وقال وقد تولى صلاح الدين يوسف شحنكية دمشق في الأيام النورية (١) :
رويدكم يا لصوص الشآم ... فإنّي لكم ناصحٌ في المقال
أتاكم سميّ النبيّ الكريم ... يوسف ربّ الحجى والجمال
فذاك يقطّع أيدي النساء ... وهذا يقطّع أيدي الرجال وقال أيضاً (٢) :
عندي إليكم من الأشواق والبرحا ... ما صيّر الجسم من فرط الضّنى شبحا
أحبابنا لا تظنّوني سلوتكم ... الحال ما حال والتبريح ما برحا
لو كان يسبح صبٌّ في مدامعه ... لكنت أول من في دمعه سبحا
أو كنت أعلم أن البين يقتلني ... ما بنت عنكم ولكن فات ما ذبحا ١١٢ (٣)
أبو علي القرمطي
الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي القرمطي، مولده بالأحساء، توفي بالرملة سنة ست وستين وثلثمائة. غلب على الشام، وكان كبير القرامطة، واستناب على دمشق وشاح بن عبد الله، وقدم إلى دمشق، وكسر جيش المصريين وقتل دعفر بن فلاح، ثم توجه إلى مصر وحاصرها شهوراً (٤) ، وكان يظهر طاعة أمير المؤمنين الطائع.
стр. 317
قال القاشي في كتابه الإشعار بما للملوك من النوادر والأشعار: إن أبا علي القرمطي قال في بعض الليالي لكاتبه أبي نصر بن كشاجم: ما يحضرك في هذه الشموع؟ فقال: إنما نحضر مجلس السيد لنسمع كلامه، ونستفيد من أدبه، فقال الفرمطي بديهاً:
ومجدولةٍ مثل صدر القناة ... تعرّت وباطنها مكتسي
لها مقلةٌ هي روحٌ لها ... وتاجٌ على هيئة البرنس
إذا غازلتها الصّبا حركت ... لساناً من الذّهب الأملس
وإن رنّقّت لنعاسٍ عرا ... وقطّت من الرأس لم تنعس
وتنتج في وقت تلقيحها ... ضياء يجلّي دجى الحندس
فنحن من النور في أسعدٍ ... وتلك من النّار في أنحس وكنيته أبو محمد، وقيل أبو علي، وسيأتي ذكر جده الحسن بن بهرام القرمطي أصل القرامطة إن شاء الله تعالى.
١١٣ - (١)
ابن جكينا البغدادي
الحسن بن أحمد بن محمد بن جكينا الشاعر البغدادي، كان من ظراف الشعراء الخلعاء، وأكثر أشعاره مقطعات، وذكره العماد الكاتب وقال: أجمع
стр. 318
أهل بغداد على أنه لم يرزق أحد من الشعراء لطافة شعره، توفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
من شعره:
لافتضاحي في عوارضه ... سببٌ والناس لوّام
كيف يخفى ما أكابده ... والذي أهواه نمام وقال:
تزايد القول فيه أنّ له ... ورداً جنيّاً في صفحة الخدّ
فنكرشت عارضاه تشعر (١) ... أنّ الشوك لا بدّ منه للورد وقال:
لما بدا خط العذا ... ر يزين خدّيه بمشق
وظننت أنّ سواره ... فوق البياض كتاب عتقي
فإذا به من سوء حظ ... ي عهدةٌ كتبت برقّي وقال:
ولائمٍ لام في اكتحالي ... يوم استباحوا دم الحسين
فقلت دعني، أحقّ عضوٍ ... ألبس فيه السواد عيني أحسن منه قول أبي (٢) الحسين الجزار:
ويعود عاشوراء يذكرني ... رزء الحسين فليت لم يعد
يا ليت عيناً (٣) فيه قد كحلت ... لشماتةٍ لم تخل من رمد
ويداً به لمسرّةٍ خضبت ... مقطوعة من زندها بيدي
стр. 319
أمّا وقد قتل الحسين به ... فأبو الحسين أحقّ بالكمد ولابن جكينا في الشريف ابن الشجري صاحب الأمالي (١) :
يا سيدي والذي يعيذك من ... نظم قريض يصدا به الفكر
ما فيك من جدّك النبيّ سوى ... أنك لا ينبغي لك الشّعر ١١٤ (٢)
أبو نصر الفارقي
الحسن بن أسد بن الحسن بن الفارقي، أبو نصر؛ شاعر رقيق حواشي النظم كثير التجنيس، كان في أيام نظام الملك والسلطان ملك شاه، شمله منهما الجاه بعد أن قبض عليه لأنه تولى آمد وأعمالها باستيفاء مالها، فخلصه الكامل الطبيب، وكان نحوياً رأساً وإماماً في اللغة، وصنف في الآداب تصانيف، وله شرح اللمع الكبير. كتاب الإفصاح في العويص وكتاب الألغاز.
اتفق أنه كان شاعر من العجم يعرف بالغساني وفد على أحمد بن مروان، وكانت عادته إذا وفد عليه يكرمه وينزله، ولا يستحضره إلا بعد ثلاثة أيام، واتفق أن الغساني لم يكن أعد شعراً (٣) يمدحه به ثقةً بنفسه، فأقام ثلاثة أيام ولم يفتح عليه شيء، فأخذه قصيدة من شعر ابن أسد ولم يغير منها غير الاسم، فغضب الأمير وقال: هذا العجمي يسخر منا، وأمر أن يكتب بذلك (٤) إلى ابن أسد،
стр. 320
فأعلم الغساني بعض الحاضرين بذلك، فجهز الغساني غلاماً له جلداً إلى ابن أسد يدخل عليه ويعرفه العذر، فوصل الغلام إلى ابن أسد قبل وصول قاصد ابن مروان، فلما علم ذلك كتب الجواب إلى ابن مروان أنه لم يقف على هذه القصيدة أبداً، ولم يرها إلا في كتابه، فلما وقف ابن مروان على الجواب أساء إلى الساعي وسبه وقال: إنما تريد إساءتي بين الملوك، ثم أحسن إلى الغساني وأكرمه غاية الإكرام، وعاد إلى بلاده؛ فلم يمض على ذلك مدة حتى اجتمع أهل ميافارقين ودعوا ابن أسد على أن يؤمروه عليهم، وإقامة الخطبة للسلطان ملك شاه وإسقاط اسم ابن مروان، فأجابهم إلى ذلك، وحشد ابن مروان، ونزل على ميافارقين فأعجزه أمرها، فسير إلى نظام الملك والسلطان يستمدهما، فأنفذا (١) إليه جيشاً ومدداً مع الغساني الشاعر، وكان قد تقدم عند السلطان، فصدقوا الحملة على ميافارقين، فملكوها عنوة وقبض على ابن أسد، وجيء به إلى ابن مروان فأمر بقتله، فقام الغساني وجرد العناية في الشفاعة حتى خلصه وكفله بعد عناء شديد، ثم اجتمع به وقال: أتعرفني؟ قال: لا والله، ولكن أعرف أنك ملك من السماء من الله علي بك لبقاء مهجتي، فقال: أنا الذي ادعيت قصيدتك وسترت علي، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، فقال ابن أسد: ما سمعت بقصيدة جحدت فنفعت صاحبها إلا هذه، فجزاك الله خيراً؛ وانصرف الغساني من حيث جاء، وأقام ابن أسد مدة، وتغيرت حالة وجفاه إخوانه وعاداه أعوانه، ولم يقدر أحد على مرافدته، حتى أضر به العيش، فنظم قصيدة مدح بها ابن مروان، فلما وقف عيها غضب وقال: ما يكفيه أن يخلص منا رأساً برأس حتى يريد منا الرفد؟ لقد أذكرني بنفسه، اصلبوه، فصلب سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
ومن شعره:
أريقاً من رضابك أم رحيقا ... رشفت فلست من سكري مفيقا
стр. 321
وللصّهباء أسماء ولكن ... جهلت بأنّ في الأسماء ريقا ومنه:
ولرب دانٍ منك يكره قربه ... وتراه وهو عشاء عينك والقذى
فاعرف وخلّ مجرباً هذا الورى ... واترك لقاءك ذا كفافاً والق ذا وقال:
يا من جلا ثغره الدرّ النظيم ومن ... تخال أصداغه السود العناقيدا
اعطف على مستهام ضيم من أسفٍ ... على هواك وفي حبل العنا قيدا وقال:
لا يصرف الهمّ إلاّ شدو محسنةٍ ... أو منظرٌ حسنٌ تهواه أو قدح
والراح للهمّ أنفاها فخذ طرفاً ... منها ودع أمةً في شربها قدحوا
بكرٌ تخال إذا ما المزج خالطها ... سقاتها أنهم زنداً بها قدحوا وقال:
تراك يا متلف جسمي ويا ... مكثر إعلالي وإمراضي
من بعد ما أضنيتني ساخط ... عليّ في حبّك أم راضي وقال:
قد كان قلبي صحيحاً كالحمى زمناً ... فمذ أبحت الهوى منه الحمى مرضا
فلم سخطت على من كان شيمته ... وقد أتحت له فيك الحمام رضى
يا من إذا فوقت سهماً لواحظه ... أضحى لها كلّ قلبٍ قلّب غرضا
أنا الذي إن يمت حبا (١) يمت أسفاً ... وما قضى فيك من أغراضه غرضا
ألبست ثوب سقام فيك صار له ... جسمي لدقته من سقمه عرضا
وصرت وقفاً على هم تجاذبني ... أيدي الصبابة فيه كلما عرضا
стр. 322
ما إن قضى الله شيئاً في خليقته ... أشدّ من زفرات الحبّ حين قضى
فلا قضى كلفٌ نحباً فأوجعني ... إن قيل إن المحب المستهام قضى ١١٥ (١)
ناصر الدين ابن النقيب
الحسن ابن شاور بن طرخان بن الحسن. هو ناصر الدين بن النقيب الكناني المعروف بالفقيسي (٢) .
قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: جالسته بالقاهرة مراراً وكتبت عنه، وكان نظمه حسناً؛ وتوفي سنة سبع وثمانين وستمائة.
روى عنه الدمياطي والشيخ فتح الدين وغيره، وله كتاب سماه منازل الأحباب ومنازه الألباب ذكر فيه المجاراة التي دارت بين أدباء عصره وبينه، وهو في مجلدين، وله ديوان مقاطيع في مجلدين، وشعره جيد عذب منسجم فيه التورية الرائقة اللائقة المتمكنة، وهو أحد فرسان تلك الحلبة الذين كانوا من شعراء مصر في ذلك العصر، ومقاطيعه جيدة إلى الغاية، ﵀.
فمن شعره:
يا من أدار بريقه مشمولةً (٣) ... وحبابها الثغر النقيّ الأشنب
تفاح خدّك بالعذار ممسّك ... لكنه بدم القلوب مخضّب وقال:
стр. 323
يا مالكي ولديك ذلي شافعي ... ما لي سألت فما أُجيب سؤالي
فوخدّك النعمان إن بليّتي ... وشكيتي من طرفك الغزّالي وقال:
وما بين كفّي والدراهم عامرٌ ... ولست بها دون الورى ببخيل
وما استوطنتها قطّ يوماً وإنّما ... تمرّ عليها عابرات سبيل وقال:
ما كان عيباً لو تفقّدتني ... وقلت هل أتهم أو أنجدا
فعادة السادات من قبل أن (١) ... يفتقدوا الأتباع والاعبدا
هذا سليمان على ملكه ... وهو بأخبارٍ له يقتدى
تفقّد الطّير وأجناسها ... فقال مالي لا أرى الهدهدا وقال:
أراد الظبي أن يحكي التفاتك ... وجيدك قلت لا يا ظبي فاتك
وفدّى الغصن قدّك إذ تثنّى ... وقال: الله يبقي لي حياتك
ويا آس العذار فدتك نفسي ... وإن لم أقتطف بفمي نباتك
ويا ورد الخدود حمتك عني ... عقارب صدغه فأمن جناتك
ويا قلبي ثبتّ على التّجنّي ... ولم يثبت له أحد ثباتك وقال:
أقول لنوبة الحمى اتركيني ... ولا يك منك لي ما عشت أوبه
فقالت كيف يمكن ترك هذا ... وهل يبقى الأمير بغير نوبه وقال:
حدّثت عن ثغره المحلّى ... فمل إلى خده المورّد
стр. 324
خدٌّ وثغر فجلّ ربّ ... بمبدع الخلق قد تفرّد
هذا عن الواقديّ يروي ... وذاك يروي عن المبرّد وقال:
أنا العذريّ فاعذرني وسامح ... وجرّ عليّ بالإحسان ذيلا
ولمّا صرت كالمجنون عشقاً ... كتمت زيارتي وأتيت ليلا وقال:
وجردت مع فقري وشيخوختي التي ... تراها فنومي عن جفوني مشرّد
فلا يدّعي غيري مقامي فإنني ... أنا ذلك الشيخ الفقير المجرّد وقال:
أعملت نفسي في السماء وقد بدا ... فيها هلالٌ جسمه منهوك
فكأنما هي شقّةٌ ممدودةٌ ... وكأنه من فوقها مكّوك وقال:
قالوا فلانٌ ناظرٌ فأجبت ما ... هو ناظرٌ إلاّ إلى أعطافه
لم يدر مسح الأرض قلت أزيدكم ... أُخرى: ولا مسحٌ على أطرافه وقال:
الصبّ من بعدكم مفردٌ ... ودمعه النيل وتغليقه
وخدّه ممّا بكاكم دماً ... مقياسه والدمع تخليقه وقال:
وما بي سوى عين نظرت لحسنها ... وذاك لجهلي بالعيون وغرّتي
وقالوا به في الحبّ عين ونظرة ... لقد صدقوا عين الحبيب ونظرتي وقال:
قالوا قد احترقت بالنار راحته ... وهي الغمام ومنها الوابل الغدق
стр. 325
وقال قومٌ وما ضلّوا وما وهموا ... بأنها النيل قلت النيل يحترق وقال:
أبلمٌ قلّدوه أمر الرعايا ... وهو في حلية الوزارة عطل
فهو بالبوق في الوزارة طبلٌ ... وهو في الدّست حين يجلس سطل وقال:
يا غائباً لو قضيت من أسفٍ ... من بعده ما قضيت ما يجب
ما ترك السقم بعد بعدك لي ... والله جنباً عليه أنقلب وقال:
يقول جسمي لنحولي وقد ... أفرط بي فرط ضنىً واكتئاب
فعلت بي يا سقم ما لم يكن ... تلبس والله عليه الثياب وقال:
لا تأسفنّ على الشّباب وفقده ... فعلى المشيب وفقده يتأسّف
هذاك يخلفه سواه إذا انقضى ... ومضى وهذا إن مضى لا يخلف وقال:
عجبت للشيب كنت أكرهه ... فأصبح القلب وهو عاشقه
وكنت لا أشتهي أراه فقد ... أصبحت لا أشتهي أفارقه وكتب إلى السراج الوراق تصحيف (١) :
ما زلت مذ غبت عنك في بلدي ... حتى إذا ما أزحت علّتها
أقمت أجرانها على عجلٍ ... وبعد هذا خزنت غلّتها وكتب إليه ابن سعيد المغربي:
стр. 326
أيا ساكني مصرٍ غدا النيل جاركم ... فأكسبكم تلك الحلاوة في الشعر
وكان بتلك الأرض سحرٌ، وما بقي ... سوى أثرٍ يبدو على النظم والنثر فأجابه ابن النقيب:
ولمّا حللت الثغر زاد حلاوةً ... وخليته أغلى من الشذر والدر
فرحت وبي شوق (١) وما كنت شيّقاً ... لملثم ذاك الثغر لولاك في الثغر
فلا تطلبن سحر البيان بأرضنا ... فكم فيه موسى مبطلاً آية السحر
ولا رقّة الشعر الذي كان أولاً ... وكيف رقيق الشعر مع قسوة الدهر وكتب ابن النقيب إلى السراج الوراق:
يا ساكن الروضة أنت المشتهى ... من هذه الدنيا وأنت المقتضى
ويا سرور النفس بين الشعرا ... أنت الرضيّ فيهم والمرتضى
ويا سراجاً لم تزل أنواره ... تعيد مسودّ الليالي أبيضا
ما لي أراك قاطعاً لواصلٍ ... ومعرضاً عن مقبلٍ ما أعرضا فأجابه السراج:
يا سهم عتبٍ جاء من كنانةٍ ... أصبت من سواد قلبي الغرضا
لكن أسوت ما جرحته بما ... أعقبته من العتاب بالرضا
يا ابن النقيب ما أرى منقبةً ... إلاّ وأولتك الثناء الأبيضا
