خرقت مقدما من حيث يؤتى ... خيال مكان ذاك من الازار
فصدت بعدما نظرت إليه ... وقد ألمحتها عنق الحوار وكانت وفاته بعد السبعين والمائة.
стр. 1577
حرف الواو
стр. 1578
فراغ
стр. 1579
٥٦٢ - (١)
" والبة الأسدي "
والبة بن الحباب، أبو أسامة الأسدي؛ هو أستاذ أبي نواس، وكان ظريفا غزلا وصافا للغلمان المرد (٢) والخمر.
قال المهدي لعمارة بن حمزة: من أرق الناس؟ قال: والبة بن الحباب حيث يقول:
ولها ولا ذنب لها ... حب كأطراف الرماح
في القلب يقدح والحشا ... فالقلب مجروح النواحي قال: صدقت والله، قال: يا أمير المؤمنين فما منعك من منادمته؟ قال: قوله:
قلت لساقينا على خلوة ... ادن كذا رأسك من راسي
ونم على وجهك لي ساعة ... إني امرؤ أنكح جلاسي أفتريد أن أكون من جلاسه على هذا الشرط؟
قال الدعلجي غلام أبي نواس: أنشدت يوما بين يدي أبي نواس قصيدته:
يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلي ولم أنم وكان قد سكر فقال: ألا أخبرك بشيء على أن تكتمه؟ قلت: نعم، قال:
стр. 1580
أتدري من المعني ب " يا شقيق النفس من حكم "؟ قلت: لا، قال: أنا والله المعني بذلك، والشعر لوالبة بن الحباب، وما علم بهذا غيرك.
وحكي عن والبة أنه كشف يوما عن عجز أبي نواس وهو أمرد حسن الوجه مليح الجسم، فلما رأى والبة بياض عجزه قبله، فضرط أبو نواس، فقال له والبة: لم فعلت هذا ويلك؟ قال: كراهية أن يضيع قول القائل: " ما جزاء من قبل الاست إلا ضرطة ".
وعن ابن سهل الشاعر قال: كان والبة صديقي وكان ماجنا رقيق الدين فشربت أنا وهو يوما بغمى (١) ، فانتبه من سكره وقال: اسمع ثم أنشد:
شربت وفاتك مثلي جموح ... بغمى بالكؤوس وبالبواطي (٢)
يعاطيني الزجاجة أريحي ... رخيم الدل بورك من معاطي
أقول له على طرب ألطني ... ولو بمؤاجر علج نباطي
فما خير الشارب بغير فسق ... يتابع بالزناء وباللواط
جعلت الحج في غمى وبنى ... وفي قطربل أبدا رباطي
فقل للخمس آخر ملتقانا ... إذا ما كان ذاك على الصراط يعني بالخمس: الصلوات. وتوفي في حدود المائتين.
٥٦٣ - (٣)
" أبو حليقة "
أبو الوحش بن أبي الخير بن داود بن أبي المنى، الحكيم الرشيد أبو
стр. 1581
حليقة؛ سمي " أبو حليقة " لحلقة كانت في أذنه. كان أوحد زمانه في الطب، وكان له حظ من الأدب.
ولد بجعبر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة سبعين وستمائة، وخرج من جعبر إلى الرها وربي بها، وخدم الكامل وخدم الصالح وخدم الترك إلى دولة الظاهر، وقرأ الطب على عمه أبي سعيد بدمشق وعلى مهذب الدين الدخوار، وله نوادر في الطب.
كان قد أحكم معرفة نبض الكامل حتى إنه أخرج يده يوما إليه من خلف ستارة مع الدور (١) المرضى فقال: هذا نبض مولانا السلطان، وهو بحمد الله صحيح، فعجب منه.
ولما طال عليه عمل الدرياق الفاروق لتعذر أدويته عمل درياقا مختصرا توجد أدويته في كل مكان، وقصد بذلك التقرب إلى الله تعالى. وكان يخلص المفلوجين لوقته، وينشىء في العصب زيادة في الحرارة الغريزية ويقويه، ويذيب البلغم في وقته، ويسكن القولنج في وقته.
وحصل للسلطان نزلة في أسنانه فآلمه ذلك وداواه الأسعد (٢) لاشتغال الرشيد بعمل الدرياق، فلم ينجع وزاد الألم، فطلب الرشيد فقال له: تسوك من الدرياق الذي عملته لك وترى العجب، فلما وصل إلى الباب خرجت ورقة السلطان فيها: يا حكيم استعملته وزال الألم لوقته، وبعث له خلعاً وذهبا.
ومر على أبواب القاهر بمفلوج ملقى على جنبه، فأعطاه من درياقه شربة، وطلع إلى القلعة وعاد، فقام المفلوج ملقى على جنبه، فأعطاه من درياقه شربة، وطلع إلى القلعة وعاد، فقام المفلوج يعدو في ركابه ويدعو له.
وألف للملك الصالح صلصا يأكل به اليخني، واقترح عليه أن يكون مقويا للمعدة منبها للشهوة ملينا للطبع. فركب من البقدونس جزءا ومن الريحان
стр. 1582
الترنجاني (١) جزءا ومن قلوب الاترج المنقعة في الماء والملح جزءا، ثم يغسل بالماء الحلو من كل واحد نصف جزء ويدق في جرن الفقاعي كل واحد بمفرده ويخلط ويعصر عليه ماء الليمون والملح ويعمل في أواني ويختم بالزيت. فلما استعمله السلطان أثنى عليه ثناء كثيرا.
وشفى بدرياقه من به حصاة ففتها من ساعته وأراق الماء.
ومن نوادره أن امرأة من الريف أتت إليه ومعها ولد أصفر ناحل، فأخذ يده ليعرف نبضه وقال لغلامه: هات الفرجية، فتغير نبض الصبي في يده، فقال لأمه: هذا الصبي عاشق في واحدة اسمها فرجية، فقالت أمه: أي والله يا مولاي، وقد عجزت مما (٢) أعذله. فعجب الحاضرون منه.
وله كتاب " المختار في ألف عقار " وله مقالة في ضرورة الموت وأن الإنسان تحلله الحرارة التي في داخله وحرارة الهواء، وقال متمثلا:
وإحداهما قاتلي ... فكيف إذا استجمعا (٣) ومقالة في حفظ الصحة، ومقالة في أن الملاذ الروحانية ألذ من الجسمانية، رحمه الله تعالى.
