← Тараджим

Тараджим · id 1003

فوات الوفيات

ابن شاكر الكتبي

Полный текст (1 731 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ما قيل. ويقال له زياد بن أبيه لما وقع في أبيه من الشك، ويقال له أيضاً زياد بن سمية، ويكنى أبا المغيرة؛ ولد هو والمختار سنة إحدى من الهجرة فأدرك النبي ﷺ ولم يره، وأسلم في عهد أبي بكر، وسمع عمر بن الخطاب، واستكتبه أبو موسى الأشعري في إمرته على البصرة، وكتب لعبد الله بن عامر ولابن عباس وللمغيرة بن شعبة، وولاه معاوية المصرين وهو أول من وليهما جميعاً. وقدم دمشق، وروى عنه ابن سيرين والشعبي وأبو عثمان النهدي وغيرهم، وأبو بكرة أخوه لأمه. وكان زياد أولاً من شيعة علي بن أبي طالب ﵁، وكان عامله على فارس، ثم إنه بعد موت علي صالح معاوية، وادعاه وصار من شيعته، واشتد على شيعة علي، وهو الذي أشار على معاوية بقتل حجر بن عدي وأصحابه، وأغلظ للحسن بن علي ﵄ في كتاب كتبه له، فرد عليه معاوية أقبح رد. وكان قتالاً سفاكاً للدماء من جنس ابنه والحجاج، ولكنه كان خطيباً فصيحاً. وبعثه أبو موسى رسولاً، ففتشه عمر فرآه عالماً بالقرآن وأحكامه وفرائضه، وسأله ما صنعت بأول عطائك؟ فأخبر أنه اشترى به أمه فأعتقها، فسر عمر منه بذلك. وتكلم عند عمر بوصف فتح جلولاء فقال عمر: هذا الخطيب المصقع، ثم رده إلى أبي موسى ووصاه به. ولم يشهد الجمل واعتذر من شكوى كانت به. وكان يشتو بالبصرة ويصيف بالكوفة؛ وقال الأصمعي: مكث زياد على العراق تسع سنين ما وضع لبنة على لبنة. وهو أول من جلس على المنبر في العيدين وأذن فيهما، وأول من أحدث الفتح على الإمام. وعن أبي مليكة قال: كنت أطوف مع الحسن بن علي، فقيل له: قتل زياد، فساءه ذلك، فقلت: وما يسوءك؟ قال: القتل كفارة لكل مؤمن.

стр. 457

وبلغ ابن عمر أن زياداً (١) كتب إلى معاوية: إني قد ضبطت العراق بشمالي، ويميني فارغة، يسأله أن يوليه الحجاز واليمامة والبحرين، فكره ابن عمر أن يكون في ولايته فقال: اللهم إنك تجعل القتل كفارة لمن شئت من خلقك، فموتاً لابن سمية لا قتلاً، قال: فخرج في إبهامه طاعونة، فما أتت عليه جمعة حتى مات سنة ثلاث وخمسين، وبلغ ابن عمر موته فقال: إليك يا ابن سمية، لا الدنيا بقيت (٢) عليك ولا الآخرة أدركت. وهو معدود من دهاة العرب؛ قال ابن حزم في الفصل: وقد امتنع زياد - وهو فقعة القاع لا عشيرة له ولا نسب ولا سابقة ولا قدم - فما أطاقه معاوية إلا بالمداراة حتى أرضاه وولاه. ١٥٩ - (٣) زيادة الله بن الأغلب زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن الأغلب أبو منصور ابن أبي العباس التميمي صاحب القيروان، وكان أبوه وجده ومحمد أخو جده وجد أبيه كلهم قد ولي افريقية، وكان هذا قد دخل في طاعة المكتفي، وأهدى إليه هدايا من جملتها عشرة آلاف درهم، في كل درهم عشرة دراهم، وألف دينار في كل دينار عشرة دنانير، وكتب إلى الدرهم في أحد (٤) وجهيه:

стр. 458

يا سائراً نحو الخليفة قل له ... ها قد كفاك الله أمرك كله بزيادة الله بن عبد الله سيف (١) ... الله من دون الخليفة سله وعلى الجانب الآخر: ما ينبري (٢) لك بالشقاق مخالف ... إلا استباح حريمه وأذله من لا يرى لك طاعةً فالله قد ... أعماه عن طرق الهدى وأضله قال الصولي: وابن الأغلب هذا من ولد الأغلب بن عمرو المازني، وكان من أهل البصرة، ولاه الرشيد الغرب بعد أن مات ادريس بن عبد الله بن حسن، فما زال بالمغرب إلى أن توفي وخلفه ابنه ثم أولاده، إلى أن صار الأمر إلى زيادة الله هذا، وذكر أنه أقام بمصر شهوراً ثم توفي. قال الحافظ بن عساكر: بلغني أنه توفي بالرملة في جمادى الأولى سنة أربع وثلثمائة. ودفن بالرملة فساخ به قبره فسقف عليه وتركه مكانه. وكان له غلام يدعى خطاباً فسخط عليه وقيده بقيد ذهب، فدخل عليه صاحبه على البريد عبد الله بن الصايغ، فلما رأى الغلام مقيداً تأخر وعمل بيتين، وكتب بهما إلى زيادة الله وهما: يا أيها الملك الميمون طائره ... رفقاً فإن يد المعشوق فوق يدك كم ذا التجلد والأحشاء راجفة ... أعيذ (٣) قلبك أن يسطو على كبدك فأطلق الغلام ورضي عنه، وأعطى عبد الله بن الصايغ القيد. ولزيادة الله هذا أخبار حسان في الجود، ولكنه أكثر من شرب الخمر والمجون والفساد، واتخذ ندامى يتصافعون قدامه ويتخذون مثانات الغنم منفوخة

стр. 459

تحت البسط، فإذا دخل عليه الرجل الجليل وجلس قدامه انشقت، ويظهر لها صوت (١) فيخجل الرجل ويضحك أصحابه، ففسدت حاله واختل ملكه ومال الناس إلى السعي عليه، وآل أمره إلى أن أجلي عن مدينة رقادة وانقرضت دولة بني الأغلب على يده وكان لها مائة سنة واثنتا عشرة (٢) سنة وهرب من مدينة رقادة في شهر رجب سنة ست وتسعين ومائتين. ١٦٠ - (٣) زيد بن زين العابدين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين الهاشمي؛ روى عن أبيه وأخيه محمد بن علي وأبان بن عثمان، وروى عنه جعفر الصادق والزهري وشعبة وغيرهم، ووفد على هشام بن عبد الملك، فرأى منه جفوة، فكانت سبب خروجه وطلبه الخلافة، وسار إلى الكوفة فقام إليه منها شيعة، فظفر به يوسف بن عمر الثقفي فقتله وصلبه وحرقه، وعده ابن سعد في الطبقة الثالثة. وعن حذيفة أن النبي ﷺ نظر إلى زيد بن حارثة وبكى وقال: " إن المظلوم من أهل بيتي سمي هذا، والمقتول في الله والمصلوب من أمتي سمي هذا ".