إنّ ولائي حسنٌ في حسن ... إذ ما أرى لعمرٍ أن يرفضا وقال:
قلّدت يوم البين جيد مودّعي ... درراً نظمت عقودها من أدمعي
وحدا بهم حادي المطيّ فلم أرى ... قلبي ولا جلدي ولا صبري معي
ودّعتهم ثمّ انثنيت بحسرةٍ ... تركت معالم معهدي كالبلقع
стр. 327
ورجعت لا أدري الطريق ولا تسل ... رجعت عداك المبغضون (١) كمرجعي
وأشدّ ما بي في القضيّة شامتٌ ... قد جاءني في صورة المتوجّع
يا صاحبي أنصت لأخبار الهوى ... حاشا لمثلك أن أقول ولا يعي
إني أحدث في الهوى بعجائب ... وغرائب حتى كأني الأصمعي
يا نفس قد فارقت يوم فراقهم ... طيب الحياة ففي البقا لا تطمعي
هيهات يرجع شملنا بالأجرع ... وتعود أحبابي الذي كانوا معي
ما كان أحسننا وهم جيراننا ... والشمل ملتئمٌ بتلك الأربع
بحياتكم جودوا عليّ تكرّماً ... فعسى خيالكم يلمّ بمضجعي
فلقد عدمت الصبر يوم فراقكم ... وتضرمت نار الأسى في أضلعي
يا نازحين فهل لكم من عودةٍ ... نزح التفرق ما بقي من مدمعي
إن لم تعودوا للديار وترجعوا ... لهلكت من شوقي وفرط توجّعي
أترى يعود الدهر يجمع بيننا ... ويلذّ طيب حديثكم في مسمعي
ويقرّ قلبٌ (٢) قد أطيل خفوقه ... وتنام عينٌ بعدكم لم تهجع وقال:
نحن إلاّ قطاعة الأجناد ... وبراوات غزّ هذا النادي (٣)
نحن إلاّ حكايةٌ وخيالٌ ... وحديثٌ لحاضرٍ ولبادي
نحن إلاّ غسالة لمرقدا ... ر (٤) قدورٍ تفرغت وزبادي
نحن إلاّ زبالةً ضمها الزب ... ال من فوق الكوم للوقاد
جرّدونا فما قطعنا فردو ... نا وقد أحسنوا إلى الأغماد
стр. 328
وعرضنا على براذين جيش ... ما استعدّت لحملةٍ وطراد
وأتينا من القماش إليهم ... بخليعٍ مرقّعٍ وكداد (١)
وسروجٍ تطاير الجلد عما ... كان من تحتها من الأعواد
قد تبرّت منها مياثرها اللب ... د وخان البداد عهد الوكاد (٢)
كشف الله ذلك الستر عنها ... فرأينا عوراتهنّ بوادي
ورماحٍ لم تعتقل لطعانٍ ... وسيوفٍ ما جردت لجلاد
صدئت في الجفون من كثرة اللب ... ث وملت بها لطول الرقاد
فهي لا فرق في يد الفارس ال ... كشحان (٣) منّا أو في يد (٤) الحداد
أترى من يكون في هذه الحا ... ل مطيقاً بيكار (٥) تلك البلاد
ويخوض الفرات في شهر كانو ... ن وكانون مصعب في القياد
ودعوني بمفردي وماذا ... لك إلاّ لوحدتي وانفرادي (٦)
الرختي (٧) على قطارات بختٍ ... أم وشاقيتي (٨) لجرّ الجياد
كيف أقوى على الجهاد وخبزي ... ما أراه يكفي لسفرة زادي وقال ﵀:
إذا صرصر البازي فلا ديك صادحٌ ... ولا فاختٌ في أيكةٍ يترنم
وما الموت إلاّ طيبٌ طعمه إذا ... تدايك فروجٌ وزبزب حصرم
стр. 329
وقال:
قالوا رأينا العلق ينفق مسرفاً ... والعلق لا شيءٌ لديه ولا معه
فأجبتهم إنفاقه من سرمه ... قالوا صدقت لذاك ينفق من سعه وقال:
يا ناظري ما خلت أنك هكذا ... عوناً عليّ وأنت من أعدائي
أرميتني وفعلت بي والله ما ... لا تفعل الأعداء بالأعداء
فإذا ابتلاك الله يوماً بالبكا ... والسهد فاعلم أنّه بدعائي وقال:
كم تجنّيت أمرداً وتألي ... ت وكم تهت بالملاحة زائد
ثم زال الجميع إذ صرت ألحى ... وبقي وجنا ووجهك واحد وقال:
يا قفل باب الرزق يا ذا الذي ... ما زال عند الفتح قفلاً عسر
أفرطت في العسر ولا بدّ أن ... تنفشّ أو تندقّ أو تنكسر وقال:
ألا يا أمير الملاح اتئد ... فقد ذلّ من بالجمال انتصر
ولا بدّ تعزل عمّا قليلٍ ... إذا قام عارضك المنتظر وقال:
قالت بماذا قصّرت شعراً ... من أسود الرأس والعذار
فقلت: إن تسألي فهذي ... قصارة اللّيل والنّهار
стр. 330
١١٦ - (١)
ابن أبي حصينة
الحسن بن عبد الله بن أحمد بن عبد الجبار بن أبي حصينة، الأمير أبو الفتح؛ توفي في حدود الخمسمائة، رحمه الله تعالى.
من شعره يمدح أسد الدولة عطية بن صالح بن مرداس (٢) :
سرى طيف هندٍ والمطيّ بنا تسري ... فأخفى دجى ليلي (٣) وأبدى سنا فجري منها:
خليليّ فكّاني من الهمّ واركبا ... فجاج الموامي الغبر في النّوب الغبر
إلى ملكٍ من عامر لو تمثّلت ... مناقبه أغنت عن الأنجم الزهر
إذا نحن أثنينا عليه تلفّتت ... إليه المطايا مصغيات إلى جبر (٤)
وفوق سري الملك من آل صالحٍ ... فتىً ولدته أمّه ليلة القدر
فتى وجهه أبهى من البدر منظراً ... وأخلاقه أشهى من الماء والخمر منها:
أبا صالحٍ أشكو إليك نوائباً ... عرتني كما يشكو النبات إلى القطر
لتنظر نحوي نظرةً لو نظرتها ... إلى الصخر فجّرت العيون من الصخر
وفي الدار خلفي صبيةٌ قد تركتهم ... يطلّون إطلال الفراخ من الوكر
جنيت على روحي جنايةً ... فأثقلت ظهري بالذي خفّ من ظهري
стр. 331
فهب هبةً يبقى عليك ثناؤها ... بقاء النجوم الطالعات التي تسري قال الأمير أسامة بن مرشد: فلما فرغ من إنشاده أحضر الأمير أسد الدولة القاضي والشهود، وأشهد على نفسه بتمليك ابن أبي حصينة ضيعةً من ملكه لها ارتفاع كثير، وأجازه وأحسن إليه، فأثرى وتمول.
