إلا أنت، فلما دخل أبو الحسين شرع قطع لهم الرقبة والعرقوب والمراق والعظام والمطاميط، وأصحابه ساكتون لا يكلمونه حتى فرغ، وأخذوا اللحم وقالوا له: أما الرجل فإنه قد خلاه الذم وعداه اللوم لأنه مكنك من اللحم، وأنت فعلت بنا هذا الفعل؟! فقال: بالله اعذروني، فإني لما رأيت نفسي وأنا خلف القرمية والساطور وبيدي السكين جاءتني لأمة الجزارين، وما قدرت أفعل غير ما رأيتم؛ فضحكوا منه.
ومما هجي به رحمه الله تعالى:
ماذا أقول في فتى ... نشء التيوس والبقر
فعاله ذميمة ... وبيته بيت الزفر ومنه:
تعصب للأديب علي قوم ... وما كانوا أولئك في حسابي
كلاب وهو جزار ولكن ... به قطعت أذناب الكلاب ومنه:
قل لوزير الملك لا تطرح ... أمر امرىء أعيا بك العتب
وازجر عن الجزار نفسا فقد ... تجني به ذنبا ولا ذنب
لا تأمنن ثلب الورى إن يكن ... قربه من بابك الثلب
ولا تجالس طرفا نازلا ... قد طالما جالسه الكلب وفيه يقول قطب الدين عمر الواعظ:
الشاعر الجزار مات ... فبئس ما ضم التراب
قد وافق العقلاء ربهم ... عليه فهم غضاب
ولبخله بالعظم ... ما حزنت لموتته الكلاب وقال فيه مجاهد الخياط:
стр. 1612
مر بنا ينصب أحبولة ... للرزق أو يدفن أفخاخا
وهو إذا سافر مع نحسه ... يحتاج فراشا وطباخا
وواحد أعمى إلى جانبي ... ما زال للتاريخ نساخا
يقول لي يوحك من ذا الفتى ... أراه صياحا وصراخا
فقلت قالوا إنه شاعر ... يأكلها بالشعر أوساخا
هذا هو الجزار قال الذي ... قد كان قبل اليوم مراخا (١)
فقلت هذا في الصبا قال لي ... وهو بتلك " الحال " لو شاخا وقال مجاهد أيضا فيه بليقة:
قد كنت عند الناس بعين ... يا أبو الحسين ... وجبتين ... قالوا غلامك يا حزين ... ناكك على زعمي يقين ... قل المكين؟ ... قالوا الأمين ... فقلت قولوا لي الخبر ... قال زب في شاعر عبر (٢) ... قلت البغا جاه في الكبر ... قال مرتين ... طفيت حماقه وامتليت ...
стр. 1613
تمشي بمنور ما استحيت ... عليك ظلام ولو مشيت ... بالنيرين ... ربيت صغير (١) في المجزرا ... وفي الكبر جيت مسخرا ... فما نقول إنك خرا ... في الحالتين ... على قذار ما احمقوا ... وما أفشروا وما أنزقوا ... ويلاه على من غرقوا ... بجرتين ... وفيه أشياء كثيرة من هذا النمط، رحمه الله تعالى وعفا عنه.
ولما مات رثاه السراج الوراق:
أغايتنا لهذا يا فلان ... تأمل ليس كالخير العيان
أماني النفوس لها خداع ... وليس من المخوف لها أمان
ومن بعد الحراك لها سكون ... وصمت بعدما مزح اللسان
ايا من جد للآمال ركضا ... تأن ففي يد الأجل العنان
تروقك زهرة الدنيا ومنها ... جنى ثمر الردى إنس وجان
وتخدع لامسا (٢) منها بلين ... أيؤمن إذ يميس الأفعوان
بلغت أبا الحسين مدى إليه ... لمستبق ومسبوق رهان
стр. 1614
وكنت وطالما قد كنت أيضا ... تقول عن الأولى سبقوك كانوا
أقول لمن نعاك ولا امتناع ... لأحزاني عليك ولا امتنان
إلا عز القوافي (١) اليوم عن من ... بكته البكر منها والعوان
لها إيطاء حزن بعد حزن ... وإكفاء لدمع لا يصان
وإقواء برفع فوق نعش ... وخفض في اللحود له مكان
وناح النحو بعدك، والمعاني ... لها مع كل نائحة جنان
فلا بدل لخل عنك يرجى ... ولا عطف لمن غدروا وخانوا
ولو نزفت بحور الشعر دمعا ... وكان على الخليل لها ضمان
لما وفته لا وأبيه حقا ... ولو بسلوكها نظم الجمان
كفاها ذوقه التقطيع فيما ... يجوزه ويأباه الوزان
ولجج سالكا في كل بحر ... غنائمه جواهره الحسان
فنالت منه فاصلة (٢) الرزايا ... ودائرة الحمام ولا اعتنان
فيا أسف البديع على بديع ... لكل فنونه منه افتنان
إذا التفت استطال على جرير ... وأخرس من فرزدقه اللسان
فلا تقسا به سحبان يوما ... ولا قسا إذا ذكر البيان
ولو هرم رآه سلا زهيرا ... وكان له عليه ثم شان
جمال الدين أنت جميل ظن ... بربك جل ديانا يدان
وعفو الله أكثر من ذنوب ... لنا وعلى الشفيع لنا الضمان وكتب أبو الحسين إلى السراج الوراق في يوم نوروز:
استعمل العفص بعد الدبغ مقلوبا (٣) ... لتغتدي طالبا طورا ومطلوبا
стр. 1615
واسكر من الراح (١) وافهم ما أشرت له ... فليس يحتاج لا كاسا ولا كوبا
واحمل على القوم واحلم أن هم حملوا ... فأنت ما زلت غلابا ومغلوبا
لك الجوادان فاركب ما تشاء ودع ... ما لا تشاء مع الغلمان مجنوبا
قد أدبتك نواريز مفرقة ... حتى لقد صرت لا تحتاج تأديبا
وطالما استصلح الجزار نحرك في ... يوم الأضاحي ولم يستصلح النيبا
أذكرتنا ازدشيرا (٢) إذ ركبت وإذ ... أصبحت بالتاج تاج الخوص معصوبا
فاستوف غير ضجور بالإمارة ما ... على جبينك " ما " قد كان مكتوبا
والق الآيادي واقبل من هديتها (٣) ... ما كان من قوص أو إخميم مجلوبا
يا شاعرا لم يفته (٤) اليوم راوية ... يروي المجون إذا لم يرو تشبيبا
لو أنه أدرك الشيخ الصريع فتى ... القصار (٥) لم يرو إلا عنك أسلوبا فأجابه الوراق:
قتلت يا شيخنا الأشياء تجريبا ... بأكلك العفص بعد القلب تدريبا
وصار جلدك مدبوغا به عجبا ... وما طهرت ومن (٦) يحصي الأعاجيبا
يا مستلذا بأكل الراح هاك يدي ... وخل من يستلذ الراح مشروبا
ويا صفيا بعين عندنا أبدا ... لولا تكون بعين كنت محجوبا
ركبت أنثى ولم تعتد سوى ذكر ... مالي أراك على المركوب مقلوبا
مخالفا قد تبدلت العنان بذي ... ال يظل فويق (٧) الأرض مسحوبا
стр. 1616
وثم ميم وصاد إن قرأتهمما ... قرأت " مص " وكم فسرت مكتوبا
فاجعل لسانك في هذا وذا سببا ... والحش يكفيك إن حاولت مطلوبا
واركب بغرة توت (١) ناشرا علما ... يأتي من الطائف النجدي مجلوبا (٢)
فطالما رفعت ايد (٣) إليك به ... حتى نزلت عن المركوب مكروبا
أبا الحصين (٤) محال أن تروغ وقد ... صوبت ثعلب رمحي اليوم تصويبا
ولست ذئبا فأخشى أن تخاتلني ... لكنما أنت شيء يشبه الذيبا وكان الوراق يوما يسرح ذقته، فقال الجزار:
لا تعجبوا من لباسي ... فكل أمري لبس
والله ما ثم مال ... وإنما ثم تفسو فأجابه الوراق:
صدقت ما ثم مال ... وإنما ثم نحس
وثم أخرى وأخرى ... فيها وعندك حدس وكتب الجزار إلى الوراق:
أيها الفاضل الذي قد حباه ... ذهنه من علومه بكنوز
فقت أهل الآداب جداً وهزلا ... فتميز عنهم بذا التمييز
كم وكم من رسالة لك قد بر ... زت فيها سبقا على التبريزي
أنا والله من رعاياك ما زل ... ت وأنت الأمير في النوروز فأجابه الوراق:
كم إلى كم يطيل مادح مثلي ... بكنى قد خبأتها ورموز