стр. 1583
٥٦٤ - (١)
ولادة بنت المستكفي
ولادة بنت محمد (٢) ، هو المستكفي ابن عبد الرحمن؛ كانت واحدة زمانها المشار إليها في آدابها، حسنة المحاضرة، مشكورة المذاكرة، كتبت بالذهب على طرازها الأيمن:
أنا والله أصلح للمعالي ... وأمشي مشيتي وأتيه تيها وكتبت على الجانب الأيسر:
وأمكن عاشقي من صحن خدي ... وأعطي قبلتي من يشتهيها وكانت مع ذلك مشهورة بالصيانة والعفاف، وفيها خلع ابن زيدون عذاره، وله فيها القصائد والمقطعات، منها القصيدة النونية التي أولها:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم ولا جفت مآقينا وكانت لها جارية سوداء بديعة الغناء؛ ظهر لولادة من ابن زيدون ميل إلى السوداء فكتبت إليه:
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا ... لم تهو جاريتي ولم تتخير
وتركت غصنا مثمرا بجماله ... وجنحت للغصن الذي لم يثمر (٣)
стр. 1584
ولقد علمت بأنني بدر السما ... لكن ولعت لشقوتي بالمشتري وكان مجلس ولادة بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعبا (١) لجياد النظم والنثر، يتهالك الكتاب والوزراء والشعراء على حلاوة عشرتها وسهولة حجابها.
مرت يوما بالوزير أبي عامر ابن عبدوس وهو جالس أمام بركة تتولد من مياه الأمطار، ويسيل إليها شيء من الأوساخ، فوقفت أمامه وقالت بيت أبي نواس في الخصيب والي مصر:
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر فتركته لا يحير جوابا ولا يهتدي صوابا.
وطال عمرها وعمر أبي عامر المذكور، حتى أربيا على الثمانين ولم يدعا المواصلة ولا المراسلة. وكانت أولا تهوى الوزير ابن زيدون، ثم مالت عنه إلى الوزير أبي عامر ابن عبدوس، وكان يلقب بالفار، وفي ذلك يقول ابن زيدون (٢) :
أكرم بولادة علقا لمعتلق ... لو فرقت بين بيطار وعطار
قالوا أبو عامر أضحى يلم بها ... قلت: الفراشة قد تدنو من النار
أكل شهي أصبنا من أطايبه ... بعضا وبعضا صفحنا عنه للفار وقال فيها (٣) أيضا (٤) :
стр. 1585
قد علقنا سواك علقا نفيسا ... وصرفنا إليه عنك (١) النفوسا
ولبسنا الجديد من خلع الحب ... ولم نأل أن خلعنا اللبيسا
ليس منك الهوى ولا أنت منه ... اهبطي مصر أنت من قوم موسى اشار ابن زيدون إلى قول أبي نواس (٢) :
أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزحام
فيا من ليس يكفيها خليل ... ولا ألفا خليل كل عام
أظنك من بقية قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام وكانت ولادة تلقب ابن زيدون بالمسدس، وفيه تقول:
ولقبت المسدس وهو نعت ... تفارقك الحياة ولا يفارق
فلوطي ومأبون وزان ... وديوث وقرنان وسارق وقالت فيه أيضاً:
إن ابن زيدون له فقحة ... تعشق قضبان السراويل
لو أبصرت أيراً على نخلة ... صارت من الطير الأبابيل وقالت ترميه بأنه مع فتاه علي على حالة:
إن ابن زيدون على جهله ... يعتبني ظلما ولا ذنب لي
يلحظني شزرا إذا جئته ... كأنني جئت لأخصي علي وقالت تهجو الأصبحي:
يا أصبحي اهنأ فكم نعمة ... جاءتك من ذي العرش رب المنن
قد نلت باست ابنك ما لم ينل ... بفرج بوران أبوها الحسن وتوفيت ولادة بعد الخمسمائة، رحمها الله تعالى.
стр. 1586
٥٦٥ - (١)
أمير المؤمنين الوليد
الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين الأموي؛ كان يلقب " النبطي " للحنه؛ عاب (٢) عليه أبوه لحنه وقال: كيف تعلو رؤوس المنابر؟ فدخل إلى بيت وأخذ جماعة عنده يتعلم منهم العربية وطين عليه وعليهم الباب وقال: لا أخرج حتى أقيم لساني إعرابا؛ ثم إنه خرج بعد ستة أشهر وأكثر، فلما خطب زاد لحنه على ما كان، فقال له أبوه: لقد أبلغت عذراً.
كان أبيض أفطس به أثر جدري، وكان جميلا طويلا، بويع له بدمشق يوم الخميس منتصف شوال سنة ست وثمانين بعهد من أبيه، وتوفي يوم السبت لأربع عشرة (٣) ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وله تسع وأربعون سنة، وصلى عليه أخوه سليمان بدير مروان من دمشق، وحمل إلى مقابر باب الصغير ودفن بها. وفي أيامه هلك الحجاج بن يوسف، ويقال إن في أيامه نقلت الدواوين من الفارسية إلى العربية (٤) .
وكان يتبختر في مشيته. وكان يختن الأيتام ويرتب لهم المؤدبين، ورتب للزمنى والاضراء من يقودهم ويخدمهم لأنه أصابه رمد بعينيه فأقام مدة لا
стр. 1587
يبصر شيئا فقال: إن أعادهما الله تعالى علي قمت بحقه فيهما، فلما برىء رأى أن شكر هذه النعمة الإحسان إلى العميان، فأمر أن لا يترك أعمى في بلاد الإسلام يسأل بل يرتب له ما يكفيه.
ولما حضرته الوفاة قال: ما أبالي بفراق الحياة بعدما فتحت السند والأندلس، وبنيت جامع دمشق. ويكفيه بنيانه جامع دمشق ومسجد رسول الله ﷺ ، ورزق الفقراء والعميان، فإن له في ذلك شرفا خالدا وذكرا باقيا.
وكان مطلاقا لا يصبر على المرأة إلا القليل ويطلقها، فقيل له في ذلك، فقال: إنما النساء رياحين فإذا ذبلت باقة استأنفت أخرى. وحديثه مع وضاح اليمين ومع زوجته أم البنين مذكورة في ترجمة وضاح اليمن، واسمه عبد الرحمن.
ولما مات أبوه عبد الملك، تمثل هشام بقول الشاعر (١) :
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما فقال له الوليد: اسكت، فإنك تتكلم بلسان الشيطان؛ هلا قلت كما قال أوس ابن حجر (٢) :
إذا مقرم منا ذرا حد نابه ... تخمط فينا ناب آخر مقرم وعيره خالد بن يزيد باللحن فقال: أنا ألحن في القول وأنت تلحن في الفعل.