ولما امتدح نصر ابن صالح بحلب قال له: تمن، قال: أتمنى أن أكون أميراً، فجعله أميراً يجلس مع الأمراء، ويخاطب بالأمير، وقربه وصار يحضر مجلسه في زمرة الأمراء، ثم وهبه أيضاً مكاناً بحلب قبلي حمام الواساني، فعمرها داراً، وزخرفها وقرنصها وتمم بناءها وكمل حالها، ونقش على دائرة الدرابزين (١) :
دارٌ بنيناها وعشنا بها ... في دعةٍ من آل مرداس
قوم محوا بؤسي ولم يتركوا ... عليّ في الأيام من ناس
قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليفعل الناس مع الناس (٢) ولما تكامل عمل الدار عمل دعوةً، وأحضر إليها نصر ابن صالح، فلما أكل الطعام ورأى حسن بناء الدار ونقوشها وقرأ الأبيات قال: يا أمير، كم خسرت على بناء الدار (٣) ؟ قال: يا مولانا ما لي علم، بل هذا الرجل تولى عمارتها، فسأل ذلك المعمار فقال: غرم عليها ألفي دينار مصرية، فأحضر من ساعته ألفي دينار مصرية وثوب أطلس وعمامة مذهبة وحصاناً بطوق ذهب وسرفسار (٤) ذهب، وقال له:
قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس وبعد أيام حضر رجل من أهل المعرة ينبز بالزقوم كان من أراذلها وفيه
стр. 332
رجلة، فطلب خبز جندي فأعطي ذلك، وجعل من أجناد المعرة، فلما وصل نظم أحمد بن محمد الدويدة المعري (١) :
أهل المعرة تحت أقبح خطّةٍ ... وبهم أناخ الخطب وهو جسيم
لم يكفهم تأمير إبن حصينةٍ ... حتى تجند بعده الزقوم
يا قوم قد سئمت لذاك نفوسنا ... يا قوم أين الترك أين الروم فاشتهرت الأبيات بالمعرة وحلب، وسمعها الأمير أبو الفتح، فعبر على باب ابن الدويدة وسلم عليه، وقال: والك يا ابن الدويدة هجوتني، والله ما بي هجوي، مثل ما بي من كونك قرنتني إلى الزقوم، فضحك ابن الدويدة وقال: الآن والله كان عندي الزقوم وقال: والله ما بي من الهجو ما بي من كونك قرنتني بابن حصينة، فقال له: قبحك الله؛ وهذا هجو ثان.
١١٧ - (٢)
شيخ الأكراد
الحسن ابن عدي بن أبي البركات بن صخر بن مسافر، الملقب بتاج العارفين شمس الدين أبو محمد شيخ الأكراد، وجده أبو البركات هو أخو الشيخ عدي (٣) ﵀؛ وكان شمس الدين من رجال العلم رأياً ودهاء، وله فضل وأدب وشعر وتصانيف في التصوف، وله أتباع ومريدون يبالغون فيه.
стр. 333
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: وبينه وبين الشيخ عدي من الفرق، كما بين القدم والفرق، وقد بلغ من تعظيم العدوية له أنه قدم عليه واعظ فوعظه حتى رق قلبه وبكى وغشي عليه، فوثب الأكراد على الواعظ فذبحوه، ثم أفاق الشيخ حسن فرآه يخبط (١) في دمه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: وإلا إيش هذا من الكلاب حتى يبكي سيدنا الشيخ؟ فسكت حفظاً لدسته وحرمته. وخاف منه بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل فقبض عليه وحبسه، ثم خنقه بوتر بقلعة الموصل خوفاً من الأكراد لأنهم كانوا يشون الغارات على بلاده، فخشي لا يامرهم بأدنى إشارة فيخربون بلاد الموصل.
وفي الأكراد طوائف إلى الآن يعتقدون أن الشيخ لا بد أن يرجع، وقد تجمعت عندهم زكوات ونذور ينتظرون خروجه، وما يعتقدون أنه قتل. وكانت قتلته سنة أربع وأربعين وستمائة، وله من العمر ثلاث وخمسون سنة.
ومن تصانيفه: كتاب محك الإيمان والجلوة لأرباب الخلوة وهداية الأصحاب وله ديوان شعر فيه شيء من الاتحاد، من ذلك:
وقد عصيت اللواحي في محبتها ... وقلت كفّوا فهتك الستر أليق بي
في عشق غانيةٍ في طرفها حورٌ ... في ثغرها شنب، وجدي من الشنب
فنيت عني بها يا صاح إذ برزت ... وغبت إذ حضرت حقاً ولم تغب
وصرت فرداً بلا ثان أقوم به ... وأصبح الكلّ والأكوان (٢) تفخر بي
وكلّ معناي معناها وصورتها ... كصورتي وهي تدعى إبنتي وأبي وله ذوبيت:
الحكمة أن تشرب من الحانات ... خمراً قرنت بسائر اللذات
من كفّ مهفهفٍ متى ما تليت ... آيات صفاته بدت من ذاتي
стр. 334
وله:
سطا وله في مذهب الحبّ أن يسطو ... ملحٌ له في كلّ جارحةٍ قسط
ومن فوق صحن الخدّ للنقط غايةٌ ... تدلّ على ما يفعل الشكل والنقط ١١٨ (١)
الهمام العبدي
الحسن ابن علي بن نصر بن عقيل، أبو علي العبدي الواسطي البغدادي المنعوت بالهمام؛ مدح طائفة بالشام والعراق وأقام بدمشق، وكان شيعياً، روى عنه القوصي، واتصل بخدمة الأمجد صاحب بعلبك. توفي سنة ست وتسعين وخمسمائة ذكره العماد الكاتب في الخريدة.
ومن شعره:
ذمّا معي قلبي وليلي في الهوى ... فكلاهما بالطّيف نمّ وأخبرا
ذا أيقظ الرقباء فرط وجيبه ... بين الضلوع وذاك أشرق إذ سرى وله أيضاً:
أين من ينشد قلباً ... ضاع يوم البين مني؟
تاه لمّا راح يقفو ... أثر الظّبي الأغنّ
سكن البيد فعلمي ... فيهما لا رجم ظن
أن هذا في لظى حز ... ن وذا في روض حسن
نح معي شوقاً إلى البا ... نة يا ورق وغنّي
كلّنا قد علم الح ... بّ بنا عاشق غصن
стр. 335
١١٩ - (١)
المهذب ابن الزبير
الحسن ابن علي بن إبراهيم بن الزبير، أبو محمد الملقب بالقاضي المهذب، وهو أخو القاضي الرشيد؛ توفي القاضي المهذب المذكور في ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة بمصر وكان كاتباً مليح الخط، جيد العبارة، مليح الألفاظ، وكان أشعر من أخيه الرشيد واختص بالصالح ابن رزيك، ويقال إن أكثر الشعر الذي في ديوان الصالح إنما هو شعر المهذب، وحصل له من الصالح مال جم، وكان القاضي عبد العزيز بن الجباب هو الذي قدمه عند الصالح. ولما مات ابن الجباب شمت به المهذب ومشى في جنازته بثياب مذهبة، فاستقبح الناس فعله ونقص بهذا السبب، ولم يعش بعده إلا شهراً واحداً.