стр. 460

وذكره جعفر الصادق يوماً فقال: يرحم الله عمي، كان والله سيداً، والله ما ترك فينا لدنيا ولا آخرة مثله. وسأل زيد بن علي بعض أصحابه عن قوله تعالى: " والسابقون السابقون أولئك المقربون " الواقعة قال: أبو بكر وعمر، ثم قال: لا أنالني الله شفاعة جدي إن لم أوالهما. وقال: أما أنا فلو كنت مكان أبي بكر لحكمت مثل ما حكم به أبو بكر في فدك. وقال أيضاً: الرافضة حربي وحرب أبي في الدنيا والآخرة. وسئل عيسى بن يونس عن الرافضة والزيدية فقال: أما الرافضة فأول ما ترفضت جاءوا إلى زيد بن علي حين خرج وقالوا له: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نكون معك، قال: بل أتولاهما، قالوا: إذن نرفضك، فسميت الرافضة. والزيدية قالوا: نتولاهما ونتبرأ ممن تبرأ منهما وخرجوا مع زيد فسميت الزيدية. وقال الزبير بن بكار، حدثني عبد الرحمن ابن عبد الله الزهري قال: دخل زيد بن علي مسجد رسول الله ﷺ في يوم حار من باب السوق، فرأى سعد بن إبراهيم في جماعة من القرشيين قد حان قيامهم فقاموا، فأشار إليهم وقال: يا قوم، أنتم أضعف من أهل الحرة؟ قالوا: لا، قال: وأنا أشهد أن يزيد ليس شراً من هشام (١) ، فمالكم؟ فقال سعد لأصحابه: مدة هذا قصيرة، فلم يلبث أن خرج فقتل. وقال الوليد بن محمد: كنا على باب الزهري، فسمع جلبة فقال: ما هذا يا وليد؟ فنظرت فإذا رأس زيد بن علي يطاف به، فأخبرته فبكى ثم قال: أهلك أهل هذا البيت العجلة. وصلبوه بالكناسة سنة ثلاث وعشرين ومائة، وله أربع وأربعون سنة، ثم أحرقوه بالنار، ولم يزل مصلوباً إلى سنة ست وعشرين ثم أنزل بعد أربع سنين.

стр. 461

وقيل كانوا يوجهون (١) وجهه إلى ناحية العراق، فيصبح وقد دار إلى القبلة، مراراً. ونسجت العنكبوت على عورته، وكان قد صلب عرياناً. وقال الموكل بخشبته: رأيت النبي ﷺ وقد وقف على الخشبة وقال: " هكذا يصنعون بولدي من بعدي؟ يا بني، يا زيد، قتلوك قتلهم الله، صلبوك صلبهم الله "، فخرج هذا في الناس، فكتب يوسف بن عمر إلى هشام: أن عجل إلى العراق فقد فتنوا، فكتب إليه هشام: أن أحرقه بالنار. قال جرير بن حازم: رأيت النبي ﷺ مسنداً ظهره إلى خشبة زيد بن علي وهو يبكي، ويقول: هكذا يفعلون بولدي. ذكر هذا كله الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق. وقال ابن أبي الدم في الفرق الإسلامية: الزيدية أصحاب زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، كان زيد قد آثر تحصيل علم الأصول، فتتلمذ لواصل بن عطاء رأس المعتزلة، فقرأ عليه واقتبس منه علم الاعتزال، وصار زيد وجميع أصحابه معتزلة في المذهب والاعتقاد، وكان أخوه محمد الباقر يعيب عليه كونه قرأ على واصل بن عطاء وتتلمذ له واقتبس منه، مع كونه يجوز الخطأ على جده علي بن أبي طالب بسبب خروجه إلى حرب الجمل والنهروان، ولأن واصلاً (٢) كان يتكلم في القضاء والقدر على خلاف مذهب أهل البيت. وكان زيد يقول: علي أفضل من أبي بكر الصديق ومن بقية الصحابة، إلا أن أبا بكر فوضت إليه الخلافة لمصلحة رآها الصحابة وقاعدة دينية راعوها من تسكين الفتنة وتطيب قلوب الرعية، وكان يجوز إمامة المفضول مع قيام الأفضل للمصلحة. فلما قتل زيد في خلافة هشام قام بالأمر بعده ولده يحيى ومضى إلى

стр. 462

خراسان، فاجتمع بها عليه خلق كثير وبايعوه، ووعدوه بالقيام معه ومقابلة (١) أعدائه، وبذلوا له الطاعة، فبلغ ذلك جعفر بن محمد الصادق فكتب إليه ينهاه عن ذلك، وعرفه أنه مقتول كما قتل أبوه، وكان كما أخبر الصادق، فإن أمير خراسان قتله بجوزجان. ثم تفرقت الزيدية ثلاثة فرق: جارودية وسليمانية وبترية، أما الجارودية فأصحاب أبي الجارود، وكان من أصحاب زيد بن علي، زعموا أن النبي ﷺ نص على علي بن أبي طالب بالنص دون التسمية، وأن الناس كفروا بنصب أبي بكر إماماً، ثم ساقوا الإمامة بعد علي إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم إلى علي بن الحسين ثم إلى زيد بن علي. وأما السليمانية فيأتي ذكرهم في ترجمة سليمان بن جرير. وأما البترية فيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى في ترجمة كثير الأبتر. ومن شعر زيد: ومن فضل الأقوام يوماً برأيه ... فإن علياً فضلته المناقب وقول رسول الله والحق قوله ... وإن زعمت منه الأنوف الكواذب بأنك مني يا علي معالناً ... كهارون من موسى أخ لي وصاحب دعاه ببدرٍ فاستجاب لأمره ... فبادر في ذات الإله يضارب

стр. 463

حرف السين

стр. 464

فراغ

стр. 465

١٦١ - (١) أبو العباس الشاعر الأعمى لسائب أبو العباس الأعمى الشاعر المكي، وهو والد العلاء، سمع عبد الله بن عمر، وأخذ عنه عطاء وعمرو بن دينار وحبيب بن أبي ثابت، وثقة أحمد، وروى له الجماعة، وتوفي في حدود المائة. قال المرزباني في معجمه في حقه: هو ابن فروخ مولى لبني حذيفة بن عدي، وكان هجاء خبيثاً فاسقاً مبغضاً لآل رسول الله ﷺ ، مائلاً إلى بني أمية مداحاً لهم، وهو القائل لأبي طفيل عامر بن واثلة وكان شيعياً: لعمرك إنني وأبا طفيل ... لمختلفان والله الشهيد لقد ضلوا ببغض أبي تراب ... كما ضلت عن الحق اليهود وقال مسلم بن الوليد، سمعت يزيد بن مزيد يقول، سمعت هارون الرشيد يقول، سمعت المهدي يقول، سمعت المنصور يقول: خرجت أريد الشام في أيام مروان بن محمد، فصحبني في الطريق رجل ضرير، فسألته عن مقصده فقال: إني أريد مروان بشعر أمتدحه به، فاستنشدته إياه فأنشدني: ليت شعري أفاح رائحة المس ... ك وما إن إخال بالخيف إنسي حين غابت بنو أمية عنه ... والبهاليل من بني عبد شمس خطباء على المنابر فرسا ... ن عليها وقالة غير خرس لا يعابون صامتين وإن قا ... لوا أصابوا ولم يقولوا بلبس

стр. 466

بحلومٍ إذا الحلوم استخفت ... ووجوه مثل الدنانير ملس قال المنصور: فوالله ما فرغ من إنشاده حتى توهمت أن العمى أدركني، وافترقنا، فلما أفضت إلي الخلافة خرجت حاجاً، فنزلت أمشي بجبلي زرود، فبصرت بالأعمى ففرقت من كان حولي ثم دنوت منه وقلت: أتعرفني؟ فقال لا، فقلت: أنا رفيقك وأنت تريد الشام أيام مروان، فقال: أوه: آمت نساء بني أمية منهم ... وبناتهم بمضيعةٍ أيتام نامت جدودوهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والجدود تنام خلت المنابر والأسرة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام فقلت: ما كان مروان أعطاك، بأبي أنت؟ فقال: أغناني أن أسأل أحداً بعده، فهممت بقتله، فذكرت الاسترسال والصحبة فأمسكت، وغاب عن عيني، ثم بدا لي فأمرت بطلبه، فكأنما الأرض ابتلعته. ١٦٢ - (١) عبد بني الحسحاس سحيم عبد بني الحسحاس ابن هند بن سفيان بن نوفل بن عصاب بن كعب بن سعد بن عمرو بن مالك بن ثعلبة بن مروان بن أسد بن خزيمة، يكنى أبا عبد الله. وهو زنجي أسود فصيح، توفي في حدود الأربعين للهجرة، وهو القائل (٢) :

