ولما كان الناصر ببغداد حضر في المستنصرية وبحث واستدل، والخليفة في روشن يسمع، وقام يومئذ الوجيه القيرواني ومدح الخليفة بقصيدة منها:
لو كنت في يوم السقيفة حاضراً ... كنت المقدّم والهمام الأروعا فقال له الناصر: كذبت، قد كان العباس جد أمير المؤمنين حاضراً (١) ، ولم يكن المقدم إلا أبو بكر ﵁، فخرج الأمر بنفي (٢) الوجيه، فذهب إلى مصر وولي تدريس مدرسة ابن شكر.
رجع الكلام
ثم وقع بين الكامل والأشرف، وأراد كل منهما أن يكون الناصر معه، فمال إلى الكامل، وجاء في الرسلية القاضي الأشرف ابن الفاضل، وسار الناصر إلى الكامل فبالغ في تعظيمه وأعطاه الأموال والتحف، ثم اتفق موت الأشرف والكامل، والناصر بدمشق في دار أسامة، فتشوف إلى السلطنة، ولم يكن يومئذ أميز منه، ولو بذل المال لحلفوا له، فتسلطن الجواد، فخرج الناصر من دمشق إلى القابون وسار إلى عجلون، ثم حشد وجاء، فخرج الجواد بالعساكر، ووقع المصاف بين نابلس وجينين، فانكسر الناصر وأخذ الجواد خزائنه، وكانت على سبعمائة جمل، فافتقر الناصر.
ولما ملك الصالح نجم الدين أيوب دمشق وسار لقصد مصر، جاء عمه الصالح إسماعيل وملك دمشق، فتسحب جيش نجم الدين عنه، وبقي في نابلس في جماعة قليلة، فجهز الناصر عسكراً (٣) من الكرك فأمسكوه وأحضروه إلى الكرك، فاعتقله عنده مكرماً.
ونزل الناصر عند موت الكامل من الكرك على القلعة التي عمرها الفرنج
стр. 422
بالقدس وحاصرها وملكها وطرد من بالقدس من الفرنج وفي ذلك يقول ابن مطروح:
المسجد الأقصى له عادة ... سارت فصارت مثلاً سائرا
إذا غدا للكفر مستوطناً ... أن يبعث الله له ناصرا
فناصرٌ طهّره أولاً ... وناصرٌ طهّره آخرا ثم إنه اتفق مع الصالح نجم الدين أيوب في أنه إن ملك مصر ما يفعل، فقال الصالح: أنا غلامك، وشرط عليه أشياء وأطلقه، فلما ملك مصر وقع التسويف منه والمغالطة، فغضب الناصر ورجع فبعث الصالح عسكراً (١) واستولوا على بلاد الناصر، ثم إن ابن الشيخ نازله في الكرك وحاصره أياماً ورحل، فقل ما عند الناصر من الذخائر والأموال واشتد عليه الأمر، فجهز الشيخ شمس الدين الخسروشاهي ومعه ولده إلى الصالح وقال: تسلم مني الكرك وعوضني الشوبك وخبزا بمصر فأجابه، فرحل إلى مصر مريضاً. ثم إن الأمر ضاق عليه فترك ولده المعظم نائباً في الكرك، وأخذ ما يعز عليه من الجواهر ومضى إلى حلب مستجيراً بصاحبها، فأكرمه، ثم توجه قاصداً بغداد، وأودع ما معه من الجواهر عند الخليفة، وكانت قيمتها أكثر من مائة ألف دينار، ولم يصل بعد ذلك إليها.
وكان له ولدان: الظاهر والأمجد، وهما من بنت الملك الأمجد ابن العادل، فأمهما بنت عمه، وأم المعظم بنت عمه الصالح، فاتفقا مع أمهما على القبض على المعظم فقبضاه، واستولوا على الكرك. ثم سار الأمجد إلى المنصورة فأكرمه الصالح، فكلمه في الكرك وتوثق منه لنفسه وإخوته وأن يعطيه خبزاً بمصر، فأجابه، وسير الطواشي بدر الدين الصوابي إلى الكرك نائباً، وأقطع أولاد الناصر إقطاعات جليلة، وفرح بالكرك؛ وبلغ الناصر الخبر وهو بحلب فعظم ذلك عليه. فلما مات الصالح وتملك ابنه المعظم توران شاه وقتل عمه الطواشي الصوابي وأخرج
стр. 423
المغيث عمر ابن العادل ابن الكامل من حبس الكرك وملكه الكرك والشوبك، وجاء صاحب حلب فملك دمشق، ومعه الصالح إسماعيل والناصر داود، فقيل له ان الناصر يسعى في السلطنة، فقبض عليه وحبسه بحمص، ثم أفرج عنه بشفاعة الخليفة، فتوجه إلى الخليفة فلم يؤذن له في الدخول إلى بغداد، فطلب وديعته فلم تحصل له، فرد إلى دمشق، ثم سافر إلى بغداد لأجل الوديعة، فنزل بمشهد الحسين بكربلا، وسير قصيدة إلى الخليفة يمدحه ويسأله في رد الوديعة ويتلطف، فلم يرد عليه جواب، فحج وأتى المدينة وقام بين يدي الحجرة النبوية، وأنشد قصيدته التي أولها:
إليك امتطينا اليعملات رواسماً ... يجبن الفلا ما بين رضوى ويذبل ثم أحضر شيخ الحرم والخدام، ووقف بين يدي الضريح مستسمكاً بسجف الحجرة وقال: اشهدوا أن هذا مقامي من رسول الله ﷺ ، قد دخلت عليه مستشفعاً به إلى ابن عمه أمير المؤمنين في رد وديعتي، فأعظم الناس هذا وبكوا، وكتبوا بصورة ما جرى إلى الخليفة؛ ولما كان الركب في الطريق خرج عليهم أحمد بن حجي بن يزيد من آل مرى فوقع القتال، وكادوا يظفرون بأمير الحاج، فشق الناصر الصفوف، وكلم أحمد بن حجي، وكان أبوه صاحبه، فترك الركب ونزل الناصر بالحلة، فقرر له راتب يسير، ولم ينل مقصوداً (١) ، فجاء إلى قرقيسيا، ومنها إلى تيه بني إسرائيل، وانضم إليه عربان، فخاف المغيث منه وراسله وخدعه إلى أن قبض عليه وعلى من معه، وحبسه بطور هارون، فبقي ثلاثة أيام. واتفق أن المستعصم دهمه أمر التتار فكتب إلى صاحب الشام يستمده ويطلب منه جيشاً يكون مقدمه الناصر داود، فطلبه من المغيث فأخرجه، وقدم إلى دمشق ونزل بقرية البويضا قرب البلد، وأخذ يتجهز للمسير، فجاءت الأخبار بما جرى على بغداد من التتار، وعرض طاعون بالشام عقيب واقعة التتار،
стр. 424
فطعن الناصر في جنبه وتوفي ليلة الثامن والعشرين (١) من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمائة، وركب السلطان إلى البويضا، وأظهر التأسف عليه وقال: هذا كبيرنا وشيخنا، ثم حمل إلى تربة والده بسفح قاسيون.
وكان رحمه الله تعالى معتنياً بتحصيل الكتب النفيسة، ووفد عليه راجح الحلي ومدحه فوصل إليه منه ما يزيد على أربعين ألف درهم، وأعطاه على قصيدة أخرى ألف دينار.
