كم نهيت الدموع في ساعة التو ... ديع أن تظهر الهوى وتذيعه
كان يدني الخيال والليل قد ج ... ر إلى الصبح قطعه وهزيعه
يا بديع الجمال في كل يومٍ ... فعلة منك بالقلوب بديعه
تنفث السحر إن نظرت بطرف ... لا يداوي الدرياق عجز (١) اللسيعه
أقسمت مقلتاك (٢) بالغنج منها ... أنها لا تقيل قط صريعه
رب ليلٍ قطعته بك لهواً ... آمناً من تفرقٍ وقطيعه
غار بدر السماء لما رآني ... لاثماً شبه وجهه وضجيعه قال العماد الكاتب: ورد طلحة هذا إلى البصرة في زمان الحريري صاحب المقامات، وكتب إليه رسالته السينية نظماً ونثراً، وكانت وفاته بعد العشرين والخمسمائة، رحمه الله تعالى وإيانا.
٢٠٦ - (٣)
طويس المغني
طويس بن عبد الله، أبو المنعم (٤) المدني المغني؛ يضرب به المثل في الحذق بالغناء، وكان أحول مفرطاً في الطول، ويضرب به المثل في الشؤم، لأنه ولد يوم توفي رسول الله ﷺ ، وفطم يوم وفاة أبي بكر ﵁، وختن يوم مقتل عمر بن الخطاب ﵁، وتزوج يوم مقتل عثمان
стр. 562
ابن عفان ﵁، وولد له يوم مقتل علي بن أبي طالب ﵁؛ وكانت وفاة طويس سنة اثنتين وتسعين للهجرة.
وهو أول من غنى في الإسلام بالمدينة، وأول من هزج الأهزاج، ولم يكن يضرب بالعود، بل كان ينقر بالدف المربع، وكان يسمع الغناء من سبي فارس والروم فتعلم منهم، وكان يضحك الثكلى لحلاوة لسانه وظرفه، وكان مخنثاً فأسقطه خنثه عن طبقة المغنين الفحول، أول صوت غني به في الإسلام صوت غنى به طويس على عهد علي بن أبي طالب ﵁، وهو:
كيف يأتي من بعيد ... وهو يخفيه القريب
نازح بالشام عنا ... وهو مكسال هيوب
قد براني الحب حتى ... كدت من وجدي أذوب وكان من شؤمه يقول: يا أهل المدينة ما دمت بين أظهركم فتوقعوا خروج الدابة والدجال، وإن مت فأنتم آمنون.
حكى أبو الحسن المدائني قال: صعد طويس يوماً على جبل حراء فأعيا وسقط كالمغشي عليه تعباً، فقال: يا جبل ما أصنع بك؟ أشتمك لا تبالي، أضربك ما يوجعك، ولكن يا شماتتي بك يوم تبقى كالعهن المنفوش.
стр. 563
حرف الظاء
стр. 564
فراغ
стр. 565
٢٠٧ - (١)
شرف الدين ابن هبيرة
ظفر بن يحيى بن محمد بن هبيرة، أبو البدر بن الوزير أبي المظفر عون الدين ابن هبيرة؛ كان يلقب شرف الدين، ناب عن والده في الوزارة، وكان شاباً ظريفاً نظيفاً أديباً فاضلاً، ينظم الشعر. امتحن بالحبس أيام والده سنين بقلعة تكريت ثم خلص. ولما توفي الوزير اتصل بالخليفة أنه عزم على الخروج من بغداد مختفياً، فقبض عليه وحبسه، ولم يزل إلى سنة اثنين وستين وخمسمائة (٢) ، فخرج من الحبس ميتاً ودفن عند أبيه، ﵀؛ ومن شعره:
طل دم بالعتاب مطلوب ... وطاح دمع في الركب مسكوب
وذل قلب أمسى الغرام به ... وهو بأيدي الغواة منهوب
يركب في طاعة الهوى خطراً ... تضرم من دونه الأنابيب
إذا ادلهم الدجى أضاء له ... من زفرات الضلوع ألهوب
لا موعد مطمع ولا أمل ... ولا لقاء في العمر محسوب
مقتنعاً من وصاله بمنى ... أصدق ما عندها الأكاذيب
ما بعد دمعي دمع يراق ولا ... فوق عذابي لديك تعذيب
لم يبق للناصحين من أملٍ ... في ولا للعذال تأنيب
стр. 566
وقال (١) :
أضاءت له بالأبرقين بروق ... نواقل منها كاذب ومشوق
يذعن لنا من أهل وجرة ريبةً (٢) ... يخف إليها السمع وهو فروق
وما كل مطوي من السر منكر (٣) ... ولا كل منشور الحديث يروق
