يقري المنية أرواح الكماة كما ... يقري الوحوش (١) شحوم الكوم والبزل
يكسو السيوف نفوس (٢) الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذيل
يغدو فتغدو المنايا في أسنته ... شوارعاً تتحدى الناس بالأجل
إذا طغت فئة عن غب طاعتها ... عبى لها الموت بين البيض والأسل
قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعته في كل مرتحل
تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
جافي الجفون صحيح الطرف (٣) همته ... فك العناة وأسر الفاتك الحطل
لا يعبق الطيب عينيه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل
إذا انتضى سيفه كانت مسالكه ... مسالك الموت في الأبدان والقلل
وإن خلت بحديث النفس فكرته ... حي الرجاء ومات الخوف من وجل
كالليث إن هجته فالموت راحته ... لا يستريح إلى الأيام والدول
إنا لحوادث لما رمن هضبته ... أزمعن عن جار شيبان بمنتقل
والدهر يغبط أولاه أواخره (٤) ... إذا لم يكن كان في أعصاره الأول
لا تكذبن فإن المجد معدنه ... وراثة في بني شيبان لم يزل
إذا الشريكي (٥) لم يفخر على أحد تكلم ... الفخر عنه غير منتحل
الزائديون (٦) قوم في رماحهم ... خوف المخيف وأمن الخائف الوجل
سلوا السيوف فأغشوا من يحاربهم ... خبطاً بها غير تعذير ولا وكل (٧)
كبيرهم لا تقوم الراسيات له ... حلماً وطفلهم في هدي مكتهل
стр. 1472
إسلم يزيد فما في الدين من أود ... إذا سلمت وما في الملك من خلل
أثبت سوق بني الإسلام في صعد (١) ... يوم الخليج وقد قامت على زلل
لولا دفاعك بأس الروم إذ مكرت ... عن بيضة الدين (٢) لم تأمن الثكل
ويوسف البرم (٣) قد صبحت عسكره ... بعسكر يلفظ الأقدار ذي زجل
غافصته (٤) يوم عبر النهر مهلته ... وكان محتجزاً في الحرب بالمهل
والمارق ابن طريف قد دلفت له ... بعارض للمنايا مسبل هطل
لما رآك مجداً في منيته ... وإن دفعك لا يسطاه (٥) بالحيل
سام النزال فأبرزت (٦) اللقاء له ... مقدم الخطو فيها غير منتكل (٧)
ماتوا وأنت غليل في صدورهم ... وكان سيفك يستشفى من الغلل
لو أن غير شريكي أطاف بها ... فاز الوليد بقدح الناضل الخصل (٨)
وقمت بالدين يوم الرس فاعتدلت ... منه دعائم القوم قد أوفت على خزل (٩)
ما كان جمعهم لما لقيتهم ... إلا كمثل نعام ريع منجفل
تابوا ولو لم يتوبوا من ذنوبهم ... لآب جيشك بالأسرى وبالنفل
كم آمن لك نائي الدار ممتنع ... أخرجته من حصون الملك والخول
ومارقين غواة (١٠) من بيوتهم ... لا ينكلون ولا يؤتون من نكل (١١)
стр. 1473
خلفت أجسادهم والطير عاكفة ... فيها وأقفلتهم هاماً مع القفل
يأبى لك الذم في يوميك إن ذكرا ... عضب حسام وعرض غير مبتذل
فافخر فما لك في شيبان من مثل ... كذاك ما لبني شيبان من مثل
كم مشهد لك لا تحصى مآثره ... قسمت فيه كرزق الجن (١) والخبل
لله من هاشم في أرضه (٢) جبل ... وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
قد أعظموك فما تدعى لهينة ... إلا لمعضلة تستن بالعضل
يا رب مكرمة أصبحت واحدها ... أعيت صناديد راموها فلم تنل
تشاغل الناس بالدنيا وزخرفها ... وأنت من بذلك المعروف في شغل
أقسمت ما ذدت (٣) عن جدواك طالبها ... ولا دفعت (٤) اعتزام الجد بالهزل
بأبي لسانك منع الجود سائله ... فما يلجلج بين الجود والبخل
صدقت ظني وصدقت الظنون به ... وحط جودك عقد الرحل عن جملي صنع هذه القصيدة لما أشخصه إليه إلى الرقة، فأخذه وأدخله على الرشيد، فأنشده شعره فيه، فأمر له بمائتي ألف درهم؛ ثم إن يزيد الممدوح بعث إليه بمائة وتسعين ألف درهم وقال: لا تكون عطيتي لك بمثل عطية أمير المؤمنين؛ قال مسلم: وأقطعني إقطاعات تبلغ ألف درهم؛ ثم أفضت الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبتني، فهجوته، فشكاني إلى الرشيد، فدعاني وقال: أتبيعني عرض يزيد؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: برغيف، فغضب حتى خفته على نفسي، وقال: قد كان رأيي أن أشتريه منك بمال جسيم، ولست أفعل ولا كرامة، وأنا بريء من أبي، ووالله والله، إن بلغني أنك هجوته لأنزعن لسانك من بين فكيك؛ قال: فأمسكت
стр. 1474
عنه بعد ذلك ولم أذكره.
ومن شعر صريع الغواني (١) :
لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أرضاً بأرض وجيراناً بجيران وقال أيضاً (٢) :
وليلة ناب الهم إلا بقية ... تداركها طيف ألم فسلما
جمعنا معاذير العتاب برقدة ... مشت بيننا نطوي الحديث المكتما وقال أيضاً (٣) :
وخندريس لها شعاع ... ابنة خمسين ألف عام
كأنها كوكب منير ... والبدر في ليلة التمام
لو قرنت بالظلام يوماً ... لانجاب عنا دجى الظلام
تكسب شرابها سروراً ... فما يراعون باهتمام
تضحك عن لؤلؤ شتيت ... ألفه الماء البيت النظام
ما ذقتها قط غير أني ... أمنحها الود بالكلام
حلت لي الكاس حين دارت ... علي في سكرة المنام
стр. 1475
٥٢٥ - (١)
مصعب ابن الزبير
مصعب بن الزبير بن العوام؛ استعمله أخوه عبد الله على البصرة، وقتل المختار بن أبي عبيد، وحارب بالعراقين عبد الملك بن مروان، إلى أن قتل سنة إحدى وسبعين للهجرة.
قال الشعبي: ما رأيت أميراً على منبر أحسن من مصعب.
وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد (٢) عن أبيه، قال: اجتمع في الحجر عبد الله ومصعب وعروة بنو الزبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنوا؛ فقال عبد الله: الخلافة؛ وقال عروة: يؤخذ عني العلم؛ وقال مصعب: إمرة العراق، وأجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وقال ابن عمر: المغفرة؛ فنالوا ما تمنوا.
أتي مصعب يوماً بأساري من أصحاب المختار، فأمر بقتلهم بين يديه، فقام إليه أسير منهم فقال له: أيها الأمير، ما أقبح بي يوم القيامة أن أقوم إلى صورتك هذه المليحة الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بك وأقول: أي رب، سل مصعباً هذا فيم قتلني، فاستحيا مصعب وأمر بإطلاقه، فقال: أيها الأمير، اجعل ما وهبت لي في خفض ودعة من العيش، قال: قد أمرت لك بثلاثين ألف درهم؛ فقال: اشهدني أيها الأميرأن شطر هذا المال لعبد الله بن قيس الرقيان، قال: ولم ذلك؟ قال: لقوله فيك:
стр. 1476
إنما مصعب شهاب (١) من الل؟ ... ؟؟ هـ تجلت عن وجهه الظلماء فضحك مصعب وقال: احفظ ما أمرنا لك به، ولابن قيس عندنا مثله.
فما شعر عبد الله بن قيس الرقيات، إلا وقد وافاه المال.
