← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ومن كتبه؟ قلت: شعر الزنج، قال: فخجل، ثم استهدانيه فقلت (١) : لا تستهده فإنه لك عمل ومن أجلك حضر، ثم أخذت في رياضته على الحضور مع شعر الزنج للفكاهة، فوجدته شديد النفور منه والبغض فيه، فتركته وعدلت إلى أبيه وقلت له: هل أنا عندك متهم في ولدك؟ فقال: حاش لله ولا في أهلي، فحكيت له خبر شعر الزنج مع ولده من أوله إلى آخره، وقلت له: إن هذا الأمر إن تمادى ظهر حاله واشتهر ولدك وصار أحدوثة للخاص والعام، وأنا أرى أن اجتماعه به في منزلي بمحضر من أهله سواك مما يكف لسانه ويستر أمره، فقال: افعل ما تراه مصلحة فأنت ممن لا يتهم، قال: فعرفت شعر الزنج بما جرى وقلت له: إذا كانت ليلة كذا وكذا فاحضر وادخل بلا استئذان كأنا لم نشعر بك، واجلس إلى أن نومىء إليك بالقيام، ثم دعوت الغلام وإخوته في الليلة المحدودة، واجتمعنا في مجلس أنس وشربنا، فلم نشعر إلا وشعر الزنج داخل علينا، فلما رآه الغلام خجل واستوحش وهم بالخروج فمنعناه، وكان بحضرتنا تفاح كثير أحمر والفتى يكثر شمه والعبث به والتنقل منه في أثناء شربه، فجعل شعر الزنج يتأمل الغلام ثم قال: يا قمراً في سعد أبراجه ... وبيت أحزاني وأتراحي ويا قضيباً ماثلاً مائلاً ... أكثر في حبي له اللاحي أبصرته في مجلسٍ ساعةً ... والليل في حلة أمساح في فتيةٍ كلهم سيّدٌ ... صالت عليهم سطوة الراح يعضّ تفاحاً (٢) بتفّاحةٍ ... ويشرب الراح على الراح فخجل الغلام واحمر، فقال شعر الزنج عدة مقاطيع والغلام يزداد خجلاً وتوريداً، فقلنا لشعر الزنج: يكفيك قد أخجلت الفتى، فأومأنا إليه بالقيام على

стр. 282

الوفق الذي كان بيننا، فوثب وهو يبكي، وانصرف وقد انهار الليل، فلم نزل في ذكره بقية ليلتنا إلى الصباح، رحمه الله تعالى وعفا عنه. ٩٨ - (١) المقتدر بالله جعفر بن محمد، أبو الفضل المقتدر بالله أمير المؤمنين ابن المعتضد ابن العباس ابن أبي أحمد طلحة بن المتوكل؛ بويع بعد أخيه المكتفي بالله سنة خمس وتسعين ومائتين، وعمره ثلاث (٢) عشرة سنة، ولم يل (٣) أمر الأمة قبله أصغر منه، ولهذا انخرم النظام في أيامه، وجرت تلك العظائم، وخلع في أول خلافته، وبويع عبد الله بن المعتز، فلم يتم الأمر، وقتل ابن المعتز وأعيد المقتدر إلى الخلافة، ثم خلع في سنة سبع عشرة (٤) ، وكتب خطه لهم بالخلع نفسه، وبايعوا أخاه القاهر بالله محمداً، ثم أعيد بعد ثلاثة أيام وجددت له البيعة. وكان ربعة جميل الوجه أبيض مشرباً بحمرة، قد عاجله الشيب بعارضيه، وكان له يوم قتل ثمان وثلاثون سنة. قال المحسن التنوخي: كان جيد العقل صحيح الذهن، ولكنه كان مؤثراً للشهوات؛ لقد سمعت أبا الحسن علي بن عيسى يقول: ما هو إلا أن يترك هذا

стр. 283

الرجل يعني المقتدر خمسة أيام، وكان ربما يكون في أصالة الرأي كالمأمون والمعتضد. رماه بربري بحربة فقتله في شوال سنة عشرين وثلثمائة، وكانت قتلته في الموكب، رماه البربري غلام بليق، وولي الخلافة من أولاده ثلاثة: الراضي والمقتفي والمطيع؛ وكذلك المتوكل (١) قتل وولي من أولاده ثلاثة: المستنصر والمعتز والمعتمد؛ والرشيد ولي من أولاده ثلاثة: الأمين والمأمون والمعتصم؛ وأما عبد الملك بن مروان فولي من أولاده أربعة: الوليد ويزيد وهشام وسليمان؛ والملك العادل ولي من أولاده أربعة: الكامل والأشرف والمعظم والصالح إسماعيل. قلت: والملك الناصر بن قلاون ولي من أولاده: المنصور أبو بكر والأشرف كجك والناصر أحمد والصالح إسماعيل والكامل شعبان والمظفر حاجي والناصر حسن. ٩٩ - (٢) جعفر العلوي جعفر بن أحمد العلوي، الأديب المصري؛ قال شهاب الدين القوصي في معجمه أنشدني الشريف جعفر المذكور لنفسه في مهندس مليح الصورة: وذي هيئة يزهى بحسن وصنعة ... أموت به في كل يوم وأبعث محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأنّ به إقليدساً يتحدث فعارضه خطّ استواء وخاله ... به نقطة والصدغ شكل مثلث

стр. 284

وأعاد هذه الأبيات النفيس القطرسي (١) . قال القوصي: وأنشدني لنفسه في مليح مغني بيده طار: غنّى بطارٍ طار قلبي له ... بأنملٍ كالأنجم الخمس كأنّه والطار في كفّه ... بدر الدجى يعلب بالشمس قال وأنشدني لنفسه: وافيت نحوكم لأرفع مبتدا ... شعري وأنصب خفض عيش أخضرا حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي ... أو تصرفوا من غير شيءٍ جعفرا قال: وأنشدني لنفسه في طفاءة القناديل: طفاءةٌ تنفث في ... وسط القناديل الهبا لأنّها نعامة ... تلقط منها لهبا توفي بعد الستمائة، رحمه الله تعالى. ١٠٠ - (٢) أبو الفضل الدمشقي جعفر بن عبيد الله أبو الفضل الأنصاري الدمشقي؛ كتب عنه ببغداد أبو البركات هبة الله بن المبارك السقطي وأبو الوفا أحمد بن الحسين، وتوفي سنة تسع

стр. 285

وتسعين وأربعمائة، ومولده سنة أربع وعشرين وأربعمائة. من شعره: شربت على زهر البنفسج قهوةً ... بجنح الدياجي وهي في الكاس مقباس توهّمتها في الكاس وهماً (١) فخلتها ... لرقّتها نوراً (٢) يلوح به الكاس وقبّلتها أحسو لذيذ شرابها ... فقلت فمي المشكاة والراح نبراس ومنه: لله يوم سرورٍ قد نعمت به ... فيه على الراح والريحان معتكف والكاس كالبدر في ليل الكسوف إذن ... قد انجلى بعضه والبعض منكشف ١٠١ (٣) قمر الدولة ابن دواس جعفر بن علي بن دواس، أبو طاهر الكتامي المعروف بقمر الدولة، من أهل مصر؛ نشأ بطرابلس الشام، وكان شاعراً رشيق الألفاظ عذب الإيراد لطيف المعاني، وله في الغنا وضرب العود طريقة حسنة بديعة. قدم بغداد وأقام بها مدة في خدمة قسيم الدولة البرسقي، وكان نديماً له، وتوفي بعد الخمسمائة. من شعره: إن صار مولاي ذا يسار ... فإنّني ذلك المقلّ