стр. 467

أشعار عبد بني الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق إن كنت عبداً فنفسي حرة كرماً ... أو أسود اللون إني أبيض الخلق عن ابن سلام قال: أتي عثمان بن عفان ﵁ بسحيم فأعجب به، فقيل له: إنه شاعر، وأرادوا يرغبوه فيه فقال: لا حاجة لي به، إن (١) الشاعر لا حريم له، إن شبع شبب بنساء أهله وإن جاع هجاهم، فاشتراه غيره، فلما رحل به قال في طريقه، وكان الذي اشتراه رجلاً (٢) من نجد والذي باعه مالك الحسحاسي (٣) : وما كان ظني مالكي أن يبيعني ... بمال ولو أضحت أنامله صفرا (٤) أشواقاً ولم تمض (٥) لنا غير ليلةٍ ... فكيف إذا سار المطي بنا عشرا أخوكم ومولى ما لكم وربيبكم ... ومن قدر بي معكم (٦) وعاشركم دهرا فلما بلغهم شعره رقوا له واشتروه، فأخذ حينئذ يشبب بنسائهم ويذكر أخت مولاه، فمن قوله فيها وكانت مريضة (٧) : ماذا يريد السقام من قمرٍ ... كل جمالٍ لوجهه تبع ما يرتجي خاب من محاسنها ... أما له في القباح متسع غير من لونها وصفرتها ... فارتد فيه الجمال والبدع لو كان يبغي الفداء قلت له ... ها أنا دون الحبيب يا وجع وعن المدائني قال: كان سحيم يسمى حية، وكانت لسيده بنت بكر،

стр. 468

فأعجبه جمالها وأعجبته، فأمرته أن يتمارض ففعل، وعصب رأسه، فقالت للشيخ: اسرح أيها الشيخ بإبلك لا تكلها إلى العبد، فكان فيها أياماً، ويجتمعان، ثم إن سيده قال له: كيف أنت؟ قال: صالح، قال: فاخرج (١) في إبلك العشية، فراح فيها، فقالت الجارية لأبيها: ما أحسبك إلا قد ضيعت إبلك إذ وكلتها إلى حية! فخرج في آثار إبله، فوجده مستلقياً على قفاه في ظل شجرة، وهو يقول (٢) : يا رب شجوٍ لك في الحاضر ... تذكرها وأنت في الصادر من كل بيضاء لها كعثب (٣) ... مثل سنام البكرة المائر فقال الشيخ: إن لهذا شأناً، وانصرف فقال لقومه: اعلموا أن هذا قد فضحكم، وأنشدهم شعره فقالوا: اقتله فنحن طوعك، فلما جاء وثبوا عليه فقالوا له: قلت وفعلت، فقال لهم: يا أهل الماء والله ما فيكم امرأة إلا أصبتها إلا فلانة فإني على موعد منها، فلما قدموه ليقتل قال (٤) : شدوا وثاق العبد لا يفلتكم ... إن الحياة من الممات قريب فلقد تحدر من جبين فتاتكم ... عرق على جنب الفراش وطيب فقتلوه. وكان سحيم في لسانه عجمة.

стр. 469

١٦٣ - (١) الظاهر الجزري سداد بن إبراهيم، أبو النجيب الجزري الملقب بالظاهر؛ شاعر مدح المهلبي وزير معز الدولة ومدح عضد الدولة، وكانت وفاته في حدود الأربعمائة. روى عنه علي بن المحسن التنوخي. قال محب الدين بن النجار: رأيت اسمه بالسين بخط أبي الحسين هلال ابن المحسن ابن الصابي، وأورده له: قلت للقلب ما دهاك أبن لي ... قال لي بائع الفراني فراني ناظراه فيما جنت ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني وأورد له: أفسدتم نظري علي فما أرى ... مذ غبتم حسناً إلى أن تقدموا فدعوا غرامي ليس يمكن أن ترى ... عين الرضى والسخط أحسن منكم وأورد له: أرى جيل التصوف شر جيلٍ ... فقل لهم وأهون بالحلول أقال الله حين عشقتموه ... كلوا أكل البهائم وارقصوا لي

стр. 470

١٦٤ - (١) ابن الدجاجي الواعظ سعد الله بن نصر بن سعيد بن أبي علي ابن الدجاجي، أبو الحسن الواعظ؛ قرأ بالروايات على محمد بن أحمد الخياط وأبي الخطاب علي بن عبد الرحمن ابن الجراح، وقرأ الفقه لأحمد بن حنبل على أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني وبرع فيه، وكان من أعيان الفقهاء الفضلاء وشيوخ الوعاظ النبلاء (٢) وكان يخالط الصوفية ويحضر معهم السماعات. وتوفي سنة أربع وستين وخمسمائة، ﵀؛ ومن شعره: ملكتم مهجتي بيعاً ومقدرةً ... فأنتم اليوم أغلالي وأغلى لي علوت فخراً ولكني ضنيت هوىً ... فحبكم هو اعلالي وأعلى لي أوصى لي البين أن أشقى بحبكم ... فقطع البين أوصالي وأوصى لي ومن شعره: لي لذة في ذلتي وخضوعي ... وأحب بين يديك سفك دموعي وتضرعي في رأي عينك راحةً ... لي من جوى قد كن بين ضلوعي ما الذل للمحبوب في شرع الهوى ... عار ولا جور الهوى ببديع هبني أسأت فأين عفوك سيدي ... عمن رجاك لقلبه الموجوع جد بالرضى من عطف لطفك واغنه ... بجمال وجهك عن سؤال شفيع

стр. 471

١٦٥ - (١) سعد الدين الفارقي سعد الله بن مروان بن عبد الله بن خير، الصدر الأديب سعد الدين الفارقي الموقع؛ كان بليغاً منشئاً شاعراً محسناً، سمع من ابن كريمة وابن رواحة وابن خليل وجماعة، وحدث بمصر ودمشق، وبها توفي كهلاً في سنة إحدى وتسعين وستمائة، ودفن في سفح قاسيون، رحمه الله تعالى. ومن شعره: قف بي على نجد فإن قبض الهوى ... روحي فطالب خد ليلى بالدم وإذا دجا ليل الوصال فناده ... يا كافراً حللت قتل المسلم ومنه: تاه على عاشقه واستطال ... مذ قصر الحسن عليه وطال كأن شمس (٢) حسنه أشرقت ... فليتها ما أشرفت للزوال قد فصل الشعر على خده ... ثوب حدادٍ حين مات الجمال ومنه أيضاً: يقولون قد وافى البشير بقربهم ... فعفرت خدي في ثرى الأرض لائما فلا أخروا عن منزل فخره به ... ولا قدموا إلا على السعد قادما وكتب إلى ولده عز الدين من طريق الحجاز: من بعد بعدك يا محمد شاقني ... برق إلى أسرار وجهك ساقني وحياة وجهك ما تجلى في الدجى ... قمر حكى معناك إلا شاقني

