والا خذ مني نقيده ... في المعجل نصف رحلك
صومي من بكره إلى الظهر ... وأقاسي الموت لأجلك
وأصوم لك شهر طوبه ... ويكون من بعض فضلك
إيش أنا في رحمة الله ... من أنا من بين البريه
أنا إلا عبد مقهور ... تحت أحكام المشيه
من زبونٍ نحس مثلي ... رمضان خذ ما تيسر
أنت جيت في وقت لو كان ... الجنيد في مثله أفطر
هون الأمور ومشي ... بعلي ولا تعسر
وخذ ايش ما سهل الله ... ما الزبونات بالسويه
الملي خذ منه عاجل ... وامهل المعسر شويه
ذي حرور تذوب القلب ... ونهار أطول من العام
وأنا عندي أي من صام ... رمضان في هاذي الأيام
ذاك يكون الله في عونه ... ويكفر عنو الآثام
وجميع كلامي هذا ... بطريق المصخرية (١)
والله يعلم ما في قلبي ... والذي لي في الطويه قال الشيخ صلاح الدين حرسه الله تعالى: ووضع حكاية حكاها لي بالقاهرة المحروسة ونحن على الخليج بشق الثعبان سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وهي: اجتاز بعض النحاة ببعض الأساكفة فقال له: أبيت اللعن واللعن يأباك، ورحم الله أمك وأباك، وهذه تحية العرب في الجاهلية قبل الإسلام، لكن عليك أفضل السلام والسلام والسلام، ومثلك من يعز ويكرم، قرأت القرآن، والتيسير (٢)
стр. 527
والعنوان والمقامات الحريرية، والدرة الألفية، وكشاف الزمخشري، وتاريخ الطبري، وشرح اللغة والعربية، على سيبويه ونفطويه، والحسن ابن خالويه، والقاسم بن كميل، والنضر بن شميل، وقد دعتني الضرورة إليك، وتمثلت بين يديك، لعلك تتحفني من بعض حكمتك، وحسن صنعتك، بنعل يقيني الحر، ويدفع عني الشر، وأعرب لك عن اسمه حقيقا، لأتخذك رفيقا، فيه لغات مؤتلفة، من لقبه بالقدم، وأهل شهرتوزة، سموه بالسارموزة (١) ، وإني أخاطبك بلغات هؤلاء القوم، ولا إثم علي في ذلك ولا لوم، والثالثة به أولى، وأسألك أيها المولى، أن تتحفني بسارموزة، أنعم من الموزة، أقوى من الصوان، وأطول عمراً من الزمان، خالية البواشي، مطبقة الحواشي، لا يتغير على وشيها، ولا يروعني مشيها، لا تنقلب إن وطئت بها جروفا، ولا تنفلت إن طحت بها مكاناً مخسوفا، لا تتلوق من أجلي، ولا يؤلمها ثقلي، ولا تتمزق من زحلي، ولا تتعوج ولا تتلقوج، ولا تنبعج ولا تنفلج، ولا تقب تحت الرجل، ولا تلزق بخبز الفجل، ظاهرها كالزعفران، وباطنها كشقائق النعمان، أخف من ريشة الطير، شديدة البأس على السير، طويلة الكعاب، عالية الأجناب، لا يلحق بها التراب، ولا يغرقها ماء السحاب، تصر صرير الباب، وتلمع كالسراب، وأديمها من غير جراب (٢) ، جلدها من خالص جلود المعز، ما لبسها ذليل إلا افتخر بها وعز، مخروزة كخرز الخردفوش، وهي أخف من المنقوش، مسمرة بالحديد منطقة، ثابتة في الأرض الزلقة، نعلها من جلد الأفيلة الخمير لا الفطير، وتكون بالنزر الحقير.
فلما أمسك النحوي من كلامه، وثب الإسكافي على أقدامه، وتمشى وتبختر، وأطرق ساعة وتفكر، وتشدد وتشمر، وتحرج وتنمر،
стр. 528
ودخل حانوته وخرج، وقد داخله الحنق والحرج، فقال له النحوي: جئت بما طلبته؟ قال: لا بل بجواب ما قلته، فقال: قل وأجز، وسجع ورجز، فقال (١) : أخبرك أيها النحوي أن البشر سابخروى شطبطاب المتفرقل، والمتقبقب من جانب الشرشنكل، والديوك تصل كنهيق زقازيق الصولجانات، والحرفرف الفرياح ببيض القرقنطق والزعربرجر احلبنبوا يا حيز من الطيز بحبح بشمردلو خاط الركبكو شاع الجبربر بجفر الترتاح بن يبسوشاح على لوي بن شمندوخ، على لسان القروان مازلوخ، أنك أكيت أرس برام المستلطخ بالشمردكند مخلوط، والزيبق بحبال الشمس مربوط، علعل بشعلعل، مات الكركندوس أدعوك في الوليمة، يا تيس، تش يا حمار يا بهمية، أعيذك بالزحواح، وأبخرك بحصى لبان المستراح، وارقيك برقوات مرقات قرقرات البطون، لتخلص من داء البرسام والجنون.
ونزل من دكانه، مستغيثاً بجيرانه، وقبض لحية النحوي بكفيه، وخنقه باصبعيه، حتى خر مغشياً عليه، وبربر في وجهه وزمجر، ونأى بجانبه واستكبر، وشخر ونخر، وتقدم وتأخر، فقال النحوي: الله أكبر الله أكبر، ويلك ما هذا العفان، قال من ذلك الهذيان. والسلام.
