بالقصر الأبيض الذي كان عمله. وكانت خلافته سنة وشهراً واحداً (١) وعشرين يوماً. وأمه أم ولد يقال لها الخيزران.
وكان شجاعاً بطلاً أديباً جواداً صعب المرام، يلهو ويلعب ويركب حماراً فارهاً، ولا يقيم أبهة الخلافة وكان فصيحاً قادراً على الكلام تعلوه هيبة وله سطوة.
أعطى لإبراهيم الموصلي سبعمائة ألف درهم.
يقال إن أمه الخيزران سمته لأنه طالب أخاه الرشيد أن يخلع نفسه من العهد ويقدم ولده، وكان موسى قد سماه الناطق بالحق، فامتنع، فهم بقتله مرراً، فكانت أمهما الخيزران تدافع عنه، ولعظمها في دولة المهدي كان كبراء الدولة يغشون بابها للحوائج، فأغضب الهادي ذلك وقال لها: ما هذه المواكب التي تغدو لبابك وتروح؟! إنما للمرأة بيتها ومغزلها وسجادتها وسبحتها، ثم أنفذ لها أرزاً مسموماً، ففطنت له ولم تأكله وأخذت في الاحتيال عليه وسمته، فمات، وفي ليلة مات ولد خليفة وولي خلفية: توفي الهادي وولي الرشيد وولد المأمون.
وهو أول من وصل بمائة ألف درهم لأنه أعطى سلم الخاسر مائة ألف درهم، وكان أسمح بني العباس بالمال.
وحكي أنه كان في بستان له يتفرج وهو راكب حماراً (٢) ، فجيء إليه برجل قد وجب عليه القتل وشرطيان يمسكانه عن يمينه ويساره، فأفلت منهما واخترط سيف أحدهما وأقبل به على الهادي، فصاح الهادي وقد أيقن بالموت: ويلك، اضرب عنقه يوهم أن وراءه أحداً (٣) ، فلوى عنقه، فوثب من حماره عليه وضرب به الأرض وأخذ السيف من يده
стр. 1507
وذبحه به، وعاد الشرطيان وأصحابه الذين كانوا قد هربوا فلم يعتبهم بحرف واحد.
وقتل جاريتين بلغه عنهما ما أوجب ذلك عنده، وشاع عنه ما فعل بهما، وكثر الكلام في ذلك:
يلومني من جهل الأمرا ... فكيف إن لم يسمع العذرا
يزعم أني آثم والذي ... فعلته أرجو به الأجرا
من كان ذا صبر على مثل ذا ... فلست منه أملك الصبرا ٥٣٨ (١)
الرئيس موسى القرطبي
موسى بن ميمون، الرئيس أبو عمران القرطبي اليهودي، الطبيب المفتن في العلوم؛ كان رئيساً على اليهود بمصر، وكان أوحد أهل زمانه في الطب، وكان السلطان صلاح الدين يستطبه، وكذلك ولده الأفضل. ويقال إنه كان قد أسلم بالمغرب وحفظ القرآن واشتغل بالفقه؛ ولما قدم من الغرب صلى بمن في المركب التراويح في شهر رمضان، وجاء إلى الديار المصرية، وجاء إلى دمشق، فاتفق للقاضي محي الدين ابن الزكي مرض خطر، فعالجه الرئيس موسى وبالغ في نصحه؛ فرأى له القاضي ذلك وأراد مكافأته على ذلك، فحلف أيماناً مغلظة أنه ما يأخذ شيئاً أبداً. ثم بعد مدة اشترى داراً وسأل من القاضي تقديم التاريخ إلى خمس سنين متأخرة، فما بخل القاضي عليه بمثل ذلك، ولم يعلم أن في ذلك مفسدة، ثم إنه أثبت ذلك؛ وبعد مدة توجه إلى الديار المصرية، وخدم القاضي الفاضل، فجاء من كان في
стр. 1508
المركب وقالوا: جاء معنا من الغرب وصلى بنا التراويح في السنة الفلانية، فأنكر ذلك وأخرج المكتوب وقال: أنا كنت في دمشق قبل هذه السنة بمدة واشتريت داراً، وهذا خط القاضي بذلك؛ فلما رأى الفاضل خط محيي الدين ابن الزكي بالثبوت ما شك فيه واندفعت القضية بخبث هذا الشيطان.
وعلى الجملة فكان فاضلاً، وله كتاب " الدلالة " في أصول دينهم.
وهو جيد إلى الغاية على قواعدهم. وكانت له مشاركة في كل فن، وفيه يقول ابن سناء الملك (١) :
أرى طب جالينوس للجسم وحده ... وطب أبي عمران للعقل والجسم
فلو كان بدر التم من يستطبه ... لتم له ما يدعيه من التم
وداواه يوم التم من كلف به ... وأبراه في يوم السرار من السقم وله مقالة في معالجة الحدبة، صنفها للقاضي الفاضل، ومقالة في السموم و " تنقيح الفصول " وهو من أجل كتب الطب.
وتوفي سنة عشر (٢) وستمائة.
٥٣٩ - (٣)
" المؤمل المحاربي "
المؤمل بن أميل المحاربي الكوفي؛ كان شاعراً محسناً، مدح المهدي، فأجازه عشرة آلاف دينار، وتوفي في حدود التسعين والمائة، وهو القائل
стр. 1509
في امرأة كان يهواها من أهل الحيرة:
شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر فيقال إنه رأى رجلاً في المنام قد أدخل إصبعيه في عينيه فأخرجهما وقال: هذا ما تمنيت، فأصبح أعمى. ومن هذه القصيدة:
يكفي المحبين في الدنيا عذابهم ... والله لا عذبتهم بعدها (١) سقر وامتدح المهدي، وهو ولي العهد، فأعطاه عشرين ألف درهم، فبلغ المنصور ذلك فكتب إليه يلومه ويقول: إنما كان ينبغي أن تعطيه أربعة آلاف درهم بعد أن يقيم ببابك سنة؛ وأجلس قائداً (٢) من قواده على جسر النهروان يتصفح وجوه الناس حتى مر به المؤمل، فأخذه ودخل به على المنصور فسلم فقال: من أنت؟ قال: المؤمل بن أميل، فقال: أتيت إلى غلام غر خدعته؟! فقال: نعم، أصلح الله أمير المؤمنين، أتيت غلاماً كريماً فخدعته فانخدع، فكأن ذلك أعجب المنصور (٣) ، فقال: أنشدني ما قلت فيه، فأنشده القصيدة، ومنها:
هو المهدي إلا أن فيه ... مشابهة من (٤) القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا مشكلان على البصير
فهذا في الظلام سراج ليل ... وهذا في النهار ضياء نور
ولكن فضل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير
وبالملك العزيز فذا أمير ... وماذا بالأمير ولا الوزير
وبعض الشهر ينقص ذا وهذا ... منير عند نقصان الشهور
стр. 1510
فيا ابن خليفة الله المصفى ... به تعلو مفاخرة الفخور
لئن فت الملوك وقد توافوا ... إليك من السهول والوعور
لقد سبق الملوك أبوك حتى ... بقوا من بين كاب أو حسير
وجئت مصلياً تجري حثياً ... وما بك حين تجري من فتور
فقال الناس ما هذان إلا ... كما بني الخليق إلى الجدير
لئن سبق الكبير (١) فأهل سبق ... له فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصبي مدى كبير ... فقد خلق الصغير من الكبير فقال: والله لقد أحسنت ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم، فأين المال؟ قال: ها هوذا، فقال: يا ربيع، امض معه فأعطه أربعة آلاف درهم وخذ الباقي منه، ففعل؛ فلما ولي الخلافة المهدي، ولى أبا ثوبان المظالم، فكان يجلس بالرصافة، فإذا ملأ كساءه رقاعاً دفعها إلى المهدي، فرفع المؤمل رقعة ذكر فيها واقعته، فلما نظر إليها المهدي ضحك وقال: ردوا إليه عشرين ألف ردهم، فردت إليه.