وصنف المهذب كتاب الأنساب وهو أكثر من عشرين مجلدة، كل مجلد عشرون كراسة؛ قال ياقوت: رأيت بعضه فوجدته مع تحققي بهذا العلم وبحثي عن كتبه لا مزيد عليه. وكان المهذب قد مضى رسولاً إلى اليمن عن بعض ملوك مصر واجتهد هناك في تحصيل كتب النسب وجمع منها ما لم يجتمع عند أحد، رحمه الله تعالى؛ ومن شعره:
لقد طال هذا الليل بعد فراقه ... وعهدي به قبل الفراق قصير
وكيف أرجّي الصبح بعدهم وقد ... تولّت شموسٌ بعدهم وبدور ومنه:
стр. 336
أقصر فديتك عن لومي وعن عذلي ... أو لا فخذ لي أماناً من ظبا المقل
من كلّ طرف مريض الجفن ينشدني ... يا رب رام بنجد من بني ثعل (١)
إن كان فيه لنا وهو السقيم شفاً ... فربما صحت الأجسام بالعلل (٢) وله في رفاء:
بليت برفاءٍ لواحظ طرفه ... بنا فعلت ما ليس يفعله النصل
يجور على العشاق والعدل دأبه ... ويقطعني ظلماً وصنعته الوصل ومنه:
ولئن ترقرق دمعه يوم النوى ... في الطّرف منه وما تناثر عقده
فالسيف أقطع ما يكون إذا غمدا ... متحيّراً في صفحتيه فرنده وقال يرثي صديقاً له وقع المطر يوم موته:
بنفسي من أبكى السموات فقده ... بغيثٍ ظننّاه نوال يمينه
فما استعبرت إلاّ أسىً وتأسفاً ... وإلاّ فماذا القطر في غير حينه ومنه:
لا ترج ذا نحس وإن أصبحت ... من دونه في الرتبة الشّمس
كيوان أعلى كوكبٍ موضعاً ... وهو إذا أنصفته نحس وله أيضاً:
إذا أحرقت في القلب موضع سكناها ... فمن ذا الذي من بعد يكرم مثواها
وإن نزفت ماء الدموع بهجرها ... فمن أيّ عينٍ تأمل العيس سقياها
وما الدمع يوم البين إلاّ لآلىء ... على الرسم في رسم الديار نثرناها
وما أطلع الزهر الربيع وإنما ... رآى الدمع أجياد الغصون فحلاها
стр. 337
ولمّا أبان البين سرّ صدورنا ... وأمكن فيها الأعين النجل مرماها
عددنا دموع العين لمّا تحدرت ... دروعاً من الصبر الجميل نزعناها
ولمّا وقفنا للوداع وترجمت ... لعيني عمّا في الضمائر عيناها
بدت صورةً في هيكلٍ فلو انّنا ... ندين بأديان النصارى عبدناها
وما طرباً صغنا القريض وإنما ... جلا اليوم مرآة القرائح مرآها
وليلة بتنا في ظلام شبيبتي ... سراي وفي ليل الذوائب مسراها
تأرج أرواح الصّبا كلّما سرى ... بأنفاس ريّا آخر الليل رياها
ومهما أدرنا الكأس باتت جفونها ... من الراح تسقينا الذي قد سقيناها منها:
ولو لم يجد يوم الندى في يمينه ... لسائله غير الشبيبة أعطاها
فيا ملك الدنيا وسائس (١) أهلها ... سياسة من ساس الأمور وقاساها
ومن كلّف الأيام ضدّ طباعها ... وعاين أهوال الخطوب وعاناها
عسى نظرة تجلو بقلبي وخاطري ... صداه فإني دائماً أتصدّاها وله:
فيا صاحبي سجن الخزانة خليا ... نسيم الصبا ترسل إلى كبدي نفحا
وقولا لضوء الصبح هل أنت عائدٌ ... إلى ناظري أم لا أرى بعدها صبحا
ولا تأيسا من رحمة الله أن أرى ... سريعاً بفضل الكامل العفو والصفحا
فإن تحبساني في التخوم تجبّراً ... فلن تحبسا منّي له الشكر والمدحا ومنه:
وما لي إلى ماء سوى النيل غلّةٌ ... ولو أنه أستغفر الله زمزم كان القاضي المهذب، رحمه الله تعالى، لما جرى لأخيه الرشيد ما جرى من
стр. 338
اتصاله بصلاح الدين ابن أيوب قبض شاور على المهذب وحبسه، فكتب إليه يستعطفه فلم ينفع فيه، فالتجأ غل ولده الكامل شجاع وكتب إليه أشعاراً كثيرة من جملتها هذه التي قدمناها، فقام بأمره واصطنعه وضمه إليه بعد أن أمر أبوه شاور بصلبه.
ومن شعر المهذب:
أعلمت حين تجاور الحيّان ... أن القلوب مواقد النّيران
وعلمت أن صدورنا قد أصبحت ... في القوم وهي مرابض الغزلان
وعيوننا عوض العيون أمدّها ... ما غادروا فيها من الغدران
ما الوخد (١) هزّ قناتهم بل هزها ... قلبي لما فيه من الخفقان
وتراه يكره أن يرى أظعانهم (٢) ... وكأنّما أصبحت في الأظعان (٣) ومنه القصيدة التي كتبها إلى الداعي لما قبض على أخيه باليمن يستعطفه على أخيه الرشيد فأطلقه، وهي:
يا ربع أين ترى الأحبة يمموا ... هل أنجدوا من بعدنا أو أتهموا
نزلوا من العين السواد وإن نأوا ... ومن الفؤاد مكان ما أنا أكتم
رحلوا وفي القلب المعنّى بعدهم ... وجدٌ على مرّ الزمان مخيم
رحلوا وقد لاح الصباح وإنما ... تسري إذا جنّ الظلام الأنجم
وتعوضت بالأنس روحي وحشةً ... لا أوحش الله المنازل منهم
إني لأذكركم إذا ما أشرقت ... شمس الضحى من نحوكم فأسلم
لا تبعثوا لي في النّسيم تحيّةً ... إني أغار من النسيم عليكم
إني امرؤ قد بعت حظي راضياً ... من هذه الدنيا بحظّي منكم
стр. 339
فسلوت إلاّ عنكم وقنعت إل ... اّ منكم وزهدت إلاّ فيكم
ما كان بعد أخي الذي فارقته ... ليبوح إلاّ بالشكاية لي فم
هو ذاك لم يملك علاه مالكٌ ... كلاّ ولا وجدي عليه متمم
أقوت مغانيه وعطّل ربعه ... ولربما هجر العرين الضيغم
ورمت به الأهوال همة ماجدٍ ... كالسيف يمضي غربه ويصمم
يا راحلاً بالمجد عنّا والعلا ... أترى يكون لكم علينا مقدم
يفديك قومٌ (١) كنت واسط عقدهم ... ما إن لهم مذ غبت شملٌ ينظم
جهلوا فظنّوا أن بعدك مغنمٌ ... لمّا رحلت وإنما هو مغرم
ولقد أقرّ العين أنّ عداك قد ... هلكوا ببغيهم وأنت مسلّم منها:
أقيال بأسٍ خير من حمل القنا ... وملوك قحطان الذين هم هم
متواضعين ولو ترى ناديهم ... ما اسطعت (٢) من إجلالهم تتكلم
وكفاهم شرفاً ومجداً أنّهم ... أن أصبح الداعي المتوج منهم
هو بدر تمّ في سماء علائهم ... وبنو أبيه بنو زريعٍ أنجم
ملكٌ حماه جنّةٌ لعفاته ... لكنّه للحاسدين جهنّم منها:
مع أنّني سيرت فيك شوارداً ... كالدرّ بل أبهى لدى من يفهم
تغدو وهوج الذاريات رواكدٌ ... وتبيت تسري والكواكب نوّم
стр. 340
١٢٠ - (١)
أبو البدر الإسكافي
الحسن بن علي بن سالم المعمر بن عبد الملك بن باهوج الاسكافي الأصل البغدادي المولد والدار، أبو البدر ابن أبي منصور، أحد الكتاب المتصرفين في خدمة الديوان الإمامي، هو وأبوه، وكان فيه فضل، وله أدب بارع وعربية، ويكتب خطاً حسناً على طريقة ابن مقلة قل نظيره فيه، ولقي المشايخ، وصنف عدة تصانيف في الأدب، وتنقل في الولايات، وصحب أبا محمد ابن الخشاب النحوي مدة، وقرأ عليه، وعلق عنه تعاليق، وحج وجاور بمكة، ثم صار إلى الشام وأقام بحلب مدة، ثم انتقل إلى مصر وسكنها إلى أن مات سنة ست وتسعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. وطول ياقوت ترجمته. ومن شعره:
خليليّ هل تشفي من الوجد وقفة ... بخيف منىً والسّامرون هجوع
وهل للييلات المحصّب عودةٌ ... وعيشٍ مضى بالمأزمين رجوع
وهل سرحة بالسفح من أيمن الصفا ... رعت من عهودي ما أضاع مضيع
وهل قوّضت خيمٌ على أبرق الحمى ... وما ذاك من غدر الزمان بديع
وهل تردن ماءً بشعب ابن عامرٍ ... حوائم لو يقضى لهنّ شروع
وما ذاك إلاّ عارض من طماعةٍ ... له بقلوب العاشقين ولوع
وإني متى أعصي التجلد والأسى ... فللشوق منّي والغرام مطيع
فيا جيرتي إذ للزمان نضارةٌ ... وعودي نضارٌ والخيام جميع
بنعمان والأيّام فينا حميدةٌ ... ووادي الهوى للنازلين مريع
стр. 341
كفى حزناً أنّي أبيت وبيننا ... من البيد معروض الفجاج وسيع
أعالج نفساً قد تولّى بها الأسى ... وطرفاً (١) يجفّ المزن وهو مريع ١٢١ (٢)
الحسن الساسكوتي
الحسن ابن علي بن حسن بن علي بن كثير بن علي العامري الساسكوتي الحموي الشاعر، توفي بعد الستمائة، رحمه الله تعالى.
