نبعة جرت على النجم الذيول ... دوحة طابت فروعاً وأصول
سح جوداً في ذراها ورقا ... فكساها يانعات الورق
شاعر فاق فحول الشعرا ... بقواف مثل أطراف الكرى (١)
باسمات تجتلي منها الورى ... يغراً يبسم أو زهراً (٢) يرى
كلما لاح سناها مشرقا ... سجد الغرب لنور المشرق
أيها الموفي على عهد الزمن ... كرماً محضً وفضلاً ومنن
جاءك الخادم من غير ثمن ... جالب الوشي لصنعاء اليمن
فاستمعها زادك الله بقا ... مدحة لم يحكها إبن بقي فأجابه شهاب الدين التلعفري رحمهما الله:
ليس (٣) يروي ما بقلبي من ظما ... غير برق لائح من إضم
إن تبدي لك بان الأجرع ... وأثيلات النقا من لعلع
يا خليلي قف على الدار معي ... وتأمل كم بها من مصرع
واحترز واحذر فأحداق الدمى ... كم أراقت في رباها من دم
حظ قلبي في الغرام الوله ... فعذولي فيه ما لي وله
حسبي الليل فما أطوله ... لم يزل آخره أوله
البيت في هوى أهيف معسول اللمى ... ريقه كم قد شفى من ألم
سائلي عن أحمد مما حوى ... من خلال هي للداء دوا
ما سواه وهو يا صاح سوى ... نار من كل فن ما انطوى
بحر آداب وفضل قد طما ... فاخش من آذيه الملتطم
стр. 1402
العزازي الشهاب الثاقب ... شكره فرض علينا واجب
فهو إذ تبلوه (١) نعم الصاحب ... سهمه في كل فن صائب
جائل في حلبة الفضل كما ... جال في يوم الوغى شهم كمي
شاعر أبدع في أشعاره ... ومتى أنكرت قولي باره
لو جرى مهيار في مضماره ... والخوارزمي في آثاره
قلت عودا وارجعا من أنتما ... ذا امرؤ القيس إليه ينتمي وكان بالقاهرة قد عشق صبياً يلقب بالنجم، فسافر، ووجد عليه حزن (٢) ، فكتب إليه عز الدين ابن أمسينا بهذه الأبيات يسأله عن حالة ويسليه:
يا خليلي حد ثاني بعلم ... كيف حال الشهاب بعد النجم
واقصصا لي حديثه فلقد قل ... اصطباري وزاد فكري وهمي
فمن المستحيل بعد رواح ال ... روح عند الورى بقاء الجسم
ثم قولا له مقال أخ ب ... ر شفيق بغير ظن ووهم
يا شهاباً أنوار بهجته الغرا ... ء تجلو عنا دياحي الظلم
إن ناءى فلال فلا من الإل ... مام شوقاً من الديار برسم
واصرف الهم عن فؤادك إن أم ... كن تصريفه بإبنة كرم فأجابه الشهاب التلعفري (٣) :
بأبي أنت يا خليلي وأمتي ... أنت قوسي إذا رميت وسهمي
أنت والله لي حسام جراز (٤) ... فيه للنائبات أعظم حسم
стр. 1403
كيف أخشى ذل ولي منك عز ... ما ترقت إليه همة نجم
نظمت فيك للمعالي عقود ... معجزات جميع نثري ونظمي
سيدي ما يطيق عبدك يشكو ... ما يقاسي الناس فرط وجد وغم
مذ تولى نجمي علمت بأني ... هابط في جميع أمري ونجمي
الليالي عندي ظلام وظلم ... بعد ذاك اللمى وذاك الظلم
جملة المر أن لي بعده دم؟ ... عاً كجدواك في انسكاب وسجم وقال (١) :
ما لي ولمصر لا سقاها ربي ... غيثاً غدقاً من ساريات السحب
بالروح دخلتها وبالقلب فلا ... بالروح خرجت لا ولا بالقلب ٥٠٦ (٢)
أثير الدين أبو حيان
محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، الشيخ الإمام الحافظ العلامة فريد العصر وشيخ الزمان وإمام النحاة، أثير الدين أبو حيان الغرناطي؛
стр. 1404
قرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية (١) وثغر الإسكندرية وبلاد مصر والحجاز، وحصل الإجازات من الشام والعراق وغير ذلك، واجتهد وطلب وحصل وكتب، وله إقبال على الطبلة الأذكياء وعنده تعظيم لهم. نظم ونثر، وله الموشحات البديعة، وهو ثبت فيما ينقله محرر لما يقوله، عارف باللغة ضابط لألفاظها، وأما النحو والتصريف فهو إمام الدنيا فيهما، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم وتقييد أسمائهم، خصوصاً المغاربة، على ما يتلفظون به من إمالة وترخيم وترقيق وتفخيم، وهو الذي جسر الناس على مصنفات جمال الدين ابن مالك ورغبهم في قراءتها وشرح لهم غامضها وخاض بهم لحجها وفتح لهم مقفلها، والتزم أن لا يقريء أحداً إلا أن كان في سيبيويه أو " التسهيل " لابن مالك أو في مصنفاته. ولما قدم من البلاد لازم الشيخ بهاء الدين ابن النحاس رحمه الله تعالى وأخذ عنه كتب الأدب.
وكان حسن العمة مليح الوجه، ظاهر اللون مشرباً بحمرة منور الشيبة؛ مولده بغرناطة في شهور سنة أرب وخمسين وستمائة، وتوفي بالديار المصرية في أوائل سنة خمس وأربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
ومن نظمه (٢) :
سبق الدمع بالمسيل (٤) المطايا ... إذ نوى من أحب عني نقله
وأجاد السطور في صفحة الخد ... ولم لا يجيد وهو ابن مقله؟ وقال أيضاً (٤) :
стр. 1405
يقول لي العذول ولم أطعه ... تسل فقد بدا للحب لحيه
تخيل أنها شانت حبيبي ... وعندي أنها زين وحليه وقال أيضاً (١) :
شوقي لذاك المحيا الزاهر الزاهي ... شوق شديد وجسمي الواهن الواهي
أسهرت طرفي ودلهت الفؤاد هوى ... والطرف والقلب مني الساهر الساهي
نهب قلبي وتنهى أن يبوح (٢) بما ... يلقاه وأشوقه للناهب الناهي
لهجت بالحب لما أن لهوت به ... عن كل شيء فويح اللاهج اللاهي وقال أيضاً (٣) :
راض حبيبي عارض قد بدا ... يا حسنه من عارض رائض
وظن قوم (٤) أن قلبي سلا ... والأصل لا يعتد بالعارض وقال أيضاً (٥) :
تعشقته شيخاً كأن مشيبه ... على وجنتيه ياسمين على ورد
أخا الفضل (٦) يدري ما يراد من النهي ... أمنت عليه من رقيب ومن ضد
وقالوا الورى قسمان في شرعة الهوى ... لسود اللحى ناس وناس إلى المرد
ألا إنني لو كنت أصبو لمرد ... صبوت إلى هيفاء مائسة القد
وسود اللحى أبصرت فيهم مشاركاً ... فأحببت أن أبقى بأبيضهم وحدي
стр. 1406
وقال في مليح أحدب (١) :
تعشقته أحدباً (٢) كيساً ... يحاكي نجيباً حنين اليغام
إذا كدت أسقط من فوقه ... تعلقت من ظهره بالسنام وقال أيضاً (٣) :
عداتي لهم فضل علي ومنة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا وقال أيضاً (٤) :
