← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

غير أن التصريح ليس بخافٍ ... عند من كان يفهم الإيماء غير أنّي مثنٍ عليك وما لم ... ت على ما لقيت إلاّ القضاء وسيأتيك في البعاد وفي الق ... رب مديحٌ يجمّل الشعراء فبشكرٍ رحلت عنك وألقا ... ك به إن قضى الإله لقاء ليس يبقى في الدهر غير ثناء ... فاكتسب ما استطعت ذاك الثناء وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين وخمسمائة (١) . ١٣٩ - (٢) الحسين ابن مطير الحسين بن مطير الأسدي تصغير مطر من فحول الشعراء، مدح الدولتين وله مدائح في المهدي، وتوفي في حدود السبعين ومائة. قال صاحب الأغاني: هو مولى بني سعد بن مالك من بني أسد، وهو يذهب مذهب الأعراب، وكان من ساكني زبالة، ومن شعره (٣) : لقد كنت جلدا قبل أن يوقد الهوى ... على كبدي ناراً بطيئاً خمودها وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ... إذا قدمت أيامها وعهودها فقد جعلت في حبّة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولي بشوقٍ يعيدها (٤)

стр. 387

بسود نواصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها مخصّرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن ممّا زينتها عقودها يمنّيننا حتّى ترفّ قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طلٌّ يجودها منها: وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها خليليّ ما بالعيش عتبٌ لو انّنا ... وجدنا لأيّام الحمى من يعيدها ولي نظرةٌ بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أصيب وليدها هل الله عافٍ عن ذنوبٍ تسلفت ... أم الله إن لم يعف عنها يعيدها وقال يرثي معن ابن زائدة (١) : ألمّا على معن فقولا لقبره: ... سقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا فيا قبر معنٍ أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة مضجعا ويا قبر معنٍ كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا بلى قد وسعت الجود والجود ميتٌ ... ولو كان حيّاً ضقت حتى تصدّعا فتىً عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا أبى ذكر معن أن تموت فعاله ... وإن كان قد لاقى حماماً ومصرعا ولما مضى معنٌ مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا ومن شعره (٢) : فيا عجباً للناس يستسرفونني ... كأن لم يروا بعدي محباً ولا قبلي يقولون لي اصرم يرجع العقل كله ... وصرم حبيب النفس أذهب للعقل ويا عجبا من حب من هو قاتلي ... كأني أجزيه المودّة من قتلي ومن بينات الحب أن كان أهلها ... أحبّ إلى قلبي وعيني من أهلي

стр. 388

١٤٠ - (١) ابن عبدل الشاعر الحكم بن عبدل الأسدي ثم الغاضري الكوفي؛ شاعر مشهور مجيد القول هجاء، نفاه ابن الزبير من العراق لما نفى عمال بني أمية، وقدم دمشق وكان له من عبد الملك بن مروان موضع. وقال ابن ماكولا: هو الشاعر الأعرج، كوفي مشهور، قال: كان يأتي بشر بن مروان فيقول له بشر: أخمسمائة أحب إليك العام أم ألف في قابل؟ فيقول: ألف في قابل، وإذا أتى إليه في قابل قال له: ألف أحب إليك العام أم ألفان من قابل؟ فيقول: ألفان من قابل؛ قال: فلم يزل كذلك حتى مات بشر ولم يعطه شيئاً. وقال صاحب الأغاني: كان أعرج أحدب لا تفارقه العصا، فترك الوقوف بباب الملوك، وكان يكتب على عصاه حاجته، ويبعث بها مع رسوله، فلا يحبس له رسول ولا تؤخر له حاجة، فقال في ذلك يحيى بن نوفل: عصا حكمٍ في الدار أول داخلٍ ... ونحن على الأبواب نقصى ونحجب وكانت عصا موسى لفرعون آيةً ... فهذي لعمر الله أدهى وأعجب تطاع ولا تعصى ويحذر سخطها ... ويرغب في المرضاة منها ويرهب وشاعت هذه الأبيات بالكوفة وضحك منها الناس، فكان الحكم يقول

стр. 389

ليحيى: يا ابن الزانية ما أردت من عصاي حتى صيرتها ضحكة، واجتنب أن يكتب عليها كما كان يفعل أولاً. وكان له صديق أعمى يدعى أبا علية، وكان ابن عبدل قد أقعد، فخرجا ليلة من منزلهما إلى منزل بعض إخوانهما، والحكم يحمل وأبو علية يقاد، فلقيهما صاحب العسس بالكوفة وأخذهما فحبسهما، فلما استقرا في الحبس نظر الحكم إلى عصاه موضوعة في الحبس بجنب عصا أبي (١) علية، فضحك الحكم وقال: حبسي وحبس أبي علي ... ة من أعاجيب الزمان أعمى يقاد ومقعدٌ ... لا الرجل منه ولا اليدان هذا بلا بصرٍ هنا ... ك وبي يخبّ الحاملان يا من يرى ضبّ الفلا ... ة قرين حوتٍ في مكان طرفي وطرف أبي علي ... ة دهرنا متوافقان من يفتخر بجواده ... فجوادنا عكّازتان طرفان لا علفاهما (٢) ... يشرى ولا يتصاهلان وقال أيضاً من أبيات: ففي حالتينا عبرة وتفكّر ... وأعجب منه حبس أعمى ومقعد كلانا إذا العكاز فارق كفّه ... يخرّ صريعاً أو على الوجه يسجد فعكازه يهدي إلى السبل أكمهاً ... وأخرى مقام الرجل قامت مع اليد وكان بالكوفة امرأة موسرة، وكان لها على الناس ديون بالسواد، فاستغاثت بابن عبدل في دينها وقالت: إني لست بزوج، وجعلت تعرّض أنها تزوجه بنفسها، فقام ابن عبدل في دينها حتى اقتضاه، فلما طالبها بالوفاء كتبت إليه شعراً:

стр. 390

سيخطيك الذي حاولت مني ... فقطّع حبل (١) وصلك من حبالي كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنت تعدّ ذلك رأس مال وضرب الحجاج البعث على المحتملين ومن أنبت من الصبيان الصغار، وكانت المرأة تجيء إلى ابنها فتضمه إليها وتقول: يا ابني، جزعاً عليه، فسمي ذلك الجيش جيش يبني، وأحضر ابن عبدل فجرد، فوجد أحدب أعرج، فأعفي من ذلك فقال: لعمري لئن جربتني فوجدتني ... كثير العيوب سيء المتجرّد فأعفيتني لما رأيت زمانتي ... ووفقت مني للقضاء المسدّد ولست بذي شيخين يلتزمانه ... ولكن يتيمٌ ساقط الرجل واليد وخرج ليلة وهو سكران محمول في محفة فلقيه صاحب العسس فقال له: من أنت؟ فقال: يا بغيض، أنت أعرف بي من أن تسأل عني، اذهب إلى شغلك فإن اللصوص لا يخرجون في الليل في محفة، فضحك منه وانصرف. وكانت له جارية سوداء فولدت له ابناً أسود، وكان أعرم الصبيان فقال فيه: يا ربّ خالٍ لك مسودّ القفا ... لا يشتكي من رجل مسّ الحفا كأن عينيه إذا تشوّقا ... عينا غرابٍ فوق نيقٍ أشرفا وأخباره في الأغاني وشعره كثير؛ وكانت وفاته في حدود المائة، ﵀.

