ومحيّاه كالهلال إذا أق ... مر في تمه ولا كالهلال وقال أيضاً:
قلت لها لا تقتلي مدنفاً ... هواك قد هيّج بلباله
ما زال يرجو منك وصلاً إلى ... أن قطع الهجران أوصاله
فابتسمت تيهاً وقالت وكم ... قد قتلت عيناي أمثاله ١٢٧ (١)
الوزير المهلبي
الحسن بن محمد بن عبد الله بن هارون، أبو محمد الوزير المهلبي، من ولد المهلب ابن أبي صفرة؛ كان كاتب معز الدولة ابن بويه، ولما مات الصيرمي قلده معز الدولة الوزارة مكانه سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، وقربه وأدناه واختص به وعظم جاهه عنده، وكان يدبر أمر الوزارة للمطيع من غير تسمية الوزارة، ثم جددت له الخلع من دار الخلافة بالسواد والسيف والمنطقة، ولقبه المطيع بالوزارة، ودبر الدولتين.
وكان ظريفاً نظيفاً (٢) ، قد أخذ من الأدب بحظ وافر، وله همة كبيرة وصدر واسع، وكان جماعاً لخلال الرياسة صبوراً على الشدائد.
وكان أبو الفرج الأصبهاني وسخاً في ثوبه ونفسه وفعله، فواكل الوزير المهلبي على مائدة، وقدمت سكباجة وافقت من أبي الفرج سعلة، فندرت من
стр. 352
فمه قطعة بلغم وقعت في وسط الصحن، فقال المهلبي: ارفعوا هذا وهاتوا من هذا اللون في غير هذا الصحن، ولم يبن في وجهه استكراه، ولا دال أبا الفرج حياء ولا انقباض.
وكان من ظرف (١) الوزير المهلبي إذا أراد أكل شيء من أرز بلبن وهرايس وحلوى دقيق وقف إلى جانبه الأيمن غلام معه نحو من ثلاثين ملعقة زجاجاً مجروداً، فيأخذ الملعقة من الغلام الذي على يمينه ويأكل بها لقمة واحدة ثم يدفعها إلى الغلام الذي على يساره لئلا يعيد الملعقة إلى فيه مرة ثانية.
ولما كثر على الوزير استمرار ما يجري من أبي الفرج جعل له مائدتين إحداهما كبيرة عامة، والأخرى لطيفة خاصة يواكله عليها من يدعوه إليها. وعلى صنعه بأبي الفرج ما كان يصنعه ما خلا من هجوه، فإن أبا (٢) الفرج قال:
أبعين مفتقر إليك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوك لأنّني ... أنزلت آمالي بغير الخالق ويروى هذان البيتان (٣) للمتنبي، رواهما (٤) له تاج الدين الكندي، والله أعلم لمن هما.
وكان قبل وزارته قد سافر مرة ولقي في سفره مشقة شديدة، واشتهى اللحم فلم يقدر عليه، وكان معه رفيق يقال له أبو عبد الله الصوفي، فقال المهلبي ارتجالاً:
ألا موتٌ يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه
стр. 353
إذا أبصرت قبراً من بعيدٍ ... وددت لو انّني ممّا يليه
ألا موت لذيذ الطعم يأتي ... يخلّصني من الموت الكريه
إلاّ رحم المهيمن نفس حرٍّ ... تصدق بالوفاة على أخيه فلما سمع الأبيات اشترى له بدرهم لحما (١) وطبخه وأطعمه، وتفارقا، وتنقلت الأحوال بالمهلبي وولي الوزارة، وضاقت الأحوال برفيقه الصوفي، فقصده وكتب إليه:
ألا قل للوزير فدته نفسي ... مقال مذكّر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضيق عيشٍ ... ألا موت يباع فأشتريه فلما قرأ الأبيات تذكره، وأمر له في الحال بسبعمائة درهم، ووقع له في رقعته " مَثَلُ الّذينَ يُنفِقُونَ أموالهمْ في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبّة " البقرة ثم دعا به وخلع عليه وقلده عملاً يليق به.
ولما ترقت به الحال قال:
رقّ الزمان لفاقتي ... رثى لطول تقلقي
فأنالني ما أرتجي ... هـ وحاد عمّا أتقي
فلأصفحن عمّا جناه ... من الذّنوب السّبّق
حتى جنايته بما ... فعل المشيب بمفرقي ومن شعره:
قال لي من أُحبّ والبين قد ج ... دّ وفي مهجتي لهيب الحريق
ما الذي في الطريق تصنع بعدي؟ ... قلت أبكي عليك طول الطريق
стр. 354
قال أبو إسحاق الصابي: كنت يوماً عند الوزير المهلبي، فأخذ ورقة وكتب فيها، فقلت بديهاً:
له يدٌ أبدعت (١) جوداً بنائلها ... ومنطقٌ دره في الطّرس ينتثر
فحاتم كامنٌ في بطن راحته ... وفي أناملها سحبان يستتر ومن شعره:
الجود طبعي ولكن ليس لي مال ... وكيف يصنع من بالقرض يحتال
فهاك خطي فخذه معك تذكرةً ... إلى اتّساعٍ فلي في الغيب آمال (٢) ومنه:
أتاني في قميص اللاذ يسعى ... عدوٌّ لي يلقّب بالحبيب
فقلت له فديتك كيف هذا ... بلا واشٍ أتيت ولا رقيب
فقال الشمس أهدت لي قميصاً ... كلون الشمس في شفق الغروب
فثوبي والمدام ولون خدي ... قريبٌ من قريبٍ من قريب ومنه:
تطوى بأوتارها الهموم كما ... يطوى دجى اللّيل بالمصابيح
ثمّ تغنّت فخلتها سمحت ... بروحها خلعةً على روحي كان أبو النجيب شداد بن إبراهيم الجزري الواعظ الملقّب بالظاهر (٣) كثير الملازمة للوزير المهلبي، فاتفق أن غسل ثيابه، فأنفذ الوزير يدعوه فاعتذر، فلم يقبل، وألح في استدعائه، فكتب إليه:
عبدك تحت الحبل عريان ... كأنه لا كان شيطان
يغسل أثواباً كأن البلى ... فيها خليط وهي أوطان
стр. 355
أرقّ من ديني وإن كان لي ... دين كما للناس أديان
كأنها حالي من قبل أن ... يصبح عندي لك إحسان
يقول من يبصرني معرضاً ... فيها وللأقوال برهان
هذا الذي قد نسجت فوقه ... عناكب الحيطان إنسان فأنفذ إليه جبة وقميصاً وعمامة وسراويل وخمسمائة درهم، وقال: أنفذت إليك ما تلبسه، ومتا تدفعه إلى خياط، فإن كنت غسلت التكة واللالكة (١) عرفني لأنفذ لك عوضهما.
ومن شعر الوزير المهلبي:
تصارمت الأجفان لما هجرتني ... فما تلتقي إلاّ على (٢) عبرة تجري وطول ياقوت ترجمته.
وكانت وفاته سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، بطريق واسط، وحمل إلى بغداد، رحمه الله تعالى.
١٢٨ - (٣)
ابن كسرى المالقي
الحسن بن محمد بن علي الأنصاري، أبو علي المالقي المعروف بابن كسرى؛ قال ابن الأبار في تحفة القادم (٤) ؛ توفي سنة أربع وستمائة، ﵀. ومن
стр. 356
شعره في طفل قبله فاحمرت وجنته:
وا بأبي رائق الشباب ويا (١) ... بهجة خدّيه ما أُميلحها
كأنّني عندما أقبلها ... أنفخ في وردةٍ لأفتحها وقال:
وخالق بنقصانٍ جميع الورى تسد ... فيا سوء ما تلقاه إن كنت فاضلا
ألم تر أنّ البدر يرقب ناقصا ... ويترك منسيّاً إذا كان كاملا وقال في ابن خلدون:
يا شاعراً يتسامى ... وجدّه خلدون
لم يكف أنك خلٌّ ... حتى بأنك دون ١٢٩ (٢)
أبو الفضائل الصاغاني
الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر بن علي، العلامة رضي الدين أبو الفضائل القرشي العدوي العمري، المحدث الفقيه الحنفي اللغوي النحوي الصاغاني؛ وصاغان من بلاد ما وراء النهر.