стр. 1617
مانحا مثلها المطرز هيها ... ت له ما لديك من تطريز
رب يوم ركبت فيه أميراً ... وتركت المخيط للمدروز (١)
دخلت منك هيبة لك في قل ... بي ولكن دخولها من طيزي وقال أيضا (٢) :
قطعت شبيبتي وأضعت عمري ... وقد أتعبت في الهذيان فكري
وما لي أجرة فيه ولا لي ... إذا ما تبت (٣) يوما بعض أجر
قرأت النحو تبيانا وفهما ... إلى أن كعت منه وضاق صدري
فما استنبطت منه سوى محال ... يحال به على زيد وعمرو
فكان النصب فيه علي نصبا ... وكان الرفع فيه لغير قدري
وكان الخفض فيه جل حظي ... وكان الجزم فيه لقطع ذكري
وفي علم العروض دخلت جهلا ... وعمت لخفتي في كل بحر
فأذكرني به التفصيل بيتا ... تضمن نصفه الشيخ المعري
مفاعلتن مفاعلتن (٤) فعولن ... " حديث خرافة يا أم عمرو "
وكم يوم ببيع اللحم عندي ... يعد من البوار بألف شهر
ولما أن غدا لا بيع فيه ... مع الميزان أشبه يوم حشر
ودكاني جهنم إذ زبوني ... زبانية بهم تعذيب سري
وفيها زفرة من غير لحم ... وقد وضعت سلاسلها بنحري
وقد طال العذاب علي فيها ... لما قدمت من نحس ووزر
فإن لام العذول أقول دعني ... أنا في ضيعة في وسط عمري
стр. 1618
منها في المديح:
وإن الشعر دون علاه قدرا ... ولا سيما إذا ما كان شعري
كلاما (١) ما قرأت له صحاحا ... ولا نحوا على الشيخ ابن بري
وعيشك لست أدري ما طحاها ... وقد أقررت أني لست أدري
وذا خبري ولو كشفت عني ... لصغره بعظم الجهل خبري
كأني مثل بعض الناس لما ... تعلم آيتين فصار يقري (٢) وقال أيضا (٣) :
ما زلت في الدنيا من الهم ... طول زماني وافر القسم
فالحمد لله الذي حكمه ... قد خر (٤) في أفق السماء نجمي
أصبحت لحاما وفي البيت لا ... أعرف ما رائحة اللحم
جهلته فقرا فكنت الذي ... أضله الله على علم وقال أيضا (٥) :
حسبي حرافا بحرفتي حسبي ... أصبحت فيها معذب القلب
موسخ الثوب والصحيفة من ... طول اكتسابي ذنبا بلا ذنب (٦)
خلا فؤادي ولي فم وسخ ... كأنني في جزارتي كلبي وقال أيضا (٧) :
стр. 1619
لي من الشمس خلعة صفراء ... لا أبالي إذا أتاني الشتاء
ومن الزمهرير إن حدث الغي ... م ثيابي، وطيلساني الهواء
بيتي الأرض والفضاء به سو ... ر الرجل مدار وسقف بيتي السماء
لو تراني في الشمس والبرد قد أن ... سل جسمي لقلت إني هباء
شنع الناس أنني جاهلي ... مانوي وما لهم أهواء
أخذوني بظاهري (١) إذ رأوني ... عبد شمس تسوؤني (٢) الظلماء
آه واحستري لقد ذهب العم ... ر وحظي تأسف وعناء
كلما قلت في غد أدرك السو ... ل أتاني غد بما لا أشاء
لست ممن يخص يوما بشكوا ... هـ لأن الأيام عندي سواء وقال من أبيات (٣) :
فاغنني عن سؤال كل لئيم ... قد علا قدره وإن كان سفله
معشر ما ظفرت منهم عقيب ال ... قصد عند السؤال إلا بخجله
ومتى غبت عنهم عتبوني ... ومتى جئتهم رأوا ذاك ثقله
أنا فيهم عار وماش وغيري ... وهو دوني له ثياب وبغله
لي نصفية تعد من العم ... ر الرجل سنينا غسلتها ألف غسله
لا تسلني عن مشتراها ففيها ... منذ فصلتها نشاء بجمله
كل يوم يحوطا العصر وال ... دق مرارا وما تقر بعمله
فهي تعتل كلما غسلوها ... ويزيل النشاء تلك العله
أين عيشي بها القديم وذاك ال ... رفق (٤) فيها وخطرتي والشمله
حيث لا في أجنابها رقعة ق ... ط ولا في أكمامها قط وصله
стр. 1620
قال لي الناس حين أطنبت فيها ... بس أكثرت خلها وهي (١) بقله وقال وقد بعث له بعض الرؤساء نصفية (٢) :
اشكر مولانا ونصفيتي ... تشكره أكثر من شكري
أراحها جدواه من كل ما ... تشكوه من دق ومن عصر (٣)
كم مرة كادت مع الماء إذ ... يغلسها غسالها تجري
تموت في الماجور لولا النشا ... يبعثها في ساعة النشر
أراحها الدهر وطوبى لمن ... يريحه في آخر العمر وقال وقد منعه البواب من دخوله على بعض الأمراء (٤) :
أمولاي ما من طباعي الخروج ... ولكن تعلمته من خمولي (٥)
وصرت أروم لديك الغنى ... فيخرجني الضرب عند الدخول وقال أيضا (٦) :
أدركوني فبي من البرد هم ... ليس ينسى وفي حشاي التهاب
ألبستني الاطماع وهماً فها جس ... مي عار ولي فرا وثياب
كلما ازرق لون جسمي من البر ... د تخيلت أنه سنجاب وقال أيضاً:
إني لمن معشر سك الدماء لهم ... دأب وسل عنهم إن رمت تصديقي
تزداد بالدم إشراقا عراصهم ... فكل أيامهم أيام تشريق
стр. 1621
وقال أيضا:
قلت لما سكب السا ... قي على الأرض الشرابا
غيرة مني عليه ... ليتني كنت ترابا وقال:
ولم ألق في بيتي دثارا أعده ... لبرد ولا شيء يرد هجيرا
فأنفخ شدقي إن أردت وسادة ... وأفرش ظلي إن أردت حصيرا وقال من أبيات:
يلين إلى أن يجرح الوهم خده ... وتغرق في ماء النعيم غلائله
إذا ما بدا من شعره في ذوائب ... رأيت غزالا لم ترعه حبائله وقال:
وكذبت في نظم مديحي لكم ... والكذب لا ينكر من شاعر
واحتجت أن أذكركم خيفة ... بالخير للوارد والصادر
فأنتم ألجأتموني إلى ... كذبي في الأول والآخر وقال:
لئن قطع الغيث الطريق فبغلتي ... وحاشاك قبقابي وجوختي الدار
وإن قيل لي لا تخش فهي عبورة (١) ... خشيت على علمي بأني جزار وقال من أبيات (٢) :
اسقنيها حتى أقوم ولا أع ... رف سكرا عمامتي من مداسي
فزت بالجهل مثلما فاز بالحل ... م وفعل الصنائع البانياسي
وغدائي المسلوق في كل يوم ... لا من اللحم بل من القلقاس
стр. 1622
وقال أيضا:
أحبابنا ما لليلي بعد فرقتكم ... كأنما هو مخلوق بلا سحر
أنفق أيام عمري في محبتكم ... وقد نأيتم فلا أنتم ولا عمري وقال أيضا:
وكم وكم قد دق أبوابه ... عليه في الليل نسيم الصبا
فقال من؟ قال رسول الشتا ... فقال: لا أهلا ولا مرحبا وقال من قصيدة:
وكم قابلت تركيا بمدحي ... فكاد لما أحاول منه يحنق
ويلطمني إذا ما قلت: " ألطن " ... ويرمقني إذا ما قلت " برمق "
وتسقط حرمتي أبدا لديه ... فلو أني عطشت لقل " بشمق " وقال أيضا:
زمن الغضا في القلب بعدك لوعة ... تذكى بنار الشوق لا نار الغضا
ما كانت اللذات فيك ولا الهوى ... إلا كبرق في الدجنة أومضا
وإذا صبوت لدارسات رسومه ... قال المعيد لدرسها: هذا مضى وقال يمدح فخر القضاة نصر الله ابن بصاقة من أبيات (١) :
وكم ليلة قد بتها معسرا ولي ... بزخرف آمالي كنوز من اليسر
أقول لقلبي كلما اشتقت للغنى ... إذا جاء نصر الله تبت يد الفقر
وإن جئته بالمدح يلقاك بالندى ... فكم مرة قد قابل النظم بالنثر