وقال محمد بن حذيفة الطائي، حدثني أبي قال: رأيت المؤمل شيخاً كبيراً أعمى نحيفاً، فقلت له: لقد صدقت في قولك:
وقد زعموا لي أنها نذرت دمي ... وما لي بحمد الله لحم ولا دم
برى حبها لحمي ولم يبق لي دم (٢) ... وإن زعموا أني صحيح مسلم
فلم أر مثل الحب صح سقيمه ... ولا مثل من لا يعرف الحب يسقم
ستقتل جلداً بالياً فوق أعظم ... وليس يبالي القتل جلد وأعظم (٣) فقال: نعم، فديتك، ما كنت لأقول إلا حقاً.
стр. 1511
حرف النون
стр. 1512
فراغ
стр. 1513
٥٤٠ - (١)
البديهي الشاعر
ناشب بن هلال بن ناشب بن نصير الحراني، أبو منصور المعروف بالبديهي؛ كان أديباً فاضلاً يقول الشعر بديهاً ويعظ في التعازي وغيرها، وسمع أبا القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين وأبا القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي وابن كادش وغيرهم، وحدث باليسير. ولد سنة أربع عشرة (٢) وخمسمائة، وتوفي سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، ومن شعره رحمه الله تعالى:
لا تحقرنّي وإن أبصرتني حدثاً ... فالشبل يصغر حيناً ثم يأتسد
إني وإن صغرت سنّي فقد فقهت ... خواطري غرراً ما نالها أحد ومنه:
يحسدني كل من رآني ... أركب في موكب الأمير
والناس لا يعلمون أني ... تبيت خيلي بلا شعير
وقال: قصدت ديار بكر مكتسباً بالوعظ، فلما نزلت قلعة ماردين دعاني صاحبها تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق للإفطار عنده في شهر رمضان، فحضرت عنده فلم يرفع مجلسي ولا أكرمني، وقال بعد الإفطار لغلام عنده: آتينا بكتاب، فجاء به، فقال: ادفعه إلى الشيخ ليقرأ فيه، فازداد غيظي لذلك وفتحت الكتاب وإذا هو ديوان امرىء القيس، وإذا في أوله:
ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
стр. 1514
فقلت في نفسي: أنا ضيف وغريب وأستفتح ما أقرأه على سلطان كبير وقد مضى هزيع من الليل:
ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي!! ... فقلت:
ألا عم مساءً أيها الملك العالي ... ولا زلتَ في عزّ يدوم وإقبال ثم أتممت القصيدة، فتهلل وجه السلطان لذلك ورفع مجلسي وأدناني إليه، وكان ذلك سبب حظوتي عنده، رحمهما الله تعالى.
٥٤١ - (١)
المطرزي شارح المقامات
ناصر بن عبد السيد بن علي، أبو الفتح المطرزي الأديب الخوارزمي؛ من أعيان مشايخ خوارزم في علم الأدب، قرأ على والده وبرع في معرفة النحو واللغة وصار أوحد زمانه، وصنف كتباً حساناً، وكان شديد التعصب داعية إلى الاعتزال.
مولده سنة ست وثلاثين وخمسمائة ووفاته سنة عشر وستمائة، وصنف شرحاً للمقامات الحريرية وكتاب " المعرب " وتكلم فيه على الألفاظ (٢) التي يستعملها الفقهاء الحنفية، وهو لهم مثل الأزهري للشافعية، ومقدمة في
стр. 1515
النحو والإقناع في اللغة ومختصر إصلاح المنطق.
ولما مات رثي بثلاثمائة قصيدة بالعربي وبالعجمي، وكان يقال هو خليفة الزمخشري، وكان سائر الذكر مشهور السمعة، وانتفع الناس به وأخذو عنه.
ومن شعره رحمه الله تعالى:
تعامى زماني عن حقوقي (١) وإنه ... قبيح على الزرقاء تبدي تعاميا
فإن تنكروا فضلي فإن دعاءه ... كفى لذوي الأسماع منكم مناديا ومن أبيات:
وإني لأستحيي من الله أن أرى ... حليف غوان أو أليف أغاني قال ياقوت في معجم الأدباء (٢) : أنشدني المطرزي ببغداد لنفسه:
يا خليلي اسقياني بالزجاج ... حلب الكرمة من غير مزاج
أنا لا ألتذ سمعاً باللجاج ... فاسقنيها قبل تغريد الدجاج قبل أن يؤذن صبحي بانبلاج (٣) ...
إن أردت الراح فاشربها صباحا ... بعد أن تصحب أتراباً ملاحا
جمعوا حسناً وأنساً ومزاحا ... وغدوا كالبحر علماً وسماحا فهم مفتاح باب الإبتهاج ...
стр. 1516
٥٤٢ - (١)
ابن صورة الكتبي
ناصر بن علي بن خلف، الوجيه المعروف بابن صورة الكتبي؛ كان سمساراً في الكتب بمصر وله في ذلك حظ كبير، وكان يجلس في دهليز داره لذلك ويجتمع الناس عنده يوم الأحد والأربعاء من أعيان الرؤساء والفضلاء ويعرض عليهم الكتب التي تباع، ولا يزالون عنده إلى انقضاء وقت السوق.
توفي سنة سبع وستمائة بمثر ودفن بالقرافة؛ وكان له دار مليحة موصوفة بالحسن فاحترقت، فقال في ذلك نشو الملك أبو الحسن علي بن المنجم، وقد تقدم ذكره:
أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنار فيها مارج يتضرم
كذا كل مال أصله من مهاوش ... فعما قليل في نهابر يعدم
وما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنم وقال ابن المنجم أيضاً لما وقعت الأرضة في دار ابن صورة:
قالوا بدار ابن صورة سعت ... الأرضة حتى أتت على الخشب
من أعلم الأرضة المشومة ... أن الدار مسروقة من الكتب وفيه يقول ابن الساعاتي وقد غدر به في كتاب:
يا خائناً ما كنت أحس ... به يخف إلى الخيانه
أصبحت في سلب القلوب ... وذاك من عدم الديانه
стр. 1517
كفتى زبيد في العما ... رة وابن صورة في الأمانه
فامرر عليه وقل له ... في الستر منه والصيانه
يا ريشكون (١) غدرت بي ... إن كنت تحسن بالرطانه ٥٤٣ (٢)
ابن الشقيشقة الصفار
نصر الله بن مظفر بن أبي طالب بن عقير بن حمزة، نجيب الدين أبو الفتح الشيباني الدمشقي الصفار المعروف بابن الشقيشقة، المحدث الشاهد؛ ولد سنة نيف وثمانين وخمسمائة، وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة. سمع وعني بالحديث، وكان يعقد الأنكحة تحت الساعات، وفيه يقول البهاء ابن الحوط:
جلس الشقيشقة الشقي ليشهدا ... بأبيكما ماذا عدا مما بدا
هل زلزل الزلزال أم هل أخرج الد ... جال أم عدم الرجال ذوو الهدى
عجباً لمحلول العقيدة جاهل ... بالشرع قد أذنوا له أن يعقدا وقف قاعته التي بدرب البانياسي دار حديث، وتولى مشيختها الشيخ جمال الدين المزي؛ قال الشيخ شمس الدين: ولم يكن بالعدل في دينه.