رجاؤك فلساً قد غاد في حبائلي ... قنيصاً رجاء للنتاج من العقم
أأتعب في تحصيله وأضيعه ... إذاً كنت معتاضاً من البرء بالسقم وقال في مليح فحام (٥) :
وعلقته مسود عين ووفرة ... وثوب يعاني صنعة الفحم عن قصد
كأن خطوط الفحم في وجناته ... لطاخة مسك في جني من الورد وقال موشحة (٦) :
إن كان ليل داج ... وخاننا الإصباح
فنورها الوهاج ... يغني عن المصباح
سلافة تبدو ... كالكوكب الأزهر
стр. 1407
مزاجها شهد ... وعرفها عنبر
يا حبذا الورد ... منها وإن أسكر
قلبي بها قد هاج ... فما تراني صاح
عن ذلك المنهاج ... وعن هوى يا صاح
وبي رشا أهيف ... قد لج في بعدي
بدر فلا يخسف ... منه سنا الخد
بلحظه المرهف ... يسطو على الأسد
كسطوة الحجاج ... في الناس والسفاح
فما ترى من ناج ... من لحظه السفاح
علل بالمسك ... قلبي رشاً أحور
منعم المسك ... ذو (١) مبسم أعطر
رياه كالمسك ... وريقه سكر (٢)
غصن على رجراج ... طاعت له الأرواح
فحبذا الآراج ... إن هبت الأرواح
مهلاً أبا القاسم ... على أبي (٣) حيان
ما إن له عاصم ... من لحظك الفتان
وهجرك الدائم ... قد طال بالهيمان (٤)
فدمعه أمواج ... وسره قد لاح
стр. 1408
لكنه ما عاج ... ولا أطاع اللاح (١)
يا رب ذي بهتان ... يعذل في الراح
وفي هوى الغزلان ... دافعت بالراح
وقلت لا سلوان ... عن ذاك يا لاحي
سبع الوجوه والتاج ... عن ذاك يا لاحي
فاختر لي يا زجاج ... قمصال (٢) وزوج أقداح وقال يعارض موشح ابن العفيف التلمساني رحمهما الله تعالى (٣) :
عاذلي في الأهيف الأنس ... لو رآه كان قد عذرا
رشأ قد زانه الحور ... غصن من فوقه قمر
قمر من سحبه الشعر ... ثغر في فيه أم درر
جال بين الدر واللعس ... خمرة من ذاقها سكرا
رجة بالردف أم كسل ... ريقة بالثغر أم عسل
وردة بالخد أم خجل ... " كحل بالعين أم كحل " (٤)
يا لها من أعين نعس ... جلبت للناظر السهرا (٥)
مذ نأى عن مقلتي سني ... ما أذيقا لذة الوسن
طال ما ألقاه من شجني ... عجباً ضدان في بدني
بفؤادي جذوة القبس ... وبعيني الماء منفجرا
стр. 1409
قد أتاني الله بالفرج ... إذ دنا مني أبو الفرج
قمر قد حل بالمهج ... كيف لا يخشى من الوهج
غيره لو صابه نفسي ... ظنه من حره شرراً
نصب العينين لي شركا ... فانثنى والقلب قد ملكا
أنت جيت من أرض اندلس ... نحو مصر تعشق القمرا؟ والموشحة التي لشمس الدين محمد بن العفيف التلمساني في هذا الوزن وهي:
قمر يجلو دجى الغلس ... بهر الأبصار مذ ظهرا
آمن من شبهة الكلف ... ذبت في حبيه بالكلف
لم يزل يسعى إلى تلف ... بركاب الدل والصلف
آه لولا أعين الحرس ... نلت منه الوصل مقتدرا
يا أميراً جار مذ وليا ... كيف لا ترثي لمن بليا
فبثغر منك قد جليا ... قد حلا طعماً وقد حليا
وبما أوتيت من كيس ... جد فما أبقيت مصطبرا
بدر تم في الجمال سني ... ولهذا لقبوه سني
قد سباني لذة الوسن ... بمحيا باهر حسن
هو خشفي وهو مفترسي ... فارو عن أعجوبتي خبرا
لك خد يا أبا الفرج ... زين بالتوريد والضرج
وحديث عاطر الأرج ... كم سبى قلباً بلا حرج
لو رآك الغصن لم يمس ... أو رآك البدر لاستترا
стр. 1410
يا مذيباً مهجتي كمدا ... فت في الحسن البدور مدى
يا كحيلاً كحله اعتمدا ... عجباً أن تبريء الرمدا
وبسقم الناظرين كسي ... جفنك السحار فانكسرا ومدحه محيي الدين ابن عبد الظاهر بقوله:
قد قيل لما الناس سمعت مباحثاً ... في الذات قررها أجل مقيد
هذا أبو حيان قلت صدقتم ... وبررتم (١) هذا هو التوحيدي وأما ما صنفه فهو: " البحر المحيط " في تفسير القرآن العظيم.
" إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب ". " كتاب الأسفار الملخص من كتاب الصفار ". " شرح سيبويه ". " كتاب التجريد لأحكام سيبويه ". " كتاب التذييل والتكميل في شرح التسهيل ". " كتاب التنخيل من شرح التسهيل ". كتاب " التذكرة ". كتاب " المبدع في التصريف ". كتاب " الموفور ". كتاب " التقريب ". كتاب " الندريب ". كتاب " غاية الإحسان ". كتاب " النكت الحسان ". كتاب " الشذا في مسألة كذا ". كتاب " الفصل في أحكام الفصل ". كتاب " اللمحة ". كتاب " الشذرة ". كتاب " الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء "، كتاب " عقد اللآلي ". كتاب " نكت الأمالي ". كتاب " النافع في قراءة نافع ". " الأثير في قراءة ابن كثير ". " المورد الغمر في قراءة أبي عمرو ". " الروض الباسم في قراءة عاصم ". " المزن (٢) الغامر في قراءة ابن عامر ". " الرمزة في قراءة حمزة ". " النائي (٣) في قراءة الكسائي ". " النير الجلي في قراءة زيد بن علي ". " الوهاج في اختصار المنهاج ". " النور الأجلى في اختصار المحلى ". " الحلل الحالية
стр. 1411
في أسانيد القرآن العالية ". " الإعلام بأركان الإسلام ". " نثر الدرر (١) ونظم الزهر ". " قطر الحبي في جواب أسولة الذهبي ". " نوافث السحر في دمائث الشعر ". " تحفة الندس في نحاة الأندلس ". " الأبيات الوافية البيت علم القافية ". " مشيخة ابن أبي المنصور ". " الإدراك للسان الأترك ". " زهو الملك فينحو الترك ". " نفحة المسك في سيرة الترك ". " الأفعال في لسان الأتراك ". " منطق الخرس في لسان الفرس ". ومما ليم يكمل تصنيفه: كتاب " مسلك الرشد في تجريد مسائل نهاية ابن رشد ". " منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك ". نهاية الإعراب في علمي التصريف والإعراب " رجز. " مجاني الهصر في شعراء العصر " (٢) . " المخبور في لسان اليحمور " (٣) . رحمه الله تعالى.
٥٠٧ - (٤)
محمود الوراق
محمود بن الحسن الوراق؛ أكثر شعره في المواعظ والحكم، روى عنه ابن أبي الدنيا، وتوفي في خلافة المعتصم في حدود الثلاثين والمائتين.
