لو رضا بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرياح الكلام فطرب محمد وشرب، فقال ماني: أيها الأمير ما على قائل هذين البيتين لو أضاف إليهما:
فتنفست ثم قلت لطيفي ... ويك لو زرت طيفها إلماما
حيها بالسلام سراً وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما فقال محمد: أحسنت يا ماني. ثم غنت:
يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما
ما مرننا بدار زينب إلا ... فضح الدمع سرنا المكتوما فقال ماني: لولا هيبة الأمير لأضفت إلى هذين البيتين بيتين لا يردان على سمع ذي لب فيصدران إلا ﵇ استحسان لهما، فقال له محمد: الرغبة في حسن ما تأتي به حائلة عن (١) كل رهبة، فهات ما عندك، فقال:
ظبية كالهلال لو تلحظ الصخ ... ر بطرف لغادرته هشيما
وإذا ما تبسمت خلت ما يب ... دو من الثغر لؤلؤاً منظوما وفي الخبر طول وهذا يكفي منه.
стр. 1367
٤٩٣ - (١)
الملك الناصر
محمد بن قلاوون، السلطان الملك الناصر، ناصر الدين أبو الفتح محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاون؛ ولد الملك الناصر سنة أربع وثمانين وستمائة، وتوفي يوم الأربعاء تاسع عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ودفن بالمدرسة المنصورية بين القصرين، على والده؛ وكان ملكاً عظيماً دانت له البلاد وملك الأطراف بالطاعة.
لما قتل الأشرف خليل وقع الاتفاق أن يكون السلطان الملك الناصر أخوه هو السلطان، وزين الدين كتبغا هو النائب، والشجاعي وزير، واستقر الأمر على ذلك سنة، ثم تسلطن كتبغا (٢) وتسمى بالعادل، وخطب له بمصر والشام وزينت له البلاد، ثم تسلطن لاجين وتسمى بالملك المنصور وقتل في سنة ثمان وتسعين، فحلفوا الأمراء للملك الناصر، وأحضروه من الكرك، وهذه سلطنته الثانية، وعمره يومئذ خمس عشرة سنة، فأقام إلى سنة ثمان وسبعمائة، وذهب إلى الكرك متبرماً من سلار والجاشنكير وحجرهم عليه ومنعهم له من التصرف، وأعرض عن مصر، فوثب الجاشنكير على السلطنة وتسلطن.
وفي سنة تسع وسبعمائة خرج السلطان من الكرك وطلب دمشق ودخل من باب السر إلى قلعة دمشق، وجاء الخبر بنزول الجاشنكير عن الملك
стр. 1368
وهروبه وهروب سلار، ورحل الملك الناصر طالب مصر فدخلها، فلا استقر بها - وهي سلطنته الثالثة - ومد السماط، قبض على اثنين وثلاثين أمير وأمر غيرهم، وصفا له الوقت إلى حين وفاته، رحمه الله تعالى.
٤٩٤ - (١)
الحافظ ابن النجار
محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن، الحافظ الكبير محب الدين ابن النجار البغدادي صاحب التاريخ؛ ولد في ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، سمع الحديث من ابن كليب وابن الجوزي وأصحاب ابن الحصين وجماعة. وله الرحلة الواسعة إلى الشام ومصر والحجاز وأصبهان وخراسان ومرو وهراة ونيسابور، وسمع الكثير وحصل الأصول والمسانيد، وصنف التاريخ الذي ذيل به على تاريخ الخطيب واستدرك فيه على الخطيب فجاء في ثلاثين مجلداً، دل على تبحره في هذا الشأن وسعة حفظه.
وكان إماماً ثقة حجة مقرئاً مجوداً (٢) حسن المحاضرة كيساً متواضعاً، اشتملت مشيخته على ثلاثة (٣) آلاف شيخ، ورحل سبعاً وعشرين سنة. يقال إنه حضر مع تاج الدين الكندي في مجلس المعظم عيسى أو الأشرف موسى لأنه ذكره وأثنى عليه، فقال له الأشرف: أحضره، فسأله السلطان عن وفاة الشافعي
стр. 1369
ومتى كانت، فبهت، وهذا من التعجيز لمثل هذا الحافظ الكبير القدر، فسبحان من له الكمال.
وله كتاب " القمر المنير في المسند الكبير " ذكر كل صحابي وما له من الحديث، وله كتاب " كنز الإمام في معرفة السنن والأحكام " و " المختلف والمؤتلف " ذيل به على ابن ماكولا، و " المتفق والمفترق " و " نسب المحدثين على الآباء والبلدان ". " كتاب عواليه ". " كتاب معجمه ". " جنة الناظرين في معرفة التابعين ". " الكمال في معرفة الرجال ". " العقد الفائق في (١) عيون أخبار الدنيا ومحاسن تواريخ الخلائق ". " الدرة الثمينة في أخبار المدينة ". " نزهة الورى في أخبار أم القرى ". " روضة الأوليا في مسجد إيليا ". " الأزهار في أنواع الأشعار ". " سلوة الوحيد ". " غرر الفوائد " ست مجدلدات. " مناقب الشافعي ". ووقف كتبه بالنظامية (٢) ، و " الزهر (٣) في محاسن أهل العصر ". كتاب نحا فيه نحو " نشوار المحاضرة " مما التقطه من أفواه الرجال. " نزهة الطرف في أخبار أهل الظرف ".
" أخبار المشتاق إلى أخبار العشاق ". " الشافي " في الطب.
قال ياقوت في " معجم الأدباء ": أنشدني لنفسه:
وقائل قال يوم العيد لي ورأى ... تململي ودموع العين تنهمر
مالي أراك حزيناً باكياً أسفاً ... كأن قلبك فيه النار تستعر
فقلت إني بعيد الدار عن وطني ... ومملق الكف والأحباب قد هجروا ونظر إلى غلام تركي حسن الصورة فرمد باقي يومه فقال:
وقائل قال قد نظرت إلى ... وجه مليح فاعتادك الرمد
فقلت إن الشمس المنيرة قد ... يعشى بها الناظر الذي يقد
стр. 1370
٤٩٥ - (١)
شمس الدين الأصفهاني
محمد بن محمود بن محمد بن عبد الكافي، العلامة شمس الدين الأصفهاني الأصولي؛ قدم الشام بعد الخمسين وستمائة، وناظر الفقهاء، واشتهرت فضيلته، وانتهت إليه الرياسة في معرفة الأصول، وشرح " المحصول " للإمام فخر الدين شرحاً كبيراً حافلاً، وصنف كتاب " القواعد " مشتملاً على أصول الدين والفقه والمنطق والخلاف، وهو أحسن تصانيفه، وله " غاية الطلب في المنطق " وله معرفة جيدة بالعربية والأدب والشعر، ولكنه كان قليل البضاعة في الفقه والسنة.
ولي قضاء منبج في أيام الناصر، ثم دخل مصر وولي قضاء قوص، ثم قضاء الكرك، ورجع إلى مصر وولي تدريس الصاحبية وتدريس مشهد الحسين، وأعاد وأفاد، ثم ولي تدريس الشافعي، وتخرج به خلق ورحل إليه الطلبة؛ كتب عنه علم الدين البرزالي وغيره.
مولده بأصبهان سنة ست عشرة، وتوفي سنة ثمان وثمانين وستمائة.
