وميل بماء الريق يبتلّ سفله ... فيدخل سهلاً غير صعب وينسل
وأغسلها بالبيض واللبن الذي ... عليّ بتقطيري له يجب الغسل
فإن شاء وافيت الأديب مداوياً ... ولم أشتغل عنه وإن كان لي شغل فأجابه النصير رحمهما الله تعالى:
أيا من له في الطب علم مباشر ... وما كلّ ذي قول له القول والفعل
أتيت بطبّ قد حوى البيع والشرا ... تبين لي في ذلك الخرج والدخل
وإن كان ذا سهلاً بطبك إنه ... بسقمي صعب ليس هذا به سهل
فلا عدم المملوك منك مداوياً ... وما زال للمولى على عبده الفضل وقال النصير ذوبيت:
في وجهك للجمال والحسن فنون ... في طرفك للسحر فتور وفتون
أنى أسلو هواك يا من باتت ... عيناه تقول للهوى كن، فيكون وقال:
إن عجل النوروز قبل الوفا ... عجّل للعالم صفع القفا
فقد كفى من دمعهم ما جرى ... وما جرى من نيلهم ما كفى وقال:
إني لأكره في الأنام ثلاثة ... ما إن لها في عدها من زائد
قرب البخيل وجاهلاً متعاقلاً ... لا يستحي وتودداً من حاسد
ومن الرزية والبلية أن ترى ... هذي الثلاثة جمعّ في واحد وكتب النصير إلى السراج الورّاق من أبيات:
كنت مثل الغزال والله يكفي ... صرت في وجهه إذا جيت كلبا
ولعمري لا ذنب لي غير أني ... تبت لله ظن ذلك ذنبا
وهو لو جاءني وقد تبت حتى ... يبتغي حاجة فلن أتأبى
стр. 1542
فأجابه السراج الوراق من أبيات:
وأتى الظبي مرسلاً منك فاستغ ... ربتُ لما دعوت نفسك كلبا
ولكم جيت عادياً خلفه تل ... هث عدواً للصيد بعداً وقربا
غير أني نظرت عين صفي ال ... دين كادت أن تشرب الظبي شربا
فاترك التوبة التي قد نراها ... لك وزراً كما زعمت وذنبا
واجتهد في رضاه عنك وقرّب ... كلّ نائي المدى تنل منه قربا
فلكم رضت جامحاً في تراضي ... هـ وذللت بالسفارة صعبا وكتب إلى السراج ملغزاً في نون:
ما اسم ثلاثي يرى واحداً ... وقد يعد اثنين مكتوبه
يظهر لي من بعضه كله ... إذ كلّ حرف منه مقلوبه
أضعف ثمانين إلى ستة ... إن شئت لا يعددك محسوبه
اطلبه في البر وفي البحر لا ... فات حجى مولاي مطلوبه فكتب إليه الوراق الجواب:
يا سالب الألباب من سحره ... بمعجز أعجز أسلوبه
ألغزت في اسم وهو حرف وقد ... يخفى علينا منك محجوبه
وهو اسم أنثى مرضع طفلها ... غير لبان الناس مشروبه
مطّرد منعكس شكله ... سيان في العين ومقلوبه وكتب النصير إلى الوراق:
أتى فصل الخريف عليّ جداً ... بأمراض لواعجها شداد
وأعذر عائدي إن لم يعدني ... وربّ مريض قوم لا يعاد فأجابه الورّاق:
خلائقك الربيع فليس تخشى ... خريفاً في الجسوم له اعتياد
стр. 1543
ولا والله لم أعلمك إلا ... صحيحاً والصحيح فما يعاد وكتب النصير إلى الوراق أيضاً:
أيها المحسن الذي وهب الله ... تعالى الحسنى له وزياده
ضاع ما كان من وصولات وصلي ... فتصدّق بكتبها لي معاده
أين تلك الطروس نظماً ونثراً ... منك تأتي على سبيل الإفاده
كلّ طرس يجلى عروساً بدرّ ال ... قول كم من عقد وكم من قلاده
كان عيسى إذا أتاك رسول ... منك يحيى خلاّ أمتّ وداده
شهد الله ليس لي غير ذكراك ... وإلا خرست عند الشهاده فكتب الورّاق الجواب:
لم " يفارق سو " اد عيني حبيب ... حلّ من قلبي المشوق سواده
فكأني ولا أذوق له رز ... ءاً جرير وذاك عندي سواده
ذو بيان أدنى بلاغته تن ... سيك قساً وعثره وإياده
جوهري الألفاظ كم قلد الأج ... ياد عقداً من نظمه وقلاده
فعبيد (١) أدنى العبيد لديه ... ولبيد عن نظمه ذو بلاده
ولأزجاله ابن قزمان يعنو ... ولتوشيحه يقرّ عباده (٢)
فات دار الطراز منه خلال ... لو بها للسعيد تمت سعاده
يا صديقي الذي غدا راعياً ... فيّ للأصدقاء فيّ زهاده
هجروني كأنني مصحف أو ... مسجد قد أقيم أو سجاده
دمت نعم النصير لي ما تغنّت ... ساجعات على ذرا ميّاده وكتب النصير إلى السراج ملغزاً في النار:
стр. 1544
وما اسم ثلاثي له النفع والضّرر (١) ... له طلعة تغني عن الشمس والقمر
وليس له وجه وليس له قفا ... وليس له سمع وليس له بصر
يمد لساناً (٢) تختشي الريح بأسه ... ويسخر يوم الضرب بالصارم الذكر
يموت إذا ما قمت تسقيه قاصداً ... وأعجب من ذا أن ذاك من الشجر