стр. 1518
٥٤٤ - (١)
ابن حواري الحنفي
نصر الله بن عبد المنعم بن نصر الله بن أحمد بن جعفر بن حواري، الشيخ شرف الدين أبو الفتح التنوخي الدمشقي الحنفي الأديب، ويعرف بابن شقير أيضاً؛ ولد في سنة أربع وستمائة، وتوفي سنة ثلاث وسبعين وستمائة. سمع البكري وابن ملاعب، وروى عنه الدمياطي وابن الجناز والدواداري وقاضي القضاة ابن صصرى وآخرون.
وخطه أسلوب غريب، كتب كثيراً، وملكت من ذلك عدة مجلدات؛ وكان أديباً فاضلاً حسن المحاضرة حفظة للنوادر والأخبار، حسن البزّة، كريما مجملاً. عمّر في آخر عمره مسجداً عند طواحين الأشنان، وتأنق في عمارته، ودفن لما مات بمغارة الجوع؛ وصنف كاب إيقاظ الوسنان في تفضيل دمشق وذكر محاسنها وما مدحت به في ثلاث مجلدات، وهو عندي بخطه. وكان مقامه بالعادلية الصغيرة.
ولما ولي القاضي شمس الدين ابن خلكان وفوض إليه أمر الأوقاف جميعها طلب الحسابات من أربابها، ومن شرف الدين هذا عن وقف المدرسة، فعمل له الحساب وكتب وريقة فيها:
ولم أعمل لمخلوق حساباً ... وها أنا قد عملت لك الحسابا فقال له القاضي: خذ أوراقك ولا تعمل لنا حساباً ولا نعمل لك، وكان له خلق حاد وفيه تسرع؛ وهو أخو تاج الدين المقدم ذكره، رحمهما الله.
стр. 1519
٥٤٥ - (١)
فخر القضاة ابن بصاقة
نصر الله بن هبة الله بن محمد بن عبد الباقي، فخر القضاة أبو الفتح ابن بصاقة الغفاري المصري الحنفي الناصري الكاتب؛ شاعر كاتب ماهر، كان خصيصاً بالمعظم عيسى ثم بابنه الناصر داود، وتوجه معه إلى بغداد.
ولد بقوص سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وتوفي بدمشق سنة خمسين وستمائة.
ومن شعره لغزاً في المحفة المحمولة على البغال، رحمه الله تعالى:
وحاملة محمولة غير أنها ... إذا حملت ألقت سريعاً جنينها
وأكثر ما تحويه يوماً وليلة ... وتضجر منه أن يدوم قرينها
منعمة لم ترض خدمة نفسها ... فغلمانها من حولها يخدمونها
لها جسد ما بين روحين يغتدي ... فلولاهما كان الترهب دينها
وقد شبهت بالعرش في أن تحتها ... ثمانية من فوقهم يحملونها وقال أيضاً لغزاً في البيضة:
ومولودة لا روح فيها وإنها ... لتقبل نفخ الروح بعد ولادها
وتسمو على الأقران في حومة الوغى ... ولكن سمواً لم يكن بمرادها
إذا جمعت فالنقص يعرو حروفها ... ولكنها تزداد عند انفرادها وقال أيضاً في السيف:
стр. 1520
وأبيض وضاح الجبين صحبته ... فأحسن حتى ما أقوم بشكره
إذا خذلتني أسرتي وتقاعدت ... أخلاي عن نصري حباني بنصره
يواصلني في شدتي منه قاطع ... يخفف عني في رخائي بهجره
شددت يدي منه على قائم بما ... أكلفه يلقى الأعادي بصدره
صبور (١) على الشكوى فلو دست خده ... على رقة فيه وثقت بصبره
إذا نابني خطب جليل ندبته ... فيهتز منه مستقل بأمره
يخف غداة الروع مهما نهرته ... فيغرق في بحر العجاج بنهره
ويمضي إذا أرسلته في مهمة ... فما يتلقاني مقيماً لعذره
غدا فاخراً بين الأنام بحده ... وراح أبيّاً عن أبيه بفخره
فغص خلفه إن كنت تؤثر كشفه ... ولا تدّعِ (٢) التقصير عن طوا بحره
فها أنا عنه قد كشفت لأنني ... حلفت له أن لا أبوح بسره وقال في الرمح:
ولي صاحب قد كمّل الله خلقه ... وليس به نقص يعاب فيذكر
عصي ثقيل إن أطيل عنانه ... مطيع خفيف الكل حين يقصر
يسابقني يوم النزال إلى العدا ... فإن لم أوخره فما يتأخر
ويؤمن منه الشر ما دام قائماً ... ولكن إذا ما نام يخشى ويحذر
أنال به في الروع مهما اعتقلته ... مراماً إذا أطلقته يتعذر
تعدى على أعدائه متنصلاً ... إليهم وما أبدى اعتذاراً فيعذر
ترى منه أميّاً إلى الخط ينتمي ... ومعرىً بغزو الروم وهو مزنّر
عجبت له من صامت وهو أجوف ... ومن مستطيل الشكل وهو مدور
ومن طاعن في السنَ ليس بمنحن ... ومن أرعن مذ عاش وهو موقر
стр. 1521
ففكر إذا ما رمت إفشاء سره ... فها أنا قد أظهرته وهو مضمر وقال في الخيمة:
ومرفوعة منصوبة قد نصبتها ... ولكنه رفع يؤول إلى خفض
تعين على حر الزمان وبرده ... بلا حسب زاك ولا كرم محض
وتصبح للاجي إليها وقاية ... لبعض الأذى الطاري على الجسم لا العرض
تقوم على رجلين طوراً وتارة ... تقوم على رجل بلا عرج منض
إذا حضرت كانت عقيلة خدرها ... وإن تبد لم تلزم مكانا على الأرض
قصدت كريما (١) خيمه ليبينها ... وقصد الكريم الخيم من جملة الفرض يا رافع لواء الأدباء، ودافع لأواء الغرباء، هذا اللغز ممهد موطا، مكشوف لا مغطى، وقد سطر مفردا ومجموعاً، وذكر مقيسا ومرفوعا، إلا أنه قد استخفى وهو مظهر، وأسر وهو مجهر، وتعامى وهو بصير، وتطاول وهو قصير، وتصامم وهو سميع، وتعاصى وهو مطيع، ومثل مولاي من عرف وكره، ولم يعمل فكره، والأمر له علي أمره، وأطال للأولياء عمره.
