← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

عرب يعز المحتمي بجنابهم ... والعرب ما زالت تعز كذاكا وقال أيضاً: ما للقلوب سوى الحبيب أنيس ... هو للفؤاد منادم وجليس جبذ القلوب إلى هواه جماله ... فكأنه للخلق مغناطيس لا يردك المعقول لطف جمال من ... أهوى فكيف يناله المحسوس كم قد كتبت إليه قصة غصتي ... بمداد دمعي والخدود طروس لم يبق دمعي وجنتي إلا عسى ... يوماً لها قدم الحبيب تدوس دمعي بذكرك مطلق ومسلسل ... وصبابتي وقف عليك حبيس الناس عشاق وأنت حبيبهم ... والكون ماشطة وأنت عروس وحماك كم نحرت نحو دونه ... وتطايرت عند الدنو رؤوس أيقال لي أتلفت نفسك في الهوى ... عجبي وهل للعاشقين نفوس جردت نفسي ذلك علمت بأنه ... لا يستقيم الكيس لي والكيس وعكست حال يفي العيون كأنه ... نقش الفصوص صوابه المعكوس كما قال قوم والحديث تعلة ... وادي العروس وما هناك عروس قد غرهم آل التوهم مثلما ... غرت بصرح قبلهم بلقيس يا من دعا أرواحنا فتبادرت ... سبقاً وحن إلى النفيس نفيس سارت إليك بنا أيانقنا (١) فلا ال ... تقبيل يعجبها ولا التعريس ومتى وصلن إليك يا كل المنى ... ذهب العنا عنا وزال البوس العيس تشتاق العقيق لساكن ... لولاه ما حنت إليه العيس وقال أيضاً: جلا الدجى إذ جلا فينا محياه ... فكم أمات به صباً وأحياه ممنع تعشق الأكوان بهجته ... بدر بلى ما لبدر التم معناه

стр. 1437

أشتاقه وسواد القلب منزله ... ولبدر ما زال برج القلب مأواه أكني بليلى ولبنى حين أذكره ... صوناً له وبحالي يعلم الله بالحب يعرفنا حقاً ونعرفه ... مكمل الظرف يهوانا ونهواه أدير عيني في الدنيا وزهرتها ... فما يروق لها في الخلق إلا هو يسوغ لي العذل إذ يشدو العذول به ... لولاه ما ساغ عندي العذل لولاه لو شاهد القوم ما شاهدت من قمري ... بالعذل ما نطقوا فيه ولا فاهوا قالوا تسل عن المحبوب قلت لهم ... حاشا لمثلي أن يسلو وحاشاه أما رأى حسنه من فيه يعذلني ... يا قوم ما أجهل اللاحي وأغباه يا عز من أنت يا مولاي سيده ... يا ذل من لست يا مولاي مولاه أهيم إن رمز الحادي بذكر حبي ... ب القلب أو هو سماه وكناه هيجت وجدي بذكرى من كلفت به ... كرر على مسمعي بالله ذكراه أعد فأن حديث الحب في أذني ... والله أطيب مسموع وأحلاه وقال أيضاً ﵀: شهود غرامي في هواك عدول ... سهاد ودمع سائل ونحول وشوقي إلى لقياك شوق مبرح ... ولي شرح حال في الغرام يطول لقد فضح الصب الحمول ركائب ... سرين وأقمار السماء حمول سرت وفؤادي موبق موثق بها ... تميل به الأشواق حيث تميل وهمت ولكن ما وهمت بحب من ... محاسنه ما إن لهن مثيل حبيب تجني ظالما ًفاحتملته ... وكل محب للحبيب حمول تجني بلا ذنب علي وملني ... وعن له عما عهدت يحول ومال على ضعفي ومال إلى العدا ... وأقبل يصغي والعذول يقول ولم لم ينزه سمعه عن مقالة ... بها كم أتاني كاشح وعذول ترى هل لنا بعد الفراق تآلف ... وهل لي إلى طيب الوصال وصول

стр. 1438

لأشكو إليه ما لقيت وما الذي ... جرى البيت ودمعي شاهد ودليل فو الله ما يشفي المشوق راسلة ... ولا يشتكي شكوى المحب رسول وقال موشح: قد صفا الوقت وقد رق النسيم ... قم بنا نربح قد خلا السمت ومن نهوى نديم ... حقنا نفرح في طوى قد شمت جنات النعيم ... أبداً تفتح فاختلس من صرف دهر ورقيب ... ساعة الإمكان فالتواني بعد أن يدنو الحبيب ... غاية الخسران في الصبا قد جاء في حال الهيوب ... خبر لي راق وراد أظهر لي ما في الغيوب ... هيج الأشواق قد تجلى الآن معشوق القلوب ... معشر العشاق ها حبيب القلب قد أمسى قريب ... أيها الندمان من له من قربه أدنى نصيب ... لا يكن ندمان تسكر الألباب كاسات الصبا ... عند وقت السحر حين تهوى نشر رايات الربى ... وأريج الزهر وترانا نتثنى طربا ... لبلوغ الوطر احسدينا في التثني إذ نطيب ... يا غصون البان أبداً لا يستوي " غصن " رطيب ... وفتى نشوان قد تعرضت بسكان اللوى ... وحمى الأجرع اين من يعرف قانون الهوى ... قم ولا تجزع وائتمر لي واتبعني في الجوى ... وانطبع واسمع

стр. 1439

هذه النيران عن يمنى (١) الكثيب ... تضرم النيران ما ينال الفوز منها ويطيب ... أبداً كسلان يا عذولي ليس ذا وقت العتاب ... فأنا مشغول أنا ابغي الآن مع كشف الحجاب ... أبلغ المأمول إن تقل أنت قتيل فالجواب ... رضي المقتول خلني يا عاذل الصب الكئيب ... كان ما قد كان فحبيبي نصب عيني لا يغيب ... من ضميري دان وقال أيضاً: تعالوا نعيد الوصل لا كان من وشى ... فحر اشتياقي بعدكم قد حشا الحشا وبي رشأ ما في البرية لائم ... نهى روحه والمال زال الرشا رشا على سخا بالوصل من بعد شحه ... ومن بعد ما قد كان نعش أنعشا وشى باسمك الواشي إلي فسرني ... وسمعي يا مولاي لما وشى وشا حديثك سرح يملأ القلب نشوة ... وعبدك يا بدر الدجى إن تشا انتشا وقال في خطلوشاه مملوك علاء الدين الجويني: آه ولا أعذل إن قلت آه ... قد قتلتني مقلتا خطلشاه فعارضاه واشرحا قصتي ... له وما قد فعلا عارضاه لم يفتن من لا رأى حسنه ... ولا سبي يا قوم من لا سباه خاطرت بالروح لذكري له ... غاية له في الباب دقوا قفاه بلغت هذه البيات علاء الدين الجويني فكتب إليه: حرمة الشيب والآداب تمنعنا عن غاية ما في الباب، وقد رسمنا لمملوكك خطلو شاه يأتي إليك كل نهار كرتين.

