وخمسين وستمائة بدمشق، وشيعه الأعيان والسلطان. سمع من الافتخار الهاشمي وجماعة، وسمع منه الدمياطي وفتح الدين بن القيسراني ومجد الدين العقيلي، وكان كاتباً مترسلاً وشاعراً، ولي الأوقاف بحلب وتقدم عند الملك الناصر وحظي عنده وولي نظر الجيوش بدمشق، وكان متأهلاً للوزارة كامل الرياسة لطيف الشمائل؛ ومن شعره:
لهيب الخد حين بدا لعيني ... هوى قلبي عليه كالفراش
فأحرقه فصار عليه خالاً ... وها أثر الدخان على الحواشي وحضر يوماً مجلس مخدومه الملك الناصر، وأدار ظهره إلى الطراحة، فقال له أستاذ الدار: السدة وراءك، فقال له الملك الناصر: سلمان (١) من أهل البيت، فقال:
رعى الله ملكاً ما له من مشابهٍ ... يمن على العاني ولم يك منانا
لإحسانه أمسيت حسان مدحه ... وكنت سليماناً فأصبحت سلمانا ومن شعر عون الدين:
يا سائقاً يقطع البيداء معتسفاً ... بضامر لم يكن (٢) في سيره واني
إن جزت بالشام شم تلك البروق ولا ... تعدل - بلغت المنى - عن دير مران
واقصد علالي قلاليه تلاق بها ... ما تشتهي النفس من حور وولدان
من كل بيضاء هيفاء القوام إذا ... ماست فيا خجلة المران والبان
وكل أسمر قد دان الجمال له ... وكمل الحسن فيه فرط إحسان
ورب صدغ بدا في الخد مرسله ... في فترة فتنت من سحر أجفان
فليت ريقته وردي ووجنته ... وردي ومن صدغه آسي وريحاني
стр. 492
وعج على دير متى ثم حي به ال ... ربان بطرس، فالربان رباني
فهمت منه إشاراتٍ فهمت بها ... وصنت منشورها في طي كتمان
واعبر بدير حنينا وانتهز فرص ال ... لذات ما بين قسيسٍ ومطران
واستجل راحاً بها تحيا النفوس إذا ... دارت براح شماميس ورهبان
حمراء صفراء بعد المزج كم قذفت ... بشهبها من همومي كل شيطان
كم رحت في الليل أسقيها وأشربها ... حتى انقضى ونديمي غير ندمان
سألت توماس عن من كان عاصرها ... أجاب رمزاً ولم يسمح بتبيان
وقال: أخبرني شمعون ينقله ... عن ابن مريم عن موسى بن عمران
بأنها سفرت بالطور مشرقةً ... أنوارها فكنوا عنها بنيران
وهي المدام التي كانت معتقة ... من عهد هرمس من قبل ابن كنعان
وهي التي عبدتها فارس فكنى ... عنها بشمس الضحى في قومه ماني
سكرت منها فلا صحو وجدت بها ... على الندامى وليس الشح من شاني
وسوف أمنحها أهلاً وأنشده ... ما قيل فيها بترجيع وألحان
؟؟ حتى تميل لها أعطافه طرباً ... وينتشي الكون من أوصاف نشوان
خير الملوك صلاح الدين ليس له ... في الجود ثان ولا عن جوده ثاني ١٧٦ (١)
سليمان ابن عبد الملك الخليفة
سليمان بن عبد الملك بن مروان؛ كان من خيار ملوك بني أمية، ولي الخلافة في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين بعد الوليد، بالعهد من أبيه، وكانت
стр. 493
داره موضع سقاية جيرون، وكان فصيحاً مفوهاً، مؤثر العدل، يحب الغزو؛ ومولده سنة ستين، وتوفي عاشر صفر سنة تسع وتسعين بمرج دابق عرضت عليه سعلة وهو يخطب، فنزل وهو محموم، فما جاءت الجمعة الأخرى حتى مات، وولي عمر بن عبد العزيز.
وكان جميل الوجه، وعزل عمال الحجاج، وأخرج من في سجون العراق، وهم بالإقامة في القدس، وحج سنة سبع وتسعين، وقال لعمر بن عبد العزيز لما رأى الناس في الموسم: أما ترى هذا الخلق الذي لا يحصى عددهم إلا الله تعالى، ولا يسع رزقهم غيره؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء اليوم رعيتك وغداً خصماؤك، فبكى بكاء شديداً ثم قال: بالله أستعين.
وكان من الأكلة، قال ابنه: أكل أبي أربعين دجاجة تشوى على النار، وأكل أربعاً وثمانين (١) كلوة بشحمها وثمانين جرذقة، وأكل سبعين رمانة وخروفاً وأتى بمكوك زبيب طائفي فأكله أجمع.
وقيل إنه جلس في بيت أخضر، وتحته وطاء أخضر، عليه ثياب خضر، ثم نظر في المرآة فأعجبته نفسه وقال: كان النبي ﷺ نبياً، وكان أبو بكر صديقاً، وكان عمر فاروقاً، وكان عثمان حيياً، وكان معاوية حليماً، وكان يزيد صبوراً، وكان عبد الملك سائساً، وكان الوليد جباراً، وأنا الملك الشاب، فما دار عليه الشهر حتى مات.
وقال سعيد بن عبد العزيز: إن سليمان ولي وهو إلى الشباب والترف ما هو، فقال لعمر بن عبد العزيز: يا أبا حفص إنا قد ولينا ماترى، ولم يكن لنا بتدبيره علم، فما رأيت من مصلحة العامة فمر به يكتب، فكان من ذلك عزل عمال الحجاج، وإخراج من في سجون العراق، وكان يسمع من عمر بن عبد العزيز جميع ما يأمر به.
стр. 494
وقدم عليه موسى بن نصير من ناحية المغرب. ومسلمة بن عبد الملك، فبينا هو على ذلك إذ جاءه الخبر أن الروم خرجت على ساحل حمص فسبت امرأة وجماعةً، فغضب سليمان وقال: والله لأغزونهم غزوة أفتح بها القسطنطينية أو أموت دون ذلك، فأغزى جماعة أهل الشام والجزيرة والموصل في البر في نحو مائة وعشرين ألفاً، وأغزى أهل مصر وإفريقية في البحر في ألف مركب، وعلى جماعة الناس مسلمة بن عبد الملك، وأغزى داود بن سليمان في جماعة من أهل بيته، وقدم سليمان من القدس إلى دمشق، ومضى حتى نزل مرج دابق، فأمضى البعث وأقام بالمرج.
قال عبد الغني: وسمي سليمان بن عبد الملك مفتاح الخير لأنه استخلف عمر بن عبد العزيز.
وقال ابن سيرين: رحم الله سليمان بن عبد الملك، افتتح خلافته بخير وختمها بخير، افتتح خلافته بإحياء الصلاة لمواقيتها، وختمها بأن استخلف عمر بن عبد العزيز، رحمهما الله تعالى.
١٧٧ - (١)
سليمان بن علي الهاشمي
سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي، أحد أعمام السفاح والمنصور حدث عن أبيه وعكرمة، وولي الموسم في خلافة السفاح وولي البصرة له وللمنصور، ولد سنة اثنين وثمانين، وتوفي سنة اثنين وأربعين ومائة. وكان سليمان كريماً جواداً، مر برجل يسأل قد تحمل عشر ديات، فحملها عنه، وكان يعتق في
стр. 495
كل موسم عشية عرفة مائة نسمة، وبلغ عطاؤه في الموسم على قريش والأنصار خمسة آلاف ألف درهم، رحمه الله تعالى.