وكتب الملك الناصر داود إلى وزيره فخر القضاة ابن بصاقة:
يا ليلة قطّعت عمر ظلامها ... بمدامةٍ صفراء ذات تأجّج
بالساحل النامي روائح نشره ... عن روضه المتضوّع المتأرج
واليمّ زاهٍ قد جرى تيّاره ... من بعد طول تقلّقٍ وتموج
طوراً يدغدغه النّسيم وتارةً ... يكرى فتوقظه بنات الخزرج
والبدر قد ألقى سنا أنواره ... في لجّه المتجعّد المتدبّج
فكأنّه إذ قدّ صفحة متنه ... بشعاعه المتوقد المتوهج
نهرٌ تكوّن من نضارٍ يانعٍ ... يجري على أرضٍ من الفيروزج ومن شعره:
صبحاني بوجهه القمريّ ... واصبحاني بالسلسبيل الرويّ
بدر ليلٍ يسعى بشمس نهارٍ ... فشهيٌّ ينتابنا بشهيّ
واعجبا لاجتماع شمس وبدر ... في سنائي سنا كمال بهيّ
إن تبدّت بوجهها ذهبيّاً ... قلت هذا من وجهه الفضيّ
يا ولوعاً بالنبل أصميت قلبي ... بسهام من لحظك البابليّ
رشقته من حاجبيك سهامٌ ... منتضاةٌ أحسن بها من قسي ومنه:
стр. 425
لو عاينت عيناك حسن معذبي ... ما لمتني ولكنت أول من عذر
عين الرشا قدّ ردف النّقا ... شعر الدجى شمس الضحى وجه القمر ومما ينسب إليه وهو غاية:
بأبي أهيفٌ إذا رمت منه ... لثم ثغرٍ يصدّني عن مرامي
قد حمى خدّه بسور عذارٍ ... مقلتاه أضحت عليه مرامي وله أيضاً:
تراخيت عني حين جدّ بي الهوى ... وجربت صبري عندما نفد الصبر
فلو عاينت عيناك في الليل حالتي ... وقد هزني شوقي وأقلقني الفكر
رأيت سليماً في ثياب مسلم ... ومستشعراً قد ضمّ شرسوفه الشعر وله:
إذا عاينت عيناي أعلام جلّقٍ ... وبانت من القصر المشيد قبابه
تيقنت أن البين قد بان والنّوى ... نأى شحطها والعيش عاد شبابه وله أيضاً:
طرفي وقلبي قاتلٌ وشهيد ... ودمي على خديك منه شهود
يا أيها الرشأ الذي لحظاته ... كم دونهنّ صوارمٌ وأسود
من لي بطيفك بعدما منع الكرى ... عن ناظريّ البعد والتّسهيد
وأما وحبّك لست أضمر توبةً ... عن صبوتي ودع الفؤاد يبيد
وألذّ ما لاقيت فيك منيّتي ... وأقلّ ما بالنفس فيك أجود
ومن العجائب أن قلبك لم يلن ... لي والحديد ألانه داود وعلى الجملة إنه لم يكن مسعود الحركات، لأنه قضى عمره في أسوأ حال، مشرداً (١) عن الأوطان معكوس المقاصد، وقيل: إنه كان إذا دخل في الشراب
стр. 426
وأخذ السكر منه يقول: أشتهي أن أرى فلاناً طائراً في الهوا، فيرمى ذلك المسكين في المنجنيق ويراه وهو في الهواء، فيضحك ويسر به ويقول: أشتهي أشم روايح فلان وهو يشوى، فيحضر ذلك المعثر ويقطع لحمه ويشوى، وهو يضحك من فعلهم بذلك المسكين، وله من هذه الأفعال الردية أنواع كثيرة. وفيه يقول جمال الدين ابن مطروح:
ثلاثة ليس لهم رابع ... عليهم معتمد الجود
الغيث والبحر وعزّزهما ... بالملك النّاصر داود رحمه الله تعالى وعفا عنه وعن جميع المسلمين.
١٥٠ - (١)
الملك المؤيد هزبر الدين
داود بن يوسف بن عمر بن رسول التركماني، الملك المؤيد هزبر الدين، ملك اليمن نيفاً وعشرين سنة، ومات في ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
وكان قد تفنن وحفظ كفاية المتحفظ ومقدمة ابن باب شاذ، وبحث التنبيه وطالع وسمع من المحب الطبري وغيره، واشتملت خزانته على مائة ألف مجلد، وكان محباً للخير يزور الصالحين، وقدم عليه عز الدين الكولمي ومعه من المسك والحرير الصيني ما أدى عليه ثلثمائة ألف درهم، وأنشأ المؤيد قصراً بديع الحسن عديم المثال.
стр. 427
ولما مات تولى ابنه المجاهد، واضطرب ملك اليمن مدة، وتمكن الملك الظاهر ابن المنصور وقبضوا على المجاهد، ثم مات المنصور وكان ديناً رحيماً، فثار أمراء مع المجاهد، واستولى على قلعة تعز، ثم قوي أمره وأباد أضداده. وقال الشيخ تاج الدين عبد الباقي اليماني يمدح المؤيد وقد ركب فيلاً:
الله أولاك يا داود مكرمة ... ورتبةً ما أتاها قبل سلطان
ركبت فيلاً وظلّ الفيل ذا رهج ... مستبشراً وهو بالسلطان فرحان
لك الإله أذلّ الوحش أجمعه ... هل أنت داود فيه أم سليمان وقال يمدحه وقد بنى قصراً (١) بظاهر زبيد:
يا ناظم الشعر في نعمٍ ونعمان ... وذاكر العهد من لبنى ولبنان
ومعمل الفكر في ليلى وليلتها ... بالسفح من عقدات الضال والبان
قصر فيا لعلوّ من زبيد (٢) علا ... عالي المنار عظيم القدر والشّان
به التغزّل أحلى ما يرى بهجاً ... فدع حديث لويلاتٍ بعسفان
قصرٌ بناه هزبر الدين مفتخراً ... وشاد ذلك بانٍ أيما بان
هذا الخورنق بل هذا السّدير أتى ... في عصر داود لا في عصر نعمان
أنسى بإيوانه كسرى فلا خبرٌ ... من بعد ذلك عن كسرى لإيوان
سامى النجوم علاء فهي راجعة ... عن ... ذاك لإيوان ابن حسان
تودّ فيه الثريا لو بدت سرجاً ... مثل الثريا به في بعض أركان
يحفه دوح زهرٍ كلّه عجبٌ ... كم فيه من فنن زاه بأفنان
стр. 428
ولم يوجد شيئاً " كذا " على حرف الذال المعجمة
تم الجزء الأول من المجموع المسمى ب؟ " فوات الوفيات والذيل عليها " من خط جامعه محمد بن شاكر بن أحمد الكتبي عفا الله عنه وغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين. ويتلوه في الجزء الثاني ترجمة راجح بن إسماعيل بن أبي القاسم الحلي الأسدي.
والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 429
حرف الراء
стр. 430
فراغ
стр. 431
١٥١ - (١)
راجح الحلي
راجح بن إسماعيل بن أبي القاسم الحلي الأسدي؛ دخل الشام وجال في بلادها ومدح ملوكها ونادمهم، وكان فاضلاً جيد النظم عذب الألفاظ حسن المعاني، وتوفي بدمشق سنة سبع وعشرين وسبعمائة، ومولده سنة تسعين وخمسمائة؛ ومن شعره:
ألا هبوا فقد أرج الخزامى ... وغنى الطير وانتشت (٢) النعامى
أتتنا من جبال الثلج سكرى ... تنفض عن معاطفها الغماما
كأن مطارح الحانات باتت ... تثج (٣) على معاطفها المداما
ورب معقرب الأصداغ ألمى ... سقيم الجسم ألبسني السقاما
تفرد بالملاحة فاستمدت ... سوالف خده ألفاً ولاما
وخط البدر هالته عليه ... فأطلعه بها بدراً تماما
يفتت قلب عاشقه إذا ما ... زوى جفنيه أو هز القواما
بروحي من تملكني هواه ... وأسهرني على ولهي وناما
فيا لله ليلتنا بسلعٍ ... وقد أرقت بالنوح الحماما
تجلى بالخيام الزرق وهناً ... فبت لأجله أرعى الخياما
стр. 432
سقاني الراح من يده وفيه ... فما برد الغليل ولا الأواما
عقدت على ذوائبه يميني ... وملت إليه ضماً والتزاما ومن شعره يمدح الملك الناصر داود ﵀:
أمنكم خطرت مسكية النفس ... صباً تلقيت منها برء منتكس
نمت بما استودعت والفجر جمرته (١) ... ما دب إيقادها في فحمة الغلس
ردت على مقلتي طيب الرقاد فها (٢) ... إنسانها بلذيذ النوم في أنس
فيا لها نفحةً خالست نسمتها ... لما تيقنت أن العيش في الخلس
وللنسيم إشارات إذا التبست ... فسرها عند مثلي غير ملتبس
فما قعودك بي عن بنت دسكرة ... يغنيك لألاؤها في الليل عن قبس
يديرها ثمل الأعطاف قامته ... لو مثلت لغصون البان لم تمس
سعى بها والدجى من حلي أنجمه ... عارٍ ولكن بأنوار الكؤوس كُسي
والسحب تضحك ثغر النور أدمعها ... والجو في مأتم والأرض في عرس
ظبي وقائع طرفي في محبته ... بين اللمى وفتور الجفن واللعس
نبهته ونجوم الليل تسبح في ... بحر الظلام فمن طافٍ ومنغمس
فقام يمسح مافي الجفن من سنةٍ ... وقد تمشى الكرى في الأعين النعس
فسكنت سورة الصهباء شرته ... واستودعت بعض مافي الخلق من شرس
فما ضممت الذي في العطف من هيفٍ ... حتى استكن الذي في الوطف (٣) من شوس
فلا عدمت طلا صادته كأس طلى ... فما ثنى عطفه عن نيل ملتمس
هذا وركب عفاة قد عدلت بهم ... إلى مغاني الغنى عن أربع درس
عافوا ورود وعود الباخلين فما ... أجروا مطالبهم منها على يبس
стр. 433
فقلت نصوا ركاب الحمد واخدةً ... إلى مقر العلى في أرض نابلس
إلى مقرٍ تناجيني جلالته ... كأنني واقف في حضرة القدس وقال أيضاً:
صاح قد أسفر الصباح المنير ... وتغنت على الغصون الطيور
وأعاد النسيم أنفاس روضٍ ... كسد المسك عنده والعبير
وبرود الربيع تضفو (١) فتصفو ... غدر (٢) في خلالها ونهور
وعلى الأرض للرياض سماء ... مثل زهر النجوم فيها الزهور
وكأن الغمام والبرق نقع ... شهرت فيه مرهفات ذكور
أو ستور ترخى على الأرض دكن ... كتبت بالنضار فيها سطور
زمن صح للنديم سرور ... فيه واعتل للنسيم مرور
فأجب داعي الصبوح فديك ال؟ ... صبح يدعو إليه والصع (٣)
وشموس المدام في شهب الكا ... سات يسعى بها علينا بدور
كل بدرٍ سماؤه من قباء ... وعليه من فرعه ديجور
رشأ للعيون منه نعيم ... حين يبدو وللقلوب سعير
حاكم جائر الكؤوس عسوف ... مستطيل على الندامى أمير
جاءنا بالكبار منها ونادى ... إنما يشرب الصغار الصغير
فتناولت من يده عقاراً ... تترك الهم وهو منها عقير
بنت دن شمطاء من عهد عيسى ... أودعتها كنائس وديور
أكل الدهر ما تكاثف منها ... فهي في لطفها تكاد تطير
قد خلعت العذار فيها وإني ... في هواها بخلعه لجدير
стр. 434
وأزلت الوقار والنسك حتى ... لا أبالي بما إليه أصير
ودعاني داعي التصابي فلبي؟ ... ت ونادى فلم اجبه النذير
وحداني على الخلاعة علمي ... أن ربي لكل ذنب غفور
فلذا كل حانةٍ أنا ثاوٍ ... يزدهيني بم هناك وزير
راكعاً ساجداً إلى بيت حانٍ ... لا صلاة فيه ولا تكبير
هاتفاً في الصباح حي على الرا ... ح وقد قام للفلاح بشير
قهوة كالحياة في كل يومٍ ... لي موت بكاسها ونشور
كم نعتني القيان بين رياضٍ ... أنا فيهن ملحد مقبور
أنستني الولدان فيها إذا ما ... أوحش الميت منكر ونكير
وإذا أرهق الزمان بنيه ... وغدا الخطب وهو صعب عسير
فيغازي ابن يوسف الملك (١) الظا ... هر من جور صرفه أستجير (٢) وقال أيضاً:
ماء الجمال بوجهه مذ أشرقا ... كم ناظرٍ بدموعه قد أشرقا
رشأ يفوق عن قسي حواجب ... نبلاً بغير مقاتلي لا يتقى
ثمل المعاطف لم يزر قباؤه ... إلا على مثل القضيب وأرشقا
أنا من تمادى هجره في مأتمٍ ... فاعجب لخدي بالدموع تخلقا (٣)
كالبدر يسري في نجوم قلائد ... متبلجاً من فوق غصنٍ في نقا
لم يكف ضعف الخصر عن أردافه ... حتى اغتدى بعيوننا متمنطقا
أجرى على عاداته دمعي ولو ... كشف الظلامة رد ذاك المطلقا
стр. 435
ورأى دليل جنون قلبي إنه ... بسلاسل الأصداغ أضحى موثقا (١)
جعل الغرام قرى ملاحته فكم ... ثارٍ أثار وكم دمٍ قد أهرقا
عبثت ثناياه بخمر رضابه ... حتى صفا في كأس فيه مروقا
وبدت لنا آيات حسن لم يقم ... برهانها إلا وكنت مصدقا
فبلحظه وبوجنتيه وثغره ... راح سكرت بنشرها مستنشقا
كتب العذار على صحيفة خده ... بالمسك في الكافور سطراً ملحقا
أمعنف العشاق وهو من الهوى ... خالي الحشا لا مت حتى تعشقا
فزها بنفسجه الجني وقد غدا ... بالورد في روض الملاحة محدقا
إني لأظمأ ما أكون إذا جرى ... ماء الحياة بوجهه وترقرقا
قمر سقيم الطرف عقرب صدغه ... يثني عزائمنا ويهزأ بالرقى
يا مثرياً من حسنه عطفاً على ... قلبٍ يبيت من التصبر مملقا
ها قد رأيت خضوع سائل أدمعي ... أفكان عاراً (٢) أن ترى متصدقا