٥٢٦ - (٢)
أبو العرب الصقلي
مصعب بن عبد الله بن أبي الفرات، أبو العرب القرشي العبدري الصقلي الشاعر المشهور؛ دخل الأندلس عند تغلب الروم على صقلية، وحظي عند المعتمد بن عباد، وديوانه بأيدي الناس. روى عن ابن عبد البر، أخذ عنه أبو علي ابن غريب " أدب الكاتب " لابن قتيبة، وتوفي بميورقة سنة ست وخمسمائة. ومن شعره:
إلام اتباعي للأماني الكواذب ... وهذا طريق المجد بادي المذاهب
أهم ولي عزمان: عزم مشرق ... وآخر يثني همتي في المغارب
ولا بد لي أن أسأل العيس حاجة ... تشق على أخفافها والغوارب
إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العاملين أقاربي
وما ضاق عني في البسيطة جانب ... وإن جل إلا اعتضت عنه بجانب
إذا كنت ذا هم فكن ذا عزيمة ... فما غائب نال النجاح بغائب ومن شعره من أخرى:
стр. 1477
كأن فجاج الأرض يمناك إن يسر ... بها خائف تجمع عليها الأناملا
فأين يفر المرء عنك بجرمه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا وهو من قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأي عنك واسع ٥٢٧ (١)
مطيع بن إياس
مطيع بن إياس الكناني أبو سلمى؛ قيل إنه من الديل (٢) . كان شاعراً من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. كان خليعاً ماجناً حلو النادرة متهماً في دينه مأبوناً، ومولده ومنشأه بالكوفة، وكان إذا حضر ملك، وإذا غاب عنك شاقك، وإذا عرفت به فضحك. وكان يجتمع هو ويحيى بن زياد (٣) الحارثي وحماد الراوية وابن المقفع ووالبة ابن الحباب ويتنادمون لا يفترقون ولا يستأثر أحد منهم على صاحبه بمال. وكان يرمي الجميع بالزندقة.
ولام الناس مطيعاً على ما يرمى به من الأبنة، وقالوا: أنت في أدبك وسؤددك ترى هذه الفاحشة، فلو أقصرت (٤) عنها، فقال: جربوه أنتم ثم دعوه إن كنتم صادقين، فقالوا: قبح الله تعالى فعلك، وانصرفوا عنه.
وقدم بغداد رجل يقال له الفهمي، مغن محسن، فدعاه مطيع ودعا
стр. 1478
جماعة من إخوانه، وكتب إلى يحيى بن زياد يدعوه بهذه الأبيات (١) :
عندنا الفهمي مس؟ ... رور وزمار مجيد
ومعاذ وعياذ ... وعمير وسعيد
وندامى يعملون ال؟ ... قلز والقلز شديد
بعضهم ريحان بعض ... فهم مسك وعود القلز بالقاف واللام والزي: البدال. فاتاهم يحيى وأقام عندهم.
وبلغت الأبيات المهدي، فضحك منها وقال: تنايك القوم ورب الكعبة.
وخرج مطيع بن غياس ويحيى بن زياد حاجين، فقدما أثقالهما وقال أحدهما للآخر: هل لك أن نصير إلى زرارة فنقصف عنده ليلتنا ثم نلحق أثقالنا؟ فقال: نعم، فما زال ذلك دأبهما حتى انصرف الناس من مكة، فركبا بعيرين وحلقا رؤوسهما ودخلا مع الحاج، فقال مطيع (٢) :
ألم ترني ويحيى إذ حججنا ... وكان الحج من خير التجاره
خرجنا طالبي خير وبر ... فمال بن الطريق إلى زراره
فعاد الناس قد غنموا وحجوا ... وأبنا موقرين من الخساره ومن شعر مطيع (٣) :
ويوم ببغداد نعمنا صباحه ... على وجه حوراء المدامع تطرب
ببيت ترى فيه الزجاج كأنه ... نجوم الدجى بين الندامى تقلب
يصرف ساقينا ويقطب (٤) تارة ... فيا طيبها مقطوبة حين تقطب
علينا سحيق الزعفران وفوقنا ... أكاليل فيها الياسمين المذهب
стр. 1479
فما زلت أسعى بين صنج ومزهر ... من الراح حتى كادت الشمس تغرب وسقط لمطيع حائط فقال له بعض أصحابه: أحمد الله على السلامة، فقال: أحمده أنت الذي لم ترعك هدته، ولم يصل إليك غباره، ولم تغرم أجرة بنائه.
هو الذي يقول في نخلتي حلوان (١) :
أسعداني يا نخلتي حلوان ... وابكيا لي من ريب هذا الزمان
واعلما أن ريبه لم يزل يف ... رق بين الألاف والأقران
ولعمري لو ذقتما ألم الفر ... قة أبكاكما الذي أبكاني
أسعداني وأيقنا أن نحساً ... سوف يلقاكما فتفترقان فلما خرج هارون الرشيد إلى طوس هاج به الدم بحلوان، فوصف له الحكيم أكل جمار النخل، فلم يكن بحلوان إلا تلك النخلتان اللتان في العقبة، فقطعوا له رأس إحداهما وأتي به إليه، فأكل منه، فلما بلغ إلى العقبة نظر إلى القائمة وإذا عليها مكتوب هذه الأبيات، فاغتم لذلك وبكى وقال: والله لو سمعت بهذا الشعر ما قطعتها ولو قتلني الدم، ويعز علي أن أكون النحس الذي فرق بينهما.
وقال إبراهيم بن القاسم الكاتب المعروف بالرقيق النديم في كتاب " قطب السرور " (٢) : إن مطيع بن إياس ويحيى بن زياد وحماد عجرد كانوا (٣) يجتمعون عند أبي الأصبغ المقين، وكان له عدة جوار قيان، وكان فتيان الكوفة يألفون منزله وينفقون عنده، وكان هؤلاء الأدباء يغشون منزله
стр. 1480
لجارية يقال له حوذانة (١) مليحة الغناء حسنة الوجه بارعة الظرف والأدب، وكان لأبي الأصبغ ابن يقال له الأصبغ ولم يكن بالعراق أحسن منه، وكان غالب أهل بغداد (٢) يتعشقونه ولا يقدرون عليه، وكان يحيى بن زياد كثير الإفضال على أبي الأصبغ. وعزم أبو الأصبغ على أن يصطبح يوماً مع يحيى ابن زياد، فاهدي إليه يحيى من الليل جداء ودجاجاً وفراخاً وفاكهة وشراباً، وقال أبو الأصبغ لجورايه: إن يحيى يزورنا فأصلحن له ما يشبه مثله، فلما فرغ من الطعام لم يجد رسولاً يرسله إلى يحيى لأنه وجه بغلمانه في حوائجه، فوجه ابنه الأصبغ وقال له: لا تبرح أو تجيء بيحيى معك، فلماجاء الأصبغ قال يحيى للغلام: أدخله وتنح أنت وأغلق الباب وإن أراد الخروج فامنعه. فلما دخل إليه أصبغ وأدى الرسالة راوده عن نفسه فامتنع، فاروه يحيى فصرعه ورام حل تكته فل يقدر على ذلك فقطعها وقضى غرضه منه، فلما فرغ أعطاه أربعين ديناراً فأخذها، وقال له يحيى: امض وأنا في أثرك، فخرج أصبغ من عنده، فاغتسل يحيى وجلس يتزين ويتبخر، فدخل إليه مطيع بن إياس فرأى ما هو فيه، فقال له: كيف أصبحت؟ فلم يجبه وشمخ بأنفه وقطب حاجبيه وتعظم، فقال له: أراك تتبخر وتتزين فإلى أين عزمت؟ فلم يجبه وازداد قطوباً وتعظماً (٣) ، فقال له: ويحك، نزل عليك الوحي؟ كلمتك الملائكة؟ بويع لك بالخلافة؟ وهو يوميء برأسه: لا، لا؛ فقال له: فما خبرك؟ قد تهت فلا تتكلم كأنك قد نكت الأصبغ، قال: أي والله الساعة نكته وأعطيته أربعين ديناراً قطعت تكته، قال له: فإلى أين تمضي؟ قال إلى دعوة أبيه، قال مطيع: فامرأته طالق ثلاثاً إن فارقتك أو أقبل أيرك، فأبداه له يحيى حتى قبله، ثم قال له: كيف