ويهتز للجدوى إذا ما مدحته ... كما اهتز - حاشا وصفه - شارب الخمر وكتب إلى رجل اصطنعه وهو يؤذيه من أبيات:
стр. 1623
طالما كنت قبلها تحفظ الخب ... ز ولكن بالبخل في الصندوق
ليت شعري ماذا تقول إذا " ما " ... رمت شتمي، قل لي بأي طريق
علم الله ما مضيت رسولا ... قط من عند إبنتي لعشيق
لا ولا بت في مكان طفيلي ... اً كغيري في طاعة وفسوق
لا ولا جئت بالرجال إلى بي ... تي وكاسرت عنهم في السوق وقال أيضا:
ما بال قوادي وعلقي ... قد غلقا أبواب رزقي
وتعاهدا وتعاقدا ... وتحالفا أيمان صدق
إن تتركاني تائباً ... من فاقتي عن كل فسق
وتخلياني مثلة ... للناس في غرب وشرق
قد صرت صوفياً لفق ... ري منهما والجلد دلقي
وعمامتي رأسي وجم ... جمتي الثرى والكبر خلقي
فأنا النذير لمن غدا ... متعرضا يوما لعشق
كم ليلة ضيعت في ... ها حرمتي وأضعت ورقي
وصفعت حين سكرت من ... كاس بها المحبوب يسقي
وإذا سكرت فإنني ... مستهلك مالي وعتقي وقال (١) :
يا مالك القلب رفقا إن نارك في ... أضالع الصب لا تبقي ولا تذر
فضحت غصن النقا لينا فراح إذا ... ما ماس قدك بالأوراق يستتر
ما أنكر الطرف أن الشعر من دجا ... وإنما غر من وجهك القمر
إني لأعجب من جفن تدير به ... على نداماك (٢) خمرا (٣) وهو منكسر
стр. 1624
وقال أيضا:
لبست بيتي وقد زررت أبوابي ... علي حتى غسلت اليوم أثوابي
وقد أزال الشتا ما كان من حمقي ... دعني فمستوقد الحمام أولى بي
أنام في الزبل كي يدفا به جسدي ... ما بين جمر به ما بين أصحابي
أو فوق قدر هريس بت أحرسها ... مع الكلاب على دكان غلاب
ما كنت أعرف ما ضرب المقارع أو ... قاسيت وقع الندى من فوق أجنابي
وما تراقصت الأعضاء في جسدي ... إلا وقد صفقت بالبرد أنيابي وقال في زوجة أبيه وكانت طرشاء:
تزوج الشيخ أبي شيخة ... ليس لها عقل ولا ذهن
لو برزت صورتها في الدجى ... ما جسرت تبصرها الجن
كأنها في فرشها رمة ... وشعرها من حولها قطن
وقائل قل لي ما سنها ... فقلت ما في فمها سن وقال فيها وقد مات أبوه:
أذابت كلى الشيخ تلك العجوز ... وأردته أنفاسها المرديه
وقد كان أوصى لها بالصداق ... فما في مصيبته تعزيه
لأني ما خلت أن القتيل ... يوصي لقاتله بالديه وأهدى إلى الصاحب كمال الدين ابن العديم سجادة خضراء، وكتب معها: المملوكة سجادة أبي الحسين الجزار:
أيها الصاحب الأجل كمال الد ... ين لا زلت ملجأ للغريب
كن مجيري لأنني قد تغرب ... ت لكوني وقعت عند الأديب
أنا سجادة سئمت من الط ... يب فهب لي نشرا فنشرك طيبي
طال شوقي إلى السجود وكم لي ... من شروق في بيته وغروب
стр. 1625
وإذا ما أتاه ضيف أراني ... منه عند الصلاة وجه مريب
لم يرقه اخضرار لونه وهيها ... ت، وما راعه اسوداد الذنوب
فأقل عثرتي ووفر بإحسا ... نك من وجه الكريم نصيبي
واجبر اليوم كسر قلبي فلا زل ... ت مدى الدهر جابرا للقلوب إن حسن في الآراء الالية الصاحبية الكمالية أسعدها الله تعالى أن ينصب محرابي إلى القبلة بعد رفعه، ويخفض عيشي بالتسبيح والتقديس بعد جزمه وقطعه، ويجعلني مؤهلة بين يديه لصالح الأعمال، ويؤمنني العث الذي يعتري الصوف لعدم الاستعمال، فعل، جاريا على عوائد اصطناعه، سالكا سبل أخرقه وطباعه، والسلام.
وقال أيضا:
إذا كنت تعلم ما في الصدور ... وتعلم خائنة الأعين
وتعلم صحة فقري إليك ... فإني عن شرح حالي غني
أسيء فتحسن لي دائما ... وهل للمسيء سوى المحسن
وحقك مالي من قدرة ... على كشف ضرر إذا مسني
فلا تلزمني بغير الدعاء ... فذلك ما ليس بالممكن ٥٧٢ (١)
أبو زكريا يحيى صاحب إفريقية
يحيى بن عبد الواحد بن الشيخ أبي حفص عمر الهنتاني، الأمير أبو زكريا
стр. 1626
صاحب إفريقية وتونس؛ كان أبوه نائبا لآل عبد المؤمن على إفريقية، فلما توفي والده تغلب على إفريقية وتونس وامتدت أيامه، واشتغل عنه بنو عبد المؤمن بأنفسهم؛ وتوفي سنة سبع وأربعين وستمائة، وأصله من برابر مصمودة.
وكان يباشر الأمور بنفسه ولا يركن إلى أحد، وكان كثيرا ما يتستر بالليل ويخرج الأموال ويقصد مواضع الفقراء والأيتام، وعم جميع المستحقين بالعطاء، وكان الفقراء يدعون له بكل مكان؛ وفي كل يوم يجلس في مجلس مخصوص وتحضر الأمراء والجند والوافدون، ولا يأنف أن يتكلم في جليل الأمور وحقيرها، ثم يطعم الناس، فإذا حضر وزير الأموال انقلب إلى مكان آخر مع من يشرفه بالحضور من الفضلاء من فقيه وأديب ومنجم وطبيب، فإذا فرغ من هؤلاء دخل إلى داره واستراح لي أذان العصر، فيخرج إلى موضع آخر غير الموضعين الأولين يتفقد فيه الأمور الخاصة بقصره، فإذا أذن المغرب دخل إلى ما هنأه به الله من اللذات. ولم يقطع صلاة الجمعة في الجامع ولا يخل بها، ويجلس يوم السبت في القبة العظمى وحوله أقاربه وشيوخ دولته على مراتبهم، وتقرأ عليه المظالم بحضرة القاضي وغيره، ويجزم الحكم ويفصله، وله في ذلك أخبار ظريفة:
ورفع إليه طائفة من الشعراء قصائد فوقع عليها بما رآه، وكان منهم شاعر يعرف بابن المحظية، وكان في قصيدته خطأ فوقع: يعطى أن قصيدته كذا وكذا، فاستحسن البلغاء هذا منه.
وكان مرة أصابه ألم في عينيه، فدخل إليه خواصه وفيهم شخص يلقب بالخرا، فقال له وقد كلمه: يا مولانا أبصرتني؟ فقال: لا بل شممتك.
ومات بالرعاف وهو نازل بعسكره على بونة آخر مدن إفريقية
стр. 1627
`﵀. ومن شعره في الجوز:
تفضل بطعم له ملبس ... صلابة وجه لئيم حكى
إذا بز عن جسمه ثوبه ... أتاك كما يمضغ المصطكى وقال يصف الرمح من قصيدة، وهو معنى غريب:
وأسمر غر شيب النقع رأسه ... ألا إنما بعد القشيب مشيب
مددت به كفي إليهم كأنه ... رشاء ومن قلب الكمي قليب وقال (١) :
أمالكتي قلب الكئيب تعطفا ... بساكنتي ربع الضلوع ترحما
على هائم أعياه حمل غرامه ... وأعقبه فرط الغرام تألما
فلم يبق فيه البين إلا تنفسا ... ولم يبق فيه الشوق إلا توهما ٥٧٣ (٢)
رشيد الدين العطار
يحيى بن علي بن عبد الله بن علي بن مفرج بن أبي الفتوح، الإمام الحافظ المحدث رشيد الدين أبو الحسن القرشي الأموي النابلسي المصري المالكي العطار؛ ولد سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وتوفي سنة اثنتين وستين وستمائة.
روى الكثير وأفاد وانتخب، وكان ثقة ثبتا عارفا بفن الحديث، مليح الخط حسن التخريج، انتهت إليه رياسة الحديث بالديار المصرية (٣) ،
стр. 1628
ووقف جملة كتبه. روى عنه الدمياطي واليونيني وقاضي القضاة نجم الدين ابن صصرى وخلق كثير.