أيا سامع الأبيات دونك شرحها ... وإلا فنم عنها ونبّه لها عمر فكتب إليه الورّاق الجواب:
أراك نثير الدين ألغزت في التي ... تعيد لمسك الليل كافورة السحر
رأى معشر أن يعشقوها ديانة ... وتا لله لا تبقي عليهم ولا تذر
وكل على قلب لهم ران إسمها ... فمسكنهم منها ومأواهم سقر
وقد وصفوا (٣) الحسناء في بهجة بها ... كما وصفوا الحسناء بالشمس والقمر
ولو لم تكن ما طاب خبز لآكل ... ولا لذّ ماء في حماك لمن عبر وكتب " النصير " إلى الورّاق ملغزاً في ديك:
أيا من لديه غامض الشعر يكشف ... ومن بدره بادي السنا ليس يكسف
عساك هدى لي إنني اليوم ذاهل ... عن الرشد فيما قد أرى متوقف
أرى اسماً له في الخافقين ترفّع ... أخا يقظة ذكراً ولا يتعفف
رأيت به الأشياء تبدو وضدها ... فكاد لهذا الأمر لا يتكيف
فعرّفه ذو السمع وهو منكر ... ونكّره ذو اللبّ وهو معرّف
فجاوب لأحظى بالجواب فإنه ... إذا جاوب المولى العبيد يشرّف فكتب إليه الورّاق الجواب عن ذلك:
стр. 1545
إليك نصير الدين مني إجابة ... بها أوضح المعنى الخفيّ وأكشف
رايتك قد ألغزت لي في متوج ... بتذكاره أسماعنا تتشنّف
ينبّه قوماً للصلاة ومعشراً (١) ... عبادتهم آس وكاس وقرقف
له كرم قد سار عنه وغيره ... وعرف به من غيره ظلّ يعرف
حظيّ تراه وادعاً في ضرائر ... يزينه تاج وبرد مفوّف
وفي قلبه كيد ولكنّ صدره ... غدا ضيّقاً مثلي بذلك يوصف وكتب النصير إلى الوراق ملغزاً في نعامة:
ومفرد جمعاً يرى ... بحذف بعض الأحرف
اسم " نعا " أكثره ... فقال باقيه اكفف
تراه يغدو مسرعاً ... في برده المفوّف فكتب الورّاق الجواب:
لو قلت في من قد نعى ... مات لصدقتك في
فكل باغ كالذي ... تبغي رهين التلف
ألغزت في اسم طائر ... في الأرض عنا ما خفي
يفحص فافحص عنه يا ... ربّ الفتون تعرف
وهو لعمري في السما ... ء يفتضي ويقتفي وكتب النصير إلى الورّاق وعنده أحمد الموصلي الزجال:
عندنا من غدا بحبك مغرىً ... وله فيك لوعةٌ وغرام
موصليّ يهوى الملاح إذا ما ... جاء صبح اللحى وولّى الظلام
فهو لا ينتهي عن الشيب بالش ... يب فماذا تقول يجدي الملام
لو تبدّى لعينه ابن ثمانين ... غدا وهو عاشق مستهام
стр. 1546
قرّ عيناً وطب فديتك نفساً ... عنده أنت أنت بدر تمام فكتب إليه الورّاق الجواب:
حبذا من بنات فكرك عذرا ... ء بها من فتيق مسك ختام
خلت ميم الرويّ فاها (١) وقد ض ... اق ومن ذاق قال فيه مدام
ولها من عقود فضلك حلي ... لم يحز مثل درّه النظّام
أذكرت بالشباب عيشاً خليعاً ... نبت فوديه بعد آس ثمام
كيف لا كيف لا ولم أر صعباً ... قط يأتي إلا وأنت زمام
وبما فيك من تأتّ ولطف ... أنا شيخ للموصليّ غلام
فهو نعم المولى، ونعم النصير ال ... مرتضى أنت صاحباً والسلام وكتب النصير إلى الورّاق ملغزاً في كنافة (٢) :
يا واحداً في عصره بمصره ... ومن له حسن السناء والسنا
تعرف لي اسماً فيه ذوق (٣) وذكا ... حلو المحيا والجنان والجنى
والحلّ والعقد له في دسته ... ومجلس الصدر وفي الصدر المنى
إن قيل يوماً هل لذاك كنية ... فقل لهم لم يخل يوماً من " كنا " فكتب الورّاق الجواب:
لبيك يا نعم النصير والذي ... أدنت (٤) به المنية لي كلّ المنى
عرّفتني الإسم الذي عرفته ... وكاد يخفى سرّه لولا " الكنا "
له من الحور الحسان طلعة ... تقابل المرآة منها الأحسنا
стр. 1547
وخدنه بعض اسمه طيراً غدا ... أصدق شيء إن بلوت الألسنا
وهو لسان كله وبعد ذا ... تنظره عند الكلام ألكنا
وفي خوان المجد كانا مألفي ... عند الصيام ربّ فاجمع بيننا وكتب النصير إلى الوراق مع ظروف (١) يقطين في فرد (٢) :
يا من لدفع الردى غدا جنه ... ومن له في قبولها المنه
هدية في الإناء تتبعها خير ... ثناء (٣) وهكذا السنه فكتب الوراق الجواب:
يا من غدا لي من العدا جنه ... ومن بحمامه لنا جنه
جاء بها الفرد وهو ممتلىء ... ملء فؤاد الحماة بالكنه
وكل ظرف منها بنوه على ال ... فتح فحقق في حبه ظنه وقال النصير يصف حمامه:
حمام الأديب العارف ... ما تجري وحال (٤) واقف بها اسطول وما فيه اسطال (٥) ... والماء يتزن بالقسطال (٦) ... والمال رأيته بطال ... والاسكندراني ناشف ...