стр. 1371
٤٩٦ - (١)
ابن المكرم
محمد بن مكرم - بتشديد الراء - ابن علي بن أحمد الأنصاري الرويفعي ثم المصري، القاضي جمال الدين ابن المكرم، من ولد رويفع بن ثابت الأنصاري؛ ولد أول سنة ثلاثين وستمائة، وكان فاضلاً، وعنده تشيع بلا رفض مات في شعبان سنة إحدى عشرة (٢) وسبعائة، خدم في الإنشاء بمصر، ثم ولي نظر طرابلس، وكان كثير الحفظ (٣) ، اختصر كتباً كثيرة، وله نظم ونثر، فمن شعره:
ضع كتابي إذا أتاك إلى الأر ... ض وقلبه في يديك لماما
فعلى ختمه وفي جانبيه ... قبل قد وضعتهن (٤) تؤاما
كان قصدي بها مباشرة الأر ... ض وكفيك بالتثامي إذا ما وقال:
الناس قد أثموا فينا بظنهم ... وصدقوا بالذي أدري وتدرينا
ماذا يضرك في تصديق قولهم ... بأن نحقق ما فينا يظنونا
حملي وحملك ذنباً واحداً ثقة ... بالعفو أجمل من إثم الورى فينا وقال:
توهم فينا الناس أمراً وصممت ... على ذاك منهم أنفس وقلوب
стр. 1372
وظنوا وبعض الظن إثم وكلهم ... لأقواله فينا عليه ذنوب
تعالي نحقق ظنهم لنريحهم ... من الإثم فينا مرة ونتوب أخذه من قول القائل حيث يقول:
قم بنا تفديك نفسي ... نجعل الشك يقينا
فإلي كم يا حبيبي ... يأثم القائل فينا؟ وأخذه هذا من قول الأول:
ما أنس (١) لا أنس قولها بمنى ... ويحك إن الوشاة قد علموا
ونم واش بنا (٢) فقلت لها ... هل لك يا هند في الذي زعموا
قالت لماذا ترى فقلت لها ... كيلا تضيع الظنون والتهم ومن شعر ابن المكرم (٣) :
بالله إن جزت بوادي الأراك ... وقبلت أغصانه الخضر فاك
أبعث إلى المملوك من بعضه ... فإنني والله مالي سواك ٤٩٧ (٤)
ابن الدجاجية
محمد بن مكي بن محمد بن حسن بن عبد الله، القرشي الدمشقي العدل
стр. 1373
الأديب، بهاء الدين ابن الدجاجية، كان يجيد النظم، روى عنه الدمياطي، ومن شعره:
ما راح عندكم النسيم ولا غدا ... إلا ليأخذ عند عبدكم يدا
أحباب قلبي ذلك القلق الذي ... قد كاد يأخذني عليكم ما هدا
كدرتم بعد الصفا وغدرتم ... بعد الوفا وبخلتم بعد الجدا
وجعلتم الريان منزل حيكم ... ولكم محب مات فيه من الصدا وقال:
من أين لقدك ذا الهيف ... قد حار الواصف ما يصف
الرمح الأسمر يحسده ... والغصن الأخضر والألف
فتبارك من أنشاك لقد ... في الخلق تفاضلت النطف
يا أحسن بل يا أظرف من ... زينت بذؤابته الكتف
" وقاك الله تعالى العي ... ن وعن أعطافك تنصرف " (١)
كل الأقمار ببلدتنا ... بضياء جبينك قد خسفوا "
فاحكم فلأنت أميرهم ... فيهم فببابك قد وقفوا "
راقت أخلاقك للغربا ... ء فكيف بمن بك قد ألفوا
قسماً بهواك وما أحلى ... قسم العشاق إذا حلفوا
وبمن خاضوا غمرات منى ... وحصى الجمرات بها حذفوا
لا حلت عن الميثاق ولو ... أودى بحشاشتي التلف
يلحاني قوم ما فهموا ... ما شاني فيك ولا عرفوا وقال أيضاً:
إلى سلم الجرعاء أهدى سلامه ... فماذا على من قد لحاه ولامه
تجلد حتى لم يدع معظم الجوى ... لرائيه إلا جلده وعظامه
стр. 1374
وقال أيضاً:
غرته غرته لما سرى ... ظن بأن الصبح قد أسفرا
أقبل يسعى خفراً خائفا ... على ذمام الوعد أن يخفرا
يحق يا قوم لمن قده ال ... خطار أن لا يرهب الخطرا
ضممته إذ نام سماره ... كما يضم البطل الأسمرا
بتنا وما في ليلنا من كرى ... كأنما النوم غدا منكرا وقال ذوبيت:
ما عذر فتى ما مد للهو يدا ... والدوح قد اكتسى ثياباً جددا
مالت طرباً أغصانه راقصة ... لما صدح الطير عليها وشدا وكانت وفاته في شهور سنة سبع وخمسين وستمائة، رحمه الله تعالى.
٤٩٨ - (١)
شرف الدين القدسي
محمد بن موسى الكاتب، شرف الدين القدسي؛ كان كاتب أمير سلاح ثم كتب الإنشاء بقلعة الجبل. كان حسن الأخلاق كريم العشرة محتملاً (٢) ، فيه كرم وله خط حسن ونظم كثير ونثر.
قال أبو حيان: جالسته مراراً وكتبت عنه وقرأ علينا من نظمه، وخمس " شذور الذهب " تخميساً حسناً، أنشدني من لفظه:
стр. 1375
تبسم فاستبكى ببارق ثغره ... سحائب جفن ما أحلت بعارض
مليح أصبناه بعين ونظرة ... فمن أجل هذا قد أصيب بعارض وقال أيضاً:
بي فرط ميل إلى الغزلان والغزل ... فكيف لا يقصر العذال عن عذلي
مالوا علي ولاموا في الهوى عبثاً ... من لم يمل سمعه مذ كان للملل
أضحى الغرام غريمي في هوى رشإ ... يغنيه عن كحله ما فيه من كحل
فالبدر من حسنه قد راح ذا كلف ... والورد من خده قد راح في خجل
تشاغل الناس في الأسمار بي وبه ... وإنني عن حديث الناس في شغل وقال أيضاً في مليح اسمه سالم:
وأهيف تهفو نحو بانة قده ... قلوب تبث الشجو فهي حمائم
عجبت له إذ دام توريد خده ... وما الورد في حال على الغصن دائم
وأعجب من ذا أن حية شعره ... تجول على أعطافه وهو سالم ومن شعره قصيدة بديعة البيت معناها (١) وهي:
ما ملت عنك لجفوة وملال ... يوماً، ولا خطر السلو ببالي
يا مانحاً جسمي السقام ومانعاً ... طرفي المنام وتاركي كالآل
عمن أخذت جواز (٢) نعي ريقك ال؟ ... معسول يا ذا المعطف العسال
عن شعرك الفحام أم عن ثغرك ال؟ ... نظام أم عن طرفك الغزالي
فأجابني: أنا مالك أهل الهوى ... والحسن أضحى شافعي وجمالي
وشقائق النعمان أضحى نابتاً ... في وجنتي وحماه رشق نبالي
والصبر أجمل للمحب إذا ابتلي ... في الحب من محن الهوى بسؤال
وعلى أساري " الحب " (٣) في سجن الهوى ... بين الملاح عرفت بالقفال
стр. 1376
وقتلت معتزلي في شرع الهوى ... وطرقت بالتنبيه عين السالي
وتفقه العشاق في فكل من ... نقل الصحيح أجزته بوصالي
والجوهري غدا بثغري ساكنا ... يحمي الصحاح بقدي الميال