قال ياقوت: قدم العراق وحج، ثم دخل اليمن ونفق له بها سوق، وله تصانيف في الأدب منها تكملة العزيزي وكتاب في التصريف ومناسك الحج
стр. 357
ختمه بأبيات قالها وهي:
شوقي إلى الكعبة الغرّاء قد زادا ... فاستحمل القلص الوخّادة الزادا
أراقك الحنظل العاميّ منتجعاً ... وغيرك انتجع السعدان وارتادا
أتعبت سرحك حتى آض عن كثبٍ ... نيافها رزّحاً والصعب منقادا
فاقطع علائق ما ترجوه من نسبٍ ... واستودع الله أموالاً وأولادا وكان يقرأ عليه بعدن معالم السنن للخطابي، وكان معجباً به وبكلام مصنفه. ويقول: إن الخطابي جمع لهذا الكتاب جراميزه (١) . وقال لأصحابه: احفظوا غريب أبي عبيد القاسم بن سلام، فمن حفظه ملك ألف دينار، فإني حفظته فملكتها، وأشرت على بعض أصحابي بحفظه فحفظه وملكها.
قال ياقوت: وفي سنة ثلاث عشرة (٢) وستمائة كان بمكة، وقد رجع من اليمن، وهو آخر العهد به.
وقال الشيخ شمس الدين في حقه: هو صاحب التصانيف، ولد بمدينة لوهور سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ونشأ بغزنة، ودخل بغداد سنة خمس عشرة وستمائة، وذهب منها بالرسالة الشريفة إلى ملك الهند سنة سبع عشرة (٣) وأقام بها مدة، ثم رجع وقدم سنة أربع وعشرين، ثم أعيد إليها بالرسالة، ثم رجع إلى بغداد سنة سبع وثلاثين، وسمع بمكة واليمن والهند وببغداد، وكان إليه المنتهى في علم اللغة ومعرفة اللسان العربي، صنف كتاب مجمع البحرين في اللغة اثنا عشر مجلد، والعباب الزاخر عشرين مجلد، ولم يكمل، رأيته بدمشق بخطه، وأبيع في سوق الكتب، وله كتاب الشوارد في اللغات وكتاب توشيح الدريدية وكتاب التراكيب وكتاب فعال وكتاب فعلان
стр. 358
وكتاب الانفعال وكتاب يفعول (١) وكتاب الأضداد وكتاب العروض وكتاب أسماء العادة وكتاب أسماء الأسد وأسماء الذئب وكتاب في علم الحديث ومشارق الأنوار في الجمع بين الصحيحين ومصباح الدجى والشمس المنيرة وشرح البخاري في مجلد ودر السحابة في وفيات الصحابة وكتاب الضعفاء والفرائض وشرح أبيات المفصل وغير ذلك.
قال الدمياطي: كان شيخاً صالحاً صموتاً عن فضول الكلام، صدوقاً في الحديث، إماماً في اللغة والفقه والحديث، قرأت عليه وحضرت دفنه بداره بالحريم الظاهري ثم نقل بعد خروجي من بغداد إلى مكة ودفن بها، وكان قد أوصى بذلك، وأعد خمسين ديناراً لمن يحمله. وتوفي سنة خمسين وستمائة (٢) .
قال العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي: حكى لي الشيخ شرف الدين الدمياطي أن الصاغاني كان معه ولد، وقد حكم فيه بموته في وقت، وكان يترقب ذلك الوقت، فحضر ذلك اليوم وهو معافى قائم ليس به علة، فعمل لأصحابه وتلامذته طعاماً شكران ذلك، وفارقناه، وعديت الشط فلقيني من أخبرني بموته، فقلت له: الساعة فارقته، فقال: والساعة وقع الحمام بخبر موته فجأة، أو كما قال، رحمه الله تعالى، وعفا عنه وعنا وعن جميع المسلمين بمنه وكرمه.
стр. 359
١٣٠ - (١)
أبو علي السهواجي
الحسن ابن محمد السهواجي أبو علي؛ قال ياقوت: أديب شاعر لبيب مشهور مذكور، وسهواج من قرى مصر، صنف كتاب القوافي. وتوفي بمصر سنة أربعمائة، ﵀؛ ومن شعره:
وقد كنت أخشى الحبّ لو كان نافعي ... من الحبّ أن أخشاه قبل وقوعه
كما حذر الإنسان من نوم عينه ... ونام ولم يشعر أوان هجوعه ومنه:
قوم كرامٌ إذا سلوا سيوفهم ... في الرّوع لم يغمدوها في سوى المهج
إذا دجا الخطب أو ضاقت مذاهبه ... وجدت عندهم ما شئت من فرج ومنه:
كرام المساعي في اكتساب محامدٍ ... وأهدى إلى طرق المعالي من القطا
وأبوابهم معمورةٌ بعفاتهم ... وأيديهم ما تستريح من العطا ومنه:
ذكرت إلفها فحنّت إليه ... فبكينا من الفراق جميعا
стр. 360
١٣١ - (١)
العز الإربلي الضرير
الحسن بن محمد بن أحمد بن نجا الإربلي، الفيلسوف عز الدين الضرير؛ كان بارعاً في العربية والأدب، رأساً في علوم الأوائل، وكان بمنزله بدمشق منقطعاً، ويقرىء المسلمين وأهل الكتاب والفلاسفة، وله حرمة وافرة، وكان يهين الرؤساء وأولادهم بالقول، وكان مخلاً بالصلوات يبدو منه ما يشعر بانحلاله، وكان يصرح بتفضيل علي على أبي بكر، وكان حسن المناظرة، له شعر خبيث الهجو، روى عنه من شعره وأدبه الدمياطي وابن أبي الهيجا، وتوفي سنة ستين وستمائة.
ولما قدم القاضي شمس الدين بن خلكان ذهب إليه فلم يحتفل به، فأهمله القاضي وتركه.
قال عز الدين بن أبي الهيجا: لازمت العز الضرير يوم موته، فقال: هذه البنية قد تحللت، وما بقي يرجى بقاؤها. واشتهى أرز بلبن فعمل له وأكل منه، فلما أحس بشروع خروج الروح منه قال: قد خرجت الروح من رجلي ثم قال: قد وصلت إلى صدري، فلما أراد المفارقة بالكلية تلا هذه الآية " ألا يعلمُ مَنْ خلق وهو اللطيفُ الخبير " الملك ثم قال: صدق الله العظيم، وكذب ابن سينا، ثم مات في ربيع الآخر، ودفن بسفح قاسيون، ومولده بنصيبين سنة ست وثمانين وخمسمائة.
قال الشيخ شمس الدين: وكان قذراً زري الشكل قبيح المنظر، لا يتوقى
стр. 361
النجاسات، ابتلي مع العمى بقروح وطلوعات، وكان ذكياً جيد الذهن. ومن شعره ذوبيت:
لو كان لي الصبر من الأنصار ... ما كان عليك هتكت أستاري
ما ضرّك يا أسمر لو بتّ لنا ... في دهرك ليلةً من السّمّار ومنه:
لو ينصرني على هواه صبري ... ما كنت ألذ فيه هتك السّتر
حرّمت على السمع سوى ذكرهم ... ما لي سمرٌ سوى حديث السّمر ومن شعره في العماد ابن أبي زهران:
تعمّم بالطرف من طرفه ... وقام خطيباً لندمانه
وقال السلام على من زنى ... ولاط وقاد لإخوانه
فردوا جميعاً ﵇ ... وكلٌّ يترجم عن شانه
وقال يجوز التداوي بها ... وكلّ عليل بأشجانه وله فيه، وقد تلقب بالعماد وكان يلقب أولاً بالشجاع:
شجاع الدين عمّدتا ... فهلاّ كنت شمّستا
خطيباً قمت سكرانا ... وبالزّكرة عمّمنا وقال:
توهم واشينا بليلٍ مزاره ... فهمّ ليسعى بيننا بالتباعد
فعانقته حتى اتحدنا تعانقاً ... فلما أتانا ما رأى غير واحد قال قاضي القضاة كمال الدين ابن العديم لما سمع هذين البيتين: مسكه مسكة أعمى.