١٧٨ - (١)
معين الدين البرواناه
سليمان بن علي، الصاحب معين الدين، البرواناه؛ كان أبوه مهذب الدين علي بن محمد أعجمياً سكن الروم، وكان يقرأ القرآن، فتوصل حتى صار يقرأ أولاد مستوفي الروم. ثم ناب عنه، ثم ولي موضعه في أيام السلطان علاء الدين، وظهرت كفايته فاستوزره، ثم وزر لولده غياث الدين إلى أن مات سنة اثنتين وأربعين، فعظم أمره إلى أن استولى على ممالك الروم، وصانع التتار، وعمرت البلاد به، وكاتب الملك الظاهر، ثم نقم عليه أبغا، ونسبه إلى أنه هو الذي جسر الظاهر على بلاد الروم، وحصل ما وقع من قبل أعيان المغل، فبكت الحواتين وشقت الثياب بين يدي أبغا، وقالوا: البرواناه هو الذي قتل رجالنا ولا بد من قتله، فقتله.
وكان من دهاة العالم وشجعانهم، له إقدام على الأهوال، وخبرة بجمع الأموال، قطعت اربعته وهو حي وألقي في مرجل وسلق وأكل المغل لحمه من غيظهم، وقتلوا معه من الروم خلائق، وذلك سنة ست وأربعين وستمائة، رحمه الله تعالى.
стр. 496
١٧٩ - (١)
العفيف التلمساني
سليمان بن علي بن عبد الله بن علي، الشيخ الأديب البارع عفيف الدين التلمساني؛ كان كوفي (٢) الأصل، وكان يدعى العرفان ويتكلم على اصطلاح القوم. قال قطب الدين اليونيني: رأيت جماعة ينسبونه إلى رقة الدين والميل إلى مذهب النصيرية. وكان حسن العشرة كريم الأخلاق، له حرمة ووجاهة، وخدم في عدة جهات.
وقال الجزري في تاريخه: إنه عمل ببلاد الروم أربعين خلوة، يخرج من واحدة ويدخل في أخرى، وله في كل عام تصنيف، وشرح الأسماء الحسني وشرح منازل السائرين وشرح مواقف النفري.
وحكى بعضهم قال: طلعت يوم قبض فقلت له: كيف حالك؟ قال: بخير، من عرف الله كيف يخافه؟ والله منذ عرفته ما خفته، وأنا فرحان بلقائه.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: وحكى لي الشيخ ابن طي الحافي قال: كان عفيف الدين يباشر استيفاء الخزانة بدمشق، فحضر الأسعد بن السديد الماعز إلى دمشق صحبة السلطان الملك المنصور، قال له يوماً؛ يا عفيف الدين، أريد منك أن تعمل لي أوراقاً بمصروف الخزانة وحاصلها، قال: نعم، وطلبها منه مرة أخرى ومرة وهو يقول: نعم، فقال له في الآخر: أراك كلما اطلب منك الأوراق
стр. 497
تقول لي نعم، وأغلظ له في القول، فغضب الشيخ عفيف الدين وقال له: والك لمن تقول هذا الكلام؟ يا كلب يا ابن الكلب يا خنزير، وهذا من عجز المسلمين وإلا لو بصقوا عليك بصقة لأغرقوك، ثم شق ثيابه وقام يهم بالدخول على السلطان، فقام الناس إليه وقالوا: هذا ما هو كاتب وهذا الشيخ عفيف الدين التلمساني، وهو معروف بالجلالة والإكرام بين الناس، ومتى دخل إلى السلطان آذاك، فسألهم دره وقال له: يا مولانا ما بقيت أطلب منك لا أوراقاً ولا غيرها.
وقال الشيخ أثير الدين: المذكور أديب ماهر جيد النظم، تارة يكون شيخ صوفية وتارة كاتب وتارة مجرد، قدم علينا بالقاهرة، ونزل بخانقاه سعيد السعداء عند صاحبه شيخها الشيخ شمس الدين الأيكي، وكان متنجلاً في أقواله وأفعاله طريقة ابن العربي؛ انتهى قول أثير الدين.
وتوفي الشيخ عفيف الدين بدمشق في شهور سنة تسعين وستمائة، ودفن بمقابر الصوفية؛ ومن نظمه:
وقفنا على المغنى قديماً فما أغنى ... ولا دلت الألفاظ منه على معنى
وكم فيه أمسينا وبتنا بربعه ... حيارى وأصبحنا حيارى كما بتنا
ثملنا وملنا والدموع مدامنا ... ولولا التصابي ما ثملنا ولا ملنا
فلم نر للغيد الحسان بهم سنا ... وهم من بدور التم في حسنها أسنى
نسائل بانات الحمى عن قدودهم ... ولا سيما في لينها البانة الغنا
ونلثم ترب الأرض أن قد مشت بها ... سليمى ولبنى لا سليمى ولا لبنى
فوا أسفا فيه على يوسف الحمى ... ويعقوبه تبيض أعينه حزنا
وليس الشجي مثل الخلي لأجل ذا ... به نحن نحنا والحمام به غنى
ينادي مناديهم ويصغي إلى الصدى ... فيسألنا عنهم بمثل الذي قلنا وله أيضاً:
стр. 498
ندى في الأقحوانة أم شراب ... وطل في الشقيقة أم رضاب
فتلك وهذه ثغر وكأس ... لذا ظلم وفي هذي شراب
وخضر خمائل كجسوم غيدٍ ... قد انتشقت فراق بها الخضاب
يريك بها الشقيق سواد هدبٍ ... وحمرة وجنةٍ فيها التهاب
وورق حمائم في كل فنٍ ... إذا نطقت لها لحن صواب
لها بالطل أزرار حسان ... وأطواق ومن ورقٍ ثياب
كأن النهر سيف مشرفي ... له في كف صيقله اضطراب
تجرده يمين الشمس طوراً ... وطوراً بالظلال له قراب
يعاب السيف إذا في جانبيه ... فلول وهو منها لا يعاب
فإن قلت الحباب انساب ذعراً ... ورمت الرقش صدقك الحساب
وللأغصان هينمة تحاكي ... حبائب رق بينهما العتاب وله من أبيات:
وفي الحي هيفاء المعاطف لو بدت ... مع البان كان الورق فيها تغنت
عجبت لها في حسنها إذ تفردت ... لأية معنىً بعد ذاك تثنت وله أيضاً:
أفدي التي ابتسمت وهناً بكاظمة ... فكان منها هدى الساري بنعمان
وواجهتها ظباء الرمل فاكتسبت ... منها محاسن أجياد وأجفان
يسري النسيم بعطفيها فيصحبه ... لطفاً يميل غصون الرند والبان
مرت على جانب الوادي وليس به ... ماء ففاض بدمعي الجانب الثاني
موهت عنها بسلمى واستعرت لها ... من وصفها فاهتدى الشاني إلى شاني
تجني علي وما أحلى أليم هوىً ... في حبها حين ألجاني إلى الجاني وقال أيضاً:
إن كان قتلي في الهوى يتعين ... يا قاتلي فبسيف طرفك أهون
стр. 499
حسبي وحسبك أن تكون مدامعي ... غسلي وفي ثوب السقام أكفن
عجباً لخدك وردةً في بانةٍ ... والورد فوق البان ما لا يمكن
أدنته لي سنة الكرى فلثمته ... حتى تبدل بالشقيق السوسن