стр. 286

كالشمس إن زيدت ارتفاعاً ... يقصر فيءٌ لها وظلّ وقال: لما رأيت المشيب في الشّعر الأس ... ود قد لاح صحت واحزني هذا وحقّ الإله أحسبه ... أول خيطٍ سدّي من الكفن وقال: أنا ممّن إذا أتى ... صاحب البيت للكرا تتجافى جنوبهم ... كلّ وقتٍ عن الكرى وقال: لا يظنّ العدوّ أنّ انحنائي ... كبراً عند ما عدمت شبابي ضاع منّي أعزّ ما كان منّي ... فأنا ناظرٌ (١) له في التراب أرشق من هذا قول القائل: وعهدي بالصبا زمناً وقدي ... حكى ألف ابن مقلة في الكتاب فقد أصبحت منحنياً كأني ... أفتش في التراب على شبابي ومن شعر قمر الدولة: تعجبت درّ من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي فطلوع البدر في السدف وزادها عجباً أن رحت في سمل ... وما درت درّ أن الدر في الصدف وله: قلت لمن نادمني ليلةً ... عند التداني نحّ قمصانك فامتثل المرسوم من وقته ... فقلت عند الصبح قم صانك

стр. 287

١٠٢ - (١) جعفر بن قدامة جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب؛ ذكره الخطيب فقال: هو أحد مشايخ الكتاب وعلمائهم، وكان وافر الأدب حسن المعرفة، وله مصنفات في الكتابة وغيرها؛ حدث على أبي العيناء وحماد بن إسحاق الموصلي والمبرد وغيرهم، وروى عنه أبو الفرج الأصفهاني. قال ياقوت (٢) : قرأت في كتابي المحاضرات لأبي حيان قال: قلت للعروضي: أراك منخرطاً في سلك ابن (٣) قدامة ومنصباً إليه ومتوفراً عليه، وكيف يتفق بينكما وتأتلفان ولا تختلفان؟ فقال: اعلم أن الزمان وقت الاعتدال، والرجل كما تعرفه في غاية البرد والغثاثة، وأنا كما تعرفني وتثبتي (٤) ، فاعتدلنا إلى أن يغير الزمان، ثم نفترق ونختلف ولا نتفق، ثم أنشأ يقول: وصاحب أصبح من برده ... كالماء في كانون أو في شباط ندمانه من ضيق أخلاقه ... كأنهم في مثل سمّ الخياط نادمته يوماً فألفيته ... متصل الصمت قليل النشاط حتى لقد أوهمني أنّه ... بعض التماثيل التي في البساط ومن شعره: تسمع متّ قبلك بعض قولي ... ولا تتسلّلن (٥) مني لواذا

стр. 288

نعم (١) أسقمت بالهجران جسمي ... ومتّ بغصتي، فيكون ماذا؟ وكانت وفاة ابن قدامة في سنة ثمان وثلثمائة (٢) ، رحمه الله تعالى. ١٠٣ - (٣) المتوكل العباسي جعفر بن محمد، المتوكل على الله بن المعتصم بن الرشيد؛ بويع له بالخلافة بعد موت أخيه هارون الواثق، وذلك في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وقتل سنة سبع وأربعين ومائتين. وكان أسمر مليح العينين نحيف الجسم خفيف العارضين إلى القصر أقرب، وأمه أم ولد اسمها شجاع، ولما استخلف أظهر السنة وتكلم بها في مجلسه وكتب إلى الآفاق برفع المحنة وإظهار السنة وبسط أهلها ونصرهم. وقال إبراهيم بن محمد التيمي قاضي البصرة: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق ﵁ قاتل أهل الردة حتى استجابوا، وعمر بن عبد العزيز رد مظالم بني أمية، والمتوكل محا البدع وأظهر السنة. وقال محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب: إني جعلت دعائي في المشاهد

стр. 289

كلها للمتوكل، وذلك أن عمر بن العزيز جاء الله به لرد (١) المظالم، وجاء بالمتوكل لرد الدين. وقال يزيد المهلبي، قال المتوكل يوماً: يا مهلبي، إن الخلفاء كانت تغضب على الرعية لتطيعها، وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني. يقال إنه سلم عليه بالخلافة ثمانية كل منهم ابن خليفة: منصور بن المهدي، والعباس بن الهادي، وأبو أحمد بن الرشيد، وعبد الله بن الأمين، وموسى ابن المأمون، وأحمد بن المعتصم، ومحمد بن الواثق، وابنه المستنصر بن المتوكل. وكان جواداً ممدحاً، يقال ما أعطى خليفة ما أعطى المتوكل. وبايع بولاية العهد لولده المستنصر، ثم أراد عزله وتولية أخيه المعتز لمحبته لأمه، وكان يتهدده ويشتمه ويحط منزلته لأنه سألته النزول فأبى، واتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل لأنه صادر وصيفاً وبغا فاتفقوا مع المستنصر على قتل أبيه، فدخلوا عليه في مجلس لهوه وقتلوه. رآه بعضهم في النوم فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بقليل من السنة أحييتها؛ ورؤي أيضاً كأنه بين يدي الله تعالى، فقيل له: ما تصنع ها هنا؟ قال: أنتظر محمداً ابني أخاصمه إلى الله الحكيم الكريم العليم. وقيل كان له أربعة آلاف سرية وطىء الجميع. ودخل دمشق، وعزم على المقام بها لأنها أعجبته، ونقل دواوين الملك إليها وأمر بالبناء بها، فغلت عليه الأسعار وحال الثلج بين السابلة والميرة، فأقام بها شهرين وأياماً (٢) ثم رحل إلى سامرا، وكان قد بني بأرض داريا قصر عظيم، ووقعت من قلبه بالموافقة. وكان المتوكل قد أمر في سنة ست وثلاثين ومائتين بهدم قبر الحسين ﵁، وهدم ما حوله من الدور، وأن يعمل مزارع ويحرث، ومنع الناس من

стр. 290

زيارته، وبقي صحراء، وكان معروفاً بالنصب، فتألم المسلمون (١) لذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان، وهجاه الشعراء (٢) دعبل وغيره، وفي ذلك يقول يعقوب بن السكيت، وقيل هي للبسامي: تالله إن كانت أُمية قد أتت ... قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله ... هذا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا ... في قتله فتتبّعوه رميما ١٠٤ (٣) ابن حنزابة جعفر ابن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الحصن ابن الفرات، الوزير المحدث أبو الفضل بن حنزابة بكسر الحاء المهملة وسكون النون وبعدها زاي وبعد الألف باء، وهي المرأة القصيرة الغليظة البغدادي نزيل مصر. وزر أبوه للمقتدر في السنة التي قتل فيها المقتدر، وتقلد أبو الفضل وزارة كافور الإخشيدي بمصر، قال الخطيب: كان يذكر أنه سمع من أبي القاسم البغوي، وكان يملي الحديث بمصر، وبسببه خرج الدارقطني إلى هناك، وكان ابن حنزابة يريد يصنف مسنداً، فأقام عنده مدة وحصل بسببه له مال كثير، وروى عنه الدارقطني أحاديث. وولد ابن حنزابة سنة ثمان وثلثمائة، وتوفي