سل عن سوى جلدي فإني لم أدع ... تعليله حتى قضى، فلك البقا
ما بات قلبي للصبابة ممسكاً ... حتى غدا جفني لدمعي منفقا
سكن الضنى جسمي سكون مقيدٍ ... ومشى الغرام إلى فؤادي مطلقا
ففداك قلب قد ملكت قياده ... لم يرج من رق الصبابة معتقا
لو كان قلبك مثل عطفك لينا ... لرثى ورق لفيض دمعٍ ما رقا
ماذا تعد لمن تعاديه إذا ... ما طرفك اغتال المحب المشفقا وقال أيضاً:
لمن رسوم ما كدت أعرفها ... أوحش محتلها ومألفها
قضت علينا آثار ساكنها ... أن المطايا يطول موقفها
стр. 436
أنفقت فيها الدموع عن ثقةٍ ... أن دواعي الحنين تخلفها
أعباء شوقٍ أعبا تحملها ... فابتدرت أدمعي تخففها
سقياً لها والظباء سانحة ... بجوها والرماح تكنفها
حيث القدود الرشاق أقتلها ... لأنفس (١) العاشقين أهيفها
منعمات الأعطاف ميدها ... مختصرات الخصور نحفها
تلك خصور ما زال مختطفاً ... لب فؤاد الحليم مخطفها
فمن معيني على غريم هوى ... يلوي ديوني ولا يسوفها
نهيت قلبي عن حبه فأبت ... أن ترعوي صبوة أعنفها
يظما إلى خمر عذب ريقته ... فمي وعود الأراك يرشفها
فآه من زفرةٍ أرددها ... فيه ومن عبرةٍ أكفكفها
مرهف قضب العيون أكحلها ... مضعف نبل الجفون أوطفها
يا مشرقي بالدموع بل صدى ... حشاشة لا يبل مدنفها
دمي على وجنتيك تثبته ... شهود دمعٍ ما زلت أقذفها
فكيف ترجى النجاة من مقلٍ ... أفتكها بالقلوب أضعفها
والنفس مذ كابدت هواك أبت ... عنه انحرافاً فكبف أصرفها
فهات قل لي يا من لواحظه ... تشقي قلوباً (٢) منا وتشغفها
أهذه قامة يرنحها ... تيهك أم صعدة يثقفها
وأعين أم قواضب الملك الظ؟ ... اهر يوم الهياج يرهفها وقال من أبيات:
لي الله قلباً لا تزال تشوقه ... طلائع أحلامٍ تغر وتخدع
إذا صبوة عنها أمالته سلوة ... تعرض زور من خيالٍ فترجع
стр. 437
خليلي هبا فانظرا لي جذوةً ... سما نحوها طرفي أم البرق يلمع
فإن كان برقاً فاستميحاه وقفةً ... لعل شآبيب الحيا منه تهمع
فإن جاد قبل الدمع مدرجة اللوى ... فتلك لعمري منة لا تضيع
ولا تبخلا أن تتبعا الظعن نظرةً ... فلي خلف تلك العيس قلب مروع
وما أخذوه عنوةً غير أنه ... تأخر عني حين راح يودع
وأرقني بالأبرق الفرد بارق ... وورق غدت في مورق البان تسجع (١)
ترخم صوتاً أعجمياً ومقلتي ... تترجم عنها حين تدمي وتدمع
وعن أيمن السعدي يا سعد أربع ... لقلبي إليها لفتة وتطلع
يرنحني تذكرها فكأنما ... يدار علي البابلي المشعشع
فيا حبذا ظل النخيل وجرعة ... تبل غليلي لا كثيب وأجرع
ليالي أغصان المعاطف تنثني ... علي ومن لعس المراشف أكرع وقال من قصيدة:
ولرب ليلة موعدٍ كصدوده ... لا تهتدي فيها النجوم لمطلع
نازلتها بالأبلجين: جبينه ... وسلاف كاس يمينه المتشعشع
ودعوت حي على الشمول فلم يكن ... متأبياً عن شربه لما دعي
فسقيته كاساً توهم أنها ... معصورة من خده أو أدمعي
وأخذت في شكوى الغرام مردداً ... حرقي فرق لأنتي وتوجعي
واستنزعت منه الكؤوس نزاقة ... ما كان لولا نزعها بالطيع
لو كنت شاهد ما نبث من الجوى ... لعجبت من مرأىً هناك ومسمع
راضت شمائله الشمول وطالما ... قد بت ألقى عزه بتخضعي
فسخا بقبلته (٢) وجاد بجيده ... لما انتشى وأباح كل ممنع
стр. 438
وقال يعارض قصيدة ابن زريق:
أخفى الغرام فأبداه توجعه ... وترجمت عن مصون الحب أدمعه
صب بعيد مرامي الصبر ما برحت ... تحنى على برحاء الشوق أضلعه
به لواعج شوق لو تحملها ... رضوى لهدته أو كادت تضعضعه
ما بات أخيب خلق الله منه سوى ... مفندٍ ظن أن العذل يخدعه
يا عذب الله قلبي كم يجن هوىً ... بجني عليه ويرعى من يروعه
وشى عليه بما أخفاه من شجنٍ ... فرط الحنين الذي أمسى يرجعه
وما أعاد الهوى إلا ليخجله ... لما توهم أن الصبر ينفعه
واهاً لغرٍ خلا مما يكابده ... مسهد الطرف صب القلب موجعه
ظبي توهم نومي حيلةً نصبت ... لصيده فهو بالهجران يقطعه
أجرى دماً دمع عيني وهو مورده ... وأسكن النار قلبي وهو مرتعه
ويلاه من شرس الأخلاق يعذب لي ... فيه العذاب ويحلو لي تمنعه
وليلةٍ بت أسقى من مراشفه ... سلاف خمرٍ ثناياه تشعشعه
يرنو ويعلم أن الطرف يصرعني ... وقد تيقنت أن السكر يصرعه
حتى إذا أخذت الكؤوس منه ثنى ... إلي جيداً يغير الظبي أتلعه
وبات قلبي الذي ما زال يؤيسه (١) ... يسمو إلى غاية الآمال مطمعه
ولان بعد شماسٍ كنت أعهده ... منه وأصغى إلى شكواي مسمعه
ولا تسل (٢) كيف بت الليل من سهري ... لما اطمأن بعيد النوم مضجعه ولما تسلم الكامل دمياط وجاءوا الملوك إلى خدمته وهو بالمنصورة، فجلس مجلساً عظيماً، ومد سماطاً عظيماً، وأحضر ملوك الفرنج، ووقف المعظم عيسى والأشرف موسى والملوك في خدمته، فقام راجح الحلي بين السماطين وأنشد:
стр. 439
هنيئاً فإن السعد راح مخلداً ... وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا
حبانا إله العرش فتحاً بدا لنا ... مبيناً وإنعاماً وعزاً مؤيدا
تهلل وجه الدهر بعد قطوبه ... وأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا
ولما طغى البحر الخضم بأهله ال ... طغاة وأضحى بالمراكب مزبدا
أقام لهذا الدين من سل سيفه ... صقيلاً كما سل الحسام مجردا
فلم ينج إلا كل شلوٍ مجدل ... ثوى منهم أو من تراه مقيدا
ونادى لسان الكون في الأرض رافعاً ... عقيرته في الخافقين ومنشدا
أعباد عيسى إن عيسى وحزبه ... وموسى جميعاً يخدمون محمدا وله غير ذلك، وشعره كله جيد، وكانت وفاته بدمشق في شهور سنة سبع وعشرين وستمائة - كما ذكرنا ودفن خارج باب الصغير جوار قبة القلندرية (١) ، رحمه الله تعالى.
١٥٢ - (٢)
أبو حكيمة الكاتب
راشد بن إسحاق بن راشد أبو محمد الكاتب الأنباري، يلقب أبا حكيمة - بضم الحاء - شاعر أديب أفنى عامة شعره في مراثي متاعه.
