وأرتوي من زمزم فهي لي ... أرق من ريق المها ريا وقال أيضاً (١) :
تمنيت أن الشيب عاجل لمتي ... وقرب مني في صباي مزاره
فآخذ من عصر الشباب نشاطه ... وآخذ من عصر المشيب وقاره وقال أيضاً (٢) :
عطيته إذا أعطى سرور ... فإن سلب الذي أعطى أثابا
فأي النعمتين أعد فضلاً ... وأحمد عند عقابها إيابا
أنعمته التي كانت سروراً ... أم الأخرى التي جلت ثوابا وقال يمدح رسول الله ﷺ (٣) :
لم يبق لي أمل سواك فإن يفت ... ودعت أيام الحياة وداعا
لا أستلذ لغير وجهك منظراً ... وسوى حديثك لا أريد سماعا وقال أيضاً (٤) :
أتعبت نفسك بين لذة كادح ... طلب الحياة وبين حرص مؤمل
وأضعت نفسك لا خلاعة ماجن ... حصلت فيه ولا وقار مبجل
وتركت حظ النفس في الدنيا وفي ال ... أخرى ورحت عن الجميع بمعزل وقال أيضاً (٥) :
لعمري لقد قاسيت بالفقر شدة ... وقعت بها في حيرة وشتات
стр. 1332
فإن بحت بالشكوى هتكت مروءتي ... وإن لم أبح بالصبر خفت مماتي
وأعظم به من نازل بملمة ... يزيل حيائي أو يزيل حياتي وقال أيضاً ذوبيت (١) :
الجسم تذيبه حقوق الخدمه ... والقلب عذابه علو الهمه
والعمر بذاك ينقضي في تعب ... والراحة ماتت فعليها الرحمه وقال أيضاً (٢) :
يا عصر شبيبتي ولهوي أرأيت ... ما أسرع ما انقضيت عني ومضيت
قد كنت مساعدي على كيت وكيت ... واليوم فلو رأيت حالي لبكيت وقال أيضاً (٣) :
أفكر في حالي وقرب منيتي ... وسيري حثيثاً في مصيري إلى القبر
فينشئ لي فكري سحائب للأسى ... تسح هموماً دونها وابل القطر
إلى الله أشكو من وجودي فإنني ... تعبت به مذ كنت في مبتدا العمر
نروح ونغدو والمنايا فجائع ... تكدره والموت خاتمة الأمر وله أيضاً (٤) :
سحائب فكري لا يزال هامياً ... وليل همي لا أراه راحلا
قد أتعبتني همتي وفطنتي ... فليتني كنت مهيناً جاهلا وقال أيضاً (٥) :
стр. 1333
كم ليلة فيك وصلنا السرى ... لا نعرف الغمض ولا نستريح
وكلت العيس وجد الهوى (١) ... واتسع الكرب وضاق الفسيح
وكادت الأنفس مما بها ... تزهق والأرواح منا تطيح
واختلف الأصحاب ماذا الذي ... يزيل من شكواهم أو يريح
فقيل تعريسهم ساعة ... وقلت بل ذكراك وهو الصحيح وقال أيضاً (٢) :
يا معرضاً عني ولست بمعرض ... بل ناقضاً عهدي وليس بناقض
أتعبتني بخلائق لك لم يفد ... فيها وقد جمحت رياضة رائض
أرضيت أن تختار رفضي مذهباً ... فتشنع الأعداء أنك رافضي وقال أيضاً (٣) :
قد جرحتنا يد أيامنا ... وليس غير الله من آس
فلا ترج الخلق في حاجة ... ليسوا بأهل لسوى الياس
ولا تزد شكوى إليهم فلا ... معنى لشكواك إلى قاس
وإن تخالط منهم معشراً ... هويت في الدين على الراس
يأكل بعض لحم بعض ولا ... يخاف (٤) في الغيبة من باس
لا ورع في الدين يحميهم ... عنها ولا حشمة جلاس
فاهرب من الناس إلى ربهم ... لا خير في الخلطة بالناس وقال أيضاً (٥) :
стр. 1334
إذا كنت في نجد وطيب نسيمها ... تذكرت أهلي باللوى فمحجر
وإن كنت فيهم ذبت شوقاً ولوعة ... إلى ساكني نجد وعيل تصبري
وقد طال ما بين الفريقين قصتي ... فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري وقال أيضاً نظماً في بعض الوزراء (١) :
مقبل مدبر بعيد قريب ... محسن مذنب عدو حبيب
عجب من عجائب البر والبح ... ر ونوع فرد وشكل غريب وقال أيضاً (٢) :
ذروا في السرى نحو الجناب الممنع ... لذيذ الكرى واجفوا له كل مضجع
وأهدوا إذا جئتم إلى خير مربع ... تحية مضنى هائم القلب موجع سريع إلى داعي الصبابة طيع ...
يقوم بأحكام الهوى ويقيمها ... فكم ليلة قد نازلته همومها
فسامرها حتى تولت نجومها ... له فكرة فيمن يحب يديمها وطرف إلى اللقيا كثير التطلع ...
وكم ذاق في أحواله طعم محنة ... وكم عارضته من مواقف فتنة
وكم أنة يأتي بها بعد أنة ... تنم على سر له في أكنة وتخبر عن قلب له متقطع ...
ففي صبره شوق أقام ملازما ... وحب يحاشي أن يطيع اللوائما
وجفن يرى أن لا يرى الدهر نائما ... وعقل ثوى في سكره الحب دائما وأقسم أن لا يستفيق ولا يعي ...
أقام على بعد المزار متيما ... وأبكاه برق بالحجاز تبسما
стр. 1335
وشوقه أحبابه نظر الحمى ... دعوه لأمر دونه تقطر الدما فيا ويح نفس الصب ماذا له دعي ...
له عند ذكر المنحنى سفح عبرة ... وبين الرجا والخوف موقف عبرة
فحيناً يوافيه النعيم بنظرة ... وحيناً ترى في قلبه نار حسرة يجيء إليه الموت من كل موضع ...
سلام على صفو الحياة وطيبها ... إذا لم تفز عيني بلقيا حبيبها
ولم تحظ من إقباله بنصيبها ... ولا استعطفته عبرتي بصبيبها ولا وقعت شكواي منه بموقع ...
موكل طرفي بالسهاد المؤرق ... ومجري دموعي كالحيا المتدفق
وملهب وجد في فؤادي محرق ... " بعينك ما يلقى الفؤاد وما لقي " (١) وعندك ما تحوي وتخفيه أضلعي ...
أضرب بي البلوى وذو الحب مبتلى ... يعالج داء بين جنبيه معضلا
ويثقله من وجده ما تحملا ... وتبعثه الشكوى فيشتاق منزلا به يتلقى راحة المتودع ...
مقر الذي دل الأنام بشرعه ... على أصل دين الله حقاً وفرعه
به انضم شمل الدين من بعد صدعه ... لنا مذهب العشاق في قصد ربعه نقيم به رسم البكا والتضرع ...
تحل به الأنوار ملء رحابه ... ومستودع الأسرار عند صحابه
هداية من يحتار تأميل بابه ... وتشريف من يختار قصد جنابه بتقبيله وجه الثرى المتضوع ...
стр. 1336
أقام لنا شرع الهدى ومناره ... وألبسنا ثوب التقى وشعاره
وجنبنا جور العمى وعثاره ... سقى الله عهد الهاشمي وداره سحاباً من الرضوان ليس بمقلع ...