стр. 1440

٥١٤ - (١) ابن الملحي الواعظ محمود (٢) بن القاسم بن أبي البدر المحلي (٣) ؛ هو الشيخ العالم الفاضل الكامل شمس الدين ابن الملحي الواعظ الواسطي. توفي آخر جمعة في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى، وقد ناهر السبعين؛ فمن شعره: رعى الله ربعاً كنتم فيه جيرتي ... وعيشاً تقضي معكم يا أحبتي وحيا زماناً كان يجمع بيننا ... ونحن جميعاً في سرور ولذة ولا غيرت أيدي الزمان منازلاً ... نزلتم رباها يا أهيل مودتي ولا أقفرت تلك الديار التي بها ... تقضت ليالي أنسنا وتولت إذا ما جرى تذكاركم في مسامعي ... جرى دمع عيني فوق صفحة وجنتي فلله ما أحلى قديم حديثكم ... وأطيبه عندي عشاي وغدوتي أحبة قلبي أين أنسي بقربكم ... لقد هدني من بعدكم طول وحشتي تعجلتم بالبعد لما عرفتكم ... فما وقع التعريف إلا لشقوتي أحن إليكم كلما هبت الصبا ... على أثلات الرقمتين ورقت ويطلبكم قلبي على البعد والنوى ... وأين سبيلي بعدكم، أين حيلتي نظرت إلى الأحباب يوم وداعهم ... فكانت من الأحباب آخر نظرتي وناديتهم (٤) هذا الرحيل، متى اللقا ... ألا خبروني كم على الصبر مدتي؟

стр. 1441

وقلت لهم قلبي لديكم وديعة ... يسافر معكم فاحفظوا لي وديعتي عسى تسمح الأيام تجمع بيننا ... وترجع أوطاري ولذاتي التي ويطرب سمعي من لذيذ حديثكم ... وتنظر عيني أنجمي وأهلتي وقال أيضاً: أنوح إذا الحادي بذكركم غنى ... وأبكي إذا ما البرق من نحوكم عنا وكيف شكا قلبي تداويت باسمكم ... ونعم الدوا أنتم على قلبي المضنى بكم ولهي لا بالعذيب ولا النقا ... وأنتم مرادي لا سعاد ولا لبنى لقد عاش من أنتم من العمر حظه ... ومات الذي في غيركم عمره يفنى يلد لي الليل الطويل بذكركم ... فما أطيب الليل الطويل إذا جنا أحبتنا أين المواثيق بيننا ... زمان خلونا الحمى وتعاهدنا ظنناكم للعمر ذخراً وعدة ... فيا قرب ما خيبتم بكم الظنا سمعتم من الأعدء قولهم بنا ... ومن أجل ما قالوا تغيرتم عنا تغيرتم عنا بصحبة غيرنا ... وأظهرتم الهجران، ما هكذا كنا واقسمتم أن لا تحولوا عن الوفا ... فحلتم عن العهد القديم وما حلنا أأحبابنا ما كان أهنأ عيشنا ... ولكنه ولى كطيف بدا وهنا مررنا على أوطانكم بعد بعدكم ... فمذ نحن شاهدنا أماكنكم نحنا ولما تخيلنا جمالكم بها ... وقفنا على تلك الديار وسلمنا سلام على العيش الذي بكم مضى ... فما كان أشهاه لدي وما أهنا ليالي كان الدهر معنا موافقا ... فلما نأيتم ما رأيت له معنى لئن عاد ذاك العيش يا سادتي بكم ... وعدنا إلى تلك الديار كما كنا غفرت لأيامي جميع ذنوبها ... وقلت لك الإنعام عندي والحسنى وقال أيضاً: بدا البرق من حزوي فهاج حنينه ... وهبت صبا نجد فزاد أنينه

стр. 1442

وغنى له الحادي بأيام حاجر ... ففاضت بأمطار الدموع جفونه وذكره العيش الذي كان وانقضى ... فكاد جوى يطرا عليه جنونه غريب بعيد الدار فارق أهله ... كئيب وحيد بان عنه قرينه مريض إذا هب النسيم من الحمى ... يطيب له خفاقه وسكونه تحمل أثقال الغرام وماله ... معين على حمل الغرام يعينه وصان الهوى في قلبه كل جهده ... فلما نأى الأحباب بان مصونه وظن بأن الدهر يجمع شمله ... بمن يتمناهم فخابت ظنونه أهيل الحمى بنتم فدمعي مطلق ... وقلبي قد ضاقت عليه شجونه أهيل الحمى لا أوحش الربع منكم ... لقد كنتم للربع زيناً يزينه مررت على الوادي وكان زمانكم ... بلابله تشدو وتجري عيونه فأبصرته من بعدكم وهو قد عفا ... وأقفر منه سهله وحزونه فناديته أين الذين عهدتهم ... هنا وغدير العيش صاف معينه؟ فقل لي الوادي نأو وترحلوا ... وهذا فؤادي للتنائي حزينه فقلت فهل يسخو الزمان بعودهم ... فقال لعل الدهر يسخو خؤونه إلى أن يعود الماء في النهر جاريا ... تموت به أطياره وغصونه وكم مات صب (١) بالتوقع والمنى ... ولم تقض من خصم الزمان ديونه وقال أيضاً: هنيئاً لمن أمسى وأنت حبيبه ... ولو أن نيران الغرام تذيبه وطوبى لقل أنت ساكن سره ... ولو بان عنه إلفه وقريبه وواهاً (٢) لمطرود عن الباب مبعد ... لقد ضاق في هذا الوجود رحيبه وحقك ما من ذاق وصلك ميت ... " يحق عليه ندبه ونحيبه " (٣)

стр. 1443

" أيا غاية الآمال من أنت أنسه " ... فكل بلاء عنده يستطيبه ومن أنت راض عنه في طي غيبه ... فما ضره والله من يستغيبه وما ضر صباً أن يبيت وما له ... نصيب من الدنيا وأنت نصيبه عبيدك في باب التطفل واقف ... إذا لم تجبه أنت من ذا يجيبه غريب عن الأوطان يبكي لذلة ... وهل ذاق طعم الذل إلا غريبه فقير من الأعمال أنت غناؤه ... مريض من الآثام أنت طبيبه تقضت لياليه وفات زمانه ... ولم يدر حتى لاح منه مشيبه غدا خاسراً فالعار يكفيه والعنا ... وقد أن من ضوء النهار مغيبه وقال أيضاً: سلام عليم هل تراكم علمتم ... بما نال قلبي منذ ساعة بنتم وهل عندكم ما عند قلبي من الأسى ... وهل مثل وجدي للفراق وجدتم أيا سادتي والله عهدي بلذتي ... وطيب حياتي منذ كنت وكنتم ليالي كانت كالنهار منيرة ... سهرت بها من طيبها وسهرتم فلا كان يوم (١) كان آخر عهدكم ... وقد أسرع الحادي سحيراً وسرتم ولا كان يوم فيه خلفت بعدكم ... ونحن بوقفات الوداع نسلم ترحلت عنكم كارهاً غير طائع ... أؤخر أقداماً وأخرى أقدم وودعتكم والقلب يأبى وداعكم ... وفي كبدي نار الأسى تتضرم علمت من الأيام كل كريهة ... ولكن هذا البعد ما كنت أعلم حرمتم جفوني أن ترى غير شخصكم ... كما للذيذ النوم عنها حرمتم وعيني حرمتم أن تراكم كأنما ... لقاؤكم طيب وجفني محرم ربيعي جمادى حيث سمعي لغيركم ... به رجب منكم ونومي محرم ولما حدا حادي الفراق بشملنا ... وأنجدت سراً والأحبة أتهموا