وشهود حسني (١) لو نظرت إليهم ... بين الأنام عجبت من أفعالي
جرح البكاء عيونهم وقلوبهم ... وزكوا لقذف الدمع في الأطلال
والشاهد المجروح عندي صادق ... هل في قضاة العاشقين مثالي
وعلى رحيق الثغر صارم مقلتي ... وليته ولك ثغر والي
وعلى مقامات الغرام شواهد ... جسمي الحريري والبديع مقالي
ولبست من حلل الجمال مفصلاً ... حسن الملابس مذهب (٢) الغزالي
ولحسني الكشاف في جمل الضيا ... لمعاً لإيضاح الفصيح مقالي
وأتى المطرز نحو خدي راقماً ... طرز العذار وحار في أشكالي
والواقدي بنار هجري والجفا ... وكلته فلكل سال صالي
وبلفظي الفراء يفري قلب من ... وافى يناظر ناظري بنصال
ومصارع العشاق بين خيامنا ... ومقاتل الفرسان يوم نزال
ورفضت يوم العاشقين فكل من ... ذكر الفراق فدمعه متوال
ولدي سلوان المطاع سفاهة ... لمتيم أوثقته بحبالي
وخصصت إخوان الصفا برسائلي ... ولهم صفا ودي وهم آمالي
والبيهقي بوجه كل معنف ... في موقف التوديع والترحال
وبوجهي النقاش راح مفسراً ... سور الملاحة من دليل دلالي
ورقيبي الكلبي قد أخسأته ... بوقوفه في باب ذل سؤال
ومجاهد أضحى علي مقاتلاً ... خوفاً من الرقباء والعذال " (٣)
стр. 1377
" وأبو نعيم منعم في حليتي ... إذ بات يمليها على النقال "
ومحاسني قوت القلوب كرما ... ومناقب الأبرار حسن فعالي
وبطلعتي (١) زاد المسير ومبسمي ال ... ضحاك والمنثور حسن لآلي "
وبخدي الزهري جنات المنى ... أضحى بها الثوري من عمالي
وبمنطقي قس الفصاحة واعظ ... في فترة الأجفان للضلال
وقميص حسني قد من قبل الهوى ... بيدي اليمين وتارة بشمالي
والثعلبي رأى الوجوه بجهده ... وحلا له في النقل وجه الحالي
وعلى أبي الجود استغلت ونافع ... علمي كثير عاصم متوالي " (٢)
ولحسني الأنساب يرويها عن ال ... عدل الزكي بصحة النقال
فيراه للتمييز نصباً واجباً ... ورفعت عنه الهجر من أفعالي
ولي الخلافة في الملاح فلحظي الس ... فاح والمنصور في أقوالي
وعلى محلي بالجمال رواية ... في راية نشرت ليوم جدال
ومدينة العلم السخاوي أصبحت ... في راحتي فعرفت بالبذال
قال (٣) الأوائل ما رأينا مثله ... غصن رطيب مثمر بهلال
قد عمه الحسن الغريب وخاله ... ما في البرية منه قلب خال
فوصلت عشاقي فلام معنفي ... فأجبته هذا الذي يبقى لي
القوم أبناء السبيل وعندنا ... تعطى زكاة الحسن كالأموال
قد طال ما نقلوا حديث محاسني ... فهم عدو لي صحة ورجالي
هذي القصيدة بالأئمة شرفت ... قدري وفقت بها على أمثالي
فكأنها العقد النظيم وهم بها ال ... در الثمين (٤) مكللاً (٥) بلآلي
стр. 1378
٤٩٩ - (١)
أمير المؤمنين الأمين
محمد بن هارون، أمير المؤمنين الأمين ابن أمير المؤمنين الرشيد ابن المهدي؛ كان ولي العهد بعد أبيه، وكان من أحسن الشباب صورة، أبيض طويلاً ذا قوة مفرطة وبطش وشجاعة وفصاحة وأدب وبلاغة، ولكنه كان سيء الرأي، كثير التبذير أرعن؛ عاش سبعاً وعشرين سنة، وآخر أمره خلع ثم أسر، وقتل صبراً في المحرم سنة تسع وتسعين ومائة، وطيف برأسه، لأنه في سنة خمس وتسعين خلع أخاه (٢) المأمون وعقد لعلي ابن عيسى بن ماهان على الجبال ونهاوند وقم وقاشان، وأمر له بمائتي دينار، وأعطى لجنده مالاً عظيماً، وفرق على أهل بغداد ثلاثة آلاف " ألف " (٣) درهم، وسارت العساكر لملتقى المأمون وعليهما ابن ماهان، فلقيهم طاهر بن الحسين من قبل المأمون، وهو في أقل من أربعة آلاف فارس، فكسرهم وقتل ابن ماهان. ولما وصل الخبر إلى الأمين قال: دعوني فإن كوثر الخادم صاد سمكتين وأنا " ما صدت " سمكة (٤) .
وقيل إن جيش ابن ماهان كان أربعين ألف فارس. وندم الأمين
стр. 1379
على خلع المأمون، ثم جهز عبد الرحمن بن جبلة الأنباري في أربعين ألف فارس، فسار إلى همذان فلقيه طاهر فقتله وكسر جيشه بعد حروب عظيمة، وسار طاهر وقد خلت البلاد وتقدم إلى الأهواز، ثم تقدم ونزل بباب الأنبار، ثم سار وأحاط بمدينة المنصور، فخرج الأمين في حراقة هارباً، فلما سمع طاهر بذلك خرج إليه ورماه بالنشاب فانكفأت الحراقة وغرق الأمين ومن كان معه، فسبح حتى صار إلى بستان موسى، فعرفه محمد ابن حميد، فصاح بأصحابه، ثم أخذ برجله، وحمل على برذون إلى بين يدي طاهر فأمر بقتله وقطع رأسه ونصبه على حائط بستان، ونودي عليه: هذا رأس محمد المخلوع، ثم بعث به وبالبردة والقضيب والمصلى مع ابن عمه محمد بن المصعب إلى المأمون، وقال: قد بعثت إليك بالدنيا وهو رأس محمد الأمين وبالآخرة وهي البردة والقضيب، فأمر المأمون لمحمد بن مصعب بألف ألف درهم، ولما رأى رأس الأمين سجد.
وكان قتله سنة تسع (١) وتسعين ومائة، وخلافته أربع سنين، وكان الرشيد يعرف بالفراسة ما يجري بن الأمين والمأمون، فكان ينشد:
محمد لا تبغض أخاك فإنه ... يعود عليك البغي إن كنت باغيا
فلا تعجلن فالدهر فيه كفاية ... إذا مال بالأقوام لم يبق باقيا وفي الأمين يقول أبو الهول الحميري:
ملك أبوه وأمه من نبعة ... منها سراج الأمة الوهاج
شربوا بمكة في ذرى بطحائها ... ماء النبوة ليس فيه مزاج يريد أن أباه وأمه من هاشم.
ومن شعر الأمين:
стр. 1380
ما يريد الناس من ص ... ب من يهوى كئيب
كوثر ديني ودنيا ... ي وسقمي وطبيبي
أحمق الناس الذي يل ... حى محباً (١) في حبيب ٥٠٠ (٢)
أمير المؤمنين المعتصم
محمد بن هارون، أبو إسحاق المعتصم بن الرشيد؛ ولد سنة ثمانين ومائة، وأمه أم ولد اسمها ماردة، بويع بعد المأمون بعهد منه إليه في رابع عشر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين.