ومن شعره:
ما إن بكيت زماناً ... إلا بكيت عليه
ولا ذممت صديقاً ... إلا رجعت إليه
стр. 1412
وقال:
وما صاحب السبعين والعشر بعدها ... بأقرب ممن حنكته القابل
ولكن آمالاً يؤملها الفتى ... وفيهن للراجين حق وباطل وقال أيضاً:
يا ناظراً يرنو بعيني راقد ... ومشاهداً للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفوز العابد
ونسيت أن الله أخرج آدماً ... منها إلىالدنيا بذنب واحد وقال أيضاً:
أليس عجيباً بأن الفتى ... يصاب بنقص الذي في يديه
فمن بين باك له موجع ... وبين معز معز إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... فليس يعزيه خلق عليه وقال أيضاً:
سقياً لأيام خلت ... وكأن أوجهها رياض
أيام يحيينا الهوى ... وتميتنا الحدق المراض وقال أيضاً:
أي جهل يكون أبين من جه؟ ... ل أراني أضحي عليه وأمسي
أبغض الناس إن ظننت على الظن ... وأنسى اليقين من علم نفسي وقال أيضاً:
إذا أعطاك قتر حين يعطي ... وإن لم يعط قال أبى القضاء
يبخل ربه سفهاً وظلماً ... ويعذر نفسه فيما يشاء وقال أيضاً:
الدهر لا يبقى على حالة ... لكنه يقبل أو يدبر
стр. 1413
فإن تلقاك بمكروهه ... فاصبر فإن الدهر لا يصبر وقال أيضاً:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع وقال أيضاً:
دار الصديق إذا استشاط تغضباً ... فالغيظ يخرج كامن الأحقاد
ولربما كان التغضب باحثاً ... لمثالب الآباء والأجداد وقال أيضاً (١) :
تعز بحسن الصبر عن كل هالك ... ففي الصبر مسلاة الهموم اللوازم
إذا أنت لم تسل اصطباراً وحسبة ... سلوت على الأيام مثل البهائم وقال أيضاً:
لبست صروف الدهر كهلاً وناشئاً ... وجربت حاليه على العسر واليسر
فلم أر بعد الدين خيراً من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شراً من الفقر وقال أيضاً:
أيا رب قد أحسنت عوداً وبدأة ... إلي فلم ينهض بإحسانك الشكر
فمن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس لي عذر
стр. 1414
٥٠٨ - (١)
شهاب الدين محمود
محمود بن سلمان بن فهد، الإمام العلامة البارع البليغ الكاتب الحافظ، شهاب الدين أبو (٢) الثناء محمود الحلبي الدمشقي الحنبلي؛ ولد بدمشق سنة أربع وأربعين وستمائة، وتوفي في شهور سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
كتب المنسوب ونسخ الكثير، وتفقه على ابن المنجا وغيره، وتأدب على ابن مالك، ولازم الشيخ مجد الدين ابن الظهير وسلك طريقته في النظم وأربى عليه، وحذا حذوه في الكتابة. ونقله الوزير شمس الدين بن السلعوس إلى مصر، وتقدم ببلاغته وبديع كتابته وإنشائه وسكونه وتواضعه؛ وأقام بالديار المصرية إلى توفي القاضي شرف الدين بن فضل الله، فجهز إلى دمشق صاحب ديوان إنشائها، فأقام على المنصب ثمانية أعوام، وتوفي رحمه الله تعالى، وصلى عليه الأمير سيف الدين تنكز، ودفن في تربته بسفح قاسيون، وله من التصانيف: " مقامة العشاق "، وكتاب " منازل الأحباب "، و " حسن التوسل في صناعة (٣) الترسل "، و " أسنى المنائح في أسنى المدائح ". وكان ممن أتقن الفنين المنظوم والمنثور.
كتب إليه السراج الوراق ملغزاً في سجادة:
يا إماماً ألفاظه الغر في الأس؟ ... ماع تزري بالدر في الأسماط
стр. 1415
وشهاباً يجاوز الشهب قدراً ... فغدت عن علاه ذات انحطاط
أي أنثى وطئت منها حلالاً ... مستبيحاً ما لا يباح لواطي
لم أحاول تقبيلها غير خمس ... حال زهدي فيها وحال اغتباطي
وهي مملوكة وعند أناس ... هي ست على اختلاف التعاطي
وهي في صورة خماسية ما ... فهقت لا ولا دنت للبواطي
وتصيب الإيمان يسعى إليها ... طالب الله وهو عبد خاطي
وأرى أن تحلها بيمين ... ويسار فقد غدت في رباط فكتب إليه الجواب:
يا سراجاً لما سمت باسمه الشم؟ ... س غدا البدر دونها في انحطاط
أنت بحر نداك موج وألفا ... ظك در وصنع يمناك شاطي
لا تلمني إذا نظمت معاني ... ك فمن در فيك كان التقاطي
أنت ألغزت في اسم ذات رقاع ... لم تجاهد وكم غدت في رباط
خمساها عشر وللعشر فيها ... خطوات براحة وانبساط
حازها تابع المجلي فحاز ال ... سبق من دونه بغير اشتراط
مذ علاها في أول الصف أضحى ... كسليمان فوق متن البساط ومن شعره:
أسروا إلى ليلى سراهم فما انجلى ... وبات كطرفي نجمه وهو حيراني
كلانا غريق في المدامع والدجى ... كأن دموع العين والليل طوفان وقال:
عريب سبوا نومي ولم تدر مقلتي ... كما سكنوا قلبي ولم تشعر الأعضا
وطلقت نومي والجفون حوامل ... فمن أجل ذا في الخد أبقت لها فرضا وقال:
стр. 1416
تثنى وأغصان الأراك نواضر ... ونحت وأسراب من الطير عكف
فعلم بانات اللوى كيف تنثني ... وعلمت ورقاء الحمى كيف تهتف وقال:
رأتني وقد نال مني النحول ... وفاضت دموعي على الخد فيضا
فقالت بعيني هذا السقام ... فقلت صدقت، وبالخصر أيضا يشبه هذا قول الأرجاني:
غالطتني إذ كست جسمي الضنى ... كسوة عرت من اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما ومن هذه المادة قول جمال الدين ابن نباتة (١) :
وملولة في الحب (٢) لما أن رأت ... أثر السقا بعظمي المنهاض
قالت تغيرنا فقلت لها نعم ... أنا بالسقام (٣) وأنت بالإعراض وقال أيضاً:
رق العذول لما ألقى بكم ورثي ... لما رأى صدكم عن صبكم عبثا
نكثتم حبل ودري بعد قوته ... وطالما قلتم لا كان من نكثا
أين الوفاء الذي كنا نظن وما ... هذا الجفاء الذي من بعده حدثا؟
فاه نفثة مصدور بهجركم ... ومن يذق هجر من يشتاقه نفثا
رجوت يوم نواه لو تلبث لي ... لأشتكي بعض ما ألقى فما لبثا
وكم شكوت الذي ألقاه منه فما ... أوى لذلي ولا ألوي ولا اكترثا
وكم حلفت بأني لا أعاتبه ... ولست أول صب في الهوى حنثا
ويح المحب متى صدت حبائبه ... يوماً قضى وإذا ما واصلوا بعثا
قضى فناحت عليه الورق من حزن ... فسجعها بين أثناء النشيد رثا
стр. 1417
وقال أيضاً:
أفدي الذي بالأمس ودعني ... فقضى اصطباري بعده نحبا
وسرت به في البحر جارية ... سوداء يسبق سيرها الشهبا