стр. 1444

وأصبح منكم منزل الأنس خالياً ... تبين عليه وشحة وهو مظلم وأضمرت (١) توديعاً له وهو ساكت ... ولكن لسان الحال منه يكلم وقالت لي الأوطان هل عودة بكم ... فقلت لها ربي بذلك يعلم وقال موشح: نشرت ريح الصبا روح الصباح ... فصبا المشتاق وبكى عصر الصبا الماضي وناح ... من جوى الإشفاق قدحت في العود نسمات الربيع ... لهب الأزهار وانثنت ترقم بالوشي البديع ... جاري الأنهار فكست عن برده البرد الخليع ... خلع النوار وبدت في خضرة الماء القراح ... صفرة الأوراق كطراز مذهب فوق وشاح ... صنعة الخلاق مثل الورد على الماء المعين ... مثل الإنسان زهرة العمر له في الأربعين ... وبدا النقصان ولقد يعجله بعض السنين ... يكسر الأغصان فافهم الجد فما المعنى مزاح ... وافتح الآماق وادخر ما اسطعت من فعل الصلاح ... قيل أن تعتاق مثل الدنيا كبيت العنكبوت ... أمره موهون من بها أيامه سهواً تفوت ... فهو المحزن فسعيد الناس عن الهم استراح ... وابتغى ما راق وإذا حف من الطير الجناح ... أدرك السباق

стр. 1445

ما لأهل النوم في الليل نصيب ... من لقا المحبوب لا ولا تلقى بعيداً كالقريب ... يدرك المطلوب وكذا من لا يرى وجه الحبيب ... إنه مكروب فدع النوم فصبح الشيب لاح ... مسفر الإشراق وانقضى ليل الصبا الداجي وراح ... مثل ركب ساق أين أهل الأرض من أيام عاد ... أين أهل الأرض وقرون ملأوا هذي البلاد ... طولها والعرض سيعود الكل في يوم المعاد ... إذ يقوم العرض كلهم يسعى إذ ما الصور صاح ... شاخص الأحداق فلكم من أوجه ثم صباح ... حظها الإحراق سيمور الفلك الأعلى المحيط ... من علا الأفلاك ويضيق الخرق من هذا البسيط ... وترى الملاك عندها كل خليل وخليط ... قلبه ينساك وترى الأعين تجري بانسفاح ... دمعها الدفاق زائدات فوقأواه البطاح ... تبلغ الأعناق أرتجي ربي ويكفيني الرجا ... فهو الغفار والنبي المصطفى بدر الدجا ... أحمد المختار من على سنته سار نجا ... من لهيب النار مرشد الخلق إلى سبل النجاح ... طاهر الأعراق ذا الندى بحر العطايا والسماح ... طيب الأخلاق وقال أيضاً: ما غردت الورق مع الإشراق ... فوق الورق

стр. 1446

إلا وحلمت من جوى الأشواق ... ما لم أطق ما نسمت الصبا صباحاً وسرت ... إلا بمسيرها لروحي أسرت بالله ولا ذكرت أيامكم ... إلا ومدامعي من الشوق جرت أصبو فإذا ما التهبت بي ناري ... ظلت حدقي تبكي أسفاً لعل دمعي الجاري ... يطفي حرقي أيامكم قضيت عيشاً رغدا ... بنتم فبقيت بعدكم منفردا ما أوحش دنياي إذا لم أركم ... لا أوحشني الزمان منكم أبدا يا مصطبحي الصفو عن الأكدار ... يا مغتبقي من بعدكم غرقت في تيار ... بحر الغرق من يوم عدمتكم عدنت الفرحا ... واعتضت بغصة الجوى والبرحا والقلب ساقه دهره بعدكم ... كأسا وإلى الآن فما عاد صحا سكران من الغرام والتذكار ... بادي القلق ظمآن إلى أهيله والجار ... حلف الأرق ودعتكم وعبرتي تندفق ... والقلب بنار وجده يحترق ناديت قفوا بالله كي أنظركم ... هيهات نعود بعدها نتفق قد كان تبقى لي من أوطاري ... بعض الرمق فاسترجع مني بيد الأقدار ... ما كان بقي ما أشوقني إلى قدوم الغياب ... ما أتوقني إلى وجوه الأحباب إن عاد لي الزمان يوماً (١) بهم ... لم يبق على الزمان والله عتاب أو إن أمنت بقربهم أسراري ... بعد الفرق

стр. 1447

حدثتهم بكل ضيم طاري ... القلب لقي وقال أيضاً: كل من يبكي على إلف جفاه ... أو حبيب مات وأنا أبكي على طيب الحياه ... وزمان فات أين عمري، وعلى عمري وآه ... خلف الحسرات زار كالطيف وولى بسلام ... حامل الأوزار لم يكن إلا كطيف في المنام ... أو كطير طار كلما أفكر في عمر الشباب ... ونزول الشيب وفعال لي أحصاها (١) الكتاب ... كم بها من عيب كدت أن أحثو (٢) على رأسي التراب ... وأشق الجيب وأنادي من يعزي المستهام ... فاقد الأوطار وقته فات وما نال المرام ... وكفاه العار كلما قلت عسى قلبي الشقي ... يبلغ الآمال وأنال الخير فيما قد بقي ... وتجود الحال حطني الدهر فكم ذا أرتقي ... والمدى قد طال وكأن قد جاءني داعي الحمام ... بلغ الإنذار فانثنت بعدي أغاريد الحمام ... تندب الآثار بان من كانوا لقلبي مؤنسين ... من جميع الناس رحلوا فاليوم لي قلب حزين ... دائم الوسواس

стр. 1448

فتراني خضاعاً للشامتين ... مطرقاً (١) بالراس غائصاً في بحر فكر وغرام ... موجه زخار لا أبالي من رحل أو من أقام ... من جوى الأفكار أين من كانوا لضيمي (٢) مشتكي ... ولأسراري أين من كانوا لظهري متكا ... أين أنصاري بينما هم مثل بستان زكا ... نهره جاري هب فيهم عاصم الموت الزؤام ... بهوا الإعصار فإذا النبت به عصف حطام ... نهره قد غار جز بأطلال خلت بعد السكن (٣) ... واندب الأطلال أين سكانك يا هذي الدمن ... والعلا والمال إنها إن لم يكن فيها سكن ... ليقول الحال ها هنا كنا جميعاً بانتظام ... في الذي نختار أصبحت دارهم بعد الزحام ... ما بها ديار أيها الخاطي بليل الخاطئين ... لاح ضوء الفجر انتبه قبل لحاق الأولين ... ومضيق الحجر واصطبر فالله يجزي الصابرين ... بعظيم الأجر فبيوم وبشهر وبعام ... تنقضي الأعمار وجزاء الخلق في يوم القيام ... جنة أو نار ليس لي غير إلهي ذي (٤) الكرم ... غافر الزلات

стр. 1449

والنبي المصطفى بدر الظلم ... صاحب الآيات أحمد الهادي الرسول المحتشم ... سيد السادات بدر حق يخجل البدر التمام ... مشرق الأنوار الذي كان تغشاه الغمام ... وهو في الأسفار سلم الله عليه وعلى ... آله الأعيان وعلى صديقه تاج العلا ... سابق الإيمان وعلى الفاروق مأمون الملا ... والرضا عثمان وعلي فارس الجيش الهمام ... الفتى الكرار وعلى أولاده الزهر الكرام ... خيرة الأخيار وقال كان وكان: دع عنك شرب الهليلج ... يا من فؤاده به حمى واترك ذنوبك أي من ... ما يحمل التعذيب أهوال يوم القيامة ... حدث عن البحر ولا حرج أقل ما في النوبة ... الطفل فيه يشيب القبر قال نبيك ... أول منازل الآخره من أول الدن دردري ... والله الأخير عجيب من بالأمل يتمسك ... مثل الذي يقبض الهوا ومن من الثلج بيتو ... لا يأمن التخريب من الغراب دليله ... أي المنازل يسكنو ومن لإبليس يبتع ... يبصر لايش يصيب من تاب عن ذنب واحد ... وذنب آخر عاد فعل كم هرب من رشقه ... قعد حذا مزريب