стр. 1548
وما رأيت فيها بلان (١) ... يسرح لأحد باحسان ... والزبال يعر القوسان ... قال والهاتمه يتصالف ... ذي دونه وقيمها دون ... مبنيه على ميه مجنون ... والما في المجاري مخزون ... والأنبوب معوج تالف ... وتابوت على فسقيه (٢) ... قلتو مت بالكليه ... خذو من نصير الديه ... وإلا اثنينا نتناصف ... وكتب النصير إلى الوراق موشح:
أهوى رشاً في مهجتي مرتعه ... أفديه ربيب
لا بل قمراً في ناظري مطلعه ... لم يدر مغيب حقف وهلال وغزال وغصن ... إن قام وإن رنا وإن لاح وإن ... والمؤمن كيس كما قيل فطن ... قلبي أبداً إلى محياه يحن ...
ما أبعده وفي الحشا موضعه ... ناء وقريب
стр. 1549
قد راق به شعري لمن يسمعه ... إذ كان حبيب يا خجلة غصن البان لما خطرا ... يا حيرة بدر التم لما سفرا ... يا غيرة ظبي الرمل لما نظرا ... يا رخص فتيق المسك لما نثرا ...
من لؤلؤ نثره لمن يجمعه ... زاه ورطيب
ما أسعد ما أغنى فتى يصنعه ... عقداً لتريب (١) دعني فحديث العشق إفك ومرا ... عندي أبد الزمان والحق أرى ... مدحي لسراج الدين نرو الشعرا ... والكاتب عند الأمرا والوزرا ...
كم فيه فضيلة له ترفعه ... عن قدر أديب
الله بما قد حازه ينفعه ... والله مجيب " ... " (٢) وفاق معنا (٣) كرما ... تلقاه إذا نحوته في العلما ... ألمفرد في زمانه والعلما ... كن ممتثلا مرسومه إن رسما ...
فالفضل إليه كله مرجعه ... والرأي مصيب
لولا عمر (٤) الفضل عفت أربعه ... أو كان غريب
стр. 1550
بالفرع غدت في شفق الحدين ... كالبدر يلوح نوره للعين ... لما رميت من هاجري بالشين ... غنته وقد فارقها يومين ...
قد غاب ولي يومين ما أقشعه ... خلوه يغيب
لو راح إلى نجد أنا أتبعه ... حتى لو اصيب فأجابه السراج الوراق:
البدر على غصن النقا مطلعه ... من فوق كثيب
من طرفي والقلب له موضعه ... يبدو ويغيب إنسان عيوني ظل في الدمع غريق ... والقلب بنار البعد والصد (١) حريق ... من يطفئها من مسكر الراح بريق ... والدر بثغر راق لمعاً وبريق ...
من يمنحه السؤال لا يمنعه ... ظمآن كئيب
أبلاه بما يخفى به موضعه ... عن مس طبيب من فترة جفنه أثار الفتنا ... واستل بها من الجفون الوسنا ... إن ماس وإن أسفر أو عن لنا ... كالغصن وكالبدر وكالظبي رنا ...
دع وصفي فالحسن له أجمعه ... من غير ضريب
وانظر ملحا أضعاف ما تسمعه ... من كل لبيب
стр. 1551
لم أنس وسكري بين كاس ورضاب ... من فيه، وشكي بين ثغر وحباب ... والليل كما شاب على إثر شباب ... والجو لنا رق كما رق عتاب ...
لا بل غزل النصير إذ موقعه ... من كل أديب
كالماء من الظمآن إذ يكرعه ... في قيظ أبيب (١) شيخ الأدباء شرقها والغرب ... من كل عروض يمتطي أو ضرب ... أو وصف مقام لذة أو حرب ... كم هز معاطف القنا والقضب ...
بالجزل من اللفظ الذي يبدعه ... من كل غريب
قد سلم في الشعر له أشجعه ... والشيخ حبيب (٢) هذا وإذا جدد خلعاً لعذار ... في وصف رشيق القد أو ذات خمار ... أذكى لك منه الشجر الأخضر نار ... كم قد فتنت وجداً به ذات سوار ...
الفته وقالت أي تراها معه ... تأخذ بنصيب
مني وإذا زوجي أتى يصفعه ... لو كان شبيب
стр. 1552
٥٥٢ - (١)
النصير الأذفودي
النصير الأذفودي؛ قال كمال الدين جعفر: لم أجد بأذفو من يعرف اسم أبيه، وكان أديباً شاعراً ينظم الشعر والموشح، وكان في أوائل المائة السابعة، وأظنه مات بعد الخمسين والستمائة؛ أنشدني له والدي في خولي اسمه كستبان:
أبي كستبان الرجل أن يحمل الظرفا ... لقد عدم الحسنى كما عدم الظرفا
يسمونه الخولي وهو مصحف ... ألا إنه الحولي الذي يأكل الحلفا ومن نظمه هذا الموشح:
يا طلعة الهلال ... هلا لي في الحب منتظر
يا غاية الآمال ... أما لي (٢) من الهوى مفر
أما لدائي راقي ... من راق قدراً على الأنام
زها بحسن الساق ... والساقي من ريقه المدام
به فؤادي باقي ... والباقي في لجة الغرام
وسست والخلاق ... أخلاقي بالصبر إذ هجر
فلذ للمذاق ... مذاقي في حبه السهر
هل من فتى يسعى في ... إسعافي بالقرب من رشا
إن مال بالأرداف ... أردى في قلبي مع الحشا
стр. 1553
مكمل الأوصاف ... أوصى في قتلي وأدهشا
عقلي وحكموا لجافي ... ألجا في ركوبه الغرر
فكم من الإسراف ... أسرى في كفيه من خطر
أزرى الجبين الحالي ... بالحال ممن قد اعتدى
إذ فاق بالكمال ... كما لي أشقى وأنكدا
من ابنة الدوالي ... دوا لي قلبي من الردى
ومذ بذلت مالي ... أوما لي باللحظ إذ نظر
وقال إذ ألوا لي ... الوالي يرفع له الخبر
يا غصن بان مائل ... يا مائل عني لشقوتي
وارثي (١) لدمعي السائل ... يا سائل عن حال قصتي
ولا تطيع العاذل ... يا عاذل ورافق بمهجتي
وان تزرني قابل ... في قابل أفوز بالظفر
كي ينجلي يا فاضل ... الفاضل من حالي (٢) الغير
يا منتهى آمالي ... أما لي في الحب من مجير
ارثي لجسمي البالي ... يا بالي وارحم فتى أسير
فقد بذلت الغالي ... يا غالي في القدر يا أمير
وفيك قد ألقى لي ... يا قالي هجرانك الضرر
وقطعت أوصالي ... يا صالي بقتلي سقر
إن جزت بين السرب ... سر بي عن حيهم قليل
ومل بهم وعج بي ... فعجبني قلبي بهم بخيل
стр. 1554
وقف بهم يا صحبي ... وصح بي ابكوا على القتيل
وإن تقضى نحبي ... فنح بي في السهل والوعر
وانزل بهم والطف بي ... وطف بي في البدو والحضر
لم أنس إذ غناني ... أغناني والليل قد هدا
وقال إذ حياني ... أحياني روحي لك الفدا
واهتز بالأردان ... أرداني إذ قام منشدا
وطائر الأفنان ... أفناني إذ ناح في السحر
وهاتف الأذان ... آذاني إذ نبه البشر
стр. 1555
حرف الهاء
стр. 1556
فراغ
стр. 1557
(١) ٥٥٣
هارون الرشيد
هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أمير المؤمنين الرشيد ابن المهدي ابن المنصور؛ كان شجاعاً كثير الحج والغزو، حج في خلافته ثماني حجج، وقيل تسع، وغزا ثماني غزوات، ولم يحج خليفة بعده، وكان في أيامه فتح هرقلة.
