لسانه وقبلنا هديته وصدقنا قوله، وكان الذي فعلناه أرجح وأنجح.
٤٦٩ - (١)
أبو الشيص الشاعر
محمد بن عبد الله بن رزين، الشاعر المشهور الملقب بأبي الشيص، وهو ابن عم دعبل الخزاعي؛ توفي سنة ست وتسعين ومائة، وقد كف بصره.
قال أبو الشيص وهو مشهور عنه (٢) :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حباً لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم
وأهنتني فأهنت روحي عامداً ... ما من يهون عليك ممن يكرم فأخذ بعض المغاربة هذا المعنى فقال:
هددت بالسلطان فيك وإنما ... أخشى صدودك لا من السلطان
أجد اللذاذة في الملام فلو درى ... أخذ الرشا مني الذي يلحاني
стр. 1289
ولأبي الشيص (١) :
لا تنكري صدي ولا إعراضي ... ليس المقل عن الزمان براض
شيئان لا تصبو النساء إليهما ... حلي المشيب وحلة الإنفاض
حسر المشيب قناعه عن رأسه ... فرمينه بالصد والإعراض
ولربما جعلت محاسن وجهه ... لجفونها غرضاً من الأغراض ٤٧٠ (٢)
محمد ابن طاهر
محمد بن عبد الله بن طاهر بن لحسين الخزاعي الخراساني، الأمير أبو العباس؛ كان جواداً ممدحاً أديباً شاعراً، مألفاً لأهل الفضل والأدب " من بيت الأدب " (٣) والإمرة والتقدم، ولاه المتوكل على بغداد، وعظم سلطانه في دولة المعتز إلى أن مات بالخوانيق سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ومن شعره ما كتبه إلى جارية له:
ماذا تقولين في من شفه سقم ... من جهد حبك حتى صار حيرانا فأجابته:
إذا رأينا محباً قد أضر به ... جهد الصبابة أوليناه إحسانا وقال في حسن العشرة:
стр. 1290
أواصل من هويت على خلال ... أذود بهن ليات المقال
وأحفظ سره والغيب منه ... وأرعى عهده في كل حال
وفاء لا يحل به انتكاث ... وود لا تخونه الليالي
وأوثره على عسر ويسر ... وينفذ حكمه في سر مالي
وأغفر نبوة الإدلال منه ... إذا ما لم يكن غير الدلال
وما أنا بالملول ولا بجاف ... ولا الغدر المذمم من فعالي وقال في الأترنج:
جسم لجين قميصه ذهب ... ركبت فيه بديع تركيب
فيه لمن شمه وأبصره ... لون محب وريح محبوب ٤٧١ (١)
أبو عبد الله ابن الأبار
محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن، الحافظ العلامة أبو عبد لله القضاعي البلنسي، الكاتب الأديب المعروف بابن الأبار؛ ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة. عني بالحديث وجال في الأندلس وكتب العالي والنازل، وكان بصيراً بالرجال عالماً بالتاريخ إماماً في العربية، فقيهاً مفنناً (٢) أخبارياً فصيحاً، له يد في البلاغة والإنشاء، كامل الرياسة، ذا رياسة
стр. 1291
وافية وأبهة (١) وتجمل وافر.
وله من المصنفات " تكملة الصلة " لابن بشكوال. كتاب " تحفة القادم " وكتاب " إيماض البرق ".
قتل مظلوماً بتونس على يد صاحبها لأنه تخيل منه الخروج وشق العصا، وقيل إن بعض أعدائه ذكر عند صاحب تونس أنه ألف تاريخاً وأنه تكلم فيه جماعة، فلما طلب وأحس بالهلاك قال لغلامه: خذ البغلة وامض بها حيث شئت فهي لك، وكان ذلك في سنة ثمان وخمسين وستمائة.