стр. 472

كلا ولا سامرت ذكرك في الدجى ... إلا طربت بظاهري وبباطني لو كنت أحسب أن بينك صانع ... بي ما وجدت لما تحرك ساكني فعليك مني ما حييت تحية ... تلهي المقيم بطيب ذكر الظاعن وكتب إلى الصاحب بهاء الدين بن حنا: يمم علياً فهو بحر الندى ... وناده في المضلع المعضل فرفده مجدٍ على مجدبٍ ... ووفده مفضٍ إلى مفضل ١٦٦ (١) سعدون المجنون سعدون المجنون؛ يقال إن اسمه سعيد وكنيته أبو عطاء ولقبه سعدون، من أهل البصرة؛ كان من عقلاء المجانين وحكمائهم، له أخبار ملاح وكلام سديد ونظم ونثر يستحسن، وطوف البلاد، ودونت أخباره. استقدمه المتوكل وسمع كلامه، وكان من المحبين لله ، صام ستين سنة فجف دماغه، فسماه الناس مجنوناً. قال عطاء السلمي: احتبس علينا القطر بالبصرة فخرجنا نستسقي، وإذا بسعدون المجنون، فلما أبصرني قال: يا عطاء إلى أين؟ قلت: خرجنا نستسقي، قال: بقلوب سماوية أم بقلوب أرضية؟ قلت: بقلوب سماوية، قال: لا تبهرج فإن الناقد بصير، قلت: ما هو إلا ماحكيت لك، فاستسق لنا، فرفع رأسه إلى السماء وقال: أقسمت عليك إلا سقيتنا الغيث، ثم أنشأ يقول: أيا من كلما نودي أجابا ... ومن جلاله ينشي السحابا

стр. 473

ويا من كلم الصديق موسى ... كلاماً ثم ألهمه الصوابا ويا من رد يوسف بعد ضرٍ ... على من كان ينتحب انتحابا ويا من خص أحمد واصطفاه ... وأعطاه الرسالة والكتابا اسقنا؛ فأرسلت السماء شآبيب كأفواه القرب، فقلت: زدني، قال ليس ذا الكيل من ذا البيدر، ثم أنشأ يقول (١) : سبحان من لم يزل له حجج ... قامت على خلقه بمعرفته قد علموا أنه مليكهم ... يعجز وصف الأنام عن صفته وقال عطاء: رأيت سعدون المجنون ذات يوم يتفلى (٢) في الشمس، فانكشفت عورته، فقلت له: استرها يا أخا الجهل، فقال: من لك مثلها فاستر. ثم مر بي يوماً وأنا آكل رماناً في السوق، فعرك أذني وقال (٣) : أرى كل إنسان يرى عيب غيره ... ويعمى عن العيب الذي هو فيه وما خير من تخفى عليه عيوبه ... ويبدو له العيب الذي لأخيه وكيف أرى عيباً وعيبي ظاهر ... وما يعرف السوءات غير سفيه وقال عبد الله بن سويد: رأيت سعدون المجنون وبيده فحمة وهو يكتب بها على قصر خراب: يا خاطب الدنيا إلى نفسه ... إن لها في كل يوم خليل ما أقبح الدنيا بخطابها ... تقتلهم عمداً قتيلاً (٤) قتيل تستنكح البعل وقد وطنت ... في موضعٍ آخر منه البديل

стр. 474

إني لمغتر وإن البلى ... يعمل في نفسي قليلاً قليل تزودا للموت زاداً فقد ... نادى مناديه الرحيل الرحيل وقال الفتح بن سالم: كان سعدون سياحاً لهجاً بالقول، فرأيته يوماً بالفسطاط قائماً على حلقة ذي النون المصري وهو يقول: يا ذا النون، متى يكون القلب أميراً بعد أن كان أسيراً؟ فقال ذو النون: إذا اطلع الخبير على الضمير فلم ير في الضمير إلا الخبير، قال: فصرخ سعدون، ثم خر مغشياً عليه، ثم أفاق وهو يقول: ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى ... ولابد من شكوى إذا لم يكن صبر ثم قال: أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: يا أبا الفيض، إن من القلوب قلوباً تستغفر قبل أن تذنب، قال: نعم، تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع، أولئك قوم أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين. وكانت وفاة سعدون بعد الخمسين والمائتين، رحمه الله تعالى. ١٦٧ - (١) ابن مكي النيلي المؤدب سعيد بن أحمد بن مكي النيلي المؤدب؛ له شعر، وأكثره مديح في أهل البيت، ﵃. قال العماد الكاتب: كان غالياً في التشيع، حالياً بالتورع، عالماً بالأدب، معلماً في المكتب، مقدماً في التعصب، ثم أسن حتى جاوز حد الهرم، وذهب بصره وعاد وجوده شبيه العدم، وأناف على التسعين، وآخر

стр. 475

عهدي به في درب صالح ببغداد سنة اثنتين وتسعين (١) وخمسمائة؛ ومن شعره: قمر أقام قيامتي بقوامه ... لم لا يجود لمهجتي بذمامه ملكته كبدي فأتلف مهجتي ... بجمال بهجته وحسن كلامه وبمبسم عذبٍ كأن رضابه ... شهد مذاب (٢) في عبير مدامه وبناظر غنجٍ وطرفٍ أحورٍ ... يصمي القلوب إذا رنا بسهامه وكأن خط عذاره في حسنه ... شمس تجلت وهي تحت لثامه فالصبح يسفر من ضياء جبينه ... والليل يقبل من أثيث ظلامه والظبي ليس لحاظه كلحاظه ... والغصن ليس قوامه كقوامه قمر كأن الحسن يعشق بعضه ... بعضاً فساعده على قسامه فالحسن عن تلقائه وورائه ... ويمينه وشماله وأمامه ويكاد من ترفٍ لدقة خصره ... ينقد بالأرداف عند قيامه ١٦٨ (٣) الناجم الشاعر سعيد بن الحسن بن شداد المسمعي، أبو عثمان المعروف بالناجم؛ كان يصحب ابن الرومي ويروي أكثر شعره وله معه أخبار، وكان أديباً فاضلاً شاعراً روى عنه أبو علي الحسن بن محمد بن الأعرابي وأبو بكر محمد بن يحيى الصولي؛ وتوفي سنة أربع عشرة وثلثمائة.

стр. 476

قال له ابن الرومي يخاطبه في علته التي مات فيها: أبا عثمان أنت عميد قومك ... وجودك للعشيرة دون لومك تمتع من أخيك فما أراه ... يراك ولا تراه بعد يومك ومن شعر الناجم: يأتيك في جبة مخرقةٍ ... أطول أعمار مثلها يوم وطيلسانٍ كالآل يلبسه ... على قميص كأنه غيم وله أيضاً: قالوا اشتكت نرجستا وجهه ... قلت لهم أحسن ما كانا حمرة ورد الخد أعدتهما ... والصبغ قد ينفذ أحيانا وله أيضاً: لئن كان عن عيني أحمد غائباً ... لما هو عن عين الضمير بغائب له صورة في القلب لم يقصها النوى ... ولم تتخطفها أكف النوائب إذا ساءني منه نزوح زيارةٍ ... وضاقت علي في نواه مذاهبي عطفت على شخص له غير نازح ... محلته بين الحشا والترائب ١٦٩ (١) أبو عثمان الخالدي سعيد بن هشام بن وعلة بن عرام بن يزيد بن عبد الله، ينتهي إلى عبد القيس،

стр. 477

أبو عثمان الخالدي أحد الخالديين، وستأتي ترجمة أخيه أبي بكر محمد في حرف الميم إن شاء الله تعالى. قال محمد بن إسحاق النديم: قال لي الخالدي، وقد تعجبت من كثرة حفظه: أنا أحفظ ألف سمر، كل سمر مائة ورقة، وكان (١) هو وأخوه مع ذلك إذا استحسنا شيئاً غصباه صاحبه حياً كان أو ميتاً، لا عجزاً منهما على قول الشعر، ولكن كذا كان طبعهما، وقد عمل أبو عثمان شعره وشعر أخيه قبل موته، ولهما تصانيف منها حماسة شعر المحدثين. كتاب أخبار الموصل. كتاب أخبار أبي تمام ومحاسن شعره. اختيار شعر ابن الرومي. اختيار شعر البحتري. اختيار شعر مسلم بن الوليد وأخباره. الأشباه والنظائر وهو جيد. الهدايا والتحف. الديارات. ومن شعره (٢) : ومن نكد الدنيا إذا ما تعذرت ... أمور وإن عدت صغاراً (٣) عظائم إذا رمت بالمنقاش نتف أشاهبي ... أتيحت له من بينهن الأداهم فأنتف ما أهوى بغير إرادتي ... وأترك ما أقلي وأنفي راغم وله أيضاً (٤) : دموعي فيك أنواء غزار ... وجنبي ما يقر له قرار وكل فتىً علاه ثوب سقمٍ ... فذاك الثوب مني مستعار وله أيضاً (٥) :