وكان طويلا جسيما أبيض قد وخطه الشيب، مولده سنة سبع وأربعين ومائة في نصف شوال بمدينة الري، وبويع له بمدينة السلام في ربيع الأول سنة سبعين ومائة يوم موت الهادي، وكان ولي العهد بعده، وله يومئذ اثنان وعشرون سنة ونصف، وتوفي بطوس في جمادى الآخرة (٢) سنة ثلاث وتسعين ومائة، وله ست وأربعون سنة وكانت مدة خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وستة (٣) عشر يوماً، وكان يحج سنة ويغزو سنة، ولذل قال فيه القائل:
فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور
ففي أرض العدو على طمر ... وفي أرض الثنية فوق كور وكان جواداً بالمال، واعتمد على البرامكة في دولته فزينوها إلى أن أكثروا الدالة عليه ففتك بهم، ولكن ساء تدبيره للملك بعدهم وظهر الاختلال في دولته
стр. 1558
بعدهم، وكان يقول: أغرونا بهم حتى إذا هلكوا وجدنا فقدهم ولم يسدوا مسدهم.
وكان فصيح المقال، قال لإسحاق بن إبراهيم الموصلي وقد أنشده أبياتاً منها:
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل لله در أبيات (١) تأتينا بها ما أحكم أصولها وأحسن فصولها وأقل فضولها! فقال إسحاق: أخذ الجائزة مع هذا الكلام ظلم.
وله شعر جيد منه قوله في جارية صالحها:
دعي عد الذنوب إذا التقينا ... تعالي لا نعد ولا تعدي ومنه:
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي أعز مكان
مالي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه غلبن أعز من سلطاني ومن شعر الرشيد يرثي جاريته هيلانة:
أف للدنيا وللزي ... نة فيها والاناث
إذ حثا الترب على هيلا ... ن الناس في الحفرة حاثي
فلها تبكي البواكي ... ولها تشجي المراثي
خلفت سقماً (٢) طويلاً ... جعلت ذاك تراثي وكان من أمير الخلفاء وأجل ملوك الدنيا، كان يصلي في اليوم مائة ركعة إلى أن مات، ويتصدق كل يوم من صلب ماله بألف درهم، وكان يحب
стр. 1559
العلم وأهله، ويعظم حرمات الله تعالى؛ ولما مات ابن المبارك جلس للعزاء وأمر الناس أن يعزوه.
واجتمع له ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العباس بن محمد عم أبيه، وحاجبه الفضل بن الربيع أتيه الناس وأعظمهم، ومغنيه إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وزوجته زبيدة.
قال ابن حزم: كان يشرب الخمر؛ ولما مات صلى عليه ابنه صالح ودفنه بطوس.
وذكر الرواة أن الرشيد صنع قسيماً من الشعر وهو:
الملك لله وحده ... ثم أرتج عليه فقال: استدعوا من بالباب من الشعراء، فدخل عليه جماعة منهم الجماز (١) فقال الرشيد: أجيزوا، وأنشدهم القسيم، فبدر الجماز فقال:
وللخليفة بعده ... فقال الرشيد: زد، فقال الجماز:
وللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده فقال الرشيد: أحسنت، لم تعد ما في نفسي، وأجازه بعشرة آلاف درهم، ﵀.
стр. 1560
٥٥٤ - (١)
" الواثق بالله "
هارون بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس، أمير المؤمنين الواثق بالله ابن المعتصم بالله ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور؛ أمه أم ولد يقال لها قراطيس. كان أبيض إلى الصفرة، حسن الوجه جميل الطلعة جسيماً، في عينه اليمنى نكتة بياض.
مولده يوم الاثنين لعشر بقين من شعبان سنة تسعين ومائة، وبويع له بسامرا يوم الجمعة لإحدى عشرة (٢) ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وتوفي بسامرا يوم الثلاثاء لخمس بقين من الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وستة أيام.
وكان كاتبه محمد بن عبد الملك الزيات، وحاجبه إيتاخ ومحمد بن حماد ابن نقش ثم محمد بن عاصم؛ وكان يقال له " المأمون الصغير " لشبه أحواله كلها بأحواله، وكان أعلم بني العباس بالغناء، وله أصوات مشهورة من تلحينه.