стр. 1450

على الطبيب النسخه ... وما عليه المزوره من أهلكه تخليطه ... ما يلتزم بو طبيب إن كنت فحل ثابت ... نما تميل مع الهوى الفحل للقلع آمن ... وما يخاف الهيب خليت أرض الجنه ... ما فيها نخله واحده واخترت أرض الدنيا ... جريب خلف جريب فدرب دينار تعبر ... نسيت درب المقبره لو جزت في درب صالح ... عرفت درب حبيب عاملت دنياك مده ... فعامل الله مثلها إن ريت أنك تخسر ... فارجع وقل تجريب إذا خلوت بنفسك ... فعلت ما لا ينبغي أي من خلا أين تخلو ... والحق منك قريب ترمي ليوسف قلبك ... في منقلب جب الهوى وعند يعقوب تبكي ... تقول أكله الذيب أفنيت بندق عمرك ... في رمي عصفور الهوى وللجليل ما عرفته ... لإيش بقيت تصيب تدب فوقك نمله ... تمد إيدك ترضها يا من يرض النمله ... كم في التراب دبيب تم العمل يا شبيطر ... لا تتبع نسر الأمل وأي عقاب المظالم ... القوس في التعقيب تسف في قربانك ... سحت الحرام ولا تسل هم يوم تصرع وتخرج ... من الجميع سليب

стр. 1451

حلوان قولك وسمتك ... لكن مراغه داخله مالك إلى الحق موصل ... فكيف تصل لطبيب قل للفقيه المهذب ... قلبك يكن فيه تبصره فإن تنبيه قلبك ... تتمة التهذيب لا بد ذي حركاتك ... بعد التصرف تتجزم وواو جمعك وحيتك ... تخرج بلا ترتيب اذخر لنفسك ذخيره ... عسى تراها في غدا نمى تعذب وغيرك ... بما جمعت يطيب لا بد لك أن تفلس ... ولا يغرك ذا الغنى ولو ورثت الدنيا ... بالفرض (١) والتعصيب أي من بشوطو واقف ... في منصف العمر انتبه وأسرع فشمس حياتك ... بقي القليل وتغيب شرفك النفس ما هو ... بالنقش والنفش والنسب قد قال: سلمان منا ... ولم يكن بنسيب من خاط ثوب المعالي ... بلا جميل يحمله أصبح وستره شهره ... وبان وفيه وريب واسط مقام الفصاحه ... بغداد دار الأذكيا وأنا فقير حصل لي ... من كل أرض نصيب فصار معجون قلبي ... يشفي القلوب من المرض ولا يشوبه مراره ... لأن فيه تركيب

стр. 1452

وأنشده شخص هذين البيتين: أيامنا بالحمى حييت أياما ... وزادك الله إجلالاً وإكراماً بالأمس قد كنت أحلى ما بأنفسنا ... فما أصابك حتى صرت أحلاما وسأله أن يزيد عليها (١) فقال: يا سادة جرحوا قلبي ببينهم ... وحملوه على الآلام آلاما لله ليلات أنس كن لي بكم ... عصيت فيهن عذالاً ولواما كانت لنا من عطيات الزمان فما ... دامت علينا ولا المعطي لها داما وقال ذوبيت: لما رأت العين بياض الشعرات ... فاضت أسفاً وقرحتها العبرات ثم التفتت إلى الصبا وهي تقول ... قف صل على العمر صلاة الأموات وقال أيضاً: ما يلمع بارق بذات العلمين ... إلا وبعين كل عين لي عين تالله ولا أنظر يوماً حسناً ... إلا ويقول خاطري أين وأين وقال أيضاً: في أي بطالة وفي أي زمان ... أستبدل في الهوى فلاناً بفلان أرجو بدلاً هيهات ولى عمري ... قد كان من الصبا ومني ما كان

стр. 1453

٥١٥ - (١) تاج الدين الصرخدي محمود بن عابد (٢) بن حسين بن محمد، الشيخ تاج الدين أبو (٣) الثنا التميمي الصرخدي النحوي الشاعر المشهور الحنفي؛ ولد بصرخد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وتوفي بدمشق سنة أربع وسبعين وستمائة، وكان فقيهاً صالحاً، نحوياً بارعاً، شاعراً محسناً ماهراً، متففاً خيراً متواضعاً دمث الأخلاق، كبير القدر وافر الحرمة. وكان سكنه بالمدرسة النورية؛ ومن شعره قوله: عجباً لقدك ما ترنح مائلا ... إلا وقد سلب الغصون شمائلا ولسقم جفنك كيف صح بكسرة ... فيه وأصبح باللواحظ نابلا ولناظر حاز الولاية فاغتدى ... من غير عزل للمعاطف عاملا وإذا علمت بأن ثغرك منهل ... في روضة فعلام تحرم نائلا في بحر خدك راح صدغك زورقاً ... فلحبسه مد العذار سلاسلا وأظن موج الحسن يقذف عنبراً ... أضحى له نبت السوالف ساحلا ومن العجائب أن سائل أدمعي ... قد جاء يستجدي عذارك سائلا وقال أيضاً: ما للفؤاد إذا ذكرتك يخفق ... والدمع من عيني يسح ويدفق

стр. 1454

وإذا رأيتك فاللسان مهابة ... خرس ودمعي بالصبابة ينطق ما ذاك إلا أن قلبي موثق ... بالأسر منك وأن دمعي مطلق لا غرو أن خفق الفؤاد فإنه ... في العطف من غصن القوام معلق وبمهجتي بدر له من قده ... رمح عليه من الذؤابة سنجق أضحى بقلبي ساكناً ووشاحه ... أبداً كمسكنه يجول ويقلق يا قاطعاً نومي ولم يسرق له ... حسناً وليس النوم ممن يسرق عيني التي سرقت نصاب الحسن من ... وجه عليه من الملاحة رونق قالوا انتظر منه زيارة طيفه ... فلسوف يأتيك الخيال ويطرق فأجبتهم (١) والقلب من أشجانه ... مثر ومن حسن التصبر ملق مالي وللطيف الطروق وإنما ... كلفي به وله أحب وأعشق وقال أيضاً: تأنوا ففي طري النسيم رسائل ... وميلوا فإن البان بالسفح مائل وما مال إلا للسؤال وعنده ... حديث هوى فاستخبروه وسائلوا روى خبراً عن بان نعمان مرسلاً ... وأسند عنه ما حكته الشمائل فعلل معتلاً وحرك ساكناً ... من الوجد أضحى وهو في الحال عامل خذوا عن يمين البان قد بلغ الهوى ... أواخر لم تبلغ لهن أوائل وقصوا غرامي للنسيم فإنه ... غريمي إذا ما هيجتني البلابل وميلوا إلى رمل الحمى عل سربه ... تلاحظكم غزلانه وتغازل سقى دمنة الوادي بمنعرج اللوى ... من المزن محلول النطاقين هاطل ففيها ضفت (٢) عند المقيل ظلالها ... ومنها صفت عند الورود المناهل وإن سؤالي للنسيم علالة ... كما أن دمعي للمنازل سائل