وقال السراج الوراق يرثيه:
دمعي على الشيخ الرشيد مرسل ... وحزن قلبي أبدا مسلسل
بكى دما جفني القريح بعده ... لو بالجريح يفتدى المعلل
أين إمام في الحديث مثله ... تضرب آباطا إليه الإبل
ذاد عن السنة كل مفتر ... به جلي الداجي وحل المشكل
وكان في علم الرجال أوحدا ... بحيث قال العلم: هذا الرجل
أتقنهم معرفة بقول ذا ... مستعمل وقول ذاك مهمل
ومن سوى العطار يدري سرهم ... والناس منهم حطب ومندل
يا جامع ابن العاص قد أوحشت من ... جارك واستوحش صف أول
عهدي بصدر لك منه حاليا ... قد عاد وهو بعده معطل
لله ما ضم التراب من حجى ... يطيش رضوى عنده ويذبل
ومن عفاف وتقى وكيف لا ... والعلم أس لهما والعمل
إن ضجيعي لحده لسنة ال ... هادي الشفيع والكتاب المنزل
لمثل ذا فليعمل القوم إذا ... راموا العلا لمثل ذا فليعملوا
سقاك يا يحيى حيا مرتجز ... تحدو قطاريه صبا وشمأل ٥٧٤ (١)
أبو جعفر العلوي
يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي، أبو جعفر العلوي
стр. 1629
البصري؛ كان يتولى النقابة على الطالبين بها. كان أعرف أهل زمانه بأنساب العباسيين والقرشيين وأنساب العرب وأيامها وأشعارها؛ قدم بغداد مرات وأقام بها طويلا، ومدح الإمام الناصر، وقرأ الناس عليه شعره ومن كتب الأدب والأنساب.
وكان مليح المجالسة حسن الأخلاق متواضعا شريف النفس دينا، ولم يرو شيئا من الحديث، وكانت به زمانة لا يستطيع أن يقوم على رجليه. توفي ببغداد في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة (١) وستمائة، ومولده سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بالبصرة، ومن شعره:
آليت أني لا أطيع عذولي ... وإن اشتملت على جوى وغليل
وأرى السلو عن الحبيب وإن جفا ... وأطال في الأعراض غير جميل
شرع الهوى دارست فيه عصابة ... أخذوا براي كثير وجميل
يا برق حي على العقيق محلة ... حالت وعهد الشوق غير محيل
شقت عليها المعصرات جيوبها ... وبكت بدمع لا يجف همول
وكأنما وجدت بها لما عفت ... وجدي فأعولت الرعود عويلي
لم يبق منها غير أشعث دارس ... مثل على طول الزمان نحيل
ورماد أعشار إذا شبهته ... فلقد أصبت بإثمد منخول
فوددت من ولهي به وصبابتي ... لو بت منه بناظر مكحول
لا عهدها عندي وإن بعد المدى ... عاف ولا شكري لها بقليل
فإنها نعم الخليفة أحمد ال ... أسد المخوف العارض المأمول وقال أيضا:
تشرين أقبل جامعا أزهاره ... في نصر شوال ليطلب ثاره
من شهر نسك لا يزال يمتنا ... جوعا ويمنعنا التقى إفطاره
стр. 1630
أهدى لنا تشرين زهر رياضه ... كرما وفتح وسطها أزهاره
وأباحنا، والله يجعل عمره ... عمر الزمان، شميمه وثماره
وسرى على أيلول وهو مصمم ... والجو ملتهب فأطفأ ناره
فصل تشابه فجره وعشاؤه ... وحكت صدور نهاره أسحاره
وعلى السماء قباء غيم أدكن ... سرت الشمال فحللت أزراره
وتراه ينثر من ذيول قبائه ... درا (١) أطال على الرياض نثاره
فاستجلها حمراء من يد أبيض ... بالمسك خط له الشباب عذاره
ممن يرى دين المسيح مهفهف ... كالغصن يشبه خصره زناره
فالراح أخت الروح إن مزجت بها ... وقضى الكريم فقد قضى أمطاره ٥٧٥ (٢)
الصرصري
يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن المعمر بن عبد السلام، جمال الدين الشيخ العلامة الزاهد الضرير، أبو زكريا الصرصري البغدادي الحنبلي اللغوي الأديب الناظم، صاحب المدائح النبوية السارة في الآفاق، لا أعلم شاعرا أكثر من مدائح النبي ﷺ أشعر منه، وشعره طبقة عالية. وكان فصيحا بليغا، شعره يدخل في ثمان مجلدات، وكله جيد (٣) ؛
стр. 1631
وله قصائد التزم في كل حرف منها طاء، وأخرى في كل كلمة منها ضاد، وأخرى في كل كلمة زاي، وأخرى في كل بيت حروف المعجم، وهذا دليل القدرة والاطلاع والتمكن.
ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وتوفي شهيدا في واقعة بغداد سنة ست وخمسين وستمائة، رحمه الله تعالى.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: حكى لنا شيخنا ابن الدباهي، وكان خال أمه، قال: دخل عليه التتار وكان ضريرا فطعن بعكازه بطن واحد فقتله ثم قتل شهيدا.
فمن شعره يمدح سيدنا رسول الله ﷺ :
أوجهك أم ضوء الصباح تبلجا ... أم البدر في برج الكمال جلا الدجى
أم الشمس يوم الصحو في برج سعدها ... وفرعك أم ليل المحب إذا سجا
وبرق سرى أم نور ثغرك باسما ... ونشرك أم مسك ذكي تأرجا
أتتك جنود الحسن طوعا بأسرها ... فصرت مليكا في الجمال متوجا
فأضحت أبيات القلوب أسرة ... لديك فلم يملكن عنك معرجا
فطوبى لعبد أنت سيده لقد ... سما بين أرباب البصائر والحجى
فهل تجلب الأحلام لي منك نظرة ... فتكشف بعض الهم عني وتفرجا
فقد نال مني منع طيفك مثلما ... شجاني من البيت المطوح ما شجا
حثثنا إليك العيس حتى تبوأت ... لديك مقيلا ناضر (١) الروض مبهجا
فما كان أدنى قربنا من بعادنا ... وأقرب أفراح الفؤاد من الشجى
فلله قلبي يوم زمت ركابنا ... وفارقت ظلا من جنابك سجسجا
رجوت بقرب الدار أن أطفىء الأسى ... فما زاد وقد الشوق إلا تأججا
فهل للركاب القود نحوك مرجع ... يجبن بنا وعرا ويطوين مدرجا
стр. 1632
يحثحثها الحادي العجول مهجرا ... إليك ويطوي شقة البيد مدلجا
يخوض بها آل الضحى فكأنما ... يخوض بها البحر الخضم ملججا
إذا ما تعالت في الهواجر في السرى ... تخال نعاماً في السباسب هدجا
عليها رجال تشتكي ألم الجوى ... كما تشتكي في سيرها ألم الوجى
لهم حنة عند الصباح وحنة ... إليك إذا ما الليل غيهبه دجا
يؤمون ربعا أفيح الجو زاهراً ... أضاء بوجه منك أزهر أبلجا
حمى بك عنا كل مظلمة محا ... وكل رجا منه ثمال لمن رجا
رحيب الذرى غض القطاف لمن جنى ... إذا ما نحاه من جنى عائذا (١) نجا
إذا لجأ (٢) العافي إليه مؤملاً ... جلا ضر معتر إلى بابه لجا
إليك رسول الله أهدي مدائحي ... فتكسب من رياك نشرا مؤرجا
وتلبسها أوصافك الزهر حلة ال ... بهاء وروضا من حلاك مدبجا
أسوت بما بينت داء قلوبنا ... كما كنت تأسو قبل أوسا وخزرجا
وكنت نبيا قبل آدم مرتجى ... لتفتح باباً للهداية مرتجا
فجئت ورسم الرشد بالغي منهج ... فأوضحت فيه للبرية منهجا
وشيدت أعلام الرشاد مجددا ... وكنت كميا في الجهاد مدججا
وثقفت سهم الدين حتى أقمته ... وقد كان ملوي المغامز أعوجا
فصبح وجه الحق أبلج ظاهرا ... بنورك والبطلان أزور مخدجا
وأدخلك الرحمن بالصدق مدخلا ... خرجنا به من دارة الشرك مخرجا
فيا خير من زم النياق لحجة ... وألجم خيلا للجهاد وأسرجا
ومن إن أحاط الكرب بالناس كلهم ... فعاذوا به ألفوه عنهم مفرجا
وإن صلي النار العصاة غدا غدا ... لأمته من هوة النار مخرجا