стр. 291

سنة إحدى وتسعين وثلثمائة. ومن شعره رحمه الله تعالى: من أخمل النفس أحياها وروّحها ... ولم يبت طاوياً منها على ضجر إن الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس تقصف إلاّ عالي الشجر قال السلفي: كان ابن حنزابة من الثقات مع جلالة ورياسة. ولما مات كافور وزر لأبي الفوارس أحمد بن الإخشيد، فقبض على جماعة من أرباب الدولة، وصادر يعقوب بن كلس، فهرب إلى الغرب ووزر لبني (١) عبيد، وكان قد أخذ منه أربعة آلاف دينار، ثم إن ابن حنزابة لم يقدر على رضى الإخشيد، فاختفى مرتين ونهبت داره، ثم قدم أمير الرملة الحسن بن عبيد الله ابن طغج وغلب على الأمور، فصادر الوزير ابن حنزابة وعذبه، فنزح إلى الشام، سنة ثمان وخمسين ثم إنه بعد ذلك رجع إلى مصر. وممن روى عنه الحافظ عبد الغني ابن سعيد. وكان الوزير في أيامه ينفق على أهل الحرمين من الأشراف وغيرهم، واشترى داراً إلى جانب المسجد من أقرب الدور إلى القبر الشريف (٢) ليس بينها وبينه إلا حائط، وأوصى أن يدفن فيها، وقرر عند الأشراف ذلك، فأجابوه، فلما مات حمل تابوته من مصر إلى الحرمين، وخرج الأشراف من مكة وحملوه وسعوا به وطافوا ووقفوا به بعرفة، ثم ردوه (٣) إلى المدينة، ودفنوه في الدار التي اشتراها، وحضر جنازته القاضي الحسين ابن علي بن النعمان وقائد القواد وسائر الأكابر. وقال المسبحي: لما غسل جعل في فيه ثلاث شعرات من شعر النبي ﷺ كان ابتاعها بمال عظيم، وكانت عنده في درج مختوم الأطراف

стр. 292

بالمسك، وأوصى أن تجعل في فيه إذا مات، ففعل ذلك. وقال الشريف محمد بن أسعد بن الجواني المعروف بالنحوي (١) : كان الوزير يهوى النظر إلى الحشرات من الأفاعي والحيات والعقارب وأم أربعة وأربعين وما يجري في هذا المجرى، وكان في داره التي تقابل دار الشكالي (٢) قاعة لطيفة موجهة (٣) فيها تلك الحيات، ولها قيم وفراش وحاوي مستخدمون برسم نقل سلل الحيات وحطها، وكان كل حاوي في مصر يصيد ما يقدر عليه من الحيات، ويتناهون في ذوات العجب من أجناسها، وفي الكبار وفي الغريب منها، وكان يثيبهم على ذلك أجل ثواب ويبذل لهم الجزيل حتى يجتهدوا في تحصيلها، وكان له وقت يجلس فيه على دكة مرتفعة، ويدخل المستخدمون والحواة فيخرجون ما في تلك السلل، ويطرحونه على ذلك الرخام، ويحرشون بين الهوام، وهو يتعجب من ذلك ويستحسنه، فلما كان ذات يوم أنفذ خلف ابن المدبر الكاتب، وكان من كتاب أيامه ودولته، وهو عزيز عنده ويسكن جواره، فأنفذ يقول فيه في رقعة: إنه لما كان البارحة وعرض علينا الحواة الحشرات الجاري بها العادات، انساب منها الحية البتراء وذات القرنين الكبرى والعقربان الكبير وأبو صوفة وما حصلوا لنا بعد عناء طويل ومشقة وجملة بذلناها للحواة، ونحن نأمر الشيخ وفقه الله تعالى بالتوقيع إلى حاشيته بصونه ما وجد منها إلى أن ينفذ الحواة بردها إلى سللها. فلما وقف ابن المدبر عليها قلب الرقعة وكتب: أتاني أمر سيدنا الوزير أدام الله تعالى نعمته وحرس مدته بما أشار إليه من أمر الحشرات، والذي أعتمد عليه في ذلك أن الطلاق يلزمه ثلاثاً (٤) إن بات هو أو أحد من أولاده في الدار، والسلام.

стр. 293

١٠٥ - (١) ابن ورقاء الشيباني جعفر بن محمد بن ورقاء بن محمد بن ورقاء الشيباني؛ كان من بيت إمرة وتقدم وأدب، ولد بسامرا سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وتوفي في شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة؛ وكان المقتدر يجريه مجرى بني حمدان، وتقلد عدة ولايات، وكان شاعراً كاتباً جيد البديهة والروية كان يأخذ القلم ويكتب ما أراد من نثر ونظم كأنه عن حفظه، وكان بينه وبين سيف الدولة مكاتبات بالشعر والنثر مشهورة؛ ومن شعره: ولمّا عبثن بأوتارهن ... قبيل التبلّج أيقظني جسسن البموم (٢) وأتبعنها ... بنقر المثاني فهيجنني عمدن لإصلاح أوتارهنّ ... فأصلحنهنّ وأفسدنني وله: هززتك لا أني علمتك ناسيا ... لحقّي ولا أني أردت التقاضيا ولكن رأيت السّيف من بعد سلّه ... إلى الهزّ محتاجاً وإن كان ماضيا ومنه: قالوا تعزّ لقد أسرفت في جزعٍ ... فالموت كأسٌ عميمٌ مرّ مشربه فقلت إن غرامي والفقيه معاً ... بانا فما أنا مشغول بمطلبه قالوا فعينك أجممها فقد رمدت ... من فيض دمع ملثّ القطر مسكبه

стр. 294

فقلت ما لي فيها بعده أرب ... هل يحفظ المرء شيئاً ليس من أربه (١) ما كنت أذخرها إلاّ لرؤيته ... وللبكاء عليه إن فجعت به ١٠٦ (٢) جعفر ابن عبد العزيز جعفر بن محمد بن عبد العزيز بن أبي القاسم بن عمر بن سليمان بن إدريس ابن يحيى، وأوصل الشيخ أثير الدين نسبه إلى الحسين ابن علي ابن أبي طالب ﵄، وأنشد للمذكور: لا تلمنا إن رقصنا طريا ... لنسيمٍ هبّ من ذاك الخبا طبّق الأرض بنشرٍ عاطرٍ ... فيه للعشاق سرٌّ ونبا يا أهيل الحيّ من كاظمة ... قد لقينا من هواكم نصبا قلتم جز لترانا بالحمى ... وملأتم حيّكم بالرّقبا ليس أخشى الموت في حبكم ... ليس قتلي في هواكم عجبا إنما أخشى على عرضكم ... أن يقول الناس قولاً كذبا: استحلّوا دمه في حبّهم ... فاجعلوا وصلي لقتلي سببا توفي بعد الثمانين وستمائة تقريباً، رحمه الله تعالى.