وقال أيضاً:
ومليح جاءنا يش ... طح في صدر نهار
وهو في مبدأ سكر ... وعقابيل خمار
فسقيناه إلى أن ... أظلم الليل لسار
وجذبنا في لبان ... ودفعنا بمداري
فصبحناه بكاسٍ ... وغبقناه بعار وقال في جمع سواك:
стр. 1522
أيا سيداً ما رام جدواه الله طالب ... فعاد ولم يظفر بأقصى مطالبه
أبن لي عن الجمع الذي إن ذكرته ... تخاطب من خاطبته بمعايبه وكتب إلى ركن الدين قرطاي ببغداد وهو ساكن عند نهر عيسى:
أمولاي إني مذ رأيتك ساكناً ... على نهر عيسى لم أزل دائم الفكر
لأنك بحر بالمكارم زاخر ... ومن عجب أن يسكن البحر في النهر ولما كان ببغداد خرج للشعراء من عند المستنصر ذهب على أيدي الحجاب ولم يخرج إليه شيء، فكتب إلى الخليفة المستنصر:
لما مدحت الإمام أرجو ... ما نال غيري من المواهب
أجدت في مدحه ولكن ... عدت بجدي العثور خائب
فقال لي مادحوه لما ... فازوا وما فزت بالرغائب
لم أنت فينا بغير عين ... قلت لأني بغير حاجب وقال:
وعلق ٍ نفيسٍ تعلقته ... قزار على خلوة وارتياع
ولم يبق في الرمد إلا كما ... يقال على أكلة والوداع
فعاجلته عن دخول الكنيف ... بشحّ مطاع ورأي مضاع
فغرقني منه نوء البطين ... ورواه مني نوء الذرع وقال:
على ورد خديه وآس عذاره ... يليق بمن يهواه خلع عذاره
وأبذل جهدي في مداراة قلبه ... ولولا الهوى يقتادني لم أداره
أرى جنةً في خده غير أنني ... أرى جل ناري شب من جلناره
كغصن النقا في لينه واعتداله ... وريم الفلا في جيده ونفاره
سكرت بكأس من رحيق رضابه ... ولم أدر أن الموت عقبى خماره
стр. 1523
وقال:
لو شرحت الذي وجدت من الوج ... د (١) عليكم أمللتكم ومللت
فلهذا خففت عنكم من الكت ... ب ولو شيت أن أطيل (٢) أطلت
غير أن العبيد تحمل عن قل ... ب الموالي وهكذا قد فعلت وقال في مليح نحوي:
بليت بنحويّ يخالف رأيه ... أواناً فيجزيني على المدح بالمنع
تعجبت من واو تبدت بصدغه ... ولم يحظني منها بعطف ولا جمع
ومن ألف من قده قد أمالها ... عن الوصل لكن لم يملها عن القطع وقال أبو الحسين الجزار يمدحه:
عفا الله عما قد جنته يد الدهر ... فقد بذل المجهود في طلب العذر
أيحسن أن أشكو الزمان الذي غدت ... صنائعه عندي تجل عن الشكر
لقد كنت في أسر الخمول فلم يزل ... بتدريجه حتى خلصت من الأسر
فشكراً لأيامٍ وفت لي بوعدها ... وأبدت لعيني فوق ما جال في فكري
وكم ليلة قد بتها معسراً ولي ... بزخرف آمالي كنوزٌ من اليسر
أقول لقلبي كلما اشتقت للغنى ... إذا جاء نصر الله تبت يد الفقر منها:
وإن جئته بالمدح يلقاك باللها ... فكم مرة قد قابل النظم بالنثر
ويهتزّ للجدوى إذا ما مدحته ... كما اهتز، حاشا وصفه، شارب الخمر منها:
ولو أنني وافيت غيرك مادحاً ... لتممت نقصي بالحماقة والفشر
стр. 1524
وأعطيت نفسي عنده فوق حقها ... من الكبر لكن ليس ذا موضع الكبر
وكل امرىء لا يحسن العوم غارق ... إذا ما رماه الجهل في لجة البحر ٥٤٦ (١)
أبو صالح الجيلي
نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر، أبو صالح الجيلي الشافعي (٢) ؛ تفقه في صباه، ثم صحب محمد بن علي النوقاني الفقيه الشافعي، وقرأ عليه الخلاف والأصول وبرع في ذلك، وتولى التدريس في مدرسة جده بباب الأزج وبالمدرسة الشاطئية عند باب المراتب، وبنيت له دار بجامع القصر للمناظرة، وعقد مجلس الوعظ في مدرسته، وكان له قبول عظيم.
وأذن له في الدخول في كل جمعة على الأمير أبي نصر محمد ابن الإمام الناصر لسماع مسند مسلم فحصل له به أنس، فلما بويع له بالخلافة ولقب بالإمام الظاهر قلده قضاء القضاة في يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وخلع عليه السواد وقرىء عهده في جوامع مدينة السلام، فسار السيرة المرضية وأقام ناموس الشرع ولم يحاب أحداً (٣) في دين الله. وكان يملي الحديث في مجلس حكمه ويكتب الناس عنه، ولم تغيّره
стр. 1525
الولاية عن أخلاقه، وأقام على القضاء مدة أيام الظاهر، وتولّى المستنصر بالله فأقره على ذلك أربعة أشهر وأياماً وعزله.
وكان له رسم في رجب من الصدقة الناصرية يأخذه من البدرية، فاتفق تفرقته في بعض السنين في يوم الأربعاء، وكان قد توجه لزيارة قبر أحمد بن حنبل، فلما عاد من الزيارة وجد الناس قد قبضوا رسومهم وانفصلوا، وقيل له: إن رسمك قد رفع إلى الحكيم ابن توما النصراني فامض إليه، فقال: والله لا أمضي إليه ولا أطلب رزقي من كافر، وعاد إلى منزله متوكلاً على الله تعالى وقال:
نفس ما عن ديننا من بدل ... فدعي الدنيا وخلي جدلي
ما تساوي أننا نمضي إلى ... مشرك إذ ذاك عين الزلل
إن يكن دين علينا فلنا ... خالق يقضيه، هذا أملي ولم يزل ذلك الذهب عند الحكيم النصراني إلى أن مات وأخذ من تركته وحمل إلى القاضي.
ومولده في شهور سنة أربع وستين وخمسمائة، ووفاته سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وكانت جنازته عظيمة، ودفن إلى جانب قبر الإمام أحمد بن حنبل، وقيل بل دفن معه، تولى ذلكالرعاع والعوام، وقبض على من فعل ذلك وعوقب وحبس، ونبش بعد ثلاثة أيام ونقل وعفي قبره ولم يعلم أين دفن. ورثاه الشيخ يحيى الصرصري رحمه الله تعالى بقوله:
أبا صالح ما العيش بعدك صالح ... نزحت ففيك الحزن للدمع نازح
وما مقل ضنت عليك بمائها ... غداة النوى إلا عيون شحائح
نأيت وصعب الدمع بعدك بالأسى ... ذلول ومطواع التصبر جامع
على مثلك اليوم البكاء لذي الحجى ... مباح وفيك القلب بالحزن نائح
وما عذر عين لا تفيض دموعها ... عليك وآماق المعالي سوافح
стр. 1526
على صفحات المكرمات كآبة ... لفقدك لما غيبتك الصفائح
فالله قبر ضم فضلك إنه ... لقبر بعيد قطره متفاسح
به الروح والريحان والنور عاكف ... وفوق ثراه فأرة المسك فائح
لئن ذقت كأساً ذاقها أحمد الرضا ... وقد ذاقها من قبل هود وصالح
لما مات ما أحييت من سنن الهدى ... بعلمك فليرغم حسود وكاشح
سقى جدثاً أصبحت فيه مخيماً ... من السلسبيل العذب غاد ورائح
علوت بقرب من إمامك ذروةً ... تسنّمتها إذ أنت عنه تنافح
وما كنت إلا سر جدك، ميتاً ... وحياً، فميزان العلا بك راجح
وكنت عماد الدين معنى وصورة ... وغيرك عن ألقابه متنازح
سموت بمجد سابق ثم لاحق ... فقصّر في الأوصاف ناع ومادح
وكنت لرأس المجد تاجاً مكللاً ... وخلّفت تاجا فوقه الفخر لائح
فلا زال في العلياء بيتك سامياً ... تزول به عنا الخطوب الفوادح (١) ٥٤٧ (٢)
أبو طاهر الحلي الشاعر
نصر بن الفتح بن أبي المعمر بن أسد بن الحسن، ينتهي إلى طاهر بن الحسين، أبو طاهر الطاهري الشاعر، من الحلة السيفية؛ كان شيخاً فاضلاً أديباً شاعراً، دخل الشام ومدح الملوك والأعيان.