ومن شعره:
مرقوم (٢) الخد مورده ... يكسوني السقم مجرده
شفاف الدر له جسد ... بأبي ما أودع مجسده
في وجنته من نعمته ... جمر بفؤادي موقده
ريم يرمي عن أكحله ... زرقاً تصمي من يصمده
متداني الخطوة من ترف ... أترى الأحجال تقيده
ولاه الحسن وأمره ... وأتاه السحر يؤيده وقال أيضاً:
ونهر كما ذابت سبائك فضة ... حكى بمحانيه انعطاف الأراقم
إذا الشفق استولى عليه احمراره ... تراءى خضيباً (٣) مثل دامي الصوارم وقال أيضاً (٤) :
стр. 1292
لم تدر ما خلدت عيناك في خلدي ... من الغرام ولا ما كابدت كبدي
أفديك من رائد رام الدنو فلم ... يسطعه من فرق في القلب متقد
خان العيون فوافاني على عجل ... معطلاً جيده إلا من الجيد
عاطيته الكأس فاستحيت مدامتها ... من ذلك الشنب المعسول والبرد
حتى إذا غازلت أجفانه سنة ... وصيرته يد الشهباء طوع يدي
أردت توسيده خدي وقلت له ... فقال كفك عندي أفضل الوسد
فبات في حرم لا غدر يذعره ... وبت ظمآن لم أصدر ولم أرد
بدر ألم وبدر الأفق ممتحق ... والجو محلولك الأرجاء من حسد
تحير الليل فيه أين مطلعه ... أما درى الليل أن البدر طوع يدي وقال أيضاً (١) :
زارني خيفة الرقيب مريبا ... يتشكى القضيب منه الكثيبا
رشأ راش لي سهام المنايا ... من جفون تصمي بهن القلوبا
قال لي: ما ترى الرقيب مطلاً ... قلت ذره أتى (٢) المكان الرحيبا
واسقنيها بخمر (٣) عينيك صرفاً ... واجعل الكأس منك ثغراً شنيبا
عاطني أكؤس الرضاب دراكاً ... وأدرها علي كوباً فكوبا
ثم لما أن نام من بعد نعسٍ (٤) ... وتلقى الكرى سميعاً مجيبا
قال لابد أن تدب إليه ... قلت أبغي رشاً وآخذ ذيبا
стр. 1293
قال فابدأ بنا وثن عليه ... قلت عمري لقد وقعت (١) قريبا
فوثبنا على الغزال وثوباً ... ودببنا إلى الرقيب دبيبا
فهل أبصرت أو سمعت بصب ... ناك محبوبه وناك الرقيبا ٤٧٢ (٢)
الشيخ جمال الدين ابن مالك
محمد بن عبد الله " بن عبد الله " بن مالك، الإمام العلامة الأوحد جمال الدين الطائي الجياني الشافعي النحوي نزيل دمشق؛ ولد سنة ستمائة (٣) وسمع بدمشق وتصدر بحلب لإقراء العربية، وصرف همته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية وأربى على المتقدمين، وكان إماماً في القراءات وعللها، صنف فيه قصيدة دالية مرموزة في قدر الشاطبية، وأما اللغة فكان إليه المنتهى فيها، وكان إماماً في العادلية فكان إذا صلى فيها يشيعه قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان إلى بيته تعظيماً له، وأما النحو والتصريف فكان فيهما بحراً لا يشق لجه (٤) ، وأما اطلاعه على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو فكان أمراً عجيباً، وكان الأئمة الأعلام يتحيرون في أمره، وأما الاطلاع على الحديث فكان فيه غاية (٥) ، وكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن كان ما فيه
стр. 1294
شاهد عدل إلى الحديث فإن لم يكن " فيه " شيء عدل إلى أشعار العرب، هذا مع ما هو عليه من الدين والعبادة وكثرة النوافل وحسن السمت وكمال العقل، وانفرد عن المغاربة بشيئين: الكرم والمذهب الشافعي، وأقام بدمشق مدة يصنف ويشغل (١) بالجامع وبالتربة العادلية، وتخرج به جماعة، وكان نظم الشعر عليه سهلاً، وصنف كتاب " تسهيل الفوائد ". مدحه سعد الدين ابن عربي بأبيات مليحة إلى الغاية وهي هذه:
إن الإمام جمال الدين جمله ... رب العلا ولنشر العلم أهله
أملى كتاباً له يسمى الفوائد لم ... يزل مفيداً لذ لب تأمله
فكل مسألة في النحو يجمعها ... إن الفوائد جمع لا نظير له ومن تصانيفه " سبك المنظوم وفك المختوم " وكتاب " الكافية الشافية " ثلاثة آلاف بيت، وشرحها و " الخلاصة " و " هي " " مختصر الشافية " و " إكمال الإعلام بمثلث الكلام " و " فعل وأفعل " و " المقدمة الأسدية " وصنفها باسم ولده الأسد، و " عدة اللافظ وعمدة الحافظ " و " النظم الأوجز فيما يهمز " و " الاعتضاد في الظاء والضاد " و " إعراب مشكل البخاري ".
وكانت وفاته سنة اثنتين وسبعين وستمائة.