بني العز للتوحيد من بعد هذه ... وأوجب ذل المشركين بجده
عزيز قضى رب السماء بسعده ... وأيده عند اللقاء بجنده فأورده للنصر أعذب مشرع ...
أقول لركب سائرين ليثرب ... ظفرتم بتقريب النبي المقرب
فبثوا إليه كل شكوى ومتعب ... وقصوا عليه كل سؤال ومطلب فأنتم بمرأى للرسول ومسمع ...
أما والذي آتاه مجداً مؤثلا ... لقد كان كهفاً للعفاة ومعقلا
يبوئهم ستراً من الحلم مسدلا (١) ... ويمطرهم غيثاً من الجود مسبلا وينزع في إكرامه كل منزع ...
لقد شرف الدنيا قدوم محمد ... وألقى بها أنوار حق مؤبد
يزين به وراثة كل مشهد ... فهم بين هاد للأنام ومهتدي ومثبت أصل في الهدى ومفرع ...
سلام على من شرف الله قدره ... سلام محب عمر الدهر سره
له مطلب أفنى تمنيه عمره ... وحاجات نفس لا تجاوز صدره أعد لها جاه الشفيع المشفع ... وقال أيضاً (٢) :
... شطر ثاني
آه من حيرة الفراق ويا حس ... رة من خاب بعد ما قد تمنى
ليت شعري أكان هجري لمعنى ... عند أهل العقيق أم لا لمعنى
стр. 1337
٤٨٧ - (١)
الشمس الدهان
محمد بن علي بن عمر المازني الدهان، الشيخ شمس الدين الدمشقي الشاعر؛ كان يعمل صناعة الدهان وينظم الشعر الرقيق ويدري الموسيقى ويعمل الشعر ويلحنه ويغني به المغنون (٢) . وكان يلعب القانون.
توفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وكان قد ربى مملوكاً وهذبه وأحبه حباً مفرطاً، فمات فأسف عليه أسفاً عظيماً ورثاه بشعر كثير، غنى به ونقله المغنون، من ذلك:
تيم قلبي وزادني أسفا ... بدر به البدر قد غدا كلفا
مهفهف القد لين قامته ... علم غصن الأراكة الهيفا
يا راحلاً أودع الحشا حرقاً (٣) ... كدت بها أن أشارف التلفا
بعدك دمعي قد كاد يغرقني ... وكلما قلت قد كفى وكفا وقال أيضاً موشح:
يا أبي غصن بانة حملا ... بدر دجى بالجمال قد كملا أهيف فريد حسن ما ماس أو سفرا ... إلا أغار القضيب والقمرا ... يبدي لنا بابتسماه دررا ...
стр. 1338
في شهد لذ طعمه وحلا ... كأن أنفاسه نسيم طلا قرقف مورد الخد فاتر المقل ... يفوق ظبي الكناس بالحمل ... وينثني كالقضيب في الميل ...
من حمل ردف مثل الكثيب علا ... نيط بحصر كأضلعي نحلا مخطف ظبي من الترك يقنص الأسدا ... مقرطق قد أذابني كمدا ... حاز بديع الجمال فانفردا ...
واهاً لون لو أجار أو عدلا لمستهام ... بهجره نحلا مدنف غزال سرب جمال شرك ... ستر اصطباري عليه منهتك ... لكل قلب هواه منتهك ...
علم قلبي الولوع والغزلا ... طرف له بالفتور قد كحلا أوطف لله يوم به الزمان وفى ... إذ من بالوصل بعد طول جفا ... حتى إذا ما اطمأن وانعطفا ...
أسفر عنه اللثام ثم جلا ... ورداً بغير اللحاظ من فلا يقطف فظلت من فرط شدة البرح (١) ... ذا زارني والرقيب لم يلح ... ألثم أقدامه من الفرح ...
وقلت إذ عن صدوده عدلا ... أهلاً بعد جفوة وقلى أسعف
стр. 1339
(١) ٤٨٨
كمال الدين ابن الزملكاني
محمد بن علي بن عبد الله الواحد، الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة ذو الفنون جمال الإسلام، كمال الدين ابن الزملكاني (٢) الأنصاري السماكي الدمشقي، كبير الشافعية في عصره؛ ولد في شوال سنة سبع وستين وستمائة، وسمع من ابن علان والفخر علي وابن الواسطي وابن القواس، وطلب الحديث وقرأه، وكان فصيحاً متشرعاً (٣) ، وكان بصيراً بالمذهب وأصوله، قوي العربية، قد أتقنها ذكاء ودربها، ذكياً صحيح الذهن صائب الفكر، تفقه على الشيخ تاج الدين، وأفتى وله نيف وعشرون (٤) سنة، وكان يضرب بذكائه المثل، وقرأ العربية على الشيخ بدر الدين ابن مالك وقرأ على قاضي القضاة شهاب الدين الحويي وقاضي القضاة بهاء الدين ابن الزكي وعلى شمس الدين الأيكي وصفي الدين الهندي، وحفظ " التنبيه " و " المنتخب " في أصول الفقه، و " المحصل " في أصول الدين، وغير ذلك، وكتب المنسوب.
وكان شكله حسناً ومنظره رائعاً وتجمله في بزته وهيئته غاية، وشيبته منورة بنور الإسلام يكاد الورد يلقط من وجنتيه، وعقيدته صحيحة متمكنة أشعرية،
стр. 1340
وفضائله عديدة، وفواضله ربوعها مشيدة، وكان كريم النفس عالي الهمة، حشمته وافرة.
صنف أشياء: منها " رسالة في الرد على الشيخ تقي الدين ابن تيمية في مسألة الطلاق " و " رسالة في الرد علي في مسألة الزيارة " (١) ورسالة سماها " رابع أربعة " نظماً ونثراً، وشرح قطعة جيدة من " المنهاج " (٢) .
وتخرج به الأصحاب وانتفع به الطلبة، ودرس بالشامية البرانية والظاهرية والرواحية، وولي نظر ديوان الأفرم ونظر الخزانة ووكالة بيت المال، وكتب في ديوان الإنشاء ووقع في الدست، وله الإنشاء الجيد والتواقيع المليحة. نقل إلى قضاء (٣) القضاة بحلب ومدارسها فأقام بها أكثر من سنتين واشتغلوا عليه الحلبيين (٤) ، ثم إن السلطان طلبه من حلب ليوليه قضاء دمشق لما نقل قاضي القضاة جلال الدين القزويني إلى مصر، وفرح الناس بذلك، فمرض في الطريق وأدركه الأجل في بلبيس في سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبعمائة، قيل إنه سم في الطريق، وعند الله تجتمع الخصوم.