стр. 295

١٠٧ - (١) جعيفران الموسوس جعيفران الموسوس ابن علي بن أصفر بن السري بن عبد الرحمن الأنباري من ساكني سامرا، ومولده ببغداد، وكان أبوه من أبناء جند خراسان، وظهر لأبيه (٢) أنه يختلف إلى بعض سراريه فطرده، وحج تلك السنة، وشكا ولده إلى موسى بن جعفر الكاظم، فقال له موسى: إن كنت صادقاً (٣) عليه (٤) فليس يموت حتى يفقد عقله، وإن كنت قد تحققت ذلك عليه فلا تساكنه في منزلك، ولا تطعمه شيئاً من مالك في حياتك، وأخرجه عن ميراثك، وسأل الفقهاء عن حيلة تخرجه عن ميراثه، فدلوه على الطريق في ذلك، فأشهد عليه أبا يوسف القاضي. فلما مات أبوه أحضر القاضي الوصي وسأل جعيفران عن نسبه وتركة أبيه وأقام بينة عدولاً فأحضر الوصي بينة عدولاً تشهد على أبيه بما كان احتال على منعه ميراثه، فلم ير (٥) أبو يوسف ذلك، وعزم على أن يورثه، فقال الوصي: أنا أدفع هذا عن الميراث بحجة واحدة، فأبى أبو يوسف أن يسمع منه، وجعيفران يقول: قد ثبت عندك أمري فلا تدفعني، فاستمهل الوصي إلى غد، وكتب في رقعة خبره وما قاله موسى ابن جعفر، ودفعها لمن دفعها إلى القاضي، فلما قرأها دعا الوصي فاستحلفه على ذلك، فحلف باليمين الغموس، فقال: تعال غداً

стр. 296

مع صاحبك فحضرا إليه، فحكم أبو يوسف للوصي، فلما أمضى الحكم وسوس جعيفران واختلط، وكان إذا ثاب إليه عقله قال الشعر الجيد. وعن عبد الله بن سليمان الكاتب عن أبيه قال: كنت ليلة أشرف من سطح داري على دار جعيفران، وهو فيها وحده، وقد تحركت عليه السوداء، وهو يدور في الدار طول ليله ويقول: طاف به طيفٌ من الوسواس ... نفّر عنه لذّة النعاس فما يرى يأنس بالأناس ... ولا يلذّ عشرة الجلاّس فهو غريبٌ بين هذي الناس ... ولم يزل يرددها حتى أصبح، ثم سقط كأنه بقلة ذابلة. وعنه قال: غاب عنا أياماً وجاءنا عريان، والصبيان خلفه، وهم يصيحون به: يا جعيفران يا خرا في الدار، فلما بلغ إلي وقف عندي، وتفرقوا عنه، فقال يا أبا عبد الله: رأيت الناس يدعوني ... بمجنونٍ على حال ولكن قولهم هذا ... لإفلاسي وإقلالي (١) ولو كنت أخا وفرٍ ... رخيّ ناعم البال رأوني حسن العقل ... أحلّ المنزل الغالي وما ذاك على خبرٍ ... ولكن هيبة المال قال: فأدخلته منزلي فأكل، وسقيته أقداحاً، ثم قلت له: تقدر على أن تغير تلك القافية؟ قال: نعم، ثم قال بديهة: رأيت الناس يرمون ... ي أحياناً بوسواس ومن يضبط يا صاح ... مقال الناس في الناس؟

стр. 297

فدع ما قاله الناس ... ونازع صفوة الكاس فتى حراً ١ صحيح الود ... ذا برٍّ وإيناس وإنّ الخلق مغرورٌ ... بأمثالي وأجناسي ولو كنت أخا مالٍ ... أتوني بين جلاّسي يحيّوني ويحبون ... على العينين والراس ويدعوني عزيزاً غي ... ر أنّ الذلّ إفلاسي ثم قال ٢ ليبول، فقال بعض من حضر: أي معنى في عشرتنا لهذا المجنون العريان؟ والله ما نأمنه وهو صاح، فكيف وهو سكران؟ وفطن جعيفران لقوله فخرج وهو يقول: وندامى أكلوني ... إذ تغيّبت قليلا زعموا أنّي مجنو ... ن أرى العري جميلا كيف لا أعرى وما أُب ... صر في الناس منيلا إن يكن قد ساءكم قر ... بي فخلوا لي السّبيلا وأتموا يومكم سرّ ... كم الله طويلا قال: فرفقنا به واعتذرنا إليه، والله ما نلتذ إلا بقربك، وأتيناه بثوب لبسه، وأتممنا يومنا ذلك معه.

стр. 298

١٠٨ - (١) جلدك والي دمياط جلدك بن عبد الله المظفري التقوي شجاع الدين والي دمياط؛ قال شهاب الدين القوصي في معجمه: أنشدني شجاع الدين جلدك لنفسه: خذوا حذركم من ساحر الطرف أغيد ... فكم قتل العشاق عمداً ولا يدي ولا تردوا ماءً بمدين حبّه ... فليس بها ما ينقع (٢) الهائم الصّدي ولمّا نزلنا وادي الودّ لم أزل ... أبلّ ثراه لاثماً بتودّد ونادى كليم الشوق مولاه ربه ... فلمّا تجلّى دكّ طور تجلّدي وخرّ فؤادي صاعقاً لم أفق لما ... بدا من سنا ذاك الجمال المحمدي سألتكما يا أهل نجدٍ وحاجرٍ ... على جمرات الوجد من هو منجدي وكم ليلةٍ أفنيت بالرشف ثغره ... وجرت على ذاك الشتيت المنضد وبات كما شاء اختياري على المنى ... وبت وإيّاه كحرفٍ مشدّد وسمع جلدك كثيراً من الحديث النبوي على الحافظ السلفي وروى عنه وعن مولاه تقي الدين عمر بن شاهنشاه. ولي نيابة الإسكندرية ودمياط، وشد مصر، وذكر أنه نسخ بيده أربعاً وعشرين ختمة، وكان سمحاً جواداً، محباً للعلماء مكرماً لهم يساعدهم بماله وجاهه، وله غزوات مشهورة ومواقف مذكورة، ومدح بالشعر، وبنى بحماة

стр. 299

مدرسة. قال النفيس أحمد القطرسي (١) يمدحه بقصيدة منها: أحرقت يا ثغر الحبيب حشاي لما ذقت بردك ... أتظنّ غصن البان يعجبني وقد عاينت قدك ... أو خلت آس عذارك المخضرّ يحمي منك وردك ... يا قلب من لانت معاطفه علينا ما أشدّك ... أتظنني جلد القوى أو أن لي عزمات جلدك ... وتوفي في شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة، رحمه الله تعالى. ١٠٩ - (٢) جنكزخان جنكزخان طاغية التتار وملكهم الأول الذي خرب البلاد، وقتل العباد، ولم يكن للتتار قبله ذكر، إنما كانوا ببادية الصين، فملكوه عليهم، وأطاعوه طاعة أصحاب نبي لنبيهم، وكان مبدأ ملكه سنة تسع وتسعين وخمسمائة، واستولى على بخارى وسمرقند سنة ست عشرة (٣) ، واستولى على مدن خراسان سنة ثمان عشرة (٤) ، ولما رجع من حرب السلطان جلال الدين خوارزم شاه على نهر السند