стр. 1481
قدرت عليه؟ فحدثه حديثه، وقام يمضي إلى منزل أبي الأصبغ، واتبعه مطيع، فقال له: ما تصنع معي والرجل لم يدعك (١) وإنما يريد الخلوة؟ قال: أشيعك إلى بابه ونتحدث، فمضى معه، ودخل يحيى ورد الباب في وجهه، فصبر مطيع ساعة ثم دق الباب واستأذن، فخرج إليه الرسول وقال: يقول لك أنا عنك مشغول اليوم في شغل لا أتفرغ منه لك فتعذر، فقال له مطيع: فابعث لي بدواة وقرطاس، فبعث له فكتب (٢) :
يا أبا الأصبغ لا زلت على ... كل حال ناعماً متبعا (٣)
لا تصيرني من الود كمن ... قطع التكة قطعاً شنعا
وأتى ما يشتهي لم يثنه ... خيفة أو خفض حق ضيعا
لو ترى الأصبغ ملقى تحته ... مستكيناً خجلاً قد خضعا
وله دفع عليه عجل ... شبق ساءك ما قد صنعا
فادع بالأصبغ واعرف حاله ... سترى أمراً قبيحاً فظعا (٤) قال، فقال أبو الأصبغ ليحيى: فعلتها يا ابن الزانية؟! قال: لا والله، فضرب بيده إلى تكة ابنه فوجدها مقطوعة فأيقن بالفضيحة، فقال يحيى: قد كان الذي كان، وسعى مطيع ابن الزانية إليك، وهذا ابني هو والله أفره من ابنك وأما عربي ابن عربي وأنت نبطي ابن نبطية، فنك ابني عشر مرات مكان المرة الواحدة التي نكت لابنك، فتكون قد ربحت الدنانير والوحدة بعشر، فضحك أبو الأصبغ وضحك الجواري، وقال لابنه: هات الدنانير يا ابن الفاعلة، فرمى بها إليه وقام خجلاً، فقال يحيى: والله لا دخل
стр. 1482
مطيع ابن الزانية، فقال أبو الأصبغ وجواريه: ليدخلن إلينا، فقد نصحنا وغشيتنا (١) ، فأدخل وجلس يشرب معهم ويحيى يشتمه بكل لسان، ومطيع يضحك.
ونوادر مطيع كثيرة في كتاب " الأغاني "؛ وتوفي سنة تسع وستين ومائة.
٥٢٨ - (٢)
" مظفر الذهبي "
مظفر بن محاسن بن علي؛ هو تاج الدين الموصلي الأصل الدمشقي المولد الذهبي، مولده في العشر الأول من الحجة سنة سبع وستمائة، وتوفي سنة ست وثمانين وستمائة.
قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: استعرت ديوانه منه وكتبت منه كثيراً مما اخترته وقرأته عليه، فمن ذلك قوله:
إذا شرفت نفس الفتى وتلطفت ... طفت فتراها بالهوا تتعلق
وتقعد بالفدم الغبي كثافة ... تجاذبه نحو الحضيض فيغرق
وساق لشمس الراح في فيه مغرب ... لأن لها من أفق خديه مشرق
إذا ما سعى بالكاس كان مبشراً ... بكسر جيوش الهم وهو مخلق
تعاهدني أعطافه ثم تنثني ... ويطعن رمح القد قلبي فيصدق
بخصر يرى مثل السراب ممنطقاً ... وردف تخال الموج فيه يصفق
стр. 1483
وقال:
أمن وصحة جسم ... وكسر بيت وكسره
نهاية العيش فاقنع ... وشره حيث تشره وقال أيضاً:
راحت تدير بمقلتيها الراحا ... فغبقت من أحداقها أقداحا (١)
وجلت لنا من تحت ليل غدائر ... قبل الصباح من الجبين صباحا
ناديتها رفقاً بصب مدنفق ... قد مال من سكر الغرام وطاحا
قد مسه قرح الصدود فبرؤه ... لو كان يرشف من لماك قراحا
فتبسمت دلا وقالت هكذا ... يلفي (٢) ملحاً من أحب ملاحا
قم فاهصر الغصن الرطيب وكسر ال؟ ... رمان فيه وعضض التفاحا وقال أيضاً:
سن الظبا من لحظه الوسنان ... ورنا فراش سهامه ورماني
وبدا فذاب البدر من حسد له ... فلذاك ما ينفك في نقصان
ماء النعيم يرف من وجناته ... يسقي رياض شقائق النعمان
قالت عقود نهوده لقوامه ... من أنبت الرمان في المران وقال:
زمرذ شاربه الأخضر ... ينم على ثغره الجوهري
وريق اللمى طعمه سكر ... وذاك النبات من السكر وقال:
لقد خاب من يرجو رجوع شبابه ... بصبغة نيل تنتهي وتحول
стр. 1484
كأن بقاياها بصفحة خده ... سهام المنايا والنصول نصول وقال:
من منصفي من ساحر ساخر ... يزيد من ذل لديه اعتزاز
مذ وشحت خداه بالعارض ال ... مرقوم قال الناس: دار الطراز وقال:
وأمرد ضاق عن معاملتي ... أودعت فاه خفيف ديار
فقال: بهرجت ذا الخفيف لنا ... فقلت: والضرب خارج الدار وكان تاج الدين الذهبي يكتب جيداً، ويذهب أجود، ويصور في نهاية الحسن؛ ودخل السلطان الملك الناصر ابن العزيز عليه وهو بقلعة دمشق يذهب في دار رضوان، فقال له: ما تصنع يا تاج؟ قال: يا خوند أنا بالنهار أذهب (١) إلثنا، وفي الليل أذهب الثنا، وقال شعر (٢) :
يا حاتم الجود بل يا يوسف الثاني ... اشفع فديتك إحساناً باحسان
ماذا أقول وعكس الحال صيرني ... يا مالكي أحرقتني دار رضوان وقال:
كلفت بتصوير الدمى في شبيبتي ... وأتقنتها إتقان حبر مهذب
وحاولت عنها رجعة ومدحتكم ... فلم أخل من تزويق زور مكذب ولابن صابر المنجنيقي (٣) في هذه المادة (٤) :
стр. 1485
كلفت بعلم المنجنيق ورميه ... لهدم الصياصي وافتتاح المرابط
وعدت إلى نظم القريض لشقوتي ... فلم أخل في الحالي من قصد حائط وكتب إليه ناصر الدين ابن النقيب يعتذر إليه:
منعتني من أن أراك خيول ... ضاق صدري بها وضاق السبيل
هي ما بيننا تحول وما ين ... كر تصحيف من يقول تحول
منظر مثلما رأيت مروع ... وسماع كما علمت مهول
مقنب خلف مقنب متوال ... ورعيل يقفوه ثم رعيل
وجمال محملات وقد قا ... بلها مثلها عليها حمول
وبغال تأتي بزبل فتلقا ... ها بغال غشم عليها طبول
ودواب الحلفاء والماء والطي ... ن وقوم ترمي وقوم تشيل
وروايا مؤثرات من الآثا ... ر ما لا يمحي وما لا يزول
كاع فيها الغسال من كثرة الغس ... ل وضاع الصابون والغاسول
وجباة الأسواق بالقرد والد ... ب، وسبع من آخرين وفيل