وهذا المعنى تداوله الشعراء ولهجوا به، قال سيف الدين المشد:
стр. 362
ولمّا زار من أهواه ليلاً ... وخفنا أن يلمّ بنا مراقب
تعانقنا لأخفيه فصرنا ... كأنّا واحد في عقد كاتب وقال خالد الكاتب (١) :
كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجى ... حسبتنا في جسدٍ واحد وقال نفطويه النحوي:
ولمّا التقينا بعد بعدٍ بمجلسٍ ... نغازل فيه أعين النرجس الغضّ
جعلت اعتمادي ضمّه وعناقه ... فلم نفترق حتى توهمته بعضي وقال غرس الدين أبو بكر الإربلي:
همّ الرقيب ليسعى في تفرقنا ... ليلاً وقد بات من أهواه معتنقي
عانقته فاتّحدنا والرقيب أتى ... فمذ رأى واحداً ولّى على حنق ومن شعر العز الإربلي ذوبيت:
إن أجف تكلّفاً وفى لي طبعا ... أو خنت عهوده عهودي يرعى
يبغي لي في ذاك دوام الأسر ... هذا ضررٌ يحسبه لي نفعا ومنه:
وكاعبٍ قالت لأترابها ... يا قوم ما أعجب هذا الضرير
هل تعشق العينان (٢) ما لا ترى ... فقلت والدمع بعيني غزير
إن كان طرفي لا يرى شخصها ... فإنها قد صوّرت في الضمير وقال:
стр. 363
ذهبت بشاشة ما عهدت من الجوى ... وتغيّرت أحواله وتنكّرا
وسلوت حتى لو سرى من نحوكم ... طيفٌ لما حياه طيفي في الكرى وقال (١) :
قم يا نديم إلى الإبريق والقدح ... هات الثلاث وسل ما شئت واقترح
وغنّ إن غادرتني الكاس مطّرحاً ... وأنت يا صاح صاحٍ غير مطّرح
عليك سقي ثلاث غير مازجها ... وما عليك إذن منّي ومن فرحي
إني لأفهم في الأوتار ترجمةً ... ما ليس تفهمه النسّاك في السبح وقال:
قالوا عشقت وأنت أعمى ... ظبياً كحيل الطرف ألمى
وحلاه ما عاينتها ... فتقول قد شغفتك وهما
وخياله بك في المنا ... م فما أطاف ولا ألمّا
من أين أرسل للفؤا ... د ولم تراه العين سهما
فأجبت: إني موسويّ ... العشق إنصاتاً وفهما
أهوى بجارحة السّما ... ع ولا أرى ذات المسمّى وشعر العز الإربلي كله جيد، عفا الله عنه.
١٣٢ - (٢)
قوام الدين ابن الطراح
الحسن بن محمد بن جعفر بن عبد الكريم ابن أبي سعيد الصاحب قوام الدين
стр. 364
ابن الطراح؛ قال أثير الدين: هو من بيت رياسة وحشمة وعلم وحديث، وله معرفة بنحو ولغة ونجوم وحساب وأدب وغير ذلك، وكان فيه تشيع يسير، وكان حسن الصحبة والمحاورة، وكان لأخيه فخر الدين المظفر بن محمد تقدم عند التتار؛ قدم علينا قوام الدين إلى القاهرة ثم سافر إلى الشام، ثم كر منها راجعاً إلى العراق مع غازان وكنت سألته أن يوجه لي شيئاً من أخباره وشيئاً من شعره، فوجه إلي بذلك، وكتب لي من شعره بخطه:
غدير دمعي في الخدّ يطّرد ... ونار وجدي في القلب تتّقد
ومهجةٌ في هواك أتلفها ال ... شوق وقلبٌ أودى به الكمد
وعدك لا ينقضي له أمدٌ ... ولا الليل المطال منك غد ومنه:
لقد جمعت في وجهه لمحبّه ... بدائع لم يجمعن في الشمس والبدر
حبابٌ وخمر في عقيقٍ ونرجسٍ ... وآسٌ وريحان وليل على فجر وقال: كتب إلي أخي أبو محمد المظفر يعاتبني على انقطاعي عنه، وهو الذي رباني وكفلني (١) بعد الوالد، فقال:
لو كنت يا بن أخي حفظت إخائي ... ما طبت نفساً ساعةً بجفائي
وحفظتني حفظ الخليل خليله ... ورعيت لي عهدي وحسن وفائي
خلّفتني قلق المضاجع ساهراً ... أرعى الدجى وكواكب الجوزاء
ما كان ظني أن تحاول هجرتي ... أو أن يكون البعد منك جزائي فكتبت إليه الجواب:
إن غبت عنك فإن ودي حاضرٌ (٢) ... رهنٌ بمحض محبتي وولائي
стр. 365
ما غبت عنك لهجرةٍ تعتدها ... ذنباً عليّ ولا لضعف وفائي
لكنني لمّا رأيت يد النوى ... ترمي الجميع بفرقة وتنائي
أشفقت من نظر الحسود لوصلنا ... فحجبته عن أعين الرقباء ١٣٣ (١)
الحسن بن وهب
الحسن بن وهب بن سعيد بن عمرو بن حصين الكاتب؛ كان يذكر أنه من ولد الحارث بن كعب، وهو معروف في الكتابة، فآباؤه وأجداده كلهم كتبة في الدولتين: الأموية والعباسية، وكان الحسن يكتب بين يدي محمد بن عبد الملك ابن الزيات، ثم إنه ولي ديوان الرسائل، وولي بعض الأعمال بدمشق، وبها مات وهو يتولى البريد آخر أيام المتوكل. ومولده سنة ست وثمانين ومائة.
قال المرزباني: بنو وهب كلهم كتاب، وأصلهم نصارى من جند سابور، تعلقوا بنسب في اليمن في بني الحارث بن كعب، وكان عبيد الله وابنه القاسم يدفعان ذلك. وكتب الحسن إلى أخيه سليمان وقد نكبه الواثق:
اصبر أبا أيوب صبراً يرتضى (٢) ... فإذا عجزت عن الخطوب فمن لها
الله يفرج بعد ضيقٍ كربها (٣) ... ولعلّها أن تنجلي ولعلّها وكان الحسن قد جعل على نفسه أنه لا يذوق طيباً ولا يشرب شراباً حتى
стр. 366
يتخلص أخوه سليمان، ووفى بذلك. ومن شعر الحسن:
جرّاك (١) عفوي على الذنوب فما ... تخاف عند الذنوب إعراضي
أشدّ يومٍ (٢) أكونه غضباً ... عليك فالقلب ضاحك راضي
أنت أميرٌ عليّ مقتدر ... حكمك في قبض مهجتي ماضي
والخصم لا يرتجى الفلاح له ... يوماً إذا كان خصمه القاضي وقال:
أبكي فمن أيسر ما في البكا ... لأنّه للوجد تسهيل
وهو إذا أنت تأمّلته ... حزنٌ على الخدين محلول وزارته يوماً بنات جارية ابن حماد، وكان يهواها، وشرطت عليه أن تنصرف وقت أذان العشاء، فلما أقبل الليل كتب إلى مؤذن محلته:
قل لداعي الصلاة أخّر قليلا ... قد قضينا حقّ الصلاة طويلا
ليس في ساعةٍ تؤخّرها إث ... مٌ تجازى به، وتحيي قتيلا
وتراعي حقّ المودّة فينا ... وتعافى من أن تكون ثقيلا فحلف المؤذن أنه لا يؤذن العشاء شهراً.
قال الصولي في أخباره: كان أبو تمام يعشق غلاماً خزرياً للحسن بن وهب، وكان الحسن يعشق غلاماً رومياً لأبي تمام، فرآه يعبث بغلامه فقال: والله لئن سرت (٣) إلى الرومي لأسيرن إلى الخزري، فقال له الحسن: لو شئت حكمتنا واحتكمت، فقال أبو تمام: أنا أشبهك بداود ﵇ وأشبهني بخصمه، فقال له الحسن: لو كان منظوماً، فقال أبو تمام من أبيات (٤) :
стр. 367
أذكرتني أمر داود وكنت فتىً ... مصرّف القلب في الأهواء والفكر
أعندك الشمس تزهى في مطالعها ... وأنت مشتغل الأفكار بالقمر
إن أنت لم تترك السير الحثيث إلى ... جآذر الروم أعنقنا إلى الخزر
وربّ أمنع منه جانباً وحمىً ... أمسى وتكته مني على خطر
جردت فيه جيوش العزم فانكشفت ... عنه غياهبها عن نيكة هدر
أنت المقيم فما تغدو رواحله ... وأيره أبداً منه على سفر وقيل لأبي تمام (١) : غلامك أطوع للحسن ابن وهب من غلامه لك، قال: أجل؛ لأن يعطي غلامي مالاً، وأنا أعطي غلامه قيلاً وقالاً.