وحكى ولده تقي الدين أن والده الشيخ كمال الدين قال له: يا ولدي، أنا والله ميت ولا أتولى لا مصر ولا غيرها، وما بقي بعد حلب ولاية أخرى لأنه في الوقت الفلاني حضر إلى دمشق فلان الصالح فترددت إليه وخدمته وطلبت منه التسليك، فأمرني بالصوم مدة، ثم أمرني بصيام ثلاثة أيام أفطر فيها على الماء واللبان الذكر، وكان آخر ليلة في الثلاث ليلة النصف من
стр. 1341
شعبان، فقال لي: الليلة تجي إلى الجامع تتفرج أو تخلو بنفسك؟ فقلت: أخلو بنفسي، فقال جيد، ولا تزال تصلي حتى أجي إليك، فخلوت بنفسي أصلي ساعة جيدة، فلما كنت في الصلاة إذا به قد أقبل، فلم أبطل الصلاة، وإذا قد خيل لي قبة عظيمة بين السماء والأرض، وظاهرها معارج ومراقي، والناس يصعدون فيها من الأرض إلى السماء، فصعدت معهم، فكنت أرى على كل مرقاة مكتوباً: نظر الخزانة، وعلى أخرى وأخرى وأخرى: وكالة بيت المال، التوقيع، المدرسة الفلانية، قضا حلب، فلما وصلت إلى هذه المرقاة أشفقت (١) من تلك الحالة، ورجعت إلى حسي، وبت ليلتي، فلما اجتمعت بالشيخ قال: كيف كانت ليلتك؟ جيت إليك وما قصرت لأنك ما اشتغلت بي، والقبة التي رأيتها هي الدنيا، والمراقي هي المراتب والوظايف (٢) والأرزاق، وهذا الذي رأيته كله تناله والله يا عبد الرحمن؛ كل شيء قد رأيته نلته، وكان آخر الكل قضا حلب، وقد قرب الأجل.
وكان الشيخ كمال الدين كثير التخيل شديد الاحتراز، يتوهم أشياء بعيدة ويبني عليها، وتعب بذلك وعودي وحسد وعمل عليه، ولطف الله به، ﵀.
ومن نظمه قصيدة يذكر فيها الكعبة المعظمة، ويمدح النبي ﷺ :
أهواك يا ربة الأستار أهواك ... وإن تباعد عن مغناي مغناك
وأعمل العيس والأشواق ترشدني (٣) ... عسى يشاهد معناكي معناك
تهوي بها البيد لا تخشى الضلال وقد ... هدت ببرق الثنايا الغر مضناك
стр. 1342
تشوقها نسمات الصبح سارية ... تسوقها نحو رؤياك برياك
يا ربة الحرم العالي الأمين لمن ... وافاه من أين هذا الأمن لولاك
إن شبهوا الخال بالمسك الذكي فه ... ذا الحال من رؤية المحكي والحاكي
أفدي بأسود قلبي نور أسوده ... من لي بتقبيله من بعد يمناك
إني قصدتك لا ألوي على بشر ... ترمي النوى بي سراعاً نحو مرماك
وقد حططت رحالي في حماك عسى ... تنحط أثقال أوزاري (١) بلقياك
كما حططت بباب المصطفى أملي ... وقلت للنفس بالمأمول بشراك
محمد خير خلق الله كلهم ... وفاتح الخير ما حي كل إشراك
سما بأخمصه فوق السماء فكم ... أوطا أسافلها من علو أفلاك
ونال مرتبة ما نالها أحد ... من أنبياء ذوي فضل وأملاك
يا صاحب الجاه عند الله خالقه ... ما رد جاهك إلا كل أفاك
أنت الوجيه على رغم العدا أبداً ... أنت الشفيع لفتاك ونساك
يا فرقة الزيغ لا لقيت صالحة ... ولا سقى الله يوماً قلب مرضاك
ولا حظيت بجاه المصطفى أبداً ... ومن أعانك في الدنيا ووالاك
يا أفضل الرسل يا مولى الأنام ويا ... خير الخلائق من إنس وأملاك
ها قد قصدتك أشكو بعض ما صنعت ... بي الذنوب وهذا ملجأ الشاكي
قد قيدتني ذنوب من بلوغ مدى ... قصدي إلى الفوز منها فهي أشراكي
فاستغفر الله لي واسأله عصمته ... فيما بقي وغنى من غير إمساك
عليك من ربك الله الصلاة كما ... منا عليك السلام الطيب الزاكي وعمل على هذه القصيدة كراريس وسماها " عجالة الراكب " (٢) .
стр. 1343
ومن شعره:
يا سائق الظعن قف بي هذه الكثب ... عساي أقضي بها ما للهوى يجب
فثم حي حياتي في خيامهم ... فالموت إن بعدوا والعيش إن قربوا
لي فيهم قمر في القلب منزله ... لكن طرفي له بالعبد يرتقب
لدن القوام رشيق القد ذو هيف ... شطر ثاني
شطر أول ... تغار من لينه الأغصان والقضب
حلو المقبل معسول مراشفه ... يجول فيها رضاب طعمه الضرب
لا غرو إن راح نشواناً (١) ففي فمه ... خمر ودر ثناياه لها حبب
ولائم لامني في البعد عنه وفي ... قلبي من الشوق نيران لها لهب
فقلت إن صروف الدهر تصرفني ... عما أروم فمالي في النوى سبب
ومذ رماني زماني بالبعاد ولم ... يرحم خضوعي ولما يبق لي نشب ولما توفي إلى رحمة تاريخ رثاه الشيخ جمال الدين ابن نباتة بقصيدة أولها (٢) :
بلغا القاصدين أن الليالي ... قبضت جملة العلا بالكمال
وقفا في مدارس العقل والنق؟ ... ل ونوحاً معي على الأطلال
سائلها عسى يجيب صداها ... أين ولي مجيب أهل السؤال
أين ولي بحر العلوم وأبقى ... بين أجفاننا الدموع لآلي
أين ذاك الذهن الذي قد ورثنا ... عنه ما في الحشا من الاشتعال (٣)
أين تلك الأقلام يوم انتصار ... كعوالي الرماح يوم النزال
ينقل الناس عن حديث هداها ... طرق العلم عن متون العوالي
وتفيد الجنى من اللفظ حلواً ... حين كانت نوعاً من العسال
стр. 1344
(١) ٤٨٩
المنصور صاحب حماة
محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب، السلطان الملك المنصور ابن الملك المظفر تقي الدين ابن الأمير نور الدولة، صاحب حماة وابن صاحبها؛ سمع الحديث بالإسكندرية من السلفي، وكان شجاعاً، يحب العلماء، وجمع تاريخاً على السنين في عدة مجلدات، فيه فوائد.
قال شهاب الدين القوصي: قرأت عليه قطعة من كتابه " مضمار الحقائق وسر الخلائق " (٢) وهو كبير نفيس يدل على فضله، لم يسبق إلى مثله وله كتاب " طبقات الشعراء " (٣) يكون في عشر مجلدات، وجمع من الكتب ما لا مزيد عليه، وكان في خدمته ما يناهز مائتي متعمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمشتغلين بالحكمة والمنجمين والكتاب. وأقامت دولته ثلاثين سنة؛ وتوفي سنة " سبع " (٤) عشرة وستمائة، ﵀.
ومن شعره:
سحا الدموع فإن القوم قد بانوا ... وأقفر الصبر لما أقفر البان
وأسعداني بدمع بعد بينهم ... فالشان لما نأوا عني له شان
стр. 1345
لا تبعثوا في نسيم الريح نشركم ... فإنني من نسيم الريح غيران
سقاهم الغيث من قبلي كاظمة ... سحاً وروى ثراهم أينما كانوا وقال:
ادعني باسمها فإني مجيب ... وادر أني مما تحب قريب
حكم الحب أن أذل لديها ... نخوة الملك، والغرام عجيب وقال:
أربي راح وريحا ... ن ومحبوب وشادي
والذي ساق لي المل ... ك له دفع الأعادي ٤٩٠ (١)
الشيخ صدر الدين ابن الوكيل
محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد، الشيخ الإمام العالم العلامة ذو الفنون، البارع صدر الدين ابن المرحل، ويعرف في الشام بابن الوكيل (٢) ، المصري الأصل العثماني الشافعي، أحد الأعلام وفريد أعاجيب الزمان في الذكاء والحافظة والذاكرة؛ ولد في شوال سنة خمس وستين بدمياط، وتوفي بالقاهرة سنة ست عشرة (٣) وسبعمائة. رثاه جماعة من شعراء مصر
стр. 1346
والشام وحصل التأسف عليه، وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية لما بلغه وفاته: أحسن الله عزاء المسلمين فيك يا صدر الدين.