стр. 300

وصل إلى مدينة تنكث من بلاد الخيطا، فمرض بها ومات في رابع شهر رمضان سنة أربع وعشرين وستمائة، فكانت أيام مملكته خمساً وعشرين سنة، وكان اسمه قبل أن يلي الملك تمرحين، ومات على دينهم وكفرم، وخلف من الأولاد ستة، وفوض الأمير إلى أركتاي أحدهم بعدما استشار الخمسة الباقين، فلما هلك امتنع أركتاي من الملك وقال: في إخوتي وأعمامي من هو أكبر مني، فلم يزالوا به بعد أربعين يوماً (١) حتى تملك عليهم، ولقبوه القان الأعظم، ومعناه الخليفة فيما قيل، وبعث جنوده وفتح الفتوحات وطالت أيامه، وولي بعده موتكوكا وهو القان الذي هولاكو من بعض مقدميه، وولي بعده أخوه قبلاي، وطالت أيام قبلاي، وبقي في الأمر إلى سنة أربع وسبعمائة، ومات بمدينة خان بالق. يقال إنه لما كان السلطان خوارزم شاه يغزو هؤلاء التتار ويقتلهم ويسبي ذراريهم وأولادهم ويمنعهم من الخروج عن حدود بلادهم اجتمعوا التتار وشكوا ما يلاقوا من خوارزم شاه وما هم فيه من الضيق والبلاء، فقال لهم جنكزخان: إن ملكتموني عليكم والتزمتم لي بالطاعة واتباع اليسق (٢) الذي أضع لكم شرعه رددت خوارزم شاه عنكم، فالتزموا له بذلك. وكان مما وضعه لهم أنه قال: كل من أحب امرأة، بنتاً كانت أو غيرها، لا يمنع من التزوج بها ولو كان زبالاً والامرأة بنت ملك، وكان غرضه أن يتناكحوا بشهوة شديدة، ويتضاعف نسلهم ويكثر عددهم، فلما تقرر ذلك دخلوا على خوارزم شاه، وعقدوا مهادنته عشرين سنة، فما جاءت العشرون سنة إلا وهم أمم لا يحصون ولا يحصرون. وكان من جملة ما قرره أنه إذا حرم القان على أحد شيئاً فلا يحل له أن يأتيه

стр. 301

إلى الممات، وقرر لهم: من رعف وهو يأكل قتل كائناً من كان، وقرر لهم أن كل من لم يمض حكم اليسق ولم يعمل به قتل أيضاً، وأراد أن يذهب الكبار الذين فيهم لعلمه أنه يداخلهم الحسد له ويستصغرونه، فتركهم يوماً وهم على سماطه ورعف نفسه، فلم يجسر أحد أن يمضي فيه حكمه لمهابته وجبروته، فتركوه ولم يطالبوه بما قرره وهابوه في ذلك، فتركهم أياماً وجمعهم وقال: لأي شيء ما أمضيتم حكم اليسق فيّ وقد رعفت وأنا آكل بينكم؟ فقالوا: لم نجسر على ذلك، فقال: لم تعملوا باليسق ولا أمضيتم أمره، وقد وجب قتلكم، فقتل أكابرهم واستراح منهم. والترك يزعمون أنه ولد الشمس، لأن في صحاريهم أماكن فيها غاب، وذلك الغاب لا يقربه أحد من الذكران، وأن أمة أعتقت فرجها وراحت إلى ذلك الغاب وغابت فيه مدة وأتتهم وقالت: هذا من الشمس؛ لأن الشمس دخلت في فرجي في بعض الأيام وأنا أغتسل، فحملت بهذا، ويقال إنه كان حداداً، والله أعلم. ١١٠ - (١) جوبان القواس جوبان بن مسعود بن سعد الله، أمين الدولة الدنيسري القواس التوزي؛ كان من أذكياء العالم، وكان له النظم الجيد، وقال شمس الدين الجزري: اسمه رمضان وجوبان، ولم يكن يعرف الخط ولا النحو، وكانت كتابته من جهة التتويز (٢) في غاية القوة بحيث إنه استعار من القاضي عماد الدين ابن الشيرازي درجاً

стр. 302

بخط ابن البواب ونقل ما فيه إلى درج بورق التوز وألزق التوز على خشب وأوقف عليه ابن الشيرازي فأعجبه، وشهد له أن في بعض ذلك أشياء أقوى من خط ابن البواب، واشتهر بذلك في دمشق، وبقي الناس يقصدونه يتفرجون عليه، وكان له ذهن خارق، وتوفي في حدود الثمانين وستمائة، رحمه الله تعالى. ومن شعره: إذا افترّ جنح الليل عن مبسم الفجر ... ولاح به ثغرٌ من الأنجم الزهر وفاحت له من عابق الروض نكهةٌ ... رشفنا به برد الرضاب من الخمر وعهدي بوجه الأرض مبتسماً فلم ... تغرغر فيها الدمع من مقل الغدر إذا أرجف الماء النسيم لوقته ... كساه شعاع الشمس درعاً من التبر وبحر الرياض الخضر بالزهر مزبدٌ ... كأنّا به في فلك مجلسنا نسري ومن شهب الكاسات بالنجم نهتدي ... إذا تاه ساري العقل في لجة السكر نصون الحميّا في القناني وإنما ... نصون الفناني بالحميّا ولا ندري ولما حكى الراووق في العين شكله ... وقد علق العنقود في سالف الدهر تذكّر عهداً بالكروم فكلّه ... عيون (١) على أيام عهد الصبا تجري عجبت له والراح تبكي به فلم ... غدت بحباب الكاس باسمة الثغر إذا ما أتاني كأسها غير مترعٍ ... تحققت عين الشمس في هالة البدر يناولنيها مخطف الخصر أغيدٌ ... فلله ذاك الأغيد المخطف الخصر ينادمنا نظماً ونثراً ولفظه ... ومبسمه يغني عن النظم والنثر فلم يسقني كأس المدامة دون أن ... سقاني بعينيه كؤوساً (٢) من السحر وقال وفرط السكر يثني لسانه ... إلى غير ما يرضى التّقى وهو لا يدري ردوا من رضابي ما يعيض عن الطلا ... إذا كان وجهي فيه يغني عن الزهر