стр. 1588
٥٦٦ - (١)
الوليد بن يزيد
الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أمير المؤمنين، لقب البيطار وخليع بني مروان والفاتك والزنديق. وكان وسيما جسيما أبيض مشربا بحمرة، ربعة قد وخطه الشيب. ولد سنة تسعين وبويع له سنة خمس وعشرين هو مقيم بالرصافة، وقتل بالبخراء (٢) على أميال من تدمر ثامن وعشرين جمادى الآخرة (٣) سنة ست وعشرين ومائة وله أربعون سنة وقيل إحدى وأربعون، وكانت أيامه سنة وشهرين.
وكان أبوه عهد إليه بعد هشام. وكان قد جعل ولديه عثمان والحكم وليي عهده فحبسا ولم يزالا في الحبس إلى أن ولي مروان الجعدي فقتلهما.
وكان الوليد قد انتهك محارم الله تعالى، فرماه الناس بالحجارة، فدخل القصر وأغلقه، فأحاطوا به وقالوا لم ننقم عليك في أنفسنا شيئا لكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله تعالى، وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله تعالى، فقال: حسبكم قد أكثرتم، ودخل الدار وأخذ المصحف وقال: يوم كيوم عثمان، وفتح المصحف يقرأ، فتسوروا عليه، وضربه عبد السلام اللخمي على رأسه، وضربه آخر على وجهه فتلف، وجروه
стр. 1589
وحزوا رأسه وأتي يزيد الناقص بالرأس فسجد، وكان قد جعل لمن يأتيه بالرأس مائة ألف درهم، فنصبه على رمح بعد صلاة الجمعة، فلما رآه أخوه سليمان قال: بعدا له، أشهد أنه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا ولقد راودني عن نفسي.
قال الشيخ شمس الدين: ولم يصح عنه كفر، لكنه اشتغل بالخمر واللياطة، فخرجوا عليه لذلك.
قال صاحب " الإشعار بما للملوك من النوادر والأشعار ": كان ربما صلى سكرانا.
وكان في أيام هشام ينتظر الخلافة يوما فيوما، ففتح يوما المصحف فطلع " واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد " " إبراهيم: ١٥ " فجعل المصحف هدفا للسهام وجعل يرمي نحو تلك الآية ويقول (١) :
تهدد (٢) كل جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل يا رب (٣) مزقني الوليد واستقبل شهر الصوم في خلافته بالمجون والشرب، فوعظ في ذلك فقال (٤) :
ألا من مبلغ الرحمن عني ... بأني تارك شهر الصيام
فقل لله يمنعني شرابي ... وقل لله يمنعني طعامي ولما بلغه أن الناس يعيبون عليه ترك الصلاة والصيام، قال: ما للناس وعيب ما نحن فيه؟ لنا منهم الدعاء والطاعة ولهم منا العدل والإحسان؛ ثم
стр. 1590
قال: عجبت لمن يعلم أن الفرح لا يكون إلا بنقصان العقل ولا يجعل درجا هذه الأقداح، وأباح المحارم فأصبح دمه وهو مباح.
ومن شعره (١) :
لا أسأل الله تغييرا لما صنعت ... نامت وقد أسهرت عيني عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها وقال صاحب الأغاني (٢) : لما أتى نعي هشام إلى الوليد قال: والله لألتقين هذه النعمة بسكرة قبل الظهر، ثم قال:
طاب يومي ولذ شرب السلافه ... إذ أتانا نعي من بالرصافه
وأتانا الوليد (٣) ينعى هشاما ... وأتانا بخاتم للخلافه
فاصطبحنا من خمر عانة صرفا ... ولهونا بقينة (٤) عزافه ثم حلف لا يبرح من موضعه حتى يغنى في هذا الشعر، فغني له وشرب حتى سكر، ثم دخل فبويع له. وسمع صياحا فقال: ما هذا؟ فقيل له: هذا من دار هشام تبكيه بناته، فقال (٥) :
إني سمعت بليلي (٦) ... ورا المصلى رنه
إذا بنات هشام ... يندبن والدهنه
يندبن قرما جليلا (٧) ... قد كان يعضدهنه
стр. 1591
أنا (١) المخنث حقا ... إن لم أنيكنهنه (٢) وقال لعمر الوادي: غنني فيه، فغناه فشرب أرطالا ثم قال له: والله إن سمعه منك أحد لأقتلنك، فما سمع منه حتى مات.
стр. 1592
فراغ
стр. 1593
حرف الياء
стр. 1594
فراغ
стр. 1595
٥٦٧ - (١)
ياقوت المستعصمي
ياقوت بن عبد الله، جمال الدين المستعصمي الكاتب؛ كان أديبا عالما فاضلا شاعرا، بلغ من الخط غاية ما بلغها ابن البواب. كان قد اشتراه الخليفة المستعصم صغيرا، وربي بدار الخلافة واعتنى بتعليمه الخط صفي الدين عبد المؤمن، ثم كتب على ابن حبيب، وكتب عليه أبناء الأكابر ببغداد، وحظي عند علاء الدين ابن الجويني صاحب الديوان، وكتب عليه أولاده وأولاد أخيه.
وكان ينظم شعرا رقيقا، فمنه قوله:
يا خليلي والمنى كاذبة ... والليالي شأنها أن تسلبا
قم بنا ما قعدت حادثة ... نقض من حق الصبا ما وجبا
نعص من لام على دين الهوى ... هذه سنة أيام الصبا ومنه أيضا:
جاء بوجه مخجل ... شمس النهار المشرقه
في أذنه لؤلؤة ... كأنها والحلقه
قداحة في وردة ... بالياسمين ملحقه (٢)
стр. 1596
وقال:
صدقتم في الوشاة وقد مضى ... في حبكم زمني وفي تكذيبها
وزعمتم أني مللت حديثكم ... من ذا يمل من الحياة وطيبها وقال:
رعى الله أياما تقضت بقربكم ... قصارا وحياها الحيا وسقاها
فما قلت إيه بعدها لمسامر ... من الناس إلا قال قلبي آها ومن شعر ياقوت:
عجبت لدهري إذ جاد لي ... بخط يفوق بأجزائه
وأعوزني فيه من نقطة ... تكون على الطاء من خائه (١) ومن شعر ياقوت:
وعدت أن تزور ليلا فألوت ... وأتت بالنهار تسحب ذيلا
قلت هلا صدقت في الوعد قالت ... هل توهمت أن ترى الشمس ليلا وكانت وفاته في شهور سنة ثمان وتسعين وستمائة، رحمه الله تعالى.