١٩٢ - (٢)
شعيب المغربي
شعيب بن محمد بن محمد بن محمد بن ميمون، المري المغربي الأصل؛ قال الشيخ أثير الدين: نشأ المذكور بالقاهرة، ومولده بساحل بر الحجاز بموضع يسمى
стр. 529
قبر عنبر ثاني عشر القعدة سنة ستين وستمائة. وأنشدنا من نظمه:
هزوا الغصون معاطفاً وقدودا ... وجلوا من الورد الجني خدودا
وتقلدوا فترى النجوم مباسماً ... وتبسموا فترى الثغور عقودا
وغدا الجمال بأسره في أسرهم ... فتقاسموه طارفاً وتليدا
فإذا سفرن أهلة وإذا سرح ... ن جآذراً وإذا حملن أسودا
وإذا لووا زرد العذار على النقا (١) ... جعلوا اللوى فوق العقيق زرودا
رحلوا عن الوادي فما لنسيمه ... أرج ولم أر في رباه الغيدا
وذوت غصون البان فيه فلم تمس ... طرباً ولم أسمع به تغريدا
فكأنما هم بانه وغصونه ... وظبا رباه وظله ممدودا
نصبوا على ماء العذيب خيامهم ... فلأجلهم عذب العذيب ورودا
وتحملت ريح الصبا من عرفهم ... مسكاً يضوع به النسيم وعودا ١٩٣ (٢)
شقيق البلخي
شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي الزاهد، أحد شيوخ التصوف، صاحب إبراهيم بن أدهم؛ توفي سنة أربع وتسعين ومائة. له كلام في التوكل معروف، حدث عن إبراهيم بن أدهم وأبي حنيفة وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق وغيرهم، وروى عنه حاتم الأصم وابنه محمد بن شقيق ومحمد بن أبان البلخي مستملي وكيع وغيرهم، وهو من أشهر شيوخ خراسان في التوكل، ومنه وقع
стр. 530
أهل خراسان إلى هذا الطريق.
قال له إبراهيم بن أدهم بمكة: ما بدء أمرك الذي بلغك إلى هذا؟ فذكر أنه رأى في بعض الفلوات طائراً (١) مكسور الجناحين، أتاه طائر (٢) صحيح الجناح، في منقاره جرادة، فتركت التكسب واشتغلت بالعبادة، فقال له إبراهيم: ولم لا تكون أنت الطائر الصحيح الذي أطعم الطائر المكسور حتى تكون أفضل منه؟ أما سمعت عن النبي ﷺ : " اليد العليا خير من اليد السفلى ". ومن علامة المؤمن: أن يطلب أعلى الدرجتين في أموره كلها، حتى يبلغ منازل الأبرار، فأخذ شقيق يد إبراهيم فقبلها وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق.
وقال حاتم: كنا مع شقيق في مصافٍ نحارب الترك في يوم لا ترى إلا رؤوس تطير ورماح تقصف وسيوف تقطع، فقال لي: كيف ترى نفسك يا حاتم في هذا ليوم؟ تراه مثل ما كنت في الليلة التي زفت إليك امرأتك؟ قال: لا والله، قال: لكنني والله أرى نفسي هذا اليوم مثل ما كنت تلك الليلة، ثم نام بين الصفين، ودرقته تحت رأسه حتى سمعت غطيطه.
ومات في غزوة كوملان سنة أربع وتسعين ومائة.
قال أبو سعيد الخراز: رأيت شقيقاً (٣) البلخي في النوم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، غير أننا لا نلحقكم، قلت: ولم ذاك؟ قال: لأنا توكلنا على الله بوجود الكفاية وتوكلتم بعدم (٤) الكفاية، قال: فسمعت الصراخ: صدق صدق، فانتبهت وأنا أسمع الصراخ.
стр. 531
١٩٤ - (١)
أبو الهيجاء بن أبي الفوارس
شهفيروز بن سعد بن عبد السيد بم منصور، أبو الهيجاء بن أبي الفوارس، الشاعر ابن بنت أبي علي بن الحمامية المستعمل، ويسمى أحمد أيضاً؛ كان أديباً فاضلاً شاعراً، أنشأ مقامات أدبية، وسمع من أبي جعفر محمد بن أحمد بن مسلمة وعبد الواحد بن محمد بن أحمد الحمامي، وحدث باليسير، توفي في سنة ثلاثين وخمسمائة ومن شعره:
وساقٍ بت أشرب من يديه ... مشعشعةً بلون كالنجيع
فحمرتها وحمرة وجنتيه ... ونور الكأس في نار الشموع
ضياء حارت الأبصار فيه ... بديع في بديعٍ في بديع ومنه:
وليلة بتنا والسواعد بيننا ... وساد ومن خمر الثغور لنا عل
وقد نم في جنح الدجى جرس حليها ... ونادى بأعلى صوته القلب والحجل
فضضت ختاماً عن عقيق كأنه ... على اللؤلؤ المنظوم من فمها قفل
فللنظم ما يجلو من الدر ثغرها ... وللظلم ما يجني من العسل النحل وقال:
وأنت التي (٢) زينت في عيني الهوى ... وحببت يا سلمى إلى نفسي الحبا
ولولاك لم يخطر على قلبي الجوى ... ولم أدع مابين الورى الهائم الصبا
стр. 532
١٩٥ - (١)
ضياء الدين القناوي
شيث بن إبراهيم بن محمد بن حيدرة القناوي النحوي اللغوي العروضي، أبو الحسن ضياء الدين.