لوأن حكم البحر طوع يدي ... لأخذت كل سفينة غصبا وقال مضمناً:
قل لي عن الحمام كيف دخلتها ... يا صاحبي لتسر خ مشفقا
أدخلتها وأولئك الأقوام قد ... شدوا المآزر فوق كثبان النقا وقال أيضاً:
رأيت في بستان خل لنا ... بدر دجى يغرس أشجار
فقلت إن أنجب هذا الذي ... يغرسه أثمر أقمارا وقال أيضاً:
ورأيته في الماء يسبح مرة ... والشعر قد رفت (١) عليه ظلاله
فظننت أن البدر قابل وجهه ... وجه الغدير فلاح فيه خياله وقال وكتب به إلى فتح الدين ابن عبد الظاهر:
هل البدر إلا ما حواه لثامها ... أو الصبح إلا ما جلاه ابتسامها
أو النار إلا ما بدا فوق خدها ... سناها وفي قلب المحب ضرامها
أقامت بقلبي إذ أقام بحبها ... فدارتها قلبي وداري خيامها
مهاة نقاً لو يستطاع اقتناصها ... وكعبة حسن لو يطاق استلامها
إذا ما نضت عنها اللثام وأسفرت ... تقشع من شمس النهار غمامها
نهاية حظي أن أقبل تربها ... وأيسر حظ للثام التثامها
تريك محيا الشمس في ليل شعرها ... على قيد رمح وجهها وقوامها
стр. 1418
وتزهى على البدر المنير فإنها ... مدى الدهر لا يخشى السرار تمامها
تغني على أعطافها ورق حليها ... إذا ناح في هيف الغصون حمامها
تردد بين الخمر والسحر لحظها ... وحازها والدر أيضاً كلامها
كلانا نشاوي غير أن جفونها ... مدام المعنى والدلال مدامها
وليلة زارت والثريا كأنها ... نظاماً وحسناً عقدها وابتسامها
وحيت فأحيت ما أمات صدودها ... وردت فرد الروح في سلامها
وقالت بعيني ذا السقام (١) الذي أرى ... فقلت وهل بلواي إلا سقامها
فأبدت ثناياها فقل في خميلة ... بدا نورا وانشق عنها كمامها
وأبعدت لا بل سمط در تصونه ... بأصداف ياقوت لماها ختامها
وقالت وما للعين عهد بطيفها ... ولا النوم مذ صدت وعز مرامها:
لقد أتعبت عيني جفونك في الدجى ... فقلت سلي جفنيك أين منامها
وما علمت أن الرقاد وقد جفت ... كمثل حياتي في يديها زمامها
وكم ليلة سامرت فيها نجومها ... كأني راع ضل (٢) عنه سوامها
كأن الثريا والهلال ودارة ... حوته وقد زان الثريا التئامها
حباب طفا من حول رفرف فضة ... بكف فتاة (٣) طاف بالراح جامها
كأن نجوماً في المجرة خرد ... سواق رماها في غدير زحامها
كأن رياضاً قد تسلسل ماؤها ... فشقت أقاحيها وشاق خزامها
كأن سنا الجوزاء إكليل جوهر ... أضاءت لآليه فراق انتظامها
كأن لدى النسرين في الجو غلمة ... رماة رمى ذا دون هذا سهامها
كأن سهيلاً والنجوم وراءه ... صفوف صلاة قام فيها إمامها
كأن الدجى هيجاء جرت نجومه ... أسنتها والبرق فيها حسامها
стр. 1419
كأن الرجوم الهاديات فوارس ... تساقط ما بين الأسنة هامها
كأن سنا المريخ شعلة قابس ... تلوح على بعدويخفى ضرامها
كأن السها صب سها نحو إلفه ... يراعي الليالي جفنه لا ينامها
كأن خفوق القلب قلب متيم ... رأى بلدة الأحباب أقوى مقامها
كأن ثريا أفقه في انبساطها ... يمين كريم لا يخاف انضمامها
كأن بفتح الدين في جوده اقتدت ... فروى الروابي والأكام انركامها وقال في أبيات:
والطل في أعين النوار تحسبه ... دمعاً (١) تحير لم يرقأ ولم يكف
كلؤلؤ ظل عطف الغصن متشحاً ... بعقده وتبدي منه في شنف
يضم من سندس الأوراق في صور ... خضر ويجني من الأزهار في صدق
والشمس في طفل الأمساء تنظر من ... طرف غدا وهو من خوف الفراق خفي
كعاشق سار عن أحبابه وهفا ... به الهوى فتراءاهم على شرف وقال يرثي شاباً جميلاً فقد:
إن من تهواه قد ظعنا (٢) ... فاندب الأطلال والدمنا
واخدع القلب الذي صحبوا ... وخداع النافرين عنا
واسل عن طيب الحياة فقد ... صرت لا قلباً ولا سكنا
لا تقل أرجو الإياب فكم ... نازح بعد البعاد دنا
فهو دهر كان ملتهياً ... عنكم والآن قد فطنا
جيرة والله بعدهم ... لم أجد حسناً ولا حسنا
سلبوا روحي فليتهم ... عوضوني عودهم ثمنا
ودروا أني أموت بهم ... فكسوني بالضنا كفنا
ما على الحادي العجول بهم ... حرج لو يحبس البدنا
стр. 1420
فعسى روح معلقة ... بهم أن تذكر الوطنا
قلت للبدر المنير وقد ... غاب من أربى عليه سنا:
غب أو اطلع إن أردت فما ... فيك لي عن من فقدت غنى (١)
أنبأتني الشمس عنه وعن ... بدرها إذ غاب واقترنا
نحن كنا إخوة شرفاً ... فأصاب الدهر أحسننا
وسألت الدوح بعدهم ... هل أمالت نسمة غصنا
أو تمشت في خمائله ... ذات طوق تبعث الشجنا
أو سقاه الطل مضطجعاً ... فلوى أعطافه وثنى
قال لي ذاك النسيم نأى ... مذ تناءوا والغمام ونى
وعيون النور قد رمدت ... وغناء الورق عاد عنا
فإذا ملنا فلا طرب ... بل لأن الورق نحن لنا
سادتي هل بعد بعدكم ... ترجع الأيام تجمعنا
أرتجي واليأس يهزأ بي ... أن يضم الدهر ألفتنا
وضلال الحب غادر ... لي فيكم بعد المنون منى
إن قضى صب يهيم علي ... فقد أحباب نأوا فأنا
فسقاكم كل سارية ... من دموعي تخجل المزنا وقال أيضاً:
يا من أضاف إلى الجمال جميلا ... لا كنت إن طاوعت فيك عذولا
عوضتني من نار هجرك جنة ... فسكنت ظلاً من رضاك ظليلاً
وحللت من أحشاي ربعاً دارساً ... فغدا بقربك عامراً مأهولا
ومننت حين منحتني سقماً به (٢) ... أشبهت خصرك رقة ونحولا
стр. 1421
وكففت لحظك بالفتور تلطفاً ... كيلا أبيت بحده (١) مقتولا
وسلكت بي في الحب أحسن مسلك ... لم يبق لي نحو السلو سبيلا
ولرب ليل مثل وجهك بدره ... ودجاه مثل مديد شعرك طولا
أرسلت لي فيه الخيال فكان لي ... دون الأنيس مؤانساً وخليلا
إن لم أجد للوجد فيك بمهجتي ... لا نال قلبي من وصالك سولا وقال أيضاً:
تقضي زماني في انتظار وصاله ... ومات اصطباري والغرام بحاله
قضيب نقا قد كنت أرجو انعطافه ... فرحت لحيني آيساً من خياله
أعرض من وجد بعسال قده ... ومعسول فيه بالعذيب وضاله
أليس من التبريج أن مزاره ... قريب ونيل الشهب دون مناله
لئن عمه بالحسن ياقوت خده ... فقد خصه بالصون عنبر خاله
إذا ما شكوت الوجد قال أخو الهوى ... صبابته تغنيه عن شرح حاله
وإن رمت وصلاً قال لي أنت مدع ... فأعرض عنه خيفة من جداله
وما ذاك عياً غير أن دليله ... علي عليه شاهد من دلاله وقال أيضاً:
نم بأسرار الحمى نسيمه ... فذاع من سر الهوى مكتومه
روى حديثاً عن أهيل رامة ... جدد ما أبلى الهوى قديمه
إلى كئيب دنف عذابه ... في حب جيران النقا نعيمه
روم أن يعطف من ذاك الحمى ... عليه من بعد الصدود ريمه
يا صناً مقلته صاد له ... والحاجب النون وفوه ميه
طوبى لمن في راحتيك راحه ... وأنت يا كل المنى نديه
إن تاه في معوج صدغيك فقد ... هداه من فرقك مستقيمه
стр. 1422
آنس قلبي نار طور خده ... فهو كما شاء الهوى كليمه وقال يعاتب محبوباً:
غدرتم ولولا الغدر ما كان لي عذر ... فجاء على قصدي وقصدتم الأمر
وجدتم مجالاً للقلى وكذا أنا ... فما ضاق لي يوماً ولا لكم صدر
فلا أشتكي منكم ملالاً لأنكم ... هجرتم بحمد الله إذ طاب لي الهجر
فإن تدعوا عنا اصطباراً فهكذا ... أتانا بلا دعوى كما نشتهي الصبر
وإن تشكروا حكم البعاد فللنوى ... علينا إياد لا يقوم بها الشكر
وكنت أظن الصبر مراً مذاقه ... فمذ ذقته أيقنت أن الهوى المر
فكونوا كما شئتم فإنا كما نشا ... صحونا جميعاً وانجلى ذلك السكر
فكم تهت من قد هناك وطلعة ... بغصن ولا غصن وبدر ولا بدر
وإن كان زيد صدكم عن وصالنا ... فلم تخطئوا شيئاً كذا صدنا عمرو
وإن كنتم أنسيتم العهد فاسألوا ... ليخبركم هل مر يوماً له ذكر
تقضي الهوى منا ومنكم فكلنا ... سواء ولكن منكم بدأ الشر
ولا شر في أمر عرفنا به الذي ... لنا عندكم حتى استوى السر والجهر
فلا مقلة عبرى بأجفانها قذى ... ولا كبد حرى بأثنائها جمر
ولا زادنا حب جوى كل ليلة ... ولا سلوة الأيام موعدها الحشر (١)
وكنا كما شاء الغرام كأننا ... لفرط امتزاج بيننا الماء والخمر
فكم ليلة ما شاب إظلامها دجى ... وكم ليلة بالهجر ما شابها فجر
فأعقبكم ذاك الوفاء ملالة ... فلا بأس هذا الغدر شيمته الغدر
وإني وإن ألفيت في ذاك راحة ... وباتت يدي منكم وراحتها صفر
لمثن ولكن لا يقابل هجركم ... سوى الهجر لا عتب يمض ولا هجر وقال أيضاً:
стр. 1423
ما ضر من شفع الصدود ببعده ... لو علل الكلف المشوق بوعده
أو لو شفاه بزورة بعد النوى ... ليرى الذي فعل البعاد بعبده
ظبي من الأتراك خال باله ... من حال ملآن الفؤاد بوجده
ريان من ماء الشباب إذا مشى ... تثني الغصون على تثني قده
ما كنت أشكو من قساوة قلبه ... لو أنه أعدته رقة خده
أبكي ويضحكه التدلل عن نقا ... برد شفاء محبه في برده
وأمير حسن ناظري والقلب من ... أعوانه أبداً علي وجنده
علماً بأن اللحظ منه صارم ... عضب وما حذرا مواقع حده
لو زارني لفضضت ختم رضابه ... ما بغيتي في ورده أو ورده
وأجلت كفي في مجال نطاقه ... في غوره وكففتها عن نجده
قالوا به سقم فقلت لعله ... في جفنه أو خصره أو عهده
يا سالبي طيب الرقاد وإنما ... أسفي علي فقد الخيال كفقده
لولا انتظار الطيف يطرق في الطرى ... ما راح دمعي سائلاً في رده وقال أيضاً:
أيا رشأ بت من حبه ... فقيد الكرى قلق المضجع
ومن أصبحت نار وجدي به ... تؤججها في الحشا أدمعي
" ومن إن تدم مقلتي لحظها ... إلى وجهه تدم أو تدمع "
ومن غير ذكراه لم يحل في ... لساني ولا حل في مسمعي
ومن حاز قلبي طوعاً لديه ... متى يدعه لحظه يتبع
دمي لك فارفع شبا السيف من ... لحاظك عن مهجتي أو ضع
وحكم حياتي في راحتيك ... فخذها إن اخترتها (١) أو دع
فصن ذا المحيا الذي في سناه ... دليل على قدرة المبدع
стр. 1424
فما ربة الخدر إن أسفرت ... بأحوج منك إلى البرقع
ولاح يعنفني في الغرام ... وهل يسمع اللوم من لا يعي
وأنكر ما يدعي من هواه ... وسقمي يثبت ما يدعي
رآك فساعدني في الحنين ... وأضحى على من لحاني معي وقال أيضاً:
خليلي هذا البرق أسيافه تنضي ... فهيا عسى حتف الظلام به يقضى
فليس لنا بالصبح عهد (١) لأننا ... عهدناه من قبل التفرق مبيضاً
ولا بالكرى علم وهل كان لامرئ ... نأى عنه من يهواه أن يعرف الغمضا
هم هجروا برد الظلال وإنما ... حشاي، وحاشاهم، أقامت على الرمضا
مضوا فاسترد الدهر أنسي الذي مضى ... كأن له عندي بقربهم قرضا
وبانوا فآلى (٢) البان لا بان بعدهم ... ولا عانقت أغصانه بعضها بعضا
عريب سبوا نومي ولم تدر مقلتي ... كما سلبوا قلبي ولم تشعر الأعضا (٣)
فليتهم عادوا وقلبي فداهم ... وأرضي بأن تضحي خدودي لهم أرضا وقال أيضاً:
أعلي في حب الديار ملام ... أم هل تذكرها علي حرام
أم هل أذم إذا ذكرت منازلاً ... فارقتها ولها علي ذمام
دار الأحبة والهوى وشبيبة ... ذهبت وجيران علي كرام
فارقتها فأرقت من وجدي بهم ... أفهل لهم أو للكرى إلمام
كانوا حياتي وابتليت بفقدهم ... فعليهم وعلى الحياة سلام
أشتاقها شوق الغريب مزاره ... سفهاً، وإلا أين مني الشام
وتروقني خدع المنى منها وقد ... بعد المدى وتمادت الأيام
стр. 1425
وتلذ لي سنة السكرى لا رغبة ... في النوم بل لتعيدها الأحلام
وتمثل الأوهام لي أني بها ... ثاو (١) ولذات الهوى أوهام
فكأن ربع تشوقي وخيالها ... دمن ألم بها فقال سلام
ليس الغرام بها لأن نسيمها ... وان وثغر رياضها بسام
بل للديار إذ (٢) الشباب مطاوع ... فيها وأيام الزمان وسام
إذ لا نخاف بها الوشاة وحولنا ... فيها العيون وعندنا النمام
الورد خد والبنفسج عارض ... والنور ثغر والقضيب قوام
والراح ريق أو حديث رائق ... والنقل لثم والقيان حمام
ولقد نقلت إلى الأجل وإنما ... عصر الصبا أيامه الأيام
لو عاد لي عصر الشباب رأيتها ... بعيون صب ماؤهن غرام وقال أيضاً:
يا ليلة بات ثغر الكأس معتنقي ... فيها فداك سواد القلب والحدق
إن كنت أنشر صباً ميتاً فلقد ... أمات فقدك ما أبقيت من رمقي
سمحت لي برشاً أدري الوشاة به ... جبينه والشذا من نشره العبق
في روضة كلما ماست معاطفه ... فيها تسترت الأغصان بالورق
وبات يطفيء بالعذب المبرد من ... لماه ما أضرمت خداه من حرقي
وبت حاوي بدر التم إذ بيدي ... طوقت اسود ذاك الشعر في عنقي
وجاء يسعى بها حمراء قبالها ... بوجهه فبدت شمسين في أفق
بكر حبتها ثناياه الحباب كما ... خداه ألقت عليها حمرة الشفق