وصراخ وغاغة وصياح ... وبغيض وغائظ وثقيل
وشحيج (١) مستنكر ونهاق ... ورغاء مزعزع وصهيل
وكسير على يد متوك ... وعلى الكتف آخر محمول
وثياب تخرقت بالمهامي ... ز وباللجم، رفوها مستحيل
ومواعين من غضار وفخا ... ر على أهلها الغضار تسيل
فتراها وقد رجعن شقافاً ... ولأصحابها عليها عويل
وسقوط الأطفال من زحمة الخي ... ل وللأمهات عنها ذهول
ولكم أزمنت حوافرها خل ... قاً كثيراً وكم لهن قتيل
وعليها من لا يخاف علينا ... وإذا قال لا نطيق نقول
стр. 1486
وهو من تيهه بلفظة إيا ... ك وحاشاك أو تنح بخيل
" ما الذي عنده تدار المنايا ... كالذي عنده تدار الشمول " (١)
فلك العذر أيها الخل إن لم ... آت أو يأت من جهاتي رسول فكتب إليه الجواب مظفر ابن الذهبي:
سيدي من زيارتي أنت معفى ... وعلينا مزاركم والمثول
أنا أسعى إليك سعي محب ... ومحق بفعله ما يقول
لو غدت داركم بنجد أتينا ... لم ترعنا حزونها والسهول
والصخور الكبار بالعجل العا ... جل والخيل إذ تراها جفول
ورحال (٢) يحملن ما سلخ الجزار ... منه الدماء سحاً تسيل
ومكال ملئن من وسخ المس ... لخ وافين وانتفضن غليل
ولكم رابني وعيد سرير ... من جريد به النواظر حول
وقميصي من قطع بنتكة (٣) الفوا ... ل شلت يمينه مشلول
ثم سقا يرش بالقربة الس ... وق أيضاً: سريعاً ذيلي به مبلول
وزحام والجرح فيكتف المن ... بل يجري ونصله مسلول
وحمير التراس إذ زجروها ... حيث أنا عن صدمهن غفول
ودفوف المزكلشين (٤) وللنا ... س عليهم تزاحم ودخول
وجمال الأجناد إذ تجلب الأح ... طاب والسيروان (٥) فدم جهول
стр. 1487
وطبالي الشوء مع بطة (١) الزي ... ات لم ينق طبعها الغاسول
وبرجلي معالج صخرة إن هـ ... ي زلت علي أني قتيل
ولوأن البليغ يستوعب الأن ... كاد فيها لكان شرحاً يطول فأجابه الحكيم شمس الدين ابن دانيال:
يا خليلي أنتما المأمول ... ومنائي من الورى والسول
بكما راقت الفضائل وانسا ... غت بطيب كما تساغ الشمول
عجباً منكما صديقين صدقاً ... لكما عن مزار كل عدول
لا يصد الخليل عن زورة الخ ... ل إذا ما أتاه أمر مهول
لا ولا زحمة الخلائق في الأس ... واق كل عليه جهلاً يميل
وحمير البلاط والجبس تجري ... والورى في الزحام عنها غفول
وحمار الزبال يعثر بالزب ... ل أمامي والريح ريح قبول
وغبار النحات والسبل ال ... منكي ودمعي إذ قابلتني همول
ولكم قد وقعت من طعنة القب ... ان حيث الوزان فدم هول
ومنادي السيوف أرهبه حي ... ث ينادي وسيفه مسلول
ولقدر الشرائحي سخام ... في ثيابي بالغسل لا يستحيل
وكذاك الأمراق من مطبخ السل ... طان يجري بها الغلام العجول
وزحام المجذمين مع البر ... ص بقلبي من لمسهن غليل
ووقوع المياه من دار قوم ... فوق رأس بالوه أو لم يبولوا
ولكم سلحة من الطاق ترمي ... ها فتاة إذ طفلها مسهول
وبراسي منها علامة ذم ... ي كأني أبو العلا شمويل
وحمار مطرمذ (٢) عجل إن ... نال ظهري إني إذاً لقتيل
стр. 1488
وسراب الحمام يحفر إذ ضا ... ق ففيض المياه منه تسيل
وسقوط الأحجار من كل هدم ... وذراعي من وقعها مشلول
ورجال قد زاحموني بأثقا ... ل لهم عند عتلها ترتيل
والذي يذبح الدجاج ويرمي ... هن والدم سائح مطلول
وارتياعي إذا المجرس وافى ... مقبلاً مدبراً به تنكيل
وعصاة الضرير تجرح كعب ... ي وذيلي بطينها مبلول
كل ذا هين على صاحب الشو ... ق وإكثاره عليه قليل
فذرا أيها الخليلان عذراً ... هو عندي إن زرتما مقبول
وخذاه نظماً حكى البرد وشياً ... ولأهدابه عليه فضول ٥٢٩ (١)
أبو المظفر الأنباري
مفلح بن علي بن يحيى بن عباد، أبو المظفر الأنباري؛ أقام ببغداد وكان يؤدب الصبيان، ثم اتصل بخدمة الوزير ابن هبيرة واختص به سفراً وحضراً، ولما توفي الوزير نقل عنه أنه نظم شعراً يعرض (٢) فيه ببعض الصدور، فأخذ وحبس في حبس الجرائم وعوقب مراراً، ومكث في الحبس سنة، ثم أخرج منه ميتاً سنة إحدى وستين وخمسمائة.
وكان حافظاً لكتاب الله تعالى حسن القراءة عالماً بالفقه والأصول أديباً مليح العبارة، سمع الكثير بنفسه وقرأ على الشيوخ وحدث بالسير (٣) ، ﵀؛ ومن شعره:
стр. 1489
وكنت قنعت في الدنيا بشخص ... يكون لراحتي ولكبت ضدي
تؤانسه مفاكهتي وقربي ... وتؤلمه مفارقتي وبعدي
فما سمحت به الأيام إلا ... يسيراً والمنون إليه تخدي
فما فرت به عيناي حتى ... توخاه الردى وبقيت وحدي وقال:
سقى ربوعاً أقوت على حاجر ... واهي العزال مجلجل ماطر
وجاد ماذان والعقيق إلى ... غمرة دان وسميه باكر
يثير سلكاً من الرذاذ علي ... بان قرورا وروضها الزاهر
بكت بها شجوها فأضحكها ... بالنور دمع السحائب (١) الماطر
كأنما الطل في ذوائبه ... والشمس صبحاً تنسل من كافر
عقد فتاة ألقى جواهره ... سلك خؤون لضعفه خائر
إذا تغنى حمامه (٢) طرقاً ... كان له من هديله سامر
كأنه شارب معتقة ... كان لها قس إيليا عاصر
من عهد كسرى وقيصر ختمت ... ما فضها شارب ولا تاجر
يا خالياً من غرام مكتئب (٣) ... ويا رقوداً عن ليله الساهر
وناصحي والنصيح متهم ... إن لم تكن مسعداً فكن عاذر
وعدتني منك وقفة (٤) أمماً ... أين وفاء الميعاد يا غادر
قف ساعة بي على معاهدهم ... ولا تكن للمطي بالزاجر
أما تراها تحن مرزمة ... ودمعها في جفونها حائر
قد أيقنت أنني أخو كلف ... بأربع لا ترق للذاكر
стр. 1490
قد كنت جلداً فخانني جلدي ... أهجر من مل أو غدا هاجر
ومدمعي جامداً فمذ رحلوا ... عن ارض نجد لم يرق لي ناظر
حجر علي البكاء في طلل ... وإن شجاني إلا على حاجر
ومخطف الخصر أغيد علقت ... بالقلب منه كنفثة الساحر
يعقد أزراره على غصن ... وبدر تم يعشي (١) له الناظر
بمهجتي رمت وصله فأبى ... وعدت منه بصفقة الخاسر
رمى فأصمى عن قوس حاجبه ... فالسهم لا طائش ولا عاثر