قال شهاب الدين القوصي: أنشدنا ضياء الدين القناوي سنة تسعين وخمسمائة قصيدته اللغوية التي نظمها ووسمها باللؤللؤة المكنونة واليتيمة المصونة في الأسماء المذكرة وهي:
وصفت الشعر من يفهم ... يخبرني بما يعلم
يخبرني بألفاظٍ ... من الإعراب ما الدهثم
وما الإقليد والتقلي ... د والتهنيد والأهتم
وما النهاد والأهدا ... م والأسمال والعيهم
وما الالغاد والإخرا ... د والأقراد والمكدم
وما الدفراس والمردا ... س والقداس والأعلم
وما الأوحاص والأدرا ... ص والقراص والأترم
وما اليعضيد واليعقي ... د والتدمين والأرقم
وما الإنكال والأنكا ... ث والعلام والأفضم
وما الأوغال والأوغا ... د والأوغاب والأفصم
стр. 533
وما المنهوس والملسو ... س والملهوس والأثلم
وما الأوقاش والأوشا ... ب والأوباش والضيهم
وما الإيهات والرمي ... ت والضفنان والأورم
وما الجرفاس والدروا ... س والبرشاع والموصم
وما الأدمار والعوا ... ر والمسعاد والأدلم
وما الضربان والقدما ... ن والميدان والديلم
وما اليؤيؤ والضئضى ... ء والهلباجة الخوعم
وما المعرور والقدمو ... س والعتراد والأرشم
وما الإذعان والإفرا ... ن والأفدان والمنهم
وما الذيفان والمأفو ... ن والذيال والأريم
وما الإعداق والاعذا ... ق والأوزام والضرغم
وما الشماذ واللوا ... ذ والملاذ والجهضم
وما الهدام والأسدا ... م والأرزام والأدسم
وما الأخطال والأكرا ... ز والأشراط والأدرم
وما الزعرور والمنزو ... ر والشعرور والأعصم
وما الدقرور والصعرو ... ر والقيدور والميتم
وما التعريس والتغوي ... ر والشنتير والأشرم
وما الإذعاف والإترا ... ف والقعدود والمصرم
وما الحيطان والبدا ... ن والصيران والمرزم
وما الدعداع والمذيا ... ع والاقذاع والخلجم
وما الإصرام والأخلا ... م والأوخام والميلم
وما الصردان والصرفا ... ن والصرغان والأسحم
وما الأعشار والتقصا ... ر والأشصار والأقرم
وما الأعفاج والأمرا ... ص والشريان والأطخم
стр. 534
وما الأرماس والأكرا ... س والعسقد والمنجم
وما الصريع والتمرا ... د والشملال والأرثم
وما الغضروف والشرسو ... ف والهليوف والغيلم
وما الأنداح والقلا ... ص والإكراء والمقرم
وما الدلفاء والقمدا ... ء والحلفاء والأخطم
وما الساعور والصاقو ... ر والأشروع والأضجم
وما الإبداء والاعدا ... ء والأكناف والأهيم
وما الظنبوب والعلجو ... م والجعبوب والأشيم
وما الزعراء والطخيا ... ء والفوهاء والديسم
وما اللخصاء والخوصا ... ء والخيصاء والمرزم
وما الحوقاء والحلجا ... ء والعضباء والأختم
وما الهلباء والسكا ... ء والكبساء والأصلم
وما المرطاء والمعطا ... ء والحصاء والأغتم
وما النزعاء والوطبا ... ء والهدباء والمخدم
وما الدعجاء والملجا ... ء والشجراء والميسم
وما اللمياء والحوا ... ء والقماء والقهقم
وما الجلهاء والجلا ... ء والجلحاء والشجعم
وقد أنبأت في شعري ... بألفاظي الذي تفحم
فعارضت السجستاني ... في قولي ولم أعلم
فضاعفت قوافيه ... على مثل الذي نظم
على أني امتطيت الصع ... ب في قولي ولم أحجم
رحلت العيس في البيدا ... أقول الشعر في القطلم
فإن كنت الذي في قو ... له يأتي بما يزعم
فأخبرني بأوصافي ... عساني منك أن أعلم
стр. 535
فهذا الشعر لا يدريه ... إلا عالم همم
يرم الرث إن يحبب ... وإن شا ينقض المبرم وختم هذه الأبيات بأبيات غزلية على وزنها وهي:
رصفت الشعر في خلٍ ... وحبل الود لم يصرم
وقلب الأسد مجروح ... به شوقاً ولم يكلم
له قد كقد الغص ... ن في كل الورى يعدم
إذا ما رمت لثم الخ ... د أو تقبيل ذاك الفم
غزال يفتن النسا ... ك في حسن وما يعلم
وفي أحشاء من يهوا ... هـ وهج النار إذ يضرم
له وجه شعاعي ... حكى في الحسن بدر التم
جنيت الورد من خدي ... هـ ذقت الشهد إذ يبسم وسرد القوصي في معجمه شرح هذه القصيدة عقيب كل بيت.
وتوفي ضياء الدين المذكور سنة تسع وتسعين وخمسمائة بعدما أضر ﵀. وله تصانيف في العربية منها كتاب الإشارة في تسهيل العبارة والمعتصر من المختصر وتهذيب ذهن الواعي في إصلاح الرعية والراعي صنفه للملك صلاح الدين يوسف بن أيوب، ﵀ وإيانا وجميع المسلمين.