أجرني فقد أصبحت في زمن له ... عرام لأهل الحلم أصبح مزعجا
стр. 1633
وقد أبلت السبعون برد شبيبتي ... فأضحى بتكرار الأهلة منهجا
وعندي حاجات بها الله عالم ... أبيت بها من كارث الهم محرجا
ولست أرى خلا معينا أبثه ... شجوني فما أزداد إلا توهجا
وما لي في يومي غيرك مسعد ... إذا القلب للخطب الفظيع (١) تلجلجا
لأنك عند الله أنجح شافع ... لدفع الملمات الشدائد ترتجى
عليك سلام الله ما أظلم الدجى ... وما فلق الصبح المنير تبلجا
وعم به أصحبك الزهر ما سرى ... إلى ربعك السامي مشوق وأدلجا وقال أيضا يمدح سيدنا رسول الله ﷺ :
ذكر العقيق فهاجه تذكاره ... صب عن الأحباب شط مزاره
وهفت إلى سلع نوازع قلبه ... فتضرمت بين الجوانح ناره
كلف برامة ما تألق بارق ... من نحوها إلا بدا إضماره
يشتاق واديها ولولا حبها ... لم يصبه واد زهت أزهاره
شغفا بمن ملك الفؤاد بأسره ... وبوده أن لا يفك إساره
لولا هواه لما ثنى أعطافه ... بان الحجاز ورنده وعراره
يا من ثوى بين الجوانح والحشا ... مني وإن بعدت علي دياره
عطفا على قلب بحبك هائم ... إن لم تصله تصدعت أعشاره
وارحم كئيبا فيك يقضي نحبه ... أسفا علي وما انقتض أوطاره
لا يستفيق من الغرام وكلما ... حجبوك عنه تهتكت أستاره
ما اعتاض عن سمر الحمى ظلا ولا ... طابت بغير حديثكم أسماره
هل عائد زمن تضوع نشره ... أرجا ورقت بالرضى أسحاره
في مربع بقباب سلع مونق ... بالأنس تهتف بالمنى أطياره
فاق البسيطة عزة ومهابة ... فسما وعز من البرية جاره
стр. 1634
يحمي النزيل وكيف لا يحمي وقد ... حفت بجاه المصطفى أقطاره
أضحى ثرى عرصاته إذ حلها ... يشفي من الداء العضال غباره
سبحان من جمع المحاسن كلها ... فيه فتم بهاؤه وفخاره
جبلت على التشريف طينته فما ... نشأت على غير العلى أطواره
وصفت خلائقه وطهر صدره ... فزكا وطاب أديمه ونجاره
حملته آمنة الحصان فلم تجد ... ثقلا إلى أن حان منه بداره
ورأت قصور الشام حين تشعشعت ... أنواره وتباشرت حضاره
وضعته مختونا وأهوى ساجدا ... وكساه حسنا باهرا مختاره
لا بالطويل ولا القصير وإن مشى ... بين الطوال سمتهم أنواره
وإذا تكلل بالجمان جبينه ... عرقا لأمر عظمت أسراره
فلريحه أذكى وأطيب مخبرا ... من ريح مسك فضه عطاره
فالشمس بعد الصحو مشرقة السنا ... والبدر في فلك الكمال مداره
متقلدا بالسيف ليس مباليا ... بمن التقى عزت به أنصاره
حلل السكينة والثبات لباسه ... والبر والإخلاص فيه شعاره
وضميره التقوى وأوتي حكمة ... فازداد منها عقله ووقاره
والصدق منه والوفاء طبيعة ... والعفو والصفح الجميل دثاره
وشريعة الإسلام ملته وبال ... حق المبين إلى الورى إظهاره
ختم النبوة فهو درة تاجها ... وطراز حلتها الثمني عباره
أبقى بسنته طريقا واضحا ... رحبا سواء ليله ونهاره
فخرت به خير القبائل هاشم ... وحوى به المجد الأثيل نزاره
زهرت نجوم السعد في بدر به ... وتبلجت يوم الرضى أقماره
وشموسه في فتح مكة أشرقت ... فانجاب عن وجه العلاء قتاره
سعدت به أولاده ونساؤه ... وصحابه وزكت به أصهاره
стр. 1635
وسمت به غلمانه وإماؤه ... وجواده وبعيره وحماره
وحوى الفخار سريره وفراشه ... وخيامه وقبابه وجداره
وتضوعت أردان بردته به ... طيبا وطاب رداؤه وإزاره
شهد الكتاب الموسوي بفضله ... وتحققته وأيقنت أخباره
هو شاهد متول ومبشر ... هو منذر متيقن إنذاره
أضحى لأميين حرزا مانعا ... وضعت به عن وقته آصاره
بالشام دولته ومكة ربه ال ... حرمات مولده وطيبة داره
عجبا لذي لب رآه وكيف لم ... ينبت عنه لوقته زناره
يا من جلا قتر الضلال ومن إذا ... ما أمه العافي انجلى إقتاره
يا من تساوى في المكارم والندى ... كلتا يديه: يمينه ويساره
أنت الملي بكشف ضر مخلف ... ذي عسرة بندى يديك يساره
جعل الثناء على علاك شعاره ... فحلت به وتعطرت أشعاره
يرجو النجاة بفضل جاهك في غد ... في موقف يخشى التوى أبراره وقال يمدح النبي ﷺ أيضا:
بين العقيق وبين سلع مربع ... للقلب فيه وللنوظر مرتع
عطر الثرى أرج كأن لطيمة ... من مسك دارين به تتضوع
بدر السعادة كامل بسمائه ... وببرجه شمس الحقائق تطلع
حلو الجنى عذب الموارد عنده ... من كل شرب معنوي منبع
يا منزلا فيه لأرباب الهوى ... مرأى يروق من الجمال ومسمع
ما بال وردك ماؤه يشفي الصدى ... وأنا المحب وغلتي لا تنقع
لي فيك عهد هوى قديم ليس لل ... عذال في الاقلاع عنه مطمع
لك أن تزيد على المدى يا جنتي ... عزاً ولي أني أذل واخضع
لولا اذكارك لم يهز معاطفي ... برق على شعب الأبارق يلمع
стр. 1636
ولما أرقت (١) وهاج شوقي في الضحى ... ورقاء في فنن الأراكة تسجع
وكذاك لولا سر قصدك لم أكن ... ألتاع إن ذكر الغوير ولعلع
ويعرض الحادي بجرعاء الحمى ... والسفح من وادي الأراك فأجزع
كلفي ببانات العقيق وإنما ... وجه اشتياقي بالحجاز مبرقع
عجبا لجسم بالعراق مخلف ... وفؤاده مغرى بطيبة مولع
ولكيف لا تجف الأضالع نحوها ... شوقا وتذرف في هواها الأدمع
وبها رسول الله خير مؤمل ... تخدي الركاب إلى حماه وتوضع
أزكى البرية عنصرا وأعزهم ... بيتا وأولى بالفخار وأجمع
وأمد كفا بالندى وأتمهم ... حلما وأصدق في المقل وأسرع
وأشدهم بأسا إذا التظت الوغى ... والسمهرية بالأسنة تشرع
جمعت له غر المناقب فهي كال ... عقد النظيم لديه لا تتوزع
هو صفوة ارحم وهو حبيبه ... وله المقامات التي لا تدفع
حلاه من أنواره وكساه من ... أسنى المواهب حلة لا تنزع
وجلاه في ملكوته وأباحه ... ما كان يطلبه سواه فيمنع
يا خير من برأ المهيمن وارتضى ... لبلاغ حجته التي لا تقطع
أشكو إليك وأنت تعلم فتنة ... كادت لها الصم الصلاب تصدع
فبمن أعزك واصطفاك فأجزل ال ... نعمى عليك فحوض فضلك مترع
سل جبر أمتك الكسيرة إنه ... لم يبق في قوس التجلد منزع
محقت طغاة الترك أطراف القرى ... فالمال نهب والمنازل بلقع
واشفع إلى الرحمن في غفران ما ... هذي عقوبته فأنت مشفع وقال من قصيدة:
والمستهام عن المودة لم يحل ... حاشا لذراه من النسيان
لو قيل ما تهوى لقال مبادراً ... أهوى زيارتكم على أجفاني
стр. 1637
ويهزه طرب إذا ذكر الحمى ... هز الشمول شمائل النشوان
تالله إن سمح الزمان بقربكم ... وحللت منكم بالمحل الداني
لأقبلن لأجلكم ذاك الثرى ... وأعفر الخدين بالصوان
يا خير من وخدت إليه نجيبة ... من كل مرمى نازح الأحضان
يطوي إليك بها السباسب ساهم ... بيد السمائم منهج الدرسان
يهفو إذا ذر العقيق فؤاده ... ويبيت من سلع على أشجان
شوقاً إلى عرصات حضرتك التي ... نسمت بنشرك أطيب النسمان
فيها لحزن سلوة ولخائف ... أمن وللطلاب نيل أماني