وكان أبيض أصهب اللحية طويلها ربع القامة، ذا شجاعة وقوة وهمة عالية؛ وكان يقال له " المثمن " لأنه ثامن خلفاء بني العباس، وملك ثمان سنين وثمانية أشهر، وفتح ثمانية (٣) فتوح، وقتل ثمانية أعداء: بابك وباطيش ومازيار والأفشين وعجيف وقاروت (٤) وقائد الرافضة ورئيس الزنادقة. وخلف من الذهب ثمانية آلاف ألف دينار، ومن الدراهم مثلها، ومن الخيل ثمانين ألف فرس. وثمانية آلاف ملوك، وثمانية آلاف جارية، وبني ثمانية قصور.
стр. 1381
وكان عرياً من العلم، كان معه ملوك يتعلم في الكتاب، فقال له أبوه: مات يا محمد غلامك، فقال: نعم واستراح من الكتاب، فقال له أبوه: إن كان الكتاب ليبلغ منك هذا، دعوه ولا تعلموه.
وغزا عمورية وفتحها وقتل ثلاثين ألفاً وسبى مثلهم. وكان من أهيب الخلفاء، وامتحن العلماء في القول بخلق القرآن.
وقال أحمد بن أبي دواد: كان المعتصم يخرج يده إلي ويقول عض ساعدي بأكبر قوتك، فأقول: ما تطيب نفسي، فيقول: إنه لا يضرني، فأروم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنان. وقبض يوماً على جندي أخذ ابناً لامرأة فأمره برده فأبى، فقبض عليه فسمعت صوت عظامه، ثم أطلقه فسقط، وكان ذلك في حياة المأمون. وجعل زند رجل بين إصبعيه فكسره.
وكان موته في شهور سنة سبع وعشرين ومائتين، وصلى عليه ابنه الواثق.
ولكثرة عسكره وضيق بغداد عليه بني سامراً وانتقل إليها بعسكره، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومائتين، وعلق له خمسون ألف مخلاة، ولما احتضر قال: ذهبت الحيلة، ولم يزل يكررها حتى صمت؛ رحمه الله تعالى.
ومن شعره ما أورده ابن المرزبان في " المعجم " (١) :
قرب النحام واعجل يا غلام ... واطرح السرج عليه واللجام
أعلم الأتراك أني خائض ... لجة الموت فمن شاء أقام وقال:
لم يزل بابك حتى ... صار للعالم عبره
стр. 1382
ركب الفيل ومن ير ... كب فيلاً فهو شهره وقال في غلامه عجيب:
إني هويت عجيباً ... هوى أراه عجيبا
طبيب ما بي من الح؟ ... ب لا عدمت الطبيبا
الوجه منه كبدر ... والقد يحكي القضيبا ٥٠١ (١)
أمير المؤمنين المهتدي
محمد بن هارون أمير المؤمنين الخليفة الصالح المهتدي ابن الواثق المعتصم ابن الرشيد؛ ولد في خلافة جده سنة بضع (٢) عشرة ومائتين، وبويع له بالخلافة وله بضع وثلاثون (٣) سنة. وكان أسمر رقيقاً مليح الوجه، ورعاً متعبداً عادلاً قوياً في أمر الله، بطلاً شجاعاً، لكنه لم يجد ناصراً ولا معيناً على الخير.
وكان يلبس في الليل جبة صوف وكساء ويصلي فيهما، ويفطر في رمضان على خبز وملح وزيت وخل، ويقول: فكر بأنه كان في بني أمية عمر ابن عبد العزيز وكان من التقلل والتقشف على ما بلغنا فغرت على بني هاشم، وأخذت نفسي بذلك. وكان قد اطرح الملاهي وحرم الغناء وحسم
стр. 1383
أصحاب السلطان عن الظلم، وكان شديد " الإشراف " (١) على الدواوين فخرجوا عليه الأتراك فحاربهم بنفسه، وجرح فأسروه وخلعوه وقتلوه سنة ست وخمسين ومائتين.
قال العمراني: إن الأتراك عصروا خصاه حتى مات وبايعوا أحمد بن المتوكل ولقبوه المعتمد على الله، وذلك في سادس عشر رجب سنة ست وخمسين، وكانت خلافة المهتدي سنة إلا خمسة (٢) عشرة يوماً.
جلس يوماً للمظالم فاستعداه (٣) رجل على ابن له، فأحضره وحكم عليه ورد الحق للرجل، فقال الرجل: أنت والله يا أمير المؤمنين كما قال الأعشى:
حكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر فقال المهتدي: أما أنت فجزاك الله خيراً، وأما أنا فإني والله ما جلست حتى قرأت قوله تعالى: " ونضع الموازين القس ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين " " الأنبياء: ٤٧ " قال الإسكافي: فما رأيت باكياً أكثر من ذلك اليوم.
ومدحه البحتري بقصيدة منها (٤) :
هجرت الملاهي خشية وتفردا ... بآيات ذكر الله يتلى حكيمها
وما تحسن الدنيا إذا هي لم تعن ... بآخرة حسناء يبقى نعيمها وخلف من الولد سبعة عشر ذكراً وست بنات، وأولاده أعيان أهل بغداد، وهم الخطباء بالجوامع والعدول ولم يبق ببغداد أكثر من ولده.
стр. 1384
٥٠٢ - (١)
الخالدي الشاعر
محمد بن هاشم بن وعلة بن عثمان بن بلال الخالدي مضى ذكر أخيه سعيد في حرف السين؛ كانا شاعرين اشتركا في كثير من الشعر ونسب إليهما معاً، وكلاهما من خواص سيف الدولة بن حمدان.
والخالدية: قرية من قرى الموصل.
توفي سنة ثمانين وثلثمائة تقريباً.
وكانا خزنة كتب سيف الدولة، وقد اختارا من الدواوين كثيراً، وجمعا مجاميع أدبية؛ ومن شعر محمد المذكور من أبيات (٢) :
وصبغ شقائق النعمان يحكي ... يواقيتاً نظمن على اقتران
وأحياناً نشبهها خدوداً ... كستها الراح ثوباً أرجواني
شقائق مثل أقداح ملاء ... وخشخاش كفارغة القناني
وإما غازلتها الريح خلنا ... بها جيشي وغى يتقاتلان
تخال به ثغوراً باسمات ... إذا ما أفتر نور الأقحوان
وآذريونه قد شبهوه ... بتشبيه صحيح في المعاني
بكأس من عقيق فيه مسك ... وهذا الحق أيد بالبيان (٣)
стр. 1385
٥٠٣ - (١)
أبو الوليد ابن حزم
محمد بن يحيى بن حزم من شعراء " الذخيرة "؛ قال ابن بسام: أحلى الناس شعراً، لا سيما إذا عاتب أو عتب، وهو ابن عم الفقيه أبي (٢) محمد بن حزم، وكنتيه أبو الوليد. ومن شعره:
أتجزع من دمعي وأنت أسلته ... ومن نار أحشائي ومنك لهيبها
وتزعم أن النفس غيرك علقت ... وأنت، ولا من عليك، حبيبها
إذا طلعت شمس عليك بسلوة ... أثار الهوى بين الضلوع غروبها ومن شعره من قصيدة:
والشمس ترمق من محاجر أرمد ... والظل يركض في النسيم الواني
والراح تأخذ من معاطف أغيد ... أخذ الصبا من عطف غصن البان
ملنا نؤمل غير ذلك منزلاً ... والراح يقصر خطوه فيداني
ثم اعتنقنا والوشاة بمعزل ... وقد التقت في جفنه سنتان
والبدر يرميني بمقلة حاسد ... لو يستطيع لكان حيث يراني وله أيضاً:
وكم ليلة عاقرت (٣) في ظلها المنى ... وقد طرفت من أعين الرقباء
وفي ساعدي حلو الشمائل مترف ... لعوب بيأسي تارة ورجائي
стр. 1386
أطارحه حلو العتاب وربما ... تغاضب فاسترضيته ببكائي
وفي لفظه الناس سورة الراح فترة ... تمت إلى ألحاظه بولاء (١)
وقد عابثته الراح حتى رمت به ... لقى بين ثنيي بردتي وردائي
على حاجة في النفس لو شئت نلتها ... ولكن حمتني عفتي وحيائي وقال أيضاً:
وكم ليلة بات (٢) الهوى يستفزني ... ولا رقبة دون الأماني ولا ستر
وفي ساعدي بدر على غصن بانة ... يود مكاني بين لباته البدر
وفي لحظه كالسكر لا عن مدامة ... ولولا اعتراض الشك قلت هو السكر
فلم يك إلا ما أباح لي التقى ... ولم يبقى إلا أن تحل لي الخمر وقال أيضاً:
كم ليلة ضمت عليه ساعدي ... والمسك يأخذ منه ما يعطيه
والبدر من حسد يجمجم قوله ... ما ضر مجدك لو شركتك فيه توفي بعد الخمسمائة، رحمه الله تعالى.