وقال دونكها إن شئت من قدحي ... أو من لمى شفتي اللعساء أو حدقي
كل مدام وإن شككت ها شفتي ... وهذه الكأس فاختر ما تشا وذق
стр. 1426
فيا لها ليلة قضيتها عجباً ... الشمس مغتبقي والبدر معتنقي وكتب إليه علاء الدين ابن غانم من حصن صهيون:
إليك شهاب الدين نشكو متاعباً ... فأنت الذي ما زلت ترثي لمن شكا
إلى الله نشكو حصن صهيون إننا ... إلى الرفق فيها لم نجد قط مسلكا
لتغييره وجه الوجود مقطب ... عليه وعين الشمس زالت من البكا
أصم صراخ الرعد فيه مسامع ال ... برايا وستر البرق وجداً تهتكا فأجابه شهاب الدين رحمهما الله تعالى:
ألم يكفني شوق إليه وأدمع ... عليه إذا ما جادت الغيث أمسكا
وأني مذ فارقت - لا ذقت بعده - ... محياه لم أصحب حميماً سوى البكا
إلى أن شكا حالاً غدوت لحملها ... أكابد من همي به فوق ما شكا
وحرك أشجاني على أن في الحشا ... لها باعثاً (١) من نفسها ومحركا
فيا نازحاً أودى بقلبي ولم يزل ... بإخلاصه في حبه متمسكا
وحقك لو عاينت ما في جوانحي ... لساءك أو ما في ضميري لسركا
جوى لو غدا في حصن صهيون بعضه ... تزلزل أو أخني عليه تدكدكا
وتوحيد وجد لو تقسم لم تجد ... على الأرض في دين المودة مشركا
فصبراً، على أني وقد غبت رمته ... فلم ألق نحو الصبر بعدك مسلكا
فهل هو إلا البرق أومض موهناً ... لديك ليحكي نار وجدي فما حكى
أو القطر يهمي وهو مذ شطت النوى ... رأى عبرتي تجري فمثلها لكا
أو الشمس أخفت وجهها عنك كي ترى ... وقد غبت عني وحشة الأفق بعد كا
عساك ترى الرأي الموفق بعدها ... فإن الذي أغراك من قبل غركا وكتب إلى الشيخ علاء الدين ابن غانم:
стр. 1427
سيدي قربك عندي ... منتهى سولي وقصدي
أنت أحلى في فؤادي ... من دنو بعد بعد (١)
فلم اخترت فراقي ... وأنا الليلة وحدي
كن جوابي تغنم الوا ... فر من شكري وحمدي
وتكن أكرم مولى ... قد تمشي نحو عبد فأجابه علاء الدين ابن غانم:
لم أغب عنك بودي ... يا أعز الناس عندي
لكن الحرمان يقصي؟ ... ني ويدنيني سعدي
أنا للخدمة ".... " ... كل وقت متصدي
لا على رجلي أسعى ... بل على رأسي وخدي وقال رحمه الله تعالى:
أيها المنزل الذي كان فيه ... لتجلي شموسهم إشراق
والذي كان فيه بدر المسرا ... ت تماماً لا يعتريه محاق
أوحشوني مذ فارقوني فهل أص ... بحت مثلي إليهم تشتاق
فابك لي مسعداً عليهم فلا يأ ... س إذا ما تساعد العشاق وقال أيضاً:
وبمهجتي من سل صارم لحظه ... فحمى رياض خدوده أن تجتنى
لو أن رقة خده أو لفظه ... أو ريقه في قلبه نلت المنى وقال أيضاً:
قبلت رجل حبيبي ... فازور واحمر خدا
وقال تلثم رجلي ... لقد تنازلت جدا
стр. 1428
فقلت لم آت ذنباً ... ولا تعديت حدا
رجل سعت بك نحوي ... حقوقها لا (١) تؤدي وقال في مليح حراث:
عشقت حراثاً مليحاً غدا ... في يده المساس ما أجمله
كأنه الزهرة قدامه ال ... ثور يراعي مطلع السنبله وكتب إليه علاء الدين ابن غانم لغزاً في أحمد:
نصف اسم من أهواه في قلبه ... أمر لغير الفائت القاني
ونصفه الأول معكوسه ... في العكس حرف وهو حرفان فأجابه رحمهما الله تعالى:
كتم اسم من همت غراماً به ... أحمد من كشف وإعلان
فإن نأى فابك على فقده ... بالعكس من نصف اسمه الثاني
وإن تصحف عكس نصف اسمه ... أمنت من صد وهجران وقال:
يا حياتي من حياتي بعدما ... بنت عنهم والنوى أقتل شي
ليتهم لو عاينوني ليروا ... ميتاً من بعدهم في زي حي
стр. 1429
٥٠٩ - (١)
غازان المغلي
محمود بن أرغون المغلي الجنكزخاني صاحب العراقين وخراسان وفارس وأذربيجان والروم؛ كان شاباً عاقلاً شجاعاً مهيباً مليح الشكل، ملك سنة ثلاث وتسعين وستمائة فحسن له نائبه توزون الإسلام فأسلم سنة أربع وتسعين، وفشا الإسلام في التتار. وطرق الشام وغلب عليه بعد أن قل (٢) العساكر الإسلامية. وكان يعف عن الدماء لا عن المال، ومات بقرب همذان (٣) سنة ثلاث وسبعمائة في شوال، ولم يتكهل، ونقل إلى تبريز، ودفن بتربيه؛ واشتهر أنه سم في منديل تمسح به بعد الجماع، فتعل ومات، وقام بعده أخوه خربندا (٤) .
وكان له خبرة بسياسة الأمور وتدبيرالملك، وكان قد التحق في أفعاله بجده الأكبر هولاكو، ولم يكن فيه ما يشينه غير أنه كان بخيلاً، لكن كانت هيبته قوية ورعيته في زمانه آمنة، ولما توفي كتب نائب البيرة مطالعة إلى السلطان الملك الناصر يخبره فيها بوفاته بخط علاء الدين الوداعي، وكانت الأخبار قد اختلفت بوفاته كثيراً:
قد مات قازان بلا مرية ... ولم يمت في الحجج الماضيه
بل شنعوا عن موته فانثنى ... حياً ولكن هذه القاضيه
стр. 1430
فكتب جواب المطالعة الشيخ شهاب الدين محمود بخطه إلى الأمير سيف الدين طوغان نائب البيرة: ووقفنا على البيتين اللذين نظما في وصف حال قازان وتحقق موته بعد اختلاف الأخبار فيه، والجواب عنهما:
مات من الرعب وإن لم تكن ... بموته أسيافنا راضيه
وإن يفتها فأخوه إذا ... رأى ظباها كانت القاضيه ٥١٠ (١)
صفي الدين القرافي
محمود بن محمد بن حامد بن ابي بكر، الشيخ الإمام العالم المحدث المتقن المفيد صفي الدين القرافي الصوفي أخو الشيخ المعمر شهاب الدين الصوفي؛ ولد سنة سبع وأربعين وستمائة، وتوفي سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة.
قرأ مسند الإمام أحمد على أبي الغنائم بن علان، وكتب العالي والنازل، وكان فصيح العبارة عذب القراءة، ديناً صيناً؛ حصل له لما تكهل يبس وسوداء، فاستوحش ولازم الوحدة، وبقي يحدث نفسه ولكنه جمع ونسخ وتعب، وخلط " صحاح " الجوهري والأزهري و " المحكم " في ديوان واحد، ووقف كتبه بالخانقاه الشميصاتية، وبها توفي رحمه الله تعالى.
стр. 1431
٥١١ - (١)
" كشاجم "
محمود بن الحسين، أبو الفتح الكاتب المعروف بكشاجم؛ هو من أهل الرملة من نواحي فلسطين، هو لقب نفسه " كشاجم " فسئل (٢) عن ذلك فقال: الكاف من كاتب والشين من شاعر والألف من أديب والجيم من جواد والميم من منجم. وقال بعضهم: كشاجم طخ، وزاد الطاء من طباخ والخاء من خراء.