стр. 1455

٥١٦ - (١) " المختار الثقفي " المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي؛ قال ابن عبد البر: لم يكن بالمختار، كان أبوه من جلة الصحابة؛ ولد المختار عام الهجرة وليست له صحبة ولا رواية، وأخباره غير مرضية حكاها عنه ثقات مثل سويد ابن غفلة والشعبي وغيرها. كان معدوداً في أهل الفضل والخير يتراءى بذلك ويكتم الفسق، إلى أن فارق ابن الزبير وطلب الإمارة؛ وكان المختار يتستر بطلب دم الحسين ﵁؛ يقال إنه كان خارجياً ثم صار زبيرياً ثم صار رافضياً. وكان يضمر بغض علي ويظهر منه أحياناً لضعف عقله. وقال رسول الله ﷺ : يكون البيت ثقيف كذاب ومبير، وكان الكذاب المختار كذب على الله تعالى وادعى أن ألوحي يأتيه من الله تعالى؛ والمبير الحجاج بن يوسف. وقتل المختار في رمضان سنة سبع وستين، قتله مصعب بن الزبير. والفرقة المختارية من الرافضة إليه تنتسب، كان يقول بإمامة محمد بن الحنفية بعد علي ﵁، وتبرأ منه محمد بن الحنفية لما بلغه من محارمه، لأنه اتخذ كرسياً غشاه بالديباج وزينه بأنواع الزينة وقال: هذا من ذخائر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو عندنا بمنزلة التابوت الذي كان في بني

стр. 1456

إسرائيل فيه السكينة؛ واتخذ حمام (١) أبيض طيرها في الهوا وقال لأصحابه: إن الملائكة تنزل عليكم في صورة حمامات بيض. وألف أسجاعاً باردة، وادعى النبوة. ٥١٧ - (٢) أبو الفوارس ابن منقذ مرهف بن أسامة بن منقذ، الإمام العالم مقدم الأمراء أبو الفوارس ابن الأمير الكبير الأديب مؤيد الدولة أسامة، الكناني الشيزري أحد أمراء مصر؛ ولد بشيزر وسمع من أبيه وغيره، وكان مسناً معمراً شاعراً كوالده، وجمع من الكتب شيئاً كثيراً، وتوفي سنة ثلاث عشرة (٣) وستمائة؛ ومن شعره: رحلتم وقلبي بالولاء مشرق ... لديكم وجسمي للعناء مغرب وما أدعي شوقاً فسحب مدامعي ... تترجم عن شوقي إليكم وتعرب ووالله ما اخترت التأخير عنكم ... ولكن قضاء الله ما منه مهرب وقال أيضاً: سمحت بروحي في رضاك ولم تكن ... لتعجزني لولا رضاك المذاهب

стр. 1457

وهانت لجراك (١) العظائم كلها ... علي وقد جلت لدي النوائب (٢) فمهلاً فلي في الأرض عن منزل القلى ... مسار إذا أحرجتني ومسارب وإن كنت ترجو طاعتي بإهانتي ... وقسري فإن الرأي عنك لعازب وكان قد أقعد لا يقدر على الحركة إلا أنه صحيح العقل والذهن والبصر، غير أن سمعه ثقل؛ وكان السلطان صلاح الدين قد أقطعه ضياعاً بمصر وأجراه أخوه العادل على ذلك، وكان الكامل ابن العادل يحترمه ويعرف حقه، رحمه الله تعالى. ٥١٨ - (٣) " مروان بن الحكم " مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي أبو عبد الله، ولد على عهد رسول الله ﷺ ، توجه إلى الطائف مع أبيه حين نفاه رسول الله ﷺ وقدم معه في خلافة عثمان ﵁، واستكتبه واستولى عليه إلى أن قتل عثمان. ونظر إليه علي بن أبي طالب ﵁ يوماً فقال له: ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك. وكان مروان يقال له " خيط باطل " وفيه يقول عبد الرحمن " ابن "

стр. 1458

أخيه لما بويع: فو الله ما أدري وإني لسائل ... حليلة مضروب القفا كيف تصنع لحى الله قوماً حكموا خيط باطل ... على الناس يعطي من يشاء ويمنع وولاه معاوية مكة والمدينة والطائف ثم عزله وولى سعيد بن العاص ثم ولاه ثم عزله بالوليد بن عقبة؛ فلما مات معاوية وتولى يزيد ثم مات يزيد وتولى ابنه معاوية ومات معاوية وثب عليها مروان وقال: إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا ثم التقى هو والضحاك بن قيس بمرج راهط وقتل الضحاك. وكان مروان قد تزوج أم خالد بن يزيد ليضع منه، فوقع بينه وبين خالد كلام، فأغلظ له مروان في القول وقال له: اسكت يا ابن الرطبة؛ فدخل خالد على أمه وقال لها: هكذا أردت يقول لي مروان على رؤوس الناس!! فقالت: اسكت فو الله لا ترى بعدها منه شيئاً تكرهه، وسأقرب عليك ما بعد، فلما نام مروان تلك الليلة قامت إليه مع جواريها وغمته حتى مات. وكانت خلافته تسعة أشهر، وكانت وفاته في رمضان سنة خمس وستين للهجرة، ومات وله أربع وستون سنة، وصلى عليه ابنه عبد الملك، وكان مولده ليلة بدر لسنتين من الهجرة، ﵀.

стр. 1459

٥١٩ - (١) مروان الحمار مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية الملقب " الحمار " و " الجعدي " نسبة إلى مؤدبه الجعد ابن درهم؛ كان لا يجف له لبد في محاربة الخوارج، ولد بالجزيرة سنة اثنتين (٢) وسبعين وقتل سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان مشهوراً بالفروسية والإقدام والدهاء (٣) ؛ بويع له في نصف صفر سنة سبع وعشرين ومائة. أدخل عليه يزيد بن خالد القسري وكان قد حاربه قبل أن يلي الخلافة فلف منديلاً على إصبعه ثم أدخلها في عين يزيد فقلعها واستخرج الحدقة ثم أدار يديه فاستخرج الحدقة الأخرى، وما سمع من يزيد كلمة. وسار مروان لحرب بني العباس في مائة وخمسين ألفاً (٤) حتى نزل قريباً (٥) من الموصل، فالتقى وعبد الله بن علي عم المنصور في جمادى الآخرة (٦) سنة اثنتين وثلاثين ومائة فانكسر مروان؛ وتقرب عبد الله من الشام وملك دمشق، وهرب مروان ودخل مصر وعبر الصعيد، فوجه عبد الله أخاه صالحاً في طلبه، وعلى طلائعه عمرو بن اسماعيل، فساق عمرو في أثره

стр. 1460

فلحقه بقرية بوصير فقلته وله من العمر اثنتان (١) وستون سنة. وكان أشقر أزرق، فقدم عليه شخص أول ولايته فرآه على هذه الصورة فلوى وجهه وقال: ما خلق الله هذه الصورة لأن يضع فيها خيراً أبداً، فبلغه كلامه فأحضره وقال: أنت القائل كذا؟ والله لأكذبنك، ثم أمر له بجملة وافرة وصرفه، فانصرف الرجل وهو يقول: صورة شر ما نفع الله عندها إلا بالشر. ولما وصل إلى بوصير قطع لسان قائد (٢) من قواده اتهمه مكاتبة بني العباس، فاختطفته هرة فأكلته، وفي عشية ذلك اليوم وصل عسكر عبد الله بن علي ودخلوا الدار التي فيها مروان فسلوا لسانه من قفاه ورموا به على الأرض، فجائت تلك الهرة بعينها فأكلت لسانه. ومن شعر مروان قوله من قصيدة: أبلغ نزاراً (٣) وعرب الشام قاطبة ... وبالجزيرة واخصص قيس غيلانا من ذا الذي يرتجي بعدي مودتكم ... وأن تكونوا له في الناس أعوانا وكان يلقب بالحمار لثباته في الحرب.