стр. 536
فراغ
стр. 537
حرف الصاد
стр. 538
فراغ
стр. 539
١٩٦ - (١)
صاعد الطبيب
صاعد بن هبة الله بن توما النصراني، من أهل بغداد، كان من الأطباء المتميزين، وكان طبيب نجاح الشرابي، وارتقت به الحال إلى أن صار وزيره وكاتبه، ثم دخل على الخليفة الناصر، وكان يشارك من يحضر من أطبائه أوقات أمراضه، وحظي عنده، وسلم إليه عدة جهات يخدم بها، وقتل سنة عشرين (٢) وستمائة، حضر إليه جماعة من الأجناد الذين كانت أرزاقهم تحت يده، فخاطبهم ببعض ما فيه مكروه، فكمن له اثنان منهم ليلاً وقتلاه بالسكاكين. وأمر الناصر يحمل ما في خزانته من الأموال إلى الخزانة، وببقاء القماش والأملاك لولده، وكان الذي حمل من خزانته ثمانمائة ألف وثلاثة عشر ألف دينار، وبقي الأثاث والأملاك بما يقارب تتمة الألف ألف دينار.
وكان من ذوي المروات، حسن الوساطة جميل المحضر، قضيت على يده حاجات.
وقال ابن القفطي: إن الإمام الناصر حصل له ضعف في بصره وسهو في بعض الأوقات، لأحزان توالت على قلبه، ولما عجز عن النظر في القصص استحضر امرأة من النساء تعرف بست نسيم، وكان خطها قريباً من خطه، وجعلها بين يديه تكتب الأجوبة في الرقاع، وشاركها في ذلك الخادم تاج الدين رشيق، ثم تزايد الأمر بالناصر، فصارت المرأة تكتب بما تراه، فمرة تصيب ومرة
стр. 540
تخطىء، ويشاركها رشيق في ذلك، فاتفق أن الوزير مؤيد الدين القمي كتب مطالعة، فعاد جوابها وفيه اختلال بين، فأنكر الوزير ذلك، فعرفه صاعد المذكور ما الخليفة عليه من عدم البصر والسهو الطارىء عليه في أكثر أوقاته وما تعتمده المرأة والخادم في الأجوبة، فتوقف الوزير عن العمل بأكثر الأمر، وتحقق المرأة والخادم ذلك، وحدثا أن الطبيب هو الذي دل على ذلك، فقرر الخادم مع رجلين من الجند (١) أن يغتالا الحكيم ويقتلاه، وكانت قتلته سنة عشرين وستمائة، وأمسك قاتلاه وصلبا.
١٩٧ - (٢)
صالح ابن عبد القدوس
صالح بن عبد القدوس؛ استقدمه المهدي من دمشق. قال المرزباني: كان حكيم الشعر زنديقاً متكلماً يقدمه أصحابه في الجدال عن مذهبهم، وقتله المهدي على الزندقة شيخاً كبيراً في شهور سنة ... وهو القائل:
ما تبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه قال أبو أحمد بن عدي: صالح ابن عبد القدوس بصري، ممن كان يعظ الناس بالبصرة ويقص عليهم، وله كلام حسن في الحكمة، فأما في الحديث فليس بشيء، كما قال ابن معين، ولا أعرف له من الحديث إلا الشيء اليسير. ومن شعره:
стр. 541
يا صاح لو كرهت كفي منادمتي ... لقلت إذ كرهت كفي لها بيني
لا أبتغي وصل من لا يبتغي صلتي ... ولا أبالي حبيباً لا يباليني وله:
أنست بوحدتي ولزمت بيتي ... فتم العز لي ونما السرور
وأدبني الزمان فليت أني ... هجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بقائل ما دمت حياً ... أقام الجند أم نزل الأمير وقال:
لا يعجبنك من يصون ثيابه ... حذر الغبار وعرضه مبذول
ولربما افتقر الفتى فرأيته ... دنس الثياب وعرضه مغسول وضربه المهدي بيده بالسيف فجعله نصفين، وعلق ببغداد.
وقال أحمد بن عبد الرحمن: رأيت ابن عبد القدوس في المنام ضاحكاً فقلت له: ما فعل الله بك؟ وكيف نجوت مما كنت ترمى به؟ قال: إني وردت على ربٍ ليس تخفى عليه خافية، وإنه استقبلني برحمته وقال: قد علمت براءتك مما كنت ترمى به، ﵀.
١٩٨ - (١)
أبو البحر صفوان
صفوان بن إدريس أبو بحر الكاتب البليغ؛ كان من جلة الأدباء وأعيان
стр. 542
الرؤساء، فصيحاً جليل القدر، له رسائل بليغة، وكان من الفضل والدين بمكان، توفي وله سبع وثلاثون سنة، رحمه الله تعالى.
ومن تصانيفه كتاب بداهة المتحفز وعجالة المتوفز وكتاب زاد المسافر الذي عارضه ابن الأبار بكتاب تحفة القادم ومات معتبطاً ولم يبلغ الأربعين، وتولى أبوه الصلاة عليه (١) .