ما خامر القلب قط فيه ولا ... جالت بنات السلو في خاطر
له على القلب من جلالته ... رقبة ناه من غيرة آمر
بغيب ذهي إذا تذكره ... وهو بقلبي مخيم حاضر
حن فؤادي إلى معذبه ... فيا لهيم حنت إلى الزاجر ٥٣٠ (٢)
مقدار المطاميري
مقدار بن المختار، أبو الجزائز بن المطاميري الشاعر التكريتي؛ توفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة؛ من شعره:
لو أن وقفة ليل ذي الأثل ... رجعت علي بذاهب الوصل
стр. 1491
أو عاود الإلمام طيفكم ... لقضى ديون الحب ذو مطل
كانت ليالي وصلكم خلساً ... جادت بها مألوفة البخل
تثني اللثام على حصى برد ... تشفي مذاقته من الخبل
وتدير نجلاوين زانهما ... كحل لقد أغنى عن الكحل
ويهز منها الخطو معتدلاً ... نشوان من ترف ومن دل
كقوام خوط البان رنحه ... ولع النسيم بذي نقا سهل
يا صاحبي سري اللذين هما ... أدنى محافظة من الأهل
بباله هل آنستما أحداً ... شغف الغرام فؤاده مثلي
ليت الحلول سهول كاظمة ... لم يستحلوا في الهوى قتلي
جحدوا دمي وعلى أكفهم ... نضح يقوم بشاهد عدل وقال (١) :
ولما تنادوا (٢) بالفراق غدية ... رموا كل قلب مطمئن برائع
وقمنا فمبد (٣) حنة إثر أنة ... تقوم بالأنفاس عوج الأضالع
مواقف تدمي كل عبراء (٤) ثرة ... صدوف الكرى إنسانها غير هاجع
أمنا بها الواشين أن يلهجوا بنا ... فلم نتهم إلا وشاة المدامع
стр. 1492
٥٣١ - (١)
أبو سعد الآبي
منصور بن الحسين، الأستاذ أبو سعد الآبي؛ تقلد الوزارة بالري، وكان يلقب بالوزير الكبير ذي المعالي زين الكفاة؛ كان أديباً ماهراً ناظماً عالي الهمة شريف النفس، ذكره الثعالبي في كتاب " اليتيمة " (٢) واثنى عليه، وله كتاب " نثر الدر " لم يجمع مثله، سبع مجلدات، كل مجلد بخطبة، وكل مجلد فيه أبواب، لم يجمع أحد في المنثور مثله. وله كتاب " نزهة الأدب " وله كتاب " الأنس والعرس "، وكان يتشيع. ولما ورد السلطان إلى الري سنة إحدى (٣) وعشرين وأربعمائة ولاه القيام باستيفاء الأموال.
ومن شعره:
على التلعات البيض من أبرق اللوى ... تلألأ برق مثلما ابتسمت سعدى
واتلع إن ماس الأراكة لم يدع ... لها فنناً سبطاً ولا ورقاً جعدا
إذا وردت ماء العذيب ركائبي ... فقد اعشبت مرعى وقد أعذبت وردا
يرف (٤) عليها الأقحوان غدية ... وقد عله طل كدمعي أو أندى
هنالك قوم كلما زرت حيهم ... لقيت أبا سعد به الطائر السعدا
عقائله يفرشن بالورد طرقه ... ليوطئه إن جئته الفرس الوردا
стр. 1493
وقال:
إذا الليل أسبل أستاره ... وضم أبا حسن والحسن
فإني بريء من المصطفى ... لئن كنت أعلم من ناك من وقال:
أزور بمهجتي العلمين دارا ... يناغي الأقحوان به العرارا
أناشد لامع البرق اليماني ... وأستسقي لكاظمة القطارا
واسأل عن نار كل دار ... وما تغني مساءلتي الديارا
سلام إن يكن قولي سلام ... يليح (١) الوصل أو يدني المزارا
سلام فتى يحن إلى هنات ... صحا من سكرها إلا ادكارا
ودون المنحني بالجزع حي ... عزيز أن يزور وأن يزارا
ألا يا صاحبي عرج قليلاً ... فقد آنست من وهبين (٢) نارا
ألا يا ناذريه دمي رويداً ... أراقته عقيلتكم جبارا
فربت ليلة سهرت ونمتم ... قطعناها عتاباً واعتذارا
وما حدرت لمحظور (٣) نقاباً ... ولا وضعت لفاحشة خمارا
وليلة زرتها والأفق سود ... حوافيه (٤) وأنجمه حيارى
стр. 1494
٥٣٢ - (١)
أمير العرب بهاء الدولة
منصور بن دبيس بن علي بن مزيد، أبو كامل بهاء الدولة الأسدي؛ كان أديباً فاضلاً، شاعراً فارساً، شجاعاً كريماً جواداً ذا رأي وحسن تدبير، وكان حفظة لأخبار المتقدمين وسير الأوائل وأشعار الجاهلية والإسلام.
قرأ الأدب على عبد الواحد بن علي بن برهان، وكان حسن السيرة عادلاً في رعيته؛ ولد سنة خمس وعشرين وأربعمائة، وتوفي سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وكانت أيامه بالعراق أربع سنين وشهوراً. ولما دخل على عميد الملك الكندري وزير طغرلبك أسيراً قال له الأمير: أين فروسيتكم وشجاعتكم؟ فأنشده:
فإن نهزم فهزامون قدماً ... وإن نهزم فغير مهزمينا (٢)
وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا وقال أيضاً:
أقول لزياد ولا ستر دونه ... ونحن بشاطي المسرقان (٣) جنوح
وقد عاد للدولاب رجع كأنه ... حنين مطايا مسهن طلوح
تبصر خليلي هل ترى ضوء بارق ... على نشز نحو العراق يلوح
فقال وقد طال التشوق ما أرى ... سوى زفرات في الفؤاد تفوح
стр. 1495
رعى الله سكان العراق فإنني ... عليهم وإن شط المزار شحيح
ولازال من نوء السماك عليهم ... ونوء الثريا العشي دلوح وقال أيضاً:
ما لامني فيك أعدائي وعذالي ... إلا لغفلتهم عني وعن حالي
لا طيب الله لي عيشاً أفوز به ... إن دب سكر التسلي عنك في بالي وقال أيضاً:
ولما رأيتك ضراعة ... تزين الخداع مقالاً جميلا
تسليت عنك بمن لا أريد ... فدب السلو قليلاً قليلا وقال من أبيات:
أولئك قومي إن أعد الذي لهم ... كرم وإن أفخر بهم لا أكذب
هم ملجأ الجاني إذا كان خائفاً ... ومأوى الصريخ والفقير المعصب
بطاء عن الفحشاء لا يحضرونها ... سراع إلى داعي الصباح (١) المثوب
مناعيش للمولى مساميح للقرى ... مصاليت تحت العارض المتلهب
وجدت أبي فيهم وخالي كليهما ... يطاع ويؤتى أمره وهو محتبي
فلم أتعمد للسيادة فيهم ... ولكن أتتني وادعاً غير متعب
стр. 1496
٥٣٣ - (١)
النمري الشاعر
منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك بن مطعم؛ كان من شعراء الدولة العباسية، وهو تلميذ العتابي، والعبابي هو الذي وصفه للفضل بن يحيى بن خالد حتى أقدمه من الجزيرة واستصحبه وأوصله للرشيد، ومنصور هو راوية العتابي وعنه أخذ ومن بحره استقى، وجرت بعد ذلك بينه وبين العتابي وحشة فتهاجرا وتناقضا وسعى كل واحد منهما على هلاك صاحبه.