قال محب الدين ابن النجار: لقيناه بالشام وكتبناه عنه شيئاً من شعره، وكانت وفاته بعد سنة خمس وعشرين وستمائة، ومولده سنة إحدى وخمسين
стр. 1527
وخمسمائة (١) ؛ ومن شعره:
ما بين رامة والعقيق ديار ... كانت وكان بها الهوى ونوار
درست على مر الزمان كأنما ... آثارها من ريطه آثار
لم تبق إلا من أوارٍ، ما بدت ... إلا بدا فوق القلوب أوار
عهدي بها قبل الشباب، وما غدت ... من أهلها للغاديين قفار
والدهر ما صدع الجميع وظلنا ... ضال النقا وضياؤها (٢) السمار
والأرض قد حكت السماء بأنجم ... في روضة نجمت بها الأزهار
والطل يستبكي الربيع جفونه ... فإذا بكى يتضاحك النوار
والدوح تهصره الصبا بعليلها ... فإذا أمادت ورقه الأوكار
تشدو وتنشدنا القيان مناسباً ... بفم الكران ويصحب المزمار
فتصفق الأغصان ما بين الغنا ... بيد النسيم وترقص الأشجار
وشرابنا كرميّة الأعراق بل ... كرمية (٣) الأخلاق بل بكر الحيا المدرار
كالتبر قد نثر اللجين فويقه ال ... ياقوت بل ماء عليه نار
راح بها روح القلوب وبرؤها ... من عقر سيف الهم وهي عقار
يغدو بها عبل الروادف ما انثنى ... إلا ثنى الأكباد وهي حرار
قمر على غصن على دعص وهل ... هذي الصفات تحوزها الأقمار
لبس العذار فظل يخلع دائماً ... فيه العذار وتلبس الأعذار
يجري غرار السيف منه إذا بدا ... وأسيل خد سال فيه عذار
ورد على طلع وخيط بنفسج ... متنطق بنضيده ومدار
كم شد زناراً (٤) لديه مسلم ... ولهاً ولم يحلل له زنار
стр. 1528
فسقى لييلات مضين بهذه ال ... أوطان كم قضيت بها أوطار
ديم تديم الإنسكاب كأنها ... نعم يجود بها الغياث غزار ٥٤٨ (١)
أبو سعد الدينوري
نصر بن يعقوب، أبو سعد الدينوري مصنف كتاب التعبير المعروف ب " القادري "؛ ذكره الثعالبي في من ورد من نيسابور وقال: تعقد عليه الخناصر بخراسان في الكتابة والصناعة والبراعة (٢) ، وله في الأدب تقدم محمود وفي المروة قدم مشهورة، وشهادة الصاحب ابن عباد له في الفضل، يسجل بها حكام العدل. وله تصانيف منها كتاب " روائع التوجيهات في بدائع التشبيهات " وكتاب " ثمار الأنس في تشبيهات الفرس ". كتاب " الجامع الكبير في التعبير " وهو القادري. كتاب " الأدعية " كتاب " حقّه الجوهر " (٣) .
ومن شعره:
أبى لي أن أبالي بالليالي ... وأخشى صرفها في من يبالي
حلولي في ذرى ملك كطود ... رفيع مشرق الأعلام عالي
إلى شمس الشتاء إلى ظلال ال ... مصيف إلى الغمام إلى الهلال
إذا ما جاءه المذعور يوماً ... وحلّ ببابه عقد (٤) الرحال
تبوأ من ذراه خير دار ... فلم يخطر لمكروه ببال
стр. 1529
" ومنها عند ذكر القصيدة " (١) :
بودّي لو نهضت بها ولكن ... ضعفت عن الحراك لضعف حالي ومنه:
اسقني كاساً كلون الذهب ... وامزج الريق بماء العنب
فقد ارتجت بنا الأرض ضحى ... كارتجاج الزئبق المنسرب
وكأنّ الأرض في أرجوحة ... وكأنا فوقها في لولب ٥٤٩ (٢)
نصيب الأكبر
نصيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان؛ كانت أمه سوداء فوقع عليها أبوه فجاءت بنصيب، فوثب إليه عمه بعد وفاة أبيه فباعه، وكان شاعراً فحلاً مقدّماً في النسيب والمديح، ولم يكن له حظ في الهجاء، وكان عفيفاً؛ توفي في حدود العشرين والمائة.
قال نصيب: كنت أرعى غنماً - أو قال إبلاً - فضلّ (٣) منها بعير فخرجت في طلبه حتى قدمت مصر وبها عبد العزيز بن مروان فقالت: ما بعد عبد العزيز أحد أعتمده، ولم أكن بعد قد (٤) مدحت أحداً (٥) ، فحضرت
стр. 1530
بابه مع الناس فرأيت رجلاً على بغلة، حسن البزة يؤذن له إذا جاء، فلما انصرف إلى منزله اتبعته أماشي بلغته فقال: ما شأنك؟ فقلت: أنا رجل شاعر من أهل الحجاز، وقد مدحت الأمير وأتيت إليه راجياً معروفه، قال: فأنشدني، فأنشدته فأعجبه وقال: ويحك هذا شعرك؟ إياك أن تنتحل فإن الأمير راوية عالم (١) بالشعر وعنده رواة، فلا تفضحني وتفضح نفسك، فقلت: والله ما هو إلا شعري، فقال: ويحك، قل أبياتاً تذكر فيها حوف (٢) مصر وفضلها على غيرها والقني بها غداً، فغدوت عليه فأنشدته (٣) :
سرى الهم حتى بيّتتني (٤) طلائعه ... بمصر وبالحوف اعترتني روائعه
وبات وسادي ساعد قلّ لحمه ... عن العظم حتى كاد تبدو أشاجعه وذكر الغيث فقال:
وكم دون ذاك العارض البارق الذي ... له اشتقت من وجه أسيل مدامعه
تمشي به أبناء (٥) بكر ومذحج ... وأبناء عمرو فهو خصب مراتعه
بكل (٦) مسيل من تهامة طيب ... دميث الربى تسقي البحار دوافعه
أعنّي على برق أريك وميضه ... تضيء دجنّات الظلام لوامعه
إذا اكتحلت عينا محبّ بضوئه ... تجافت به حتى الصباح مضاجعه قال: أنت والله شاعر، احضر الباب فإني أذكرك، قال: فجلست على الباب ودخل فدعاني فدخلت فسلمت على عبد العزيز، فصعد فيّ بصره
стр. 1531
وصوّب وقال: أشاعر ويلك أنت؟ قلت: نعم أيها الأمير، قال: فأنشدني، فأنشدته (١) :
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم نعم غامره
فبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره
وكلبك (٢) آنس بالمعتفين ... من الأم بالابنة الزائرة
وكفك حين ترى السائلين ... أندى من الليلة الماطره
فمنك العطاء ومنا الثناء ... كلّ محبرة سائره فقال: أعطوه أعطوه، قلت: إني مملوك، فدعا الحاجب قال: اخرج فابلغ قيمته، فدعا المقوّمين فقال: قوّموا غلاماً أسود ليس له عيب، فقالوا: مائة دينار، قال: إنه راعي إبل يحسن القيام بها، قالوا: مائتا دينار، قال أنه يبري القسي والنبل ويريشها قالوا: أربعمائة دينار قال: إنه راوية للشعر، قالوا: ستمائة دينار، قال: إنه شارع لا يلحن، قالوا: الف دينار، قال عبد العزيز: ادفعها إليه، فقلت له: أصلح الله الأمير، ثمن بعيري الذي ضلّ، قال: كم ثمنه؟ قلت: خمسة وعشرون ديناراً (٣) ، قال: ادفعوها إليه: قلت: فجائزتي لنفسي عن مديحي إياك، قال: اشتر نفسك ثم عد إلينا.