ومن شعره:
يا حسنه والحسن بعض صفاته ... والسحر مقصور على حركاته
بدر لو أن البدر قيل له اقترح ... أملاً لقال أكون من هالاته
والخال ينقط في صحيفة خده ... ما خط حبر الصدغ من نوناته
وإذا هلال الأفق قابل وجهه ... أبصرته كالشكلفي مرآته
عبثت بقلب محبه لحظاته ... يا رب لا تعتب على لحظاته
ركب المآثم في انتهاب نفوسنا ... فالله يجعلهن من حسناته
ما زلت أخطب للزمان وصاله ... حتى دنا والبعد من عاداته
فغفرت ذنب الدهر منه بليلةٍ ... غطت على ما كان من زلاته
غفل الرقيب فنلت منه نظرةً ... يا ليته لو دام في غفلاته
ضاجعته والليل يذكي تحته ... نارين من نفسي ومن وجناته
بتنا نشعشع والعفاف نديمنا ... خمرين من غزلي ومن كلماته
حتى إذا ولع الكرى بجفونه ... وامتد في عضدي طوع سناته
أوثقته في ساعدي لأنه ... ظبي خشيت عليه من فلتاته
فضممته ضم البخيل لماله ... يحنو عليه من جميع جهاته
عزم الغرام علي في تقبيله ... فنقضت أيدي الطوع في عزماته
وأبى عفافي أن يقبل (٢) ثغره ... والقلب مطوي على جمراته
стр. 543
فاعجب لملتهب الجوانح غلةً ... يشكو الظما والماء في لهواته وقال من قصيدة:
حكمتم (١) زمناً لولا اعتدالكم ... في حكمكم لم يكن في الحكم يعتدل
فإنما أنتم في أنفه شمم ... وإنما أنتم في طرفه كحل منها:
يرى اعتناق العوالي في الوغى غزلاً ... لأن خرصانها من فوقها مقل وقال أيضاً:
أحمى الهوى قلبه وأوقد ... فهو على أن يموت أو قد
وقال عنه العزول سالٍ ... قلده الله ما تقلد
وباللوى شادن عليه ... جيد غزالٍ ووجه فرقد
علله ريقه بخمر ... حتى انثنى (٢) طرفه وعربد
لا تعجبوا لانهزام صبري ... فجيش أجفانه مؤيد
أنا له كالذي تمنى ... عبد، نعم عبده وأزيد
له علي امتثال أمرٍ ... ولي عليه الجفاء والصد
إن بسملت عينه لقتلي ... صلى فؤادي على محمد وعارضها شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري - الآتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى - بقصيدة بديعة وهي:
ويلاه من غمضي المشرد ... فيك ومن دمعي المردد
يا كامل الحسن ليس يطفي ... ناري سوى ريقك المبرد
يا بدر تم إذا تجلى ... لم يبق عذراً لمن تجلد
стр. 544
أبديت من حالي المورى ... لما بدا خدك المورد
رفقاً بولهان مستهامٍ ... أقامه وجده وأقعد
مجتهداً في رضاك عنه ... وأنت في إثمه المقلد
ليس له منزل بأرضٍ ... عنك ولا في السماء مصعد
قيدته في الهوى فتمم ... واكتب على قيده مخلد
بان الصبا عنه فالتصابي ... أنشأ أطرابه فأنشد
من لي بطفل حديث سحر ... بابل عن ناظريه يسند
شتت عني نظام عقلي ... تشتيت ثغرٍ له منضد
لو اهتدى لائمي عليه ... ناح على نفسه وعدد
أكسبني نشوةً بطرفٍ ... سكرت من خمره فعربد
لا سهم لي في سديد رأي ... يحرس من سهمه المسدد
غصن نقاً حل عقد صبري ... بلين خصرٍ يكاد يعقد
فمن رأى ذلك الوشاح الص ... ائم صلى على محمد
خير نبي نبيه قدر ... عودي إلى المدح فيه أحمد ومن ها هنا خلص إلى مدح رسول الله ﷺ .
ومن شعر صفوان:
والسرحة الغناء قد قبضت بها ... كف النسيم على لواء أخضر
وكأن شكل الغيم منجل فضةٍ ... يرمي على الآفاق رطب الجوهر وقال:
وكأنما أغصانها أجيادها ... قد قلدت بلآلئ الأنوار
ما جاءها نفس الصبا مستجدياً ... إلا رمت بدارهم الأزهار وقال في مليح يرمي نارنجاً في بركة:
وشادنٍ ذي غنجٍ دله ... يروقنا طوراً وطوراً يروع
стр. 545
يقذف بالنارنج في بركة ... كلاطخ بالدم سرد الدروع
كأنها أكباد عشاقه ... يقذفها في لج بحر الدموع وقال:
أولع من طرفه بحتفي ... هل يعجب السيف للقتيل
تهيبوا بالحسام قتلي ... فاخترعوا دعوة الرحيل
стр. 546
فراغ
стр. 547
حرف الضاد
стр. 548
فراغ
стр. 549
١٩٩ - (١)
وجيه الدين المناوي
ضيا بن عبد الكريم، وجيه الدين المناوي؛ قال الشيخ العلامة أثير الدين أبو حيان إنه كان عنده علم بالطب والأدب، وكان أصم، رأيته بالقاهرة وجالسته بالمشهد، وأنشدي من شعره مقطعات، فمن ذلك قوله:
بروحي معبود الجمال فما له ... شبيه ولا في حبه لي لائم
تثنى فمات الغصن من حسدٍ به ... ألم تره ناحت عليه الحمائم وله:
من كان يشكو في الفؤاد حرارة ... فعليه بالعطار غير مقصر
في ثغره ماء اللسان مروق ... عطر وفي وجناته الورد الطري وله:
لا غرو أن صاد قلبي ... هذا الغزال الربيب
أشراك جفنيه هدب ... بها تصاد القلوب
وفيه أوصاف حسنٍ ... يروق فيها النسيب
فطرفه المتنبي ... بالسحر وهو حبيب وله أيضاً:
قربت كأس الراح من خده ... أزف معطاراً لمعطار
قال لي الندمان هذا الذي ... يسعى إلى الجنة بالنار
стр. 550
وله أيضاً:
سألت الغصن لم تعرى شتاءً ... وتبدو في الربيع وأنت كاسي
فقال لي الربيع على قدوم ... خلعت على البشير به لباسي وقال:
قد دبق القلب بدبوقه ... وجن منها قهو مفتون
واعجبا للحب من فعله ... بشعرةٍ قيد مجنون وقال:
جاء من لحظه بسحرٍ مبين ... بفتور من جفنه وفنون
وثنى قده الصبا في تثني ... هـ فوا خجلة القنا والغصون
قمر بعت في هواه رشادي ... بضلالٍ ولست بالمغبون
لا عجيب أني ضللت بليل الش ... عر لكن تيهي بصبح الجبين
فيه ما تشتهي النفوس من الحس ... ن وتلتذه لحاظ العيون
سال دمعي إذ سال في خد من أه ... وى عذار كالمسك للتزيين
فعجبنا من سائلين غني ... بنضار وسائلٍ مسكين
ويك يا سعد ذر قديم حديثٍ ... عن أناسٍ وخذ حديث شجون
كل حسن النام دون الذي أه ... وى وكل العشاق في الحب دوني
قسماً بالقدود مالت من التي ... هـ وما في أغصانها من لين
وسهام الألحاظ ترمي بها الأص ... داغ عن قوس حاجبٍ كالنون
ودلال الحبيب والوصل والتي ... هـ وحكم الهوى بها من يمين
لا تناسيت بالملام عهوداً ... أحكمت عقدها علي يميني
لو تناسيتها لضاق مجالي ... في اعتذاري إلى وفاء ودين
стр. 551
حرف الطاء
стр. 552
فراغ
стр. 553
٢٠٠ - (١)
أبو سعيد المستنجدي
طاشتكين، الأمير الكبير مجد الدين أبو سعيد المستنجدي، ثم صار لولده المستضيء؛ ولي إمرة ركب العراق سنين عديدة، وولي الحلة المزيدية، وولي تستر وخوزستان، وكان سمحاً كريماً حسن السيرة وافر الحشمة شجاعاً حليماً، وكان شيعياً، وتوفي سنة اثنتين وستمائة.