من شعره:
أيروم هذا القلب برء جراحه ... وسيوف لحظك تنتضى لكفاحه
يا مستبيح دم المتيّم عامداً ... أنسيت يوم البعث حمل جناحه
نظري الذي في الحبّ قد أفسدته ... إفساده في الحبّ عين (٣) صلاحه
حتام تطرف طرف عيني بالبكا ... وإلام طرفي مولع بطماحه
يا ويح مودع سرّه في جفنه ... فلقد أراد الستر من فضّاحه
ليت الحبيب غداة أثمر خدّه ... لم يحم عن عيني جنى تفّاحه
يا لائم المشتاق يبغي نصحه ... مره بهم لتكون من نصاحه
أو فانظر الرشأ الذي خلخاله ... لو شاء صيره مكان وشاحه
يفترّ عن شبمٍ تلألأ نوره ... كالروض لاح لديك نور أقاحه
ويدير ناظره فيسكرنا فقل ... برشاً ينوب بعينه عن راحه
стр. 342
منها في المديح:
ملكٌ إذا رتج العدا أبوابهم ... كانت مفاتحها رؤوس رماحه
يرجى ويخشى فالمنية والمنى ... مقرونتان بصفحه وصفاحه
سمحٌ لوانّ الغيث كلم قبله ... بشراً لعنفه لفرط سماحه
هو بحر جودٍ فابتعد عن لجّه ... لا يغرقنّك وادن من ضحضاحه
يعلو وينزل للرعية فضله ... كالطّود يدفع ماءه لبطاحه وقال يمدح زين الدين أتابك:
أعن لؤلؤ رطب تبسّمت أم ثغر ... ومن ريقة أسكرتني أم من الخمر
وعطفك تيهاً ماس أم خوط بانةٍ ... وطرفك أم هاروت ينفث بالسحر
فعنك نهاني لائمي ولو أنه ... يحاول نصحي بدّل النهي بالأمر
وها أنذري إن كنت ناذرةً دمي ... لديك ويا شوقي إلى ذلك النذر
وإنّي لأهوى أن تبوئي بقتلتي ... ليبعثني خصماً لك الله في الحشر وقال أيضاً بهجو عروضياً نحوياً:
لا تنكروا ما ادّعى فلان من ال ... شعر إذا قيل إنّه شاعر
فالنحو ثمّ العروض قد شهدا ... له على الشّعر أنّه قادر
يقصر ممدوده ويرفعه ... في الجر نصب الغرمول في الآخر
يريك وهو البسيط دائرةً ... تجمع بين الطويل والوافر وقال في طراة فيروز (١) أخضر:
أنا أرضٌ تغار منّي السّماء ... إذ يطاني بأخمصيه البهاء
فاض من كفه المنى فاستدارت ... في حواشيه روضةٌ غنّاء وقال وقد ناوله مليح خاتماً فصّه عقيق ولوزاته فضة:
стр. 343
وأهيفٍ ناولني خاتماً ... فخلته ناولني فاه
كأنما الفصّ ولوزاتهم ... لسانه بين ثناياه
وفضل فيه أنه خاتم ... من فضةٍ صيّاغه الله ١٢٢ (١)
بدر الدين ابن هود
الحسن بن علي بن عضد الدولة أبي الحسن، أخي المتوكل على الله ملك الأندلس ابن يوسف بن هود الجذامي.
قال الشيخ أثير الدين: رأيته بمكة وجالسته، وكان يظهر منه الحضور مع من يكلمه، ثم لا تظهر الغيبة منه، وكان يلبس نوعاً من الثياب مما لم يعهد لبس مثله بهذي البلاد، وكان يذكر أنه يعرف شيئاً (٢) من علوم الأوائل، وكان له شعر منه:
خضت الدجنّة حتى لاح لي قبس ... وبان بان الحمي من ذلك القبس
فقلت للقوم هذا الربع ربعهم ... وقلت للسمع لا تخلو من الحرس
وقلت للعين غضّي عن محاسنه ... وقلت للنطق هذا موضع الخرس وقال الشيخ شمس الدين: هو الشيخ الزاهد الكبير أبو علي بن هود، المرسي، أحد الكبار في التصوف على طريقة الوحدة؛ مولده سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بمرسية، وكان أبوه نائب السلطنة بها، حصل له زهد مفرط وفراغ عن الدنيا، وسكرة عن ذاته وغفلة عن نفسه، فسافر وترك الحشمة، وصحب ابن سبعين واشتغل بالطب والحكمة وزهديات الصوفية (٣) ، وخلط هذا بهذا، وحج
стр. 344
ودخل اليمن وقدم الشام. وكان ذا هيبة ووقار وشيبة (١) وسكون وفنون، وتلامذة وزبون، وكان على راسه قبع كشف (٢) ، وعلى جسده دلق (٣) ؛ كان غارقاً في الفكرة عديم اللذة متواصل الأحزان، فيه انقباض عن الناس، وحمل مرة إلى والي البلد وهو سكران، أخذوه من حارة اليهود، فأحسن الوالي به الظن وأطلقه وقال: سقاه اليهود خبثاً منهم ليغضوا عنه (٤) بذلك، وكان قد نالهم منه أذى، وأسلم على يده جماعة: منهم سعيد وبركات. وكان يحب الكوارع المغمومة (٥) ، فدعوه إلى بيت واحد منهم وقدموا له ذلك، فأكل ثم غاب ذهولاً على عادته، فأحضروا الخمر فلم ينكر حضورها، فأداروها ثم ناولوه منها قدحاً، فاستعمله تشبيهاً بهم، فلما سكر أخرجوه على تلك الحال، وبلغ الخبر الوالي فركب وحضر إليه وأردفه خلفه، وبقي الناس خلفه يتعجبون من أمره، وهو يقول لهم بعد كل فترة أي وايش قد جرى؟! ابن هود يشرب العقار؟ يعقد القاف كافاً في كلامه. وكان يشتغل اليهود عليه في كتاب الدلالة وهو مصنف في أصول دينهم للريس موسى (٦) .
قال الشيخ شمس الدين: قال شيخنا عماد الدين الواسطي: أتيت إليه وقلت له: أريد أن تسلكني، فقال: من أي الطرق؟ من الموسوية أو العيسوية أو المحمدية؟
وكان إذ طلعت الشمس يستقبلها ويصلب على وجهه.
وصحبه العفيف عمران الطبيب والشيخ سعيد المغربي وغيرهما، ولا صلى
стр. 345
عليه قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، ودفن بسفح قاسيون سنة تسع وتسعين وستمائة.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي (١) : كان بعض الأيام يقول لتلميذه سعيد: أرني فاعد النهار، فيأخذه بيده ويصعد إلى سطح فيقف باهتاً إلى الشمس نصف نهار (٢) ، وكان يمشي في الجامع باهت الطرف ذاهل العقل، وهو رافع إصبعه السبابة كالمتشهد، وكان يوضع في يده الجمر فيقبض عليه ذهولاً عنه، فإذا أحرقه رجع إلى حسه وألقاه من يده، وكان تحفر له الحفر في طريقه فيقع فيها ذهولا وغيبة.