نشأ بدمشق وتفقه بوالده وبالشيخ شرف الدين المقدسي. وأخذ الأصول عن صفي الدين الهندي وسمع من القاسم الإربلي والمسلم بن علان وجماعة، وكان له عدة محفوظات، قيل إنه حفظ " المفصل " في مائة يوم ويوم، و " المقامات الحريرية " في خمسين يوماً، و " ديوان المتنبي " على ما قيل في جمعة واحدة، وكان من أذكياء زمانه، فصيحاً مناظراً، لم يكن أحد من الشافعية يقوم بمناظرة الشيخ تقي الدين ابن تيمية غيره، وتخرج به الأصحاب والطلبة، وكان بارعاً في العقليات. وأما الفقه وأصول الفقه فكانا قد بقيا له طباعاً لا يتكلفهما.
أفتى (١) ودرس وبعد صيته؛ ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية سبع سنين وجرت له أمور وتنقلات، وكان مع اشتغاله يتنزه ويعاشر، ونادم الأفرم نائب دمشق، ثم توجه إلى مصر وأقام بها إلى أن عاد السلطان من الكرك سنة تسع وسبعمائة، فجاء بعد ما خلص من واقعة الجاشنكير، فإنه نسب إليه منها أشياء، وعزم الصاحب فخر الدين ابن الخليلي على القبض عليه تقرباً إلى خاطر السلطان، فلما أحس بذلك فر إلى السلطان على طريق البدرية ودخل على السلطان وهو بالرمل، فعفا عنه، وجاء إلى دمشق وتوجه إلى حلب وأقرأ بها ودرس وأقبل عليه الحلبيون إقبالاً زائداً، وعاشرهم، وكان محظوظاً (٢) ، لم يقع بينه وبين أحد من الكبار إلا وعاد من أحب الناس فيه.
وكان حسن الشكل تام الخلق حسن البزة حلو المجالسة طيب المفاكهة، وعنده كرم مفرط، كل ما يحصل له ينفقه بنفس متسعة ملوكية، وكان يتردد إلى الصلحاء ويلتمس دعاءهم ويطلب بركتهم.
стр. 1347
قيل (١) إنه وقف له فقير - وكانت ليلة عيد - وقال له: شي لله، فالتفت إلى غلامه، وقال: إيش معك؟ قال: مائتا درهم، قال: ادفعها إلى هذا الفقير، فقال له: يا سيدي الليلة العيد وما معنا شي ننفقه غداً، فقال: امضي إلى القاضي كريم الدين وقول له: الشيخ يهنيك بالعيد، فلما راى كريم الدين غلام الشيخ قال: كأن الشيخ يعوز نفقة في هذا العيد، ودفع له ألفين درهم وثلثمائة للغلام، فلما حضر إلى الشيخ قال: صدق رسول الله ﷺ : الحسنة بعشرة، مائتان بألفين.
وكان له مكارم كثيرة ولطفاً زايداً (٢) وحسن عشرة؛ وأما أوائل عشرته فما كان لها نظير، لكنه ريما يحصل عنده ملل في آخر الحال، حتى قال فيه القائل:
وداد ابن الوكيل له شبيه ... بلبادين جلق في المسالك
فأوله حلي ثم طيب ... وأخره زجاج مع لوالك (٣) وشعره مليح إلى الغاية، وكان ينظم الشعر والموشح والذوبيت والمخمس والزجل والبليق؛ ومن تصانيفه ما جمعه في سفينة وسماه " الأشباه والنظائر "، يقال إنه شيء غريب، وعمل مجلدة في السؤال الذي حضر من عند أسندمر نائب طرابلس في الفرق بين الملك والنبي والشهيد والولي والعالم.
ومن شعره قصيدة بائية أولها:
ليذهبوا في ملامي أية ذهبوا ... في الخمر (٤) لا فضة تبقى ولا ذهب
لا تأسفن على مال تمزقه ... أيدي سقاة الطلا والخرد العرب
стр. 1348
فما كسوا راحتي من راحها حللاً ... إلا وعروا فؤادي الهم واستلبوا
راح بها راحتي في راحتي حصلت ... فتم عجبي بها وازداد لي العجب
إذ ينبع الدر من حلو مذاقته ... والتبر منسبك في الكأس منسكب
وليست الكيميا في غيرها وجدت ... وكل ما قيل في أبوابها كذب
قيراط خمر على القنطار من حزن ... يعود في الحال أفراحاً وينقلب
عناصر أربع في الكأس قد جمعت ... وفوقها الفلك السيار والشهب
ماء ونار هواء أرضها قدح ... وطوقها فلك والأنجم الحبب
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل ... بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب
شججت بالماء منها الرأس موضحة ... فحين أعقلها بالخمس لا عجب
وما تركت بها الخمس التي وجبت ... وإن رأوا تركها من بعض ما يجب
ولن أقطب وجهاً حين تبسم لي ... فعند بسط الموالي يحسن (١) الأدب
عاطيتها من بنات الترك عاطية ... لحاظها للأسود الغلب قد غلبوا
هيفاء جارية للراح ساقية ... من فوق ساقية تجري وتنسرب٢ شطر ثاني
من وجهها وتثنيها وقامتها ... تخشى الأهلة والقضبان والقضب
يا قلب أردافها مهما مررت بها ... قف بي عليها وقل لي هذه الكثب
وإن مررت بشعر فوق قامتها ... بالله قلي لي كيف البان والعذب
تريك وجنتها ما في زجاجتها ... لكن مذاقته للريق تنتسب
تحكي الثنايا الذي أبدته من حبب ... " لقد حكيت ولكن قاتك الشنب " (٣) وقال أيضاً:
وعارض قد لام في عارض ... وطاعن يطعن في سنه
стр. 1349
وقال لي قد طلعت ذقنه (١) ... فقلت لا أفكر في ذقنه وقال وهو في غاية الحسن:
شب وحدي بشائب ... من سنا البدر أوجه
كلما شاب ينحني ... بيض الله وجهه وقال أيضاً:
ولما جلا فصل الخريف (٢) محاسناً ... وصف ماء النهر إذ غرد القمري
أتاه النسيم الرطب رقص دوحه ... فنقط وجه الماء بالذهب المصري وقال أيضاً:
عيرتني بالسقم طرفك مشبهي ... وتحول جسمي مثل خصرك ناحلا (٣)
وأراك تشمت إذ أتيتك سائلاً ... لا بد أن يأتي عذارك سائلا وقال في مليح به يرقان:
رأيت في طرفه اصفراراً ... سبا فؤادي فقلت مهلا
أيا مليك الأنام حسناً ... العفو من سيفك المحلى وهذا يشبه قول الوداعي (٤) :
قال قوم قد شانه يرقان ... قلت أخطأتم وحاشا وكلا
إنما الخد واللواحظ منه ... مصحف مذهب وسيف محلى وقال أيضاً (٥) :
стр. 1350
أقصى مناي أن أمر على الحمى ... ويلوح نور رياضه ويفوح
حتى أري سحب الحمى كيف البكا ... وأعلم الورقاء كيف تنوح وقال أيضاً:
بعيشك خل عاذلتي تلمني ... ومنها في ملامتها ومني
فإن نجحت فلا نجحت طريقي ... وأدركت المنية لا التمني
وإن خابت فلا خابت طريقي ... وإن كان الهو ثانيه عني
فيا غصن النقا ويجل قدراً ... قوامك ان أشبهه بغصن
لحاظك بالمها فتكت عناداً ... ولا تسأل عن الظبي الأغن
وعطفك قد كسا الأغصان وجداً ... فمالت بالهوى لا بالتثني
ورقت ورقها فبكت عليها ... وفي الأفنان أبدت كل فن
وقد طارحتها شجناً فلما ... بكيت صبابة أخذت تغني وقال أيضاً في مليح اسمه خليل:
تلك المعاطف أم غصون البان ... لعبت ذوائبها على الكثبان
وتضرحت تلك الحدود فوردها ... قد شق قلب شقائق النعمان
ما يفعل الموت المبرح في الورى ... ما تفعل الأحداق في الأبدان
أخليل قلبي وهو يوسف عصره ... قلبي الكليم رميت في النيران
قطعته مذ كان قلباً طائراً ... ودعوته فأتى بغير توان
يا نور عيني لا أراك وهكذا ... إنسان عيني لا يراه عياني وقال أيضاً:
أخفيت حبك عن جميع جوانحي ... فوشت عيوني والوشاة عيون
ووددت أن جوانحي وجوارحي ... مقل تراك وما لهن جفون
وودت دمع الخافقين لمقلتي ... حتى عزيز الدمع فيك يهون
يا ليت قيساً في زمان صبابتي ... حتى أريه العشق كيف يكون
стр. 1351
وقال أيضاً في مليح يلقب بالحامض:
وبديع الجمال معتدل القا ... مة كالغصن والقنا الأملود
لقبوه بحامض وهو حلو ... قول من لم يصل إلى العنقود وقال:
يا وجنة هي جنة قد زخرفت ... ورداً ومن آس العذار تخضرت
عين بنور جمال وجهك متعت ... وسوى جمالك أبصرت، لا أبصرت وقال ذوبيت (١) :
يا غاية منيتي ويا معشوقي ... من بعدك لم أمل إلى مخلوق
يا خير نديم كان لي يؤنسني ... من بعدك صلبت على الراووق وقال أيضاً:
في خدك خط مشرف الصدغ سطور ... والشاهد ناظر على الفتك يدور
يا عارضه بالشرع لا تقتلني ... الشاهد فاتك وذا خطك زور وقال:
تغنت في ذرى الأوراق ورق ... ففي الأفنان من طرب فنون
وكم بسمت ثغور الزهر عجباً ... وبالأكمام كم رقصت غصون وقال أيضاً:
وبي من قسا ولان معاطفاً ... إذا قلت أدناني بضاعف تبعيدي
أقر برق إذا أقول أنا له ... وكم قالها أيضاً ولكن لتهديدي وقال:
إذا قلت ثغرك صن باللثام ... يقول: سيحيميه صارم جفني
стр. 1352
وإن قلت قد صار من فتكه ... كليلاً يقول عذاري مسني وقال ذوبيت:
كم قال معاطفي حكتها الأسل ... والبيض سرقن ما حوته المقل
الآن أوامري عليهم حكمت ... البيض تحد والقنا تعتقل وقال:
عانقت وبالعناق يشفى الوجد ... حتى شفي الصب ومات الضد (١)
من أخمصه لثماً إلى وجنته ... حتى اشتكت القضب وضج الورد وقال موضح يعارض به السراج المحار:
ما أخجل قده غصون البان ... بين الورق
إلا سلب المها مع الغزلان ... حسن الحداق قاسوا غلطاً من حاز حسن البشر ... بالبدر يلوح في دياجي الشعر ... لا كيد ولا كرامة للقمر ...
الحب جماله مدى الأزمان ... معناه بقي
وازداد سناً وخص بالنقصان ... بدر الأفق الصحة والسقام في مقلته ... والجنة والجحيم في وجنته ... من شاهد يقول من دهشته ...
هذا وأبيك فر من رضوان ... شطر تحت الغسق
للأرض يعيذه من الشيطان ... رب الفلق
قد أنتبه الله ... نباتاً حسناً
стр. 1353
وازداد على المدى بهاء وسنا ... من جاد له بروحه ما غبنا ... قد زين حسنه مع الإحسان حسن الخلق ... لو رمت لحسنه شبيهاً (١) ثاني لم يتفق ... في نرجس لحظه وزهر الثغر ... روض نضر قطافه بالنظر ... قد دبج خده بنبت الشعر ... كالورد حواه ناعم الريحان بالطل سقي ... والقد يميل ميلة الأغصان للمعتنق ... أحيا وأموت في هواه كمدا ... من مات جوى في حب قد سعدا ... يا عاذل لا أترك وجدي أبدا ... لا تعذلني فكلما تلحاني زادت حرقي ... يستأهل من يهم (٢) بالسلوان ضرب العنق ... القد وطرفه قناة وحسام ... والحاجب واللحاظ قوس وسهام ... والثغر مع الرضاب كأس ومدام ... والدر منظم مع المرجان في فيه نقي ... قد رصع فوقه عقيق قان نظم النسق ... وأما موشحة السراج المحار فهي:
مذ شمت سنا الروق من نعمان ... باتت حدقي
стр. 1354
تذكي بمسيل دمعها الهتان ... نار الحرق ما أومض بارق الحمى أو خفقا ... إلا وأجد لي الأسى والحرقا ... هذا سبب لمحنتي قد خلقا ...
أمسي لوميضه بقلب عاني ... بادي القلق
لا أعلم في الظلام ما يغشاني ... غير الأرق أضني جسدي فراق إلف نزحا ... أفنى جلدي دمع عيني نزحا ... كم صحت وزند لوعتي قد قدحا ...
لم تبق يد السقام من جثماني ... غير الرمق
ما أصنع والسلو مني فاني ... والوجد بقي أهوى قمراً حلو مذاق القبل ... لم يكحل طرفه بغير الكحل ... تركي اللحظات بابلي المقل ...
زاهي الوجنات زائد الإحسان ... حلو الخلق
عذب الرشفات ساحر الأجفان ... ساجي الحدق ما حط لثامه وأرخى شعره ... أو هز معاطفاً رشاقاً نضره ... إلا ويقول كل راء نظره ...
هذا قمر بدا بلا نقصان ... تحت الغسق
أو شمس ضحى في غصن فينان ... غض الورق ما أبدع معنى لاح في صورته ... إيناع عذاره على وجنته ...
стр. 1355
لما سقي الحياة من ريقته ...
فاعجب لنبات خده الريحاني ... من حيث سقي
يضحي ويبيت وهو في النيران ... لم يحترق والسراج المحار عارض بهذا موشح أحمد الموصلي، وهو:
مذ غردت الورق على الأغصان ... بين الورق
أجرت دمعي وفي فؤادي العاني ... أذكت حرقي لما برزت في الدوح تشدو وتنوح ... أضحى دمعي بساحة السفح سفوح ... والفكر نديمي في غبوق وصبوح ...