ووردت كوثر ثغره فحسبتني ... في جنةٍ من وجنتيه أسكن
ما راعني إلا بلال الخال فو ... ق الخد في صبح الجبين يؤذن
فنشرت من خوف الصباح ذؤابة ... هي كالدجى وظللت فيها أكمن
يا نظرة كم رمت أسرق أختها ... من مقلةٍ هي للنعاس معيدن وقال أيضاً:
رياض بكاها المزن فهي بواسم ... وناحت لغير الحزن فيها الحمائم
وأودعت الأنواء فيهن سرها ... فنمت عليهن الرياح النواسم
يبيت الندى في أفقها وهو ناثر ... ويضحي على أجيادها وهو ناظم
كأن الأقاحي والشقيق تقابلا ... خدود جلاهن الصبا ومباسم
كأن بها للنرجس الغض أعيناً ... تنبه منها البعض والبعض نائم
كأن ظلال القضب فوق غديرها ... إذا اضطربت تحت الرياح أراقم
كأن غناء الورق ألحان معبدٍ ... إذا رقصت تلك القدود النواعم
كأن نثار الشمس تحت غصونها ... دنانير في وقتٍ ووقت دراهم
كأن ثماراً (١) في غصون توسوست ... لعارض خفاق النسيم تمائم
كأن القطوف الدانيات مواهب ... ففي كل غصن ماسن في الدوح حاتم وقال أيضاً:
أشتاق من ساكني ذاك الحمى سكنا ... عليه خفق فؤادي قط ما سكنا
ولي غرام وصبر في محبته ... هذا أقام بأحشائي وذا ظعنا
أطلعتم يا أهيل المنحى قمراً ... بدا على الكون منه بهجة وسنا
стр. 500
سبى عيون محبيه الكرى فلذا ... أجفانه لم تزل مملوءةً وسنا
إن قلت غصن تجلى وجهه قمراً ... أو قلت بدر (١) تثنى قده غصنا
نادى ضنى خصره من يشتري سقماً ... مني ليفنى به في الحب قلت أنا
فيا غني جمالٍ بات مفتقراً ... لحسنه البدر مالي عن هواك غنى وقال أيضاً:
أسكرت بان الحمى يا نسمة السحر ... فهل أتيت عن الأحباب بالخبر
نعم مررت بذاك الحي فالتبست ... ذيول بردك ريا نشره العطر
يا نوق روحي بروحي للحمى وقفي ... به فديتك بين الضال والسمر
ففي بيوت الحمى سمراء قد حجبت ... بالسمر عنا وبالهندية البتر
شمس ومطلعها ذاتي ومغربها ... بين السوادين من قلبي ومن بصري
تبدي معالم مغناها محاسنها ... فيكتسي الروض بالغدران والزهر وقال:
لا تلم صبوتي فمن حب يصبو ... إنما يرحم المحب المحب
كيف لا يوقد النسيم غرامي ... وله في ديار ليلى مهب
ما اعتذاري إذا خبت لي نار ... وحبيبي أنواره ليس تخبو وشعره جيد إلى الغاية، رحمه الله تعالى وعفا عنه وعنا وعن جميع المسلمين.
стр. 501
١٨٠ - (١)
الزين الحافظي
سليمان بن علي، زين (٢) الدين ابن المؤيد، خطيب عقربا (٣) الحافظي؛ قال ابن أبي أصيبعة: اشتغل بالطب على الحكيم مهذب الدين عبد الرحيم بن علي الدخوار، وحصل العلم والعمل، وأتقن الفصول والجمل، وخدم بالطب الملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه ابن أبي بكر بن أيوب، وكان يومئذ صاحب قلعة جعبر، وأقام في خدمته وتميز عنده، وأجزل رفده، وخوله في دولته واشتمل عليه.
وكان زين الدين يعاني الأدب والشعر والكتابة الحسنة، وكان يعاني الجندية، وداخل أولاد الملك الحافظ، وصار حظياً مكيناً في دولتهم. ولما مات الملك الحافظ وتسلم الملك الناصر بن العزيز صاحب حلب قلعة جعبر بمراسلات، كان فيها الزين الحافظي، وانتقل الزين إلى حلب وصارت له عند الملك الناصر يد ومنزلة رفيعة، وتزوج زين الدين بابنة رئيس حلب، واقتنى أموالاً كثيرة. ولما ملك الناصر دمشق وصل معه إلى دمشق، وصار مكيناً في دولته.
ولما جاءت رسل التتار يطلبون البلاد ويشترطون ما يحمل إليهم من المال فبعث الملك الناصر زين الدين رسولاً إلى هولاكو، فأحسن إليه واستماله، فصار من جهته، ومازج التتار، وتردد في المراسلات مرات، وأطمع التتار في البلاد، وهول على الملك الناصر أمرهم وعظم شأنهم، ووصف عساكرهم
стр. 502
وصغر شأن الناصر ومن معه من العساكر حتى أوقفه على الحرب (١) ؛ فلما جاءت التتار إلى حلب ونازلها هولاكو، هرب الناصر من دمشق إلى مصر، وخرجت عساكر مصر وملكها قطز، فانكسر الناصر وملكت التتار دمشق، وصار زين الدين يأمر بها وينهى، وبقي معه جماعة، حتى كانوا يدعونه الملك زين الدين. ولما كسر التتار على عين جالوت وانهزم ملك التتار ومن معه من دمشق، توجه زين الحافظي معهم خوفاً على نفسه من المسلمين (٢) .
قال الرشيد الفارقي: كنت أقابل معه صحاح الجوهري، فلما أمروه قلت:
قيل لي الحافظي قد أمروه ... قلت ما زال بالعلاء جديرا
وسليمان من خصائصه المل ... ك فلا غرو أن يكون أميرا أحضره هولاكو بين يديه وقال له: ثبت عندي خيانتك وتلاعبك بالدول: خدمت صاحب بعلبك ثم خدمت صاحب حعبر وصاحب دمشق وخنت الجميع، وانتقلت إلي فأحسنت إليك، فشرعت تكاتب صاحب مصر، وعدد ذنوبه ثم قتله، وقتل أولاده وأقاربه وكانوا نحواً من خمسين نفراً (٣) ، وكان سبب ذلك كتب بعثها إلى الظاهر، وذلك سنة اثنتين وستين وستمائة.
стр. 503
١٨١ - (١)
ابن الطراوة المالقي
سليمان بن محمد بن عبد الله، أبو الحسين بن الطراوة المالقي النحوي؛ أخذ عن أبي الحجاج الأعلم وأبي مروان بن سراج، حمل عنهم كتاب سيبويه، وكان عالم الأندلس بالنحو في زمانه، وله كتاب المقدمات على سيبويه، وأخذ عنه أئمة العربية بالأندلس، وتوفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
ومن شعره:
وقائلةٍ أتهفوا للغواني ... وقد أضحى بمفرقك النهار
فقلت لها حثثت على التصابي ... أحق الخيل بالركض المعار وقال في فقهاء مالقة:
إذا رأوا جملاً يأتي على بعدٍ ... مدوا إليه جميعاً كف مقتنص
إن جئتهم فارغاً لزوك في قرنٍ ... وإن رأوا رشوةً أفتوك بالرخص ومنه وقد خرجوا يستسقون (٢) على آثار قحط في يوم غامت سماؤه، فزال ذلك الغيم عند خروجهم (٣) .