٥٦٨ - (٢)
" أبو زكريا النواوي الحافظ "
يحيى بن شرف بن مرى بن حسن بن حسين، مفتي الأمة شيخ السلام
стр. 1597
محيي الدين أبو زكريا النواوي الحافظ الفقيه الشافعي الزاهد، أحد الاعلام؛ ولد في العشر الأوسط من المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة بنوى وتوفي رابع عشرين شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة، رحمه الله تعالى.
قال الشيخ محيي الدين: زعم بعض أجدادي أن نسبه إلى حزام والد حكيم ﵁.
ولما كان له تسع عشرة (١) سنة، قدم به والده إلى دمشق فسكن المدرسة الرواحية، وبقي نحو سنتين لا يضع جنبه إلى الأرض. وكان قوته جراية المدرسة. وحفظ " التنبيه " في نحو أربعة أشهر ونصف، وبقي قريب شهرين لما قرا: يجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج، وهو يعتقد أنه قرقرة البطن، ويستحم بالماء البارد كلما قرقر بطنه؛ وحفظ ربع " المهذب " في باقي السنة، وصحح وشرح على شيخه كمال الدين إسحاق بن أحمد المغربي. ثم حج هو ووالده، وكانت وقفة الجمعة، وأقاموا بالمدينة نحوا (٢) من شهر ونصف. ولما رحل من نوى كانت الحمى أخذته فلم تفارقه إلى يوم عرفة. وكان يقرأ فيما بعد على المشايخ شرحاً وتصحيحاً: كل يوم اثني (٣) عشر درسا، درسين في " الوسيط " ودرسا (٤) في " المهذب " ودرسا في " الجمع بين الصحيحين " ودرسا في صحيح مسلم ودرسا في " اللمع " لابن جني ودرسا في " إصلاح المنطق " ودرسا في التصريف ودرسا في أصول الفقه، تارة في " اللمع " لأبي إسحاق وتارة في " المنتخب " للإمام فخر الدين، ودرسا في أسماء
стр. 1598
الرجال ودرسا في أصول الدين. وكان يعلق كل ما يتعلق بذلك من شرح مشكل ووضوح عبارة وضبط لغة.
وخطر له الاشتعال في علم الطب، فاشترى " القانون " وعزم على الاشتغال فيه؛ قال: فأظلم على قلبي، وبقيت أياما لا أقدر على الاشتغال بشيء. ففكرت في أمري ومن أين دخل علي الداخل، فألهمني الله أن سببه اشتغالي بالطب، فبعت " القانون " واستنار قلبي.
وسمع صحيح مسلم من الرضي ابن البرهان، وسمع البخاري ومسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وجامع الترمذي ومسند الشافعي وسنن الدارقطني وشرح السنة وأشياء عديدة. وسمع من ابن عبد الدايم والزين خالد وشيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز والقاضي عماد الدين ابن الحرستاني وابن أبي اليسر ويحيى الصيرفي والصدر البكري والشيخ شمس الدين ابن أبي عمر وطائفة سواهم. وأخذ علم الحديث عن جماعة من الحفاظ، فقرأ كتاب " الكمال " لعبد الغني على أبي البقا خالد النابلسي وشرح مسلم ومعظم البخاري على المرادي. وأخذ الفقه عن القاضي أبي علي الفتح التفليسي (١) ، وتفقه على الإمام كمال الدين إسحاق المغربي والإمام شمس الدين عبد الرحمن ابن نوح وعز الدين عمر بن أسعد الإربلي. وأخذ عنه القاضي صدر الدين سليمان الجعبري خطيب داريا والشيخ شهاب الدين ابن جعوان والشيخ علاء الدين ابن العطار وأمين الدين سالم والقاضي شهاب الدين الاربدي. وروى عنه ابن العطار والمزي وابن أبي الفتح وجماعة.
وقد نفع الله المسلمين بتصانيفه واشتهرت وجلبت إلى الأمصار، فمنها " المنهاج " و " شرح مسلم " و " الأذكار " و " رياض الصالحين " و " الأربعين حديثا " و " الإرشاد في علوم الحديث " و " التقريب " و " التيسير "
стр. 1599
و " المبهمات " و " تحرير ألفاظ التنبيه " و " العمدة في تصحيح التنبيه " و " الإيضاح في المناسك " و " الإيجاز " في المناسك - وله أربع مناسك أخر - و " التبيان في آداب حملة القرآن " و " الفتاوى " و " الروضة " و " المجموع في شرح المهذب " بلغ فيه إلى باب الربا في خمس مجلدات كبار. وشرح قطعة من البخاري وقطعة من " شرح الوسيط " إلى باب صلاة المسافر وقطعة كبيرة في " تهذيب الأسماء واللغات " وقطعة في " طبقات الفقهاء ".
قال علاء الدين ابن العطار: وله مسودات كثيرة، ولقد أمرني مرة ببيع كراريس نحو ألف كراس بخطه وأمرني أن أقف على غسلها في الوراقة، فلم أخالف أمره وفي قلبي منها حسرات. وأخباره في الزهد والورع والكرامات مشهورة.