قد هيجت الذي به أضناني ... منه قلقي
والقلب له من بعد صبري الفاني ... الوجد بقي ما لاح بريق رامة أو لمعا ... إلا وسحاب عبرتي قد همعا ... والجسم على المزمع هجري مزمعا ...
بالنازح والنازح عن أوطاني ... ضاقت طرقي
ما أصنع قد حملت من أحزاني ... ما لم أطق قلبي لهوى ساكنه قد خفقا ... والوجد حبيس واصطباري طلقا ... والصامت من سري بدمعي نطقا ...
في عشق منعم من الولدان ... أصبحت شقي
من جفوته، ولم يزر أجفاني ... غير الأرق فالورد مع الشقيق من خديه ...
стр. 1356
قد صانهما النرجس من عينيه ... والآس هو السياج من صدغيه ...
واللفظ وريق الأغيد الروحاني ... عند الحدق
حلوان على غصن من المران ... غض رشق الصاد من المقلة من حققه ... والنون من الحاجب من عرقه ... واللام من العارض من علقه ...
قد سطره بالقلم الريحاني ... رب الفلق
بالمسك على الكافور كالعنوان ... فوق الورق ما أبدع وضع الخال في وجنته ... خط الشكل الرفيع من نقطته ... قد حير إقليدس في هيئته ...
كالعنبر في نار الأسيل القاني ... للمنتشق
فاعجب لعبير وهو في النيران ... لم يحترق ومن موشحات الشيخ صدر الدين قوله:
صاح صاح الهزار ... قم نحث الكووس
قد تجلى النهار ... فاجل بنت القوس
ما علينا جناح ... إن فصل المصيف
قد تولى وراح ... وتولى الخريف
قم فذات الجناح ... ذات رمز لطيف
في اقتلاع الوقار ... من طروس الضروس
وانتهاب العقار ... وسرور النفوس
стр. 1357
زوج الما براح ... يا شبيه القمر
والشهود الملاح ... والولي المطر
والمغاني الفصاح ... ساكنات الشجر
وهي بكر تدار ... والسقاة الشموس
والحباب النثار ... فوق وجه العروس
إن عيشي الرغيد ... حين ألقى الصديق
وعذار جديد ... وسلاف عتيق
ثم ألقى شهيد ... بسيوف الرحيق
كم كذا ذا الفشار ... وخيوط الرؤوس
طاح عمري وطار ... في سماع الدروس وكان الشيخ صدر الدين عارفاً بالطب علماً لا علاجاً، فاتفق أن شكا إليه الأفرم سوء هضم، فركب له سفوفاً وأحضره، فلما استعمله أفرط في الإسهال (١) جداً، فأمسكه ممالكيه ليقتلوه، وأحضروا أمين الدين الحكيم لمعالجة الأفرم، فعالجه باستفراغ تلك المواد التي اندفعت وأعطاه أمراق الفراريج، ثم أعطاه الممسكات حتى صلح حاله، فلما صلحت حاله سأل الأفرم عن الشيخ صدر الدين فأخبروه المماليك ما فعلوا به، فأنكر ذلك عليهم ثم أحضره وقال له: يا صدر الدين، جيت تروحني غلطاً، فقال له سليمان الحكيم: يا صدر الدين اشتغل بفقهك ودع الطب، فغلط المفتي يستدرك وغلط الطبيب ما يستدرك، فقال الأفرم: صدق لك، لا تخاطر، ثم قال لمماليكه: مثل صدر الدين ما يتهم، والله الذي جرى عليه منكم أصعب مما جرى عليّ، وما أراد والله إلا الخير، ثم سير له
стр. 1358
جملة دراهم وقماش.
ولما أنكر البكري استعارة البسط والقناديل من الجامع العمري بمصر لبعض كنائس القبط في بعض مهماتهم، ونسب هذه الفعلة إلى كريم الدين، فطلع البكري إلى حضرة السلطان وكلمه في ذلك وأغلظ له في القول، وكاد يجوز ذلك على السلطان لو لم يحل بعض القضاة الحاضرين على البكري، وقال: ما قصر الشيخ، كالمستهزيء به، فحينئذ أغلظ السلطان له وأمر بقطع لسانه، فأتى الخبر إلى الشيخ صدر الدين وهو في زاوية السعودي، فطلع إلى القلع على حمار فاره اكتراه للسرعة، فرأى البكري وقد أخذ ليمضي فيه ما أمر، فلم يملك دموعه أن تساقطت على خده، واستمهل الشرطة، ثم صعد الأيوان والسلطان جالس به، وتقدم إلى السلطان من غير استئذان وهو باك، فقال له السلطان: خير يا صدر الدين فزاد بكاؤه ونحيبه ولم يقدر على مجاوبة السلطان، فلم يزل السلطان يرفق به ويقول له: خير، ما بك؟ إلى أن قدر على الكلام، فقال له: هذا البكري من العلماء الصلحاء، وما أنكر إلا في موضع الإنكار، ولكنه لم يحسن التلطف، فقال له السلطان: إي والله أنا أعرف أنه حطبة، وانفتح الكلام، ولم يزل الشيخ صدر الدين يرفق بالسلطان ويلاطفه حتى قال: خذه وروح وانصرف، هذا كله جرى والقضاة حضور وأمراء الدولة ملء الإيوان، وما فيهم من أعانه.
وكان إذا فرغ مما هو فيه مع أصحابه وعشراه قام وتوضأ وصلى ومرغ وجهه على التراب وبكى حتى يبل ذقنه بالدموع، ويستغفر الله تعالى ويسأله التوبة، رحمه الله تعالى.