وكان من شعراء أبي الهيجاء " ... " (٣) عبد الله بن حمدان والد سيف الدولة. وله من التصانيف كتاب " أدب النديم ". " كتاب المصايد والمطارد ". " كتاب الطبيخ ". وكانت وفاته في حدود الخمسين وثلثمائة. ومن شعره (٤) :
بأبي وأمي زائر متنقب ... لم يخف ضوء الشمس تحت قناعه
لم أستتم عناقه لقدومه ... حتى ابتدأت عناقه لوداعه وهو من قول العكوك (٥) :
стр. 1432
راقب الخلوة حتى أمكنت ... ورعى (١) السامر حتى هجعا
كابد الأهوال في زورته ... ثم ما سلم حتى ودعا ومن شعر كشاجم يصف النار (٢) :
كأنما الجمر والرماد وقد ... كاد يواري من نورها نورا
ورد جني القطاف أحمر قد ... ذرت عليه الأكف كافورا وقال أيضاً (٣) :
جاءت بوجه كأنه قمر ... على قوام كأنه غصن
غنت فلم تبق في جارحة ... إلا تمنت بأنها أذن وقال أيضاً (٤) :
أرى وصالك لا يصفو لآمله ... والهجر يتبعه ركضاً على الأثر
كالقوس أقرب سهميها إذا عطفت ... عليه أبعدها من منزع الوتر ٥١٢ (٥)
" ابن قادوس "
محمود بن إسماعيل بن قادوس القاضي، أبو الفتح المصري الكاتب
стр. 1433
صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية؛ أصله من دمياط، قيل إن القاضي الفاضل كان ممن اشتغل عليه، وكان يعظمه ويشميه " ذو البلاغتين "، وكان لا يتمكن من اقتباس فوائده غلاباً إلا في ركوبه من القصر إلى منزله ومن منزله إلى القصر، فيسايره ويجاريه في فنون الإنشاء والأدب. توفي سنة إحدى وخمسين وخمسمائة؛ ومن شعره:
وفاتر النية عنينها ... يواصل الرعدة والهزه
مكبراً سبعين في مرة ... كأنما صلى على حمزه يشير إلى أن رسول الله ﷺ لما قتل عمه حمزة ﵁ كان يقدمه (١) كلما صلى على قتيل قتل يوم أحد.
ومن شعره:
ديباج خديه بسن؟ ... دس عارضيه مفروز
وبخده خال لدا ... ئرة الملاحة مركز ومنه أيضاً:
من عاذري من عاذل (٢) ... يلوم في حب رشا
إذا جحدت (٣) حبه ... قال كفى بالدمع شا يعني كفى بالدمع شاهداً (٤) .
وقال أيضاً (٥) :
مداده في الطرس لما بدا ... قبله الصب ومن يزهد
كأنما قد حل فيه اللمى ... أو ذاب فيه الحجر الأسود
стр. 1434
٥١٣ - (١)
" شمس الدين الكوفي "
محمود بن أحمد بن عبد الله بن داود بن محمد بن علي الهاشمي الحنفي، شمس الدين الكوفي؛ كان أديباً فاضلاً عالماً شاعراً ظريفاً كيساً دمث الأخلاق. ولي التدريس بالمدرسة التشيشية، وخطب في جامع السلطان، ووعظ في باب بدر. توفي في شهور سنة خمس وسبعين وستمائة، ومولده سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فمن شعره:
ملابس الصبر نبليها وتبلينا ... ومدة الهجر نفنيها وتفنينا
شوقاً إلى أوجه متنا بفرقتها ... حزناً وكانت تحيينا فتحيينا
أحزاننا بهم لا تنقضي ولنا ... شوق إلى ساكني يبرين يبرينا
يا دهر قد مسنا من بعدهم حرق ... من الفراق إلى التكفين تكفينا
وعدتنا بالتلاقي ثم تخلفنا ... فكم نرى منك تلوينا وتلوينا
ديارهم درس من بعد ما درست ... نفسي بها من تلاقينا تلاقينا
متعت فيها إلى حين فوا أسفا ... إذ عشت حتى رأيت الحين والحينا
كنا جميعاً وكان الدهر يسعدنا ... والكائنات بكأس الأمن تسقينا
فالآن قرت عيون الحاسدين بنا ... بما جرى واشتفت منا أعادينا
فصار يرحمنا من كان يأملنا ... وعاد يبعدنا من كان يدنينا
وبات يخذلنا من كان ينصرنا ... وصار يرخصنا من كان يغلينا
واليوم ألطف كل العالمين بنا ... من عن أحبتنا أضحى يعزينا
стр. 1435
ليت العذول يرى من فيه يعذلنا ... لعله إذ يرى عيناً يراعينا
إلى متى نحمل البلوى وعاذلنا ... بغير ما هو يعنينا يعنينا
ما ضر عذالنا لو أنهم رفقوا ... فعذلهم ليس يسلينا ويسلينا
حمائم الدوح في الأغصان نائحة ... كما تنوح فنحكيها وتحكينا
تشجو وتندب من شوق لمن فقدت ... ومن فقدنا فنشجيها وتشجينا
قد نسرت يا أحبانا جرائحنا ... وما لنا غير لقياكم يداوينا
أمراضنا من كلام الشامتين بنا ... فهل زمان يشفينا ويشفينا؟
إنا عطاش إلى أخباركم فمتى ... يأتي رسول يروينا ويروينا؟
بنا إلى عزكم فقر ومسكنة ... فهل بشير يغنينا فيغنيا؟ وقال رحمه الله تعالى:
ارفق بصب لا يريد سواكا ... قد صار من فرط السقام سواكا
أسكنته ربع الغرام فيا له ... من ساكن لا يستطيع حراكا
بالله (١) من أفتاك في سفك الدما ... حتى تسلط طرفك الفتاكا
كم لي بأكناف (٢) الأجيرع وقفة ... علي وادي الأراك أراكا
كم صامت بالوجد بنطق حاله ... هذا وكم شاك فؤادي شاكا
ضرب الغرام على النفوس سراداً ... والحسن مد على العقول شباكا
كيف الخلاص من الحمى وبربعه ال ... غزلان تنصب للأسود شراكا
وارحمتا لذوي الوى من جاهل ... متعقل ومغفل يتذاكى
قالوا هلكت بحبه فرحمت من ... من جهله عد النجاة هلاكا
كفوا فما أحلى عذابي في الهوى ... عندي إذا كان المعذب ذاكا
يا صاحبي عرج بجرعاء الحمى ... فهناك رؤية من تراه هناكا
стр. 1436
عرب يعز المحتمي بجنابهم ... والعرب ما زالت تعز كذاكا وقال أيضاً:
ما للقلوب سوى الحبيب أنيس ... هو للفؤاد منادم وجليس
جبذ القلوب إلى هواه جماله ... فكأنه للخلق مغناطيس
لا يردك المعقول لطف جمال من ... أهوى فكيف يناله المحسوس
كم قد كتبت إليه قصة غصتي ... بمداد دمعي والخدود طروس
لم يبق دمعي وجنتي إلا عسى ... يوماً لها قدم الحبيب تدوس
دمعي بذكرك مطلق ومسلسل ... وصبابتي وقف عليك حبيس
الناس عشاق وأنت حبيبهم ... والكون ماشطة وأنت عروس
وحماك كم نحرت نحو دونه ... وتطايرت عند الدنو رؤوس
أيقال لي أتلفت نفسك في الهوى ... عجبي وهل للعاشقين نفوس
جردت نفسي ذلك علمت بأنه ... لا يستقيم الكيس لي والكيس
وعكست حال يفي العيون كأنه ... نقش الفصوص صوابه المعكوس