وقد عمل له الشيخ علاء الدين ابن العطار سيرة (١) ذكر فيها من رثاه من شعراء عصره، فمن جملتهم الشيخ مجد الدين ابن الظهير، رحمه الله تعالى، قال فيه:
عز العزاء وعم الحادث الجلل ... وخاب بالموت في تعميرك الأمل
واستوحشت بعد ما كنت الأنيس لها ... وساءها فقدك الأسحار والأصل
وكنت تتلو كتاب الله معتبراً ... لا يعتريك على تكراره ملل
قد كنت للدين نورا يستضاء به ... مسدداً فيه منك القول والعمل
وكنت في سنة المختار مجتهداً ... وأنت باليمن والتوفيق مشتمل
وكنت زينا لأهل العلم مفتخراً ... على جدد كساهم ثوبك السمل
وكنت أسبقهم ظلا إذا استغرت ... هواجر الجهل والاضلال ينتقل
كساك ربك أثوابا مجملة ... يضيق عن حصرها التفصيل والجمل
اسلى كمالك عن قوم مضوا بدلاً ... وعن كمالك لا مسلى ولا بدل
стр. 1600
فمثل فقدك ترتاع القلوب له ... وفقد مثلك جرح ليس يندمل
زهدت في هذه الدنيا وزخرفها ... عزما وحزما فمضروبا بك المثل
أعرضت عنها احتقارا غير محتفل ... وأنت بالسعي في أخراك محتفل
أسهرت في العلم عينا لم تذق سنة ... إلا وأنت بها في العلم مشتغل
يا لهف حفل عظيم كنت بهجته ... وحليه فعراه بعدك العطل
وطالبو العلم من دان ومغترب ... نالوا بيمنك فيه فوق ما أملوا
حاروا لهيبة هاديهم وضاق بهم ... لفرط حزن عليه السهل والجبل
ترى درى تربه من غيبوه به ... أو نعشه من على أعواده حملوا
يا محيي الدين كم غادرت من كبد ... حرى عليك وعين دمعها هطل
وكم مقام كحد السيف لا جلد ... يقوى على هوله فيه ولا جدل
أمرت فيه بأمر الله منتضياً ... سيفاً من العزم لم تصنع له خلل
وكم تواضعت عن فضل وعن شرف ... وهمة هامة الجوزاء تنتعل
عالجت نفسك والأدواء شاملة ... حتى استقامت وحتى زالت العلل
بلغت بالتعب الفاني رضى ملك ... ثوابه في جنان الخلد متصل
ضيف الكريم جدير أن يضاف له ... إلى الكرامة من ألطافه النزل
فجعت بالأنس ليلا كنت ساهره ... لله والنوم قد خيطت به المقل
وحال نور نهار كنت صائمه ... إذا الهجير بنار الشمس مشتعل
لا زال مثواك مثوى كل عارفة (١) ... وروضه النضر من سحب الرضى خضل
إلى متى بغرور نطمئن ولا ال ... ملوك رد الردى عنهم ولا الرسل
ولا حمى من حمام جحفل لجب ... ولا حصون منيعات ولا قلل
يا لاهياً لاهياً عن هول مصرعه ... وضاحك السن منه يضحك الأمل
لا تخل نفسك من زاد فإنك من ... وقت الولاد مع الانفاس مرتحل
وما بقاء مديم السير يتبعه ... إلى محل بلاه سائق عجل
стр. 1601
٥٦٩ - (١)
ابن أبي طي
يحيى بن حميد بن ظافر بن النجار بن علي بن عبد الله الحلبي المعروف بابن أبي طي؛ أحد من تعاطى الأدب والفقه على مذهب الإمامية وأصولهم، وصنف في أنواع من العلوم. قال ياقوت (٢) : وقد جعل التصنيف حانوته، ومنه مكسبه وقوته وأكثر تصانيفه قطع فيها الطريق وأخاف السبيل، يأخذ كتابا قد أتعب العلماء فيه خواطرهم فيقدم فيه أو يؤخر أو يزيد قليلا أو يختصر، ويخلق له اسما غريبا وينتحله انتحالا. وقد طول ياقوت ترجمته في " معجم الأدباء ".
ومولده بحلب سن خمس وسبعين وخمسمائة، وتوفي حدود الثلاثين والستمائة، وذكر عنه ياقوت أن والده كان لا يعيش له ولد وأنه لما رزقه حملته جارية وصعدت به السطح ليلة الميلاد، وكانت شديد البرد، فأخذه اضطرام وإفحام وابيضت عيناه جميعاً، ولازمه الرمد إلى أن احتلم فتجلت مما كان فيها من البياض. وكان والده نجاراً مقدما على كل نجار بحلب.
وقرأ يحيى القرآن على والده واشتغل بفقه الإمامية على رشيد الدين المازندراني. ومن تصانيفه: كتاب " البستان في مجلس الغلمان ". كتاب " معادن الذهب في تاريخ حلب ". كتاب " ملح البرهان في تفسير القرآن ". كتاب " غريب القرآن " " تفسير الفاتحة ". " المجالس الأربعين في مناقب الأئمة الطاهرين ".
стр. 1602
كتاب " خلاصة الخلاص في آداب الخواص " عشر مجلدات. كتاب " حوادث الزمان " على حروف المعجم، خمس مجلدات. كتاب " تاريخ العلماء " مجلد. " شفاء الغليل في ذم الصاحب والخليل " مجلد. " شرح نهج البلاغة " ست مجلدات. " تحفة الطائفة الفقهائية في شرح كلماتهم اللغوية ". " التنبيهات في تعبير المنامات. " التنبيهات على صنع النبات ". " الكشف والتبيين في محاسن التضمين ". " العروس في أدب السائس والمسوس ". " مودعة السفيه وموزعة النبيه " في المأخذ على راجح الحلي وسرقاته. " التحقيق في أوصاف الرقيق ". " لروضات البهجات في محاسن القينات ". " اللباب في أسماء الأحباب ". " نسيم الأرواح في ما جاء في التفاح ". " الإيجاز في الألغاز ". " أخبار شعراء الشيعة ". " الاقتصاد في الفرق بين الظاء والضاد ". كتاب " الأضداد ". كتاب " النكت الشاردة والنادرة والفائدة ". " المنتخب في شرح لامية العرب ". " تضوع اللطائم في شرح خطبة فاطمة الزهراء ". " شرح كلام أم سلمة لعائشة ﵄ ". " نهج البيان في عمل شهر رمضان ". " المشكاة في عويص مسائل النحاة ". " أفراد قراءة أبي عمرو ابن العلاء ". " مختصر في اللغة ". " أفراد مسائل ". " الجمع بين زوائد الصحاح وزوائد المجمل ". " ذخر البشر في معرفة القضاء والقدر ". " كتاب في حكمي كلام الأئمة الاثني (١) عشر ". " الحاوي في المعمول عليه من الفتاوي ". كتاب " سر السرائر ". " فقه أحكام النساء في الفقه ". " ذخر البشر في معرفة الأئمة الاثني عشر ". " مجموع مسائل فقه وأصول ". " شرح غريب ألفاظ المقامات ". " شرح الحماسة ". " أخلاق الصوفية ". " عقود الجواهر في سيرة الملك الظاهر ". " كنز الموحدين في سيرة صلاح الدين ". " ذيل التاريخ الكبير الذي سماه معادن الذهب ". " سلك النظام في تاريخ الشام " أربع مجلدات. " مختار تاريخ
стр. 1603
المغرب ". كتاب " تاريخ مصر ". " تهذيب الاستيعاب لابن عبد البر ". " سيرة النبي ﷺ وأصحابه " ثلاث مجلدات. " اشتقاق أسماء البلدان ". " نكت درة الغواص ". " أسماء رواة الشيعة ومصنفيها ". " سيرة ملوك حلب ". " كتاب التصحيف والأحاجي ".