стр. 391

١٤١ - (١) الحكم الربضي الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، ملك الأندلس؛ ولي الأمر بعد والده، وامتدت أيامه وأقام في الأمر بعده سبعاً وعشرين سنة وشهراً، ولقب نفسه بالمرتضى، وكان فارساً شجاعاً فاتكاً جباراً ذا حزم ودهاء، كان يمسك أولاد الناس الملاح فيخصيهم ويمسكهم لنفسه. وتوفي سنة ست ومائتين، وهو ابن خمسين سنة، وقام بعده ولده أبو المطرف عبد الرحمن. وله شعر فمنه: قضبّ من البان ماست فوق كثبان ... وليّن عني وقد أزمعن هجراني ملكنني ملكاً ذلّت عزائمه ... للحبّ ذلّ أسير موثقٍ عاني من لي بمغتصبات الروح من بدني ... يغصبنني في الهوى عزي وسلطاني وكان له ألفا فرس مرتبطة على شاطىء النهر، وكان يعرف بالربضي لأنه قتل أهل الربض القبلي، وهو من جانب شقندة في العدوة الأخرى من قرطبة وراء الوادي، وهدم ديارهم وخربها فأصبحت فدادين بعد حرب عظيم، ويظهر في ذلك بشجاعة وبسالة، وقال في ذلك: رأبت (٢) صدوع الأرض بالسيف راقعا ... وقدماً لأمت الشعب مذ كنت يافعا فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرةٌ ... أبادرها مستنضي السّيف دارعا وشافه على الأرض الفضاء جماجماً ... كأقحاف منثور الهبيد لوامعا

стр. 392

تنبّئك أنّي لم أكن في قراعهم ... بوان، وقدماً كنت بالسيف قارعا وهل زدت أن وفيتهم صاع قرضهم (١) ... فوافوا منايا قدّرت ومصارعا فهاك سلاحي انني قد تركتها ... مهاداً ولم أترك عليها منازعا (٢) وكان قد تظاهر في صدر ولايته بالخمور والفسق، فقامت الفقهاء والكبار وخلعوه سنة تسع وثمانين ثم أعادوه لما تنصل وتاب، فقتل طائفة من الكبار وصلبهم بإزاء قصره، قيل بلغوا سبعين نفساً، وكان يوماً فظيعاً (٣) فمقتته النفوس وأضمروا له السوء، وأسمعوه الكلام المر، فتحصن واستعد، وجرت له أمور يطول شرحها. قال أبو محمد بن حزم: وكان من المجاهرين بالمعاصي سفاكاً للدماء. ١٤٢ - (٤) حمدة الوادياشية حمدة بنت زياد بن بقي العوفي؛ قال ابن الأبار في تحفة القادم: كانت من المتأدبات المصرفات المتغزلات المتعففات حدثت عن أبي الكرم جودي ابن عبد الرحمن الأديب. قال ابن الأبار أنشدني القاسم بن البراق، قال: أنشدتني حمدة بنت زياد العوفية وقد خرجت متنزهة بالرملة من وادياش فرأت ذات

стр. 393

وجه وسيم أعجبها، فقالت: أباح الدمع أسراري بوادي ... له للحسن آثار بوادي فمن نهرٍ يطوف بكلّ روضٍ ... ومن روض يطوف بكل وادي ومن بين الظباء مهاة رملٍ ... سبت لبي وقد ملكت قيادي لها لحظ ترقّده لأمرٍ ... وذاك اللحظ يمنعني رقادي إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت البدر في جنح الدآدي كأن الصبح مات له شقيق ... فمن حزنٍ تسربل بالحداد قال: وأنشدني الكاتبان: أبو جعفر بن عبيد الأركشي وأبو إسحاق ابن الفقيه الجياني قالا: أنشدنا القاضي أبو يحيى عتبة بن محمد بن عتبة الجراوي الحمدة هذه: ولمّا أبى الواشون إلاّ فراقنا (١) ... وما لهم عندي وعندك من ثار وشنّوا على أسماعنا كلّ غارةٍ ... وقلّت حماتي عند ذاك وأنصاري غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسيف والسيل والنار وعاصرت حمدة هذه نزهون بنت القليعي الغرناطية، الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى في حرف النون؛ وكانت وفاة حمدة في.... ١٤٣ - (٢) حمزة بن بيض حمزة بن بيض بكسر الباء الموحدة وسكون الياء والضاد المعجمة الحنفي

стр. 394

أحد بني بكر بن وائل؛ كوفي شاعر مجيد سائر القول كثير المجون، كان منقطعاً إلى المهلب بن أبي صفرة وولده، ثم إلى بلال بن أبي بردة، حصلت له أموال كثيرة إلى الغاية من ذهب وخيل ورقيق، قيل إنه حصل ألف ألف درهم، وتوفي سنة عشرين ومائة. أتى بلال بن أبي بردة، وكان كثير المزاح معه، فقال لحاجبه: استأذن لحمزة بن بيض الحنفي، فدخل الحاجب وخرج وقال: يقول لك: حمزة بن بيض، ابن من؟ فقال: ادخل وقل (١) له: الذي جئت إليه إلى سبار الحمام وأنت أمرد تسأله أن يهبك طائراً، فأدخلك السبار وناكك وأعطاك طائراً (٢) ، فشتمه الحاجب فقال: ما أنت وذا؟ بعثك برسالة فأبلغه الجواب، فدخل الحاجب وهو مغضب، فلما رآه بلال ضحك وقال: ما قال لك، قبحه الله؟ فقال: ما كنت لأخبر الأمير بما قال، فقال: يا هذا أنت رسول، فأد الجواب، فأبى فأقسم عليه، فأخبره بقوله، فضحك حتى فحص برجليه، وقال: قل له قد عرفنا العلامة فادخل، فدخل فأكرمه وسمع مديحه، وأحسن صلته. وأراد بلال بقوله ابن من قول الشاعر فيه: أنت ابن بيض لعمري لست أنكره ... فقد صدقت ولكن من أبو بيض وقدم على مخلد بن المهلب، وعنده الكميت، فأنشده: أتيناك في حاجةٍ فاقضها ... وقل مرحباً يجب المرحب ولا. لا تكلنا إلى معشر ... متى وعدوا عدةً يكذبوا فإنك في الفرع من أسرةٍ ... لهم خضع الشرق والمغرب بلغت لعشرٍ مضت من سنيك ... ما يبلغ السيّد الأشيب فهمّك فيه جسام الأمور ... وهمّ لداتك أن يلعبوا

стр. 395

وجدت فقلت: ألا سائلٌ ... فيعطى ولا راغب يرغب فمنك العطيّة للسّائلين ... وممّن ينوبك أن يطلبوا فأمر له بمائة ألف درهم، فأخذها، وسأله عن حوائجه فأخبره، فقضاها جميعاً. وأودع حمزة عند ناسك ثلاثين ألف درهم، ومثلها عند رجل نباذ، فأما الناسك فبنى بها داره وزوج بناته وأنفقها وجحده، وأما النباذ فأدّى إليه الأمانة في ماله، فقال حمزة: ألا لا يغرّك ذو سجدةٍ ... يظلّ بها دائماً يخدع كأنّ بجبهته جلبةً ... تسبح طوراً وتسترجع وما للتقى لزمت وجهه ... ولكن ليغترّ مستودع فلا تنفرنّ من أهل النبيذ ... وإن قيل يشرب لا يقلع فعندي علمٌ بما قد خبرت ... إن كان علمٌ بهم ينفع ثلاثون ألفاً حواها السجود ... فليست إلى أهلها ترجع بنى الدار من غير ما ماله ... فأصبح في بيته يرتع مهائر من غير مالٍ حواه ... يقاتون أرزاقهم جوّع وأدى أخو الكاس ما عنده ... وما كنت في ردّها أطمع وكان عبد الملك بن مروان يعبث به، فوجه إليه ليلة رسولاً وقال: جئني به على أي حالة وجدته، فهجم عليه فوجده داخلاً إلى بيت الخلاء، فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: ويحك! أكلت كثيراً وشربت نبيذاً حلواً وقد أخذني بطني، فقال: لا سبيل إلى مفارقتك، ثم أخذه وأتى به إلى عبد الملك، فوجده قاعداً في طارمة، وعنده جارية جميلة يتحظاها وهي تسجر العود وتبخر أمير المؤمنين، فجلس يحادثه ويعالج ما هو فيه من داء بطنه، فعرضت له ريح فسيبها ظناً أن يسترها البخور. قال حمزة: فوالله لقد غلب ريحها ريح البخور والند