كما قال قوم والحديث تعلة ... وادي العروس وما هناك عروس
قد غرهم آل التوهم مثلما ... غرت بصرح قبلهم بلقيس
يا من دعا أرواحنا فتبادرت ... سبقاً وحن إلى النفيس نفيس
سارت إليك بنا أيانقنا (١) فلا ال ... تقبيل يعجبها ولا التعريس
ومتى وصلن إليك يا كل المنى ... ذهب العنا عنا وزال البوس
العيس تشتاق العقيق لساكن ... لولاه ما حنت إليه العيس وقال أيضاً:
جلا الدجى إذ جلا فينا محياه ... فكم أمات به صباً وأحياه
ممنع تعشق الأكوان بهجته ... بدر بلى ما لبدر التم معناه
стр. 1437
أشتاقه وسواد القلب منزله ... ولبدر ما زال برج القلب مأواه
أكني بليلى ولبنى حين أذكره ... صوناً له وبحالي يعلم الله
بالحب يعرفنا حقاً ونعرفه ... مكمل الظرف يهوانا ونهواه
أدير عيني في الدنيا وزهرتها ... فما يروق لها في الخلق إلا هو
يسوغ لي العذل إذ يشدو العذول به ... لولاه ما ساغ عندي العذل لولاه
لو شاهد القوم ما شاهدت من قمري ... بالعذل ما نطقوا فيه ولا فاهوا
قالوا تسل عن المحبوب قلت لهم ... حاشا لمثلي أن يسلو وحاشاه
أما رأى حسنه من فيه يعذلني ... يا قوم ما أجهل اللاحي وأغباه
يا عز من أنت يا مولاي سيده ... يا ذل من لست يا مولاي مولاه
أهيم إن رمز الحادي بذكر حبي ... ب القلب أو هو سماه وكناه
هيجت وجدي بذكرى من كلفت به ... كرر على مسمعي بالله ذكراه
أعد فأن حديث الحب في أذني ... والله أطيب مسموع وأحلاه وقال أيضاً ﵀:
شهود غرامي في هواك عدول ... سهاد ودمع سائل ونحول
وشوقي إلى لقياك شوق مبرح ... ولي شرح حال في الغرام يطول
لقد فضح الصب الحمول ركائب ... سرين وأقمار السماء حمول
سرت وفؤادي موبق موثق بها ... تميل به الأشواق حيث تميل
وهمت ولكن ما وهمت بحب من ... محاسنه ما إن لهن مثيل
حبيب تجني ظالما ًفاحتملته ... وكل محب للحبيب حمول
تجني بلا ذنب علي وملني ... وعن له عما عهدت يحول
ومال على ضعفي ومال إلى العدا ... وأقبل يصغي والعذول يقول
ولم لم ينزه سمعه عن مقالة ... بها كم أتاني كاشح وعذول
ترى هل لنا بعد الفراق تآلف ... وهل لي إلى طيب الوصال وصول
стр. 1438
لأشكو إليه ما لقيت وما الذي ... جرى البيت ودمعي شاهد ودليل
فو الله ما يشفي المشوق راسلة ... ولا يشتكي شكوى المحب رسول وقال موشح:
قد صفا الوقت وقد رق النسيم ... قم بنا نربح
قد خلا السمت ومن نهوى نديم ... حقنا نفرح
في طوى قد شمت جنات النعيم ... أبداً تفتح
فاختلس من صرف دهر ورقيب ... ساعة الإمكان
فالتواني بعد أن يدنو الحبيب ... غاية الخسران
في الصبا قد جاء في حال الهيوب ... خبر لي راق
وراد أظهر لي ما في الغيوب ... هيج الأشواق
قد تجلى الآن معشوق القلوب ... معشر العشاق
ها حبيب القلب قد أمسى قريب ... أيها الندمان
من له من قربه أدنى نصيب ... لا يكن ندمان
تسكر الألباب كاسات الصبا ... عند وقت السحر
حين تهوى نشر رايات الربى ... وأريج الزهر
وترانا نتثنى طربا ... لبلوغ الوطر
احسدينا في التثني إذ نطيب ... يا غصون البان
أبداً لا يستوي " غصن " رطيب ... وفتى نشوان
قد تعرضت بسكان اللوى ... وحمى الأجرع
اين من يعرف قانون الهوى ... قم ولا تجزع
وائتمر لي واتبعني في الجوى ... وانطبع واسمع
стр. 1439
هذه النيران عن يمنى (١) الكثيب ... تضرم النيران
ما ينال الفوز منها ويطيب ... أبداً كسلان
يا عذولي ليس ذا وقت العتاب ... فأنا مشغول
أنا ابغي الآن مع كشف الحجاب ... أبلغ المأمول
إن تقل أنت قتيل فالجواب ... رضي المقتول
خلني يا عاذل الصب الكئيب ... كان ما قد كان
فحبيبي نصب عيني لا يغيب ... من ضميري دان وقال أيضاً:
تعالوا نعيد الوصل لا كان من وشى ... فحر اشتياقي بعدكم قد حشا الحشا
وبي رشأ ما في البرية لائم ... نهى روحه والمال زال الرشا رشا
على سخا بالوصل من بعد شحه ... ومن بعد ما قد كان نعش أنعشا
وشى باسمك الواشي إلي فسرني ... وسمعي يا مولاي لما وشى وشا
حديثك سرح يملأ القلب نشوة ... وعبدك يا بدر الدجى إن تشا انتشا وقال في خطلوشاه مملوك علاء الدين الجويني:
آه ولا أعذل إن قلت آه ... قد قتلتني مقلتا خطلشاه
فعارضاه واشرحا قصتي ... له وما قد فعلا عارضاه
لم يفتن من لا رأى حسنه ... ولا سبي يا قوم من لا سباه
خاطرت بالروح لذكري له ... غاية له في الباب دقوا قفاه بلغت هذه البيات علاء الدين الجويني فكتب إليه: حرمة الشيب والآداب تمنعنا عن غاية ما في الباب، وقد رسمنا لمملوكك خطلو شاه يأتي إليك كل نهار كرتين.
стр. 1440
٥١٤ - (١)
ابن الملحي الواعظ
محمود (٢) بن القاسم بن أبي البدر المحلي (٣) ؛ هو الشيخ العالم الفاضل الكامل شمس الدين ابن الملحي الواعظ الواسطي. توفي آخر جمعة في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى، وقد ناهر السبعين؛ فمن شعره:
رعى الله ربعاً كنتم فيه جيرتي ... وعيشاً تقضي معكم يا أحبتي
وحيا زماناً كان يجمع بيننا ... ونحن جميعاً في سرور ولذة
ولا غيرت أيدي الزمان منازلاً ... نزلتم رباها يا أهيل مودتي
ولا أقفرت تلك الديار التي بها ... تقضت ليالي أنسنا وتولت
إذا ما جرى تذكاركم في مسامعي ... جرى دمع عيني فوق صفحة وجنتي
فلله ما أحلى قديم حديثكم ... وأطيبه عندي عشاي وغدوتي
أحبة قلبي أين أنسي بقربكم ... لقد هدني من بعدكم طول وحشتي
تعجلتم بالبعد لما عرفتكم ... فما وقع التعريف إلا لشقوتي
أحن إليكم كلما هبت الصبا ... على أثلات الرقمتين ورقت
ويطلبكم قلبي على البعد والنوى ... وأين سبيلي بعدكم، أين حيلتي
نظرت إلى الأحباب يوم وداعهم ... فكانت من الأحباب آخر نظرتي
وناديتهم (٤) هذا الرحيل، متى اللقا ... ألا خبروني كم على الصبر مدتي؟