ومن شعره ﵀:
يا أبا جعفر تجاف قليلا ... كم تسامي بمفخر منحوس
أنت من معشر كرام ولكن ... أنت فيهم قوائم الطاووس وقال في مديح آل البيت ﵃:
أنا في إسار غدائر ونواظر ... من كل أبيض ذي قوام ناصر
ريان من مرح الصبا فكأنما ... رويت معاطفه بغيث باكر
خمري ريق لؤلؤي لواحظ ... مسكي صدغ صارمي محاجر
لله ليلتنا بكاظمة وقد ... سمحت به الأيام بعد تهاجر
وقد اضطجعنا والنجوم كأنها ... في الأفق لؤلؤ ثغره في ناظري
والبدر سار في السماء كأنه ... من وجهه باد بنور باهر
والشعريان كأنما أحداقها ... أحداق عاذل حبه المتكاسر
وسهيل الوقاد يخفق دائبا ... خفقان أحشائي عليه وخاطري
والليل يرفل في فضول غلائل ... رقت كشوقي أو كدمعي القاطر
والريح ينشر عرفها بنسيمها ... نشري مديح أخي النبي الطاهر
خير الأنام ومن يذل مهابة ... من بأسه قلب الهزبر الخادر
صنو النبي وصهره ووزيره ... وظهيره في كل يوم تشاجر
стр. 1604
٥٧٠ - (١)
ابن أبي حصينة رضي الدين
يحيى بن سالم القاضي رضي الدين ابن أبي حصينة؛ من شعراء الديار المصرية، كان أحدب وفيه يقول وجيه الدين ابن الذروي، وهو في غاية التهكم بأحدب:
يا أخير كيف غيرتنا (٢) الليالي ... وأحالت ما بيننا بالمحال
حاش لله أن أصافي خلا (٣) ... فيراني في ورده ذا اختلال
زعموا أنني نظمت هجاء ... معربا (٤) فيك عن شنيع مقال
كذبوا إنما وصفت الذي حز ... ت تعالى من الفضل والنهى (٥) والكمال
لا تظنن حدبة الظهر عيبا ... هي في الحسن (٦) من صفات الهلال
وكذاك القسي محدودبات ... وهي أنكى من الظبا والعوالي
ودناني (٧) القضاة وهي كما تع ... لم كانت موصوفة بالجلال
وإذا ما علا السنام ففيه ... لقروم الجمال أي جمال
стр. 1605
وأرى الانحناء في منسر البا ... زي ولم يعد مخلب (١) الرئبال
كون الله حدبة فيك إن شئ ... ت تعالى من الفضل أو من الافضال
فأتت ربوة على طود حلم ... وغدت موجة لبحر نوال
ما رأتها النساء إلا تمنت ... لو غدت حلية لكل الرجال
وأبو الغصن أنت لا شك فيه ... وهو رب القوام والإعتدال
عد إلى ودنا القديم ولا تص؟ ... غ لقيل من الوشاة وقال
وتذكر لياليا حين ولت ... أودعت حسنها عقود لآلي
أترى بالدعاء يرجع شملي ... أم دعائي مضيع وابتهالي
وإذا لم يكن من الهجر بد ... فعسى أن تزورنا (٢) في الخيال ومن شعر ابن أبي حصينة:
تملك قلبي غادر غير عاذر ... فوجدي لديه أول مثل آخر
وجاء بقد عادل فمن الذي ... رأى عادلاً أزرى على كل جائر
نصيري دمعي وهو أول خاذل ... فمن منقذي من ساحر الطرف ساخر
فبت أسير القلب والدمع مطلق ... أردد طرفي بين ساه وساهر
يواصلني دمعي ونومي مهاجري ... فمن واصلي ثب النحول وهاجري
ويكثر لوم الجفن في نوم جفنه ... ولا ذنب للمهجور بل للمهاجر (٣)
ولو زارني طيف قنعت بقربه ... وإن كان من أهواه ليس بزائري
فيا عاذلي دعني فلو أن عاذلي ... حوى بعض ما بي كان للوقت عاذري
رعى الله ليلا زارني بدر تمه ... ولم يلف قبل اليوم في زي زائر
وخاف من الواشين أن يظفروا به ... فأرخى عليه حلقة من ضفائر (٤)
стр. 1606
وظن سواد الليل سترا يجنه ... وما الليل للبدر المنير بساتر وقال أيضا:
أودعوا إذ ودعوني الحرقا ... فنعيم العيش لي عاد شقا
بذلوا الهجر وصانوا وصلهم ... فاصطباري قال لي أن لا بقا
أخذوا نومي وأعطوا مقلتي ... عندما رقوا عليها الأرقا
آه من ألحاظ قوم كلما ... فوقوا سهما لقلبي رشقا
رمقوا جسمي فما أبقوا به ... بعد هجرانهم لي رمقا
وأبوا غلا انتقاما في الهوى ... فقضى الحب على من عشقا
يا عذولا لم تذق أفكاره ... من أليم الوجد لي ما ذوقا
قل لأحباب نأت دارهم ... مات صبري فلكم طول البقا
أظلم الأفق علينا فاطلعوا ... بسماء الود منكم شفقا
فالكرى فارق جفني بعدكم ... بعدما قبلكم ما افترقا وقال أيضا:
كف الملام فليس شأنك شاني ... إن الشجي إلى الخلي لشاني
لو كان يخلص بالملامة مغرم ... ما سلطت مي على غيلان (١)
ولما عدت (٢) أسد الرجال ويدها ... عند اللقاء لواحظ الغزلان
بانت (٣) أمامة والغرام مخيم ... عني وبان (٤) لبينها سلواني
وإذا سطا جيش الغرام على امرىء ... نقل الذي في السر للإعلان
أسكنتها قلبي فبان خرابه ... والقلب يخربه أذى السكان
стр. 1607
تسطو بجفن كل منبت شعرة ... من هدبه محسوبة بسنان
وكأنما أجفانها أن حكمت ... في القلب أجفان لكل يماني
حسنت فهلا أحسنت بوصالها ... والحسن منتسب إلى الإحسان وكانت وفاته بعد الثمانين والخمسمائة، رحمه الله تعالى.
٥٧٠ - (١)
ابن مجبر الاشبيلي
يحيى بن عبد الجليل بن مجبر (٢) ، أبو بكر الفهري المرسي ثم الاشبيلي، شاعر الأندلس في وقته؛ توفي بمراكش ليلة عيد النحر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، رحمه الله تعالى.