ومن نادر كلامه لشخص كان عاملاً له على عمل، نقل عنه أنه قال لمن شفع إليه في قصته لو شفع لك النبي ﷺ ما شفعتك: لولا أن في خطأ لفظك إشارة إلى صواب معناك في استعظامك ووضعك رسول الله ﷺ في غاية التمثيل لمثلت بك. ثم أمر أن يضرب ثمانين سوطاً
стр. 1561
ويعزل. ورئي الواثق في تلك الحالة وهو يرعد غضباً وقال: والله لا وليت لي عملاً أبداً.
وللواثق شعر حسن منه (١) :
قالت إذا الليل دجا فأتنا ... فجئتها حين دجا الليل
خفي وطء الرجل من حاسد ... ولو درى حل به الويل وله:
تنح عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنى فزده
ستكفى من عدوك كل كيد ... إذا كاد العدو ولم تكده وكان يحب خادماً أهدي له من مصر، فأغضبه الواثق يوماً فسمعه يقول لبعض الخدم: والله إن الواثق يروم منذ أمس أن أكلمه فلم أفعل، فقال:
يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا ... هل أنت إلا مليك جار فاقتدرا (٢)
لولا الهوى لتجارينا على قدر ... فإن أفق مرة منه فسوف ترى وقال يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق، ما مات وفيهم فقير.
وكان ابن أبي داود قد استولى على الواثق وحمله على التشدد في المحنة بالقول بخلق القرآن، ويقال إن الواثق رجع قبل موته عن القول بخلق القرآن.
وقال عبيد الله بن يحيى (٣) : حدثنا إبراهيم بن ساباط قال: حمل فيمن حمل رجل مكبل بالحديد من بلاده فأدخل، فقال ابن أبي داود: تقول أو أقول؟ قال: هذا من أول جوركم، أخرجتم الناس من بلادهم ودعوتموهم إلى
стр. 1562
شيء، لا بل أقول، قال: قل، والواثق جالس، قال: أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم إليه الناس أعلم رسول الله ﷺ به فلم يدع الناس إليه أم شيء لم يعلمه؟ قال: علمه، قال: فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم؟! قال: فنبهته، واستضحك الواثق وقام قابضاً على فمه، ودخل بيتاً ومد رجليه وهو يقول: وسع النبي ﷺ أن يسكت عنه ولم يسعنا، وأمر أن يعطى ثلاثمائة دينار وأن يرد إلى بلده.
وقال رزقان بن أبي داود: أن الواثق لما احتضر قال:
الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم يبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم (١) ... وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا ثم أمر بالبسط فطويت من تحته وألصق خده بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه.
وكان في سنة اثنتين ومائتين قد صادر الدواوين وضرب أحمد بن أبي إسرائيل ألف صوط (٢) وأخذ منه ثمانين ألف دينار، ومن سليمان بن وهب كاتب الأمير إيتاخ أربعمائة ألف دينار، ومن أحمد بن الخصيب وكاتبه ألف ألف دينار ويقال إنه أخذ من الكتاب في هذه السنة ثلاثة آلاف ألف دينار.
стр. 1563
٥٥٥ - (١)
ابن المصلي الارمنتي
هارون بن موسى بن محمد، الرشيد المعروف بابن المصلي الارمنتي؛ قال كمال الدين جعفر الأذفوي: اجتمعت به ولم يعلق بذهني منه شيء، وله شعر كثير يأتي من جهة الطبع، ليس يعرف له اشتغال، وكان إنساناً حسناً فيه لطافة. توفي بأرمنت سنة ثلاثين وسبعمائة، وأورد له:
حثها الشوق حثيثاً من وراها ... فتراها عانقت ترب ثراها
واعتراها الوجد حتى رقصت ... طربا أسكرني طيب شذاها
غني يا ساقي الراح بها ... ليس يغني فاقتي إلا غناها منها في ذم الحشيش ومدح الخمر:
وامل لي حتى تراني ميتا ... إن موت السكر للنفس حياها
ليس في الأرض نبات (٢) أنبتت ... فيه سر حير العقل سواها
رامت الخضراء تحكي سكرها ... قتلوها بعد تقطيع قفاها وكان قبلي الدمقرات قرية تسمى ببويه (٣) وفيها بدوية، فقال الرشيد فيها:
بدويه في ببويه ساكنا ... صيرت عندي المحبه ماكنا (٤)
اسمها ست العرب ... هيجت عندي الطرب أنا قاعد بين جماعه نستريح ...
стр. 1564
عبرت وحده لها وجه مليح ... بقوام أعدل من الغصن الرجيح ... في الملاحة زايدا ... ووراها قايدا ... لو تكن لي رايدا ...
كنت نعطيها ألف دينار وازنا ... وابن في داخل (١) بيوتي ماذنا
وترى مني العجب ... في تصانيف الأدب نفرت مني كما نفر الغزال ... واسفرت لي عن جبين يحكي الهلال ... ودنت أرمت بعينيها نبال ... ثم قالت يا فلان ... خذ من احداقي أمان ... معك في طول الزمان ...
فأنا والله مليحه فاتنا ... ومن الحساد ما أنا آمنا
والملك (٢) وأهل الرتب ... يأخذوا مني الحسب قلت يا ستي أنا هوني نموت ... ادفنوني عندكم جوا البيوت ... والعذارى حولها يمشوا سكوت ... ثم قالوا كلميه ... يا عريبه (٣) وارحميه ... ذا غريب لا تهجريه ...
стр. 1565
يشتهر حالك يصير لك كاينا ... يقتلوه أهلك وتبقي ضامنا
ذا الحديث فيه العطب ... ليس ذا وقت الغضب قالت امضي لا يكون عندك ضجر ... واصطبر واعمل على قلبك حجر ... ما طريقي سابله من جا عبر ... والعذارى يعرفوك ... ما تراهم يسعفوك ... ظلموني وأنصفوك ...