стр. 303

ومن كان لا تحوي ذراعاه مئزري ... فدون الذي تحوي أنامله خصري وقال أيضاً: أصغي إلى قول الوشاة بجملتي ... مستفهماً عنه بغير ملال لتلقطي زهرات ورد حديثكم ... من بين شوك ملامة العذال وقال على طريقة الصوفية والتهكم بهم: متّ في عشقي ومعشوقي أنا ... ففؤادي من فراقي في عنا غبت عنّي فمتى أجمعني ... أنا من وجدي مني في فنا أيها السامع تدري ما الذي ... قلت والله ولا أدري أنا وقال أيضاً: ألذّ العشق ما قتلا ... وأشقى الناس من عذلا إذا جار الحبيب على ... محبّيه فقد عدلا أحاول أن يقال قضى ... وأحذر أن يقال سلا ويمكن أن أموت جوىً ... وأما أن أحول فلا وبي قمرٌ يقامرني ... على اللحظات إن غفلا فما لاحظته إلاّ ... تضرّج خدّه خجلا وإن طالبته بالعد ... ل في حكم الهوى عدلا وقال في البان: نفّش غصن (١) البان أذنابه ... واهتزّ عند الصبح عجباً وفاح وقال من في الروض مثلي وقد ... تعزى إلى غصني قدود الملاح فحدّق النرجس يهزا (٢) به ... وقال حقّاً قلته أو مزاح

стр. 304

بل أنت بالطول تحامقت يا ... مقصوف عدواً بالدعاوى القباح قال له البان: أما تستحي ... ما هذه إلاّ عيونٌ وقاح وقال أيضاً: إذا كبرت نفس الفتى قلّ عقله ... وأمسى وأضحى ساخطاً متعتبا وإن جاء يستقضي من الناس حاجةً ... يرى أنها حقٌّ (١) عليهم مرتبا وإن طالبوه الناس يوماً بحقهم ... لوى وجهه غيظاً عليهم وقطّبا يرى أن كلّ الناس قد خلقوا له ... عبيداً وفي كلّ القلوب محبّبا فلا يرتضي إن لم يكن تحت أمره ... من الكون يجري ما أراد وما أبى وقال أيضاً: لاح الهلال ابن يوميه فذكّرني ... شرب المدامة تجلى في يد الساقي كأنه شفقٌ للكاس قد نقصت ... بالميل، والخمر شفاف عن الباقي وقال في شبابة: وناطقةٍ بأفواه ثمانٍ ... تميل بعقل ذي اللب العفيف لكلّ فمٍ لسانٌ مستعار ... يخالف بين تقطيع الحروف تخاطبنا بلفظٍ لا يعيه ... سوى من كان ذا طبع لطيف فضيحة عاشق ونديم راع ... وهيبة موكب ومدام صوفي وقال في طاسة: ومعشوقةٍ تسقي المحبّ رضابها ... بلثمٍ هنيّ الرشف غير ممنّع إذا استودعت ردت بغير خيانةٍ ... وإن ضربت أنّت بغير توجع مبذلة (٢) لم تحم عن لثم لاثم ... وصاحبها في غبطة بالتمتع

стр. 305

تجود بما تحوي فتحيي ببذلها ... وتنقل ما تملا وتحفظ ما تعي تقبّلها الأفواه من كلّ جانبٍ ... فما خص منها موضع دون موضع وقال في منكورس: ظبيٌ من الأتراك لا يتركني ... أقطف بالمقلة ورد خدّه نصف اسمه الأول منك لم يزد ... وعكس باقيه شبيه قدّه وقال أيضاً: اربح وخذ بنسيئةٍ ... واشرب وكل وامطل ودافع فأحقّ ما أكل المحا ... لي مال أرباب المطامع وقال في حمام: جئت أريد الحمام يوماً ... فغرني النقش والحصير حتى إذا جزت نلت ريحاً ... كأنّما تنبش القبور والناس عند الصدور فيها ... قد يبست منهم الصدور يغرف هذا من جرن هذا ... وقد علا منهم الهرير أنقل خوف الوقوع رجلي ... فيها كما ينقل الضرير جنهم لا يصاب فيها ... وهج بل الكل زمهرير قد عرفت فالحديث عنها ... بنحس أوصافها يسير وكلّما جاءها زبونٌ ... قلنا ألم يأتكم نذير وقال أيضاً: حمانا الترك وانتهكوا حمانا ... ولن (١) يفي التواصل بالصدود حمونا بالصوارم والعوالي ... وجاروا باللواحظ والقدود وقال أيضاً:

стр. 306

عذولٌ لا يملّ ولا يميل ... ووجدٌ لا يقلّ ولا يقيل ومحبوبٌ يلذّ له عذابي ... وإن لم أرضه فأنا الملول فجسمي مثل موثقه ضعيف ... وليلي مثل موعده طويل يميل عليّ كلّ الميل ظلماً ... وبعض البعض ودي لا يميل أراق دمي بناظره وألوى ... ألا يرضى وقد رضي القتيل وقال مواليا: تغيب وتبطي أقول اسّا تجي وأقوم ... أحرد عليها وامسّيها مسا ميشوم تجي ومعها الشّوا والنقل والمشموم ... أسكت، ومن هون قال الناس: ذا مطعوم وقال: أفارقه وأقول اني قد انسلّيت ... ورحت قلبي وزال الهمّ واتخيلت واذكر مساويه في حقي إذا وليت ... وإذا رجع جاء نسيت الكلّ وانحلّيت وقال ذوبيت: جاءت سحراً تشق بحر الغلس ... كالطيف توارت في ظلال الخلس ما أطيب ما سمعت من منطقها ... لا تسأل ما لقيته من حرسي وقال: يمشي مرحاً بتيهه والعجب ... كالريم إذا خاف لحاق السرب ما يسرع في المشية إلاّ حذراً ... أن ترسم عيني شخصه في قلبي وقال: زارت سحراً تراقب السمارا ... رعياً وتراعي بالبيوت النارا بالمهجة أفدي خاطراً عنّ لها ... حتى ركبت من أجلي الأخطارا

стр. 307

وقال: لا أستمع الحديث من غيركم ... من لذة فكري واشتغالي بكم ألوي نظري كأنّني أفهمه ... من قائله وخاطري عندكم وقال: في وجنته من مهج العشاق ... ما قام دليله على الإهراق والسالف قد دبّ على حمرتها ... فالورد يرى من خلل الأوراق

стр. 308

فراغ

стр. 309

حرف الحاء

стр. 310

فراغ

стр. 311

١١١ - (١) عرقلة الدمشقي حسان بن نمير، أبو الندى الكلبي، الدمشقي؛ النديم الخليع المطبوع، المعروف بعرقلة؛ كان من أهل دمشق، وكان السلطان صلاح الدين قد وعده لما كان بدمشق في أول أمره، وهو أمير من أمراء نور الدين، أنه إن ملك مصر أعطاه ألف دينار، فلما ملك مصر بعث إليه عرقلة يقول: قل للصلاح معيني عند إعساري ... يا ألف مولاي أين الألف دينار أخشى من الأسر إن وافيت (٢) أرضكم ... وما تفي جنّة الفردوس بالنار فجد بها عاضديّات موفّرةً (٣) ... من بعض ما خلف الطاغي أخو العار حمراً كأسيافكم غراً كخيلكم ... عتقاً ثقالاً كأعدائي وأطماري فسير له ألفاً وأخذ من إخوته مثلها، فجاءه الموت فجأة ولم ينتفع بفجأة الغنى، وكانت وفاته في سنة سبع وستين وخمسمائة، وقد قارب الثمانين؛ وكان أعور، رحمه الله تعالى. ومن شعره (٤) : أمّا دمشق فجنّاتٌ مزخرفةٌ ... للطالبين بها الولدان والحور