اشكوا إليك تخلفي عن رفقة ... كانوا على الطاعات من أعواني
رحلوا وصدتني الموانع عنهم ... فنكرت قلبي بعدهم وزماني
أصبحت في وقت كثير هرجه ... متدارك الآفات والافتان
يمسي الفتى فيه يروم زيادة ... ترضى فيصبح وهو في نقصان
فبمن كسا عطفيك أحسن حلة ... ليست على ملك ولا إنسان
سل في ربك أن يوفق باطني ... لرضاه في سري وفي إعلاني
قل رب صل يحيى بن يوسف ال ... مقطوع عنك أضيعف العبدان
فلأنت أكرم شافع علقت به ... لمروع يوم النجاة يدان وقال أيضا:
أقل عثرتي واعف يا حسن العفو ... عن العمد من مسطور ذنبي والهفو
وصف من الأكدار قلبي واهدني ... من البر والتقوى إلى المورد الصفو
فكم لي من سوء اجتراح نسيته ... وأحصاه محروس الحفاظ من السهو
شقيت به أيام أمرح في الصبا ... وأسحب أذيال البطالة والزهو
فيا ملكا زان السماء بأنجم ... على الفلك الأعلى طفت أحسن الطفو
وسخر ما بين السماء وأرضه ... سحائب يخفو برقها أحسن الخفو
стр. 1638
وأبقى على شمس النهار ضياءها ... وخص بنقص آية الليل بالمحو
ولما دحا الأرض اقتدارا وحكمة ... على الماء أرسى الشم في أثر الدحو
وأحيا بفضل ميت الأرض بالحيا ... وزينها من بعد ذل بالصحو
أغثني بتوفيق ينور باطني ... وينحو إلى الخيرات بي أحسن النحو
فإني مقر أنك الله ربنا ... تعاليت عن شرك الطغاة أولي العدو
برأت جميع الكائنات بقدرة ... على غير أمثال تضاهى ولا حذو
تميت وتحيي والمقادير كلها ... بأمرك في مر الصروف وفي الحلو
وأعددت جنات النعيم لأهلها ... لترحمهم والنار أعددت للسطو
وأرسلت بالحق المبين محمدا ... أجل الورى من حاضرين ومن بدو
وشرفت فضلا آله وصحابه ... فبعدا لقلب من محبتهم خلو
فلا تحزني يوم الحساب ونجني ... بفضلك من نار تلظى بلا خبو وقال أيضا:
يوم أراك به فلست أصومه ... فالعيد (١) عندي ثابت تحريمه
ودجى أماط لنا ثياب ظلامه ... بصباح وصل منك كيف أقومه
لكن أرى فضلا علي معينا ... نظري إليك مع الزمان أديمه
حتى أروي من جمالك غلتي ... وتزول أثقال الهوى وهمومه
فبنور وجهك ينجلي عني صدا ... قلبي ويحيا باللقاء رميمه
من لي بوصلك إن وصلك جنتي ... ودوام هجرك للفؤاد جحيمه
عالجت فيك من الغرام أمره ... وصبرت حتى قيل: ليسر يرومه
وكتمت حتى غال حبك مهجتي ... واشتد شيئا في الهوى مكتومه
وسترت حتى نم دمعي بالهى ... وأبر دمع العاشقين نمومه
فاعطف على قلب ملكت زمامه ... أنت الشقاء له وأنت نعيمه
стр. 1639
لولاك لم يطل العقيق ... ولما شجاني بالغوير نسيمه
ولرب خل قال لي وبدا له ... ما ليس يجهل في الهوى معلومه
ما لي أراك إلى الأبارق طامحا ... أبدا سنا برق فأنت تشيمه
وأرى شمائلك اعتراها نشوة ... أسباك من نفس العرار شميمه
فأجبته إني لصب شيق ... بخفي وجد والغرام غريمه
وله قديم لا دواء لدائه ... وأرى الهوى يعي الرجال قديمه
ومبكر يطوي جلابيب الفلا ... عجلا (١) غدا لا يستقر رسيمه
يهوي به في كل خرق مهمه ... فكأنه في جانبيه ظليمه (٢)
يمسي ومعتل النسيم مدامه ... والنجم في أفق السماء نديمه
ناديته إن رمت نورا مشرقا ... تهديك إن حال الدليل نجومه
ومقيل أمن واسعا رحبا فلذ ... بجناب من نفق الضلال علومه
ماحي الضلال الشاهد المتوكل ال ... ضحاك أسنا من تغث كلومه
كنز الفضائل منزل التقوى الذي ... هو في المعاد إمامه وزعيمه
جمعت له غرر النهى وتجددت ... بهداه للدين الحنيف رسومه
وثوى بتربة أرضه لما ثوى ... فيها الفخار خصوصه وعمومه
باب الهدى حصن النجاة محمد ... طابت مناسبه وطاب أديمه
يا من لآدم بان سابق فضله ... وسما به في الحشر إبراهيمه
يا من له الحوض الروي وشفاعة ... ينجو بها دنس الإهاب أثيمه
ولتك من رب السماء صلاته ... وأتاك منه على المدى تسلميه
من يستجير بفضل جاهك لائذا ... فمن الذي في العالمين يضيمه
فأجير مروعا من خطوب كيدها ... يعيا به في ذا الزمان حليمه وقال أيضا رحمه الله تعالى:
стр. 1640
لي بين سلع والعقيق عهود ... يبلى الزمان وذكرهن جديد
أيام أرفل في جلابيب الصبا ... وعلي من خلع الوصال برود
في مربع رحب الجوانب للرضا ... والروح فيه طائرا غريد
حرم به روض المعاني ناضر (١) ... لذوي القلوب وظله ممدود
كل الليالي للمحب بجوه ... ليل التمام وكل يوم عيد
إن امرءا يمسي ويصبح عاكفا ... بجنابه العطر الثرى لسعيد
لولاه لم يعذب بخرق مسامعي ... ذكر العذيب ولم ترقه زرود
تدنيه بالآمال أحلام الكرى ... مني وإن مزاره لبعيد
وأظل بالأشواق أطوي نحوه ... ما ليس تقطعه الركاب القود
واها لأوقات صفت فكأنها ... في جيد أيام الزمان عقود
سلفت لنا بين القبب فهل لها ... كزماننا (٢) الماضي علي معيد
شوقي إلى من حلها شوق إذا ... نقص الوداد على البعاد يزيد
إن مت من شغفي بها وصبابتي ... فقتيل أسياف الغرام شهيد
كيف اللقاء ودون من أحببته ... وعر الحجاز ومن تهامة بيد
سقيا لربع نازح دان حوى ... شرفا على الآباد ليس يبيد
أقمار أفلاك المال منيرة ... بسمائه ونجومهن سعود
برباه روض المجد ليس مصوحا (٣) ... لمن اغتدى للمكرمات يرود
غيث المواهب والندى يهيم على ... أفنان غض نباته ويجود
جمعت له بمحمد غرر النهى ... وبه استقر النصر والتأييد
طود الفضائل فيه رأس راسخ ال ... أركان والشم الرعان تميد
فيه الجلالة والمهابة والهدى ... والبر والتقوى وفيه الجود
стр. 1641
وعليه ألوية السنا معقودة ... حتى يلوح لواؤه المعقود
وحياض ينته هني وردها ... حتى يهيا حوضه المورود
نعم الرسول بنروه الشرك انجلى ... عنا وصح لنا به التوحيد
هو شاهد متوكل ولوصفه ... بين الكرام أولى النهى مشهود
يا خير من وخد العذافر نحوه ... وسعت إليه من الفجاج وفود
يا من به أضحت قبائل هاشم ... لأسود أبطال الرجال تسود
لا زلت مخصوصا بكل تحية ... منا عليها للقبول شهود
يأتي بها ملك كريم مبلغ ... ما لا يطيق له البلاغ بريد وقال أيضا:
رعى الله بالبطحاء أيامنا التي ... بدت كوميض البرق ثم تولت
وحيا قبابا بين سلع إلى قبا ... لعزتها يحلو خضوعي وذلتي
نعمت بها لكن كأحلام نائم ... كأن لم تزرها العيس حتى استقلت
فلا ما مضى فيها من العيش عائد ... ولا النفس عنها بالبعاد تسلت
فهل لي إلى تلك المعاهد عودة ... ولو دونها بيض الصوارم سلت
فألثم إجلالا ثراها وأجتلي ... شموسي في أرجائها وأهلتي (١)
سق الله ذات الظل من دارة الحمى ... حيا نهلت منه ثراه وعلت
وسحت على أعلام سلع مرنة ... غمائم بالنوء الروي استهلت
فتلك لعمر الله دار أحبتي ... وسكانها نحو الرشاد أدلتي
ألا ليت شعري هل أزور قبابها ... فتحمد فيها العيس شدتي ورحلتي