ثم وعاهدني فما أنا خاينا ... وأنا الليلة لروحي راهنا
مر وعبي لي الذهب ... فترى عقلك ذهب واعدتني (١) وبقيت في الانتظار ... واورثتني الذل بعد الانكسار ... والدحى قد صار عندي كالنهار ... عندما غاب القمر ... واظلم الليل واعتكر ... جف قلبي وانكسر ...
وعريبا في حديثي واهنا ... آمنه في سربها مطامنا
والفؤاد مني اضطرب ... ونشف ذاك الطرب صرت نرعى النجم إلى وقت الصباح ... إذ بدا ذي الكوكب الدري ولاح ... فإذا هي قد أتت ست الملاح ...
стр. 1566
والعذارى في عتاب ... مع عريبه في ضراب ... ثم قالت ذا الكلاب ...
ينبحوا تأتي الرجال الظاعنا ... بالسيوف وبالرماح الطاعنا
يدركوني في الطلب ... يجعلوا راسي ذنب ٥٥٦ (١)
الجرذ الكاتب
هبة الله بن الحسين بن محمد بن هبة الله بن محمد بن علي بن الحسن بن المطلب، أبو المعالي الملقب بالجرذ؛ من بيت الوزارة والتقدم، كان أديباً فاضلاً شاعراً يكتب خطاً حسناً، ونسخ بخطه الكثير للناس، وكان ظريفاً لطيفاً، وجمع في الهزل مجاميع مطبوعة، وأسن وعجز عن الحركة، وتوفي سنة تسعين وخمسمائة، ﵀. ومن شعره:
فديت من في وجهها سنة ... أشهى إلى قلبي من الفرض
تنسى عهوداً سلفت بيننا ... كأنما قد أكلت قرضي أشار إلى أن أكل الطعام الذي أكل منه الفار يورث النسيان فيما يزعمه أصحاب التجارب، وحسن هذا لأن اسمه الجرذ.
ومن شعره:
ألا قبح الله هذي الوجوه ... وبدلنا غيرها أوجها
стр. 1567
فلا أفقها مؤذن بالندى ... ولا بالعلا مؤذن أوجها وقال في ابن دينار كاتب الوزير، وكان أحاله عليه فمطله:
مولاي في بابكم كاتب ... يزيد في ظلمي إفراطا
مضيع للمال لكنه ... أضحى على شؤمي محتاطا
ظن أباه من عطاياك لي ... فليس يعطيني قيراطا وقال في ذم الغيم:
ما أقبح الغيم ولو أنه ... يمطرنا دراً وياقوتا
فكيف والآفاق مغبرة ... شوهاء لا ماء ولا قوتا وقال:
نفض التراب عقوق عن مناكبنا ... لأنه نسب الآباء في القدم ٥٥٧ (١)
الصائن ابن عساكر
هبة الله بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الدمشقي الشافعي، ابن عساكر أخو الحافظ ابن عساكر؛ كان الأكبر، وكان يعرف بالصائن؛ حفظ القرآن العظيم في صباه، وقرأه بروايات على أبي الوحش سبع بن قيراط وأحمد بن محمد بن خلف بن محرز الأندلسي، وسمع من الشريف أبي القاسم
стр. 1568
علي بن إبراهيم بن العباس العلوي وأبي طاهر ابن الحنائي (١) وأبي الفرج غيث ابن علي الصوري وغيرهم، وقرأ الفقه على أبي الحسن علي بن المسلم ونصر الله ابن محمد المصيصي.
وقدم بغداد سنة عشر وخمسمائة، وقرأ الخلاف على أسعد الميهني، وقرأ أصول الفقه على ابن البرهان، وأصول الدين على أبي عبد الله القيرواني، وسمع هناك على أشياخ العصر، وسمع بالكوفة ومكة بعدما حج، ورجع إلى بغداد ثم عاد إلى دمشق، وصار معيداً لشيخه علي ابن المسلم بالمدرسة الأمينية، ثم إنه درس بالغزالية بالجامع الأموي، وأفتى وحدث واعتنى بعلوم القرآن والنحو واللغة، وحصل النسخ نسخاً وتوريقاً وشراء، وكان فاضلاً ظريفاً كيساً مطبوعاً عشيراً حريصاً على طلب العلم، وكتبه مبذولة للطلبة والمستفيدين والغرباء، ولم يزل يكتب إلى أن مات في سنة " ثلاث وستين " (٢) وخمسمائة، رحمه الله تعالى وإيانا.
٥٥٨ - (٣)
أبو الحسين الحاجب
هبة الله بن الحسن، أبو الحسين الحاجب؛ ذكره كمال الدين ابن الأنباري في " كتاب النحويين " (٤) ، ومات فجأة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، كان
стр. 1569
من أفاضل الشعراء، ومن شعره:
يا ليلة سلك الزمان ... بطيبها في كل مسلك
إذ أرتقي ردف (١) المسرة ... مدركا ما ليس يدرك
والبدر قد فضح الظلام ... فستره فيه مهتك
وكأنما زهر النجوم ... بلمعها شعل تحرك
والغيم أحيانا يموج ... كأنه ثوب ممسك
وكأن تجعيد الرياح ... بدجلة ثوب مفرك
وكأن نشر المسك ينفح ... في النسيم إذا تحرك
وكأنما المنثور مصفر ... الذرا (٢) ذهب مشبك
والنور يبسم في الرياض (٣) ... فإن نظرت إليه سرك
شارطت نفسي أن أقوم ... بشرطها (٤) والشرط أملك
حتى تولى الليل منهزماً ... وجاء الصبح يضحك
واهاً لنا لو أننا ... في ظل طيب العيس نترك
والمرء يحسب عمره ... فإذا أتاه الشيب فذلك (٥)
стр. 1570
٥٥٩ - (١)
" هشام بن عبد الملك "
هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو الوليد أمير المؤمنين؛ كان أبيض أحول سمينا طويلا أكلف يخضب بالسواد، مولده سنة قتل ابن الزبير - سنة اثنتين وسبعين للهجرة - وتوفي بالرصافة من أرض قنسرين ليلة الأربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وصلى عليه ابنه مسلمة بن هشام، وبويع سنة خمس ومائة، وكانت أيامه تسع عشرة (٢) سنة وسبعة أشهر. وهو الذي قتل زيد بن علي بالكوفة سنة إحدى وعشرين ومائة، وكانت داره عند باب الخواصين التي بعضها الآن المدرسة النورية.