قال ابن المرزبان: يقال إنما كان يقول ذلك لتهمة لحقته من عبد الله بن طاهر أيام خدمته له في خادم لعبد الله؛ ومن شعره:
ولي خادم يرنو بطرف غزال ... يدل بحسنٍ فائقٍ وجمال
стр. 440
دعاني إلى ما يستحل ابن أكثم ... وقد يستحل الشيخ غير حلال
ولما بدا لي ما يريد اجتنبته ... وقلت له إني لذلك قالي
وقلت له: حاولت ما لست قادراً ... عليه ولو غاليت فيه بمالي
بليت بأير لا يخف إلى الوغى ... إذا ما التقى الزحفان يوم قتال
ويجبن عن حل الإزار وتحته ... مواضع مستنٍ له ومجالي (١)
فأصبح لا تسمو إلى اللهو نفسه ... ولا تخطر اللذات منه ببال
تدلدل فوق الخصيتين كأنه ... رشاء على رأس الركية بالي
ولو قام لم أسعفك فيما طلبته ... أحق بأيري منك أم عيالي وقال أيضاً في المعنى:
أيا أير قد صرت أحدوثةً ... لمن في البلاد من العالم
ألم تك فيما مضى منعظاً ... تشبه بالوتد القائم
وقد كنت تملأ كف الفتاة ... فأصبحت تدخل في خاتم وقال في المعنى:
دعيت إلى شادنٍ أدعج ... يشبه بالقمر الأبلج
فألفيت أيرك مستحذراً ... وقد يحرم المرء ما يرتجي
ترى تركه أيما حسرة ... وأنت به مستهام شجي
وصرت تحرج من نيكه ... ولو قام أيرك لم تحرج (٢)
سواء عليك إذا ما رنوت ... إلى مثله جئت أو لم تجي وقال أيضاً:
نام أيري والنوم ذل وهون ... واعتراه بعد الحراك سكون
стр. 441
بات نضواً وبت أبكي عليه ... إن همي بهمه مقرون
كيف يلتذ عيشه آدمي ... بين رجليه صاحب محزون
دب فيه البلى فماتت قواه ... وهو حي لم تخترمه المنون
أيها الأير لم تخني ولكن ... غالني فيك ريب دهرٍ خؤون
طالما قمت كالمنارة تهتز ... اهتزازاً تسمو إليه العيون
رب يومٍ رفعت فيه قميصي ... فكأني في مشيتي مجنون
سلبتك الأيام لذة عيشٍ ... يقصر الوصف دونها والظنون
كانت الحادثات تنكل منه ... وخطوب الزمان فيها تهون
فتخليت من مجون التصابي ... وتخلى منك الصبا والمجون
أين إقدامك الشديد إذا ما ... شمرت بالكماة حرب زبون
فقت أبطالها طعناً وضرباً ... ولكل الأشياء فوق ودون
كم صدوق اللقاء دارت عليه ... في غمار الوغى رحاك الطحون
وحصون لما وردت عليها ... أيقنت بالبلاء تلك الحصون
وصريع أبحت منه مكاناً ... كان يحميه مرةً ويصون
وشديد المراس أنفذت فيه ... طعنةً يستلذها المطعون
تركته بعد المخافة منها ... وهو صب بحسنها مفتون
فحنى قوسك الزمان وأفنت ... ك خطوب تفنى عليها القرون
لم يدع منك حادث الدهر إلا ... جلدةً كالرشاء فيها غصون
يتثنى كانه صولجان ... أو كما عوجت من الخط نون
فإذا أبصرت خزاياك عيني ... شرقت بالدموع مني الجفون
فمتى أنت مفلح بعد هذا ... أترى ذاك في حياتي يكون وقال أيضاً في المعنى:
إذا وصفت من كل أير شجاعة ... أبى جبن ايري أن يحيط به وصف
стр. 442
يفر حذار الزحف من رأس فرسخٍ ... فكيف تراه حين يقرب بي (١) الزحف
ويكسل بين الغانيات عن الذي ... يتم لإخوان السرور به القصف
ينام على كف الفتاة وتارةً ... له حركات ما تحس به الكف
كما يرفع الفرخ ابن يومين رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضعف
تطوق فوق الخصيتين كأنه ... رشاء على رأس الركية ملتف
تقول سليمى حين غيره البلى ... وأعقبه من صرف أيامه صرف
لئن دق واسترخى لقد كان مرةً ... له مقبض في كف لامسه يجفو (٢)
صبيحة يغدو للنطاح بهامةٍ ... من الصخر لا قرنان فيها ولا قحف
إذا شئت لاقاني بمتنٍ مقومٍ ... ومشحوذة مثل السنان لها حرف
فمالي أراه ضارباً بجرانه ... كذي سكرة مالت به الخمرة الصرف
يعز عليه أن يقوم لحاجة ... ولو قام لم يتبعه عضو ولا عطف
تكرد عيشي مذ رأيت انحناءه ... وللدهر أحداث تكدر ما يصفو وقال:
ومنتبهٍ بين الندامى رأيته ... وقد رقد الندمان دب إلى الساقي
فأولج فيه مثل أسود سالخٍ ... أصم من الحيات ليس له راقي
فلما انتحى فيه تحرك واتكا ... وأطرق عند الرهز أحسن إطراق
فقلت له لا تلفين مقصراً ... ولا مشفقاً في غير موضع إشفاق
أجد تحت (٣) خصييه فإن سكوته ... سكوت فتىً صب إلى النيك مشتاق
فلو لم يكن يقظان ما قام أيره ... ولا لف عند النيك ساقاً إلى ساق وقال:
стр. 443
كأن أيري من رخو مفصله ... خريطة قد خلت من الكتب
أو حية أرقم مطوقة ... قد جعلت رأسها إلى الذنب وقال في مرضه الذي مات فيه وهو بطريق مكة:
أطبقت للنوم جفناً ليس ينطبق ... وبت والدمع في خديك يستبق
لم يسترح من له عين مؤرقة ... وكيف يعرف طعم الراحة الأرق
وددت لو تم لي حجي ففزت به ... ما كل ما تشتهيه النفس يتفق وكانت وفاته بطريق مكة بعد الأربعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
١٥٣ - (١)
الأقطع أمير العرب
رافع بن حسين ابن حماد بن مقن - بالقاف المفتوحة - أبو المسيب، الأقطع المعروف بظاهر الدولة أمير العرب بنواحي بغداد؛ كان فيه فروسية وأدب، ويقول الشعر؛ وأمه علوية ابنة المقلد بن جعفر بن عمرو؛ كانت فاضلة كريمة معمرة، وكان فيه شح وإمساك، وكانت تعيبه بذلك، وإذا جرى في ضيافاته تقصير تممته من بيوتها، وكانت تقول: واغوثاه، ما عرفت العشرات والخمسات إلا منكم في هذا الزمان، وما كنا نعرف إلا الألوف والمئات، وكان لها رأي جيد في الحروب وغيرها.