стр. 312

ما صاح فيها على أوتاره قمرٌ ... إلاّ وغناه قمريٌّ وشحرور يا حبّذا ودروع الماء تنسجها ... أنامل الريح إلاّ أنها زور وقال (١) : ترى عند من أحببته لا عدمته ... من الشوق ما عندي وما أنا صانع جميعي إذا حدثت عن ذاك أعينٌ ... وكلي إذا نوجيت عنه مسامع وقال (٢) : كتم الهوى فوشت عليه دموعه ... من حرّ جمرٍ تحتويه ضلوعه صبٌّ تشاغل بالربيع وزهره ... زمناً وفي وجه الحبيب ربيعه يا لائمي في من تمنّع وصله ... عن صبّه أحلى الهوى ممنوعه كيف التخلص إن تجنّى أو جنى ... والحسن شيء لا يردّ شفيعه شمسٌ ولكن في فؤادي حرّها ... قمرٌ ولكن في القباء طلوعه قال العواذل ما الذي استحسنته ... منه وما يسبيك؟ قلت: جميعه وقال: يا معشر الناس حالي بينكم عجبٌ ... وليس يعلم إلاّ الله كيف أنا أحبّ سمر القنا من أجل مشبهها ... لوناً وأحسد حتى من به طعنا تنام أجفانه المرضى وقد زعموا ... بأنّ كلّ مريضٍ يألف الوسنا يهوى خلافي كما أهوى رضاه فإن ... دنوت منه تناءى أو نأيت دنا وقال من أبيات: أنا السموأل في حفظ الوفاء لهم ... وهم إذا وعدوا بالوصل عرقوب ما في الخيام وقد سارت حمولهم ... إلاّ محب له في الركب محبوب

стр. 313

كأنّما يوسف في كلّ راحلةٍ ... والحي في كل بيت منه يعقوب وقال: بروق الغوادي أم بروق المباسم ... أشاقك وهناً أم هديل الحمائم؟ كأنّ بك الوجد الذي بي من الأسى ... وقد عيل صبري بين واش ولائم تؤرّق ورق الغوطتين لواحظي ... وينحل جسمي حبّ غزلان جاسم أأحبابنا إن كنتم قد عزمتم ... على البعد من أطلالكم والمعالم فلا ترسلوا برقاً إلى غير ساهرٍ ... ولا تبعثوا طيفاً إلى غير نائم وقال: حيّ بالحيّ من قباب المصلّى ... منزلاً مونقاً وماء وظلا فقرى جلّق فباب الفرادي ... س فباب البريد، عيشاً تولى قال لي طيفهم سلوات هوانا ... قلت لا والذي دنا فتدلى قال بل قلّ ما عهدناك فيه ... قلت لا والذي لموسى تجلى كل شيء يملّ منه إذا زا ... د وحاشا هواكم أن يملاّ لو رآني مجنون ليلى إذا ما ... جنّ ليلي لصام شكراً وصلى أتقلّى من القلى ولعمري ... أي صبّ من القلى ما تقلّى وقال أيضاً (١) : ميلوا إلى الدار من ذات اللمى ميلوا ... كحلا وما جال في أجفانها ميل هذا بكائي عليها وهي حاضرةٌ ... لا فرسخٌ بيننا يوماً ولا ميل كأنما قدّها رمح ومبسمها ... صبحٌ وحسبك عسّالٌ ومعسول في كلّ يومٍ بعينيها ومبسمها ... دمي ودمعي على الأطلال مطلول إنّي لأعشق ما يحويه برقعها ... ولست أبغض ما يحوي السراويل

стр. 314

وقال في المروحة (١) : ومحبوبة في القيظ لم تخل من يد ... وفي البرد (٢) تقلوها أكفّ الحبائب إذا ما الهوى المقصور هيّج عاشقاً ... أتت بالهوا الممدود من كلّ جانب وقال رحمه الله تعالى (٣) : دمشق حيّيت من حيّ ومن ناد ... وحبّذا حبّذا واديك من وادي يا رائحاً غادياً عرّج على بردى ... وخلّني من حديث الرائح الغادي كم قد شربت به من ماء داليةٍ (٤) ... في ظلّ دالية تنبيك عن عاد في جنب ساقيةٍ من كفّ ساقية ... كادت (٥) تثنّى بقدّ غير مياد لها بعيني إذا ماست معاطفها ... جمال ميّاسة في عين مقداد وقال (٦) : قال قومٌ بدا عذار وهيبٍ ... فاسل عنه فقلت لا كيف أسلو أنا جلدٌ على لقا أُسد عيني ... هـ أأخشى عذاره وهو نمل وقال: كثر الخؤون وقلّت الإخوان ... فاليوم لا حسنٌ ولا إحسان يا ليت شعري أين كنت من الدّنا ... والنّاس ناسٌ والزمان زمان وقال: عارضاها إن تبدت عارضاها ... وسلاها عن فؤادٍ ما سلاها

стр. 315

بأبي جارية جائرة ... ما شفت غلة قلبي شفتاها أتمنّى قبلةً من يدها ... وسوائي ملّ من تقبيل فاها وقال وكان أعور وله معشوق طويل (١) : لي حبيب قدّه ق ... دّ من السمر الرقاق من رآه ورآني ... قال ذا غير اتفاق أعور الدجال يمشي ... خلف عوج بن عناق وقال في قوم مدحهم فأعطوه شعيراً (٢) : يقولون لم أرخصت شعرك في الورى ... فقلت لهم إذ مات أهل المكارم أُجاز على الشعر الشعير وإنّه ... كثير إذا خلّصته (٣) من بهائم وقال أيضاً: عسى من ديار الظاعنين بشير ... ومن جور أيام الفراق مجير لقد عيل صبري بعدهم وتكاثرت ... همومي ولكنّ المحبّ صبور وكم بين أكناف الثغور متيّمٌ ... كئيبٌ غزته أعينٌ وثغور سقى الله من سطرى ومقرى منازلاً ... بها للندامى نضرة وسرور ولا زال ظلّ النيربين فإنّه ... طويلٌ وعيش المرء فيه قصير فيما بردى لا زال ماؤك بارداً ... عسى شبم من حافتيك نمير أبى العيش إلاّ بين أكناف جلّق ... وقد لاح فيها نضرة (٤) وسرور وكم بحمى جيرون سرب جآذر ... حبائلهنّ المال وهي نفور ولكن سأحويه إذا كنت قاصداً ... إلى بلدٍ فيه الصلاح أمير

стр. 316

وقال وقد تولى صلاح الدين يوسف شحنكية دمشق في الأيام النورية (١) : رويدكم يا لصوص الشآم ... فإنّي لكم ناصحٌ في المقال أتاكم سميّ النبيّ الكريم ... يوسف ربّ الحجى والجمال فذاك يقطّع أيدي النساء ... وهذا يقطّع أيدي الرجال وقال أيضاً (٢) : عندي إليكم من الأشواق والبرحا ... ما صيّر الجسم من فرط الضّنى شبحا أحبابنا لا تظنّوني سلوتكم ... الحال ما حال والتبريح ما برحا لو كان يسبح صبٌّ في مدامعه ... لكنت أول من في دمعه سبحا أو كنت أعلم أن البين يقتلني ... ما بنت عنكم ولكن فات ما ذبحا ١١٢ (٣) أبو علي القرمطي الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي القرمطي، مولده بالأحساء، توفي بالرملة سنة ست وستين وثلثمائة. غلب على الشام، وكان كبير القرامطة، واستناب على دمشق وشاح بن عبد الله، وقدم إلى دمشق، وكسر جيش المصريين وقتل دعفر بن فلاح، ثم توجه إلى مصر وحاصرها شهوراً (٤) ، وكان يظهر طاعة أمير المؤمنين الطائع.