قال مصعب بن الزبير الزبيري: زعموا أن عبد الملك رأى في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، فدس من سأل سعيد بن المسيب، وكان يعبر الرؤيا، فقال سعيد بن المسيب: يملك من ولده لصلبه أربعة، فكان آخرهم هشام.
وكان يجمع المال ويوصف بالحرص والبخل، وكان حازما عاقلا صاحب سياسة حسنة، وكان يكره الدماء، وما كان أشد عليه ما دخله من قتل زيد ابن علي وابنه يحيى، فإنه (٣) دخله من قبلهم أمر شديد، فلما ظهر بنو العباس على بني أمية عمد عبد الله بن علي فنبش هشاما من قبره وصلبه.
стр. 1571
وكان هشام رجل بني أمية حزما ورأيا، ولما أتته الخلافة سجد لله شكرا، ورفع رأسه فوجد الأبرش الكلبي واقفا (١) فقال: ما لك لم تسجد معي؟ فقال: يا أمير المؤمنين رأيتك وقد رفعت إلى السماء وأنا مخلد إلى الأرض، فقال: أرأيتك (٢) إن رفعتك معي أتسجد؟ قال: الآن طاب السجود، وسجد، فأمر له بالإحسان الكثير وأن يكون جليسه طول مدته. وعوتب في شأنه وقيل له: ما تجالس من هذا الأبرش؟ فقال، حظي منه عقله لا وجهه.
وجمع من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبله، فلما مات احتاط الوليد على كل ما تركه فما غسل ولا كفن إلا بالقرض والعارية. والمشهور عنه أنه ليس له من الشعر إلا هذا البيت:
إذا أنت لم تعص الهدى قادك الهوى ... إلى كل ما فيه عليك مقال ونسب إليه ابن المعتز أيضا:
أبلغ أبا مروان عني رسالة ... فماذا بعيب من وفاء ومن ضر
ونحن كفيناك الأمور كما كفى ... أبوك أبانا الأمر في سالف الدهر ونسب إليه أيضا:
أبلغ أبا وهب إذا ما لقيته ... بأنك (٣) شر الناس عيبا لصاحب
أتبدي (٤) له بشراً إذا ما لقيته ... وتلسعه بالغيب لسع العقارب ومن بخله أنه رأى بعض أولاده وبثوبه خرق فقال: أقسمت عليك ألا ما رفوته، وتمثل بقول القائل:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
стр. 1572
(١) ٥٦٠
ملك التتار
هولاكو بن تولي قان (٢) بن جنكز خان ملك التتار ومقدمهم؛ كان طاغية من أعظم ملوك التتار، وكان شجاعا مقداما حازما مدبرا ذا همة عالية وسطوة ومهابة وخبرة بالحروب ومحبة في العلوم العقلية من غير أن يتعقل منها شيئا. اجتمع عنده جماعة من فضلاء العالم، وجمع حكماء مملكته وأمرهم أن يرصدوا الكواكب، وكان يطلق الكثير من الأموال والبلاد، وهو على قاعدة الترك في عدم التقيد بدين (٣) ، لكن زوجته (٤) تنصرت. وكان سعيدا في حروبه، طوف البلاد واستولى على الممالك في أيسر مدة. وفتح بلاد خراسان وفارس وأذربيجان وعراق العجم وعراق العرب والشام والجزيرة والروم وديار بكر، وقتل الخليفة المستعصم وأمراء العراق وصاحب الشام وصاحب ميافارقين.
قال الظهير الكازروني، حكى النجم أحمد بن البواب النقاش نزيل مراغة قال: عزم هولاكو على زواج بنت ملك الكرج فأبت حتى يسلم فقال: عرفوني ما أقول، فعرضوا عليه الشهادتين فأقر بهما، وشهد عليه بذلك خواجا نصير الدين الطوسي وفخر الدين المنجم، فلما بلغها ذلك أجابت، فحضر القاضي
стр. 1573
فخر الدين الخلاطي وتوكل لها النصير الطوسي، ولهولاكو الفخر المنجم، وعقدوا العقد باسم ماما خاتون بنت الملك داود إيواني على ثلاثين ألف دينار؛ قال ابن البواب: وأنا كتبت الكتاب في ثوب أطلس أبيض.
وتوفي هولاكو بعلة الصرع وأخفوا موته وصبروه وجعلوه في تابوت. وقال: كان ابنه أبغا غائبا فطلبوه المغل وملكوه، وهلك هولاكو وله ستون سنة أو نحوها في سنة أربع وستين وستمائة، وخلف من الأولاد سبعة عشر ولدا سوى البنات، وهم: أبغا وأشموط وتمنين (١) وتكسي (٢) وأجاي وتسنتر (٣) ومنكوتمر الذي التقى هو والملك المنصور قلاوون على حمص وانهزم جريحاً؛ وباكودر وأرغون ونغاي (٤) دمر والملك أحمد (٥) . وقد جمع صاحب الديوان (٦) كتابا في أخبارهم وهو عندي في مجلد.