وكان سبب قطع يده أنه كان يشرب ومعه بعض أولاد بني عمه، فجرت بين اثنين منهم خصومة، وتجالدا بالسيوف، فخلص بينهما، فضرب أحدهما يده بالسيف قطعها غلظاً فذهبت هدراً، وكان يلبس كفاً يمسك به العنان ويقاتل
стр. 444
فلا يثبت له أحد. وكان عظيم الغيرة على حرمه وإمائه. وكانت مملكته البوازيج والسن (١) وتكريت والقادسية. وتوفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
ومن شعره (٢) :
لها ريقة أستغفر الله إنها ... ألذ وأشهى في النفوس من الخمر
وصارم طرفٍ لا يزايل جفنه ... ولم أر سيفاً قبل في جفنه يبري منها:
فقلت لها والعيس تحدج للنوى ... أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
سأنفق ريعان الشبيبة آنفاً ... على طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران أن ليالياً ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري؟ ومنه:
إن ابن حربٍ ما يحارب مهجةً ... إلا انتضى من مقلتيه سلاحا
يا دهر إنك أنت نابذ ريقه ... خمراً وغارس خده تفاحا
وغزلت من غزل شباك جفونه ... ونصبتها فتقنصت أرواحا
стр. 445
١٥٤ - (١)
رتن الهندي
قال الشيخ علاء الدين علي بن المظفر الكندي، حدثنا القاضي الأجل العالم جلال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن إبراهيم الكاتب من لفظه بدمشق بدار السعادة سنة إحدى عشرة وسبعمائة قال: أخبرنا قاضي القضاة نور الدين أبو الحسن علي بن أبي عبد الله محمد الحسين الحسيني الأثري الحنفي من لفظه عام إحدى وسبعمائة بالقاهرة، قال: أخبرني جدي الحسين بن محمد قال: كنت في زمن الصبا - وأنا ابن سبع عشرة سنة (٢) أو ثمان عشرة - قد سافرت مع عمي من خراسان إلى بلد الهند في تجارة، فلما بلغنا أوائل بلاد الهند وصلنا إلى ضيعة من ضياع الهند، فعرج أهل القفل نحو الضيعة ونزلوا بها وضج أهل القافلة، فسألنا عن الخبر فقالوا: هذه ضيعة الشيخ رتن المعمر، فلما نزلنا الضيعة رأينا شجرةً عظيمة تظل خلقاً كثيراً (٣) ، وتحتها جمع عظيم من أهل الضيعة، فتبادروا الكل نحو الشجرة ونحن معهم، فرأينا زنبيلاً عظيماً معلقاً في بعض أغصان الشجرة، فسألنا عن ذلك فقالوا: هذا الزنبيل فيه الشيخ رتن الذي رأى النبي ﷺ وما يروى عنه، فتقدم شيخ من أهل الضيعة إلى الزنبيل، وكان ببكرة، فأنزله وإذا هو مملوء (٤) قطناً، والشيخ في وسط القطن، ففتح رأس الزنبيل، وإذا بالشيخ فيه كالفرخ، فوضع فمه على أذنه وقال: يا جداه، هؤلاء قوم قدموا من خراسان، وفيهم شرفاً من أولاد النبي ﷺ ، وقد سألوا أن
стр. 446
تحدثهم كيف رأيت رسول الله ﷺ ، وماذا قال لك؛ فعندها تنفس الشيخ وتكلم بصوت كصوت النحل بالفارسية، ونحن نسمع ونفهم كلامه، فقال: سافرت مع أبي وأنا شاب من هذه البلاد إلى الحجاز في تجارة، فلما بلغنا بعض أودية مكة، وكان المطر قد ملأ الأودية بالسيل، فرأيت غلاماً أسمر اللون حسن الكون رائع الجمال وهو يرعى إبلاً في تلك الأودية، وقد حال السيل بينه وبين إبله، وهو يخشى من خوض السيل لقوته، فعلمت حاله فأتيت إليه وحملته وخضت به السيل إلى عند إبله، فلما وضعته عند إبله نظر إلي وقال لي بالعربية: بارك الله في عمرك، بارك الله في عمرك، بارك الله في عمرك، فتركته ومضيت إلى سبيلي، إلى أن دخلنا مكة وقضينا ما كنا أتينا له من أمر التجارة وعدنا إلى الوطن، فلما تطاولت المدة على ذلك كنا جلوساً في فناء ضيعتنا هذه، وكانت ليلة البدر، فنظرنا إليه وقد انشق نصفين، فغرب نصف في المشرق ونصف في المغرب، ساعة زمانية، وأظلم الليل، ثم طلع النصف من المشرق والنصف الآخر من المغرب، وسارا إلى أن التقيا في وسط السماء كما كان أول مرة، فعجبنا من ذلك غاية العجب، ولم نعرف لذلك سبباً، وسألنا الركبان عن خبر ذلك، فأخبرونا أن رجلاً هاشمياً ظهر بمكة، وادعى أنه رسول الله تعالى إلى كافة الخلق، وأن أهل مكة سألوه معجزة كمعجزة سائر الأنبياء، وأنهم اقترحوا عليه أن يأمر القمر فينشق في السماء ويغرب نصفه في الغرب ونصفه في الشرق ثم يعود إلى ما كان عليه، ففعل ذلك بقدرة الله تعالى، فلما سمعنا ذلك من السفار اشتقت إلى أن أراه، فتجهزت في تجارة وسافرت إلى أن دخلت مكة، وسألت عن الرجل الموصوف فدلوني عليه، فأتيت إلى منزله واستأذنت عليه، فأذن لي فدخلت عليه، فوجدته جالساً في صدر المنزل، والأنوار تتلألأ في وجهه، وقد استنارت محاسنه وتغيرت صفاته التي كنت أعهدها في السفرة الأولى، فلم أعرفه، فلما سلمت عليه رد علي السلام وتبسم في وجهي وقال: ادن مني، وكان بين يديه طبق فيه رطب، وحوله جماعة من أصحابه
стр. 447
كالنجوم يعظمونه ويبجلونه، فقال كل من هذا الرطب، فجلست وأكلت معه من الرطب، وناولني بيده المباركة ست رطبات من سوى ما أكلت بيدي، ثم نظر إلي وتبسم وقال لي: ألم تعرفني؟ فقلت: كأني غير أني ما أتحقق، فقال: ألم تحملني في عام كذا وجاوزت بي السيل حين حال السيل بيني وبين إبلي؟ قال: فعند ذلك عرفته بالعلامة وقلت: بلى والله يا صبيح الوجه، فقال امدد إلي يدك، فمددت يدي اليمنى فصافحني وقال لي: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقلت كذا كما علمني، فسر بذلك وقال لي عند خروجي من عنده بارك الله في عمرك، بارك الله في عمرك، بارك الله في عمرك، فودعته وأنا مستبشر بلقائه وبالإسلام، فاستجاب الله تعالى دعاء نبيه ﷺ وبارك في عمري بكل دعوة مائة سنة، وها عمري اليوم نيف وستمائة سنة، وجميع من في هذه الضيعة العظيمة أولاد أولادي وأولادهم، وفتح الله علي وعليهم بكل خير وبكل نعمة ببركة رسول الله ﷺ . انتهى.
وذكر عبد الرحمن القارئ الصوفي أنه توفي في حدود سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
وذكر النجيب عبد الوهاب أنه سمع من الشيخ محمود خادم رتن وأنه بقي إلى سنة تسع وسبعمائة وأنه قدم عليهم شيراز، وذكر أنه ابن مائة وست (١) وسبعين سنة، وأنه تأهل ورزق أولاداً (٢) .
قال الشيخ شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى: من صدق بهذه الأعجوبة وآمن ببقاء رتن فما لنا فيه طب، وليعلم أني أول من كذب بذلك، وهذا شيخ مفترٍ (٣) دجال، كذب كذبة ضخمة لكي تنصلح خابية الصباغ وأتى بفضيحة كبيرة، قاتله الله تعالى أنى يؤفك؛ وقد أفردت جزءاً فيه أخبار هذا الضال، وسميته كسر وثن رتن.
وقال الشيخ علم الدين البرزالي: هو من أحاديث الطرقية (٤) .