٥٠٤ - (٣)
مجير الدين ابن تميم
محمد بن يعقوب بن علي، مجير الدين ابن تميم الإسعردي، وهو سبط
стр. 1387
فخر الدين ابن تميم؛ سكن حماة وخدم الملك المنصور، وكان جندياً محتشماً شجاعاً مطبوعاً كريم الأخلاق، بديع النظم رقيقه لطيف التخيل.
توفي بحماة سنة أربع وثمانين وستمائة. وهو في التضمين الذي عاناه في فضلاء المتأخرين آية، وفي صحة المعاني والذوق اللطيف غاية؛ لأنه يأخذ المعنى الأول ويحل تركيبه، وينقله بألفاظه إلى معنى ثاني، حتى كأنّ الناظم الأول إنما أراد به المعنى الثاني، وقد أكثر من ذلك حتى قال:
أطالع كل ديوان أراه ... ولم أزجر عن التضمين طيري
أضمن كل بيت فيه معنى ... فشعري نصفه من شعر غيريه ومنه قوله يرثي قدحاً:
أيا قدحاً قد صدع الدهر شمله ... فأصبح بعد الراح قد جاور التربا
سأبكيك في وقت الصبوح وإنني ... سأكثر في وقت الغبوق لك الندبا
وإن قطبت شمس المدام فحقها ... " لأنك كنت الشرق للشمس والغربا " ومنه:
أهديته قدحاً فإن أنصفته ... أوسعته بجماله تقبيلا
نظمت به الصهباء در حبابها ... " حتى تصير لرأسه إكليلا " ومنه قوله:
لو أنك إذ شربناها كؤوساً ... ملئن من المدام الأرجواني
حسبت سقاتها دارت علينا ... " بأشربة وقفن بلا أواني " ومنه قوله أيضاً:
إن كان راووق المدامة عندما ... تاب (١) الأمير بكى بدمع قاني
стр. 1388
فاليوم ينشد وهو يبكي عند ما ... شرب المدامة من يد السلطان
" يا عين صار الدمع عندك عادة ... تبكين في فرح وفي أحزان " ومنه قوله:
قالوا فلان تولى نتف عارضه ... ليصبح الحسن عنه غير منتقل
فقلت سد طريق الشعر يعجزه ... " ومن يسد طريق العارض الهطل " وقال يهجو كحالا:
دعوا الشمس الناس كحل العيون فكفه ... تسوق إلى الطرف الصحيح الدواهيا
فكم ذهبت من ناظر بسواده ... " وخلت بياضاً خلفها ومآقيا " وقال أيضاً:
لو كنت في الحمام والحنا على ... أعطافه ولجسمه لألاء
لرأيت ما يسبيك منه بقامة ... " سال النضار بها وقام الماء " وقال في مليح كان عند خصي فانتقل إلى غيره:
يقول ويبدي للخصي اعتذاره ... برغبته في غيره واجتنابه
رأيتك مخصياً فملت إلى الذي ... " له فضلة عن جسمه في إهابه " وقال في فوارة:
لقد نزهت عيني أنابيب (١) بركة ... تقابلني أمواجها بالعجائب
أنابيب لجت ف يعلو كأنما ... " تحاول ثأراً عند بعض الكواكب " وقال في عوادة:
جاءت بعود كلما لعبت به ... لعبت بي الأشجان والتبريح
" غنت فجاوبها ولم يك قبلها ... شجر الأراك مع الحمام ينوح "
стр. 1389
وقال:
يا ليلة قصرت بزورة غادة ... سفرت فأغنى وجهها عن بدرها
حتى إذا خافت هجوم صباحها ... " نشرت ثلاث ذوائب من شعرها " وقال أيضاً:
وأهيف مثل البدر غصن قوامه ... عليه قلوب العاشقين تطير
يدور عذاراه لتقبيل وجنة ... " على مثلها كان الخصيب يدور " وقال أيضاً:
ولم أنس قول الورد والنار قد سطت ... عليه فأمسى دمعه يتحدر
" ترفق فما هذي دموعي التي ترى ... ولكنها روحي تذوب فتقطر " وقال في جارية تحمل فانوساً:
يقول لها الفانوس لما بدت له ... وفي قلبه نار من الوجد تسعر
خذي بيدي ثم اكشفي الثوب وانظري ... ضنى جسدي لكنني أتستر " وقال في مليح يشرب من بركة:
أفدي الذي أهوى بفيه شارباً ... من بركة راقت وطابت مشرعاً
أبدت لعيني وجهه وخياله ... " فأرتني القمرين في وقت معا " وقال أيضاً:
طوبى لمرآة الحبيب فإنها ... حملت براحة غصن بان أينعا
" واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معاً " وقال أيضاً:
وليلة بت أسقى في غياهبها ... راحاً تسل شبابي من يد الهرم
ما زلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم
стр. 1390
وقال أيضاً:
ألا رب يوم (١) قد تقضى ببركة ... أقمت به فيما جرى متفكرا
بعيني رأيت الماء فيها وقد هوى ... على رأسه من شاهق فتكسرا وقال أيضاً:
تأمل إلى الدولاب والنهر إذ جرى ... ودمعهم بين الرياض غزير
كأن نسيم الروض قد ضاع منهما ... فأصبح ذا يبكي (٢) وذاك يدور وقال أيضاً:
ونهر حالف الأهواء حتى ... غدا طوعاً لها في كل أمر
إذا سرقت حلى الأغصان ألقت ... إليه بها فيأخذها ويجري وقال أيضاً:
لم أنس قول الورد حين جنيته ... ودموعه خوف الحريق تراق
لا تعجلوا في أخذ روحي واصبروا ... " فإليكم هذا الحديث يساق " وقال أيضاً:
سيقت إليك من الحديقة وردة ... وافتك قبل أوانها تطفيلا
طمعت بلثمك إذ رأتك فجمعت ... " فمها إليك كطالب تقبيلا " وقال أيضاً:
كيف السبيل للثم من أحببته ... في روضة للزهر فيها معرك
ما بين منثور وناضر نرجس ... مع أقحوان وصفه لا يدرك
هذا يشير بإصبع وعيون ذا ... ترنو إليه وثغر هذا يضحك
стр. 1391
وقال أيضاً:
أيا حسنها من روضة ضاع نشرها ... فنادت عليه في الرياض طيور
ودولابها كادت تعد ضلوعه ... لكثرة ما يبكي بها ويدور وقال أيضاً:
لو كنت تشهدني وقد حمي الوغى ... في موقف ما الموت عنه بمعزل
لترى أنابيت القناة على يدي ... تجري دماً من تحت ظل القسطل وقال أيضاً:
راقبت غفوة من أحب ولم أكن ... أدري بأن الريح من رقبائه
حتى هممت بأن أقبل خده ... هبت وغطت وجهه بقبائه (١) وقال في بستانه:
لي بستان كبير ... نجده أصبح غورا
دارت الأيام حتى ... كبشه قد صار ثورا وقال أيضاً:
زار الحمى فتعطرت أنفاسه ... شغفاً بمن تصبو إليه الأنفس
وأحب رؤيته فأنبت نرجساً ... إن الرياض عيونهن النرجس وقال أيضاً:
قالوا رأيناك كل وقت (٢) ... تهيم بالشرب والغناء
فقلت إني فتى قنوع ... أعيش بالماء والهواء وقال أيضاً:
стр. 1392
لو كان فيض الدمع يرجع من نأى ... عني بكيت بسائر الأعضاء
قلبي له قبر وتلك عجيبة ... أن تقبر الأموات في الأحياء وقال وقد اجتاز ليلة بدرا بعض أصحابه معه شمعة فطفئت، وأوقدها من داره:
يا أيها المولى الشريف ومن له ... فضل يفوق به على أهل الأدب
لما أزرتك شمعتي لتنيرها ... جاءت تحدث عن سراجك بالعجب
وافته حاسرة فقبل رأسها ... وأعادها نحوي بتاج من ذهب وقال أيضاً:
إن تاه ثغر الأقاحي في تشبهه ... بثغر حبي واستولى به الطرب
فقل له عندما يحكيه مبتسماً ... " لقد حكيت ولكن فاتك الشنب " وقال في مليح يطيل حمل الكأس:
قالوا الذي تهواه يحبس كاسه ... في كفه من غير ذنب موجب
فأجبتهم كفوا الملام فإنه ... قمر ينزه طرفه في كوكب وقال أيضاً:
تركت بمصر يوسفاً وهو أمرد ... وقلت لخل قاصد مصر يا فتى
لك الحمد بالرحمن عرج بيوسف ... لتخبرني عن نمل خديه هل أتى وقال يافخر بني السماء والأرض:
يا جاعل الأفق مثل الأرض حجته ... بالشمس إذ بزغت والبدر حين وضح
كم من شموس وأقمار إذا سرحت ... في الأرض طرت إليها خفة وفرح
فلا تقل قزح (١) في الجو زينه ... في كل غصن ترى في الأرض قوس قزح
стр. 1393
وقال في مليح ينظر في المرآة:
وأهيف ظل بالمرآة مغرى ... يواظب رؤية الوجه المليح
يقول طلبت معشوقاً جميلاً ... فلما لم أجده عشقت روحي وقال في رثاء مليح:
وكم ساعدتني مذ دفنت قوامه ... حمامة أيك بالغرام تبوح
فكنت وإياها لأجل قوامه ... كلانا على الغصن الرطيب ينوح وقال يهجو:
أنت بين اثنتين يا نجل داو ... د وكلتاهما مقر السياده
ليس تنفك راكباً أير عبد ... مسبطراً أو حاملاً خف غاده
أي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذلك البغا وذل القياده؟ وقال أيضاً:
لمن أبوح بشعري حين أنظمه ... أم من أخص بما فيه من الزبد
أما جهول فلا يدري مواقعه ... أو فاض فهو لا يخلوا من الحسد وقال أيضاً:
حاذر أصابع من ظلمت فإنه ... يدعو بقلب في الدجى مكسور
فالورد ما ألقاه في جمر الغضا ... إلا الدعا بأصابع المنثور وقال أيضاً:
رعى الله وادي النيربين فإنني ... قطعت به يوماً لذيذاً من العمر
درى أنني قد جئته متنزهاً ... فمد لأقدامي بساطاً من الزهر
وأخدمني الماء الزلال فحيثما ال ... تفت رأيت الماء في خدمتي يجري وقال أيضاً:
стр. 1394
مذ لاحظ المنثور طرف النرجس ال؟ ... مزور قال وقوله لا يدفع
فتح عيونك في سواي فإنما ... عندي قبالة كل عين إصبع وقال:
ومدامة كاساتها ... تعطي المان من الزمان
قد أحكمت علم النجو ... م وأتقنت سحر البيان
فإذا حساها الشاربو ... ن وأوقعتهم في الأماني
بدأت بإخراج الضم؟ ... ير وبعده عقد اللسان ٥٠٥ (١)
التلعفري الشاعر
محمد بن يوسف بن مسعود بن بركة الأديب البارع شهاب الدين الشيباني التلعفري، الشاعر المشهور؛ ولد بالموصل سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، واشتغل بالأدب، ومدح الملوك والأعيان، وكان خليعاً معاشراً امتحن بالقمار، وكلما أعطاه الملك الأشرف شيئاً قامر به، فطرده إلى حلب، فمدح العزيز فأحسن إليه وقرر له رسوماً، فسلك معه ذلك المسلك، فنودي في حلب: أي من قامر مع الشهاب التلعفري قطعت يده، فضاقت عليه الأرض فجاء إلى دمشق. ولم يزل يستجدي ويقامر حتى بقي في أتون حمام، وفي الآخر نادم صاحب حماة. توفي سنة خمس وسبعين وستمائة.