стр. 396

فقال: ما هذا يا حمزة؟ قال: فقلت: عليّ عهد الله والمشي إلى بيت الله والهدي إن كنت فعلتها، وما فعلها إلا هذه الجارية، قال: فغضب وخجلت الجارية وما قدرت على الكلام، ثم جاءتني أخرى فسرحتها، وسطع والله ريحها، فقال: ما هذا ويلك؟ أنت والله الآفة، فقلت: امرأتي طالق إن كنت فعلتها، فقال: وهذه اليمين لازمة لي إن كنت فعلتها، ثم قال للجارية: ويلك، ما قصتك؟ قومي إلى الخلاء إن كنت تجدين (١) شيئاً، وطمعت فيها فسرحت الثالثة فسطع ريحها ما لم يكن في الحساب، فغضب عبد الملك حتى كاد أن يخرج من جلده، ثم قال: يا حمزة، خذ بيد هذه الجارية الزانية فقد وهبتها لك، وامض فقد نغصت عليّ ليلتي، فأخذت بيدها وخرجت، فلقيني خادم فقال: ما تريد أن تصنع؟ فقلت: أمضي بها، فقال: والله لئن فعلت ليبغضنك بغضاً لا تنتفع به بعده، وهذه مائتا دينار، فخذها ودع هذه الجارية، فقلت: والله لا نقصتك من خمسمائة دينار، فقال: ليس إلا ما قلت لك، فأخذتها منه وأخذ الجارية، فلما كان بعد ثلاث دعاني عبد الملك، فلقيني الخادم فقال: هذه مائة دينار أخرى وتقول ما لا يضرك ولعله ينفعك؟ فقلت: ما هو؟ فقال: إذا دخلت إليه تدعي عنده أن تلك الفسوات الثلاث أنت فعلتهن، فقلت: هاتها، فلما دخلت وقفت بين يديه وقلت: الأمان يا أمير المؤمنين، فقال: قل، فقلت: أرأيت تلك الليلة ما جرى من الفسوات؟ قال: نعم، قلت: عليّ وعليّ إن كان فساهن غيري، فضحك حتى سقط على قفاه وقال: فلم ويلك ما أخبرتني؟ فقلت: أردت خصالاً، منها أن قمت وقضيت حاجتي، ومنها أخذت جاريتك، ومنها أني كافأتك على أذاك بمثله، حيث منعني رسولك من دفع أذاي، قال: وأين الجارية؟ قلت: ما خرجت من دارك، وأخبرته الخبر. فسر بذلك، وأمر لي بمائتي دينار أخرى، وقال: هذه لجميل فعلك، وتركك أخذ الجارية. وأخبار حمزة كثيرة وكلها طرف.

стр. 397

حرف الخاء

стр. 398

فراغ

стр. 399

١٤٤ - (١) خالد الكاتب خالد بن يزيد، أبو الهيثم الكاتب البغدادي، أصله من خراسان، وكان أحد كتاب الجيش، ولاه ابن الزيات الإعطاء ببعض الثغور، فخرج فسمع في طريقه منشداً ينشد: من كان ذا شجنٍ بالشام يطلبه ... ففي سوى الشام أمسى الأهل والوطن فبكى حتى سقط مغشياً عليه، ثم أفاق واختلط عقله، واتصل به ذلك إلى الوسواس وبطل، وكان مغرماً بالمرد وينفق عليهم كل ما يفيده، فهوي غلاماً يقال له عبد الله، وكان أبو تمام بهواه، فقال فيه خالد: قضيب بانٍ جناه ورد ... تحمله وجنة وخدّ (٢) لم أثن طرفي إليه إلاّ ... مات عزاء وعاش وجد ملّك طوع النفوس حتى ... علّمه الحسن كيف يبدو واجتمع الصّدّ فيه حتى ... ليس لخلقٍ سواه صدّ فبلغ ذلك أبا تمام فقال: شعرك هذا كلّه مفرطٌ ... في برده يا خالد البارد

стр. 400

فعلقها الصبيان وما زالوا يصيحون به: يا خالد البارد، حتى وسوس، وهجا أبا تمام فقال: يا معشر المرد إنّي ناصحٌ لكم ... والمرء في القول بين الصدق والكذب لا ينكحنّ حبيباً منكم أحدٌ (١) ... فداء وجعائه أعدى من الجرب لا تأمنوا أن تعودوا بعد ثالثةٍ ... فتركبوا عمداً ليست من الخشب ومن شعره: عش فحبيك سريعاً قاتلي ... والهوى إن لم تصلني واصلي ظفر الشّوق بقلبٍ دنفٍ ... فيك والسقم بجسم ناحل فهما ما بين وجدٍ وضنىً ... تركاني كالقضيب الذابل وبكى العاذل لي من رحمة ... فبكائي لبكاء العاذل ومنه: عشية حيّاني بورد كأنّه ... خدودٌ أضيفت بعضهنّ إلى بعض وراح فعل الراح في حركاته ... كفعل النسيم الرطب في الغصن الغضّ ومنه: رقدت ولم ترث للسّاهر ... وليل المحبّ بلا آخر ولم تدر بعد ذهاب الرقاد ... ما فعل الدمع بالنّاظر وتوفي خالد في حدود السبعين والمائتين، رحمه الله تعالى.

стр. 401

١٤٥ - (١) الزين خالد خالد بن يوسف بن سعد بن الحسن بن مفرج بن بكار، الحافظ المفيد زين الدين، أبو البقاء النابلسي ثم الدمشقي، ولد بنابلس سنة خمس وثمانين وخمسمائة. وتوفي سنة ثلاث وستين وستمائة. قدم دمشق ونشأ بها، وسمع من القاسم ابن عساكر ومحمد بن الخصيب وابن طبرزد وحنبل وطائفة، وسمع ببغداد من ابن الأخضر وابن منينا، وكتب وحصل الأصول النفيسة، ونظر في اللغة والعربية، وكان إماماً ذكياً فطناً ظريفاً حلو النادرة حلو المزاح، وكان يعرف قطعة كبيرة من الغريب والأسماء والمختلف والمؤتلف، وله حكايات متداولة بين الفضلاء، وكان الملك الناصر يحبه ويكرمه. روى عنه محيي الدين النواوي والشيخ تاج الدين الفزاري وأخوه الخطيب شرف الدين وتقي الدين ابن دقيق العيد. وكان ضعيف الكتابة جداً، ويعرج من رجله. حدث الشرف الناسخ أنه كان يحضره الناصر بن العزيز، فأنشد شاعر قصيدة يمدحها بها، فخلع الزين خالد سراويله وخلعه على الشاعر، فضحك الناصر وقال: ما حملك على هذا؟ قال: لم يكن معي ما أستغني عنه غيره، فعجب منه ووصله. وولي مشيخة النورية، وكان قصيراً شديد السمرة ويلبس قصيراً؛ ومن شعره، رحمه الله تعالى: أبا حسن إني إليك وإن نأت ... ركابي إلى بغداد ما عشت تائق ولو عنت الأقدار قبلي لعاشق ... لمّا عاقني عنك العشية عائق

стр. 402

ومنه: يا ربّ بالمبعوث من هاشم ... وصهره والبضعة الطّهر لا تجعل اليوم الذي لا ترى ... عيني تاج الدين من عمري ١٤٦ (١) سبط ابن الحمامية خسرو شاه بن سعد بن عبد السيد، أبو شجاع سبط ابن الحمامية، ويسمى محمد أيضاً؛ كان أديباً فاضلاً له شعر، وتوفي سنة أربع وخمسمائة. ومن شعره: وليلةٍ جعلت في أرضها فلكاً ... يديره عبث القينات بالوتر فشمسه الراح والمصباح كوكبه ... وبدره شادن من أحسن الصور فسعدها بتمام اللّيل متصل ... ونحسها فرقة تأتي مع السحر ١٤٧ (٢) الشيخ خضر العدوي الشيخ خضر بن أبي بكر بن موسى المهراني العدوي، الشيخ المشهور، شيخ الملك الظاهر؛ كان صاحب حال ونفس قوية، وكان له حال كاهني، أخبر الظاهر بسلطنته قبل وقوعها، فلهذا كان يعظمه وينزل إلى زيارته ويطلعه على غوامض أسراره ويستصحبه في أسفاره؛ سأله وهو محاصر أرسوف: متى