وكان قليل الكلام يمضي عليه الأسبوع ولا يتكلم، استغاث إليه رجل يوماً فلم يكلمه، فقال الرجل: الله كلم موسى، فقال له: وأنت موسى؟ فقال الرجل وأنت الله؟ فقضى حاجته؛ والتقاه رجل فاستغاث إليه من بوابه فلم يجبه، فقال له الرجل (٢) : أحمار أنت؟ فقال طاشتكين: لا، قال ابن التعاويذي:
وأمير على البلاد مولى ... لا يجيب الشاكي بغير السكوت
كلما زاد رفعةً حطنا الل ... هـ بتغفيله إلى اليهموت وقام يوماً إلى الوضوء (٣) فحل حياصته وتركها موضعه، وكانت تساوي خمسة (٤) آلاف دينار، فسرقها فراش وهو يشاهده، فقال أستاذ داره: اجمعوا الفراشين وهاتوا المعاصير، فقال طاشتكين: لا تعاقب أحد (٥) فإن الذي أخذها
стр. 554
ما يردها، والذي رآه ما يغمز عليه، فلما كان بعد مدة رأى على ذلك الفراش ثياب (١) جميلة وبزةً ظاهرة، فاستدعاه سراً وقال: بحياتي هذا من تلك؟ فخجل، فقال: لا بأس عليك، فاعترف، فلم يعارضه.
وكان طاشتكين قد جاوز تسعين سنة، فاستأجر أرضاً وقفاً مدة ثلثمائة سنة على جانب دجلة ليعمرها داراً، وكان في بغداد رجل محدث (٢) في الحلق يسمى فتيحة (٣) ، فقال: يا أصحابنا نهنيكم، مات ملك الموت، فقالوا: وكيف ذلك؟ فقال: طاشتكين عمره تسعين سنة، وقد استأجر أرض ثلثمائة سنة، فلو لم يعلم أن ملك الموت قد مات ما فعل هذا، فتضاحكوا الناس.
وتوفي بتستر وأمر أن يحمل إلى مشهد علي بن أبي طالب ﵁، ويدفن هناك.
٢٠١ - (٤)
جمال الدين الاربلي
طه بن إبراهيم بن أبي بكر، الشيخ جمال الدين أبو محمد الإربلي الفقيه الشافعي؛ ولد بإربل سنة بضع وتسعين وخمسمائة، وقدم مصر شاباً، وسمع محمد بن عمار وغيره، وحمل الناس عنه، وله شعر، وروى عنه الدمياطي
стр. 555
والداوداري وغيرهم، وتوفي سنة تسع وسبعين وستمائة، وقد جاوز الثمانين ﵀.