وعرف منصور النمري (٢) مذهب الرشيد في الشعر ومقصده في نفي الإمامة عن آل أبي طالب والطعن عليهم، لما كان يبلغه عن مروان بن أبي حفصة، فسلك مذهب مروان ونحا نحوه ولم يصرح بالهجاء كما كان يفعل مروان، وكان شديد العداوة للطالبيين.
وتوفي منصور النمري في حدود العشر والمائتين، ولما دخل على الرشيد (٣) أنشد:
أمير المؤمنين إليك خضنا ... غمار الموت من بلد شطير (٤)
بخوص كالأهلة خافقات ... يلبن (٥) على السرى " وعلى الهجير " (٦)
стр. 1497
حملن إلي آملاً ثقالا ... ومثل الصخر والدر النثير
فقد وقفوا (١) المديح بمنتهاه ... وغايته فصار إلى مصير
إلى من لا تشير إلى سواه ... إذا ذكر الندى كف المشير فقال مروان بن أبي حفصة: وددت والله أنه أخذ جائزتي وسكت.
وقال في هذه القصيدة:
يد لك في رقاب بني علي ... ومن ليس بالمن الصغير
مننت على ابن عبد الله يحيى ... وكان من الهلاك (٢) على شفير
فإن شكروا فقد أنعمت فيهم ... وإلا فالندامة للكفور
وإن قالوا بنو (٣) ابنته فحق ... وبروا والمناسب للذكور
وما لبني بنات من تراث ... مع الأعمام في ورق الزبور ولابن المعتز هذا المعنى حيث يقول:
فأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم وهذا في غاية الفخر والحسن لأن العباس ﵁ مات مسلماً وأبا طالب مات كافراً.
ودخل يوماً على الرشيد وأنشده قوله:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع
بأن الشباب وفاتتني بلذته ... صروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أوفى شبابي كنه غربته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع فقال الرشيد: أحسن والله، لا يتهنا أحد بعيش (٤) حتى يخطر في رداء
стр. 1498
الشباب؛ ومن القصيدة في المديح:
أي امريء بات من هارون في سخط ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع (١)
إذا رفعت امرءاً فالله يرفعه ... ومن وضعت من الأقوام يتضع
نفسي فداؤك والأبطال معلمة ... يوم الوغى والمنايا بينها قرع فأمر الرشيد له بمائة ألف درهم.
وكان محمد البيذق ينشد الرشيد أشعار المحدثين، وكان إنشاده يطرب أكثر من الغناء، فأنشده يوماً هذه القصيدة، فلما بلغ هذه الأبيات كان بين يديه خوان فرمى به من يديه وقال: هذا أطيب من كل طعام ومن كل شيء، وبعث إلى منصور النمري بسبعة آلاف دينار، قال البيذق: فلم يعطني منها ما يرضيني، وشخص إلى رأس عين فأغضبني فأنشدت هارون قوله:
شاء من الناس راتع هامل (٢) ... يعللون النفوس بالباطل حتى بلغت قوله:
إلا مساعير يغضبون لها ... بسلة البيض والقنا الذابل فقال هارون: أراه يحرض علي. ابعثوا إليه من يأتيني برأسه، فكلمه فيه الفضل بن الربيع فلم يفده. وتوجه إليه الرسول فوافاه في اليوم الثاني الذي مات فيه منصور، فأمر ينبشه وإحراقه، فشفع فيه الفضل ولم يزل إلى أن كف عنه.
ومن مديح قصيدته العينية في الرشيد قوله:
стр. 1499
إن أخلف الغيث لم تخلف مخايله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع قيل إن العتابي استقبل منصوراً النمري يوماً فوجده واجماً كثيباً فقال له: ما خبرك؟ قال: تركت امرأتي تطلق وقد عسرت عليها الولادة، وهي يدي ورجلي والقيمة بأمري، فقال له العتابي: اكتب على فرجها " هارون "، قال: ولم ذلك؟ قال: لتلد ويتسع المكان، قال: وكيف ذلك؟ قال: لقولك كذا وكذا وأنشده البيت، فقال: يا كشخان، والله لئن تخلصت امرأتي لأذكرن ذلك للرشيد؛ فلما ولدت امرأة منصور اخبر الرشيد الواقعة، فغضب وطلب العتابي، فاستتر عند الفضل بن الربيع حتى شفع له فأمره بإحضاره فأحضره فقال له: ويلك تقول كذا وكذا للنمري، فاعتذر له حتى قبل ذلك، فقال العتابي: ما حمله على الكذب علي إلا وقوفي على ميله إلى العلوية، وأنشده قصيدته اللامية التي أولها:
شاء من الناس راتع هامل ... فغضب وقال للفضل: احضره الساعة، فستره الفضل عنده، ولم يزل الرشيد يتطلبه إلى أن قال يوماً للفضل: ويحك يفوتني النمري؟! قال: يا أمير المؤمنين، قد حصلته وهو عندي، قال: فجئني به؛ وكان الفضل قد أمره أن يلبس فروة مقلوبة ويباشر الشمس ليشحب ويسوء حاله، ففعل، فلما أرد إدخاله عليه علمه ما يقول، فلما وقعت عين الرشيد عليه قال: السيف، فقال الفضل: يا أمير المؤمنين ومن هو هذا الكلب حتى نأمر بقتله بحضرتك؟ قال: أليس هو الذي يقول:
إلا مساعير يغضبون لنا ... بسلة البيض والقنا الذابل فقال منصور: لا يا سيدي، ما أنا الذي قلت هذا ولقد كذب علي، ولكني الذي أقول:
стр. 1500
يا منزل الحي ذا المغاني ... أنعم صباحاً على بلاكا منها:
هارون يا خير من يرجى ... لم يطع الله من عصاكا
في خير دين (١) وخير دنيا ... من اتقى الله واتقاكا فأمر بإطلاقه وتخلية سبيله، فقال منصور يمدح الفضل:
رأيت الملك مذ آزر ... ت قد قامت محانيه (٢)
هو الأوحد في الفضل ... فما يعرف ثانيه (٣) ٥٣٤
الراشد بالله
منصور بن الفضل بن أحمد بن عبد الله، أبو جعفر الإمام الراشد بالله أمير المؤمنين ابن المسترشد بالله ابن المستظهر؛ ولد ليلة الجمعة ثالث عشر شهر رمضان سنة اثنتين وخمسمائة، ويقال إنه لم يكن له مخرج، فأحضر الأطباء وأشاروا بأن يفتح له مخرج بآلة من ذهب، ففعل به ذلك واستقام أمره.
وخطب لوالده بولاية العهد سنة ثلاث عشرة (٤) وخمسمائة، وبويع
стр. 1501
له بالخلافة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
وكان مليحاً أبيض شديد الأيد شجاعاً حسن السيرة جيد الطوية، يؤثر العدل ويكره الشر، وكان فصيحاً أديباً شاعراً سمحاً جواداً، ولم تطل أيامه، خلعه السلطان مسعود وبايع عمه الإمام المتقي وعمره أربعون سنة، وخرج الراشد بالله إلى نواحي أصبهان فقتله الفراشون بالسكاكين في خركاته وبني له هناك تربة.
يحكى أنه كان ببستان الخلافة إيل عظيم الخلقة اعترضه في بعض الميادين، فهرب الخدم عنه، فهجم عليه بنفسه ومسك قرنيه فقلعهما بيده فوقع ميتاً؛ ومن شعره رحمه الله تعالى:
سأقتضي من زمني ديوني ... إن أخرتني ريب المنون
ولست بالراشد إن لم أنتخي ... لهاشم عن حسبي وديني (١) ٥٣٥
" المستنصر بالله "
منصور بن محمد بن أحمد، الإمام المستنصر بالله ابن الإمام الظاهر ابن الإمام الناصر؛ ولد في ثالث عشر صفر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، بويع له بالخلافة يوم الجمعة لعشر خلون من الحجة سنة أربعين وستمائة، وبويع بعده لولده الأكبر أبي أحمد المستعصم.