стр. 403

تؤخذ؟ فعين له اليوم، فوافق ذلك، وكذلك صفد وقيسارية. ولما عاد إلى الكرك سنة خمس وستين استشاره في قصدها، فأشار عليه أن لا يقصدها ويتوجه إلى مصر، فخالفه وتوجه فوقع عند بركة زيزا وانكسرت فخذه. وقال في بعلبك والظاهر على حصن الأكراد: يأخذه السلطان بعد أربعين يوم، فوافق ذلك. ولما توجه السلطان إلى الروم كان الشيخ خضر في الحبس، فأخبر أن السلطان يظفر ويعود إلى دمشق، وأموت ويموت بعدي بعشرين يوماً، فاتفق ذلك. وكان السلطان قد نقم عليه وأحضر من حاققه على أمور لا تصدر من مسلم، فأشاروا بقتله، فقال هو للسلطان: أجلي قريب من أجلك، وبيني وبينك أيام يسيرة، فوجم لها السلطان وتوقف في قتله وحبسه وضيق عليه، لكنه يرسل إليه الأطعمة الفاخرة والملابس، وكان حبسه في شوال سنة إحدى وسبعين. ولما وصل الظاهر من الروم إلى دمشق كتب إلى مصر بإخراجه، فوصل البريد بعد موته. وكان قد بنى له عدة زوايا في عدة بلاد. وكان كل أحد يتقي جانبه، حتى الصاحب بهاء الدين ابن حنا وبيليك الخزندار. وإذا كتب ورقة يقول فيها: من خضر نياك الحمارة. وأخرج من السجن ميتاً وحمل إلى الحسينية ودفن بزاويته. قال الشيخ تقي الدين: الشيخ خضر مسلم صحيح العقيدة، لكنه قليل الدين باطولي له حال شيطاني، وكانت وفاته سنة ست وسبعين وستمائة، وكان قد بنى له زاوية بالحسينية على الخليج محاذية لأرض الطبالة، ووقف عليها أحكاراً يجيء منها في السنة ثلاثون ألف درهم، وبنى له بالقدس زاوية، وبالمزة بدمشق زاوية، وبظاهر بعلبك زاوية، وبحماة زاوية، وبحمص زاوية، وهدم بدمشق كنيسة اليهود وكنيسة المصلبة التي للنصارى بالقدس، وقتل قسيسها بيده وعملها زاوية

стр. 404

وهدم بالإسكندرية كنيسة الروم وبناها مدرسة وسماها الخضراء. وكان واسع الصدر يعطي الفضلة والذهب. ويعمل الأطعمة في قدور مفرطة الكبر يحمل القدر جماعة عتالين، وفي ملازمته الظاهر يقول الشريف (١) الناسخ. ما الظاهر السلطان إلاّ مالك ال ... دنيا بذاك لنا الملاحم تخبر ولنا دليلٌ واضحٌ كالشمس في ... وسط السماء بكلّ عين تبصر لمّا رأينا الخضر يقدم جيشه ... أبداً علمنا أنه الإسكندر ١٤٨ (٢) الأشرف خليل خليل بن قلاوون، السلطان الملك الأشرف صلاح الدين ابن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي، جلس على تحت الملك في ذي القعدة سنة تسع وثمانين وستمائة، بعد موت والده، واستفتح الملك بالجهاد، وسار فنازل عكا وافتتحها، ونظف (٣) الشام كله من الفرنج، ثم سار في السنة الثانية فنازل قلعة الروم وحاصرها خمسة وعشرين يوماً وافتتحها، ثم في السنة الثالثة جاءته مفاتيح قلعة بهسنا من غير قتال إلى دمشق، ولو طالت مدته ملك العراق وغيرها، فإنه كان شجاعاً مقداماً مهيباً عالي الهمة يملأ العين ويرجف القلب. وكان ضخماً سميناً كبير الوجه بديع الحمال مستدير اللحية، على صورته رونق الحسن وهيبة السلطنة، وكان إلى جوده وبذله الأموال في أغراضه المنتهى، تخافه الملوك في أقطارها؛

стр. 405

أباد جماعةً من كبار الدولة، وكان منهمكاً على اللذات؛ لا يعبأ بالتحرز على نفسه لشجاعته. توجه من القاهرة ثالث المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة (١) هو والوزير شمس الدين بن السلعوس وأمراء دولته، وفارقه وزيره من الطرانة (٢) إلى الإسكندرية، وعسف وظلم وصادر الناس، ونزل الأشرف بأرض الحمامات للصيد، وأقام إلى يوم السبت ثالث عشر المحرم، فلما كان العصر وهو بتروجة حضر نائب السلطنة بيدرا وجماعة من الأمراء، وكان الأشرف أمره بكرةً أن يتقدم بالدهليز ليتصيد هو ويعود عشية، فاحتاطوا به وليس معه إلا شهاب الدين ابن الأشل أمير شكارة، فابتدره بيدرا فضربه بالسيف قطع يده، فصاح حسام الدين لاجين عليه وقال: من يريد السلطنة تكون هذه ضربته؟ وضربه على كتفه حله، فسقط السلطان إلى الأرض، ولم يكن معه سيف، بل كان وسطه مشدود بالبند، ثم جاء سيف الدين بهادر رأس نوبة (٣) ، فأدخل السيف من أسفله وشقه إلى حلقه، وتركوه طريحاً في البرية، والتفوا على بيدرا وحلفوا له، وساق تحت العصايب يطلب القاهرة، وتسمى بالملك الأوحد، وبات تلك الليلة، وأصبح يسير، فلما ارتفع النهار إذا بطلب كبير قد أقبل يقدمه زين الدين كتبغا وحسام الدين أستاذدار (٤) يطلبون بيدرا بدم أستاذهم، ودلك بالطرانة، فحملوا عليه فتفرق عنه أكثر من معه، وقتل في الحال وحمل راسه على رمح وجاءوا

стр. 406

به إلى القاهرة، فلم يمكنهم الشجاعي من التغدية، وكان نائب السلطنة في تلك السفرة، فأمر بالشواني كلها فربطت إلى الجانب الآخر، ونزل الجيش على الجانب الغربي. ثم مشت بينهم الرسل على أن يقيموا الملك الناصر محمد أخا الأشرف، فتقرر ذلك، وأجلسوه على التخت يوم الاثنين رابع عشر المحرم، وصار أتابكه كتبغا ووزيره الشجاعي، واختفى حسام الدين لاجين وقراسنقر المنصوري وغيرهما ممن شارك في قتله. قال الشيخ شمس الدين الجزري رحمه الله تعالى: حدثني الأمير سيف الدين المحفدار (١) قال: كان السلطان ﵀ قد نفذني بكرة إلى بيدرا بأن يتقدم بالعساكر، فلما قلت له ذلك نفر فيّ وقال: السمع والطاعة، كم تستعجلني! ثم إني حملت الزردخاناه (٢) والثقل الذي لي وركبت، فبينما أنا ورفيقي الأمير صارم الدين الفخري وركن الدين أمير جندار عند الغروب وإذا بنجاب قد أقبل فقلنا له: أين تركت السلطان؟ فقال: يطول الله أعماركم فيه؛ فبهتنا، وإذا بالعصايب قد لاحت، وأقبل الأمراء وبيدرا في الدست، فجينا وسلمنا، وساق معه ركن الدين أمير جندار، وقال له: يا خوند هذا الذي تم كان بمشورة الأمرا؟ قال: نعم أنا قتلته بمشورتهم وحضورهم، وها هم حضور وكان من جملتهم حسام الدين لاجين وبهادر رأس نوبة وقرا سنقر وبدر الدين بيسري؛ ثم إن بيدرا شرع يعدد ذنوبه وإهماله لأمور المسلمين واستهتاره بالأمرا وتوزيره لابن السلعوس، ثم قال: رأيتم الأمير زين الدين كتبغا؟ فقلنا: لا، فقال له أمير جندار: عنده علم من هذه القضية؟ قال: نعم، هو أول من أشار بها، فلما كان من الغد جاء كتبغا في طلب نحو من ألفين من