وكان (٢) قد وقف ابن الزيات على ما يجري بينهما، فاتفق أن عزم غلام أبي تمام على الاحتجام، فكتب إلى الحسن بن وهب يعلمه بذلك ويستهديه مطبوخاً، فوجه إليه بمائة دن مطبوخ ومائة دينار، وكتب إليه:
ليت شعري يا أملح الناس عندي ... هل تداويت بالحجامة بعدي
دفع الله عنك لي كلّ سوء ... باكرٍ رائحٍ وأن خنت عهدي
قد كتمت الهوى بأبلغ جهدي ... فبدا منه غير ما كنت أبدي
وخلعت العذار إذ علم النّا ... س بأني إياك أصفي بودي
فليقولوا بما أحبوا إذا كن ... ت وصولاً ولم ترعني بصد واتفق أنه وضع الرقعة تحت مصلاه، وبلغ محمد بن الزيات خبرها، فوجه إلى الحسن من شغله بالحديث، وأمر من جاءه بتلك الورقة ففكها وقرأها، وكتب فيها على لسان أبي تمام الطائي:
ليت شعري عن ليت شعرك هذا ... أبهزلٍ تقوله أم بجدّ
стр. 368
فلئن كنت في المقال مجدّا ... يا ابن وهب لقد تطرّفت بعدي
لا أحبّ الذي يلوم وإن كا ... ن حريصاً على صلاحي وزهدي
بل أحبّ الأخ المشارك في الح ... بّ وإن لم يكن به مثل وجدي
كنديمي أبي علي وحاشا ... لنديمي من مثل شقوة جدّي
إنّ مولاي عند غيري ولولا ... شؤم جدّي لكان مولاي عندي وقال: ضعوا الرقعة مكانها، فلما رآها الحسن قال: إنا لله، افتضحنا عند الوزير، وأعلم أبا تمام بما جرى ووجه إليه بالرقعة، فلقيا محمد بن عبد الملك، فقالا له: إنما جعلنا هذين الغلامين سبباً لمكاتبتنا بالأشعار، فلا يظن بنا الوزير أعزه الله تعالى إلا خيراً، فقال: ومن يظن غير هذا بكما؟ وكان هذا الكلام أشد عليهما.
ولما مات الحسن بن وهب رثاه البحتري بأبيات منها (١) :
أصاب الدهر دولة آل وهبٍ ... ونال الليل منهم والنّهار
أعارهم رداء العزّ حتى ... تقاضاهم فردّوا ما استعاروا
وقد كانوا وجوههم بدور ... لمختبطٍ وأيديهم بحار ١٣٤ (٢)
المستضيء بالله أمير المؤمنين
الحسن بن يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد الله، أمير المؤمنين المستضيء
стр. 369
بالله ابن المستنجد ابن المقتفي ابن القائم ابن القادر ابن إسحاق ابن المقتدر ابن المعتضد ابن الموفق ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد ابن المهدي ابن المنصور. بويع بالخلافة بعد وفاة والده المستنجد يوم الأربعاء العاشر من ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة، وعمره يومئذ عشرون سنة وتسعة أشهر ويومان، ومولده سحرة يوم الاثنين ثالث عشرين شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وأمه أم ولد أرمنية اسمها غضة.
كان حليماً رحيماً شفوقاً ليناً، سهل الأخلاق، كريماً جواداً معطاء، كثير الصدقة والمعروف، شديد البحث عن الفقراء وأحوالهم وتفقدهم بالبر والعطاء، وكانت أيامه مشرقة بالعطاء والعدل. وتوفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة وكان له من الولد أحمد وهو الإمام الناصر، وهاشم أبو منصور.
ولما تولى المستضيء بالله نادى برفع المكوس ورد المظالم الكثيرة، وفرق مالاً عظيماً على الهاشميين والعلويين والمدارس والربط، وكان دائم البذل للمال، وخلع على أرباب الدولة ألفا (١) وثلثمائة قباء إبريسم لما استخلف، وحرر (٢) سبعة عشر مملوكاً، ثم احتجب عن الناس ولم يركب إلا مع الخدم، ولم يدخل عليه غير قايماز.
وفي أيامه زالت دولة العبيدية بمصر، وضربت السكة باسمه، وجاء البشير إلى بغداد، وغلقت الأسواق، وعملت القباب، وصنف ابن الجوزي في ذلك كتاب النصر على مصر وخطب له بمصر وأسوان (٣) والشام واليمن وبرقة، ودانت الملوك لطاعته.
وكان يطلب ابن الجوزي ويأمره بعقد مجلس الوعظ ويجلس حيث يسمع.
ووزر له عضد الدين ابن رئيس الرؤساء، وأبو الفضل زعيم الدين ابن جعفر،
стр. 370
ومحمد بن محمد بن عبد الكريم الأنباري، ومات في الوزارة ظهير الدين ابن العطار. وكان على قضائه أبو الحسن علي بن الدامغاني، وحاجبه مجد الدين أبو الفضل بن الصاحب وأبو سعد محمد بن المعوج، وقال فيه الحيص بيص:
يا إمام الهدى علوت عن الجو ... د بمالٍ وفضّةٍ ونضار
فوهبت الأعمار والمدن والبلدا ... ن في ساعةٍ مضت من نهار
فبماذا أثني عليك وقد جا ... وزت فضل البحور والأمطار
إنّما أنت معجز مستقل ... خارقٌ للعقول والأبصار
جمعت نفسك الشريفة بالبأ ... س وبالجود بين ماء ونار ١٣٥ (١)
ابن الجصاص
الحسين بن عبد الله بن الحسين، أبو عبد الله ابن الجصاص الجوهري؛ كان من أعيان التجار، ذو الثروة الواسعة، ولما بويع لعبد الله ابن المعتز وانحل أمره وتفرق جمعه وطلبه المقتدر واختفى عند ابن الجصاص هذا، فوشى به خادم صغير لابن الجصاص فصادره المقتدر على ستة آلاف ألف دينار.
قال ابن الجوزي: أخذوا منه ما مقداره ستة عشر ألف ألف دينار عيناً وورقاً وقماشاً وخيلاً، وبقي له بعد المصادرة شيء كثير إلى (٢) الغاية من دور
стр. 371
وقماش وأموال وبضائع وضياع.
قال أبو القاسم علي بن المحسن ابن علي التنوخي عن أبيه قال (١) : حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن جعلان، قال: حدثني أبو علي أحمد بن الحسين بن عبد الله بن الجصاص الجوهري قال: قال لي أبي: كان بدء يساري أني كنت في دهليز حرم أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وكنت وكيله في ابتياع الجوهر وغيره مما يحتاجون إليه، وما كنت أفارق الدهليز لاختصاص به، فخرجت إلي قهرمانة لهم في بعض الأيام، ومعها عقد جوهر فيه مائتا حبة، لم أر قبله أفخر ولا أحسن منه، تساوي كل حبة منه مائة ألف دينار عندي، قالت: نحتاج أن تخرط هذه حتى تصغر فتجعل في آذان اللعب وفي قلائدهم، فكدت أطير، وأخذتها وقلت: السمع والطاعة، وخرجت في الحال مسروراً، وجمعت التجار، ولم أزل أشتري ما قدرت عليه، إلى أن جمعت مائة حبة أشكالاً في النوع الذي طلبته وأرادته، وجئت عشياً وقلت: إن خرط هذا يحتاج إلى زمان وانتظار، وقد خرطت اليوم ما قدرنا عليه، وهو هذا، ودفعت إليها المجتمع وقلت: الباقي يخرط في أيام، فقنعت بذلك وأعجبها الحب؛ وخرجت، فما زلت أياماً (٢) في طلب الباقي حتى اجتمع فحملته إليهم، وقامت عليّ المائتا حبة بدون المائة ألف درهم، وأخذت منهم جوهراً (٣) بمائتي ألف ألف دينار، ثم لزمت دهليزهم، وأخذت لي غرفة كانت فيه فجعلتها مسكني، وكان يلحقني من هذا أكثر مما يحصى، حتى كثرت النعمة وانتهيت إلى ما استفاض خبره.