ووفد نصيب على الحكم بن المطلب وهو على صدقات المدينة فأنشده (٤) :
أبا مروان لست بخارجي ... وليس قديم مجدك بانتحال
أغر إذا الرواق انجاب عنه ... بدا مثل الهلال على المثال
تراءاه العيون كما تراءى ... عشية فطرها وضح الهلال
стр. 1532
فأعطاه أربعمائة ضائنة ومائة لقحة ومائتي (١) دينار.
وقال نصيب: علقت جارية حمراء، فمكثت زماناً تمنيني الأباطيل، فلما ألححت عليها قالت: إليك عني فو الله لكأنك من طوارق الليل، فقلت: والله وأنت لكأنك من طوارق النهار، قال: وما أظرفك يا أسود! فغاظني قولها فقلت لها: أتدرين ما الظرف؟ إنما الظرف العقل، ثم قالت لي: انصرف حتى أنظر في أمرك، فأرسلت إليها بهذا الأبيات (٢) :
فإن أك أسوداً (٣) فالمسك أحوى ... وما لسواد (٤) جلدي من دواء
ومثلي في رجالكم قليل ... ومثلك ليس يعدم في النساء
فإن ترضي فردّي قول راض ... وإن تأبي فنحن على السواء قال: فلما قرأت الشعر تزوجتني.
ودخل نصيب على سليمان بن عبد الملك وعنده الفرزدق فأنشده شعراً لم يرضه وكلح في وجهه، وقال لنصيب: قم فأنشد مولاك، فقام فأنشده (٥) :
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من آل ودّان طالب
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقالوا عهدناه وكلّ عشية ... على بابه من طالبي العرف راكب
هو البدر والنسا الكواكب حوله ... ولا يشبه البدر المضيء الكواكب فقال: أحسنت يا نصيب، وأمر له بجائزة، ولم يصنع ذلك بالفرزدق،
стр. 1533
فقال الفرزدق:
وخير الشعر أكرمه رجالاً ... وشر الشعر ما قال العبيد حدث محمد بن سلام قل: دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك فقال له: حدثني يا نصيب ببعض ما تمّ عليك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، علقت جارية حمراء فعيّرتني بالسواد فكتبت إليها (١) :
فإن يك من لوني السواد فإنني ... لكالمسك لا يروى من المسك ذائقه
وما ضرّ أثوابي سوادي وتحته (٢) ... لباس من العلياء بيض بنائقه فلما سمعت الشعر (٣) قالت: المال والعقل يأتيان على غيرهما، فتزوجني.
٥٥٠ - (٤)
نصيب الأصغر
نصيب الأصغر مولى المهدي؛ كان قد نشأ باليمامة فاشتراه المهدي، فلما سمع شعره قال: والله ما هو بدون نصيب مولى بني أمية، وأعتقه وزوجه أمة وكنّاه أبا (٥) الحجناء وأقطعه ضيعة بالسواد، وعمر بعده ومدح هارون بقوله:
أللبين يا ليلى جمالك ترحل ... ليقطع منا البين ما كان يوصل
تعللنا بالوعد ثمت تلتوي ... بموعدها حتى يموت المعلل
стр. 1534
فلا الحبل من ليلى يواتيك وصله ... ولا أنت تنهى القلب عنها فيذهل
خليلي إني ما يزال يشوقني ... قطين الحمى والظّاعن المتحمّل
فأقسمت لا أنسى ليالي منعج ... ولا مأسل إذ منزل الحي مأسل
أمن أجل أبيات ورسم كأنه ... بقية وحي أو كتاب مفصل
فيا أيها الزنجي ما لك والصبا ... أفق عن طلاب البيض إن كنت تقبل (١)
فمثلك من أحبوشة الزنج قطعت ... وسائل (٢) أسباب بها يتوصل
قصدنا أمير المؤمنين ودونه ... مهامه موماة من الأرض مجهل (٣)
على أرحبيات طوى السير (٤) فانطوت ... ثمائلها (٥) مما يحلّ ويرحل
إذا انبلج البابان (٦) والستر دونه ... بدا مثلما يبدو الأغرّ المحجل
شريكان فينا منه: عينبصيرة ... كلوء وقلب حافظ ليس يغفل
فما فات عينيه رعاه بقلبه ... فآخر ما يرعى سواء (٧) وأول
وما نازعت فينا أمورك هفوة ... ولا خطل في الرأي والرأي يخطل
إذا اشتبهت أعناقه (٨) بينت له ... معارف في أعجازه وهو مقبل
على ثقة منا تحنّ قلوبنا ... إليك كما كنا أباك نؤمل
إذا ما دهتنا من زمان ملمة ... فليس لنا إلا عليك معوّل ووجه المهدي نصيباً إلى اليمن في شراء إبل مهرية، ووجه معه رجلا
стр. 1535
من الشيعة، وكتب معه إلى عامل اليمين بعشرين ألف دينار، فمدّ نصيب يده في الدنانير ينفقها ويشرب بها ويشتري الجواري، فكتب الشيعي بخبره إلى المهدي، فأمر بحمله موثقاً في الحديد، فلما دخل على المهدي أنشده:
تأوبني ثقل من الهم موجع ... فأرق عيني والخليّون هجّع
هموم توالت لو أطاف يسيرها ... بسلمى لظلت صمّها (١) تتصدّع
" ولكنها نيطت فناء بحملها ... جهيز المنايا حائن النفس يجزع " (٢)
وعادت بلاد الله ظلماء حندساً ... فخلت دجى ظلماءها لا تقشع منها:
إليك أمير المؤمنين ولم أجد ... سواك مجيراً " منك " يدني ويمنع
تلمست هل من شافع لي فلم أجد ... سوى رحمة أعطاكها الله تشفع
لئن جلت الأجرام مني وأفظعت ... لعفوك من جرمي أجلّ وأوسع
لئن لم تسعني يا ابن عمّ محمد ... فما عجزت مني وسائل أربع
طبعت عليها صنعة (٣) ثم لم تزل ... على صالح الأخلاق والدين تطبع
تغابيك عن ذي الذنب ترجو صلاحه ... وأنت ترى ما كان يأتي ويصنع
وعفوك عمّن لو تكون جزيته ... لطارت به في الجوّ نكباء زعزع
وأنك لا تنفكّ تنعش عاثراً ... ولم تعترضه حين يكبو ويخمع
وحلمك عن ذي الجهل من بعدما جرى ... به عنق من طائش الجهل أسفع (٤)
ففيهن لي إمّا شفعن منافع ... وفي الأربع الأولى إليهن أفزع
مناصحتي بالفعل إن كنت نائياً ... إذا كان دان منك بالقول يخدع
стр. 1536
وثانية ظني بك الخير عادة ... وإن قلت عبد ظاهر الغش مسبع
وثالثة أني على ما هويته ... وإن كثر الأعداء فيّ وشنعوا
ورابعة أني إليك يسوقني ... ولائي، تولاك (١) الذي لا يضيع
وإني لمولاك الذي إن جفوته (٢) ... أتى مستكيناً خاضعاً (٣) يتضرّع
" وإني لمولاك الضعيف فأعفني ... فإني لعفو منك أهل وموضع " (٤) فقطع عليه المهدي الإنشاد وقال: ومن أعتقك يا ابن السوداء؟ فأومأ بيده إلى الهادي وقال: الأمير يا أمير المؤمنين، فقال المهدي لولده موسى: أعتقه يا بني؟ قال نعم يا أمير المؤمنين فأمضى المهدي ذلك وأمر بحديده ففك عنه وخلع عليه عدّة من الخلع: الخز والوشي والسواد والبياض، ووصله بألفي دينار وأمر له بجاري يقال لها " جعفرة " جميلة فائقة من روقة الرقيق، فقال له سالم قيم دار الرقيق: لا أدفعها إليك أو تعطيني ألف دينار، فقال قصيدته:
أآذن الحيّ فانصاعوا بترحال (٥) ... فهاج بينهم شوقي وبلبالي وقام بها بين يدي المهدي، فلما قال:
ما زلت تبذل لي الأموال مجتهداً ... حتى لأصبحت ذا أهل وذا مال
زوّجتني يا ابن خير الناس جاريةً ... ما كان أمثالها يهدى لأمثالي
زوّجتني بضةً بيضاء ناعمةً ... كأنها درة في كف لآل
حتى توهمت أنّ الله عجلها ... يا ابن الخلائف لي من خير أعمالي
فسالني سالم ألفاً فقلت له ... أنّى لي الألف يا قبّحت من سال
стр. 1537
هيهات ألفك إلا أن أجيء بها ... من فضل مولى لطيف المنّ مفضال فأمر له المهدي بألف دينار ولسالم بألف درهم.