خرجوا ليستسقوا وقد نشأت ... بحريةٍ قمن بها السح
стр. 504
حتى إذا اصطفوا لدعوتهم ... وبدا لأعينهم بها نضح
كشف الغمام إجابةً لهم ... فكأنما خرجوا ليستصحوا قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: وقد سبقه إلى معناها أبو علي المحسن ابن أبي القاسم التنوخي صاحب كتاب الفرج بعد الشدة في قوله:
خرجنا لنستسقي بيمن دعائه ... وقد كاد هدب الغيم أن يلحق الأرضا
فلما ابتدا يدعو تقشعت السما ... فما تم إلا والغمام قد ارفضا ١٨٢ (١)
أبو الربيع بن سالم
سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الحميري الكلاعي الأندلسي البلنسي الحافظ الكبير؛ ولد في شهر رمضان سنة خمس وخمسين، وتوفي سنة أربع وثلاثين وستمائة، رحمه الله تعالى.
كان بقية أعلام الحديث ببلنسية، عني أتم عناية بالتقييد والرواية، وكان إماماً حافظاً عارفاً بالجرح والتعديل، ذاكراً للمواليد والوفيات، يتقدم أهل زمانه في ذلك؛ وكان الخط الذي يكتبه لا نظير له في الإتقان والضبط، مع الاستبحار في الأدب والاشتهار في البلاغة، فرداً في الرسائل مجيداً (٢) في النظم،
стр. 505
وكان هو المتكلم عن الملوك في مجالسهم، والمبين عنهم لما يريدونه في المحافل على المنابر.
وله تصانيف مفيدة في عدة فنون، ألف الاكتفا في مغازي رسول الله ﷺ والخلفاء الثلاثة في أربع مجلدات، وله كتاب حافل في معرفة الصحابة والتابعين لم يكمله، وكتاب مصباح الظلم يشبه الشهاب وكتاب في أخبار البخاري وسيرته وكتاب الأربعين سوى ما صنف في الحديث والأدب والخطب. ومن شعره:
أشجاه ما فعل العذار بخده ... قلبي شجا وهواي فيه هيجا
ما رابه والحسن يمزج ورده ... آساً ويخلط بالشقيق بنفسجا
ولقد علمت بأن قلبي صائر (١) ... كرة لصدغيه غداة تصولجا ومنه:
ولما تحلى خده بعذاره ... تسلو وقالوا ذنبه غير مغفور
وهل تنكر العين اللجين منيلاً ... أو المسك مذروراً على صحن كافور ومنه:
قالوا اكتست بالعذار وجنته ... هل في الذي قلتموه من باس؟
أكلف بالورد وهو منفرد ... فكيف أسلو إذ شيب بالآس؟ ومنه:
رياض كالعروس إذا تجلت ... وقل لها مشابهة العروس
فمن زهرٍ ضحوك السن طلق ... لجهمٍ من سحائبه عبوس
وقضب تحسب الأرواح سقت ... معاطفها سلافة خندريس
ونهر مثل هنديٍ صقيلٍ ... تجرد فوق موشيٍ نفيس
تولت نسجه السحب الغوادي ... وحاكت وشيه أيدي الشموس
стр. 506
١٨٣ - (١)
أبو الفضل الحوراني
سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح، الشيخ الإمام الفقيه المفتي القدوة الزاهد العابد القاضي الخطيب، صدر الدين أبو الفضل القرشي الجعفري الحوراني الشافعي صاحب النواوي؛ ولد سنة اثنتين وأربعين بقرية بصرى (٢) من السواد (٣) ؛ توفي سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
قدم دمشق مراهقاً وحفظ القرآن بمدرسة أبي عمر على الشيخ نصر بن عبيد، ورجع إلى البلاد، ثم قدم بعد سبع سنين وتفقه بالشيخ تاج الدين وبالشيخ محيي الدين، وأتقن الفقه وأعاد بالناصرية، وناب في القضاء لابن صصرى مدة ولم يغير ثوبه القطني ولا عمامته الصغيرة.
وتحكى عنه حكايات في رفقه بالخصوم، يقال إنه كان إذا علم أن الغريم ضعيف يعجز عن أجرة رسول القاضي قام مع الغريم، ومشى إلى بيت الغريم أو حانوته. وكان خيراً متواضعاً، وكان يمشي إلى بعض العدول ليؤدي عنده الشهادة، وولي خطابة العقيبة (٤) واكتفى بها. وعينه الأمير سيف الدين تنكز للاستسقاء بالناس سنة تسع عشرة فسقوا. وكان خطيباً بدارياً يدخل إلى دمشق على بهيم ضعيف. وكان لا يدخل حماماً ولا يتنعم؛ وحدث عن أبي اليسر والمقداد القيسي، وناب عن ابن الشريشي في دار الحديث، وشيع جنازته خلق عظيم، ﵀.
стр. 507
١٨٤ - (١)
تقي الدين المقدسي الجماعيلي
سليمان بن حمزة بن أحمد بن الشيخ أبي عمر، الإمام المفتي شيخ المذهب مسند الشام تقي الدين، أبو الفضل المقدسي الجماعيلي الأصل، الدمشقي الصالحي الحنبلي؛ ولد سنة ثمان وعشرين وستمائة، وتوفي سنة خمس عشرة وسبعمائة؛ وسمع الصحيح حضوراً في الثالثة من ابن الزبيدي، وسمع صحيح مسلم وما لا يوصف كثرة من الحافظ ضياء الدين، ربما عنده منه ستمائة جزء، وسمع حضوراً من جده الجمال أبي حمزة وابن المقير وسمع من ابن اللتي وجعفر الهمداني وابن الجميزي وكريمة الميطورية، وتفقه بالشيخ شمس الدين وصحبه مدة، وبرع في المذهب، وتخرج به الأصحاب، وله معرفة بتواليف الشيخ موفق الدين وأقرأ المقنع (٢) وغيره، ودرس بالجوزية؛ ولي القضاء عشرين سنة، ومن تلامذته ولده قاضي القضاة عز الدين وقاضي القضاة ابن مسلم والإمام عز الدين محمد بن العز والإمام شرف الدين أحمد بن القاضي وطائفة. وسمع منه المزي والواني وابن تيمية وابن المحب والعلائي وابن رافع وعدد كثير.
وعزل سنة تسع عن القضاء بالقاضي شهاب الدين ابن الحافظ، عزله الجاشنكير، ثم أعيد لما جاء الناصر من الكرك واجتمع به فولاه، وكان إذا أراد أن يحكم قال: صلوا على رسول الله، فإذا صلوا حكم؛ رحمه الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين.
стр. 508
١٨٥ - (١)
سهل بن هارون
سهل بن هارون بن راهيون الدستميساني، أبو عمر؛ انتقل إلى البصرة واتصل بخدمة المأمون وتولى خزانة الحكمة له، وكان حكيماً فصيحاً شاعراً، فارسي الأصل شعوبي المذهب شديد التعصب على العرب، وله مصنفات كثيرة تدل على بلاغته وحكمته، مثل كتاب ثعلة وعفرة على مثال كليلة ودمنة، وغير ذلك من الكتب.