стр. 1502
ولما استقر الإمام المستنصر نشر العدل وبث المعروف وزاد أبواب الخيرات، وقرب أهل العلم والزهاد والصالحين، وبنى المدارس والمساجد والربط والمشاهد ودور الضيافة والبيمارستانات، وكف الفتن واعتنى بطرق الحاج وإصلاح آبارها، وبنى بالمدينة ومكة دوراً (١) للمرضى وأرسل إليها (٢) ما تحتاج من العقاقير والمركبات من الأدوية؛ وجمع العساكر وقام بأمر الجهاد، وأذعنت لطاعته ملوك الأرض، وبيعت كتب العلم في أيامه بأغلى الأثمان لميله إلى اقتنائها ورغبته في تحصيلها وإكبابه على مطالعتها ووقفها على أهل الفضل. وصنف الفضلاء في دولته بدائع المصنفات في فنون العلم تقربوا باهدائها إليه.
وكان أبيض أشقر الشعر ضخماً قصيراً، وكان جده الإمام الناصر يقربه ويسميه " القاضي " لعقله وهديه وإنكاره المنكر.
قال ابن واصل: وبنى على دجلة من الجانب الشرقي فيما يلي دار الخلافة مدرسة ما بني على وجه الأرض مثلها، وهي بأربع مدرسين على المذاهب الأربعة، وعمل فيها بيمارستاناً كبيراً، ورتب فيها مطبخاً ومزملة للفقراء، ورتب لهم حماماً وبالحمام قومة، واستخدم عساكر عظيمة تزي على مائة ألف وعشرين ألف فارس، وهزم التتار.
وكان قد بلغ ارتفاع وقف المستنصرية نيفاً وسبعين ألف مثقال.
ولما اهتم ﵁ بجمع الجند من أقطار الأرض لدفع التتار اتفق جماعة من التجار وجمعوا مالاً خطيراً وسألوا الإنعام عليهم بقبوله وانفاقه على الغزاة ودفعوا المال إلى الدوادار، فأمر بأن يرد عليهم المال وقال: جزاكم الله الخير، يكفينا منكم الدعاء، وفي خزائننا ما يغني عن ذلك.
وكان له جارية يحبها اسمها " فضة "، فمن شعره فيها:
стр. 1503
قالوا أمثل أمير المؤمنين له ... عقل يقسم بين الملك والغزل
فقلت ما جئت بدعاً في الغرام ... أخذت إلا بخط من حلى الرسل
وما يضيع الهوى عقلاً يكون له ... فضلاً إلى الرأس والتدبير للدول وحكي أن محيي الدين ابن الجوزي حضر عنده بعض الصالحين وشكا إليه أمر دين لزمه وعجز عن قضائه، فهم ابن الجوزي أن يقضي دينه، ثم رأى أن يؤثر المستنصر بالله بهذه المثوبة لما يعلم من صلاح الرجل ورغبة المستنصر في الخير، فطالعه بذلك، فبعث إلى ابن الجوزي من المال مقدار دين الرجل، وبعث مع ذلك مائتي دينار وقال: هذه لنفقته لأنه إذ قضى دينه لم يبق له ما ينفقه، وبعث إلى ابن الجوزي خمسمائة دينار وقال: هذه عوض إيثارك لنا بهذه المثوبة، رحمه الله تعالى.
(١) ٥٣٦
النيري الواسطي
منصور بن محمد بن علي، أبو نصر الخباز المعروف بالنيري (٢) من أهل واسط؛ كان أمياً لا يحسن الكتابة، وكان له خاطر جيد في النظم. لو أراد أن لا يتكلم في خطابه إلا بالشعر لفعل ذلك، ولم يزل يجتمع بالناس ويهذب شعره إلى أن أجاد النظم، ومات سنة خمسين وأربعمائة؛ فمن شعره رحمه الله تعالى:
ولرب يوم بت أخلف شمسه ... والروض قد نثرت محاسن برده
بمدامة صفراء كلل تاجها ... كف المزاج بلؤلؤ من عقده
стр. 1504
ومليحة تحدو (٢) الهموم إذا شدت ... ومهفهف يسبي القضيب بقده
هذاك منتقش العذار كأنما ... غرس البنفسج في منابت ورده
ويد الفتاة خضيبة فكأنما ... غمست أديم وصالها في صده
غنت فأطربت الغزال بشدوها ... فجنى أناملها بخضرة زنده
ودنا يقبلها فمن رقبائها ... سخطت عليه وأسرفت في رده
لطمت عوارضه بغير جناية ... منه فأثر نقشها في خده ومنه:
الكأس بن معصفر ومخلق ... والحب بين مزنر ومقرطق
والماء في زبد الصراة كأنه ... ورد اللجين على قباء فستقي
وترى الهلال لليلتين كأنه ال ... خلخال يلمع تحت ذي أزرق ومنه:
كأن نجوم الليل أحداق فضة ... بأجفان تبر لم يصغهن صائغ
ونجم الثريا شبه كاس مرصع ... بكف حبيب رده وهو فارغ وقال أيضاً:
حبيبي ما (٢) يفارقك الرقيب ... ولا لي منك يا سكني نصيب
ولا تخلوا وأخلوا معك يوماً ... فأملي من حديثك ما يطيب
أحب لا أحب سواك خلقاً ... وتبغضني وذا شيء عجيب
إذا كان المحب قليل حظ ... فما حسناته إلا ذنوب وقال أيضاً:
وتبرية جاءتك في ثوب فضة ... بكف خماسي القوام رشيق
أتت بين طعمي عنبر وسلافة ... بأنفاس مسك في شعاع حريق
стр. 1505
كأن حباب المزج في جنباتها ... كواكب در في سماء عقيق وقال أيضاً:
سقاني وقد نام الرقيب مدامة ... على فرق والليل عسكرهزنج
وطير عقلي حين تاه بنظرة ... على واضح من تحتها أعين دعج
وفي يده تفاحة شبه خده ... مضرجة كالنار ليس لها وهج
عقيقية الأثواب درية الحشا ... فظاهرها نار وباطنها ثلج وقال أيضاً:
الخد بين مطرز ومدبج ... والثغر بين منظم ومفلج
وكأنما وجناته بلورة ... وعذاره والصدغ من فيروزج
وكأنا والكاس تجمع شملنا ... والروض بني مجلل وممزج
من طرفه والخد ثم عذاره ... في نرجس وشقائق وبنفسج ٥٣٧ (١)
الخليفة الهادي
موسى بن محمد، أمير المؤمنين الهادي ابن المهدي ابن المنصور؛ كان أبيض جسيماً طويلاً مولده بالري سنة سبع وأربعين ومائة، وتوفي ليلة الجمعة لثلاث عشرة (٢) بقيت من ربيع الول سنة سبعين ومائة، وله خمس وعشرون (٣) سنة وشهور، وصلى عليه أخوه الرشيد، ودفن
стр. 1506
بالقصر الأبيض الذي كان عمله. وكانت خلافته سنة وشهراً واحداً (١) وعشرين يوماً. وأمه أم ولد يقال لها الخيزران.
وكان شجاعاً بطلاً أديباً جواداً صعب المرام، يلهو ويلعب ويركب حماراً فارهاً، ولا يقيم أبهة الخلافة وكان فصيحاً قادراً على الكلام تعلوه هيبة وله سطوة.
أعطى لإبراهيم الموصلي سبعمائة ألف درهم.