стр. 1461

٥٢٠ - (١) أبو الشمقمق مروان بن محمد؛ هو أبو (٢) الشمقمق الشاعر، له في الجد والهزل أشياء؛ توفي في حدود الثمانين ومائة، وكان يهجو الشعراء الكبار مثل بشار بن برد وغيره من أهل عصره، وكانوا يصانعونه بالمال وله عليهم رسم في كل سنة، ومن شعره (٣) : شرابك في السحاب إذا عطشنا ... وخبزك عند منقطع التراب وما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب وقال (٤) : إذا حججت بمال أصله دنس ... فما حججت ولكن حجت العير لا يقبل الله إلا كل طيبة ... ما كل حج ببيت الله مبرور وشخص أبو الشمقمق مع خالد بن يزيد بن مزيد وقد تقلد الموصل، فلما مر ببعض الدروب اندق اللواء، فاغتم خالد لذلك وتطير منه، فقال أبو الشمقمق (٥) :

стр. 1462

ما كان مندق اللواء لطيرة ... تخشى ولا شر يكون معجلا لكن هذا العود أضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا فسري عن خالد، وكتب صاحب البريد بذلك إلى المأمون فزاده ديار ربيعة، فأعطى خالد أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم. ٥٢١ - (١) " والد أسامة " مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، والد أسامة؛ قال السمعاني: رأيت مصحفاً بخطه بماء الذهب ما أظن الرائين رأوا مثله. وتقدم بحسن تدبيره على رهطه، وأسن وعمر، وله الأولاد الأمجاد النجباء، ولد سنة خمسين وأربعمائة، وتوفي بشيزر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة؛ وكتب بخطه سبعين ختمة. ومن شعره (٢) : ظلوم أبت (٣) في الظلوم إلا تماديا ... وفي الصد والهجران إلا تناهيا شكت هجرنا والذنب في ذاك ذنبها ... فيا عجباً من ظالم جاء شاكيا وطاوعت الواشين (٤) في وطالما ... عصيت عذولاً في هواها وواشيا

стр. 1463

ومال بها تيه الجمال إلى القلى ... وهيهات أن أمسي لها الدهر قاليا ولا ناسياً ما استودعت من عهودها ... وإن هي أبدت جفوة وتناسيا منها (١) : وقلت أخي يرعى بني وأسرتي ... ويحفظ فيهم عهدتي وذماميا ويجزيهم ما لم أكلفه (٢) فعله ... لنفسي فقد أعددته من تراثيا فأصبحت صفر الكف مما رجوته ... أرى اليأس قد غطى سبيل رجائيا فمالك لما أن حنى الدهر صعدتي ... وثلم مني صارماً كان ماضيا تنكرت حتى صار برك قسوة ... وقربك منهم جفوة وتنائيا على أنني ما حلت عما عهدته ... ولا غيرت هذي النون وداديا فلا زعزعتك الحادثات فإنني ... أراك يميني والأنام شماليا ٥٢٢ (٣) مزبد المدني مزبد بالزاي والباء المشددة المكسورة ودال مهملة أبو إسحاق المدني؛ كان كثير المجون حلو النادرة، له أخبار كثيرة في البخل، فإنه كان مبخلا إلى الغاية؛ قيل إنه صب عليه الماء يوماً، فسألته امرأته عن ذلك فقال: جلدت عميرة، ثم إنه رآها بعد أيام تصب عليها الماء، فسألها عن ذلك فقالت: جاءت عميرة فجلدتني.

стр. 1464

وأحضره بعض ولاة المدينة، وقد اتهمه بشرب الخمر، فاستنكهه فلم يجد له رائحة، فقال: قيئوه، فقال: ومن يضمن عشائي أصلحك الله؟ وقيل له هل لك في الخروج إلى قبا والعقيق، وأخذ ناحية قبور الشهداء، فإن يومنا كما ترى طيباً (١) ؟ فقال: اليوم الأربعاء ولست أبرح من منزلي، قالوا: وما تكره من يوم الأربعاء، وفيه ولد بيونس ابن متى؟ فقال: بأبي أنتم وأمي فقد التقمه الحوت، قالوا: فهو اليوم الذي نصر الله فيه النبي ﷺ على الأحزاب، قال: أجل ولكن بعد إذ " زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون " " الأحزاب: ١٠ ". وهبت يوماً ريح شديدة فصاح الناس: القيامة، القيامة، فقال مزبد: هذه القيامة على الريق بلا دابة الأرض ولا الدجال ولا يأجوج ومأجوج!!. ومرض مرة فقال له الطبيب: احتم (٢) ، قال: يا هذا أنا ما أقدر على شيء إلا على الأماني، أفأحتمي منها؟! ورآه إنسان وهو بالرها وعليه جبة خز فقال: هب لي هذه الجبة، فقال: ما أملك غيرها، فقال الرجل: فإن الله تعالى يقول: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " " الحشر: ٩ "، فقال: الله أرحم بعباده من أن ينزل هذه الآية بالرها في كانون، وإنما أنزلت بالحجاز في حزيران وتموز وآب. ونظر يوماً إلى امرأته وهي تصعد في سلم فقال لها: أنت طالق إن صعدت، وأنت طالق إن نزلت، وأنت طالق إن وقفت، فرمت بنفسها إلى الأرض، فقال لها: فداك أبي وأمي، إن مات مالك احتاج الناس إليك لأحكامهم.

стр. 1465

واشترى يوماً جارية فسئل (١) عنها فقال: فيها خلتان من خلال الجنة: البرد والسعة. وقيل له: ما بال حمارك يتبلد إذا رجع إلى منزله؟ قال: لأنه يعلم سوء المنقلب. وقيل له: أيولد لابن ثمانين ولد؟ قال: نعم، إذا كان له جار ابن ثلاثين سنة. وسمع رجلاً (٢) يقول: عن ابن عباس أنه قال: من نوى حجة فعاقه عنها عائق كتبت له، فقال مزبد: ما خرج كرى أرخص من ذا العام. وطلب منه بعض جيرانه ملعقة، فقال: ليت لنا ما نأكله بالأصابع. وهبت بالمدينة ريح صفراء أنكرها الناس وفزعوا، فجعل مزبد يدق أبواب جيرانه ويقول: لا تعجلوا بالتوبة، فإنما هي وحياتكم زوبعة، والساعة تنكشف. وكان مرة نائماً في المسجد، فدخل إنسان فصلى وقال: يا رب أنا اصلي وهذا نائم، فقال: يا بارد، سل حاجتك ولا تحرشه علينا. وصلى يوماً، فلما فرغ دعا، فقالت امرأته: اللهم أشركني في دعائه، فسمعها، فقال: اللهم اصلبني. وغضب يوماً عليه بعض الولاة، فأمر الحجام بحلق لحيته، فقال له الحجام: انفخ شدقك حتى أتمكن من الحلاقة، فقال: الوالي أمرك بحلق لحيتي أو تعلمني الزمر؟! وقيل له: كيف حبك لأبي بكر وعمر؟ فقال: ما ترك الطعام في قلبي حباً لأحد. ودخل يوماً على بعض العلويين، فجعل يعبث به ويؤذيه، فتنفس