وكان نهاية في البخل، وله فيه حكايات، قال دعبل: كنا عنده فأطلنا القعود حتى كاد يموت جوعاً، ثم قال: ويحك يا غلام! غدنا، فأتى بقصعة فيها ديك مطبوخ، فتأمله ثم قال: أين الرأس؟ قال: رميت به، فقال: والله إني لأمقت من يرمي برجليه فكيف برأسه، ولو لم أكره ما صنعت إلا للطيرة والفأل لكرهته، أما علمت أن الرأس رئيس الأعضاء، ومنه يصدح المثل في الصفاء فيقال: شراب كعين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم نر (٢) عظماً أهش تحت الأسنان منه، وهل ظننت أني لا آكله أن العيال لا يأكلونه،
стр. 509
وإن كان قد بلغ من نبلك أنك لا تأكله فعندنا من يأكله؛ أوما علمت أنه خير من طرف الجناح ومن رأس العنق، انظر لي أين هو، فقال: والله ما أدري أين هو، ولا أين رميت به، فقال: أنا أدري أين رميت به، في بطنك قاتلك الله! وعمل كتاباً في البخل ومدحه، وبعثه إلى الحسن بن سهل يستمنحه، فوقع إليه الحسن بن سهل: لقد مدحت ما ذم الله وحسنت ما قبح، وما يقوم لفساد معناك صلاح لفظك، وقد جعلنا ثوابك قبول قولك، فما نعطيك شيئاً.
ومن شعره:
تقاسمني همان قد كسف بالي ... وقد تركا قلبي محلة بلبال
هما أذريا دمعي ولم تذر عبرتي ... ربيبة خدر ذات قرط وخلخال
ولا قهوة لم يبق منها على المدى ... سوى أن تحاكي النور في رأس ذبال
ولكنني أبكي بعين سخينةٍ ... على حدثٍ تبكي له عين أمثالي
فراق خليل مثله يبعث الأسى ... وخلة خل لا يقوم بها مالي
فوا أسفا حتى متى القلب موجع ... بفقد خليل أو تعذر إفضال
فما العمر إلا أن تجود بنائلٍ ... وإلا لقاء الأخ ذي (١) الخلق العالي ومن تصانيفه: ديوان رسائله. كتاب النمر والثعلب كتاب اسبايوس (٢) في اتخاذ الاخوان كتاب أدب أسد (٣) بن أسل كتاب شجرة العقل كتاب تدبير الملك والسياسة. كتاب إلى عيسى بن أبان في القضاء كتاب الضرس كتاب الغزالين كتاب بدود لدود ودود (٤) كتاب الواص والعنة (٥) .
وكانت وفاته بعد المائتين (٦) .
стр. 510
١٨٦ - (١)
سلار الصالحي المنصوري
سلار الأمير، سيف الدين التتري (٢) الصالحي المنصوري؛ كان أولاً من مماليك الصالح علاء الدين علي بن المنصور قلاون، فلما مات الصالح صار من خاصة المنصور، ثم اتصل بخدمة الأشرف وحظي عنده وتأمر، وكان عاقلاً تاركاً للشر، ينطوي على دهاء وخبرة بالأمور، وفيه دين بالجملة، وكان صديق السلطان حسام الدين لاجين ونائبه منكوتمر، ندبوه الأمراء لإحضار السلطان الملك الناصر من الكرك، فسار إليه وأحضره، وركن إلى عقله وأيمانه فاستنابه وقدمه على الجميع فخضعوا له، ونال سلار من سعادة الدنيا ما لا يوصف، وجمع من الذهب قناطير مقنطرة، حتى اشتهر على ألسنة الناس أنه كان يدخله كل يوم مائة ألف درهم، واستمر في دست النيابة إحدى عشرة سنة وكان إقطاعه بضعة وثلاثون طبلخاناه (٣) .
ولما توجه الملك الناصر إلى الكرك وتملك الجاشنكير استمر به في النيابة، وازداد عظمة وسعادة، وأقاما على ذلك تسعة أشهر، فلما عاد السلطان من الكرك تلقاه سلار إلى أثناء الرمل، ولما دخل مصر أعطاه الشوبك، فتوجه إليها هو
стр. 511
وجماعته، وتشاغل السلطان عنه، ونزح سلار عن الشوبك ودخل البرية، وسير يطلب الأمان على أنه يقيم بالقدس يعبد الله ، فأجابه السلطان إلى ذلك، ودخل القاهرة بعد أن بقي أياماً في البرية مردداً بين العرب ينوبه كل يوم ألف درهم وأربعين غرارة شعير، فلما جاء عاتبه السلطان واعتقله ومنعه الزاد حتى مات جوعاً.
قيل إنه أكل سرموزته (١) ، وقيل خفه، وقيل إنهم دخلوا عليه وقالوا له: عفا السلطان عنك، فقام من الفرح ومشى خطوات وسقط ميتاً.
وكان أسمر لطيف القد، أسيل الخد لحيته في حنكه سودا، وهو من التتار الأويراتية، مات في أوائل الكهولة في سنة عشر وسبعمائة، ولعله ما بلغ الكهولة، رحمه الله تعالى؛ وأذن السلطان للجاولي أن يتولى جنازته ودفنه، فدفن بتربته (٢) عند الكبش بالقاهرة.
وكان ظريفاً في لبسه، اقترح أشياء في الملبس وهي إليه منسوبة (٣) ، وكذلك في المناديل وفي قماش الخيل وفي آلة الحرب.
قال شمس الدين الجزري: قيل إنه أخذ له ثلثمائة ألف ألف دينار وشيء كثير من الجواهر والحلي والحلل والسلاح والغلال مما لا يكاد يحصر.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي: وهذا مستحيل؛ لأن ذلك يجيء وقر عشرة آلاف (٤) بغل.
قال الشيخ شمس الدين الجزري: نقلت من ورقة بخط علم الدين البرزالي قال: دفع إلي المولى جمال الدين ابن الفويرة ورقة بتفصيل بعض أموال سلار وقت الحوطة عليه في أيام متعددة (٥) :
стр. 512
يوم الأحد: تسعة عشر رطل بالمصري زمرد، ياقوت رطلان، بلخش رطلان ونصف، صناديق ستة ضمنها جواهر وفصوص ألماس وغيره، لؤلؤ كبار مدور من زنة درهم إلى مثقال، ألف ومائة وخمسون حبة ذهب مائتان ألف وأربعون ألف مثقال، دراهم أربعمائة ألف وسبعون ألف درهم.
يوم الاثنين: ذهب مائة ألف وخمسون ألف دينار، وألف ألف درهم وخمسون ألف، فصوص رطلان ونصف، مصاغ عقود وأساور وزنود وحلق أربع قناطير بالمصري، وفضيات أواني وطاسات وهواوين وأطباق وغير ذلك ستة قناطير.
يوم الثلاثا: خمسة وأربعون ألف دينار، وثمانية آلف ألف، براجم وأهلة وسناجق ثلاث قناطير.
يوم الأربعاء: ذهب ألف ألف دينار، وثمانمائة ألف درهم، أقبية ملونة بفرو قاقم (١) ثلاثمائة قباء، أقبية سنجاب أربعمائة قباء، سروج مزركشة مائة سرج.
ووجد عند صهره الأمير موسى ثمان صناديق كان من جملة ما فيها عشر جواشن مجوهرة سلطانية، وتركاش (٢) ما يقوم، ومائة ثوب طرد وحش (٣) ، وحضر صحبته من الشوبك خمسون ألف دينار وخمسمائة ألف درهم وثلثمائة خلعة وخركاه (٤) أطلس معدني مبطنة بأزرق وبابها زركش، وثلثمائة فرس ومائة وعشرين قطار بغال ومثلها جمال، كل هذا سوى الغلال والأنعام والجواري والغلمان والأملاك والعدد والقماش.
ذكروا أنه عوقب كاتبه، فأقر أنه كان يحمل إليه كل يوم ألف دينار ما يعلم
стр. 513
بها غيره؛ وقيل إن مملوكاً دلهم على كنز له مبني في داره، فوجد فيه أكياساً وفتحوا بركة فوجدوها مملوءة أكياساً، ثم مات البائس يتحسر على الخبز اليابس.