стр. 448
فراغ
стр. 449
حرف الزاي
стр. 450
فراغ
стр. 451
١٥٥ - (١)
قتيل الريم
زاكي بن كامل بن علي القطيعي، أبو الفضائل الهيتي، يلقب بالمهذب ويعرف بأسير الهوى قتيل الريم؛ كان أديباً فاضلاً، وكانت وفاته في سنة ست وأربعين وخمسمائة، ﵀ ومن شعره:
لي مهجة كادت بحر كلومها ... للناس من فرط الجوى تتكلم
لم يبق منها غير أرسم أعظمٍ ... متجردات (٢) للهوى تتظلم ومنه:
عيناك لحظهما أمضى من القدر ... ومهجتي منهما أضحت على خطر
يا أحسن الناس لولا أنت أبخلهم ... ماذا يضرك لو متعت بالنظر
جد بالخيال وإن ضنت يداك به ... لا تبتلي مقلتي بالدمع والسهر
يا من تملك نفسي في محبته (٣) ... كم قد حذرت فما وقيت من حذر
زود بتقبيلةٍ أو وقفةٍ فعسى ... تحيي بها نضو أشواق على سفر ومنه:
سيدي ما عنك لي عوض ... طال لي في حبك المرض
كم بلا ذنبٍ تهددني ... فجفوني ليس تغتمض
أبغير الهجر تقتلني ... لا أبالي، هجرك الغرض
стр. 452
ورضائي في رضاك فقل ... ما تشاه لست أعترض
أنت لي داء أموت به ... كم أداويه وينتقض ١٥٦ (١)
أبو عمرو بن العلاء
زبان بن العلاء بن عمرو بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني المقرئ النحوي، أحد القراء السبعة، وقيل اسمه العريان، وقيل غير ذلك.
اختلف في اسمه على عشرين (٢) قولاً: الزبان، العريان، يحيى، محبوب، جنيد، عيينة، عثمان، غنار، جبر، خير، جزء، حميد، حماد، عقبة، عمار، فايد، محمد، أبو عمرو، قبيصة، والصحيح زبان - بالزاي -.
قرأ القرآن على سعيد بن جبير ومجاهد وقيل على أبي العالية الرياحي وعلى جماعة سواهم، وكان لجلالته لا يسأل عن اسمه، وكان نقش خاتمه:
وإن امرءاً دنياه اكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور ولا يروى له من الشعر إلا قوله (٣) :
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
стр. 453
وحدث عن أنس بن مالك وأبي صالح لسمان وعطاء بن أبي رباح وطائفة سواهم، وكان رأساً في العلم في أيام الحسن البصري.
قال أبو عبيدة: أبو عمرو أعلم الناس بالقراءات والعربية والشعر وأيام العرب وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف، ثم تنسك فأحرقها، وكان من أشراف العرب ووجوهها، مدحه الفرزدق وغيره.
وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس.
وقال الشيخ شمس الدين الذهبي: أبو عمرو قليل الرواية للحديث، وهو صدوق حجة في القراءة، وقد استوفيت أخباره في طبقات القراء، انتهى.
قال الأصمعي: كان لأبي عمرو كل يوم فلسان: فلس يشتري به ريحاناً وفلس يشتري به كوزاً، فيشم الريحان يومه ويشرب من الكوز يومه، فإذا أمسى تصدق بالكوز، وأمر الجارية أن تجفف الريحان وتدقه في الأشنان، ثم يستجد غير ذلك.
وتوفي سنة أربع وخمسين ومائة، رحمه الله تعالى.
١٥٧ - (١)
زياد الأعجم
أبو أمامة زياد الأعجم، مولى عبد القيس، ولقب الأعجم لعجمة كانت في لسانه، أدرك أبا موسى الأشعري وعثمان بن أبي العاص، وشهد معهما فتح اصطخر وحدث عنهما، ووفد على هشام وشهد وفاته بالرصافة. وعده ابن
стр. 454
سلام في الطبقة السابعة من شعراء الإسلام، وطال عمره، ودخل على عبد الله بن جعفر يسأله في خمس ديات، فأعطاه، ثم دعا فسأله في عشر ديات فأعطاه، فقال:
سألناه الجزيل فما تلكا ... وأعطى فوق منيتنا وزادا
وأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا
مراراً ما أعود إليه إلا ... تبسم ضاحكاً وثنى الوسادا وكان المغيرة بن المهلب أبرع ولده وأوفاهم وأعفهم وأسخاهم، فلما مات رثاه زياد (١) الأعجم بقصيدته التي يقول فيها (٢) :
مات المغيرة بعد طول تعرض ... للموت بين أسنةٍ وصفائح
إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبراً بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكل طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائه ... فلقد يكون أخا دمٍ وذبائح قال محمد بن عباد المهلبي، قال لي المأمون: أي قصيدة أرق؟ قلت: يا أمير المؤمنين أنت أعلم، قال: قصيدة زياد الأعجم التي قالها في المغيرة بن المهلب؛ ثم قال: أتحفظها؟ فقلت: نعم، فقال: خذها علي، فأنشدنيها حتى أتى على آخرها وترك منها بيتاً، قلت: يا أمير المؤمنين تركت منها بيتاً، قال: وما هو؟ قلت:
هلا أتته وفوقه بزاته ... يغشى الأسنة فوق نهدٍ قارح فقال: هاه هاه، يتهدد المنية، ألا أتته ذلك الوقت، هذا أجود بيت فيها،
стр. 455
ثم استعاده حتى حفظه.
وكان يلبس قباء ديباج تشبهاً بالعجم فأنكر ذلك عليه المغيرة بن المهلب ومزق عليه ثيابه، فقال زياد (١) :
لعمرك ما الديباج مزقت وحده ... ولكنما مزقت جلد المهلب ومن شعره:
وكائن ترى من صامت لك معجبٍ ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم تبق إلا صورة اللحم والدم وكانت وفاته في حدود المائة للهجرة النبوية، رحمه الله تعالى.
١٥٨ - (٢)
زياد بن أبيه
زياد بن أبيه، واسم أبيه عبيد، وادعاه معاوية أنه أخوه والتحق به فعرف زياد بن أبي سفيان، واستشهد معاوية بجماعة فشهدوا على إقرار أبي سفيان بذلك. وكانت أمه سمية جارية الحارث بن كلدة الثقفي، فزوجها الحارث غلاماً له رومياً اسمه عبيد، وجاء أبو سفيان إلى الطائف في الجاهلية فوقع على سمية، فولدت له زياداً (٣) على فراش عبيد، وأقر أبو سفيان أنه من نطفته، فلهذا قيل
стр. 456
ما قيل. ويقال له زياد بن أبيه لما وقع في أبيه من الشك، ويقال له أيضاً زياد بن سمية، ويكنى أبا المغيرة؛ ولد هو والمختار سنة إحدى من الهجرة فأدرك النبي ﷺ ولم يره، وأسلم في عهد أبي بكر، وسمع عمر بن الخطاب، واستكتبه أبو موسى الأشعري في إمرته على البصرة، وكتب لعبد الله بن عامر ولابن عباس وللمغيرة بن شعبة، وولاه معاوية المصرين وهو أول من وليهما جميعاً. وقدم دمشق، وروى عنه ابن سيرين والشعبي وأبو عثمان النهدي وغيرهم، وأبو بكرة أخوه لأمه.
وكان زياد أولاً من شيعة علي بن أبي طالب ﵁، وكان عامله على فارس، ثم إنه بعد موت علي صالح معاوية، وادعاه وصار من شيعته، واشتد على شيعة علي، وهو الذي أشار على معاوية بقتل حجر بن عدي وأصحابه، وأغلظ للحسن بن علي ﵄ في كتاب كتبه له، فرد عليه معاوية أقبح رد.
وكان قتالاً سفاكاً للدماء من جنس ابنه والحجاج، ولكنه كان خطيباً فصيحاً. وبعثه أبو موسى رسولاً، ففتشه عمر فرآه عالماً بالقرآن وأحكامه وفرائضه، وسأله ما صنعت بأول عطائك؟ فأخبر أنه اشترى به أمه فأعتقها، فسر عمر منه بذلك. وتكلم عند عمر بوصف فتح جلولاء فقال عمر: هذا الخطيب المصقع، ثم رده إلى أبي موسى ووصاه به.