стр. 478

يا هذه إن رحت في ... سملٍ فما في ذاك عار هذي المدام هي الحيا ... ة قميصها خزف وقار وله أيضاً (١) : هتف الصبح بالدجى فاسقنيها ... قهوةً تترك الحليم سفيها لست ادري من رقةٍ وصفاء ... هي في كاسها أم الكأس فيها وقال أيضاً (٢) : بنفسي حبيب بان صبري لبينه ... وأودعني الأشجان ساعة ودعا وأنحلني بالهجر حتى لو أنني ... قذى بين جفني أرمد ما توجعا وقال يصف غلامه رشأ، وهي بديعة في الحسن (٣) : ما هو عبد لكنه ولد ... خولنيه المهيمن الصمد وشد أزري بحسن خدمته ... فهو يدي والذراع والعضد صغير سنٍ كبير معرفةٍ ... تمازج الضعف فيه والجلد في سن بدر الدجى وصورته ... فمثله يصطفى ويعتقد معشق الطرف كحله كحل ... مغزل الجيد حليه الجيد وورد خديه والشقائق وال ... تفاح والجلنار منتضد رياض حسن زواهر أبدا ... فيهن ماء النعيم مطرد وغصن بان إذا بدا وإذا ... شدا فقمري بانةٍ غرد أنسي ولهوي وكل مأربتي ... مجتمع فيه لي ومنفرد ظريف مزح مليح نادرة ... جوهر حسن شرارة تقد ومنفق مشفق إذا أنا أس ... رفت وبذرت فهو مقتصد

стр. 479

مبارك الوجه مذ حظيت به ... حالي رخي وعيشتي رغد مسامري إذا دجا الظلام فلي ... منه حديث كأنه الشهد خازن ما في يدي وحافظه ... فليس شيء لدي يفتقد يصون كتبي فكلها حسن ... يطوي ثيابي فكلها جدد وأبصر الناس بالطبيخ فكال ... مسك القلايا والعنبر الثرد وهو يدير المدام إن جليت ... عروس دنٍ نقابها الزبد يمنح كأسي يداً أناملها ... تنحل من لينها وتنعقد ثقفه كيسه فلا عوج ... في بعض أخلاقه ولا أود وصيرفي القريض وزان دي ... نار المعاني الجياد منتقد ويعرف الشعر مثل معرفتي ... وهو على أن يزيد مجتهد وكاتب توجد البلاغة في ... ألفاظه (١) والصواب والرشد وواجد بي من المحبة وال ... رأفة أضعاف ما به أجد إذا تبسمت فهو مبتهج ... وإن تنمرت فهو مرتعد ذا بعض أوصافه وقد بقيت ... له صفات لم يحوها أحد وللشيخ شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى في غلام له عكساً في هذا المعنى، وأبدع: ما هو عبد كلا ولا ولد ... إلا عناء تضنى به الكبد وفرط سقم أعيا الأساة فلا ... جلد عليه يبقى ولا جلد أقبح ما فيه كله فلقد ... تساورت الروح منه والجسد أشبه شيء بالقرد فهو له ... إن كان للقرد في الورى ولد وجنته مثل صبغة الورس ... ولكن ذلك صاف ولونها كمد يقطر سما فضحكه أبدا ... شر بكاء وبشره حرد

стр. 480

ذو مقلة حشو جفنها عمص (١) ... تسيل دمعاً وما بها رمد كأنما الخد في نظافته (٢) ... قد أكلت فوق صحته غدد يجمع كتفيه من مهانته ... كأنه في الهجير مرتعد يطرق لا من حيا ولا خجل ... كأنه للتراب منتقد ألكن إلا في الشتم ينبح كال ... كلب ولو كان خصمه الأسد يشتمني الناس حين يشتمهم ... إذ ليس يرضى بسبه أحد كسلان إلا في الأكل فهو إذا ... ما حضر الأكل جمرة تقد كالنار يوم الرياح في الحطب ... اليابس يأتي على الذي يجد يرفل في حلة منبتة ... من قمله رقم طرزها طرد أجمل أوصافه النميمة والكذ ... ب ونقل الحديث والحسد كل عيوب الورى به اجتمعت ... وهو بأضعاف ذاك منفرد إن قلت ما يدري ما أقول وإن ... قال كلانا في الفهم متحد كأن مالي إذا تسلمه ... مني ماء وكفه سرد حملته لي دويةً حسنت ... كنت عليها في الظرف أعتمد كمثل زهر الرياض ما وجدت ... عيني لها شبهها ولا أجد فمر يوماً بها على رجل ... لديه علم اللصوص ينتقد أودعها عنده ففر بها ... وما حواه من بعدها بلد فجاء يبكي فظللت أضحك من ... فعلي وقلبي بالغيظ منتقد وقال لي لا تخف فحليته ... مشهورة الوصف حين يفتقد عليه ثوب وعمة وله ... وجه وذقن وساعد ويد وقائلٍ بعه قلت خذه ولا ... وزن تجازى به ولا عدد

стр. 481

ففي الذي قد أضاعه عوض ... وهو علي أن يزيد مجتهد وكانت وفاة الخالدي في حدود الأربعمائة. ١٧٠ - (١) أبو الربيع الأربلي سليمان بن بنيمان بن أبي الجيش بن عبد الجبار الأديب شرف الدين، أبو الربيع الهمذاني ثم الإربلي؛ شاعر محسن سائر القول، له شعر ونوادر وزوائد ومزاح حلو؛ كان أبو صائغاً وكذلك هو، جاء إليه مملوك من مماليك الأشرف موسى وقال له: عندك خاتم مليح على قدر إصبعي؟ قال: لا، إلا عندي إصبع مليح على قدر خاتمك؛ ذكره أبو البركات مستوفي إربل في تاريخه؛ وتوفي سنة ست وثمانين وستمائة، وله تسعون سنة أو أزيد. ولما قامر الشهاب التلعفري (٢) بثيابه وخفافه قال ابن بنيمان، وأنشدها للملك الناصر بن العزيز: يا مليكاً فاق الأنام جميعاً ... منه جود كالعارض الوكاف والذي راش بالعطايا جناحي ... وتلافى بعد الإله تلافي ما رأينا ولا سمعنا بشيخٍ ... قبل هذا مقامر بالحفاف وبها كم يدق في كل يومٍ ... في قفاه والرأس والأكتاف أسود الوجه أبيض الشعر لكن ... في سحيم وقبحه وخفاف