قال الشيخ شمس الدين: وحدثني شيخنا فخر الدين أن إنساناً حدثه قال: دخل العام شونة (١) سلار ستمائة ألف أردب، والله أعلم.
стр. 514
فراغ
стр. 515
حرف الشين
стр. 516
فراغ
стр. 517
١٨٧ - (١)
سبط ابن عبد الظاهر
شافع بن علي بن عباس بن إسماعيل بن عساكر الكناني العسقلاني المصري، سبط القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، الإمام الأديب ناصر الدين؛ ولد سنة تسع وأربعين وستمائة، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة.
كان يباشر الإنشاء بمصر زماناً إلى أن أضر، لأنه أصابه سهم في نوبة حمص الكبرى سنة ثمانين وستمائة في صدغه، فعمي وبقي ملازم بيته إلى أن توفي، ﵀.
روى عن الشيخ جمال الدين بن مالك وغيره، وروى عنه الشيخ أثير الدين أبو حيان والشيخ علم الدين البرزالي وغيره من الطلبة، وله النظم الكثير والنثر الكثير، وكتب االمنسوب، وكان جماعة للكتب، خلف ثمانية عشر خزانة مملوءة كتباً نفيسة أدبية، وكانت زوجته تعرف ثمن كل كتاب، وبقيت تبيع منها إلى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. وكان إذا لمس الكتاب وجسه قال: هذا الكتاب الفلاني وملكته في الوقت الفلاني، وكان إذا أراد أي مجلد كان قام إلى خزانته، وتناوله كأنه الآن وضعه بيده.
ومن شعره:
قال لي من رأى صباح مشيبي ... عن شمالي من لمتي ويميني
стр. 518
أي شيء هذا؟ فقلت مجيباً: ... ليل شك محاه صبح يقين وقال:
تعجبت من أمر القرافة إذ غدت ... على وحشة الموتى لها قلبنا يصبو
فألفيتها مأوى الأحبة كلهم ... ومستوطن الأحباب يصبو له القلب وقال:
شكا لي صديقي حب سوداء أغريت ... بمص لسانٍ لا تمل له وردا
فقلت له دعها تلازم مصه ... فماء لسان الثور يصلح للسودا وقال في مليح وسطه مشدود ببند (١) أحمر:
وبي قامة كالغصن حين تمايلت ... وكالرمح في طعنٍ تقد وفي قد
جرى من دمي بحر (٢) بسهم فراقه ... فخضب منه ما على الخصر من بند أحسن منه قول ابن قرناص المعروف بالدوباش:
من مجيري من شادن بهواه ... لي شغل عن حاجرٍ والعقيق
خصره تحت أحمرالبند يحكي ... خنصراً (٣) فيه خاتم من عقيق وقال شافع:
لقد فاز بالأموال قوم تحكموا ... وكان لهم مأمورها وأميرها
تقاسمهم أكياسها شر قسمةٍ ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها وقال في سجادة خضراء:
عجبوا إذا رأوا بديع اخضرارٍ ... ضمن سجادةٍ بظل مديد
ثم قالوا: من أي ماء تروى؟ ... قلت: ماء الوجوه عند السجود
стр. 519
وقال في ممسحة القلم:
وممسحةٍ تناهى الحسن فيها ... فأضحت في الملاحة لا تبارى
ولا نكر على القلم الموافي ... إذا في ضمنها (١) خلع العذارا وكتب إليه السراج الوراق يستشفع به عند فتح الدين ابن عبد الظاهر:
أيا ناصر الدين انتصر لي فطالما ... ظفرت بنصر منك في الجاه والمال
وكن شافعي (٢) فالله سماك شافعاً ... وطابقت أسماء بأحسن أفعال
وقدرك لم تجهله عند محمدٍ ... لأن ابن عباس من الصحب والآل وكتب إليه أيضاً في المعنى:
سيدي اليوم أنت ضيف كريم ... فاق معناً (٣) في جوده بمعان
لو رأى الفتح سؤدد الفتح هذا ... ما انتمى بعده إلى خاقان
أو رآه فتح المغارب حلى ... بعلاه قلائد العقيان
وكأني أراكما في مجارا ... ة المعاني بحرين يلتقيان
وتطارحتما مذاكرةً يف ... تن منها أزاهر الأفنان
فإذا مر للصنائع ذكر ... " فاجعلاني من بعض من تذكران " (٤)
стр. 520
١٨٨ - (١)
أبو اليسر كاتب نور الدين
شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله، الرئيس أبو اليسر التنوخي المعمري الدمشقي كاتب الإنشاء؛ كان أديباً فاضلاً جليلاً ذكياً شاعراً، كتب الإنشاء لنور الدين الشهيد، وتوفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
قرأ الأدب على جده القاضي أبي المجد محمد بن عبد الله بحماة، وسمع من أبي عبد الله الحسين ابن العجمي وغيره، وحدث؛ وولد سنة ست وتسعين وأربعمائة؛ وسمع منه الحافظ أبو القاسم بن عساكر مع تقدمه، وهو جد تقي الدين إسماعيل، رحمهم الله تعالى وإيانا والمسلمين.
١٨٩ - (٢)
شبل الطائي
شبل بن الخضر بن هبة الله بن أبي الهجام الطائي، الشاعر ابن الشاعر؛ مدح الخليفة والوزراء والأعيان، وذكره العماد الكاتب في خريدة القصر، وتوفي سنة تسعين وخمسمائة، وكان متديناً حسن الطريقة، ﵀. ومن شعره:
أبغير حبكم يطيب غرامي ... كلا، وانتم صحتي وسقامي
стр. 521
أحبابنا هل وقفة نشكو بها ... ألم الهوى ونفض كل ختام
ومن العجائب أن سمحت بمهجتي ... لغريرة بخلت برد سلامي
هيفاء حرمت الوصال فلم رأت ... دمي الحرام السفك غير حرام منها:
أصبو إليك وللوقار زواجر ... تقتادني عن صبوةٍ بزمام
وتقول لي ما المجد شرب مدامةٍ ... وسماع غانيةٍ ووصل غلام
واعلم بأن الفضل ليس بنافع ... حتى يناط بجرأة الإقدام
والشعر ما لم يأت فيه فصاحة ... فكأنه ضرب من البرسام
والمدح في غير الوزير محمدٍ ... ذي الفضل مأثمة من الآثام وقال أيضاً:
أتانا يرينا من مقبله رصفا ... غزال سقانا الخمر من فمه صرفا
من الهيف خط الحسن في نور وجهه ... حروف جمالٍ لا أقيس بها حرفا
فعرق نوني حاجبيه براعةً ... وصف بحذقٍ سين طرته صفا
أتى يحتذي لي القضيب قوامه ... ولم يعتمد لياً لوعدي ولا خلفا
تأود غصناً ناضر (١) العطف ناعماً ... فبت أفديه وأسأله عطفا
ولما (٢) جنيت الورد من وجناته ... تغنمتها لثماً وأحللتها قطفا
بدا بدر تمٍ وانثنى خيزرانةً ... وماج كثيباً أهيلاً ورنا خشفا
وعاطيته مشمولةً بابليةً ... يرى لسنا لألاء بارقها خطفا
فراح ولون الراح يصبغ كفه ... ووجنته الحمراء من لونها أصفى
стр. 522
١٩٠ - (١)
تقي الدين الطيب
شبيب بن حمدان بن شبيب بن حمدان بن شبيب بن محمود، الأديب الفاضل الطبيب الكحال تقي الدين أبو عبد الرحمن، نزيل القاهرة، أخو الشيخ نجم الدين شيخ الحنابلة؛ ولد بعد العشرين وستمائة وتوفي سنة خمس وتسعين وستمائة.