ومرّ نصيب بباب الفضل بن يحيى فقال:
ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... جعل الناس كلّهم شعراء وكانت وفاته بعد التسعين والمائة، ﵀.
٥٥١ - (١)
" النصير الحمامي "
النّصير - بفتح النون - ابن احمد بن علي المناوي الحمّامي؛ قال الحافظ العلامة أثر الدين أبو حيان: كان المذكور أديباً بمصر، كيّس الأخلاق يتحرّف باكتراء الحمامات، وأسنّ وضعف عن ذلك، وكان يستجدي بالشّعر، توفي سنة اثنتي (٢) عشرة وسبعمائة، ﵀.
من شعره:
لا تفه ما حييت إلا بخير ... ليكون الجواب خيراً (٣) لديكا
قد سمعت الصّدى وذاك جماد ... كلّ شيء تقول ردّ عليكا أخذ هذا المعنى من ابن سناء الملك حيث يقول (٤) :
стр. 1538
بان عليها الذل من بعدهم ... وزاد حتى كاد أن لا يبين
فإن تقل أين الذين اغتدوا ... يقل صداها لك أين الذين وأخذه ابن سناء الملك من القاضي ناصح الدين الأرجاني حيث قال (١) :
سال الصدا عنه وأصغى للصدا ... كيما يقول فقال مثل مقاله
ناداه اين ترى محط رحاله ... فأجاب أين ترى محط رحاله ومن شعر النصير:
أقول والكأس قد تبدت ... في كف أحوى أغن أحور
خربت بيتي وبيت غيري ... وأصل ذا كعبك المدور ومنه أيضاً:
إن الغزال الذي هام الفؤاد به ... استأنس اليوم (٢) عندي بعد ما نفرا
أظهرتها طاهريات وقد ربضت ... فيها الأسود (٣) رآها الظبي فانكسرا ومنه أيضاً:
قالوا افتضحت بحبه ... فأجبت لي في ذا اعتذار
من لي بكتمان الهوى ... وبخده نم العذار وقال أيضاً:
ما زال يسقيني زلاب رضابه ... لما خفيت ضنىً وذبت توقدا
ويظنني حياً رويت بريقه ... فإذا دعا قلبي يجاوبه الصدا وقال أيضاً:
ماذا يضرك لو سمحت بزورةٍ ... وشفعتها لمكارم الأخلاق
стр. 1539
وردعت نفسك حين تمنعك اللقا ... وتقول هذا آخر العشاق وقال:
لي منزل معرفوه ... ينهل غيثاً (١) كالسحب
أقبل ذا العذر به ... وأكرم الجار الجنب وقال:
رأيت فتى يقول بشط مصر ... على درج بدت والبعض غارق
متى غطى لنا الدرج استقمنا ... فقلت نعم وتنصلح الدقائق وقال:
ومذ لزمت الحمام صرت فتى ... خلا يداري من لا يداريه
أعرف حر الأشيا وباردها ... وآخذ الماء من مجاريه قلت: لما كتب أبو الحسين الجزار إلى النصير الحمامي:
حسن التأتي مما يعين على ... رزق الفتى والحظوظ تختلف
والعبد مذ كان في جزارته ... يعرف من أين تؤكل الكتف كتبت إليه النصير البيتين المذكورين أولاً.
وقال النصير أيضاً (٢) :
رأيت شخصاً آكلاً كرشةً ... وهو أخو ذوقٍ وفيه فطن
وقال ما زلت محباً لها ... قلت من الإيمان حب الوطن وقال النصير يوماً للسراج الوراق: قد عملت قصيدة في الصاحب تاج الدين وأشتهي أنك تزهزه لها وتشكرها، وسيرها إلى الصاحب، فلما أنشدت
стр. 1540
بحضرة السراج قال السراج بعد ما فرغ منها:
شاقني للنصير شعر بديع ... ولمثلي في الشعر نقد بصير
ثم لما سمعت باسمك فيه ... قلت نعم المولى ونعم النصير فأمر له الصاحب بدراهم وسيرها إليه وقال: قل له هذه مائتا درهم صنجة (١) ، فلما أدى الرسول الرسالة قال النصير: قبّل الأرض بين يدي مولانا الصاحب وقل له: يسأل إحسانك وصدقاتك أن تكون عادة، فلما " بلغ " ذلك الصاحب أعجبه وقال: يكون ذلك عادته.