ولم يشهد الجمل واعتذر من شكوى كانت به.
وكان يشتو بالبصرة ويصيف بالكوفة؛ وقال الأصمعي: مكث زياد على العراق تسع سنين ما وضع لبنة على لبنة.
وهو أول من جلس على المنبر في العيدين وأذن فيهما، وأول من أحدث الفتح على الإمام.
وعن أبي مليكة قال: كنت أطوف مع الحسن بن علي، فقيل له: قتل زياد، فساءه ذلك، فقلت: وما يسوءك؟ قال: القتل كفارة لكل مؤمن.
стр. 457
وبلغ ابن عمر أن زياداً (١) كتب إلى معاوية: إني قد ضبطت العراق بشمالي، ويميني فارغة، يسأله أن يوليه الحجاز واليمامة والبحرين، فكره ابن عمر أن يكون في ولايته فقال: اللهم إنك تجعل القتل كفارة لمن شئت من خلقك، فموتاً لابن سمية لا قتلاً، قال: فخرج في إبهامه طاعونة، فما أتت عليه جمعة حتى مات سنة ثلاث وخمسين، وبلغ ابن عمر موته فقال: إليك يا ابن سمية، لا الدنيا بقيت (٢) عليك ولا الآخرة أدركت.
وهو معدود من دهاة العرب؛ قال ابن حزم في الفصل: وقد امتنع زياد - وهو فقعة القاع لا عشيرة له ولا نسب ولا سابقة ولا قدم - فما أطاقه معاوية إلا بالمداراة حتى أرضاه وولاه.
١٥٩ - (٣)
زيادة الله بن الأغلب
زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن الأغلب أبو منصور ابن أبي العباس التميمي صاحب القيروان، وكان أبوه وجده ومحمد أخو جده وجد أبيه كلهم قد ولي افريقية، وكان هذا قد دخل في طاعة المكتفي، وأهدى إليه هدايا من جملتها عشرة آلاف درهم، في كل درهم عشرة دراهم، وألف دينار في كل دينار عشرة دنانير، وكتب إلى الدرهم في أحد (٤) وجهيه:
стр. 458
يا سائراً نحو الخليفة قل له ... ها قد كفاك الله أمرك كله
بزيادة الله بن عبد الله سيف (١) ... الله من دون الخليفة سله وعلى الجانب الآخر:
ما ينبري (٢) لك بالشقاق مخالف ... إلا استباح حريمه وأذله
من لا يرى لك طاعةً فالله قد ... أعماه عن طرق الهدى وأضله قال الصولي: وابن الأغلب هذا من ولد الأغلب بن عمرو المازني، وكان من أهل البصرة، ولاه الرشيد الغرب بعد أن مات ادريس بن عبد الله بن حسن، فما زال بالمغرب إلى أن توفي وخلفه ابنه ثم أولاده، إلى أن صار الأمر إلى زيادة الله هذا، وذكر أنه أقام بمصر شهوراً ثم توفي.
قال الحافظ بن عساكر: بلغني أنه توفي بالرملة في جمادى الأولى سنة أربع وثلثمائة. ودفن بالرملة فساخ به قبره فسقف عليه وتركه مكانه. وكان له غلام يدعى خطاباً فسخط عليه وقيده بقيد ذهب، فدخل عليه صاحبه على البريد عبد الله بن الصايغ، فلما رأى الغلام مقيداً تأخر وعمل بيتين، وكتب بهما إلى زيادة الله وهما:
يا أيها الملك الميمون طائره ... رفقاً فإن يد المعشوق فوق يدك
كم ذا التجلد والأحشاء راجفة ... أعيذ (٣) قلبك أن يسطو على كبدك فأطلق الغلام ورضي عنه، وأعطى عبد الله بن الصايغ القيد.
ولزيادة الله هذا أخبار حسان في الجود، ولكنه أكثر من شرب الخمر والمجون والفساد، واتخذ ندامى يتصافعون قدامه ويتخذون مثانات الغنم منفوخة
стр. 459
تحت البسط، فإذا دخل عليه الرجل الجليل وجلس قدامه انشقت، ويظهر لها صوت (١) فيخجل الرجل ويضحك أصحابه، ففسدت حاله واختل ملكه ومال الناس إلى السعي عليه، وآل أمره إلى أن أجلي عن مدينة رقادة وانقرضت دولة بني الأغلب على يده وكان لها مائة سنة واثنتا عشرة (٢) سنة وهرب من مدينة رقادة في شهر رجب سنة ست وتسعين ومائتين.
١٦٠ - (٣)
زيد بن زين العابدين
زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين الهاشمي؛ روى عن أبيه وأخيه محمد بن علي وأبان بن عثمان، وروى عنه جعفر الصادق والزهري وشعبة وغيرهم، ووفد على هشام بن عبد الملك، فرأى منه جفوة، فكانت سبب خروجه وطلبه الخلافة، وسار إلى الكوفة فقام إليه منها شيعة، فظفر به يوسف بن عمر الثقفي فقتله وصلبه وحرقه، وعده ابن سعد في الطبقة الثالثة.
وعن حذيفة أن النبي ﷺ نظر إلى زيد بن حارثة وبكى وقال: " إن المظلوم من أهل بيتي سمي هذا، والمقتول في الله والمصلوب من أمتي سمي هذا ".
стр. 460
وذكره جعفر الصادق يوماً فقال: يرحم الله عمي، كان والله سيداً، والله ما ترك فينا لدنيا ولا آخرة مثله.
وسأل زيد بن علي بعض أصحابه عن قوله تعالى: " والسابقون السابقون أولئك المقربون " الواقعة قال: أبو بكر وعمر، ثم قال: لا أنالني الله شفاعة جدي إن لم أوالهما. وقال: أما أنا فلو كنت مكان أبي بكر لحكمت مثل ما حكم به أبو بكر في فدك.
وقال أيضاً: الرافضة حربي وحرب أبي في الدنيا والآخرة.
وسئل عيسى بن يونس عن الرافضة والزيدية فقال: أما الرافضة فأول ما ترفضت جاءوا إلى زيد بن علي حين خرج وقالوا له: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نكون معك، قال: بل أتولاهما، قالوا: إذن نرفضك، فسميت الرافضة. والزيدية قالوا: نتولاهما ونتبرأ ممن تبرأ منهما وخرجوا مع زيد فسميت الزيدية.
وقال الزبير بن بكار، حدثني عبد الرحمن ابن عبد الله الزهري قال: دخل زيد بن علي مسجد رسول الله ﷺ في يوم حار من باب السوق، فرأى سعد بن إبراهيم في جماعة من القرشيين قد حان قيامهم فقاموا، فأشار إليهم وقال: يا قوم، أنتم أضعف من أهل الحرة؟ قالوا: لا، قال: وأنا أشهد أن يزيد ليس شراً من هشام (١) ، فمالكم؟ فقال سعد لأصحابه: مدة هذا قصيرة، فلم يلبث أن خرج فقتل.
وقال الوليد بن محمد: كنا على باب الزهري، فسمع جلبة فقال: ما هذا يا وليد؟ فنظرت فإذا رأس زيد بن علي يطاف به، فأخبرته فبكى ثم قال: أهلك أهل هذا البيت العجلة.
وصلبوه بالكناسة سنة ثلاث وعشرين ومائة، وله أربع وأربعون سنة، ثم أحرقوه بالنار، ولم يزل مصلوباً إلى سنة ست وعشرين ثم أنزل بعد أربع سنين.