стр. 407

الخاصكية (١) وغيرهم، ثم قال كتبغا لبيدرا: أين السلطان؟ ورماه بالنشاب، ورموا كلهم بالنشاب وقتلوه، وتفرق جمعه، فلما رأينا ذلك التجأنا إلى جبل، واختلطنا بالطلب الذي جاء، فعرفنا بعض أصحابنا، فقال لنا: شدوا بالعجلة مناديلكم (٢) في أرقابكم إلى تحت الإبط، يعني شعارهم. قال ابن المحفدار: وسألت شهاب الدين ابن الأشل: كيف كان قتل السلطان؟ قال: جاء إليه بعد رفع الدهليز أن بتروجة طيراً كثيراً، فقال لي: امش بنا حتى نسبق الخاصكية، فركبنا وسرنا، فرأينا طيراً كثيراً، فرمى بالبندق وصرع كثيراً، ثم قال: أنا جيعان، فهل معك شيء تطعمني؛ فقلت: ما معي سوى فروجة ورغيف في سولقي (٣) ، فقال: هاته، وناولته فأكله، ثم قال: امسك فرسي حتى أبول، ثم نزل وجعل يريق (٤) الماء ويمازحني ثم ركب، وإذا بغبار عظيم، فقال: سق واكشف الخبر، فسقت، وإذا ببيدرا والأمراء فسألتهم عن سبب مجيهم فلم يردوا علي، وساقوا إلى السلطان وقتلوه كما ذكرنا. ثم إن بعد يومين طلع والي تروجة وغسلوه وكفنوه ووضعوه في تابوت، وسيروا من القاهرة الأمير سعد الدين كوجبا الناصري فأحضر التابوت ودفن في تربة والدته، وذلك في المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وكان من أبناء الثلاثين أو أقل، رحمه الله تعالى. ذكر فتوحاته: عكا وصور وصيدا وبيروت وقلعة الروم وبهسنا، وجميع الساحل في أقرب مدة.

стр. 408

وكان مدة ملكه ثلاث سنين وشهر وخمسة أيام. وكان كرمه زائداً وإطلاقه عظيم، وكانت واقعته تسمى وقعة الأيدي والأكتاف، لأن جميع من وافق عليه قطعت أيديهم أولاً، وفيهم من سمر، وفيهم من أحرق، وفيهم من قتل، ولم يجدد في زمانه مظلمة، ولا استجد ضمان مكس. وكان يحب الشام وأهله، وفيه يقول شمس الدين ابن غانم: مليكان قد لقّبا بالصلاح ... فهذا خليلٌ وذا يوسف فيوسف لا شكّ في فضله ... ولكن خليلٌ هو الأشرف وكان مغرى بالهدم، لأنه هدم أماكن، وفيه يقول علاء الدين الوداعي لما أمر بهدم الأماكن المجاورة للميدان بدمشق، ووزع عمارته على الأمراء: إن أمر السلطان في جلقٍ ... بهدم ما جاور ميدانه فإنه قد غار لمّا رأى ... غير بيوت الله جيرانه وقال أيضاً: أرى الأمراء قد جدوا وجادوا ... وشدّوا في بنائهم وشادوا وهم متسابقون ولا عجيبٌ ... ففي الميدان تستبق الجياد وقال أيضاً جزيتم أيها الأمراء خراً ... على إتقانكم هذه البنيّه فلا تخشوا على الميدان شيئاً ... سوى سيل العطايا الأشرفيه ولما افتتح السلطان عكا امتدحه القاضي شهاب الدين محمود بقصيدته البائية المشهورة، وهي (١) : الحمد لله دلّت دولة الصّلب ... وعزّ بالترك دين المصطفى العربي

стр. 409

هذا الذي كانت الآمال لو طلبت ... رؤياه في النوم لاستحيت من الطلب ما بعد عكا وقد هدّت قواعدها ... في البحر للشرك عند البر من أرب عقيلةٌ ذهبت أيدي الخطوب بها ... دهراً وشدّت عليها كفّ مغتصب لم يبق من بعدها للكفر مذ خربت ... في البرّ والبحر ما ينجي سوى الهرب كانت تخيلنا آمالنا فنرى ... أن التفكّر فيها غاية العجب أما الحروب فكم قد أنشأت فتناً ... شاب الوليد بها هولاً ولم تشب سوران: برٌّ وبحرٌ حول ساحتها ... دار وأدناهما أنأى من القطب مصفّح بصفاح حولها أكمٌ ... من الرماح وأبراجٌ من اليلب مثل الغمائم تهدي من صواعقها ... بالنبل أضعاف ما تهدي من السحب كأنما كلّ برجٍ حوله فلكٌ ... من المجانيق يرمي الأرض بالشهب ففاجأتها جنود الله يقدمها ... غضبان لله لا للملك والنّشب كم رامها ورماها قبله ملكٌ ... جمّ الجيوش فلم يظفر ولم يجب (١) لم ترض همّته إلاّ الذي قعدت ... للعجز عنه ملوك العجم والعرب ليث أبى أن يردّ الوجه عن أُممٍ ... يدعون ربّ العلى سبحانه بأب لم يلهه ملكه، بل في أوائله ... نال الذي لم ينله الناس في الحقب فأصبحت وهي في بحرين ماثلة ... ما بين مضطرمٍ ناراً ومضطرب جيش من الترك ترك الحرب عندهم ... عار (٢) ، وراحتهم ضرب (٣) من الضرب خاضوا إليها الردى والهجر فاشتبه ال ... أمران واختلفا في الحال والسبب تسنّموها فلم يترك تسنّمهم ... في ذلك الأفق برجاً غير منقلب أتوا حماها فلم تمنع وقد وثبوا ... عنها مجانيقهم شيئاً ولم يثب يا يوم عكا لقد أنسيت ما سبقت ... به الفتوح وما قد خطّ في الكتب

стр. 410

لم يبلغ النطق حدّ الشكر منك فما ... عسى يقوم به ذو الشعر والخطب كانت تمنّى بك الأيام مبعدةً ... فالحمد لله نلنا ذاك عن كثب أغضبت عبّاد عيسى إذ أبدتهم ... لله أي رضىً في ذلك الغضب وأطلع الله جيش النصر فابتدرت ... طلائع النصر بين السّمر والقضب وأشرف المصطفى الهادي البشير على ... ما أسلف الأشرف السلطان من قرب فقرّ عيناً بهذا الفتح وابتهجت ... بفتحه الكعبة الغراء في الحجب وسار في الأرض سير الريح سمعته ... فالبرّ في طربٍ والبحر في حرب وخاضت البيض في بحر الدماء وما ... أبدت من البيض إلاّ ساق مختضب وغاص زرق القنا في زرق أعينهم ... كأنها شطنٌ تهوي إلى قلب توقدت وهي غرقى في دمائهم ... فزادها الطفح منها شدّة اللهب وذاب من حرها عنهم حديدهم ... فقيدتهم بها ذعراً يد الرّهب كم أبرزت بطلاً كالطّود قد بطلت ... حواسه فغدا كالمنزل الخرب أجرت إلى البحر بحراً من دمائهم ... فراح كالراح إذ غرقاه كالحبب تحكمت وسطت فيهم قواضبنا ... قتلاً وعفّت لحاويها عن السلب كأنّه وسنان الرمح يظلبه ... برجٌ هوى ووراه كوكب الذّنب بشراك ما ملك الدنيا لقد شرفت ... بك الممالك واستعلت على الرتب ما بعد عكا وقد لانت عريكتها ... لديك شيءٌ تلاقيه على تعب فانهض إلى الأرض فالدنيا بأجمعها ... مدت إليك فواصلها (١) بلا نصب كم قد دعت وهي في أسر العدا زمناً ... صيد الملوك فلم تسمع ولم تجب أتيتها يا صلاح الدن معتقداً ... بأن داعي صلاح الدين لم يخب أسلت فيه كما سالت دماؤهم ... من قبل إحرازها بحراً من الذهب أدركت ثأر صلاح الدين إذ غصبت ... منه لسرٍّ طواه الله في اللقب