وكتب النصير إلى السراج يتشوقه:
وكدرت حمّامي بغيبتك التي ... تكدّر من لذاتها صفو مشربي
فما كان صدر الحوض منشرحا بها ... ولا كان قلب الماء فيها بطيّب وكتب أيضاً يستدعي إلى حمامه:
من الرأي عندي أن تواصل خلوة (٢) ... لها كبد حرّى وفيض عيون
تراعي نجوماً فيك من حرّ قلبها ... وتبكي بدمع قارح وحزين
غدا قلبها صباً إليك وأنت إن ... تأخرت أضحى في حياض منون وكتب ناصر الدين ابن النقيب إلى النصير وقد حصل له رمد:
يقولون لي عين النصير تألمت ... ولازمه في جفنه الحكّ والأكل
فقلت أعين الراس أم عين غيره ... فللعلو شيء لا يداوى به السفل
فقالوا بل العين التي تحت صلبه ... فقلت لها التشييف (٣) عندي والكحل
стр. 1541
وميل بماء الريق يبتلّ سفله ... فيدخل سهلاً غير صعب وينسل
وأغسلها بالبيض واللبن الذي ... عليّ بتقطيري له يجب الغسل
فإن شاء وافيت الأديب مداوياً ... ولم أشتغل عنه وإن كان لي شغل فأجابه النصير رحمهما الله تعالى:
أيا من له في الطب علم مباشر ... وما كلّ ذي قول له القول والفعل
أتيت بطبّ قد حوى البيع والشرا ... تبين لي في ذلك الخرج والدخل
وإن كان ذا سهلاً بطبك إنه ... بسقمي صعب ليس هذا به سهل
فلا عدم المملوك منك مداوياً ... وما زال للمولى على عبده الفضل وقال النصير ذوبيت:
في وجهك للجمال والحسن فنون ... في طرفك للسحر فتور وفتون
أنى أسلو هواك يا من باتت ... عيناه تقول للهوى كن، فيكون وقال:
إن عجل النوروز قبل الوفا ... عجّل للعالم صفع القفا
فقد كفى من دمعهم ما جرى ... وما جرى من نيلهم ما كفى وقال:
إني لأكره في الأنام ثلاثة ... ما إن لها في عدها من زائد
قرب البخيل وجاهلاً متعاقلاً ... لا يستحي وتودداً من حاسد
ومن الرزية والبلية أن ترى ... هذي الثلاثة جمعّ في واحد وكتب النصير إلى السراج الورّاق من أبيات:
كنت مثل الغزال والله يكفي ... صرت في وجهه إذا جيت كلبا
ولعمري لا ذنب لي غير أني ... تبت لله ظن ذلك ذنبا
وهو لو جاءني وقد تبت حتى ... يبتغي حاجة فلن أتأبى
стр. 1542
فأجابه السراج الوراق من أبيات:
وأتى الظبي مرسلاً منك فاستغ ... ربتُ لما دعوت نفسك كلبا
ولكم جيت عادياً خلفه تل ... هث عدواً للصيد بعداً وقربا
غير أني نظرت عين صفي ال ... دين كادت أن تشرب الظبي شربا
فاترك التوبة التي قد نراها ... لك وزراً كما زعمت وذنبا
واجتهد في رضاه عنك وقرّب ... كلّ نائي المدى تنل منه قربا
فلكم رضت جامحاً في تراضي ... هـ وذللت بالسفارة صعبا وكتب إلى السراج ملغزاً في نون:
ما اسم ثلاثي يرى واحداً ... وقد يعد اثنين مكتوبه
يظهر لي من بعضه كله ... إذ كلّ حرف منه مقلوبه
أضعف ثمانين إلى ستة ... إن شئت لا يعددك محسوبه
اطلبه في البر وفي البحر لا ... فات حجى مولاي مطلوبه فكتب إليه الوراق الجواب:
يا سالب الألباب من سحره ... بمعجز أعجز أسلوبه
ألغزت في اسم وهو حرف وقد ... يخفى علينا منك محجوبه
وهو اسم أنثى مرضع طفلها ... غير لبان الناس مشروبه
مطّرد منعكس شكله ... سيان في العين ومقلوبه وكتب النصير إلى الوراق:
أتى فصل الخريف عليّ جداً ... بأمراض لواعجها شداد
وأعذر عائدي إن لم يعدني ... وربّ مريض قوم لا يعاد فأجابه الورّاق:
خلائقك الربيع فليس تخشى ... خريفاً في الجسوم له اعتياد
стр. 1543
ولا والله لم أعلمك إلا ... صحيحاً والصحيح فما يعاد وكتب النصير إلى الوراق أيضاً:
أيها المحسن الذي وهب الله ... تعالى الحسنى له وزياده
ضاع ما كان من وصولات وصلي ... فتصدّق بكتبها لي معاده
أين تلك الطروس نظماً ونثراً ... منك تأتي على سبيل الإفاده
كلّ طرس يجلى عروساً بدرّ ال ... قول كم من عقد وكم من قلاده
كان عيسى إذا أتاك رسول ... منك يحيى خلاّ أمتّ وداده
شهد الله ليس لي غير ذكراك ... وإلا خرست عند الشهاده فكتب الورّاق الجواب:
لم " يفارق سو " اد عيني حبيب ... حلّ من قلبي المشوق سواده
فكأني ولا أذوق له رز ... ءاً جرير وذاك عندي سواده
ذو بيان أدنى بلاغته تن ... سيك قساً وعثره وإياده
جوهري الألفاظ كم قلد الأج ... ياد عقداً من نظمه وقلاده
فعبيد (١) أدنى العبيد لديه ... ولبيد عن نظمه ذو بلاده
ولأزجاله ابن قزمان يعنو ... ولتوشيحه يقرّ عباده (٢)
فات دار الطراز منه خلال ... لو بها للسعيد تمت سعاده
يا صديقي الذي غدا راعياً ... فيّ للأصدقاء فيّ زهاده
هجروني كأنني مصحف أو ... مسجد قد أقيم أو سجاده
دمت نعم النصير لي ما تغنّت ... ساجعات على ذرا ميّاده وكتب النصير إلى السراج ملغزاً في النار:
стр. 1544
وما اسم ثلاثي له النفع والضّرر (١) ... له طلعة تغني عن الشمس والقمر
وليس له وجه وليس له قفا ... وليس له سمع وليس له بصر
يمد لساناً (٢) تختشي الريح بأسه ... ويسخر يوم الضرب بالصارم الذكر
يموت إذا ما قمت تسقيه قاصداً ... وأعجب من ذا أن ذاك من الشجر
أيا سامع الأبيات دونك شرحها ... وإلا فنم عنها ونبّه لها عمر فكتب إليه الورّاق الجواب:
أراك نثير الدين ألغزت في التي ... تعيد لمسك الليل كافورة السحر
رأى معشر أن يعشقوها ديانة ... وتا لله لا تبقي عليهم ولا تذر
وكل على قلب لهم ران إسمها ... فمسكنهم منها ومأواهم سقر
وقد وصفوا (٣) الحسناء في بهجة بها ... كما وصفوا الحسناء بالشمس والقمر
ولو لم تكن ما طاب خبز لآكل ... ولا لذّ ماء في حماك لمن عبر وكتب " النصير " إلى الورّاق ملغزاً في ديك:
أيا من لديه غامض الشعر يكشف ... ومن بدره بادي السنا ليس يكسف
عساك هدى لي إنني اليوم ذاهل ... عن الرشد فيما قد أرى متوقف
أرى اسماً له في الخافقين ترفّع ... أخا يقظة ذكراً ولا يتعفف
رأيت به الأشياء تبدو وضدها ... فكاد لهذا الأمر لا يتكيف
فعرّفه ذو السمع وهو منكر ... ونكّره ذو اللبّ وهو معرّف
فجاوب لأحظى بالجواب فإنه ... إذا جاوب المولى العبيد يشرّف فكتب إليه الورّاق الجواب عن ذلك:
стр. 1545
إليك نصير الدين مني إجابة ... بها أوضح المعنى الخفيّ وأكشف
رايتك قد ألغزت لي في متوج ... بتذكاره أسماعنا تتشنّف
ينبّه قوماً للصلاة ومعشراً (١) ... عبادتهم آس وكاس وقرقف
له كرم قد سار عنه وغيره ... وعرف به من غيره ظلّ يعرف
حظيّ تراه وادعاً في ضرائر ... يزينه تاج وبرد مفوّف
وفي قلبه كيد ولكنّ صدره ... غدا ضيّقاً مثلي بذلك يوصف وكتب النصير إلى الوراق ملغزاً في نعامة:
ومفرد جمعاً يرى ... بحذف بعض الأحرف
اسم " نعا " أكثره ... فقال باقيه اكفف
تراه يغدو مسرعاً ... في برده المفوّف فكتب الورّاق الجواب:
لو قلت في من قد نعى ... مات لصدقتك في
فكل باغ كالذي ... تبغي رهين التلف
ألغزت في اسم طائر ... في الأرض عنا ما خفي
يفحص فافحص عنه يا ... ربّ الفتون تعرف
وهو لعمري في السما ... ء يفتضي ويقتفي وكتب النصير إلى الورّاق وعنده أحمد الموصلي الزجال:
عندنا من غدا بحبك مغرىً ... وله فيك لوعةٌ وغرام
موصليّ يهوى الملاح إذا ما ... جاء صبح اللحى وولّى الظلام
فهو لا ينتهي عن الشيب بالش ... يب فماذا تقول يجدي الملام
لو تبدّى لعينه ابن ثمانين ... غدا وهو عاشق مستهام