ومن شعره:
أتراه يترك الغزلا ... وعليه شب واكتهلا
كلف بالغيد ما علقت (٣) ... نفسه السلوان مذ عقلا
غير راض عن سجية من ... ذاق طعم الحب ثم سلا
أيها اللوام ويحكم ... إن لي عن لومكم شغلا
ثقلت عن لومكم أذن ... لم يجد فيها الهوى ثقلا
تسمع النجوى وإن خفيت ... وهي ليست تسمع العذلا
نظرت عيني لشقوتها ... نظرات وافقت أجلا
стр. 1608
غادة لما مثلت لها ... تركتني في الهوى مثلا
هي بزتني الشباب فقد ... صار في أجفانها كحلا
أبطل الحق الذي بيدي ... سحر عينيها وما بطلا
أعرضت دلا فإذ فطنت ... بولوعي أعرضت خجلا
وبدا لي أنها وجلت ... من هنات تبعث الوجلا
حسبت أني سأحزنها (١) ... إذ رأت رأسي قد اشتعلا
يا سراة الحي مثلكم ... يتلافى الحادث (٢) الجلللا
قد نزلنا في جواركم ... فشكرنا ذلك النزلا
ثم واجهنا ظباءكم ... فلقينا الهول والوهلا
أضمنتم أمن جيرتكم ... ثم ما أمنتم السبلا
وأردتم (٣) غصب أنفسهم (٤) ... فبثثتم بينها المقلا
ليتنا خضنا السيوف ولم ... نلق تلك الأعين النجلا
عارضتنا منكم فئة ... أحدثت في عهدنا دخلا
ثعليات جفونهم ... وهم لم يعرفوا ثعلا
أشرعوا الأعطاف ناعمة ... حين أشرعنا القنا الذبلا
واستفزتنا عيونهم ... فخلعنا البيض والأسلا
ورمتنا بالسهام فلم ... نر إلا الحلي والحللا
نصروا بالحسن فانتبهوا ... كل قلب بالهوى خذلا (٥)
عطلتني الغيد من جلدي ... وأنا حليتها الغزلا (٦)
стр. 1609
حملت نفسي على فتن ... سمتها صبرا فما احتملا
ثم قالت سوف نتركها ... سلبا للحب أو نفلا
قلت أما وهي قد علقت ... بأمير المؤمنين فلا ٥٧١ (١)
أبو الحسين الجزار
يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علي، الشيخ جمال الدين أبو الحسين الجزار الأديب المصري؛ ولد سنة ثلاث وستمائة تقريباً، وتوفي ثامن عشر شوال سنة تسع وسبعين وستمائة بالفالج، وكان بديع المعاني جيد التورية عذب التركيب فصيح الألفاظ حلو النادرة، صاحب مجون وزوايد، يمدح الملوك والكبار، وكان يتزيا بزي الكتاب، عاش مرتزقا بالشعر، وما هجي أحد (٢) من شعراء زمانه ما هجي هو ولا ثلب كما ثلب، وكان يسمى " تعاشير "، وفيه يقول مجاهد الخياط " (٣) :
ما لتعاشير غلا قيمة ... علي قامت في مواعينه
فلا يلمني وليلم نفسه ... إذ هو مذبوح بسكينه
والله ما أغضبها فعله ... إلا لتقطيع مصارينه
стр. 1610
وكان قليل الهجاء متحملا متوددا إلى الناس، حسن التعريض، واحتاج في آخر عمره إلى الاستجداء بغير شعر. وكان كثير التبذير لا تكاد خلته تستد أبدا ولا يغفل طلبه ولكن بأحسن الصور، وكان مسرفا على نفسه.
وله كتاب " فوائد الموائد " وعمل بعض الفضلاء عليه " علائم الولائم ". وجمع قطعة من شعره سماها " تقاطيف الجزار " (١) وهذه تسمية حسنة.
ولم يكن في عصره من يقاربه في جودة النظم غير السراج الوراق، وهو كان فارس تلك الحلبة ومنه أخذوا وعلى نمطه نسجوا ومن مادته استمدوا. وبينه وبين شعراء عصره مجاراة ومباراة أذكر منها شيئاً.
وقيل إنه لما كان صغيرا نظم أبياتا قلائل، وكان أديب ذلك الزمان ابن أبي الإصبع، فأخذه والده وتوجه به إليه وقال: يا سيدي، قد عمل هذا الولد شعرا وأشتهي أن يعرضه عليك، فقال: قل، فلما أنشده قال له: أحسنت والله إنك عوام مليح. فراح هو ووالده. وبعد أيام عمل والده طعاما وحمله إلى ابن أبي الإصبع فقال: لأي شيء فعلت هذا؟ قال: لشكرك لولدي، فقال: أنا ما شكرته، قال: ألم تقل له أحسنت، إنك عوام مليح؟ فقال: ما أردت بذلك إلا أنه خرج من بحر ودخل في بحر، فاستحيا هو ووالده. ثم لم يزل يتهذب حتى فاق أهل عصره وصار من فحول المتأخرين.
وقيل إنه اجتمع هو وأصحابه وأرادوا النزهة، فأخرجوا من بينهم دراهم وأخذوا منها عشرة دراهم وجاءوا إلى جزار في باب زويلة، فوقفوا عليه وقالوا له: أتدري من هذا الواقف عليك؟ قال: لا، قالوا: هذا الشيخ جمال الدين أبو الحسين الجزار أديب الديار المصرية وإمامها، فباس الجزار السكين وقدمها لأبي الحسين وقال: يا سيدي والله ما يدخل يقطع هذا اللحم
стр. 1611
إلا أنت، فلما دخل أبو الحسين شرع قطع لهم الرقبة والعرقوب والمراق والعظام والمطاميط، وأصحابه ساكتون لا يكلمونه حتى فرغ، وأخذوا اللحم وقالوا له: أما الرجل فإنه قد خلاه الذم وعداه اللوم لأنه مكنك من اللحم، وأنت فعلت بنا هذا الفعل؟! فقال: بالله اعذروني، فإني لما رأيت نفسي وأنا خلف القرمية والساطور وبيدي السكين جاءتني لأمة الجزارين، وما قدرت أفعل غير ما رأيتم؛ فضحكوا منه.