стр. 1466

الصعداء وقال: صلوات الله على عيسى بن مريم فإن أمته معه في راحة لم يخلف عليهم من يؤذيهم. وباع جارية على أنها تحسن تطبخ، فلم تحسن شيئاً، فطلب إلى القاضي وطولب بأن يحلف على أنها تحسن الطبيخ، فاندفع وحلف أيماناً مغلظة أنه دفع إليها مرة جرادة فعملت منها خمسة ألوان من الطعام وفضل منها شريحة للقديد، سوى الجنب فإنها عملته جوذابة، فضحك من حضر وبئس الخصم من الوصول إلى شيء منه، فخلى سبيله. وجمع مرة في بيته بين متعاشقين، فتعاتبا ساعة، ثم إن العشيق مد يده إليها فقالت: دع هذا ليس هذا موضعه، فسمعها مزبد فقال: يا زانية، فأين موضعه؟ بين الركن والمقام؟ والله ما بنيت هذه الدار إلا للقحاب والقوادين، ولا اشتري خشبها إلا من دراهم القمار، فأي موضع أحق بالزنا منها؟ ونوادره كثيرة، عفا الله عنا وعنه وسامحنا بمنه وكرمه. ٥٢٣ - (١) ابن قسيم الحموي مسلم بن الضر بن المسلم بن قسيم، أبو المجد التنوخي الحموي من شعراء نور الدين الشهيد رحمه الله تعالى؛ توفي سنة إحدى (٢) وأربعين وخمسمائة.

стр. 1467

يقال إنه كان له خادم وعبد، فدخل بعض الأيام داره فوجد العبد فوق الخادم، فضربه وخرج، فرأى بعض أصحابه فسأله عن غيظه فقال: هذا العبد النحس ناك الخويدم الصغير، فقال: مولانا المخدوم الكبير. ومن شعر ابن قسيم: كأن خمرته إذ قام بمزجها ... من خده عصرت أو من ثناياه النرجس الغض عيناه، وطرته ... بنفسج، وجني الورد خداه وقال يصف المطر على النهر: ولنا إذا انبجست أهاضيب الحيا ... يوم تغاث به البلاد وتمطر وتظل مفعمة أكف بروقه ... تطوى بها حلل الغمام وتنشر والغيث منسكب كأن حبابه ... درر تبث على المياه وتنثر فحسبت أن الروض منه منور ... والأرض غرقى والغدير مجدر وقال يصف زهر الباقلا: لله في زمن الربيع وصائف ... حيت (١) بزهرة باقلاء مبهجه ولوت بمفرقها عصابة لؤلؤ ... وكأن شمساً بالنجوم متوجه وكأن أنملها حبتك بدرة ... بيضاء مطبقة علي فيروزجه

стр. 1468

٥٢٤ - (١) " صريع الغواني " مسلم بن الوليد، أبو الوليد مولى الأنصار المعروف بصريع الغواني، أحد فحول الشعراء؛ قيل إنه كان في أول أمره خاملاً أجير فران، فانقاد له الشعر وجوده وكسب به الأموال العظيمة، ثم اتصل بابني سهل: الحسن والفضل فولوه جرجان، فمات وهو واليها. مدح الرشيد وآل برمك وسار شعره. لقبه الرشيد بصريع الغواني لقوله (٢) : وتغدو صريع الكاس والأعين النجل ... توفي في حدود المائتين. وقصيدته التي قالها في يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني مشهورة جيدة، وهي (٣) : أجررت حبل خليع في الصبا غزل ... وشمرت همم العذال في عذلي هاج البكاء على العين الطموح هوى (٤) ... مفرق بين توديع ومرتحل كيف السلو لقلب بات (٥) مختبلاً ... يهذي بصاحب قلب غير مختبل لولا مراعاة (٦) دمع العين لانكشفت ... مني سرائر لم تظهر ولم تخل

стр. 1469

أما كفى البين أن أرمي بأسهمه ... حتى رماني بلحظ الأعين النجل مما جنت (١) لي وإن كانت منى صدق (٢) ... صبابة خلس التسليم بالمقل ماذا على الدهر لو لانت عريكته ... أو رد (٣) في الرأس مني سكرة الغزل جرم الحوادث عندي أنها اختلست ... مني غذاء بنات الكرم (٤) والكلل ورب يوم من اللذات مختصر (٥) ... قصرته بلقاء الراح والحلل وليلت خلست للعين من سنة ... هتكت فيها الصبا عن بيضة الحجل عن غادة مثل قرن الشمس ناعمة ... فعم مخلخلها مرتجة الكفل (٦) قد كان دهري وما بي اليوم من كبر ... شرب المدام وعزف القينة الفضل (٧) إذا شكوت إليها الحب خفرها ... شكواي واحمر خداها من الخجل فكم قطعت (٨) وعين الدهر راقدة ... أيامه بالصبا في اللهو والغزل وطيب الفرع أصفاني (٩) مودته ... كافأته بمديح فيه منتخل وبلدة لمطايا الركب منضية ... أنضيتها بوجيف الأينق الذلل فيم (١٠) المقام وهذا البحر (١١) معترضاً ... دنا النجاء وحان السير فارتحل يا مائل (١٢) الرأس إن الليث مفترس ... ميل الجماجم والأعناق فاعتدل

стр. 1470

حذار من أسد ضرغامة شرس ... لا يولغ السيف إلا هامة البطل لولا يزيد لأضحى الملك مطرقا (١) ... أو مائل الرأس (٢) أو مسترخي الطول حاط الخلافة سيف (٣) من بني مطر ... أقام قائمه من كان ذا ميل كم صائل في ذرى تمهيد مملكة ... لولا يزيد بني شيبان لم يصل ناب الإمام الذي يفتر عنه إذاً ... ما افترت الحرب عن أنيابها العصل كفاكم يا بني العباس أن لكم ... سيفاً بكم غير ما نكس ولا وكل (٤) سد الثغور يزيد بعد ما انفرجت ... بقائم السيف لا بالختل والحيل (٥) من كان يختل قرناً عند موقفه ... فإن جار (٦) يزيد غير مختتل (٧) كم قد أذاق (٨) حمام الموت من بطل ... حامي الحفيظة لا يؤتي من الوهل أغر أبيض يغشي البيض أبيض لا ... يرضى لمولاه يوم الروع بالفشل يغشى الوغى وشهاب الموت في يده ... يرمي الفوارس والأبطال بالشعل يفتر عند افترار الحرب مبتسماً ... إذا تغير وجه الفارس البطل موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل ينال بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلاً يأتي على مهل يغشي المنايا المنايا ثم يفرجها ... حين النفوس (٩) مطلات على الهبل إن شيم بارقه حالت خلائقه ... بين العطية والإمساك والعلل لا يرحل الناس إلا نحو حجرته ... كالبيت يضحي إليه ملتقى السبل