قال شرف الدين الحصني يرثيه بأبيات، رحمه الله تعالى:
يا شتات الأسماء والأفعال ... بعد موت ابن مالك المفضال
وانحراف الحروف من بعد ضبط ... منه في الانفصال والاتصال
مصدراً كان للعلوم بإذن الل ... هـ من غير شبهة ومحال
عدم النعت والتعطف والتو ... كيد مستبدلاً من الإبدال
ألم اعتراه أسكن منه أسكن منه ... حركات كانت بغير اعتلال
يا لها سكنة لهمز قضاء ... أورثت طول مدة الانفصال
стр. 1295
رفعوه في نعشه فانتصبا ... نصب تمييز كيف سير الجبال
صرفوه يا عظم ما فعلوه ... وهو عدل معرف بالجمال
أدغموه في الترب من غير مثل ... سالماً من تغير الانتقال
وقفوا عند قبره ساعة الدف ... ن وقوفاً ضرورة الامتثال
ومددنا الأكف نطلب قصراً ... مسكناً للنزيل من ذي الجلال
آخر الآي من سبا حظنا من ... هـ حظه جاء أول الأنفال
يا لسان الأعراب يا جامع الإ ... عراب يا مفهماً لكل مقال
يا فريد الزمان في النظم والنث ... ر وفي نقل مسندات العوالي
كم علوماً بثثتها في أناس ... علموا ما بثثت عند الزوال ٤٧٣ (١)
حافي رأسه النحوي
محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمر، العلامة جمال الدين التلمساني؛ محيي الدين النحوي (٢) المعروف بحافي رأسه.
كان من أئمة العربية، وكان يحفظ " الإيضاح " للفارسي، ويقرئ بداره.
ولد بتلمسان سنة ست وستمائة وسمع من ابن رواج (٣) وجماعة، وتصدر للاشتغال زماناً، أخذ عنه تاج الدين الفاكهاني وجماعة.
стр. 1296
ولقب بحافي رأسه لحفرة كانت في رأسه (١) ، وقيل لأنه كان في أول أمره مكشوف الرأس، وقيل رآه رئيس في الثغر فأعطاه ثياباً جدداً لبدنه فقال: هذا لبدني ورأسي حافي!؟ فأمر له بعمامة، فلقب بحافي رأسه.
ومن شعره:
ومعتقد أن الرياسة في الكبر ... فأصب ممقوتاً بها وهو لا يدري
يجر ذيول الكبر طالب رفعة ... ألا فاعجبوا من طالب الرفع بالجر وقال أيضاً:
يا منكراً من بخل الثغر ما ... عرف الورى أنكرت ما لا ينكر
أقصر فقد صحت نتانة أهله ... ومن الثغور كما علمت الأبخر وقال أيضاً:
ومعلمي الصبر الجميل بهجره ... فثنى فؤاداً عنه لم يك ينثني
لا بد من أجر لكل معلم ... وإلى السلو ثواب ما علمتني وكتب إلى الأمير نور الدين علي بن مسعود الصوابي:
شكوت إليك نور الدين حالي ... وحسبي أن أرى وجه الصواب " ي "
وكتبي بعتها ورهنت حتى ... بقيت من المجوس بلا كتاب وتوفي سنة ثمانين وستمائة، رحمه الله تعالى وعفا عنا وعنه.
стр. 1297
٤٧٤ - (١)
ابن حواري الحنفي
محمد بن عبد المنعم بن نصر الله بن جعفر بن أحمد بن حواري، الشيخ تاج الدين أبو المكارم التنوخي المعري الأصل الدمشقي الحنفي، ويعرف بابن شقير، الأديب الشاعر؛ ولد سنة ست وستمائة، وهو أخو المحدث الأديب نصر الله، وكانت وفاة تاج الدين سنة تسع وستين وستمائة.
ومن شعره:
ما ضر قاضي الهوى العذري حين ولي ... لو كان في حكمه يقضي علي ولي
وما عليه وقد صرنا رعيته ... لو أنه مغمد عنا ظبا المقل
يا حاكم الحب لا تحكم بسفك دمي ... إلا بفتوى فتور الأعين النجل
ويا غريم الأسى الخصم الألد هوى ... رفقاً علي فجسمي في هواك بلي
أخذت قلبي رهناً يوم كاظمة ... على بقايا دعاو للهوى قبلي
ورمت مني كفيلاً بالأسى عبثاً ... وأنت تعلم أني بالغرام ملي
وقد قضى حاكم التبريج مجتهداً ... علي بالوجد حتى ينقضي أجلي
لذا قذفت شهود الدمع فيك عسى ... أن الوصال بجرح الجفن يثبت لي
لا تسطون بعسال القوام على ... ضعفي فما آفتي إلا من الأسل
هددتني بالقلى حسبي الجفا وكفى ... " أنا الغريق فما خوفي من البلل " وقال أيضاً:
أما الوفاء فشيء ليس يتفق ... من بعد ما خنت يا قلبي بمن أثق