يقال إن أمه الخيزران سمته لأنه طالب أخاه الرشيد أن يخلع نفسه من العهد ويقدم ولده، وكان موسى قد سماه الناطق بالحق، فامتنع، فهم بقتله مرراً، فكانت أمهما الخيزران تدافع عنه، ولعظمها في دولة المهدي كان كبراء الدولة يغشون بابها للحوائج، فأغضب الهادي ذلك وقال لها: ما هذه المواكب التي تغدو لبابك وتروح؟! إنما للمرأة بيتها ومغزلها وسجادتها وسبحتها، ثم أنفذ لها أرزاً مسموماً، ففطنت له ولم تأكله وأخذت في الاحتيال عليه وسمته، فمات، وفي ليلة مات ولد خليفة وولي خلفية: توفي الهادي وولي الرشيد وولد المأمون.
وهو أول من وصل بمائة ألف درهم لأنه أعطى سلم الخاسر مائة ألف درهم، وكان أسمح بني العباس بالمال.
وحكي أنه كان في بستان له يتفرج وهو راكب حماراً (٢) ، فجيء إليه برجل قد وجب عليه القتل وشرطيان يمسكانه عن يمينه ويساره، فأفلت منهما واخترط سيف أحدهما وأقبل به على الهادي، فصاح الهادي وقد أيقن بالموت: ويلك، اضرب عنقه يوهم أن وراءه أحداً (٣) ، فلوى عنقه، فوثب من حماره عليه وضرب به الأرض وأخذ السيف من يده
стр. 1507
وذبحه به، وعاد الشرطيان وأصحابه الذين كانوا قد هربوا فلم يعتبهم بحرف واحد.
وقتل جاريتين بلغه عنهما ما أوجب ذلك عنده، وشاع عنه ما فعل بهما، وكثر الكلام في ذلك:
يلومني من جهل الأمرا ... فكيف إن لم يسمع العذرا
يزعم أني آثم والذي ... فعلته أرجو به الأجرا
من كان ذا صبر على مثل ذا ... فلست منه أملك الصبرا ٥٣٨ (١)
الرئيس موسى القرطبي
موسى بن ميمون، الرئيس أبو عمران القرطبي اليهودي، الطبيب المفتن في العلوم؛ كان رئيساً على اليهود بمصر، وكان أوحد أهل زمانه في الطب، وكان السلطان صلاح الدين يستطبه، وكذلك ولده الأفضل. ويقال إنه كان قد أسلم بالمغرب وحفظ القرآن واشتغل بالفقه؛ ولما قدم من الغرب صلى بمن في المركب التراويح في شهر رمضان، وجاء إلى الديار المصرية، وجاء إلى دمشق، فاتفق للقاضي محي الدين ابن الزكي مرض خطر، فعالجه الرئيس موسى وبالغ في نصحه؛ فرأى له القاضي ذلك وأراد مكافأته على ذلك، فحلف أيماناً مغلظة أنه ما يأخذ شيئاً أبداً. ثم بعد مدة اشترى داراً وسأل من القاضي تقديم التاريخ إلى خمس سنين متأخرة، فما بخل القاضي عليه بمثل ذلك، ولم يعلم أن في ذلك مفسدة، ثم إنه أثبت ذلك؛ وبعد مدة توجه إلى الديار المصرية، وخدم القاضي الفاضل، فجاء من كان في
стр. 1508
المركب وقالوا: جاء معنا من الغرب وصلى بنا التراويح في السنة الفلانية، فأنكر ذلك وأخرج المكتوب وقال: أنا كنت في دمشق قبل هذه السنة بمدة واشتريت داراً، وهذا خط القاضي بذلك؛ فلما رأى الفاضل خط محيي الدين ابن الزكي بالثبوت ما شك فيه واندفعت القضية بخبث هذا الشيطان.
وعلى الجملة فكان فاضلاً، وله كتاب " الدلالة " في أصول دينهم.
وهو جيد إلى الغاية على قواعدهم. وكانت له مشاركة في كل فن، وفيه يقول ابن سناء الملك (١) :
أرى طب جالينوس للجسم وحده ... وطب أبي عمران للعقل والجسم
فلو كان بدر التم من يستطبه ... لتم له ما يدعيه من التم
وداواه يوم التم من كلف به ... وأبراه في يوم السرار من السقم وله مقالة في معالجة الحدبة، صنفها للقاضي الفاضل، ومقالة في السموم و " تنقيح الفصول " وهو من أجل كتب الطب.
وتوفي سنة عشر (٢) وستمائة.
٥٣٩ - (٣)
" المؤمل المحاربي "
المؤمل بن أميل المحاربي الكوفي؛ كان شاعراً محسناً، مدح المهدي، فأجازه عشرة آلاف دينار، وتوفي في حدود التسعين والمائة، وهو القائل
стр. 1509
في امرأة كان يهواها من أهل الحيرة:
شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر فيقال إنه رأى رجلاً في المنام قد أدخل إصبعيه في عينيه فأخرجهما وقال: هذا ما تمنيت، فأصبح أعمى. ومن هذه القصيدة:
يكفي المحبين في الدنيا عذابهم ... والله لا عذبتهم بعدها (١) سقر وامتدح المهدي، وهو ولي العهد، فأعطاه عشرين ألف درهم، فبلغ المنصور ذلك فكتب إليه يلومه ويقول: إنما كان ينبغي أن تعطيه أربعة آلاف درهم بعد أن يقيم ببابك سنة؛ وأجلس قائداً (٢) من قواده على جسر النهروان يتصفح وجوه الناس حتى مر به المؤمل، فأخذه ودخل به على المنصور فسلم فقال: من أنت؟ قال: المؤمل بن أميل، فقال: أتيت إلى غلام غر خدعته؟! فقال: نعم، أصلح الله أمير المؤمنين، أتيت غلاماً كريماً فخدعته فانخدع، فكأن ذلك أعجب المنصور (٣) ، فقال: أنشدني ما قلت فيه، فأنشده القصيدة، ومنها:
هو المهدي إلا أن فيه ... مشابهة من (٤) القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا مشكلان على البصير
فهذا في الظلام سراج ليل ... وهذا في النهار ضياء نور
ولكن فضل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير
وبالملك العزيز فذا أمير ... وماذا بالأمير ولا الوزير
وبعض الشهر ينقص ذا وهذا ... منير عند نقصان الشهور
стр. 1510
فيا ابن خليفة الله المصفى ... به تعلو مفاخرة الفخور
لئن فت الملوك وقد توافوا ... إليك من السهول والوعور
لقد سبق الملوك أبوك حتى ... بقوا من بين كاب أو حسير
وجئت مصلياً تجري حثياً ... وما بك حين تجري من فتور
فقال الناس ما هذان إلا ... كما بني الخليق إلى الجدير
لئن سبق الكبير (١) فأهل سبق ... له فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصبي مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير فقال: والله لقد أحسنت ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم، فأين المال؟ قال: ها هوذا، فقال: يا ربيع، امض معه فأعطه أربعة آلاف درهم وخذ الباقي منه، ففعل؛ فلما ولي الخلافة المهدي، ولى أبا ثوبان المظالم، فكان يجلس بالرصافة، فإذا ملأ كساءه رقاعاً دفعها إلى المهدي، فرفع المؤمل رقعة ذكر فيها واقعته، فلما نظر إليها المهدي ضحك وقال: ردوا إليه عشرين ألف ردهم، فردت إليه.
وقال محمد بن حذيفة الطائي، حدثني أبي قال: رأيت المؤمل شيخاً كبيراً أعمى نحيفاً، فقلت له: لقد صدقت في قولك:
وقد زعموا لي أنها نذرت دمي ... وما لي بحمد الله لحم ولا دم
برى حبها لحمي ولم يبق لي دم (٢) ... وإن زعموا أني صحيح مسلم
فلم أر مثل الحب صح سقيمه ... ولا مثل من لا يعرف الحب يسقم
ستقتل جلداً بالياً فوق أعظم ... وليس يبالي القتل جلد وأعظم (٣) فقال: نعم، فديتك، ما كنت لأقول إلا حقاً.