стр. 482

يدعي نسبه إلى آل شيبا ... ن وتلك القبائل الأشراف مثل نجد لو استطاعت لقالت ... ليس هذا الدعي من أكنافي فابسط العذر في هجاء رقيع ... عادل عن طرائق الإنصاف فلما سمع التلعفري هذه الأبيات قال: أنا ما أنا جندي أقامر بخفافي، قال: بخفاف امرأتك، فقال: مالي امرأة، فقال: لك مقامرة من بين الحجرين إما بالخفاف وإما بالثقال. ولما وقع ابن بنيمان من على بغلته انكسرت رجله ومشى بين خشبتين، سمع بعض الناس يقول: ما يضرب الله بعصاتين، فقال: بلى لابن بنيمان. ورؤي راكباً على حمارة، فسألوه عن ذلك فقال: نزلت عن البغلة وأصبحت أقدم على الجحشة. ونظم فيه الشهاب التلعفري: سمعت لابن بنيمان وبغلته ... عجيبة خلتها إحدى قصائده قالوا رمته وداست بالنعال على ... قفاه قلت لهم ذا من عوائده لأنها فعلت في حق والدها ... ما كان يفعله في حق والده ومن شعر ابن بنيمان: اشرب فشربك هذا اليوم تحليل ... وانف الهموم فقد وافاك أيلول أما ترى الشمس وسط الكاس طالعةً ... منيرةً ونطاق البدر محلول والأرض قد كسيت بالغيث حلتها ... وناظر الروض بالأزهار مكحول وله أيضاً (١) : أتاني كتاب منك لما فضضته ... مروىً من الإحسان صادٍ من الخنا فخيل لي ما أنت أنت لكثرة ال ... تواضع والإحسان أو ما أنا أنا

стр. 483

وقال: خليلي كم أشكو إلى غير راحم ... وأجعل عرضي عرضة للوائم وأسحب ذيل الذل بين بيوتكم ... وأقرع في ناديكم سن نادم هبوني ما استوجبت حقاً عليكم ... أما تعتريكم هزة للمكارم كأن المعالي ما حللن لديكم ... وقد أصبحت معدودةً في المحارم ١٧١ (١) سليمان القرمطي سليمان بن الحسن بن بهرام، القرمطي - بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم بعدها طاء مهملة - الجنابي رئيس القرامطة؛ ذكر ابن الأثير في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين، قال (٢) : في هذه السنة تحرك قوم بسواد الكوفة يعرفون بالقرامطة، ثم بسط القول في مبدأ أمرهم وحاصله أن رجلاً أظهر العبادة والزهد والتقشف وكان يسف الخوص ويأكل من كسبه، وكان يدعو الناس إلى إمام من (٣) أهل البيت. وأقام على ذلك مدة، فاستجاب له خلق كثير، وجرت له أحوال وأوجبت حسن العقيدة فيه، وانتشر بسواد الكوفة ذكره. ثم قال في سنة ست وثمانين ومائتين (٤) : وفي هذه السنة ظهر رجل يعرف بالحسن

стр. 484

الجنابي بالبحرين، واجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة وقوي أمره، وأن غلامه الصقلبي قتله سنة إحدى وثلثمائة، وقام بعده أبو طاهر ابنه؛ وفي سنة إحدى عشرة وثلثمائة قصد أبو طاهر البصرة وملكها بغير قتال، بل صعدوا إليها بسلالم شعر، فلما أحسوا بهم ساروا إليهم،، فقتلوا والي البلد ووضعوا السيف في الناس، فهرب منهم من هرب، وأقاموا فيه سبعة عشر يوماً، ونهب القرمطي جميع ما فيها وعاد إلى بلده، ولم يزل يعيث في البلاد ويكثر فيها الفساد، من القتل والسبي والحريق والنهب، إلى سنة سبع عشرة (١) وثلثمائة، فحج الناس، وسلموا في طريقهم. ثم إن القرمطي وافاهم بمكة يوم التروية فنهب أموال الحاج وقتلهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع الحجر الأسود وأنفذه إلى هجر، فخرج إليه أمير مكة في جماعة من الأشراف فقاتلوه فقتلهم أجمعين، وقلع باب الكعبة، وأصعد رجلاً ليقلع الميزاب فسقط ومات، وألقى القتلى في بئر زمزم وترك الباقي في المسجد الحرام، وأخذ كسوة البيت وقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة، فلما بلغ ذلك المهدي عبيد الله صاحب إفريقية، كتب إليه ينكر عليه ويلومه ويلعنه ويقول: حققت على شيعتنا ودعاة دولتنا الكفر واسم الإلحاد بما فعلت، وإن لم ترد على أهل مكة والحاج ما أخذت منهم، وترد الحجر الأسود إلى مكانه، وترد الكسوة، وإلا فأنا بريء منك في الدنيا والأخرة، فلما وصل هذا الكتاب إليه أعاد الحجر الأسود وما أمكنه من أموال أهل مكة، وقال: أخذناه بأمر ورددناه بأمر، وكان بجكم التركي أمير العراق وبغداد قد بذل لهم في رده خمسين ألف دينار فلم يردوه (٢) . قال ابن الأثير: ردوه إلى الكعبة لخمس خلون من ذي القعدة سنة تسع

стр. 485

وثلاثين وثلثمائة في خلافة المطيع، وأنهم لما أخذوه تفسخ تحته ثلاثة (١) جمال قوية من ثقله، ولما أعادوه حملوه على جمل واحد ووصل سالماً. قال ابن أبي الدم في الفرق الإسلامية: إن الخليفة راسل أبا طاهر في ابتياعه، فأجابه إلى ذلك، فباعه من المسلمين بخمسين ألف دينار، وجهز الخليفة إليهم عبد الله بن عكيم المحدث، وجماعة معه، فأحضر أبو طاهر شهوداً ليشهدوا على نواب الخليفة بتسليمه، ثم أخرج لهم أحد الحجرين المصنوعين، فقال لهم عبد الله بن عكيم: إن لنا في حجرنا علامة: إنه لا يسخن بالنار، وثانية أنه لا يغوص في الماء، فأحضروا ماء وناراً (٢) ، فألقاه في الماء وغاص، ثم ألقاه في النار فحمي وكاد يتشقق، فقال: ليس هذا بحجرنا، ثم أحضر الحجر الثاني المصنوع، وقد ضمخه بالطيب وغشاه بالديباج يظهر كرامته، فصنع به عبد الله كما صنع بالأول وقال: ليس هذا بحجرنا، فأحضر الحجر الأسود بعينه، فوضعه في الماء فطفا ولم يغص، وجعله في النار فلم يسخن، فقال: هذا حجرنا، فعجب أبو طاهر، وسأله عن معرفة طريقه، فقال عبد الله بن عكيم: حدثنا فلان عن فلان، أن النبي ﷺ قال: الحجر الأسود يمين الله تعالى في أرضه، خلقه الله تعالى من درة بيضاء في الجنة، وإنما اسود من ذنوب الناس، يحشر يوم القيامة له عينان ينظر بهما ولسان يتكلم به، يشهد لكل من استلمه أو قبله بالإيمان، وأه حجر يطفو على الماء ولا يسخن بالنار إذا أوقدت عليه فقال أبو طاهر: هذا دين مضبوط بالنقل. وقال صلاح الدين الصفدي حرسه الله تعالى في تاريخه: قال بعضهم: إن القرامطة أخذوا الحجر الأسود مرتين، فيحتمل أن المرة الأولى رده بكتاب المهدي، والثانية رده لما اشتري منه، أو بالعكس، والله أعلم. وقصد القرامطة أطراف الشام، وفتحوا سلمية وبعلبك، وقتلوا غالب من

стр. 486

بهما من المسلمين، وخرج المكتفي بنفسه في جيش عظيم لما عزموا على حصار دمشق، وكثر الضجيج بمدينة السلام، وسار حتى نزل بالرقة، وبث الجيوش بين حلب وحماة وحمص، وعادت القرامطة تقصد حصار حلب، فالتقى الجمعان بتمنع، موضع بينه وبين حماة اثنا عشر ميلاً، وكان ذلك سنة إحدى وتسعين ومائتين أيام والده أبي سعيد، فانهزم جميع القرامطة وتبعوهم المسلمون وأفنوا عامتهم. ثم قام القرامطة أيضاً وكثر حربهم، ولم يزالوا إلى أن مات أبو سعيد، وقام أبو طاهر ابنه. وقيل إنه ملك دمشق وقتل جعفر بن فلاح نائب المصريين؛ ثم بلغ عسكر القرامطة إلى عين شمس، وهي على باب القاهرة، وظهروا عليهم، ثم انتصر أهل مصر عليهم فرجعوا عنهم، ولم يزل الناس معهم في شدة وبلاء إلى أن قتل أبو طاهر في سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة. ١٧٢ - (١) المستعين الأموي سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر عبد الرحمن الأموي، الملقب بالمستعين؛ خرج قبل الأربعمائة والتف عليه خلق كثير من جيوش البربر بالأندلس، وحاصر قرطبة وأخذها، ثم إن متولي سبتة خرج عليه وجهز لحربه جيشاً، فالتقوا وانهزم جيش المستعين، فدخل قرطبة وهجم على المستعين وذبحه صبراً وذبح أباه، وذلك في سنة سبع وأربعمائة؛ وملك قرطبة مرتين، وكانت