ومما هجي به رحمه الله تعالى:
ماذا أقول في فتى ... نشء التيوس والبقر
فعاله ذميمة ... وبيته بيت الزفر ومنه:
تعصب للأديب علي قوم ... وما كانوا أولئك في حسابي
كلاب وهو جزار ولكن ... به قطعت أذناب الكلاب ومنه:
قل لوزير الملك لا تطرح ... أمر امرىء أعيا بك العتب
وازجر عن الجزار نفسا فقد ... تجني به ذنبا ولا ذنب
لا تأمنن ثلب الورى إن يكن ... قربه من بابك الثلب
ولا تجالس طرفا نازلا ... قد طالما جالسه الكلب وفيه يقول قطب الدين عمر الواعظ:
الشاعر الجزار مات ... فبئس ما ضم التراب
قد وافق العقلاء ربهم ... عليه فهم غضاب
ولبخله بالعظم ... ما حزنت لموتته الكلاب وقال فيه مجاهد الخياط:
стр. 1612
مر بنا ينصب أحبولة ... للرزق أو يدفن أفخاخا
وهو إذا سافر مع نحسه ... يحتاج فراشا وطباخا
وواحد أعمى إلى جانبي ... ما زال للتاريخ نساخا
يقول لي يوحك من ذا الفتى ... أراه صياحا وصراخا
فقلت قالوا إنه شاعر ... يأكلها بالشعر أوساخا
هذا هو الجزار قال الذي ... قد كان قبل اليوم مراخا (١)
فقلت هذا في الصبا قال لي ... وهو بتلك " الحال " لو شاخا وقال مجاهد أيضا فيه بليقة:
قد كنت عند الناس بعين ... يا أبو الحسين ... وجبتين ... قالوا غلامك يا حزين ... ناكك على زعمي يقين ... قل المكين؟ ... قالوا الأمين ... فقلت قولوا لي الخبر ... قال زب في شاعر عبر (٢) ... قلت البغا جاه في الكبر ... قال مرتين ... طفيت حماقه وامتليت ...
стр. 1613
تمشي بمنور ما استحيت ... عليك ظلام ولو مشيت ... بالنيرين ... ربيت صغير (١) في المجزرا ... وفي الكبر جيت مسخرا ... فما نقول إنك خرا ... في الحالتين ... على قذار ما احمقوا ... وما أفشروا وما أنزقوا ... ويلاه على من غرقوا ... بجرتين ... وفيه أشياء كثيرة من هذا النمط، رحمه الله تعالى وعفا عنه.
ولما مات رثاه السراج الوراق:
أغايتنا لهذا يا فلان ... تأمل ليس كالخير العيان
أماني النفوس لها خداع ... وليس من المخوف لها أمان
ومن بعد الحراك لها سكون ... وصمت بعدما مزح اللسان
ايا من جد للآمال ركضا ... تأن ففي يد الأجل العنان
تروقك زهرة الدنيا ومنها ... جنى ثمر الردى إنس وجان
وتخدع لامسا (٢) منها بلين ... أيؤمن إذ يميس الأفعوان
بلغت أبا الحسين مدى إليه ... لمستبق ومسبوق رهان
стр. 1614
وكنت وطالما قد كنت أيضا ... تقول عن الأولى سبقوك كانوا
أقول لمن نعاك ولا امتناع ... لأحزاني عليك ولا امتنان
إلا عز القوافي (١) اليوم عن من ... بكته البكر منها والعوان
لها إيطاء حزن بعد حزن ... وإكفاء لدمع لا يصان
وإقواء برفع فوق نعش ... وخفض في اللحود له مكان
وناح النحو بعدك، والمعاني ... لها مع كل نائحة جنان
فلا بدل لخل عنك يرجى ... ولا عطف لمن غدروا وخانوا
ولو نزفت بحور الشعر دمعا ... وكان على الخليل لها ضمان
لما وفته لا وأبيه حقا ... ولو بسلوكها نظم الجمان
كفاها ذوقه التقطيع فيما ... يجوزه ويأباه الوزان
ولجج سالكا في كل بحر ... غنائمه جواهره الحسان
فنالت منه فاصلة (٢) الرزايا ... ودائرة الحمام ولا اعتنان
فيا أسف البديع على بديع ... لكل فنونه منه افتنان
إذا التفت استطال على جرير ... وأخرس من فرزدقه اللسان
فلا تقسا به سحبان يوما ... ولا قسا إذا ذكر البيان
ولو هرم رآه سلا زهيرا ... وكان له عليه ثم شان
جمال الدين أنت جميل ظن ... بربك جل ديانا يدان
وعفو الله أكثر من ذنوب ... لنا وعلى الشفيع لنا الضمان وكتب أبو الحسين إلى السراج الوراق في يوم نوروز:
استعمل العفص بعد الدبغ مقلوبا (٣) ... لتغتدي طالبا طورا ومطلوبا
стр. 1615
واسكر من الراح (١) وافهم ما أشرت له ... فليس يحتاج لا كاسا ولا كوبا
واحمل على القوم واحلم أن هم حملوا ... فأنت ما زلت غلابا ومغلوبا
لك الجوادان فاركب ما تشاء ودع ... ما لا تشاء مع الغلمان مجنوبا
قد أدبتك نواريز مفرقة ... حتى لقد صرت لا تحتاج تأديبا
وطالما استصلح الجزار نحرك في ... يوم الأضاحي ولم يستصلح النيبا
أذكرتنا ازدشيرا (٢) إذ ركبت وإذ ... أصبحت بالتاج تاج الخوص معصوبا
فاستوف غير ضجور بالإمارة ما ... على جبينك " ما " قد كان مكتوبا
والق الآيادي واقبل من هديتها (٣) ... ما كان من قوص أو إخميم مجلوبا
يا شاعرا لم يفته (٤) اليوم راوية ... يروي المجون إذا لم يرو تشبيبا
لو أنه أدرك الشيخ الصريع فتى ... القصار (٥) لم يرو إلا عنك أسلوبا فأجابه الوراق:
قتلت يا شيخنا الأشياء تجريبا ... بأكلك العفص بعد القلب تدريبا
وصار جلدك مدبوغا به عجبا ... وما طهرت ومن (٦) يحصي الأعاجيبا
يا مستلذا بأكل الراح هاك يدي ... وخل من يستلذ الراح مشروبا
ويا صفيا بعين عندنا أبدا ... لولا تكون بعين كنت محجوبا
ركبت أنثى ولم تعتد سوى ذكر ... مالي أراك على المركوب مقلوبا
مخالفا قد تبدلت العنان بذي ... ال يظل فويق (٧) الأرض مسحوبا