وحكى ابن الجصاص قال: كنت يوم قبض عليّ المقتدر جالساً في داري وأنا ضيق الصدر، وكانت عادتي إذا حصل لي مثل ذلك أن أخرج جواهر (٤)
стр. 372
كانت عندي في درج معدة لمثل هذا من ياقوت أحمر وأصفر وأزرق وحباً كباراً (١) ودراً فاخراً ما قيمته خمسون ألف دينار، وأضعه في صينية وألعب به فيزول قبضي، فاستدعيت بذلك الدرج فأتي به بلا صينية، ففرغته في حجري وجلست في صحن داري في بستان في يوم بارد طيب الشمس، وهو مزهر بصنوف الشقائق والمنثور، وأنا ألعب بذلك إذ دخل الناس بالزعقات والمكروه، فلما رأيتهم دهشت ونفضت جميع ما كان في حجري من الجوهر بين ذلك الزهر في البستان فلم يروه، وأخذت وحملت وبقيت مدة في المصادرة والحبس، وانقلبت الفصول على البستان وجف ما فيه، ولم يفكر أحد فيه، فلما فرج الله عني وجئت إلى داري ورأيت المكان الذي كنت فيه ذكرت الجوهر، فقلت: ترى بقي منه شيء؟ ثم قلت: هيهات! وأمسكت، ثم قمت بنفسي ومعي غلام يثير البستان بين يدي، وأنا أفتش ما يثيره، وآخذ منه الواحده بعد الواحدة، إلى أن وجدت الجميع، ولم أفقد منه شيئاً.
وكان ينسب إلى الحمق والبله فمما يحكى عنه أنه قال في دعائه يوماً: اللهم اغفر لي من ذنوبي ما تعلم وما لا تعلم.
ودخل يوماً على ابن الفرات الوزير فقال: يا سيدي عندنا في الحويرة كلاب لا يتركونا ننام من الصياح، فقال الوزير: احسبهم جراء، فقال: أيها الوزير لا تظن ذلك، كل كلب مثلي ومثلك.
ونظر يوماً في المرآة فقال لرجل آخر: انظر ذقني هل كبرت أو صغرت؟ فقال له: إن المرآة بيدك، فقال: صدقت، ولكن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب.
ورؤي وهو يبكي وينتحب، فقيل له: ما لك؟ فقال: أكلت اليوم مع الجواري المخيض بالبصل فآذاني، فلما قرأت في المصحف: ويسألونك عن المخيض قل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المخيض فقلت: ما أعظم قدرة الله!
стр. 373
قد بين كل شيء حتى أكل اللبن مع الجواري!
وأراد مرة أن يدنو من بعض جواريه فتمنعت عليه، فقال: أعطي عهداً لله لا أقربك إلى سنة لا أنا ولا أحد من جهتي.
وقال مرة: قد جربت يدي لو غسلتها ألف مرة ما تنظف (١) أو أغسلها مرتين.
وماتت أم أبي إسحاق الزجاج، فاجتمع الناس عنده للعزاء، فأقبل ابن الجصاص وهو يضحك ويقول: يا أبا إسحاق، والله سرني هذا، فدهش أبو إسحاق والناس وقال بعضهم: يا هذا كيف سرك غمه وغمنا؟ قال: بلغني أنه هو الذي مات، فلما صح عندي أنها أمه سرني ذلك، فضحك الناس.
وكان يكسر يوماً لوزاً فطفرت لوزة وأبعدت، فقال: لا إله إلا الله، كل الحيوان يهرب من الموت حتى اللوز.
وقال يوماً في دعائه: اللهم إنك تجد من تعذبه سواي، وأنا أجد من يرحمني سواك، فاغفر لي.
وقال يوماً: اللهم امسخني واجعلني حورية وزوجني بعمر بن الخطاب، فقالت له زوجته: سل الله أن يزوجك من النبي ﷺ إن كان لا بد لك أن تبقى حورية، فقال: ما أحب أن أصير ضرة لعائشة ﵂.
وأتاه يوماً غلامه بفرخ وقال: انظر هذا الفرخ ما أشبهه بأمه؛ فقال: أمه ذكر أو أنثى؟
وبنى ابنه داراً وأتقنها ثم أدخل أباه ليراها وقال له: انظر يا أبه، هل فيها عيب (٢) ؟ فطاف بها ودخل المستراح واستحسنه وقال: فيه عيب، وهو أن بابه ضيق لا تدخل منه المائدة.
وكتب إلى وكيل له أن يحمل إليه مائة من (٣) قطناً، فلما حملها إليه حلجها
стр. 374
فاستقل المحلوج؛ وكتب إليه: هذا لم يجىء منه إلا الربع، فلا يزرع بعدها قطن إلا بغير حب، ويكون محلوجاً (١) .
وقال يوماً لصديقه: وحياتك الذي لا إله إلا هو.
وانبثق له كنيف فقال لغلامه: بادر أحضر من يصلحه لنتغدى به قبل أن يتعشى بنا.
وطلب يوماً من البستاني الذي له بصلاً بخل، فأحضر إليه بصلاً (٢) بلا خل، فقال: لأي (٣) شيء ما تزرعه بخل؟
والصحيح أنه كان يتظاهر بذلك ليرى الوزراء منه هذا التغفيل فيأمنوه على أنفسهم إذا خلا بالخلفاء. وتوفي بعد العشرين والثلثمائة تقريباً، عفا الله عنه ورحمه.
١٣٦ - (٤)
ابن رواحة الحموي
الحسين بن عبد الله بن رواحة، أبو علي الأنصاري الفقيه الشافعي الشاعر، ابن خطيب حماة؛ ولد سنة خمس عشرة (٥) وخمسمائة، وتوفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة. سمع بدمشق من أبي المظفر الفلكي وأبي الحسن علي بن سليمان المرادي، والصائن هبة الله وجماعة، ووقع في أسر الفرنج وبقي عندهم مدة، وولد له بجزائر البحر عز الدين عبد الله، وقدم به إلى الاسكندرية، وأسمعه الكثير من السلفي، وكان قد سافر في البحر إلى الغرب فأسر وخلصه الله تعالى،
стр. 375
وحصلت له الشهادة على عكا.
ومن شعره رحمه الله تعالى:
يا قلب دع عنك الهوى قسرا ... ما أنت منه حامداً أمرا
أضعت دنياي بهجرانه ... إن نلت وصلاً ضاعت الأخرى ومنه:
لاموا عليك وما دروا ... أن الهوى سبب السعاده
إن كان وصلاً فالمنى ... أو كان هجراً فالشهاده ومنه:
إن كان يحلو لديك قتلي ... فزد من الهجر في عذابي
عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب ١٣٧ (١)
سعد الدين الطيبي
الحسين بن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن بكر بن شبيب الطبي أبو عبد الله الكاتب، سعد الدين؛ كان من الأعيان الفضلاء المشهورين بالأدب وكمال الظرف، اختص بالإمام المستنجد بالله ومنادمته؛ ولي الإشراف بالمخزن أيام المستضيء بالله، ولما عزل ابن العطار عن نظر المخزن تولى سعد الدين مكانه أيام الإمام الناصر سنة خمس وسبعين، ثم عزل في سنته (٢) .
دخل يوماً على المستنجد فقال له: ابن شبيب؟ فقال له: عندك يا أمير
стр. 376
المؤمنين، فأعجبه هذا التصحيف منه.
وذكره العماد الكاتب في الخريدة فقال: ابن شبيب، حلو التشبيب، رقيق نسيم النسيب. ومن شعره في المستنجد بالله:
أنت الإمام الذي يحكي بسيرته ... من ناب بعد رسول أو خلفا
أصبحت لبّ بني العباس كلّهم ... إن عدّدت بحروف الجمّل الخلفا المستنجد هو الثاني والثلاثون من الخلفاء، ولب جمل حروفها اثنان وثلاثون.