стр. 317

قال القاشي في كتابه الإشعار بما للملوك من النوادر والأشعار: إن أبا علي القرمطي قال في بعض الليالي لكاتبه أبي نصر بن كشاجم: ما يحضرك في هذه الشموع؟ فقال: إنما نحضر مجلس السيد لنسمع كلامه، ونستفيد من أدبه، فقال الفرمطي بديهاً: ومجدولةٍ مثل صدر القناة ... تعرّت وباطنها مكتسي لها مقلةٌ هي روحٌ لها ... وتاجٌ على هيئة البرنس إذا غازلتها الصّبا حركت ... لساناً من الذّهب الأملس وإن رنّقّت لنعاسٍ عرا ... وقطّت من الرأس لم تنعس وتنتج في وقت تلقيحها ... ضياء يجلّي دجى الحندس فنحن من النور في أسعدٍ ... وتلك من النّار في أنحس وكنيته أبو محمد، وقيل أبو علي، وسيأتي ذكر جده الحسن بن بهرام القرمطي أصل القرامطة إن شاء الله تعالى. ١١٣ - (١) ابن جكينا البغدادي الحسن بن أحمد بن محمد بن جكينا الشاعر البغدادي، كان من ظراف الشعراء الخلعاء، وأكثر أشعاره مقطعات، وذكره العماد الكاتب وقال: أجمع

стр. 318

أهل بغداد على أنه لم يرزق أحد من الشعراء لطافة شعره، توفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. من شعره: لافتضاحي في عوارضه ... سببٌ والناس لوّام كيف يخفى ما أكابده ... والذي أهواه نمام وقال: تزايد القول فيه أنّ له ... ورداً جنيّاً في صفحة الخدّ فنكرشت عارضاه تشعر (١) ... أنّ الشوك لا بدّ منه للورد وقال: لما بدا خط العذا ... ر يزين خدّيه بمشق وظننت أنّ سواره ... فوق البياض كتاب عتقي فإذا به من سوء حظ ... ي عهدةٌ كتبت برقّي وقال: ولائمٍ لام في اكتحالي ... يوم استباحوا دم الحسين فقلت دعني، أحقّ عضوٍ ... ألبس فيه السواد عيني أحسن منه قول أبي (٢) الحسين الجزار: ويعود عاشوراء يذكرني ... رزء الحسين فليت لم يعد يا ليت عيناً (٣) فيه قد كحلت ... لشماتةٍ لم تخل من رمد ويداً به لمسرّةٍ خضبت ... مقطوعة من زندها بيدي

стр. 319

أمّا وقد قتل الحسين به ... فأبو الحسين أحقّ بالكمد ولابن جكينا في الشريف ابن الشجري صاحب الأمالي (١) : يا سيدي والذي يعيذك من ... نظم قريض يصدا به الفكر ما فيك من جدّك النبيّ سوى ... أنك لا ينبغي لك الشّعر ١١٤ (٢) أبو نصر الفارقي الحسن بن أسد بن الحسن بن الفارقي، أبو نصر؛ شاعر رقيق حواشي النظم كثير التجنيس، كان في أيام نظام الملك والسلطان ملك شاه، شمله منهما الجاه بعد أن قبض عليه لأنه تولى آمد وأعمالها باستيفاء مالها، فخلصه الكامل الطبيب، وكان نحوياً رأساً وإماماً في اللغة، وصنف في الآداب تصانيف، وله شرح اللمع الكبير. كتاب الإفصاح في العويص وكتاب الألغاز. اتفق أنه كان شاعر من العجم يعرف بالغساني وفد على أحمد بن مروان، وكانت عادته إذا وفد عليه يكرمه وينزله، ولا يستحضره إلا بعد ثلاثة أيام، واتفق أن الغساني لم يكن أعد شعراً (٣) يمدحه به ثقةً بنفسه، فأقام ثلاثة أيام ولم يفتح عليه شيء، فأخذه قصيدة من شعر ابن أسد ولم يغير منها غير الاسم، فغضب الأمير وقال: هذا العجمي يسخر منا، وأمر أن يكتب بذلك (٤) إلى ابن أسد،

стр. 320

فأعلم الغساني بعض الحاضرين بذلك، فجهز الغساني غلاماً له جلداً إلى ابن أسد يدخل عليه ويعرفه العذر، فوصل الغلام إلى ابن أسد قبل وصول قاصد ابن مروان، فلما علم ذلك كتب الجواب إلى ابن مروان أنه لم يقف على هذه القصيدة أبداً، ولم يرها إلا في كتابه، فلما وقف ابن مروان على الجواب أساء إلى الساعي وسبه وقال: إنما تريد إساءتي بين الملوك، ثم أحسن إلى الغساني وأكرمه غاية الإكرام، وعاد إلى بلاده؛ فلم يمض على ذلك مدة حتى اجتمع أهل ميافارقين ودعوا ابن أسد على أن يؤمروه عليهم، وإقامة الخطبة للسلطان ملك شاه وإسقاط اسم ابن مروان، فأجابهم إلى ذلك، وحشد ابن مروان، ونزل على ميافارقين فأعجزه أمرها، فسير إلى نظام الملك والسلطان يستمدهما، فأنفذا (١) إليه جيشاً ومدداً مع الغساني الشاعر، وكان قد تقدم عند السلطان، فصدقوا الحملة على ميافارقين، فملكوها عنوة وقبض على ابن أسد، وجيء به إلى ابن مروان فأمر بقتله، فقام الغساني وجرد العناية في الشفاعة حتى خلصه وكفله بعد عناء شديد، ثم اجتمع به وقال: أتعرفني؟ قال: لا والله، ولكن أعرف أنك ملك من السماء من الله علي بك لبقاء مهجتي، فقال: أنا الذي ادعيت قصيدتك وسترت علي، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، فقال ابن أسد: ما سمعت بقصيدة جحدت فنفعت صاحبها إلا هذه، فجزاك الله خيراً؛ وانصرف الغساني من حيث جاء، وأقام ابن أسد مدة، وتغيرت حالة وجفاه إخوانه وعاداه أعوانه، ولم يقدر أحد على مرافدته، حتى أضر به العيش، فنظم قصيدة مدح بها ابن مروان، فلما وقف عيها غضب وقال: ما يكفيه أن يخلص منا رأساً برأس حتى يريد منا الرفد؟ لقد أذكرني بنفسه، اصلبوه، فصلب سنة سبع وثمانين وأربعمائة. ومن شعره: أريقاً من رضابك أم رحيقا ... رشفت فلست من سكري مفيقا
следующие страницы →