ومن شعره:
البيض أقتل في الحشا ... وبمهجتي منها الحسان
والسمر إن قتلت فمن ... بيضٍ يصاغ لها السنان وله أيضاً:
دع النجوم لطرقي يعيش بها ... وانهض بعزم صحيح أيها الملك
إن النبي وأصحاب النبي نهوا ... عن النجوم وقد عاينت ما ملكوا ٢٠٢ (١)
البديع الدمشقي
طراد بن علي بن عبد العزيز، أبو فراس السلمي الدمشقي الكاتب المعروف بالبديع؛ مات متولياً بمصر سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وكان آية في النظم والنثر. قال السلفي: علقت عنه شعراً، ومدح تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، ومن شعره قصيدة مدح بها الوزير أبا الليث فأجازه ألف دينار، أولها:
من كان يغرب في القريض ويبدع ... فلذا المكان من القوافي موضع (٢) ومن شعره:
يا نسيماً هب مسكاً عبقا ... هذه أنفاس ريا جلقا
стр. 556
كف عني والهوى، ما زادني ... برد انفاسك إلا حرقا
ليت شعري نقضوا أحبابنا ... يا حبيب النفس ذاك الموثقا
يا رياح الشوق سوقي نحوهم ... عارضاً من سحب عيني أغدقا
وانثري عقد دموع طالما ... كان منظوماً بأيام اللقا واشتهرت هذه الأبيات وغنى بها المغنون - قال بعضهم: مررت يوماً ببعض شوارع القاهرة، وقد ظهرت جمال كثيرة حمولها تفاح فتحي من الشام، فعبقت روائح تلك الحمول، فأكثرت التلفت لها، وكانت أمامي امرأة سائرة، ففطنت لما داخلني من الاعجاب بتلك الرائحة، فأومأت إلي وقالت:
هذه أنفاس ريا جلقا ... ومن شعره:
هكذا في حبكم أستوجب ... كبد حرى وقلب يجب
وجزا من سهرت أجفانه ... حجة تمضي وأخرى تعقب
زفرات في الحشا محرقة ... وجفون دمعها ينسكب
قاتل الله عزولي ما درى ... أن في الأعين أسداً تثب
لا أرى لي عن حبيبي سلوةً ... فدعوني وغرامي واذهبوا وقال وقد جلس في آخر مجلس:
قيل لي لم جلست في آخر القو ... م فأنت البديع رب القوافي
قلت: إخترته لأن المنادي ... ل يرى طرزها على الأطراف وقال من قصيدة يمدح بها أبا النصر بن النصر قاضي الصعيد:
هل البين أيضاً مغرم يعشق البانا ... فيأخذ قضباناً ويدفع نيرانا
أيا عاذلي اللاحيين صدعتما ... فؤادً بأنواع الكآبة ملآنا
أيجمل بالسالي يفند عاشقاً ... أيحسن بالصاحي يعاتب سكرانا
стр. 557
فراق الفتى أحبابه مثل موته ... فليت الردى من قبل فرقتهم كانا
أيا دهر لا تسفك دمي إن ناصري ... أبو النصر فاعلم أنه دم عثمانا (١) وقال فيه:
حاكمكم بهيمة ... ليست تساوي العلفا
وليس فيه مضغة ... طيبة إلا القفا فأمر القاضي بسجنه فقال:
أصبحت بين مصائبٍ ... من كيد ذات حر سمين
أنا يوسف أمرت بسج ... ني زوجة القاضي المكين ٢٠٣ (٢)
أبو المعالي الواعظ
طغرل شاه بن محمد بن الحسين بن هاشم الكاشغري، أبو المعالي بن أبي جعفر الواعظ من أهل هراة، سمع جماعة وكان له معرفة بالتفسير والأدب، وكان حسن الوعظ كثير المحفوظ، جوالاً في البلاد، ومولده سنة تسعين وأربعمائة، وتوفي سنة ستين وخمسمائة، ﵀.
ومن شعره:
خطرات ذكرك تستثير مودتي ... فأحسن منها في الفؤاد دبيبا
لا عضو لي إلا وفيه محبة ... فكأن أعضائي خلقن قلوبا
стр. 558
٢٠٤ - (١)
طلحة الطلحات
طلحة بن عبد الله بن خلف، أبو المطرف الخزاعي المعروف بطلحة الطلحات؛ أحد الأجواد الأسخياء المفضلين المشهورين، كان أجود أهل البصرة في زمانه؛ سمع عثمان بن عفان، وكان أبوه مع عائشة يوم الجمل، وكان أبوه كاتب عمر ابن الخطاب بالمدينة.
قال الأصمعي: المعرفون (٢) بالكرم طلحة بن عبد الله بن عثمان التيمي وطلحة بن عمرو بن عبيد الله بن معمر التيمي، وهو طلحة الجود، وطلحة بن عبد الله بن عوف وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهو طلحة الندى، وطلحة بن الحسين بن علي، وهو طلحة الخير وطلحة بن عبيد الله بن خلف الخزاعي، وهو طلحة الطلحات، وسمي بذلك لأنه كان أجودهم.
وقال ابن دريد: إن أم طلحة ابنة الحارث بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، فلذلك سمي طلحة الطلحات.
دخل كثير عزة عليه عائداً فقعد عند رأسه، فلم يكلمه لشدة ما به، فأكثر كثير الثناء عليه، ففتح طلحة عينه وقال: ويحك يا كثير ما تقول؟ فقال (٣) :
يا ابن الذوائب من خزاعة والذي ... لبس المكارم واغتدى ببجاد
حلت بساحتك الوفود من الورى ... فكأنما كانوا على ميعاد
стр. 559
لتعود سيدنا وسيد غيرنا ... ليت التشكي كان بالعواد فاستوى جالساً وامر له بعطية سنية وقال: هي لك في كل سنة إن عشت.
وكان هذا طلحة الطلحات أموياً، وكان بنو أمية يكرمونه، وفي سنة ثلاث وستين بعث زياد بن مسلم طلحة الطلحات والياً على سجستان، وبها توفي بعد قليل، ولذلك قال الشاعر (١) :
رحم الله أعظماً دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات ٢٠٥ (٢)
طلحة النعماني
طلحة بن محمد بن طلحة النعماني أبو محمد، من أهل النعمانية (٣) ؛ كان فاضلاً عارفاً باللغة والأدب والشعر، ورد إلى بغداد وخرج منها إلى خراسان وأقام ببلادها مدة.