стр. 411

وجئتها بجيوشٍ كالسيول على ... أمثالها بين آجامٍ من القضب وحطتها بالمجانيق التي وقفت ... إزاء جدرانها في جحفل لجب مرفوعة نصبوا أضعافها فغدا ... للكسر والحطم منهم كلّ منتصب ورضتها بنقوبٍ ذللت شمماً ... منها وأبدت محياها بلا نقب وغنّت البيض في الأعناق فارتقصت ... أبراجها لعباً منهنّ باللعب وخلقت بالدم الأسوار (١) فانفغمت ... طيباً ولولا دماء الخبث لم تطب وأبرزت كلّ خودٍ كاعبٍ نثرت ... رؤوسهم حين زفّوها بلا طرب باتت وقد جاورتنا ناشزاً وغدت ... طوع الهوى في يدي جيرانها الجنب بل أحرزتهم ولكن للسيوف لكي ... لا يلتجي أحد (٢) منهم إلى الهرب أضحت أبا لهب تلك البروج وقد ... كانت بتعليقها حمالة الحطب وتمت النعمة العظمى وقد كملت ... بفتح صور بلا حصر ولا نصب وجارت النار في أرجائها وعلت ... فأطفأت ما بصدر الدين من كرب وأفلت البحر منهم من يخبّر من ... يلقاه من قومه بالويل والحرب أختان في أن كلا منهما (٣) جمعت ... صليبة الكفر لا أختان في النسب لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب الله أعطاك ملك البحر إذ جمعت ... لك السعادة ملك البرّ والعرب من كان مبدأه عكا وصور معاً ... فالصين أدنى إلى كفيه من حلب علا بك الملك حتى إنّ قبته ... على البرايا غدت ممدودة الطنب فلا برحت قرير العين مبتهجاً ... بكلّ فتح مبين المنح مرتقب وقال أيضاً يمدحه عند فتح القلعة الروم سنة إحدى وتسعين وستمائة:

стр. 412

لك الراية الصفراء يقدمها النصر ... فن كيقباذٌ إن رآها وكيخسرو إذا خفقت في الأرض هدب بنودها ... هوى الشرك واستعلى الهدى وانجلى الثغر وإن نشرت مثل الأصائل في وغىً ... جلا النقع من لألاء طلعتها البدر وإن يممت زرق العدا سار تحتها ... كتائب خضر تحتها البيض والسمر كأنّ مثار النّقع ليلٌ، وخفقها ... بروق، وأنت البدر، والفلك البحر (١) لها كلّ يوم أين سار لواؤها ... هديّة تأييدٍ يقدّمها الدهر وفتح أتى في إثر فتح كأنّما ... سماءٌ بدت تترى كواكبها الزهر فكم وطئت طوعاً وكرهاً معاقلٌ ... مضى الدّهر عنها وهي عانسة بكر فإن رمت حصناً سابقتك كتائبٌ ... من الرعب أو جيشٌ (٢) يقدمه النصر ففي كلّ قطرٍ للعدى وحصونهم ... من الخوف أسياف تجرد أو حصر فلا حصن إلاّ وهو سجنٌ لأهله ... ولا جسدٌ إلاّ لأرواحهم قبر وما قلعة الروم التي حزت فتحها ... وإن عظمت إلاّ إلى غيرها جسر محجّبةٌ بين الجبال (٣) كأنها ... إذا ما تبدّت في ضمائرها سر تفاوت وصفاها فللحوت فيهما ... مجالٌ وللنّسرين بينهما وكر (٤) فبعضٌ رسا حتى جرى الماء فوقه ... وبعضٌ سما حتى همى دونه القطر يحيط بها نهران تبرز فيهما ... كما لاح يوماً في قلائده النحر تخاض متون السّحب فيها كأنها ... إذا ما استدارت حول أبراجها نهر على هضب صمٍّ يكلّم صخرها ال ... حديد وفيها عن إجابته وقر لها طرق (٥) كالوهم أعيا سلوكه ... على الفكر حتى ما يخيّله الفكر

стр. 413

إذا خطرت فيها الرياح تعثّرت ... أو الذرّ يوماً زلّ (١) عن متنه الذر يضلّ القطا فيه ويخشى عقابها ال ... عقاب ويهفو في مراقبها النسر فصبّحتها بالجيش كالرّوض بهجةً ... صوارمه أنهاره والقنا الزهر وأبدعت بل كالبحر والبيض موجه ... وجرد المذاكي السفن والخوذ الدر وأغربت بل كالليل، عوج سيوفه ... أهلته، والنّبل أنجمه الزهر وأخطأت لا بل كالنّهار فشمسه ... جيوشك، والآصال راياتك الصفر ليوثٌ من الأتراك آجامها القنا ... لها كلّ يومٍ في ذرى ظفر ظُفر فلا الريح تسري بينهم لاشتباكها ... عليهم ولا ينهلّ من فوقهم قطر يرى الموت معقوداً بهدب نبالهم ... إذا ما رماها القوس والنظر الشزر ففي كلّ سرجٍ غصن بانٍ مهفهف ... وفي كلّ قوس مدّ ساعده بدر إذا صدموا صمّ الجبال تزلزلت ... وأصبح سهلاً تحت خيلهم الوعر ولو وردت ماء الفرات خيولهم ... لقيل هنا قد كان فيما مضى نهر أداروا بها سوراً (٢) فأضحت كخنصرٍ ... لدى خاتم أو تحت منطقةٍ خصر وأجروا إليها من بحار أكفّهم ... سحاب ردىً لم يخل من قطره قطر كأنّ المجانيق التي قمن (٣) حولها ... رواعد سخطٍ وبلها (٤) النار والصخر فأحرزتها بالسيف قهراً، وهكذا ... فتوحك فيما قد مضى كلّه قسر غدت بشعار (٥) الأشرف الملك الذي ... له الأرض دار وهي من حسنها قصر وأضحت بحمد الله ثغراً ممنّعاً ... تبيد اللّيالي والعدا وهو مفترّ وكانت قذىً في ناظر الدين فانجلى ... وذخراً لأهل الشرك فانعكس الأمر

стр. 414

فراغ

стр. 415

حرف الدال

стр. 416

فراغ

стр. 417

١٤٩ - (١) الملك الناصر داود داود بن عيسى بن محمد بن أيوب، الملك الناصر صلاح الدين أبو المفاخر ابن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل الكبير ابن أيوب؛ ولد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة بدمشق، وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة؛ سمع ببغداد من القطيعي وغيره، وبالكرك من ابن اللتي، وأجاز له المؤيد الطوسي؛ وكان حنفي المذهب عالماً فاضلاً مناظراً ذكياً، له اليد البيضاء في الشعر والأدب، لأنه حصل طرفاً جيداً من العلوم في دولة أبيه، وولي السلطنة سنة أربع وعشرين بعد والده، وأحبه أهل دمشق، وسار عمه الكامل من مصر ليأخذ دمشق منه، فاستنجد بعمه الأشرف، فجاء لنصرته، ونزل بالدهشة، ثم تغير عليه ومال لأخيه الكامل، وأوهم للناصر أنه يصلح قضيته، فاتفقا عليه وحاصراه أربعة أشهر وأخذا دمشق منه، وسار إلى الكرك وكانت لوالده، وأعطي معها الصلت ونابلس وعجلون وأعمال القدس؛ وعقد نكاحه على بنت عمه الكامل، ثم إن الكامل تغير عليه، ففارق ابنته قبل الدخول، ثم إن الناصر قصد الإمام المستنصر بالله، وقدم له تحف ونفائس، وسار إليه على البرية ومعه فخر القضاة ابن بصاقة وشمس الدين الخسروشاهي والخواص من مماليكه وألزامه، وطلب الحضور بين يديه كما فعل بصاحب إربل، فلم يأذن له، فنظم قصيدته البائية وأولها:

стр. 418

دان ألّمت بالكثيب ذوائبه ... وجنح الدجى وحفٌ تجول غياهبه تقهقه في تلك الربوع رعوده ... وتبكي على تلك الطلول سحائبه أرقت له لمّا توالى بروقه ... وحلّت عزاليه وأسبل ساكبه إلى أن بدا من أشقر الصبح قادمٌ ... يراع له من أدهم الليل هاربه وأصبح ثغر الأقحوانة ضاحكاً ... تدغدغه ريح الصبا وتداعبه تمرّ على نبت الرياض بليلة ... تجمّشه طوراً وطوراً تلاعبه وأقبل وجه الأرض طلقاً وطالما ... غدا مكفهرّاً موحشاتٍ جوانبه وكساه الحيا وشياً من النبت فاخراً ... فعاد قشيباً غوره وغواربه كما عاد بالمستنصر ابن محمّدٍ ... نظام المعالي حين قلّت كتائبه إمامٌ تحلّى الدين منه بماجدٍ ... تحلّت بآثار النبيّ مناكبه هو العارض الهتّان لا البرق مخلفٌ ... لديه ولا أنواره وكواكبه إذا السنة الشّهباء شحّت (١) بطلها ... سخا وابلٌ منه وسحّت سواكبه فأحيا ضياء البرق ضوء جبينه ... كما نحلت جود الغوادي مواهبه له العزمات اللائي لولا نضالها ... تزعزع ركن الدين وانهدّ جانبه بصيرٌ بأحوال الزمان وأهله ... حذورٌ فما تخشى عليه نوائبه بديهته تغنيه عن كلّ مشكلٍ ... وإن حنّكته في الأمور تجاربه حوى قصبات السبق مذ كان يافعاً ... وأربت على زهر النجوم مناقبه تزيّنت الدنيا به وتشرّفت ... بنوها فأضحى خافض العيش ناصبه لئن نوهّت باسم الإمام خلافةٌ ... ورفّعت الزاكي المنار مناسبه فأنت الإمام العدل والعرق الذي ... به شرفت أنسابه ومناصبه وأغنيت حتى ليس في الأرض معدمٌ ... يجور عليه دهره ويحاربه ومن جدّه عمّ النبيّ وخدنه ... إذا صارمته أهله وأقاربه

стр. 419

جمعت شتيت المجد بعد انفراقه ... وفرّقت جمع المال فانهال كاثبه (١) ألا يا أمير المؤمنين ومن غدت (٢) ... على كاهل الجوزاء تعلو مراتبه أيحسن في شرع المعالي ودينها ... وأنت الذي تعزى إليه مذاهبه بأني أخوض الدوّ والدوّ مقفرٌ ... سبارته مغبرّةٌ وجوانبه وأرتكب الهول المخوف مخاطراً ... بنفسي ولا أعبا بما أنا راكبه وقد رصد الأعداء لي كلّ مرصدٍ ... فكلّهم نحوي تدبّ عقاربه وآتيك والعضب المهنّد مصلتٌ ... طويرٌ شابه فاتناتٌ ذوائبه وأترك آمالي ببابك راجياً ... بواهر جاه يبهر النّجم ثاقبه فتقبل منّي عبد رقً فيغتدي ... له الدهر عبداً (٣) طائعاً لا يغالبه وتنعم في حقّي بما أنت أهله ... وتعلي محلي فالسّها لا يقاربه وتلبسني من نسج ظلّك حلّةً ... تشرّف قدر النيّرين جلاببه وتركبني نعمى أياديك مركباً ... على الفلك الأعلى تسير مواكبه وتسمح لي بالمال والجاه بغيتي ... وما الجاه إلاّ بعض ما أنت واهبه ويأتيك غيري من بلادٍ قريبة ... له الأمن فيها صاحب لا يجانبه (٤) وما اغبّر من جوب الفلا حرّ وجهه ... ولا اتصلت بالسير فيها ركائبه فيلقى دنوّاً منك لم ألق مثله ... ويحظى ولا أحظى بما أنا طالبه وينظر من لألاء قدسك نظرةً ... فيرجع والنور الإماميّ صاحبه ولو كان يعلوني بنفسٍ ورتبة ... وصدق ولاءٍ لست فيه أصاقبه ولكنّه مثلي ولو قلت إنّني ... أزيد عليه لم يعب ذاك عائبه ولا بالذي يرضيه دون نصيره ... ولو أُنعلت بالنيّرات مراكبه

стр. 420

لكنت أُسلّي النّفس عمّا أرومه ... وكنت أذود العين عمّا تراقبه وما أنا ممّن يملأ المال عينه ... ولا بسوى التقريب تقضى مآربه ومن عجبٍ أني لدى البحر واقف ... وأشكو الظّما والبحر جمٌّ عجائبه وغير ملومٍ من يؤمل قاصداً ... إذا عظمت أغراضه ومآربه وقد رضت مقصودي فتمت صدوره ... ومنك ترجّى أن تتمّ عواقبه فلما وقف الخليفة عليها أعجبته كثيراً، فاستدعاه سراً بعد مضي شطر من الليل، فدخل من باب السر إلى إيوان فيه ستر مضروب، فقبل الأرض، فأمر بالجلوس، فجعل الخليفة يحدثه ويؤنسه، ثم أمر الخدام فرفعوا الستر، فقبل الأرض وقبل يده، فأمر بالجلوس فجلس، وجاراه في أنواع من العلوم وأساليب الشعر، وأخرجه ليلاً وخلع عليه خلعة سنية: عمامة مذهبة سوداء وجبة سوداء مذهبة، وخلع على أصحابه ومماليكه خلعاً جليلة، وأعطاه مالاً جزيلاً، وبعث في خدمته رسولاً مشربشاً (١) من أكبر خواصه إلى الكامل يشفع فيه في إخلاص النية له وإبقاء ملكه عليه والإحسان إليه، وبلغ الكامل فخرج إلى تلقيهما إلى القصر، وأقبل على الناصر إقبالاً كثيراً، ونزل الناصر بالقابون وجعل رنكه (٢) أسود (٣) انتماءً إلى الخليفة، وكان الخليفة زاد في ألقابه بالوالي المهاجر مضافاً إلى لقبه، وتوجه من دمشق والرسول معه ليرتبه في الكرك، وذلك سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.

стр. 421

ولما كان الناصر ببغداد حضر في المستنصرية وبحث واستدل، والخليفة في روشن يسمع، وقام يومئذ الوجيه القيرواني ومدح الخليفة بقصيدة منها: لو كنت في يوم السقيفة حاضراً ... كنت المقدّم والهمام الأروعا فقال له الناصر: كذبت، قد كان العباس جد أمير المؤمنين حاضراً (١) ، ولم يكن المقدم إلا أبو بكر ﵁، فخرج الأمر بنفي (٢) الوجيه، فذهب إلى مصر وولي تدريس مدرسة ابن شكر. رجع الكلام ثم وقع بين الكامل والأشرف، وأراد كل منهما أن يكون الناصر معه، فمال إلى الكامل، وجاء في الرسلية القاضي الأشرف ابن الفاضل، وسار الناصر إلى الكامل فبالغ في تعظيمه وأعطاه الأموال والتحف، ثم اتفق موت الأشرف والكامل، والناصر بدمشق في دار أسامة، فتشوف إلى السلطنة، ولم يكن يومئذ أميز منه، ولو بذل المال لحلفوا له، فتسلطن الجواد، فخرج الناصر من دمشق إلى القابون وسار إلى عجلون، ثم حشد وجاء، فخرج الجواد بالعساكر، ووقع المصاف بين نابلس وجينين، فانكسر الناصر وأخذ الجواد خزائنه، وكانت على سبعمائة جمل، فافتقر الناصر. ولما ملك الصالح نجم الدين أيوب دمشق وسار لقصد مصر، جاء عمه الصالح إسماعيل وملك دمشق، فتسحب جيش نجم الدين عنه، وبقي في نابلس في جماعة قليلة، فجهز الناصر عسكراً (٣) من الكرك فأمسكوه وأحضروه إلى الكرك، فاعتقله عنده مكرماً. ونزل الناصر عند موت الكامل من الكرك على القلعة التي عمرها الفرنج