стр. 487

مدة ملكه في المرتين ست سنين وعشرة أشهر، وكانت مشحونة بالشدائد، معروفة بالمنكر والفساد، نفرت القلوب عنه، وبسبب ذلك تملك ملوك الطوائف. ولما كانت سنة خمس وأربعمائة شاع الخبر أن مجاهد العامري أقام خليفة يعرف بالفقيه المعيطي، فاستعظم ذلك إلى أن بلغه ظهور علي بن حمود الفاطمي بسبتة، فسقط في يد المستعين، فجاءه الفاطمي في جموعه فهزمه، ونبش خيران العامري القبر الذي ذكر له أن هشاماً به، فشهد أنه هشام، وجعل المستعين يبرأ من دمه وهو الذي قتله بعد أن استولى على قرطبة في المرة الثانية، فلم يفد ذلك، وظهر منه جزع عظيم لما رأى السيف. وكان المستعين من الشعراء المجيدين، ومن شعره: عجباً يهاب الليث حد سناني ... وأهاب سحر فواتر الأجفان وأقارع الأهوال لا متهيباً ... منها سوى الإعراض والهجران وتملكت روحي ثلاث كالدمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان ككواكب الظلماء لحن لناظري ... من فوق أغصانٍ على كثبان حاكمت فيهن السلو إلى الصبا ... فقضى بسلطانٍ على سلطاني فأبحن من قلبي الحمى، وتركنني ... في عز ملكي كالأسير العاني لا تعذلوا ملكاً تذلل للهوى ... ذل الهوى عز وملك ثان ما ضر أني عبدهن صبابةً ... وبنو الزمان وهن من عبداني إن لم أطع فيهن سلطان الهوى ... كلفاً بهن فلست من مروان

стр. 488

١٧٣ - (١) أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث، أبو الوليد الباجي الأندلسي القرطبي صاحب التصانيف؛ أصله من بطليوس، وانتقل آباؤه إلى باجة، ولد في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة، وتوفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة. سمع ورحل. أخذ الفقه عن أبي الطيب الطبري وأبي إسحاق الشيرازي، وأقام بالموصل سنة يأخذ علم الكلام عن أبي جعفر السمناني، وبرع في الحديث وبرز على أقرانه، وتقدم في علم الكلام والنظم، ورجع إلى الأندلس بعد ثلاث عشرة (٢) سنة بعلوم كثيرة، وروى عنه الخطيب وابن عبد البر، وهما أكبر منه. وصنف المنتقى في الفقه والمعاني في شرح الموطأ عشرين مجلداً لم يؤلف مثله، وكان قد صنف كتاباً كبيراً جامعاً بلغ في الغاية سماه كتاب الاستيفاء وكتاب الإيماء في الفقه والسراج في الخلاف، لم يتم، مختصر المختصر في مسائل المدونة واختلاف الموطآت والجرح والتعديل والتسديد إلى معرفة التوحيد والإشارة في أصول الفقه. أحكام الفصول في أحكام الأصول والحدود وشرح المنهاج وسنن الصالحين وسنن العابدين وسبل المهتدين وفرق الفقهاء وتفسير القرآن لم يتم. وسنن المنهاج وترتيب الحجاج.

стр. 489

وتوفي بالمرية في الأندلس. ولما تكلم أبو الوليد في حديث البخاري ما تكلم من حديث المقاضاة يوم الحديبية، وقال بظاهر لفظه، أنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصايغ وكفره باجازته الكتابة على رسول الله ﷺ النبي الأمي وأنه تكذيب للقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام، حتى أطلقوا عليه الفتنة وقبحوا عند العامة فعله، وتكلم به خطباؤهم في الجمع، ونظموا فيه القصائد التي منها: برئت ممن شرى دنيا بآخرةٍ ... وقال إن رسول الله قد كتبا فصنف أبو الوليد رسالة فيها إن ذلك لا يقدح في المعجزة، فرجع عنه بها جماعة. ومن شعر أبي (١) الوليد: إذا كنت أعلم علماً يقينا ... بأن جميع حياتي كساعه فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاح وطاعه وله أيضاً: إذا كنت تعلم أن لا محيد ... لذي الذنب عن هول يوم الحساب فأعص الإله بمقدار ما ... تحب لنفسك سوء العذاب ١٧٤ (٢) أسد الدين ابن موسك سليمان بن داود بن موسك، الأمير أسد الدين بن الأمير عماد الدين بن

стр. 490

الأمير الكبير عز الدين الهذباني؛ ولد في حدود الستمائة بالقدس وتوفي سنة سبع وستين وستمائة، وكانت له يد في النظم، وعنده فضيلة، وترك الخدم وتزهد ولبس الخشن، وجالس العلماء، وأذهب معظم نعمته واقتنع. وكان أبوه أخص الأمراء بالأشرف ابن العادل، وجده الأمير عز الدين موسك ابن خال السلطان صلاح الدين. ومن شعر أسد الدين سليمان قوله: ما الحب إلا لوعة وغرام ... فحذار أن يثنيك عنه ملام العشق للعشاق نار حرها ... برد على أكبادهم وسلام تلتذ فيه جفونهم بسهادها ... وجسومهم إذا شفها الأسقام ولهم مذاهب في الغرام وملة ... أنا في شريعتها الغداة إمام ولهم وللأحباب في لحظاتهم ... خوف الوشاة رسائل وكلام لطفت إشارتهم ودقت في الهوى ... معنىً فحارت دونها الأفهام وتحجبت أنوارها عن غيرهم ... وجلت لهم أسرارها الأوهام فإليك عن عذلي فإن مسامعي ... ما للملام بطرقها إلمام أنا من يرى حب الحسان حياته ... فإلام في حب الحياة ألام ١٧٥ (١) عون الدين ابن العجمي سليمان بن عبد المجيد بن حسن بن عبد الله بن الحسن، الأديب البارع عون الدين ابن العجمي الحلبي الكاتب؛ ولد سنة ست وستمائة، وتوفي سنة ست

стр. 491

وخمسين وستمائة بدمشق، وشيعه الأعيان والسلطان. سمع من الافتخار الهاشمي وجماعة، وسمع منه الدمياطي وفتح الدين بن القيسراني ومجد الدين العقيلي، وكان كاتباً مترسلاً وشاعراً، ولي الأوقاف بحلب وتقدم عند الملك الناصر وحظي عنده وولي نظر الجيوش بدمشق، وكان متأهلاً للوزارة كامل الرياسة لطيف الشمائل؛ ومن شعره: لهيب الخد حين بدا لعيني ... هوى قلبي عليه كالفراش فأحرقه فصار عليه خالاً ... وها أثر الدخان على الحواشي وحضر يوماً مجلس مخدومه الملك الناصر، وأدار ظهره إلى الطراحة، فقال له أستاذ الدار: السدة وراءك، فقال له الملك الناصر: سلمان (١) من أهل البيت، فقال: رعى الله ملكاً ما له من مشابهٍ ... يمن على العاني ولم يك منانا لإحسانه أمسيت حسان مدحه ... وكنت سليماناً فأصبحت سلمانا ومن شعر عون الدين: يا سائقاً يقطع البيداء معتسفاً ... بضامر لم يكن (٢) في سيره واني إن جزت بالشام شم تلك البروق ولا ... تعدل - بلغت المنى - عن دير مران واقصد علالي قلاليه تلاق بها ... ما تشتهي النفس من حور وولدان من كل بيضاء هيفاء القوام إذا ... ماست فيا خجلة المران والبان وكل أسمر قد دان الجمال له ... وكمل الحسن فيه فرط إحسان ورب صدغ بدا في الخد مرسله ... في فترة فتنت من سحر أجفان فليت ريقته وردي ووجنته ... وردي ومن صدغه آسي وريحاني