стр. 1395
ومن شعره (١) :
أقلعت إلا عن العقار ... وتبت إلا من القمار
فالكاس والفص ليس يخلو ... منهم يميني ولا يساري وقال الشيخ شهاب الدين ابن غانم رحمه الله تعالى: أنشدني التلعفري لنفسه (٢) :
جريت بحمراء الكميت إلى الشقرا ... مقر الهوى حسناً وأعرضت عن مقرى (٣)
ولم أخل بالخلخال من كأسها يدي ... وأثبت في تاريخ ما سرني سطرا (٤)
وأبصرت ما بين الميادين سائلاً ... فلم أر إلا أن أقابله نهرا
ولا سيما والروض من حوله له ... بساط وقد مد النسيم له نشرا
فلله أيام تولت بجانبي ... يزيد (٥) فقد كانت ببهجتها العمرا
وما كان مقصودي يزيد وبرده ... ولكن قصدي كان أن أنظر الزهرا وقال أيضاً (٦) :
أيطرق في الدجى منكم خيال ... وطرفي ساهر؟ هذا محال
سقت أيامنا بأراك حزوي ... وهاتيك الربى سحب ثقال
منازل للصبا ما زال شملي ... له فيها بمن أهوى اتصال
دموعي بعدها دال وميم ... على خدي له ميم ودال وقال من أبيات (٧) :
стр. 1396
وإذا الثنية أشرقت وشممت من ... أرجائها (١) أرجاً كنشر عبير
سل هضبها المنصوب أين حديثه (٣) ال ... مرفوع عن ذيل الصبا المجرور وقال أيضاً (٣) :
حتام أرفل في هواك وتغفل ... وإلام أهزل من جفاك وتهزل
يا مضرماً في مهجتي بصدوده ... حرقاً يكاد لهن يذبل يذبل
القلب دل عليك أنك في الدجى ... قمر السماء لأنه لك منزل
هب أن خدك قد أصيب بعارض ... ما بال صدغك راح وهو مسلسل
قسماً بحاجبك الذي لم ينعقد ... إلا أراني السبي وهو محلل
وبماء ثغرك من سلافة ريقة ... عذبت فقيل هي الرحيق السلسل
لولا مقبلك المنظم عقده ... ما بات من يهواك وهو مقبل
حزني وحزنك إن لغا من لامني ... ونحوت هجري مجمل ومفصل
لو كنت في شرع المحبة عادلاً ... يا ظالمي ما كنت عني تعدل
يا آمري من نصحه بسلوه ... إن السلو كما تقول لأجمل
لكن يعز خلاص قلب متيم ... تركته أيدي الهجر وهو مبلبل
هيهات كلا لا نجاة لمن غدا ... من جسمه في كل عضو مقتل وقال أيضاً:
أرأيت غيرك يا حياة الأنفس ... من يحرس الورد الجني بنرجس
أم هل سمعت بشمس أفق أشرقت ... من قبل وجهك في ظلام الحندس
يا من يدير بمقلتيه ووجنتي ... هـ وراحتيه لنا ثلاثة أكؤس
стр. 1397
ما زاغ عن نهج الصواب مشبه ... منك الجبين بشمعة في المجلس
أنسيت ليلتنا وقد أخذ السكري ... بزمام هاتيك العيون النعس
إذ قلت أين الراح قلت مغالطاً ... يغنيك عنها رشف ثغري الألعس
فضممت منك إلي عصناً لم يكن ... دون الغلائل بالحمائل مكتسي
يا حسنها من ليلة ما شانها ... إلا تبلج صبحها المتنفس
فوقت للرقباء فيها أسهماً ... من مقلتيك لها حواجبك القسي
" ما كنت أطمع قبلها في مثلها ... فأعدتني من مثلها لم أيأس " (١) وقال رحمه الله تعالى:
تولهي بك شيء عنك غير خفي ... فراقب الله في الهجران لي وخف
واعدل عن الظلم واعدل في النفوس ولا ... تجر على المستهام المغرم الدنف
يا رائشاً أسهماً من لحظ ناظره ... فوق فغير فؤادي ليس من هدف
سبحان معطيك خصراً غير مختصر ... لي في العذاب وعطفاً غير منعطف
إذا شكوت لترثي لي وترحم ما ... تراه من جسمي المضنى ومن كلفي
يردني آيساً من ذاك عارضك ال ... لامي والمنثني من قدك الألفي
أحبابنا بنواحي الغوطتين سقى ... ربوعكم وابل من أدمعي الذرف
قد كنت قبل النوى أشكو الصدود فوا ... لهفي على الصد يومي ذا ويا أسفي
ملاعب كم بها من شادن غنج ... حلو الشمائل معسول اللمى ترف
محجب بالتجني والدلال رخي؟ ... م اللفظ أحور مطبوع على صلف
بخده كل ما بالورد من ضرج ... وقده كل ما بالبان من هيف وقال أيضاً:
стр. 1398
يذكرني برق الحمى المتألق ... زماناً تولى بالحمى وهو مونق
ويرتاح قلبي للنسيم إذا سرى ... ويطربني ذاك الحمام المطوق
سقى بانة الجرعاء إن أخلف الحيا ... وضن حياً من عبرتي يتدفق
ولا حاد عن تلك المعاطف صيب ... من المزن أو من مقلة الصب مغدق
منازل تصبيني إليها نسيمة ... لها أرج أرجاؤها منه تعبق
عدمت عذولي كم يعنف في الهوى ... حليف غرام نال منه التشوق
إذا لامني أنشدته متمثلاً ... " بودي لو يهوى العذول ويعشق "
كلفت بأحوى من بني الترك أحور ... له غصن قد بالذوائب مورق
رشيق التثني والمعاطف ألعس ال ... مراشف يصمي طرفه حين يرمق
حمى بحسام اللحظ خداً مورداً ... غدت عنه أكمام الشقيق تشقق
له ناظر في ضمنه وهو أسود ... عدو لأرباب الصبابة أزرق وقال أيضاً:
ألم بي طيفه إلمام مختلس ... فأشرقت بسناه ظلمة الغلس
جلا على بعده لي منه بدر دجى ... على قضيب بغير الدل لم يمس
طيف غنيت به عن شيم بارقة ... وعن تلقي صباً مسكية النفس
أراحني من مواعيد مزخرفة ... أجريت منهن آمالي على يبس
فبت في نعمة لليل سابغة ... ممتعاً باللمى والثغر واللعس
أردد الطرف في خد نضارته ... وقف على مستق منها ومقتبس
خد متى قلت إن الورد يشبهه ... قل الجمال تأمل ذا وذا وقس
شققت أكمام صون عن شقائقه ... بالرغم من نرجس في الأعين النعس
فيا لها زورة ما كان لي طمع ... فيها لعلمي بخلق الزائر الشرس
بات الغرام بها في مأتم وأنا ... بمنة عظمت للطيف في عرس
وافى بمن لم أخل أني أفوز به ... لما على طرفه دوني من الحرس
стр. 1399
فلا عدمت الكرى من محسن أخذ ... الأيمان بالأنس لي من إلي يسي وقال من أبيات، رحمه الله تعالى (١) :
في ثغره والقوام اللدن ألف غنى ... عن أبرق الحزن بل عن بانة الوادي
سبحان مطلع بدر التم منه على ... غصن رطيب من الأغصان مياد
سكرت من نشوة في مقلتيه صحا (٢) ... منها وزاد ضلالي وجهه الهادي
ما ضرني ما أقاسي فيه من سقم ... ومن ضنى لو غدا من بعض عوادي وقال أيضاً (٣) :
أي دمع من الجفون أساله ... إذ أتته مع النسيم رساله
حملته الرياض (٤) أسرار عرف ... أودعتها السحائب الهطاله
يا خليلي وللخليل حقوق ... واجبات الداء في كل حاله
سل عقيق الحمى وقل إذ تراه ... خالياً من ظبائه المختاله
أين تلك المراشف العسليا ... ت وتلك المعاطف العساله
وليال قضيتها كلآل ... بغزال تغار منه الغزالة
بابلي اللحاظ والريق والأل ... فاظ كل مدامة سلساله
ونقي الجبين والخد والثغ؟ ... ر فطوبى لمن حسا جرياله
وطويل الصدود والشعر والمط ... ل ومن لي بأن يديم مطاله
من بني لاترك كلا جذب القو ... س رأينا في وسطه (٥) بدر هاله
يقع الوهم حين يرمي فلا ند ... ري (٦) يداه أم عينه النباله
стр. 1400
قلت لما لوى ديون وصالي ... وهو مثر وقادر لا محاله
بيننا الشرع قال سر بي فعندي ... من صفاتي لكل دعوى دلاله
وشهودي من خال خدي ومن قد ... ي شهود (١) معروفة بالعداله