سمع ابن روزبة وكتب عنه الدمياطي، وكان فيه شهامة وقوة نفس، وله أدب وفضائل، وعارض بانت سعاد بقصيدة (٢) منها:
إلى النبي رسول الله إن له ... مجداً تسامى فلا عرض ولا طول
مجداً كبا الوهم عن إدراك غايته ... ورد عقل البرايا وهو معقول
مطهر شرف الله العباد به ... وساد فخراً به الأملاك جبريل
طوبى لطيبة بل طوبى لكل فتى ... له بطيب ثراها الجعد تقبيل قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: عرض علي ديوانه فانتخبت منه ما قرأته عليه، فمن ذلك قصيدة يمدح فيها رسول الله ﷺ :
هذا مقام محمد والمنبر ... فاستجل أنوار الهداية وانظر
والثم ثرى ذاك الجناب معفراً ... في مسك تربته خدودك وافخر
واحلل على حرم النبوة واستجر ... بحماه من جور الزمان المنكر
فهناك من نور الإله سريرة ... كشفت غطاء الحق للمستبصر
وجلت دجى ظلم الضلال فأشرقت ... أفق الهداية بالصباح المسفر
стр. 523
نور تجشم فارتقى متجاوزاً ... شرفاً على الفلك الأثير الأكبر وقال أيضاً:
انهض فزند الصباح قد قدحا ... وامزج لنا من رضابك القدحا
فالزهر كالزهر في حدائقه ... والطير فوق الغصون قد صدحا
في روضة نقطت عرائسها ... بدر قطر نظمنه سبحا
وصفق الماء في جداوله ... ورقص الغصن طيره فرحا
والزق بين السقاة تحسبه ... أسود مستسقياً وقد ذبحا
فعاطني قهوةً معتقةً ... تذهب كأسي وتذهب الترحا
بكر إذا عرس النديم بها ... وافتضها الماء تنتج الفرحا
من كف رخص البنان معتدلٍ ... لو لامس الماء خده جرحا
يسعى بخمر الدلال مغتبقاً ... ومن سلاف الشباب مصطبحا
قد تلف القلب من سوالفه ... وجداً إذا جد بالهوى مزحا
كم لي بسفح العقيق من كلفي ... عقيق دمعٍ عليه قد سفحا وقال في سوداء:
وبديعة الحركات أسكن حبها ... حب القلوب لواعج البرحاء
سوداء بيضاء الفعال وهكذا ... حب النواظر خص بالأضواء (١)
أسرت محاسنها العقول فأطلقت ... أسرى المدامع ليلة الاسراء
فلئن جننت بحبها لا بدعة ... أصل الجنون يكون بالسوداء وقال:
أقام عذري العذار فيه ... واحتج لي قده القويم
وصح وجدي عليه لما ... أسقمني طرفه السقيم
стр. 524
فكم بنعمان من كئيب ... فارقه بعده النعيم
يزيده لوعةً وشوقاً ... حديث أيامه القديم وقال (١) :
ولقد شهدت الراح يقدح نورها ... للمدلجين النار من قدحيها
في روضة ضحكت ثغور أقاحها ... من طول ما بكت العيون عليها
والطير تخطب في منابر دوحه ... شمخت فخر الماء بين يديها وقال:
ومهفهفٍ قسم الملاحة ربها ... فيه وأبدعه بغير مثال
فلخده النعمان روض شقائق ... ولثغره النظام عقد لآلي
ولطرفه الغزال إحياء الهوى ... وكذلك الإحياء للغزالي يشبه قول محيي الدين بن عبد الظاهر:
يا من رأى غزلان رامة هل رأى ... بالله فيهم مثل طرف غزالي
أحيا عيون العاشقين بلحظه ال ... غزال والإحياء للغزالي ١٩١ (٢)
ابن أسد المصري
شرف بن أسد المصري؛ شيخ ماجن متهتك ظريف خليع، يصحب الكتاب ويعاشر الندماء، ويشبب في المجالس على القيان.
стр. 525
قال صلاح الدين: رأيته غير مرة بالقاهرة، وأنشدني له شعراً كثيراً من البلاليق والأزجال والموشحات وغير ذلك، وكان عامياً مطبوعاً قليل اللحن، يمتدح الأكابر ويستعطي الجوائز، وصنف عدة مصنفات في مشاشاة الخليج والزوائد التي للمصريين والنوادر والأمثال، ويخلط ذلك بأشعاره، وهي موجودة بالقاهرة عند من كان يتردد إليهم. وتوفي رحمه الله تعالى بعد ما تمرض زماناً في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة.
قال وأنشدني لنفسه:
رمضان كلك فتوه ... وصحيح دينك عليه
وأنا ذا الوقت معسر ... واشتهي الإرفاق بيه
حتى تروى الأرض بالنيل ... ويباع القرط بدري
واعطك الدرهم ثلاثة ... وأصوم شهرين وما ادري
وإن طلبتني في ذا الوقت ... فأنا أثبت عسري
فامتهل واربح ثوابي ... لا تربحني خطية
وتخليني أسقف ... طول نهاري لا عشية
لك ثلاثين يوم عندي ... أصبر أعطي المثل مثلين
وإن عسفتني ذي الأيام ... ما اعترف لك قط بالدين
وأنكرك وأحلف واقل لك ... أنت من أين وأنا من إين
واهرب أقعد في قمامه ... أو قلالي بولشيه (١)
وأجي في عيد شوال ... واستريح من ذي القضيه
стр. 526
والا خذ مني نقيده ... في المعجل نصف رحلك
صومي من بكره إلى الظهر ... وأقاسي الموت لأجلك
وأصوم لك شهر طوبه ... ويكون من بعض فضلك
إيش أنا في رحمة الله ... من أنا من بين البريه
أنا إلا عبد مقهور ... تحت أحكام المشيه
من زبونٍ نحس مثلي ... رمضان خذ ما تيسر
أنت جيت في وقت لو كان ... الجنيد في مثله أفطر
هون الأمور ومشي ... بعلي ولا تعسر
وخذ ايش ما سهل الله ... ما الزبونات بالسويه
الملي خذ منه عاجل ... وامهل المعسر شويه
ذي حرور تذوب القلب ... ونهار أطول من العام
وأنا عندي أي من صام ... رمضان في هاذي الأيام
ذاك يكون الله في عونه ... ويكفر عنو الآثام
وجميع كلامي هذا ... بطريق المصخرية (١)
والله يعلم ما في قلبي ... والذي لي في الطويه قال الشيخ صلاح الدين حرسه الله تعالى: ووضع حكاية حكاها لي بالقاهرة المحروسة ونحن على الخليج بشق الثعبان سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وهي: اجتاز بعض النحاة ببعض الأساكفة فقال له: أبيت اللعن واللعن يأباك، ورحم الله أمك وأباك، وهذه تحية العرب في الجاهلية قبل الإسلام، لكن عليك أفضل السلام والسلام والسلام، ومثلك من يعز ويكرم، قرأت القرآن، والتيسير (٢)
стр. 527
والعنوان والمقامات الحريرية، والدرة الألفية، وكشاف الزمخشري، وتاريخ الطبري، وشرح اللغة والعربية، على سيبويه ونفطويه، والحسن ابن خالويه، والقاسم بن كميل، والنضر بن شميل، وقد دعتني الضرورة إليك، وتمثلت بين يديك، لعلك تتحفني من بعض حكمتك، وحسن صنعتك، بنعل يقيني الحر، ويدفع عني الشر، وأعرب لك عن اسمه حقيقا، لأتخذك رفيقا، فيه لغات مؤتلفة، من لقبه بالقدم، وأهل شهرتوزة، سموه بالسارموزة (١) ، وإني أخاطبك بلغات هؤلاء القوم، ولا إثم علي في ذلك ولا لوم، والثالثة به أولى، وأسألك أيها المولى، أن تتحفني بسارموزة، أنعم من الموزة، أقوى من الصوان، وأطول عمراً من الزمان، خالية البواشي، مطبقة الحواشي، لا يتغير على وشيها، ولا يروعني مشيها، لا تنقلب إن وطئت بها جروفا، ولا تنفلت إن طحت بها مكاناً مخسوفا، لا تتلوق من أجلي، ولا يؤلمها ثقلي، ولا تتمزق من زحلي، ولا تتعوج ولا تتلقوج، ولا تنبعج ولا تنفلج، ولا تقب تحت الرجل، ولا تلزق بخبز الفجل، ظاهرها كالزعفران، وباطنها كشقائق النعمان، أخف من ريشة الطير، شديدة البأس على السير، طويلة الكعاب، عالية الأجناب، لا يلحق بها التراب، ولا يغرقها ماء السحاب، تصر صرير الباب، وتلمع كالسراب، وأديمها من غير جراب (٢) ، جلدها من خالص جلود المعز، ما لبسها ذليل إلا افتخر بها وعز، مخروزة كخرز الخردفوش، وهي أخف من المنقوش، مسمرة بالحديد منطقة، ثابتة في الأرض الزلقة، نعلها من جلد الأفيلة الخمير لا الفطير، وتكون بالنزر الحقير.