ألا ليت شعري هل أزور متعرضاً ... لمن نظم مدحي فيه تاجي وحليتي
ألا يا رسول الله أنت وسيلتي ... إلى الله إن ضاقت بما رمت حيلتي
وأنت إذا ما حرت نوري وحجتي ... وأنت إلى التقوى إمامي وقبلتي
стр. 1642
وأنت نبيي باتباعك أهتدي ... وملتك الزهراء ديني وملتي
وأنت نصيري في خطوب تابعت ... علي وذخري عند فقري وعيلتي
وأنت الذي أرجوه يوم نشورنا ... يروي الصدى مني وينقع غلتي
فلا تخلني من حسن عطفك واسأل ال ... مهيمن رب العرش في سد خلتي
وكن لي في ذا اليوم ثمت في غد ... شفيعا إلى الرحمن في محو زلتي
لئن (١) نور الرحمن قلبي بذكره ... غنيت بذاك النور عن نور مقلتي وقال رحمه الله تعالى:
خط الربيع بأقلام التباشير ... رسالة كتبت بالنور والنور
حيا البقاع الحيا فاهتز هامدها ... لما أتتها يد البشرى بمنشور
وانشقت الأرض عن مكنون ما خبأت ... كأنما باكرتها نفخة الصور
وزينت بحلي النبت وادرعت ... ملابس الفخر من وشي الأزاهير
والطل في عبقري الروض منتشر ... كلؤلؤ من عقود الغيد منثور
والبان قد ماس من نفح الصبا طربا ... كأن أغصانه أعطاف مخمور
والورق تهتف في الأوراق شاكرة ... إحسان مبتدىء بالفضل مشكور
وقد فهمنا لهذا الفصل ترجمة ... إن المهيمن يحي كل مقبور
يا طيب فصل الربيع المونق العطر ال ... أرجاء لو كان لا يدهى بتغيير
يبيت فينا قليلاً ثم يتركنا ... كزورة الطيف وافت ربع مهجور
أو عيشنا بالحمى في حسن رونقه ... ووشك بين على الأحباب مقدور
هل الركاب إلى البطحاء عائدة ... يحثها كل رحب الباع شمير
تمسي وتصبح في البيداء هاجرة ... طيب الكرى عند إسحار وتبكير
حتى تحل على علاتها بحمى ... داني الظلال بروح الأمن معمور
فتجتلي البشر من ذات الستور به ... وتجتني تمر (٢) حجر غير محجور
стр. 1643
هناك لا حجر في تقبيلنا حجراً ... يربي على المسك في لون وتعطير منها:
يا سيدي يا رسول الله يا أملي ... في موبقات تصاريف المقادير
جمعت ما في الكرام الزهر مفترق ... وزدت فضلاً عظيماً غير محصور
فأنت سيد أهل الفضل أجمع في ... أصل وفرع وتقديم وتأخير
بلغت من شرف المعراج مرتبة ... توفر القرب فيها أي توفير
ويوم حشر الورى أنت الشفيع به ... تنجي من النار نفس الهالك البور
والفضل بعدك لم يدركه ذو طلب ... في صحبك النجب الشوش المغاوير وقال أيضاً:
شواهد قلب الصب لا تقبل الرشا ... فكيف قبول النصح من كاشح وشى
أيأمر خلو بالتصبر مغرما ... وآنس ربع الحب أصبح موحشا
أما في الهوى العذري عذر لشيق ... إذا لاح برق من تهامة أجهشا
ويهتز من وجد إذا نفس الصبا ... سحيراً بأعطاف الخزامى (١) تحرشا
متى يرد الماء النمير محلأ ... فينقع من ورد الصفا غلة الحشا
وينهل من ماء بطيبة حائم ... يروي فؤاداً نحوها متعطشا
سقى حرمي أرض الحجاز حيا روى ... ليحيي ميت الحرتين وينعشا
أتى ونبات الأرض بالجدب خامل ... فدر له كاس الغمائم (٢) فانتشا
فأضحت أزاهير الرياض كأنها ... مطارف وشي زانها صنع من وشى
إذا هيمنت فيها النسيم تظنها ... تحبر في الغدران خطاً مرقشا
فثم لعمر الله أشرف دارة ... إلى نارها طرف لمستوقد عشا
إذا أمها ركب وددت بأنني ... جعلت له خدي على الأرض مفرشا
стр. 1644
أعظم أخفافا كرائم ترتمي ... إلى الفاتح الختام أكرم من مشى
محمد المبعوث بالحق والذي ... لموسى وعيسى في الكتابين أدهشا
وحاز من الرهبان سلمان وصفه ... فطاف عليه في البلاد وفتشا
وفاز بما أبدى بحيرا وخاب من ... بظلم على كتمان أوصافه ارتشى
فبورك حملا واستوى الخير مرضعا ... وباء بأنواع الكرامة مذ نشا
ولاحت أمارات النبوة عنده ... لذي نظر ما شاب أوصافه العشا
تبشبش وجه الأرض مذ حلها كما ... بطلعته وجه السماء تبشبشا
حباه بما يعلو من الوصف ربه ... وعلمه من أشرف العلم ما يشا
وجاء بحق مستبين نفى به ... زخارف إفك كان في الناس قد فشا
وجاهد حتى شاد بالسيف رافعا ... من الدين ما أوهى الضلال وشوشا
حوى الحسن والإحسان والحلم والتقى ... فلم يك صخابا (١) ولا متفحشا
ولا عباساً فظاً غليظاً فلم يلم ... حبوشاً على زفن ولا عاب أنجشا (٢)
حيي جواد زاهد متوكل ... فما اعتد فضلاً من غداء إلى عشا
شجاع إذا ما الحرب مدت رواقها ... وأسبل فيها النقع ليلا فأغطشا
لا كربها حتى تبين أنه ... لدى الباس منهم كان أقوى وأبطشا
له القمر انشق امتثالا لأمره ... وحيته جهراً ظبية فارقت رشا
شفاعته للناس عن طول حبسهم ... كما من لظى ينجي بها من تمحشا (٣)
وفي الحشر يسقي الناس من حوضه الروي ... إذا كان كرب الحشر للناس معطشا
وإني لأرجوه إذا اغتالني الردى ... وبؤئت في البيداء قبراً منبشا
وفي الموقف الصعب الشديد الذي به ... تخال الجبال الصم عهنا منفشا
стр. 1645
يعطر شعري ذكره فكأنما ... لشعري بالكافور والمسك قد حشا وقال أيضاً وهي من المجانسات الأواخر:
سقى الله ارض الحمى وابلاً ... إذا حل في جوها أمرعا
فصم لنا بين أكنافه ... حبيب أأهملنا أم رعى
وحيا بساحة وادي العقيق ... جناباً خصيب الربى أوسعا
نعمنا به زمنا لم نبل ... بمن هم كيدا بنا أو سعى
فلله سر به مودع ... كساه الجلالة من أودعا
هناك المآرب مقضية ... لمن رامها صامتا أو دعا
فهل لي إلى ربعه عودة ... أجوب الفلا أجرعا أجرعا
فأجرع من مائه نهلة ... رواء ومن لي أن أجرعا
مواطن تجبر قلب الكسير ... وترفع ذا خفية أوضعا
فطوبى لمن نص في قصدها ... الركائب أو نحوها أوضعا وقال أيضا:
فيا رب قد عودت وجهي صيانة ... وأهلي غنى والقلب منك تعففا
فزدني وأهلي من صنيعك نعمة ... تدوم وصني واكف يا خير من كفى
وصلني ولا تقطع بلطف ورحمة ... فلست أبالي إن وصلت بمن جفا وقال رحمه الله تعالى يذكره سيرة نفسه:
سلكت طريق الفقر ظنا بأنني ... أضاهي جنيداً أو أناسب معروفا
وكنت أديبا قبل ذلك شاعرا ... أروق الورى نظماً ونثراً وتأليفا
فهمت أعارض الخليل بن أحمد ... وبرزت في نحوي قياسا وتصريفا
وباحثت في الفقه الأئمة برهة ... وأتقنت في القرآن همزا وتخفيفا
وطارحت في علم الحساب فنلته ... وبينت في الألفاظ همزا وتصحيفا
فصرت نديما لا تمل مجالسي ... حبيبا إلى أعيان عصري مألوفا
стр. 1646
إلى أن أملت بي من الفضل نفحة ... فأصبحت عن كل الشواغل مصروفا
وفارقت إخوان الصفا متجنبا ... وثقفت نفسي في الرياضة تثقيفا
ودمت على حسن العبادة عاكفا ... وأصبح حسن الظن حولي معكوفا
فأورثني عزا لدى الناس عفتي ... فصرت بأفواه المحبة مرشوفا
فلما أبت إلا النكاح خواطري ... تجشمت أمرا غادر الدمع مذروفا
ولم ار بدا من معاشرة الورى ... فعاشرت قوما لا يغيثون ملهوفا
فأبغضني من كان منهم يحبني ... وأوسعني لوما شديدا وتعنيفا