ولد ابن شبيب سنة خمسمائة وتوفي سنة ثمانين وخمسمائة، ودفن بمقبرة معروف الكرخي، رحمه الله تعالى وإيانا. ومن شعره:
وأغيد لم تسمح لنا بوصاله ... يد الدهر حتى دبّ في عاجه النمل
تمنّيت لمّا اختطّ فقدان ناظري ... ولم أر إنساناً تمنّى العمى قبل
ليبقى على مرّ الزمان خياله ... حيالي، وفي عيني لمنظره شكل وله:
سرى والدجى تصبي غدائره الجون ... نسيمٌ على سرّ الأحبّة مأمون
فراحت قدود البان من سكر راحه ... نشاوى فقد كادت تميد الميادين
وشقّ له ورد الشقائق جيبه ... من الوجد وارتاحت إليه الرياحين
وغنّت له الورقاء بين مورّق ... تجاوبها من جانبيه الوراشين
فبلّغ من سرّ التحايا لطائماً ... فهاج غرامٌ بالأضالع مكنون
تهادى به طيف البخيلة واهتدى ... ومن دوننا البين المشتّ أو البين
عليه من الظّلماء ريطٌ ممسّكٌ ... وفي جيده من لؤلؤ الطلّ موضون
وما استيقظ الواشون إلاّ بنشره ... فقالوا، وما قالوه حدسٌ وتخمين
وعرّج عنّا يجعل الليل مركباً ... له، وقمير الفجر في الشرق عرجون
صباً أذكرت عهد الصبا وصبابتي ... بأسماء إذ دار الأحبّة دارين
стр. 377
سرى حيث لا تسري الشمول ودونه ... هوى وافرٌ بين الجوانح مدفون
وبحر الهوى حامي الغوارب مزبد ... مخوفٌ وفلكي بالصبابة مشحون
مشارع للعشّاق فيها مناسكٌ ... لدين التصابي والنّفوس قرابين
صحا القلب إلاّ عن هواها فانني ... بها بعد هجران الغواية مفتون
إذا جنّ ليلي جنّ قلبي صبابة ... بهم وليالي العاشقين بحارين
وقد ظنّ خالٍ من جوى الحب أنما ... يخصّ به الماضون قيس وميمون
لعمرك كم للعامريات من به ... جنونٌ وكم للدارميات مسكين
وكم لأمير المؤمنين صنائعٌ ... هي الرمل ما ضمت زرود ويبرين وله أيضاً:
إذا حلّ تشرين فاحلل أوانا (١) ... فإن لكلّ سرورٍ أوانا
فهذا الربيع صفا ظلّه ... ورقّ النّسيم سحيراً ولانا منها:
وقد سكنت نزوات العقار ... وبان الوقار عليها وآنا
وصهباء لم تبتذلها اليهود ... ولا دوّستها النصارى امتهانا
تأنق في عصرها المسلمون ... بأيمانهم يملأون الدنانا
فمازج نشوتها عزّة ... فصالت على العقل حتى استكانا
فقد حرّموها لأنّ الوضيع ... من جهله بالشريف استهانا
وندبٍ ندبنا لتحصيلها ... فما حسر الصبح حتى أتانا
فجاء بها عطراً نشرها ... فأهدت على السفح رنداً وبانا
وقمنا نقبّل تيجانها ... ونشكر من باعها واشترانا
أهنّا الكرائم في مهرها ... ولن يكرم المرء حتى يهانا
وطاف بها وبضرّاتها ... غزالٌ إذا صدق الوعد مانا
стр. 378
فما درّة شدخت بالضيا ... نهاراً وما جبت عنها الصوانا
تراءت فكفّر غواصها ... لديها وأسجدت المرزبانا
بأحسن ممّن أدار المدام ... فورّست الكاس منه البنانا قوله: فمازج نشوتها عزة ... البيتين، يشبه قول الحيص بيص:
لا تضع من عظيم قدر وإن كن ... ت مشاراً إليه بالتعظيم
فالشريف الرفيع يسقط قدراً ... بالتجري على الشريف العظيم
ولع الخمر بالعقول رمى الخم ... ر بتنجيسها وبالتحريم (١) وكان ابن شبيب مقداماً على حل الألغاز، ولا يكاد يتوقف عما يسأل عنه، فتفاوض أبو غالب ابن الحصين هو وأبو منصور محمد بن سليمان بن قتلمش في أمر ابن شبيب هذا وما هو عليه من حل اللغز، فقال أبو منصور: تعال حتى نعمل لغزاً محالاً ونسأل عنه، فنظم أبو منصور:
وما شيء له في الرأس رجلٌ ... وموضع وجهه منه قفاه
إذا غمضت عينك أبصرته ... وإن فتّحت عينك لا تراه ونظم أيضاً:
وجارٍ وهو تيار ... ضعيف العقل خوار
بلا لحمٍ ولا ريشٍ ... ولكن هو طيّار
بطبعٍ باردٍ جدّاً ... ولكن كلّه نار وأنفذا اللغزين إليه، فكتب على الأول: هو طيف الخيال، وكتب على الثاني: هو الزئبق، فجاءا إليه وقالا: هب اللغز الأول هو طيف الخيال، والبيت الثاني يساعدك عليه، فكيف تعمل في البيت الأول؟ فقال: لأن المنامات تفسر بالعكس؛ لأن من بكى يفسر له بالضحك، ومن مات فسر له بطول العمر.
стр. 379
وقوله في الثاني هو طيار: أرباب صنعة الكيمياء يرمزون الزئبق بالطيار والفرار والآبق وما أشبه ذلك، لأنه يناسب صفته، وأما برده فظاهر، ولإفراط برده ثقل جرمه، وكله نار لسرعة حركته وتشكله في افتراقه والتئامه، وعلى كل حال ففي ذلك تسامح يجوز في مثل هذه الأشياء الباطلة إذا نزلت على الحقائق.
وقد ذكر ابن شرف القيرواني في كتابه أبكار الأفكار عن رجل يعرف بأبي علي التونسي أنه وضع ألغازاً (١) من هذه المادة التي لا حقيقة لها، وأنشده إياها، فيجيب عنها على الفور وينزلها على حقائق، من ذلك أنه وضع لغزاً (٢) ، وهو:
ما طائرٌ في الأرض منقاره ... وجسمه في الأفق الأعلى
ما زال مشغولاً به غيره ... ولا يرى أن له شغلا فقال للوقت والساعة: هو الشمس، وأخذ يتكلم على شرح ذلك، وذكر عدة ألغاز صنعها له، وهو ينزلها على حقائق، ويذكر لها مناسبات لائقة بذلك، وسرد جميع ذلك في أبكار الأفكار، والله أعلم.