стр. 492

وعج على دير متى ثم حي به ال ... ربان بطرس، فالربان رباني فهمت منه إشاراتٍ فهمت بها ... وصنت منشورها في طي كتمان واعبر بدير حنينا وانتهز فرص ال ... لذات ما بين قسيسٍ ومطران واستجل راحاً بها تحيا النفوس إذا ... دارت براح شماميس ورهبان حمراء صفراء بعد المزج كم قذفت ... بشهبها من همومي كل شيطان كم رحت في الليل أسقيها وأشربها ... حتى انقضى ونديمي غير ندمان سألت توماس عن من كان عاصرها ... أجاب رمزاً ولم يسمح بتبيان وقال: أخبرني شمعون ينقله ... عن ابن مريم عن موسى بن عمران بأنها سفرت بالطور مشرقةً ... أنوارها فكنوا عنها بنيران وهي المدام التي كانت معتقة ... من عهد هرمس من قبل ابن كنعان وهي التي عبدتها فارس فكنى ... عنها بشمس الضحى في قومه ماني سكرت منها فلا صحو وجدت بها ... على الندامى وليس الشح من شاني وسوف أمنحها أهلاً وأنشده ... ما قيل فيها بترجيع وألحان ؟؟ حتى تميل لها أعطافه طرباً ... وينتشي الكون من أوصاف نشوان خير الملوك صلاح الدين ليس له ... في الجود ثان ولا عن جوده ثاني ١٧٦ (١) سليمان ابن عبد الملك الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان؛ كان من خيار ملوك بني أمية، ولي الخلافة في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين بعد الوليد، بالعهد من أبيه، وكانت

стр. 493

داره موضع سقاية جيرون، وكان فصيحاً مفوهاً، مؤثر العدل، يحب الغزو؛ ومولده سنة ستين، وتوفي عاشر صفر سنة تسع وتسعين بمرج دابق عرضت عليه سعلة وهو يخطب، فنزل وهو محموم، فما جاءت الجمعة الأخرى حتى مات، وولي عمر بن عبد العزيز. وكان جميل الوجه، وعزل عمال الحجاج، وأخرج من في سجون العراق، وهم بالإقامة في القدس، وحج سنة سبع وتسعين، وقال لعمر بن عبد العزيز لما رأى الناس في الموسم: أما ترى هذا الخلق الذي لا يحصى عددهم إلا الله تعالى، ولا يسع رزقهم غيره؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء اليوم رعيتك وغداً خصماؤك، فبكى بكاء شديداً ثم قال: بالله أستعين. وكان من الأكلة، قال ابنه: أكل أبي أربعين دجاجة تشوى على النار، وأكل أربعاً وثمانين (١) كلوة بشحمها وثمانين جرذقة، وأكل سبعين رمانة وخروفاً وأتى بمكوك زبيب طائفي فأكله أجمع. وقيل إنه جلس في بيت أخضر، وتحته وطاء أخضر، عليه ثياب خضر، ثم نظر في المرآة فأعجبته نفسه وقال: كان النبي ﷺ نبياً، وكان أبو بكر صديقاً، وكان عمر فاروقاً، وكان عثمان حيياً، وكان معاوية حليماً، وكان يزيد صبوراً، وكان عبد الملك سائساً، وكان الوليد جباراً، وأنا الملك الشاب، فما دار عليه الشهر حتى مات. وقال سعيد بن عبد العزيز: إن سليمان ولي وهو إلى الشباب والترف ما هو، فقال لعمر بن عبد العزيز: يا أبا حفص إنا قد ولينا ماترى، ولم يكن لنا بتدبيره علم، فما رأيت من مصلحة العامة فمر به يكتب، فكان من ذلك عزل عمال الحجاج، وإخراج من في سجون العراق، وكان يسمع من عمر بن عبد العزيز جميع ما يأمر به.

стр. 494

وقدم عليه موسى بن نصير من ناحية المغرب. ومسلمة بن عبد الملك، فبينا هو على ذلك إذ جاءه الخبر أن الروم خرجت على ساحل حمص فسبت امرأة وجماعةً، فغضب سليمان وقال: والله لأغزونهم غزوة أفتح بها القسطنطينية أو أموت دون ذلك، فأغزى جماعة أهل الشام والجزيرة والموصل في البر في نحو مائة وعشرين ألفاً، وأغزى أهل مصر وإفريقية في البحر في ألف مركب، وعلى جماعة الناس مسلمة بن عبد الملك، وأغزى داود بن سليمان في جماعة من أهل بيته، وقدم سليمان من القدس إلى دمشق، ومضى حتى نزل مرج دابق، فأمضى البعث وأقام بالمرج. قال عبد الغني: وسمي سليمان بن عبد الملك مفتاح الخير لأنه استخلف عمر بن عبد العزيز. وقال ابن سيرين: رحم الله سليمان بن عبد الملك، افتتح خلافته بخير وختمها بخير، افتتح خلافته بإحياء الصلاة لمواقيتها، وختمها بأن استخلف عمر بن عبد العزيز، رحمهما الله تعالى. ١٧٧ - (١) سليمان بن علي الهاشمي سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، أحد أعمام السفاح والمنصور حدث عن أبيه وعكرمة، وولي الموسم في خلافة السفاح وولي البصرة له وللمنصور، ولد سنة اثنين وثمانين، وتوفي سنة اثنين وأربعين ومائة. وكان سليمان كريماً جواداً، مر برجل يسأل قد تحمل عشر ديات، فحملها عنه، وكان يعتق في

стр. 495

كل موسم عشية عرفة مائة نسمة، وبلغ عطاؤه في الموسم على قريش والأنصار خمسة آلاف ألف درهم، رحمه الله تعالى. ١٧٨ - (١) معين الدين البرواناه سليمان بن علي، الصاحب معين الدين، البرواناه؛ كان أبوه مهذب الدين علي بن محمد أعجمياً سكن الروم، وكان يقرأ القرآن، فتوصل حتى صار يقرأ أولاد مستوفي الروم. ثم ناب عنه، ثم ولي موضعه في أيام السلطان علاء الدين، وظهرت كفايته فاستوزره، ثم وزر لولده غياث الدين إلى أن مات سنة اثنتين وأربعين، فعظم أمره إلى أن استولى على ممالك الروم، وصانع التتار، وعمرت البلاد به، وكاتب الملك الظاهر، ثم نقم عليه أبغا، ونسبه إلى أنه هو الذي جسر الظاهر على بلاد الروم، وحصل ما وقع من قبل أعيان المغل، فبكت الحواتين وشقت الثياب بين يدي أبغا، وقالوا: البرواناه هو الذي قتل رجالنا ولا بد من قتله، فقتله. وكان من دهاة العالم وشجعانهم، له إقدام على الأهوال، وخبرة بجمع الأموال، قطعت اربعته وهو حي وألقي في مرجل وسلق وأكل المغل لحمه من غيظهم، وقتلوا معه من الروم خلائق، وذلك سنة ست وأربعين وستمائة، رحمه الله تعالى.
следующие страницы →