стр. 1574
٥٦١ - (١)
أبو حية النميري
الهيثم بن الربيع بن زرارة، أبو حية - بالحاء المهملة والياء المشددة - النميري؛ كان من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وكان شاعرا فصيحا من ساكني البصرة، وكان أهوج جبانا كذابا، وقيل إنه كان يصرع، وكان له سيف يسميه لعاب المنية ليس بينه وبين الخشب فرق.
حدث جار (٢) له قال (٣) : دخل إلى بيته كلب في بعض الليالي فظنه لصا، فأشرف عليه وقد انتضى سيفه لعاب المنية، ووقف في وسط الدار وقال: أيها المغتر بنا والمتجرىء علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك: خير قليل وسيف صقيل، لعاب المنية الذي سمعته مشهورة، وضرباته مذكورة، اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، والله إن أدع قيسا إليك لا تقم لها، وما قيس؟ تملأ والله الفضاء خيلا ورجلا، سبحان الله ما أكثرها! فبينما هو كذلك إذا بالكلب قد خرج فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفانا حربا.
وقال يوما: إني أخرج إلى الصحراء فأدعو بالغربان فتقع حولي فآخذ منها ما أشاء، فقيل له: يا أبا حية أفرأيت إن خرجنا (٤) إلى الصحراء فدعوتها فلم تأتك فماذا تصنع؟ فقال: أبعدها الله إذن.
стр. 1575
وحدث يوما قال: عن لي ظبي فرميته فراغ عن سهمي، فعارضه السهم ثم راغ فعارضه السهم، ثم راغ فعارضه السهم، فما زال والله يروغ ويعارضه حتى صرعه.
وما أحلى قول ابن قلاقس:
عسكري جماله ... بطل ليس يدفع
قام عن قوس حاجبي ... هـ الله بعينيه ينزع
أسهم كيفما انحرف ... ن الناس إلى القلب تتبع
هكذا كنت عن أبي ... حية قبل أسمع وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي حرسه الله تعالى:
وشادن إن هب عرف الصبا ... شممت منه نشره طيه
أميل عنه خوف عشقي له ... وجفنه يتبعني غيه
كأنني قدامه ظبية ... وطرفه سهم أبي حيه وفد أبو حية على المنصور وامتدحه بقصيد، وهجا فيه (١) بني حسن، فوصله بشيء دون أمله، فاحتجن لعياله أكثره، وصار إلى الحيرة فشرب عند خمارة، وأعجبه الشرب وكره أن ينفد ما معه، وأحب أن يدوم له ما هو فيه، فسال الخمارة أن تبيعه بنسيئة، وأعلمها أنه مدح الخليفة وأرغبها فشرهت، وكان لأبي حية أير كعنق (٢) الظليم، فأبرزه لها فتدلهت، وكانت كلما سقته خطت في الحائط خطا، فقال أبو حية:
إذا سقيتني كوزا بخط ... فخطي ما بدا لك في الجدار
فإن أعطيتني عينا بعين ... فهاتي العين وانتظري ضماري
стр. 1576
خرقت مقدما من حيث يؤتى ... خيال مكان ذاك من الازار
فصدت بعدما نظرت إليه ... وقد ألمحتها عنق الحوار وكانت وفاته بعد السبعين والمائة.
стр. 1577
حرف الواو
стр. 1578
فراغ
стр. 1579
٥٦٢ - (١)
" والبة الأسدي "
والبة بن الحباب، أبو أسامة الأسدي؛ هو أستاذ أبي نواس، وكان ظريفا غزلا وصافا للغلمان المرد (٢) والخمر.
قال المهدي لعمارة بن حمزة: من أرق الناس؟ قال: والبة بن الحباب حيث يقول:
ولها ولا ذنب لها ... حب كأطراف الرماح
في القلب يقدح والحشا ... فالقلب مجروح النواحي قال: صدقت والله، قال: يا أمير المؤمنين فما منعك من منادمته؟ قال: قوله:
قلت لساقينا على خلوة ... ادن كذا رأسك من راسي
ونم على وجهك لي ساعة ... إني امرؤ أنكح جلاسي أفتريد أن أكون من جلاسه على هذا الشرط؟
قال الدعلجي غلام أبي نواس: أنشدت يوما بين يدي أبي نواس قصيدته:
يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم وكان قد سكر فقال: ألا أخبرك بشيء على أن تكتمه؟ قلت: نعم، قال:
стр. 1580
أتدري من المعني ب " يا شقيق النفس من حكم "؟ قلت: لا، قال: أنا والله المعني بذلك، والشعر لوالبة بن الحباب، وما علم بهذا غيرك.
وحكي عن والبة أنه كشف يوما عن عجز أبي نواس وهو أمرد حسن الوجه مليح الجسم، فلما رأى والبة بياض عجزه قبله، فضرط أبو نواس، فقال له والبة: لم فعلت هذا ويلك؟ قال: كراهية أن يضيع قول القائل: " ما جزاء من قبل الاست إلا ضرطة ".
وعن ابن سهل الشاعر قال: كان والبة صديقي وكان ماجنا رقيق الدين فشربت أنا وهو يوما بغمى (١) ، فانتبه من سكره وقال: اسمع ثم أنشد:
شربت وفاتك مثلي جموح ... بغمى بالكؤوس وبالبواطي (٢)
يعاطيني الزجاجة أريحي ... رخيم الدل بورك من معاطي
أقول له على طرب ألطني ... ولو بمؤاجر علج نباطي
فما خير الشارب بغير فسق ... يتابع بالزناء وباللواط
جعلت الحج في غمى وبنى ... وفي قطربل أبدا رباطي
فقل للخمس آخر ملتقانا ... إذا ما كان ذاك على الصراط يعني بالخمس: الصلوات. وتوفي في حدود المائتين.
٥٦٣ - (٣)
" أبو حليقة "
أبو الوحش بن أبي الخير بن داود بن أبي المنى، الحكيم الرشيد أبو