١٣٨ - (٣)
أبو عبد الله ابن ممويه
الحسين بن علي بن محمد بن ممويه، أبو عبد الله، المعروف بابن قم؛ ولد بزبيد، وكتب رسالته المشهورة عنه إلى أبي حمير سبأ بن أبي السعود أحمد ابن المظفر بن علي الصليحي اليماني، بعد انفصاله عنه، رواها الحافظ أبو طاهر
стр. 380
السلفي عنه سنة اثنتين (١) وستين وخمسمائة، والرسالة المذكورة: كتب عبد حضرة السلطان الأجل، مولاي ربيع المجدبين، وقريع المتأدبين، جلاء (٢) الملتبس، وذكاء (٣) المقتبس، شهاب المجد الثاقب، ونقيب ذوي المناقب، أطال الله بقاءه، وأدام علوه وارتقاءه، ما أجابت العادية المستغير (٤) ، ولزمت الياء التصغير، وجعل رتبته في الأولية وافرة السهام، كحرف الاستفهام، وكالمبتدأ لأنه وإن تأخر في البنية، فإنه مقدم في النية، ولا زالت حضرته للوفود مزدحماً، ومن الحوادث حمىً، حتى يكون في العلا، بمنزلة حروف (٥) الاستعلا، فإنهن (٦) لحروف اللين حصون، وما جاورهن عن الإمالة مصون، ولا زال عدوه كالألف، في أن حالها تختلف، فتسقط في صلة الكلام، لا سيما مع اللام، ولا تكون أولاً بحال، وإن تقدم همز فاستحال، لأنه أدام الله علوه أحسن إلي ابتداء، ونشر عليّ من فضله رداء، أراد إخفاءه، فكشف خفاءه، ومن شرف الإحسان، سقوط ذكره عن اللسان، كالمفعول رفع رفع الفاعل الكامل، لما حذف من الكلام ذكر العامل، يهدي إليه سلاماً، ما الروض، ضاحكه النوض (٨) ، غرس وحرس، وسقي ووقي، وغيث وصيب، فأخذ من كل نو بنصيب، زهاه الزهر، وسقاه النهر، جاور (٩) الأضا، فحسن وأضا، رتعت فيه الفور (١٠) ،
стр. 381
ومرح العصفور، فاطلع من التمراد (١) ، وقد ظفر بالمراد، فنظر إلى أقاحيه، تفتر في نواحيه، وإلى البهار، يضاحك شمس النهار، فجعل يلثم من وروده خدودا، ويهصر من أغصانه قدودا، ويقتبس النار، من الجلنار، ويلتمس العقيق، من الشقيق، فغرد ثملاً، وغنى خفيفاً ورملاً، بأطيب من نفحته المسكية، وأعطر من رائحته الذكية، مع أني وإن أهديته في كل أوان، عن أداء ما يجب عليّ غير وان، أعد نفسي السكيت اللاحق (٢) ، لما يجب عليّ من الحق، فعثرت (٣) ، وجهدت فما أثرت، فأنا بحمد الله في حال خمول وقنوع، وجناب عن غير الغير ممنوع، فارقت المتوج بأزال (٤) ، ولزمت الخمول والاعتزال، سعيي سعي الجاهد، وعيشي عيش الزاهد، ببلد: الأديب فيه غريب، والأريب كالمريب، إن تكلم استثقل، وإن سكت استقلل، منازله كبيوت العناكب، ومعيشته كعجالة الراكب، فهو كما قال أبو تمام حيث قال (٥) :
أرض الفلاحة لو أتاها جرولٌ ... أعني الحطيئة لاغتدى حرّاثا
لم آتها من أيّ بابٍ جئتها ... إلاّ حسبت بيوتها أجداثا
تصدا بها الأفهام بعد صقالها ... وتردّ ذكران العقول إناثا
أرضٌ خلعت اللهو خلعي خاتمي ... فيها وطلقت السرور ثلاثا وأما حال عبده بعد فراقه في الجلد، فما حال أم تسعة من الولد؟ ذكور، كأنهم عقبان وكور، اخترم منهم ثمانية، وهي على التاسع حانية، نادى النذير في البادية: يا للعادية يا للعادية، فلما سمعت الداعي، ورأت الخيل وهي سواعي، جعلت تنادي ولدها الأناة الأناة، وهو ينادي القناة القناة:
стр. 382
بطلٌ كأنّ ثيابه في سرحة (١) ... يحذى نعال السّبت ليس بتوأم (٢) فحين رأته يختال في غضون الزرد المصون، أنشأت تقول (٣) :
أسدٌ أضبط يمشي ... بين طرفاء وغيل
لبسه من نسج داو ... د كضحضاح (٤) المسيل فعرض له في العادية أسد هصور، كأن ذراعه مسد مضفور (٥) :
فتطاعنا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مقنّع (٦) فلما سمعت صياح الرعيل، برزت من الصرم (٧) بصبر قد عيل، فسألت عن الواحد، فقيل لها: لحده اللاحد:
فكّرت تبتغيه فصادفته ... على دمه ومصرعه السّباعا (٨)
عبثن به فلم يتركن إلاّ ... أديماً قد تمزق أو كراعا بأشد من عبدك تأسفاً، ولا أعظم كمداً ولا تلهفاً، وإنه ليعنف نفسه دائماً، ويقول لها لائماً: لو فطنت لقطنت، ولو عقلت لما انتقلت، ... (٩) لندمت ولو رجعت (١٠) ، لما هجعت:
стр. 383
يقيم الرجال الموسرون بأرضهم ... وترمي النّوى بالمقترين المراميا
وما تركوا أوطانهم عن ملالة ... ولكن حذاراً من شمات الأعاديا أيها السيد، أمن العدل والإنصاف، ومحاسن الشيم والأوصاف، إكرام المهان، وإذالة جواد الرهان؟ يشبع في ساجوره كلب الزبل، ويسغب في خيسه أبو الشبل:
إذا حلّ ذو نقصٍ محلة فاضلٍ ... وأصبح ربّ الجاه غير وجيه
فإنّ حياة المرء غير شهيةٍ ... إليه وطعم الموت غير كريه أقول لنفسي الدنية: هبي طال نومك، واستيقظي لا عز قومك، أرضيت بالعطاء المنزور، وقنعت بمواعيد الزور؟ يقظة، فإن الجد قد هجع، ونجعة، فمن أجدب انتجع، أعجزت في الإباء، عن خلق الحرباء، أدلى لساناً كالرشاء، وتسنم أعلى الأشياء (١) ، ناط همته بالشمس، مع بعدها عن اللمس، أنف من ضيق الوجار، ففرخ في الأشجار، فهو كالخطيب، على الغصن الرطيب:
وإن صريح الحزم والرأي لامرىءٍ ... إذا بلغته الشمس أن يتحوّلا (٢) وقد أصحب عبده هذه الأسطر شعراً يقصر فيه عن واجب الحمد، وإن بنيت قافيته على المد، وما يعد نفسه إلا كمهدي جلد السبنتى (٣) الأنمر، إلى الديباج الأحمر، أين در الحباب، من ثغور الأحباب؟ وأين الشراب من السراب؟ والركي البكي، من الواد ذي المواد؟ أتطلب الصباحة من العتم، والفصاحة من الغتم؟ غلط من رأى الآل في القي (٤) ، فشبهه بهلهال الدبيقي (٥) ؛ هيهات! إن
стр. 384
مناسج الرياط، تسبق تنيس ودمياط؛ لا أقول كما (١) قال القائل:
من يساجلني بساجل ماجداً ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب بل أضع نفسي في أقل المواضع، وأقول لمولاي قول الخاضع:
فأسبل عليها ستر معروفك الذي ... سترت به قدماً على عوراتي وها هي هذه (٢) :
فيك برّحت بالعذول إباء ... وعصيت اللّوام والنصحاء
فانثنى العاذلون أخيب مني ... يوم أزمعتم الرحيل، رجاء
من مجيري من فاتر اللحظ ألمى ... جمع النار خدّه والماء
فيه لليل والنّهار صفاتٌ ... فلهذا سرّ القلوب وساء
لازمٌ شيمة الخلاف فإن لن ... ت قسا أو دنوت منه تناءى
يا غريب الصفات حقٌّ (٣) لمن كا ... ن غريباً أن يرحم الغرباء
... من صدوده وتجنّي ... هـ وإشماته بي الأعداء
وإذا ما كتمت ما بي من الوج ... د أذاعته مقلتاي بكاء
كعطايا سبا بن أحمد يخفي ... ها فتزداد شهرةً ونماء
أريحيٌّ يهزه المدح للجو ... د وإن لم تمدحه جاد ابتداء
ألمعيّ يكاد ينبيك عمّا ... كان في الغيب فطنةً وذكاء
وإذا أخلف السماء بأرض ... أخلفت راحتاه ذاك السماء
بندى يخجل الغيوث انهمالاً ... وجدىً (٤) ينهل الرماح الظماء
ما أبالي إذ أحسن الدّهر فيه ... أحسن الدّهر بالورى أم أساء
أيها الطالب الغنى زره تظفر ... بعطايا تخجّل الأنواء
стр. 385
تلق منه المهذب الماجد النّد ... ب الكريم السميدع (١) الأبّاء
راحةٌ في الندى تنيل نضاراً ... وحسامٌ في الروع يهمي دماء
إن سطا أرهب الضراغم في الآ ... جام أو جاد بخّل الكرماء
شيم من أبيه أحمد لا ين ... فكّ عنها تتبّعاً واقتفاء
قد تعاطى في المجد شأوك قومٌ ... عجزوا واحتملت فيه العناء
شرفاً شامخاً ومجداً منيفاً ... عدمليّاً وعزّةً قعساء
يا أبا حميرٍ دعوتك للدّه ... ر فكنت امرءاً تجيب الدعاء
فأبى البخل أن يكون أماماً ... وأبى الجود أن يكون وراء
أنا أشكو إليك جور زمانٍ ... دأبه أن يعاند الأدباء
أهملتني صروفه وكأنّي ... ألف الوصل ألغيت إلغاء
مال عنّي بما أؤمل فيه ... كلما قلت سوف يأسو أساء
رهن بيت لو استقرّ به الير ... بوع لم يرضه له نافقاء (٢)
نقصتني نقص المرخّم حتى ... خلتني في فم الزمان نداء
منعتني من التصرف منع ال ... علل التسع صرفها الأسماء
يا أبا حميرٍ وحرمة إحسا ... نك عندي ما كان حبي رياء
ما ظننت الزمان يبعدني عن ... ك إلى أن أفارق الأحياء
غير أني فدتك نفسي من السو ... ء وإن قلّ أن تكون فداء
ضاع سعيي وخبت، خابت أعاد ... يك ومن يبتغي لك الأسواء
واحتملت الزمان والنقص والإب ... عاد والذلّ والعنا والجفاء
وتجملت واصطبرت فما أب ... قى على عودي الزمان لحاء
أعلى هذه المصيبة صبر؟ ... لا، ولو كنت صخرةً صمّاء
ولو اني لم أعتمد دون غيري ... لتأسيت أن أموت وفاء
стр. 386
غير أن التصريح ليس بخافٍ ... عند من كان يفهم الإيماء
غير أنّي مثنٍ عليك وما لم ... ت على ما لقيت إلاّ القضاء
وسيأتيك في البعاد وفي الق ... رب مديحٌ يجمّل الشعراء
فبشكرٍ رحلت عنك وألقا ... ك به إن قضى الإله لقاء
ليس يبقى في الدهر غير ثناء ... فاكتسب ما استطعت ذاك الثناء وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين وخمسمائة (١) .