стр. 422

بالقدس وحاصرها وملكها وطرد من بالقدس من الفرنج وفي ذلك يقول ابن مطروح: المسجد الأقصى له عادة ... سارت فصارت مثلاً سائرا إذا غدا للكفر مستوطناً ... أن يبعث الله له ناصرا فناصرٌ طهّره أولاً ... وناصرٌ طهّره آخرا ثم إنه اتفق مع الصالح نجم الدين أيوب في أنه إن ملك مصر ما يفعل، فقال الصالح: أنا غلامك، وشرط عليه أشياء وأطلقه، فلما ملك مصر وقع التسويف منه والمغالطة، فغضب الناصر ورجع فبعث الصالح عسكراً (١) واستولوا على بلاد الناصر، ثم إن ابن الشيخ نازله في الكرك وحاصره أياماً ورحل، فقل ما عند الناصر من الذخائر والأموال واشتد عليه الأمر، فجهز الشيخ شمس الدين الخسروشاهي ومعه ولده إلى الصالح وقال: تسلم مني الكرك وعوضني الشوبك وخبزا بمصر فأجابه، فرحل إلى مصر مريضاً. ثم إن الأمر ضاق عليه فترك ولده المعظم نائباً في الكرك، وأخذ ما يعز عليه من الجواهر ومضى إلى حلب مستجيراً بصاحبها، فأكرمه، ثم توجه قاصداً بغداد، وأودع ما معه من الجواهر عند الخليفة، وكانت قيمتها أكثر من مائة ألف دينار، ولم يصل بعد ذلك إليها. وكان له ولدان: الظاهر والأمجد، وهما من بنت الملك الأمجد ابن العادل، فأمهما بنت عمه، وأم المعظم بنت عمه الصالح، فاتفقا مع أمهما على القبض على المعظم فقبضاه، واستولوا على الكرك. ثم سار الأمجد إلى المنصورة فأكرمه الصالح، فكلمه في الكرك وتوثق منه لنفسه وإخوته وأن يعطيه خبزاً بمصر، فأجابه، وسير الطواشي بدر الدين الصوابي إلى الكرك نائباً، وأقطع أولاد الناصر إقطاعات جليلة، وفرح بالكرك؛ وبلغ الناصر الخبر وهو بحلب فعظم ذلك عليه. فلما مات الصالح وتملك ابنه المعظم توران شاه وقتل عمه الطواشي الصوابي وأخرج

стр. 423

المغيث عمر ابن العادل ابن الكامل من حبس الكرك وملكه الكرك والشوبك، وجاء صاحب حلب فملك دمشق، ومعه الصالح إسماعيل والناصر داود، فقيل له ان الناصر يسعى في السلطنة، فقبض عليه وحبسه بحمص، ثم أفرج عنه بشفاعة الخليفة، فتوجه إلى الخليفة فلم يؤذن له في الدخول إلى بغداد، فطلب وديعته فلم تحصل له، فرد إلى دمشق، ثم سافر إلى بغداد لأجل الوديعة، فنزل بمشهد الحسين بكربلا، وسير قصيدة إلى الخليفة يمدحه ويسأله في رد الوديعة ويتلطف، فلم يرد عليه جواب، فحج وأتى المدينة وقام بين يدي الحجرة النبوية، وأنشد قصيدته التي أولها: إليك امتطينا اليعملات رواسماً ... يجبن الفلا ما بين رضوى ويذبل ثم أحضر شيخ الحرم والخدام، ووقف بين يدي الضريح مستسمكاً بسجف الحجرة وقال: اشهدوا أن هذا مقامي من رسول الله ﷺ ، قد دخلت عليه مستشفعاً به إلى ابن عمه أمير المؤمنين في رد وديعتي، فأعظم الناس هذا وبكوا، وكتبوا بصورة ما جرى إلى الخليفة؛ ولما كان الركب في الطريق خرج عليهم أحمد بن حجي بن يزيد من آل مرى فوقع القتال، وكادوا يظفرون بأمير الحاج، فشق الناصر الصفوف، وكلم أحمد بن حجي، وكان أبوه صاحبه، فترك الركب ونزل الناصر بالحلة، فقرر له راتب يسير، ولم ينل مقصوداً (١) ، فجاء إلى قرقيسيا، ومنها إلى تيه بني إسرائيل، وانضم إليه عربان، فخاف المغيث منه وراسله وخدعه إلى أن قبض عليه وعلى من معه، وحبسه بطور هارون، فبقي ثلاثة أيام. واتفق أن المستعصم دهمه أمر التتار فكتب إلى صاحب الشام يستمده ويطلب منه جيشاً يكون مقدمه الناصر داود، فطلبه من المغيث فأخرجه، وقدم إلى دمشق ونزل بقرية البويضا قرب البلد، وأخذ يتجهز للمسير، فجاءت الأخبار بما جرى على بغداد من التتار، وعرض طاعون بالشام عقيب واقعة التتار،

стр. 424

فطعن الناصر في جنبه وتوفي ليلة الثامن والعشرين (١) من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة، وركب السلطان إلى البويضا، وأظهر التأسف عليه وقال: هذا كبيرنا وشيخنا، ثم حمل إلى تربة والده بسفح قاسيون. وكان رحمه الله تعالى معتنياً بتحصيل الكتب النفيسة، ووفد عليه راجح الحلي ومدحه فوصل إليه منه ما يزيد على أربعين ألف درهم، وأعطاه على قصيدة أخرى ألف دينار. وكتب الملك الناصر داود إلى وزيره فخر القضاة ابن بصاقة: يا ليلة قطّعت عمر ظلامها ... بمدامةٍ صفراء ذات تأجّج بالساحل النامي روائح نشره ... عن روضه المتضوّع المتأرج واليمّ زاهٍ قد جرى تيّاره ... من بعد طول تقلّقٍ وتموج طوراً يدغدغه النّسيم وتارةً ... يكرى فتوقظه بنات الخزرج والبدر قد ألقى سنا أنواره ... في لجّه المتجعّد المتدبّج فكأنّه إذ قدّ صفحة متنه ... بشعاعه المتوقد المتوهج نهرٌ تكوّن من نضارٍ يانعٍ ... يجري على أرضٍ من الفيروزج ومن شعره: صبحاني بوجهه القمريّ ... واصبحاني بالسلسبيل الرويّ بدر ليلٍ يسعى بشمس نهارٍ ... فشهيٌّ ينتابنا بشهيّ واعجبا لاجتماع شمس وبدر ... في سنائي سنا كمال بهيّ إن تبدّت بوجهها ذهبيّاً ... قلت هذا من وجهه الفضيّ يا ولوعاً بالنبل أصميت قلبي ... بسهام من لحظك البابليّ رشقته من حاجبيك سهامٌ ... منتضاةٌ أحسن بها من قسي ومنه:

стр. 425

لو عاينت عيناك حسن معذبي ... ما لمتني ولكنت أول من عذر عين الرشا قدّ ردف النّقا ... شعر الدجى شمس الضحى وجه القمر ومما ينسب إليه وهو غاية: بأبي أهيفٌ إذا رمت منه ... لثم ثغرٍ يصدّني عن مرامي قد حمى خدّه بسور عذارٍ ... مقلتاه أضحت عليه مرامي وله أيضاً: تراخيت عني حين جدّ بي الهوى ... وجربت صبري عندما نفد الصبر فلو عاينت عيناك في الليل حالتي ... وقد هزني شوقي وأقلقني الفكر رأيت سليماً في ثياب مسلم ... ومستشعراً قد ضمّ شرسوفه الشعر وله: إذا عاينت عيناي أعلام جلّقٍ ... وبانت من القصر المشيد قبابه تيقنت أن البين قد بان والنّوى ... نأى شحطها والعيش عاد شبابه وله أيضاً: طرفي وقلبي قاتلٌ وشهيد ... ودمي على خديك منه شهود يا أيها الرشأ الذي لحظاته ... كم دونهنّ صوارمٌ وأسود من لي بطيفك بعدما منع الكرى ... عن ناظريّ البعد والتّسهيد وأما وحبّك لست أضمر توبةً ... عن صبوتي ودع الفؤاد يبيد وألذّ ما لاقيت فيك منيّتي ... وأقلّ ما بالنفس فيك أجود ومن العجائب أن قلبك لم يلن ... لي والحديد ألانه داود وعلى الجملة إنه لم يكن مسعود الحركات، لأنه قضى عمره في أسوأ حال، مشرداً (١) عن الأوطان معكوس المقاصد، وقيل: إنه كان إذا دخل في الشراب
следующие страницы →