ومن شعره عفا الله عنه وتجاوز:
فؤادي من محبوب قلبي لا يخلو ... وسري على فكري محاسنه يجلو
ألا يا حبيب القلب يا من بذكره ... على ظاهري من باطني شاهد عدل
تجلّيت لي مني عليّ فأصبحت ... صفاتي تنادي: ما لمحبوبنا مثل
أورّي بذكر الجزع عنه وبانةٍ ... ولا البان مطلوبي ولا قصدي الرمل
وأذكر سعدى في حديثي مغالطاً ... بليلى ولا ليلى مرادي ولا جمل
ولم أر في العشاق مثلي لأنّني ... تلذ لي البلوى ويحلو لي العذل
سوى معشرٍ حلّوا النظام ومزقوا الثي ... اب فلا فرضٌ عليهم ولا نفل
مجانين إلاّ ذلّ جنونهم ... عزيزٌ على أعتابهم يسجد العقل وله قصيدة أولها:
علم قومي بي جهل ... إنّ شاني لأجلّ منها:
أنا عبدٌ أنا ربّ ... أنا عزّ أنا ذل
стр. 346
أنا دنيا أنا أخرى ... أنا بعضٌ أنا كلّ
أنا معشوقٌ لذاتي ... لست عني الدهر أسلو
فوق عشر دون تسعٍ ... بين خمسٍ لي يحلّ وهي طويلة جداً. والله أعلم بحاله.
١٢٣ - (١)
بدر الدين ابن المحدث
الحسن بن علي، الشيخ بدر الدين ابن المحدث، الكاتب المجود؛ كان فاضلاً ينظم وينثر، وله كتاب برا باب الجابية بدمشق، وكان يكتب العصر بالأمينية، كتب عليه جماعة، وكتب هو على الشيخ نجم الدين ابن البصيص. توفي في سنة اثنتين وثلاثين أو ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وقد ناهز السبعين.
كان الملك الأوحد له معه صحبة، فتحدث له مع الأفرم أن يدخل ديوان الإنشاء بدمشق، فرسم له بذلك فأبى فلامه الملك الأوحد على ترك ذلك، فقال: أنا إذا دخلت إلى الديوان ما يرتب لي أكثر من خمس الدراهم (٢) كل يوم، وما يجلسوني فوق بني فضل الله، ولا بني القلانسي، ولا بني القيسراني، ولا فوق بني غانم، وما يجلسوني إلا دونهم، ولو تكلمت قالوا: ابصر المصفعة واحد كان فقيه كتاب يريد يقعد فوق السادة الموقعين، وإن جا سفر ما يخرجون غيري، وإن تكلمت قالوا: ابصر المصفعة قال يحتشم على السفر في ركاب
стр. 347
ملك الأمراء، وها أنا كل يوم أحصل من المكتب الثلاثون درهماً والأكثر والأقل، وأنا كبير هذه الصناعة، وأحكم في أولاد الرؤسا والمحتشمين.
ومن شعره في فرحة بنت المخايلة المغنية:
ما فرحتي إلاّ إذا واصلت ... فرحة بين الكسّ والكاس
لا أن أراها وهي في مجلسٍ ... ما بين طبّاخٍ وهرّاس ومن شعره:
وقد عنفوني في هواه بقولهم ... ستطلع منه الدقن (١) فاصبر على الحزن
فقلت لهم: كفوا فإنّي واقع ... وحقكم بالوجد فيه إلى الدقن ١٢٤ (٢)
أبو الجوائز الواسطي
الحسن ابن علي بن محمد الكاتب، أبو الجوائز الواسطي؛ أقام ببغداد زمناً طويلاً، وذكره الخطيب في تاريخه (٣) وقال: علقت عنه أخباراً وحكايات وأناشيد وأمالي عن ابن سكرة الهاشمي وغيره، ولم يكن ثقة، فإنه ذكر لي أنه سمع من ابن سكرة وكان يصغر عن ذلك، وكان أديباً شاعراً. ومن شعره:
دع الناس طرّاً واصرف الودّ عنهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح
ولا تبغ من دهرٍ تظاهر رنقه ... صفاء بنيه فالطباع جوامح
وشيئان معدومان في الأرض: درهمٌ ... حلالٌ، وخلٌّ (٤) في المودّة ناصح
стр. 348
ومن شعره:
يا خجلتي من قولها ... خان عهودي ولها
وحقّ من صيّرني ... وقفاً عليها ولها
ما خطرت بخاطري ... إلاّ كستني ولها وقال أيضاً:
براني الهوى بري المدى وأذابني ... صدودك حتى صرت أنحل من أمس
فلست أرى حتى أراك وإنّما ... بين هباء الذرّ في ألق الشمس وكانت وفاته في سنة ستين وأربعمائة، ﵀
١٢٥ - (١)
أبو العالية الشامي
الحسن بن مالك، أبو العالية الشامي، مولى للعميين وبنو العم: قوم من فارس نزلوا البصرة في بني تميم أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وغزوا مع المسلمين فحمدوا بلاءهم وقالوا لهم: انتم وإن تكونوا من العرب إخواننا وأهلنا، وأنتم الأنصار وبنو العم، فلقبوا بذلك.
ونزل أبو العالية البصرة ثم قدم بغداد، فأدب العباس ابن المأمون وكان أديباً شاعراً راوية من أصحاب الأصمعي، وكان إذا جالس الأصمعي أو غيره وتكلم معه انتصف منه وزاد عليه. ومن شعره:
ولو أنني أعطيت من دهري المنى ... وما كل من يعطى المنى بمسدّد
стр. 349
لقلت لأيّامٍ مضين ألا ارجعي ... وقلت لأيّام أتين ألا ابعدي حدث المبرد قال، قال الجماز لأبي العالية: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت على غير ما يحب الله وغير ما أحب أنا وغير ما يحب إبليس؛ لأن الله يحب أن أطيعه ولا أعصيه ولست كذلك، وأنا أحب أن أكون على غاية الجدة والثروة ولست كذلك، وإبليس يحب أن أكون منهمكاً في المعاصي واللذات ولست كذلك.
ومن شعره أيضاً:
أذم بغداد والمقام بها ... من بعد ما خبرة وتجريب
ما عند سكّانها لمختبطٍ ... رفد ولا فرجةٌ لمكروب
قومٌ مواعيدهم مطرزة ... بزخرف القول والأكاذيب
خلوا سبيل العلى لغيرهم ... ونازعوا في الفسوق والحوب
يحتاج راجي النوال عندهم ... إلى ثلاثٍ من غير تكذيب
كنوز قارون أن تكون له ... وعمر نوحٍ وصبر أيّوب وكانت وفاته بعد الأربعين والمائتين، رحمه الله تعالى وعفا عنه.
١٢٦ - (١)
ابن الخل الشاعر
الحسن بن المبارك بن محمد بن الخل الفقيه أبو الحسين الشاعر أخو أبي (٢) الحسن
стр. 350
محمد ابن الخل الفقيه؛ كان شاعراً ظريفاً رشيق القول مليح المعاني، مدح وهجا وتنوع في قول الشعر، وقال الذوبيت.