стр. 1359
(١) ٤٩١
ابن اللبانة
محمد بن عيسى بن مح، أبو بكر اللخمي الأندلسي، الشاعر المشهور بابن اللبانة، وله كتاب " مناقل الفتنة " و " نظم السلوك في وعظ الملوك " و " سقيط الدرر ولقيط الزهر " في شعر بني عباد، وتوفي بميورقة في سنة سبع وخمسمائة. من شعره:
هلا ثناك علي قلب مشفق ... لترى فراشاً في فراش يحرق
أصبحت كالرمق الذي لا يرتجي ... وبقيت كالنفس الذي لا يلحق
وغرقت في دمعي عليك وعمني ... طوف فهل سبب به أتعلق
أو خدعة بتحية مقبولة ... في جنب موعدك الذي لا يصدق
أنت المنية والمنى، فيك استوى ... ظل الغمامة والهجير المحرق
لك قد ذابلة الوشيج ولونها ... لكن سنانك أكحل لا أزرق
ويقال إنك أيكة حتى إذا ... غنيت قيل هو الحمام الأورق
لو في يدي سحر وعندي نفثة ... لجعلت قلبك بعض يوم يعشق
لتذوق ما قد ذقت من ألم الهوى ... وترق لي مما تراه وتشفق وقال أيضاً يمدح المعتمد بن عابد:
بكت عند توديعي فما علم الركب ... أذاك سقيط الطل أم لؤلؤ رطب
стр. 1360
وتابعها سرب وإني لمخطيء ... نجوم الدياجي لا يقال لها سرب
لئن وقفت شمس النهار ليوشع ... لقد وقفت شمس الهوى لي والشهب
هفا بين عصف الريح والموج مثلما ... هفا بين أضلاعي يكوي به القلب
كأني قذى في مقلة وهو ناظر ... بها والمجاذيف التي حولها هدب منها في المديح:
حوى قصبات السبق (١) عفواً ولو سعى ... لها البرق خطفاً جاء من دونها يكبو
ويرتاح عند الجود (٢) حتى كأنه ... وحاشاه نشوان يلذ له الشرب
سألت أخاه البحر عنه فقال لي ... شقيقي إلا أنه البارد العذب وقال موشح (٣) :
في نرجس الأحداق ... وسوسن الأجياد
نبت الهوى مغروس ... بين القنا المياد
وفي نقا الكافور ... والمندل الرطب
والهودج المزرور ... بالوشي والعصب
قضب من البلور ... حمين بالقضب
نادى بها المهجور ... من شدة الحب
أذابت الأشواق ... روحي على أجساد
أعارها الطاووس ... من ريشه أبراد
كواعب أتراب ... تشابهت قداً
стр. 1361
عضت على العناب ... بالبرد الأندا (١)
أوصت بي الأوصاب ... وأغرت الوجدا
وأكثر الأحباب ... أعدى من الأعدا
تفتر عن أعلاق ... لآليء أفراد
فيه اللمى (٢) محروس ... بألسن الأغماد
من جوهر الذكرى ... أعطى (٣) نحور الحور
وقلد الدرا ... سلالة المنصور
جاوز به البحرا ... واخرق حجاب النور
وقال له شعرا ... بفضلك المشهور
جمعت في الآفاق ... تنافر الأضداد
فأنت ليث الخيس ... وأنت بدر الناد
خرجت مختالا ... أبغي سنا البرق (٤)
أقطع أميالا ... غرباً إلى شرق
مؤملاً حالا ... يكون من وفقي
فقال من قالا ... وفاه بالصدق
دع قطعك الآفاق ... يا أيها المرتاد
واقصد إلى باديس ... خير بني عباد
يا من رجاله ثقات الظلا ... وأمل التعريس
стр. 1362
إن شئت أن تحلى ... بطائل التأنيس
لا تعتمد إلا ... على علا باديس
من قومه أعلى ... قدراً من البرجيس
مواطن الأرزاق ... أولئك الأمجاد (١)
فاحطط رحال العيس ... وانفض بقايا الزاد وقال أيضاً:
شق النسيم كمامه ... عن زاهر يتبسم
فلا تطع لملامه ... واشرب على الزير والبم
حيا النسيم بمندل ... عن طيب زهر أنيق
ونرجس الروض تخجل ... منه خدود الشقيق
فانهض إلى الدن واقبل ... منه سؤال (٢) الرحيق
وفض منه ختامه ... عن مثل مسك مختم
تكاد منه المدامه ... للشرب أن تتكلم
حاكت على النهر درعا ... ريح الصبا في الأصايل
وأسبل القطر دمعا ... على جيوب الخمايل (٣)
فاسمع من العود سجعا ... تشق منه الغلايل
ما رنمته حمامه ... من فوق غصن منعم
ولا ادعته كرامه ... بنت الحسين بن مجذم (٤)
стр. 1363
أما علي فإني ... ممن سمعت بذكره
والود يشهد عني ... بما أبوح بفخر
وقد رأيت التمني ... يختال في ثوب بره (١)
في حلة من أسامه ... بظاهر الحسن معلم
متوج بالكرامه ... وبالسماح مختم
حيا النسيم تلمسان ... بواكف القطر هطال
فقد قضت كل إحسان ... بجودها بابن شملال
وقصرت كل إنسان ... ما حواه من إجلال
ندب يذل همامه ... ربيعة بن مكدم
وما حواه أسامه ... في عصره المتقدم
قد جاءك المتنبي ... يا سيف هذا الزمان
يختال في ثوب عجب ... بما حوى من معان
يشدو ارتجالاً فيسبي ... كل الوجوه الحسان
هذا المليح في العمامه ... لو أنه يتلثم
لقلت هذي غمامه ... غطت على قمر التم
стр. 1364
(١) ٤٩٢
ماني الموسوس
محمد بن القاسم، أبو الحسن المعروف بماني الموسوس؛ من أهل مصر قدم بغداد أيام المتوكل، وكان من أظرف الناس وألطفهم. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين.
ومن شعره:
زعموا أن من تشاغل بال؟ ... لذات عمن يحبه يتسلى
كذبوا والذي تقاد له البد ... ن ومن عاذ بالطواف وصلى
أن نار الهوى أحر من الجم؟ ... ر على قلب عاشق يتقلى وقال:
دعا طرفه طرفي فأقبل مسرعاً ... وأثر في خديه فاقتص من قلبي
شكوت إليه ما لقيت من الهوى ... فقال على رس فمت فما ذنبي وقال:
ذنبي إليه خضوعي حين أبصره ... وطول شوقي إليه حين أذكره
وما جرحت بدمع العين وجنته ... إلا ومن كبدي يقتص محجره
نفسي على بخله تفديه من قمر ... وإن رماني بذنب ليس يغفره
وعاذل باصطبار القلب يأمرني ... فقلت: من أين لي قلب فأهجره وذكر صاحب " الأغاني " أن محمد بن عبد الله بن اهر عزم على
стр. 1365
الصبوح، وعنده الحسن بن محمد بن طالوت، فقال له محمد: نحتاج أن يكون معنا من نأنس به ونلتذ بمنادمته، فمن ترى أن يكون؟ فقال له ابن طالوت: قد خطر ببالي من ليس علينا بمنادمته ثقل، قد خلا من إبرام المجالسين، وبريء من ثقل المؤانسين، خفيف الوطأة إذا أدنتيه، سريع الوثبة إذا أمرته، قال: من هو؟ قال: ماني الموسوس، فتقدم إلى صاحب الشرطة بطلبه وإحضاره، فلم يكن بأسرع من أن قبض عليه ووافى به باب محمد، فلا مثل بين يديه وسلم رد ﵇ وقال له: ما آن لك أن تزورنا مع شوقنا إليك؟ فقال له ماني: أز الله الأمير، الشوق شديد، والود عتيد، والحجاب صعب، ولو سهل لي الأذن لسهلت علي الزيارة، فقال له محمد: لقد لطفت في الاستئذان، وأمره بالجلوس فجلس، وكان قد أطعم قبل أن يدخل، وأدخل الحمام وأخذ من شعره وألبس ثيباً نظافاً وأتى محمد بن عبد الله بن طاهر بجارية كان يحب السماع منها، فكان أول ما غنته:
ولست بناس إذ غدوا وتحملوا ... دموعي على الخدين من شدة الوجد
وقولي وقد زالت بعيني حمولهم ... بواكر تحدى: لا يكن آخر العهد فقال ماني إيذن لي أيها الأمير، قال: في ماذا؟ قال: في استحسان ما اسمع، قال: نعم، قال: أحسنت فإن رأيت أن تزيدي في هذا الشعر هذين البيتين:
وقفت أناجي الربع والدمع حائر ... بمثلة موقوف ﵇ الضر والجهد
ولم يعدني هذا الأمير بعدله ... على ظالم قد لج في الهجر والصد فقل له محمد: ومن أي شيء استعديت ياماني؟ قال: لا من ظلم أيها الأمير، ولكن تحرك شوق وكان ساكناً. ثم غنت:
حجبوها عن الرياح لأني ... قلت للريح بلغيها السلاما
стр. 1366
لو رضا بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرياح الكلام فطرب محمد وشرب، فقال ماني: أيها الأمير ما على قائل هذين البيتين لو أضاف إليهما:
فتنفست ثم قلت لطيفي ... ويك لو زرت طيفها إلماما
حيها بالسلام سراً وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما فقال محمد: أحسنت يا ماني. ثم غنت:
يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما
ما مرننا بدار زينب إلا ... فضح الدمع سرنا المكتوما فقال ماني: لولا هيبة الأمير لأضفت إلى هذين البيتين بيتين لا يردان على سمع ذي لب فيصدران إلا ﵇ استحسان لهما، فقال له محمد: الرغبة في حسن ما تأتي به حائلة عن (١) كل رهبة، فهات ما عندك، فقال:
ظبية كالهلال لو تلحظ الصخ ... ر بطرف لغادرته هشيما
وإذا ما تبسمت خلت ما يب ... دو من الثغر لؤلؤاً منظوما وفي الخبر طول وهذا يكفي منه.