أنا وكلت مقلتي في دما الخل؟ ... ق فقالت قبلت هذي الوكاله وكتب إليه الأديب شهاب الدين العزازي بهذه الموشحة يمدحه بها:
بات طرفي يتشكى الأرقا ... وتوالت أدمعي لا ترتقي
ليت أيامي ببانات اللوى ... غفلت عنها لويلات النوى
عاذلاتي باعتلاقي بالهوى ... كيف سلواني وقلبي والجوى
أقسما في الحب لن يفترقا ... وجفوني أقسمت لا تلتقي
ولقد همت بذي قد نضر ... قامة البانة منه تنهصر
ذي رضاب بارد اللظم خصر ... في فؤادي منه نار تستعر
رشأ قلبي به قد علقا ... جل من صوره من علق
سال من سالفه المسك فنم ... وشذا المسك أبى أن يكتتم
" أحور صحح عينيه السقم " (٢) ... مذ تبدي وتثغ وابتسم
خلته بدراً على غصن نقا ... باسماً عن أنفس الدر نقي
ساد بالدل وفرط الخفر ... سانحات الظبيات العفر
مثل ما فاق فتى التلعفري ... قالة الشعر بوشي الحبر
أريحي خص لما خلقا ... بسخا النفس وحسن الخلق
شيمة أصفى من الراح الشمول ... همة أوفت على العلياء طول
стр. 1401
نبعة جرت على النجم الذيول ... دوحة طابت فروعاً وأصول
سح جوداً في ذراها ورقا ... فكساها يانعات الورق
شاعر فاق فحول الشعرا ... بقواف مثل أطراف الكرى (١)
باسمات تجتلي منها الورى ... يغراً يبسم أو زهراً (٢) يرى
كلما لاح سناها مشرقا ... سجد الغرب لنور المشرق
أيها الموفي على عهد الزمن ... كرماً محضً وفضلاً ومنن
جاءك الخادم من غير ثمن ... جالب الوشي لصنعاء اليمن
فاستمعها زادك الله بقا ... مدحة لم يحكها إبن بقي فأجابه شهاب الدين التلعفري رحمهما الله:
ليس (٣) يروي ما بقلبي من ظما ... غير برق لائح من إضم
إن تبدي لك بان الأجرع ... وأثيلات النقا من لعلع
يا خليلي قف على الدار معي ... وتأمل كم بها من مصرع
واحترز واحذر فأحداق الدمى ... كم أراقت في رباها من دم
حظ قلبي في الغرام الوله ... فعذولي فيه ما لي وله
حسبي الليل فما أطوله ... لم يزل آخره أوله
البيت في هوى أهيف معسول اللمى ... ريقه كم قد شفى من ألم
سائلي عن أحمد مما حوى ... من خلال هي للداء دوا
ما سواه وهو يا صاح سوى ... نار من كل فن ما انطوى
بحر آداب وفضل قد طما ... فاخش من آذيه الملتطم
стр. 1402
العزازي الشهاب الثاقب ... شكره فرض علينا واجب
فهو إذ تبلوه (١) نعم الصاحب ... سهمه في كل فن صائب
جائل في حلبة الفضل كما ... جال في يوم الوغى شهم كمي
شاعر أبدع في أشعاره ... ومتى أنكرت قولي باره
لو جرى مهيار في مضماره ... والخوارزمي في آثاره
قلت عودا وارجعا من أنتما ... ذا امرؤ القيس إليه ينتمي وكان بالقاهرة قد عشق صبياً يلقب بالنجم، فسافر، ووجد عليه حزن (٢) ، فكتب إليه عز الدين ابن أمسينا بهذه الأبيات يسأله عن حالة ويسليه:
يا خليلي حد ثاني بعلم ... كيف حال الشهاب بعد النجم
واقصصا لي حديثه فلقد قل ... اصطباري وزاد فكري وهمي
فمن المستحيل بعد رواح ال ... روح عند الورى بقاء الجسم
ثم قولا له مقال أخ ب ... ر شفيق بغير ظن ووهم
يا شهاباً أنوار بهجته الغرا ... ء تجلو عنا دياحي الظلم
إن ناءى فلال فلا من الإل ... مام شوقاً من الديار برسم
واصرف الهم عن فؤادك إن أم ... كن تصريفه بإبنة كرم فأجابه الشهاب التلعفري (٣) :
بأبي أنت يا خليلي وأمتي ... أنت قوسي إذا رميت وسهمي
أنت والله لي حسام جراز (٤) ... فيه للنائبات أعظم حسم
стр. 1403
كيف أخشى ذل ولي منك عز ... ما ترقت إليه همة نجم
نظمت فيك للمعالي عقود ... معجزات جميع نثري ونظمي
سيدي ما يطيق عبدك يشكو ... ما يقاسي الناس فرط وجد وغم
مذ تولى نجمي علمت بأني ... هابط في جميع أمري ونجمي
الليالي عندي ظلام وظلم ... بعد ذاك اللمى وذاك الظلم
جملة المر أن لي بعده دم؟ ... عاً كجدواك في انسكاب وسجم وقال (١) :
ما لي ولمصر لا سقاها ربي ... غيثاً غدقاً من ساريات السحب
بالروح دخلتها وبالقلب فلا ... بالروح خرجت لا ولا بالقلب ٥٠٦ (٢)
أثير الدين أبو حيان
محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، الشيخ الإمام الحافظ العلامة فريد العصر وشيخ الزمان وإمام النحاة، أثير الدين أبو حيان الغرناطي؛
стр. 1404
قرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية (١) وثغر الإسكندرية وبلاد مصر والحجاز، وحصل الإجازات من الشام والعراق وغير ذلك، واجتهد وطلب وحصل وكتب، وله إقبال على الطبلة الأذكياء وعنده تعظيم لهم. نظم ونثر، وله الموشحات البديعة، وهو ثبت فيما ينقله محرر لما يقوله، عارف باللغة ضابط لألفاظها، وأما النحو والتصريف فهو إمام الدنيا فيهما، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم وتقييد أسمائهم، خصوصاً المغاربة، على ما يتلفظون به من إمالة وترخيم وترقيق وتفخيم، وهو الذي جسر الناس على مصنفات جمال الدين ابن مالك ورغبهم في قراءتها وشرح لهم غامضها وخاض بهم لحجها وفتح لهم مقفلها، والتزم أن لا يقريء أحداً إلا أن كان في سيبيويه أو " التسهيل " لابن مالك أو في مصنفاته. ولما قدم من البلاد لازم الشيخ بهاء الدين ابن النحاس رحمه الله تعالى وأخذ عنه كتب الأدب.
وكان حسن العمة مليح الوجه، ظاهر اللون مشرباً بحمرة منور الشيبة؛ مولده بغرناطة في شهور سنة أرب وخمسين وستمائة، وتوفي بالديار المصرية في أوائل سنة خمس وأربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
ومن نظمه (٢) :
سبق الدمع بالمسيل (٤) المطايا ... إذ نوى من أحب عني نقله
وأجاد السطور في صفحة الخد ... ولم لا يجيد وهو ابن مقله؟ وقال أيضاً (٤) :
стр. 1405
يقول لي العذول ولم أطعه ... تسل فقد بدا للحب لحيه
تخيل أنها شانت حبيبي ... وعندي أنها زين وحليه وقال أيضاً (١) :
شوقي لذاك المحيا الزاهر الزاهي ... شوق شديد وجسمي الواهن الواهي
أسهرت طرفي ودلهت الفؤاد هوى ... والطرف والقلب مني الساهر الساهي
نهب قلبي وتنهى أن يبوح (٢) بما ... يلقاه وأشوقه للناهب الناهي
لهجت بالحب لما أن لهوت به ... عن كل شيء فويح اللاهج اللاهي وقال أيضاً (٣) :
راض حبيبي عارض قد بدا ... يا حسنه من عارض رائض
وظن قوم (٤) أن قلبي سلا ... والأصل لا يعتد بالعارض وقال أيضاً (٥) :
تعشقته شيخاً كأن مشيبه ... على وجنتيه ياسمين على ورد
أخا الفضل (٦) يدري ما يراد من النهي ... أمنت عليه من رقيب ومن ضد
وقالوا الورى قسمان في شرعة الهوى ... لسود اللحى ناس وناس إلى المرد
ألا إنني لو كنت أصبو لمرد ... صبوت إلى هيفاء مائسة القد
وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركاً ... فأحببت أن أبقى بأبيضهم وحدي