قال محب الدين ابن النجار: روى شعره أبو بكر ابن كامل الخفاف وأبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الدمشقي في معجم شيوخهما، وكلهم سماه الحسن، وسماه ابن السمعاني أحمد، ورأيت بخطه وكتب الحسن. وتوفي فجأة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
ومن شعره ﵀:
روّحا روحي براح ... عوض الماء القراح
وادركاني بالأغاني ... قبل إدراك الصباح
فهو يومٌ قد بدت في ... هـ أمارات الفلاح
يوم لهوٍ وفنونٍ ... من محونٍ ومزاح
سيّما والغيم قد أق ... بل من كلّ النّواحي
واستغاث الماء في دج ... لة من جور الرّياح
ودعا عذلكما لي ... في فسادي أو صلاحي
ففساد العقل أن أب ... صر في ذا اليوم صاحي وقال أيضاً:
زار طيف الخيال نضو خيال ... زورةً ما تموهت بالوصال
غير أنّ المحبّ يرضى بطيفٍ ... أو بوعدٍ منغّصٍ بمطال
وعلى أنّه يسرّ ولكن ... حين يسري عنّي يزيد خبالي (١)
آه من قلة التجلّد والصب ... ر وويلي من كثرة العذال
وبنفسي ذاك الغزال وحاشا ... حسنه أن أقيسه بالغزال
والبديع الذي إذا بلبل الأص ... داغ أعدى القلوب بالبلبال
стр. 351
ومحيّاه كالهلال إذا أق ... مر في تمه ولا كالهلال وقال أيضاً:
قلت لها لا تقتلي مدنفاً ... هواك قد هيّج بلباله
ما زال يرجو منك وصلاً إلى ... أن قطع الهجران أوصاله
فابتسمت تيهاً وقالت وكم ... قد قتلت عيناي أمثاله ١٢٧ (١)
الوزير المهلبي
الحسن بن محمد بن عبد الله بن هارون، أبو محمد الوزير المهلبي، من ولد المهلب ابن أبي صفرة؛ كان كاتب معز الدولة ابن بويه، ولما مات الصيرمي قلده معز الدولة الوزارة مكانه سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، وقربه وأدناه واختص به وعظم جاهه عنده، وكان يدبر أمر الوزارة للمطيع من غير تسمية الوزارة، ثم جددت له الخلع من دار الخلافة بالسواد والسيف والمنطقة، ولقبه المطيع بالوزارة، ودبر الدولتين.
وكان ظريفاً نظيفاً (٢) ، قد أخذ من الأدب بحظ وافر، وله همة كبيرة وصدر واسع، وكان جماعاً لخلال الرياسة صبوراً على الشدائد.
وكان أبو الفرج الأصبهاني وسخاً في ثوبه ونفسه وفعله، فواكل الوزير المهلبي على مائدة، وقدمت سكباجة وافقت من أبي الفرج سعلة، فندرت من
стр. 352
فمه قطعة بلغم وقعت في وسط الصحن، فقال المهلبي: ارفعوا هذا وهاتوا من هذا اللون في غير هذا الصحن، ولم يبن في وجهه استكراه، ولا دال أبا الفرج حياء ولا انقباض.
وكان من ظرف (١) الوزير المهلبي إذا أراد أكل شيء من أرز بلبن وهرايس وحلوى دقيق وقف إلى جانبه الأيمن غلام معه نحو من ثلاثين ملعقة زجاجاً مجروداً، فيأخذ الملعقة من الغلام الذي على يمينه ويأكل بها لقمة واحدة ثم يدفعها إلى الغلام الذي على يساره لئلا يعيد الملعقة إلى فيه مرة ثانية.
ولما كثر على الوزير استمرار ما يجري من أبي الفرج جعل له مائدتين إحداهما كبيرة عامة، والأخرى لطيفة خاصة يواكله عليها من يدعوه إليها. وعلى صنعه بأبي الفرج ما كان يصنعه ما خلا من هجوه، فإن أبا (٢) الفرج قال:
أبعين مفتقر إليك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوك لأنّني ... أنزلت آمالي بغير الخالق ويروى هذان البيتان (٣) للمتنبي، رواهما (٤) له تاج الدين الكندي، والله أعلم لمن هما.
وكان قبل وزارته قد سافر مرة ولقي في سفره مشقة شديدة، واشتهى اللحم فلم يقدر عليه، وكان معه رفيق يقال له أبو عبد الله الصوفي، فقال المهلبي ارتجالاً:
ألا موتٌ يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
стр. 353
إذا أبصرت قبراً من بعيدٍ ... وددت لو انّني ممّا يليه
ألا موت لذيذ الطعم يأتي ... يخلّصني من الموت الكريه
إلاّ رحم المهيمن نفس حرٍّ ... تصدق بالوفاة على أخيه فلما سمع الأبيات اشترى له بدرهم لحما (١) وطبخه وأطعمه، وتفارقا، وتنقلت الأحوال بالمهلبي وولي الوزارة، وضاقت الأحوال برفيقه الصوفي، فقصده وكتب إليه:
ألا قل للوزير فدته نفسي ... مقال مذكّر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضيق عيشٍ ... ألا موت يباع فأشتريه فلما قرأ الأبيات تذكره، وأمر له في الحال بسبعمائة درهم، ووقع له في رقعته " مَثَلُ الّذينَ يُنفِقُونَ أموالهمْ في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبّة " البقرة ثم دعا به وخلع عليه وقلده عملاً يليق به.
ولما ترقت به الحال قال:
رقّ الزمان لفاقتي ... رثى لطول تقلقي
فأنالني ما أرتجي ... هـ وحاد عمّا أتقي
فلأصفحن عمّا جناه ... من الذّنوب السّبّق
حتى جنايته بما ... فعل المشيب بمفرقي ومن شعره:
قال لي من أُحبّ والبين قد ج ... دّ وفي مهجتي لهيب الحريق
ما الذي في الطريق تصنع بعدي؟ ... قلت أبكي عليك طول الطريق
стр. 354
قال أبو إسحاق الصابي: كنت يوماً عند الوزير المهلبي، فأخذ ورقة وكتب فيها، فقلت بديهاً:
له يدٌ أبدعت (١) جوداً بنائلها ... ومنطقٌ دره في الطّرس ينتثر
فحاتم كامنٌ في بطن راحته ... وفي أناملها سحبان يستتر ومن شعره:
الجود طبعي ولكن ليس لي مال ... وكيف يصنع من بالقرض يحتال
فهاك خطي فخذه معك تذكرةً ... إلى اتّساعٍ فلي في الغيب آمال (٢) ومنه:
أتاني في قميص اللاذ يسعى ... عدوٌّ لي يلقّب بالحبيب
فقلت له فديتك كيف هذا ... بلا واشٍ أتيت ولا رقيب
فقال الشمس أهدت لي قميصاً ... كلون الشمس في شفق الغروب
فثوبي والمدام ولون خدي ... قريبٌ من قريبٍ من قريب ومنه:
تطوى بأوتارها الهموم كما ... يطوى دجى اللّيل بالمصابيح
ثمّ تغنّت فخلتها سمحت ... بروحها خلعةً على روحي كان أبو النجيب شداد بن إبراهيم الجزري الواعظ الملقّب بالظاهر (٣) كثير الملازمة للوزير المهلبي، فاتفق أن غسل ثيابه، فأنفذ الوزير يدعوه فاعتذر، فلم يقبل، وألح في استدعائه، فكتب إليه:
عبدك تحت الحبل عريان ... كأنه لا كان شيطان
يغسل أثواباً كأن البلى ... فيها خليط وهي أوطان
стр. 355
أرقّ من ديني وإن كان لي ... دين كما للناس أديان
كأنها حالي من قبل أن ... يصبح عندي لك إحسان
يقول من يبصرني معرضاً ... فيها وللأقوال برهان
هذا الذي قد نسجت فوقه ... عناكب الحيطان إنسان فأنفذ إليه جبة وقميصاً وعمامة وسراويل وخمسمائة درهم، وقال: أنفذت إليك ما تلبسه، ومتا تدفعه إلى خياط، فإن كنت غسلت التكة واللالكة (١) عرفني لأنفذ لك عوضهما.
ومن شعر الوزير المهلبي:
تصارمت الأجفان لما هجرتني ... فما تلتقي إلاّ على (٢) عبرة تجري وطول ياقوت ترجمته.
وكانت وفاته سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، بطريق واسط، وحمل إلى بغداد، رحمه الله تعالى.
١٢٨ - (٣)
ابن كسرى المالقي
الحسن بن محمد بن علي الأنصاري، أبو علي المالقي المعروف بابن كسرى؛ قال ابن الأبار في تحفة القادم (٤) ؛ توفي سنة أربع وستمائة، ﵀. ومن