стр. 1367
٤٩٣ - (١)
الملك الناصر
محمد بن قلاوون، السلطان الملك الناصر، ناصر الدين أبو الفتح محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاون؛ ولد الملك الناصر سنة أربع وثمانين وستمائة، وتوفي يوم الأربعاء تاسع عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ودفن بالمدرسة المنصورية بين القصرين، على والده؛ وكان ملكاً عظيماً دانت له البلاد وملك الأطراف بالطاعة.
لما قتل الأشرف خليل وقع الاتفاق أن يكون السلطان الملك الناصر أخوه هو السلطان، وزين الدين كتبغا هو النائب، والشجاعي وزير، واستقر الأمر على ذلك سنة، ثم تسلطن كتبغا (٢) وتسمى بالعادل، وخطب له بمصر والشام وزينت له البلاد، ثم تسلطن لاجين وتسمى بالملك المنصور وقتل في سنة ثمان وتسعين، فحلفوا الأمراء للملك الناصر، وأحضروه من الكرك، وهذه سلطنته الثانية، وعمره يومئذ خمس عشرة سنة، فأقام إلى سنة ثمان وسبعمائة، وذهب إلى الكرك متبرماً من سلار والجاشنكير وحجرهم عليه ومنعهم له من التصرف، وأعرض عن مصر، فوثب الجاشنكير على السلطنة وتسلطن.
وفي سنة تسع وسبعمائة خرج السلطان من الكرك وطلب دمشق ودخل من باب السر إلى قلعة دمشق، وجاء الخبر بنزول الجاشنكير عن الملك
стр. 1368
وهروبه وهروب سلار، ورحل الملك الناصر طالب مصر فدخلها، فلا استقر بها - وهي سلطنته الثالثة - ومد السماط، قبض على اثنين وثلاثين أمير وأمر غيرهم، وصفا له الوقت إلى حين وفاته، رحمه الله تعالى.
٤٩٤ - (١)
الحافظ ابن النجار
محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن، الحافظ الكبير محب الدين ابن النجار البغدادي صاحب التاريخ؛ ولد في ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، سمع الحديث من ابن كليب وابن الجوزي وأصحاب ابن الحصين وجماعة. وله الرحلة الواسعة إلى الشام ومصر والحجاز وأصبهان وخراسان ومرو وهراة ونيسابور، وسمع الكثير وحصل الأصول والمسانيد، وصنف التاريخ الذي ذيل به على تاريخ الخطيب واستدرك فيه على الخطيب فجاء في ثلاثين مجلداً، دل على تبحره في هذا الشأن وسعة حفظه.
وكان إماماً ثقة حجة مقرئاً مجوداً (٢) حسن المحاضرة كيساً متواضعاً، اشتملت مشيخته على ثلاثة (٣) آلاف شيخ، ورحل سبعاً وعشرين سنة. يقال إنه حضر مع تاج الدين الكندي في مجلس المعظم عيسى أو الأشرف موسى لأنه ذكره وأثنى عليه، فقال له الأشرف: أحضره، فسأله السلطان عن وفاة الشافعي
стр. 1369
ومتى كانت، فبهت، وهذا من التعجيز لمثل هذا الحافظ الكبير القدر، فسبحان من له الكمال.
وله كتاب " القمر المنير في المسند الكبير " ذكر كل صحابي وما له من الحديث، وله كتاب " كنز الإمام في معرفة السنن والأحكام " و " المختلف والمؤتلف " ذيل به على ابن ماكولا، و " المتفق والمفترق " و " نسب المحدثين على الآباء والبلدان ". " كتاب عواليه ". " كتاب معجمه ". " جنة الناظرين في معرفة التابعين ". " الكمال في معرفة الرجال ". " العقد الفائق في (١) عيون أخبار الدنيا ومحاسن تواريخ الخلائق ". " الدرة الثمينة في أخبار المدينة ". " نزهة الورى في أخبار أم القرى ". " روضة الأوليا في مسجد إيليا ". " الأزهار في أنواع الأشعار ". " سلوة الوحيد ". " غرر الفوائد " ست مجدلدات. " مناقب الشافعي ". ووقف كتبه بالنظامية (٢) ، و " الزهر (٣) في محاسن أهل العصر ". كتاب نحا فيه نحو " نشوار المحاضرة " مما التقطه من أفواه الرجال. " نزهة الطرف في أخبار أهل الظرف ".
" أخبار المشتاق إلى أخبار العشاق ". " الشافي " في الطب.
قال ياقوت في " معجم الأدباء ": أنشدني لنفسه:
وقائل قال يوم العيد لي ورأى ... تململي ودموع العين تنهمر
مالي أراك حزيناً باكياً أسفاً ... كأن قلبك فيه النار تستعر
فقلت إني بعيد الدار عن وطني ... ومملق الكف والأحباب قد هجروا ونظر إلى غلام تركي حسن الصورة فرمد باقي يومه فقال:
وقائل قال قد نظرت إلى ... وجه مليح فاعتادك الرمد
فقلت إن الشمس المنيرة قد ... يعشى بها الناظر الذي يقد
стр. 1370
٤٩٥ - (١)
شمس الدين الأصفهاني
محمد بن محمود بن محمد بن عبد الكافي، العلامة شمس الدين الأصفهاني الأصولي؛ قدم الشام بعد الخمسين وستمائة، وناظر الفقهاء، واشتهرت فضيلته، وانتهت إليه الرياسة في معرفة الأصول، وشرح " المحصول " للإمام فخر الدين شرحاً كبيراً حافلاً، وصنف كتاب " القواعد " مشتملاً على أصول الدين والفقه والمنطق والخلاف، وهو أحسن تصانيفه، وله " غاية الطلب في المنطق " وله معرفة جيدة بالعربية والأدب والشعر، ولكنه كان قليل البضاعة في الفقه والسنة.
ولي قضاء منبج في أيام الناصر، ثم دخل مصر وولي قضاء قوص، ثم قضاء الكرك، ورجع إلى مصر وولي تدريس الصاحبية وتدريس مشهد الحسين، وأعاد وأفاد، ثم ولي تدريس الشافعي، وتخرج به خلق ورحل إليه الطلبة؛ كتب عنه علم الدين البرزالي وغيره.
مولده بأصبهان سنة ست عشرة، وتوفي سنة ثمان وثمانين وستمائة.