١٣٩ - (٢)
الحسين ابن مطير
الحسين بن مطير الأسدي تصغير مطر من فحول الشعراء، مدح الدولتين وله مدائح في المهدي، وتوفي في حدود السبعين ومائة.
قال صاحب الأغاني: هو مولى بني سعد بن مالك من بني أسد، وهو يذهب مذهب الأعراب، وكان من ساكني زبالة، ومن شعره (٣) :
لقد كنت جلدا قبل أن يوقد الهوى ... على كبدي ناراً بطيئاً خمودها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ... إذا قدمت أيامها وعهودها
فقد جعلت في حبّة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولي بشوقٍ يعيدها (٤)
стр. 387
بسود نواصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها
مخصّرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن ممّا زينتها عقودها
يمنّيننا حتّى ترفّ قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طلٌّ يجودها منها:
وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليليّ ما بالعيش عتبٌ لو انّنا ... وجدنا لأيّام الحمى من يعيدها
ولي نظرةٌ بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أصيب وليدها
هل الله عافٍ عن ذنوبٍ تسلفت ... أم الله إن لم يعف عنها يعيدها وقال يرثي معن ابن زائدة (١) :
ألمّا على معن فقولا لقبره: ... سقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا
فيا قبر معنٍ أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة مضجعا
ويا قبر معنٍ كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميتٌ ... ولو كان حيّاً ضقت حتى تصدّعا
فتىً عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
أبى ذكر معن أن تموت فعاله ... وإن كان قد لاقى حماماً ومصرعا
ولما مضى معنٌ مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا ومن شعره (٢) :
فيا عجباً للناس يستسرفونني ... كأن لم يروا بعدي محباً ولا قبلي
يقولون لي اصرم يرجع العقل كله ... وصرم حبيب النفس أذهب للعقل
ويا عجبا من حب من هو قاتلي ... كأني أجزيه المودّة من قتلي
ومن بينات الحب أن كان أهلها ... أحبّ إلى قلبي وعيني من أهلي
стр. 388
١٤٠ - (١)
ابن عبدل الشاعر
الحكم بن عبدل الأسدي ثم الغاضري الكوفي؛ شاعر مشهور مجيد القول هجاء، نفاه ابن الزبير من العراق لما نفى عمال بني أمية، وقدم دمشق وكان له من عبد الملك بن مروان موضع.
وقال ابن ماكولا: هو الشاعر الأعرج، كوفي مشهور، قال: كان يأتي بشر بن مروان فيقول له بشر: أخمسمائة أحب إليك العام أم ألف في قابل؟ فيقول: ألف في قابل، وإذا أتى إليه في قابل قال له: ألف أحب إليك العام أم ألفان من قابل؟ فيقول: ألفان من قابل؛ قال: فلم يزل كذلك حتى مات بشر ولم يعطه شيئاً.
وقال صاحب الأغاني: كان أعرج أحدب لا تفارقه العصا، فترك الوقوف بباب الملوك، وكان يكتب على عصاه حاجته، ويبعث بها مع رسوله، فلا يحبس له رسول ولا تؤخر له حاجة، فقال في ذلك يحيى بن نوفل:
عصا حكمٍ في الدار أول داخلٍ ... ونحن على الأبواب نقصى ونحجب
وكانت عصا موسى لفرعون آيةً ... فهذي لعمر الله أدهى وأعجب
تطاع ولا تعصى ويحذر سخطها ... ويرغب في المرضاة منها ويرهب وشاعت هذه الأبيات بالكوفة وضحك منها الناس، فكان الحكم يقول
стр. 389
ليحيى: يا ابن الزانية ما أردت من عصاي حتى صيرتها ضحكة، واجتنب أن يكتب عليها كما كان يفعل أولاً.
وكان له صديق أعمى يدعى أبا علية، وكان ابن عبدل قد أقعد، فخرجا ليلة من منزلهما إلى منزل بعض إخوانهما، والحكم يحمل وأبو علية يقاد، فلقيهما صاحب العسس بالكوفة وأخذهما فحبسهما، فلما استقرا في الحبس نظر الحكم إلى عصاه موضوعة في الحبس بجنب عصا أبي (١) علية، فضحك الحكم وقال:
حبسي وحبس أبي علي ... ة من أعاجيب الزمان
أعمى يقاد ومقعدٌ ... لا الرجل منه ولا اليدان
هذا بلا بصرٍ هنا ... ك وبي يخبّ الحاملان
يا من يرى ضبّ الفلا ... ة قرين حوتٍ في مكان
طرفي وطرف أبي علي ... ة دهرنا متوافقان
من يفتخر بجواده ... فجوادنا عكّازتان
طرفان لا علفاهما (٢) ... يشرى ولا يتصاهلان وقال أيضاً من أبيات:
ففي حالتينا عبرة وتفكّر ... وأعجب منه حبس أعمى ومقعد
كلانا إذا العكاز فارق كفّه ... يخرّ صريعاً أو على الوجه يسجد
فعكازه يهدي إلى السبل أكمهاً ... وأخرى مقام الرجل قامت مع اليد وكان بالكوفة امرأة موسرة، وكان لها على الناس ديون بالسواد، فاستغاثت بابن عبدل في دينها وقالت: إني لست بزوج، وجعلت تعرّض أنها تزوجه بنفسها، فقام ابن عبدل في دينها حتى اقتضاه، فلما طالبها بالوفاء كتبت إليه شعراً:
стр. 390
سيخطيك الذي حاولت مني ... فقطّع حبل (١) وصلك من حبالي
كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنت تعدّ ذلك رأس مال وضرب الحجاج البعث على المحتملين ومن أنبت من الصبيان الصغار، وكانت المرأة تجيء إلى ابنها فتضمه إليها وتقول: يا ابني، جزعاً عليه، فسمي ذلك الجيش جيش يبني، وأحضر ابن عبدل فجرد، فوجد أحدب أعرج، فأعفي من ذلك فقال:
لعمري لئن جربتني فوجدتني ... كثير العيوب سيء المتجرّد
فأعفيتني لما رأيت زمانتي ... ووفقت مني للقضاء المسدّد
ولست بذي شيخين يلتزمانه ... ولكن يتيمٌ ساقط الرجل واليد وخرج ليلة وهو سكران محمول في محفة فلقيه صاحب العسس فقال له: من أنت؟ فقال: يا بغيض، أنت أعرف بي من أن تسأل عني، اذهب إلى شغلك فإن اللصوص لا يخرجون في الليل في محفة، فضحك منه وانصرف.
وكانت له جارية سوداء فولدت له ابناً أسود، وكان أعرم الصبيان فقال فيه:
يا ربّ خالٍ لك مسودّ القفا ... لا يشتكي من رجل مسّ الحفا
كأن عينيه إذا تشوّقا ... عينا غرابٍ فوق نيقٍ أشرفا وأخباره في الأغاني وشعره كثير؛ وكانت وفاته في حدود المائة، ﵀.