وأعرض عن ودي حميم وصاحب ... وارجف في (١) الحاسدون الأراجيفا
كأني قد أظهرت للناس بدعة ... وأحدثت للدين الحنيفي تحريفا
على أنني لم أبد للناس صفحتي ... وما زلت في ثوب الصيانة ملفوفا
فما صح لي فقر وما صح لي غنى ... بل ازددت في علم التقلب تعريفا
وعدت أجيل الفكر فيمن أعده ... يكون به ما بي من الضيم (٢) مكشوفا
فلم أر لي كالصالحين وسيلة ... ألذ الورى عرفا وأطيب معروفا
رجال إذا ما طبق الأرض حادث ... رموه بصدق العزم فانجاب مكسوفا
أتتهم عليات الأمور مطيعة ... وأضحى بهم قلب المكارم مشغوفا
هم القوم لا يشقى الجليس لديهم ... ولم يعدموا العافين بشرا وتضييفا
هم العروة الوثقى وهم أنجم الهدى ... بهم يحفظ الله المهامه والسيفا
أعزاء محروس الجناب فناؤهم ... تخطف من ناواهم الذل تخطيفا
إذا ظهروا للدهر أورق عوده ... وأصبح مجني المحاسن مقطوفا
وإن هجروا المأنوس أصبح مقفرا ... وإن نزلوا بالقفر تحسبه ريفا
إذا وجدوا في الوقت كانوا طرازه ... وقد طرزوا من قبل ذاك التصانيفا
صفاتهم أسنى من الشمس في الضحى ... وأحسن من در المراسيل مصفوفا
стр. 1647
وقال رحمه الله تعالى يعاتب نفسه:
يا قسوة القلب مالي حيلة فيك ... ملكت قلبي فأضحى شر مملوك
حجبت عني إفادات الخشوع فلا ... يشفيك ذكر ولا وعظ يداويك
وما تماديك من كسب الذنوب ول ... كن الذنوب أراها من تماديك
لكن تماديك من كسب نشأت به ... طعام سوء على ضعفي يقويك
وأنت يا نفس مأوى كل معضلة ... وكل داء بقلبي من عواديك
أنت الطليعة للشيطان في جسدي ... فليس يدخل غلا من نواحيك
لما فسحت بتوفير الحظوظ له ... أضحى مع الدم يجري في مجاريك
واليته بقبول الزور منك فلن ... يوالي الله إلا من يعاديك
ما زلت في أسره تهوين موثقة ... حتى تلفت فأعياني تلافيك
يا نفس توبي إلى الرحمن مخلصة ... ثم استقيمي على عزم ينجيبك
واستدركي فارط الأوقات واجتهدي ... عساك بالصدق أن تحمي مساويك
واسعي إلى البر والتقوى مسارعة ... فربما شكرت يوما مساعيك
حب التكاثر في الدنيا وزينتها ... هي التي عن طلاب الخير تلهيك
لا تكثري الحرص في تطلابها فلكم ... دم لها بسيوف الحرص مسفوك
بل اقنعي بكفاف الرزق راضية ... فكل ما جاز ما يكفيك يطغيك
ثم اذكري غصص الموت الفظيع يهن ... عليك أكدار دنيا لا تصافيك
وظلمة القبر لا تنسي ووحشته ... عند انفرادك عن خل يوازيك
والصالحات ليوم الفاقة ادخري ... في موقف ليس فيه من يواسك
وأحسني الظن بالرحمن مخلصة ... فحسن ظنك بالرحمن يكفيك وقال رحمه الله تعالى وقد عاتبه بعض إخوانه على انقطاعه عن زيارته:
سكوني في بيتي لقلي راحة ... وستر من الله العظيم لحالي
أكف عن الإخوان شرة عثرتي ... وأسلم من قيل وكثرة قال
стр. 1648
وأحيا عزيزا لا أرى متعرضا ... ورزقي يأتيني بغير سؤال
وإن أنا زرت الناس فالناس فيهم ... نصيح ومذاق وآخر قالي
وإن أنا أكثرت المقام فربما ... رماني إخوان الصفا بملال
وقلبي كالمرآة إن صنته انجلى ... وإلا فبالأنفاس محو صقالي وقال رحمه الله تعالى:
أنا المدنف الجاني وجهل ألجاني ... إليكم فألفاني مكبا (١) على الفاني
فهل يا عظيم الشان لي منك عطفة ... فتصلح لي شاني وإن رغم الشاني وقال أيضا:
ما بين بعدك والتداني ... يا منيتي يفنى زماني
أحيا بقربك تارة ... ويميتني بعد المغاني
ما دام لي منك النعي ... م ولا الضنا مني بفاني
أطمعتني حتى إذا ... ملك الهوى طوعا عناني
أبديت لي منك القلى ... أنى وقد غلقت (٢) رهاني
بجمال طلعت التي ... أنوارها تحيي جناني
ومجال أمواه الحيا ... ة على جبينك كالجمان
وبلؤلؤ الثغر الذي ... يفتر عن برق يماني
نعم علي بنظرة ... فيها الشفاء لما أعاني
ما لي بأثقال الهوى ... إن غبت عن عيني يدان وقال ﵀ وهي من المجانسات الأواخر:
أئمة أهل الحب ما القول في فتى ... يرى حكم من يهواه من حكمه أولى
ويرضى بما يقضيه سراً وجهرة ... فهل واجب في شرعكم هجره أو لا
стр. 1649
في من عن المحبوب ليس بصابر ... نهاراً فهل يقوى على بعده حولا
فهل شافع بالوصل منه فلا قوى ... لقلبي بطول الصدر منه ولا حولا
أعبر عن أنوار طلع وجهه ... ببرق سرى من نحو كاظمة ليلا
وأكني بهند عن هواه ولم أشم ... وميضا ولا أحببت هندا ولا ليلى وقال رحمه الله تعالى:
ذهب الشباب وخانني جلدي ... وتمشت الأسقام في جسدي
ورمتني الستون من عمري ... فأصاب رشق سهامها كبدي
أودى الحمام بمن أحب من ال ... غر الحسان ففت في عضدي
وبقيت مسلوب القرين بلا ... عدد أسر به ولا عدد
لله ما وارى الثرى وحوى ... من والد بر ومن ولد
ومن ابن أم مشفق حدب ... وخليل صدق غير ذي فند
كم عاينت عيناي من رجل ... علم لمرتفد ومرتشد
شمس إذا ما المشكلات دجت ... غيث ووجه العام غير ندي
كانوا الهداة لأهل وقتهم ... سلكا بهم في أوضح الجدد
ومضوا وقد خلفت بعدهم ... فرداً أعالج لوعة الكمد
يا رب فاختم لي بخاتمه ال ... حسنى وخذ في شدتي بيدي وقال في بحر الذوبيت:
يا سامري الدجى بذات السمر ... هل عندكما لناشد من خبر
كم يسأل بالحمى ومن يخبره ... عن سر هوى يخفى على ذي نظر
من علم ذا الحمام شدو الشجن ... من هز من الغرام عطف الغصن
من أي صبابة حنين البدن ... ما ذلك إلا لهوى مستتر
يا طالب برء الدنف المشتاق ... هل عندك للديغ من درياق
стр. 1650
تا لله لقد أعجز رقي الراقي ... من يسحر لبه نسيم السحر
لله فتى مزق ثوب السلوى ... ثم ادرع الصبر لحمل البلوى
ما أظهر من شدة وجد شكوى ... قد باع لذاذة الكرى بالسهر
ما هز البرق سيفه أو ضحكا ... إلا وتذر الحمى ثم بكى
يقفو أثر الغرام أنى سلكا ... إما المأمول أو ذهاب العمر
قد لجج في بحر الهوى واقتحما ... واختار على الصحة فيه السقما
يرضى بقضاء الحب فيما حكما ... إن جار عليه الحب أو لم يجر
يا أعظم منيتي وأقصى أملي ... يا أشهر أدوائي وأخفى عللي
فيك اتسع الخرق وضاقت حيلي ... فاجبر بالوصل ما وهي من عمري
لا فزت مع الجمع بوادي جمع ... بالقصد وخانني وفي الدمع
إن لذ سوى حديثكم في سمعي ... أو راق مال غيركم في بصري
قد كف هوام لساني ويدي ... كم أخضع للعدا وأنتم عددي
أنتم أصل القرح الذي في كبدي ... والبرء بأيديكم (١) وكشف الضرر (٢)
أنتم لغزي في كل " ما " أكنيه ... أنتم سر في باطني أخفيه
أنتم معنى المعنى الذي أبديه ... أنتم قصدي أشرت أو لم أشر
لم آت إلى الموسم كي أذكركم ... كالغائب، بل أردت أن أنظركم
ما أصنع بالحج إذا لم أركم ... أنتم حجي وأنتم معتمري
ما قصدي في منى وفي دوحتها ... إلا أرج يفوح في ساحتها
تالله لقد شممت من نفحتها ... من نشركم ريا نسيم عطر