قال ياقوت في معجم الأدباء (٤) : سمعت أبا عمرو عثمان ابن البقال بخوارزم يقول: كنت أنا والشيخ أبو محمد طلحة نمشي ذات يوم في السوق، فاستقبلنا عجلة عليها حمار ميت يحمله الدباغون إلى الصحراء ليسلخوا جلده، فقلت أنا:
стр. 560
يا حاملاً صرت محمولاً على عجله ... وافاك موتك منتاباً على عجله (١) ومضت على ذلك أيام قلائل، فلقيني السيد أبو القاسم الفخر ابن محمد الزيدي فحكيت له هذه القصة، ففكر ساعة وقال:
والموت لا تتخطى الحي رميته ... ولو تبطأ عنه الحي أزعج له ومن شعر النعماني:
ألقت قناع الحسن بعد شماس ... ورنت بناظرتي مهاة كناس
عبث الدلال بعطفها فتمايلت ... عبث النسيم بناعم مياس
فرأيت غصن البان يثنيه الصبا ... من فوق حقف الرملة الميعاس منها في المديح:
الجاعل الأموال جنة عرضه ... والمستعان به على الإفلاس
عرفت فضائله بعرف نجاره ... والزند يعرف من سنا المقباس وأورد له محب الدين ابن النجار في تاريخه:
صد بعد اللقا وأبدى القطيعة ... من غدا قلب كل صبٍ مطيعه
شادن مقلتاه غربا حسامٍ ... جفنه الجفر والحجاج القبيعه (٢)
كل وقت تبدي اللواحظ منه ... غارةً في القلوب جد فظيعه (٣)
كم أسالت من جفن صب محب ... حين أصمته دمعه ونجيعه
خدعة حربه تراه إذا را ... م قلوب العشاق أبدى الخديعه
أظمأ الخصر منه ردف ثقيل ... ضامن أن يذيبه ويجيعه
لفع الحسن وجهه وكساه ... حلةً زان وشيها تلفيعه
стр. 561
كم نهيت الدموع في ساعة التو ... ديع أن تظهر الهوى وتذيعه
كان يدني الخيال والليل قد ج ... ر إلى الصبح قطعه وهزيعه
يا بديع الجمال في كل يومٍ ... فعلة منك بالقلوب بديعه
تنفث السحر إن نظرت بطرف ... لا يداوي الدرياق عجز (١) اللسيعه
أقسمت مقلتاك (٢) بالغنج منها ... أنها لا تقيل قط صريعه
رب ليلٍ قطعته بك لهواً ... آمناً من تفرقٍ وقطيعه
غار بدر السماء لما رآني ... لاثماً شبه وجهه وضجيعه قال العماد الكاتب: ورد طلحة هذا إلى البصرة في زمان الحريري صاحب المقامات، وكتب إليه رسالته السينية نظماً ونثراً، وكانت وفاته بعد العشرين والخمسمائة، رحمه الله تعالى وإيانا.
٢٠٦ - (٣)
طويس المغني
طويس بن عبد الله، أبو المنعم (٤) المدني المغني؛ يضرب به المثل في الحذق بالغناء، وكان أحول مفرطاً في الطول، ويضرب به المثل في الشؤم، لأنه ولد يوم توفي رسول الله ﷺ ، وفطم يوم وفاة أبي بكر ﵁، وختن يوم مقتل عمر بن الخطاب ﵁، وتزوج يوم مقتل عثمان
стр. 562
ابن عفان ﵁، وولد له يوم مقتل علي بن أبي طالب ﵁؛ وكانت وفاة طويس سنة اثنتين وتسعين للهجرة.
وهو أول من غنى في الإسلام بالمدينة، وأول من هزج الأهزاج، ولم يكن يضرب بالعود، بل كان ينقر بالدف المربع، وكان يسمع الغناء من سبي فارس والروم فتعلم منهم، وكان يضحك الثكلى لحلاوة لسانه وظرفه، وكان مخنثاً فأسقطه خنثه عن طبقة المغنين الفحول، أول صوت غني به في الإسلام صوت غنى به طويس على عهد علي بن أبي طالب ﵁، وهو:
كيف يأتي من بعيد ... وهو يخفيه القريب
نازح بالشام عنا ... وهو مكسال هيوب
قد براني الحب حتى ... كدت من وجدي أذوب وكان من شؤمه يقول: يا أهل المدينة ما دمت بين أظهركم فتوقعوا خروج الدابة والدجال، وإن مت فأنتم آمنون.
حكى أبو الحسن المدائني قال: صعد طويس يوماً على جبل حراء فأعيا وسقط كالمغشي عليه تعباً، فقال: يا جبل ما أصنع بك؟ أشتمك لا تبالي، أضربك ما يوجعك، ولكن يا شماتتي بك يوم تبقى كالعهن المنفوش.
стр. 563
حرف الظاء
стр. 564
فراغ
стр. 565
٢٠٧ - (١)
شرف الدين ابن هبيرة
ظفر بن يحيى بن محمد بن هبيرة، أبو البدر بن الوزير أبي المظفر عون الدين ابن هبيرة؛ كان يلقب شرف الدين، ناب عن والده في الوزارة، وكان شاباً ظريفاً نظيفاً أديباً فاضلاً، ينظم الشعر. امتحن بالحبس أيام والده سنين بقلعة تكريت ثم خلص. ولما توفي الوزير اتصل بالخليفة أنه عزم على الخروج من بغداد مختفياً، فقبض عليه وحبسه، ولم يزل إلى سنة اثنين وستين وخمسمائة (٢) ، فخرج من الحبس ميتاً ودفن عند أبيه، ﵀؛ ومن شعره:
طل دم بالعتاب مطلوب ... وطاح دمع في الركب مسكوب
وذل قلب أمسى الغرام به ... وهو بأيدي الغواة منهوب
يركب في طاعة الهوى خطراً ... تضرم من دونه الأنابيب
إذا ادلهم الدجى أضاء له ... من زفرات الضلوع ألهوب
لا موعد مطمع ولا أمل ... ولا لقاء في العمر محسوب
مقتنعاً من وصاله بمنى ... أصدق ما عندها الأكاذيب
ما بعد دمعي دمع يراق ولا ... فوق عذابي لديك تعذيب
لم يبق للناصحين من أملٍ ... في ولا للعذال تأنيب