فلما أمسك النحوي من كلامه، وثب الإسكافي على أقدامه، وتمشى وتبختر، وأطرق ساعة وتفكر، وتشدد وتشمر، وتحرج وتنمر،
стр. 528
ودخل حانوته وخرج، وقد داخله الحنق والحرج، فقال له النحوي: جئت بما طلبته؟ قال: لا بل بجواب ما قلته، فقال: قل وأجز، وسجع ورجز، فقال (١) : أخبرك أيها النحوي أن البشر سابخروى شطبطاب المتفرقل، والمتقبقب من جانب الشرشنكل، والديوك تصل كنهيق زقازيق الصولجانات، والحرفرف الفرياح ببيض القرقنطق والزعربرجر احلبنبوا يا حيز من الطيز بحبح بشمردلو خاط الركبكو شاع الجبربر بجفر الترتاح بن يبسوشاح على لوي بن شمندوخ، على لسان القروان مازلوخ، أنك أكيت أرس برام المستلطخ بالشمردكند مخلوط، والزيبق بحبال الشمس مربوط، علعل بشعلعل، مات الكركندوس أدعوك في الوليمة، يا تيس، تش يا حمار يا بهمية، أعيذك بالزحواح، وأبخرك بحصى لبان المستراح، وارقيك برقوات مرقات قرقرات البطون، لتخلص من داء البرسام والجنون.
ونزل من دكانه، مستغيثاً بجيرانه، وقبض لحية النحوي بكفيه، وخنقه باصبعيه، حتى خر مغشياً عليه، وبربر في وجهه وزمجر، ونأى بجانبه واستكبر، وشخر ونخر، وتقدم وتأخر، فقال النحوي: الله أكبر الله أكبر، ويلك ما هذا العفان، قال من ذلك الهذيان. والسلام.
١٩٢ - (٢)
شعيب المغربي
شعيب بن محمد بن محمد بن محمد بن ميمون، المري المغربي الأصل؛ قال الشيخ أثير الدين: نشأ المذكور بالقاهرة، ومولده بساحل بر الحجاز بموضع يسمى
стр. 529
قبر عنبر ثاني عشر القعدة سنة ستين وستمائة. وأنشدنا من نظمه:
هزوا الغصون معاطفاً وقدودا ... وجلوا من الورد الجني خدودا
وتقلدوا فترى النجوم مباسماً ... وتبسموا فترى الثغور عقودا
وغدا الجمال بأسره في أسرهم ... فتقاسموه طارفاً وتليدا
فإذا سفرن أهلة وإذا سرح ... ن جآذراً وإذا حملن أسودا
وإذا لووا زرد العذار على النقا (١) ... جعلوا اللوى فوق العقيق زرودا
رحلوا عن الوادي فما لنسيمه ... أرج ولم أر في رباه الغيدا
وذوت غصون البان فيه فلم تمس ... طرباً ولم أسمع به تغريدا
فكأنما هم بانه وغصونه ... وظبا رباه وظله ممدودا
نصبوا على ماء العذيب خيامهم ... فلأجلهم عذب العذيب ورودا
وتحملت ريح الصبا من عرفهم ... مسكاً يضوع به النسيم وعودا ١٩٣ (٢)
شقيق البلخي
شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي الزاهد، أحد شيوخ التصوف، صاحب إبراهيم بن أدهم؛ توفي سنة أربع وتسعين ومائة. له كلام في التوكل معروف، حدث عن إبراهيم بن أدهم وأبي حنيفة وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق وغيرهم، وروى عنه حاتم الأصم وابنه محمد بن شقيق ومحمد بن أبان البلخي مستملي وكيع وغيرهم، وهو من أشهر شيوخ خراسان في التوكل، ومنه وقع
стр. 530
أهل خراسان إلى هذا الطريق.
قال له إبراهيم بن أدهم بمكة: ما بدء أمرك الذي بلغك إلى هذا؟ فذكر أنه رأى في بعض الفلوات طائراً (١) مكسور الجناحين، أتاه طائر (٢) صحيح الجناح، في منقاره جرادة، فتركت التكسب واشتغلت بالعبادة، فقال له إبراهيم: ولم لا تكون أنت الطائر الصحيح الذي أطعم الطائر المكسور حتى تكون أفضل منه؟ أما سمعت عن النبي ﷺ : " اليد العليا خير من اليد السفلى ". ومن علامة المؤمن: أن يطلب أعلى الدرجتين في أموره كلها، حتى يبلغ منازل الأبرار، فأخذ شقيق يد إبراهيم فقبلها وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق.
وقال حاتم: كنا مع شقيق في مصافٍ نحارب الترك في يوم لا ترى إلا رؤوس تطير ورماح تقصف وسيوف تقطع، فقال لي: كيف ترى نفسك يا حاتم في هذا ليوم؟ تراه مثل ما كنت في الليلة التي زفت إليك امرأتك؟ قال: لا والله، قال: لكنني والله أرى نفسي هذا اليوم مثل ما كنت تلك الليلة، ثم نام بين الصفين، ودرقته تحت رأسه حتى سمعت غطيطه.
ومات في غزوة كوملان سنة أربع وتسعين ومائة.
قال أبو سعيد الخراز: رأيت شقيقاً (٣) البلخي في النوم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، غير أننا لا نلحقكم، قلت: ولم ذاك؟ قال: لأنا توكلنا على الله بوجود الكفاية وتوكلتم بعدم (٤) الكفاية، قال: فسمعت الصراخ: صدق صدق، فانتبهت وأنا أسمع الصراخ.