стр. 1471

يقري المنية أرواح الكماة كما ... يقري الوحوش (١) شحوم الكوم والبزل يكسو السيوف نفوس (٢) الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذيل يغدو فتغدو المنايا في أسنته ... شوارعاً تتحدى الناس بالأجل إذا طغت فئة عن غب طاعتها ... عبى لها الموت بين البيض والأسل قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعته في كل مرتحل تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل جافي الجفون صحيح الطرف (٣) همته ... فك العناة وأسر الفاتك الحطل لا يعبق الطيب عينيه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل إذا انتضى سيفه كانت مسالكه ... مسالك الموت في الأبدان والقلل وإن خلت بحديث النفس فكرته ... حي الرجاء ومات الخوف من وجل كالليث إن هجته فالموت راحته ... لا يستريح إلى الأيام والدول إنا لحوادث لما رمن هضبته ... أزمعن عن جار شيبان بمنتقل والدهر يغبط أولاه أواخره (٤) ... إذا لم يكن كان في أعصاره الأول لا تكذبن فإن المجد معدنه ... وراثة في بني شيبان لم يزل إذا الشريكي (٥) لم يفخر على أحد تكلم ... الفخر عنه غير منتحل الزائديون (٦) قوم في رماحهم ... خوف المخيف وأمن الخائف الوجل سلوا السيوف فأغشوا من يحاربهم ... خبطاً بها غير تعذير ولا وكل (٧) كبيرهم لا تقوم الراسيات له ... حلماً وطفلهم في هدي مكتهل

стр. 1472

إسلم يزيد فما في الدين من أود ... إذا سلمت وما في الملك من خلل أثبت سوق بني الإسلام في صعد (١) ... يوم الخليج وقد قامت على زلل لولا دفاعك بأس الروم إذ مكرت ... عن بيضة الدين (٢) لم تأمن الثكل ويوسف البرم (٣) قد صبحت عسكره ... بعسكر يلفظ الأقدار ذي زجل غافصته (٤) يوم عبر النهر مهلته ... وكان محتجزاً في الحرب بالمهل والمارق ابن طريف قد دلفت له ... بعارض للمنايا مسبل هطل لما رآك مجداً في منيته ... وإن دفعك لا يسطاه (٥) بالحيل سام النزال فأبرزت (٦) اللقاء له ... مقدم الخطو فيها غير منتكل (٧) ماتوا وأنت غليل في صدورهم ... وكان سيفك يستشفى من الغلل لو أن غير شريكي أطاف بها ... فاز الوليد بقدح الناضل الخصل (٨) وقمت بالدين يوم الرس فاعتدلت ... منه دعائم القوم قد أوفت على خزل (٩) ما كان جمعهم لما لقيتهم ... إلا كمثل نعام ريع منجفل تابوا ولو لم يتوبوا من ذنوبهم ... لآب جيشك بالأسرى وبالنفل كم آمن لك نائي الدار ممتنع ... أخرجته من حصون الملك والخول ومارقين غواة (١٠) من بيوتهم ... لا ينكلون ولا يؤتون من نكل (١١)

стр. 1473

خلفت أجسادهم والطير عاكفة ... فيها وأقفلتهم هاماً مع القفل يأبى لك الذم في يوميك إن ذكرا ... عضب حسام وعرض غير مبتذل فافخر فما لك في شيبان من مثل ... كذاك ما لبني شيبان من مثل كم مشهد لك لا تحصى مآثره ... قسمت فيه كرزق الجن (١) والخبل لله من هاشم في أرضه (٢) جبل ... وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل قد أعظموك فما تدعى لهينة ... إلا لمعضلة تستن بالعضل يا رب مكرمة أصبحت واحدها ... أعيت صناديد راموها فلم تنل تشاغل الناس بالدنيا وزخرفها ... وأنت من بذلك المعروف في شغل أقسمت ما ذدت (٣) عن جدواك طالبها ... ولا دفعت (٤) اعتزام الجد بالهزل بأبي لسانك منع الجود سائله ... فما يلجلج بين الجود والبخل صدقت ظني وصدقت الظنون به ... وحط جودك عقد الرحل عن جملي صنع هذه القصيدة لما أشخصه إليه إلى الرقة، فأخذه وأدخله على الرشيد، فأنشده شعره فيه، فأمر له بمائتي ألف درهم؛ ثم إن يزيد الممدوح بعث إليه بمائة وتسعين ألف درهم وقال: لا تكون عطيتي لك بمثل عطية أمير المؤمنين؛ قال مسلم: وأقطعني إقطاعات تبلغ ألف درهم؛ ثم أفضت الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبتني، فهجوته، فشكاني إلى الرشيد، فدعاني وقال: أتبيعني عرض يزيد؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: برغيف، فغضب حتى خفته على نفسي، وقال: قد كان رأيي أن أشتريه منك بمال جسيم، ولست أفعل ولا كرامة، وأنا بريء من أبي، ووالله والله، إن بلغني أنك هجوته لأنزعن لسانك من بين فكيك؛ قال: فأمسكت

стр. 1474

عنه بعد ذلك ولم أذكره. ومن شعر صريع الغواني (١) : لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أرضاً بأرض وجيراناً بجيران وقال أيضاً (٢) : وليلة ناب الهم إلا بقية ... تداركها طيف ألم فسلما جمعنا معاذير العتاب برقدة ... مشت بيننا نطوي الحديث المكتما وقال أيضاً (٣) : وخندريس لها شعاع ... ابنة خمسين ألف عام كأنها كوكب منير ... والبدر في ليلة التمام لو قرنت بالظلام يوماً ... لانجاب عنا دجى الظلام تكسب شرابها سروراً ... فما يراعون باهتمام تضحك عن لؤلؤ شتيت ... ألفه الماء البيت النظام ما ذقتها قط غير أني ... أمنحها الود بالكلام حلت لي الكاس حين دارت ... علي في سكرة المنام

стр. 1475

٥٢٥ - (١) مصعب ابن الزبير مصعب بن الزبير بن العوام؛ استعمله أخوه عبد الله على البصرة، وقتل المختار بن أبي عبيد، وحارب بالعراقين عبد الملك بن مروان، إلى أن قتل سنة إحدى وسبعين للهجرة. قال الشعبي: ما رأيت أميراً على منبر أحسن من مصعب. وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد (٢) عن أبيه، قال: اجتمع في الحجر عبد الله ومصعب وعروة بنو الزبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنوا؛ فقال عبد الله: الخلافة؛ وقال عروة: يؤخذ عني العلم؛ وقال مصعب: إمرة العراق، وأجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وقال ابن عمر: المغفرة؛ فنالوا ما تمنوا. أتي مصعب يوماً بأساري من أصحاب المختار، فأمر بقتلهم بين يديه، فقام إليه أسير منهم فقال له: أيها الأمير، ما أقبح بي يوم القيامة أن أقوم إلى صورتك هذه المليحة الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بك وأقول: أي رب، سل مصعباً هذا فيم قتلني، فاستحيا مصعب وأمر بإطلاقه، فقال: أيها الأمير، اجعل ما وهبت لي في خفض ودعة من العيش، قال: قد أمرت لك بثلاثين ألف درهم؛ فقال: اشهدني أيها الأميرأن شطر هذا المال لعبد الله بن قيس الرقيان، قال: ولم ذلك؟ قال: لقوله فيك:
следующие страницы →