أغراك طرفي بما أغراك من فتن ... حتى سبتك القدود الهيف والحدق
стр. 1298
وقد تشاركتما في فتح باب الهوى ... سدت على سلوتي من دونه الطرق
سعيتما في دمي بغياً فيا لكما ... لفرط بغيكما التبريح والأرق
حتام لا ترعوي يا قلب ذب كمداً ... فحسبك المزعجان الشوق والقلق (١)
تبيت (٢) صباً كئيباً نهب جند هوى ... لا قاتلي بك طول الدهر معتلقي
طوراً بنجد وأحياناً بكاظمة ... وتارة لك يبدو بالحمى علق
وكل يوم تعنيني إلى أمل ... من دونه المرهفات البيض تمتشق
أبكي لكي تنطفي من أدمعي حرقي ... وكلما فاض دمعي زادت الحرق
وكنت أشكو ولي صبر ولي رمق ... فكيف حالي ولا صبر ولا رمق وقال أيضاً:
وغزال سبا فؤادي منه ... ناظر راشق وقد رشيق
ريقه رائق السلافة والثغ ... ر حباب وخده الراووق
حل صدغيه ثم قال أفرق ... بين هذين؟ قلت فرق دقيق وقال أيضاً:
واحيرة القمرين منه إذا بدا ... وإذا انثنى يا خجلة الأغصان
كتب الجمال ويا له من كاتب ... سطرين من خديه بالريحان " ي " وكان تاج الدين يلقب بالهدهد، فأعطاه الملك الناصر ضيعة على نهر ثورا (٣) ، فحسده جماعة وسعوا على إخراجها من يده، فكتب إلى الملك الناصر:
ما قدر داري في البناء فسعيهم ... في هدمها قد زاد في مقدارها
стр. 1299
هب أنها إيوان كسرى رفعة ... أو ما بجودك كان أصل قرارها
فاكتب بأني لا أعارض كاتب ... عصب يضن علي في إنكارها (١)
فالنص جاء عن النبي محمد ال ... هادي: " أقروا الطير في أوكارها " وقال أيضاً ذوبيت:
أقسمت برشق المقلة النباله ... قلبي وبلين القامة العساله
ما ألبسني حلة وضنى ... يا هذه سوى جفونك القتاله ٤٧٥ (٢)
شهاب الدين ابن الخيمي
محمد بن عبد المنعم بن محمد، شهاب الدين " ابن " الخيمي الأنصاري، اليمني الأصل، المصري الدار؛ حدث بجامع الترمذي عن ابن البناء المكي، وحدث بكثير من مروياته، روى عن الصقلي (٣) وابن منير وابن الظاهري، وكان هو المقدم على شعراء عصره مع المشاركة في كثير من العلوم، وشعره في الذروة، وكان يعاني الخدم الديوانية، وباشر وقف مدرسة الشافعي ومشهد الحسين، وفيه أمانة ومعرفة، وكان معروفاً بالأجوبة المسكتة، ولم يعرف عنه غضب، عاش اثنتين وثمانين سنة، وكانت وفاته بالقاهرة سنة خمس وثمانين وستمائة.
стр. 1300
اتفق أن نجم الدين ابن إسرائيل حج، فرأى ورقة ملقاة فيها القصيدة التي لابن الخيمي البائية المشهورة فادعاها. قال قطب الدين اليونيني في تاريخه: إن ابن إسرائيل وابن الخيمي اجتمعا بعد ذلك بحضرة جماعة من الأدباء، وجرى الحديث، فتحاكما إلى شرف الدين ابن الفارض فقال: ينبغي لكل واحد منكما أن ينظم أبياتاً على هذا الوزن والروي، فنظم ابن الخيمي:
لله قوم بجرعاء الحمى غيب ... القصيدة ... ونظم ابن إسرائيل:
لم يقض من حقكم بعض الذي يجب ... القصيدة ... فلما وقف عليهما ابن الفارض قال لابن إسرائيل:
لقد حكيت ولكن فاتك الشنب ... وحكم بالقصيدة لابن الخيمي، واستجاد بعض الحاضرين أبيات ابن إسرائيل وقال: من ينظم مثل هذا ما الحامل له على (١) ادعاء ما ليس له؟ فابتدر ابن الخيمي وقال: هذه سرقة عادة لا سرقة حاجة، وانفصل المجلس وسافر ابن إسرائيل لوقته من الديار المصرية، وطلب ابن خلكان وهو نائب الحكم بالقاهرة الأبيات من ابن الخيمي، فكتبها له وذيل في آخرها أبياتاً، وسأله الحكم بينه وبين من ادعاها:
والقصيدة المدعاة هي هذه:
يا مطلباً ليس لي في غيره أرب ... إليك التقصي وانتهى الطلب
" وما طمحت لمرأى أو لمستمع ... إلا المعنى إلى علياك ينتسب "
وما أراني أهلاً أن توصلني ... حسبي علواً بأني فيك مكتئب
لكن ينازع شوقي تارة أدبي ... فأطلب الوصل لما يضعف الأدب