أبارق ذاك الشعب هل أضمر النوى ... تفرقهم أم ضمهن وسيق
وهل حرجات (٤) الحي بدلن أدمعاً ... عن السحب لم ترقع لهن خروق
لعمرك ما البرق اليماني وامق ... ولا ذلك الشعب الرحيب مشوق
وهل تزع الأشجان خفقة لامع ... وقد علقت بالجانحات علوق
لي الله يوماً بالثنية أشرفت ... علينا بأقصى أرض وجرة نوق
إذا حثحث الحادي بهن أطعنه ... جوافل أدنى سيرهن عنيق
كأن توالي الظعن (٥) والآل دونها ... سفين بمستن الفرات غريق
إذا أفلت شمس الأصيل بدت لنا ... شموس لها فوق الخدود شروق وقال يعارض مهيارا الديلمي في قوله:
بكر العارض تحدوه النعامى ... فسقيت الري يا دار أماما فقال (٦) :
أخلف الغيث مواعيد الخزامى ... فقف الأنضاء تستسق الغماما
وخذ اليمنة من أعلى الحمى ... تلق بالغور جميماً وجماما
وأبحني ساعةً من عمري ... أملأ الدار شكاةً وسلاما
стр. 567
أصف الأشواق في تلك الربى ... وأعاطي الترب سوفاً والتثاما
أي حلم خف في حبهم ... وعقولٍ رفضت فيه الملاما
ودموع كلما كفكفها ... زاجر العذل أبت إلا انسجاما
يا ولاة الغدر ما دينكم ... أحرام (١) فيه أن تقضوا الذماما
قد رضينا إن رضيتم بالأذى ... وعزيز بعزيز أن يضاما
خطرت بي يا زميلي سحراً ... نسمة أحسبها ريح أماما
خطرت والعين تقري طيفها ... والكرى يمزح للركب المداما
فارجع الطرف وقل لي في خفاً ... أهضاباً تتراءى أم خياما
ما صنيعي بمهاةٍ كلما ... زودتني لثمةً زدت أواما
أهيام أم لظى في كبدي ... لفحت حتى انثنى الظلم ضراما
ليس إلا فرط وجدي بهم ... ظعن العاذل عني أم أقاما
أنا من أسر الهوى في ربقةٍ ... حكمت للحر فيها أن يُساما
стр. 568
فراغ
стр. 569
حرف العين
стр. 570
فراغ
стр. 571
٢٠٨ - (١)
المعتضد عباد
عباد بن إسماعيل بن عباد، المعتضد أبو عمرو صاحب إشبيلية وابن قاضيها، أبو القاسم، لما توفي أبوه تولى (٢) المعتضد بعده، وهو أبو المعتمد، وكان شهماً صارماً وخوطب بأمير المؤمنين، دانت له الملوك؛ اتخذ خشباً في قصره وجللها برؤوس ملوك وأعيان ومقدمين، وكان تشبه بأبي جعفر المنصور. وكان ابنه ولي عهده إسماعيل قد هم بقبضه، فلم يتم له ذلك، وضرب أبوه (٣) عنقه، وطالت أيامه إلى أن توفي في شهر رجب سنة أربع وستين وأربعمائة؛ يقال إن ملك الإفرنج سمه في ثياب بعثها إليه.
قال فيه الحجاري: وهذا الرؤوف العطوف، الدمث الأخلاق الألوف، ما مات حتى قبض أرواح ندمائه وخواصه بيده، ولم يكلهم إلى غيره، ولم يحوجهم إلى أحد بعده، فجزي عنهم بما هو أهله، وكان قد عرف منه ذلك واشتهر، فصار الأدباء يتحامونه.
ولما وفد أبو عبد الله ابن شرف القيرواني على الأندلس تطلعت إليه همم ملوكها لبعد صيته، فكان ممن استدعاه المعتضد بن عباد، وكان ابن شرف قد امتلأت مسامعه من أخباره الشنيعة، فجاوبه بقوله:
стр. 572
أأنت صيدت غيري صيد طائرة ... أوسعتها الحب حتى ضمها القفص
حسبتني فرصةً أخرى ظفرت بها ... هيهات ما كل حين تمكن الفرص
لك الموائد للقصاد مترعة ... تروي وتشبع لكن بعدها الغصص (١) ومن شنيع ما روي عنه: أن غلاماً دون البلوغ دخل عليه بغير استئذان فقطع رأسه، فسمع جارية تقول: والله القبر أحسن من سكنى هذا القصر، فقال: والله لأبلغنك ما طلبتيه، وأمر بها فدفنت حية.
وتعجب الناس من وزيره ابن زيدون كيف انفرد بالسلامة منه، فقال: كنت كمن يمسك بأذني الأسد يتقي سطوته، تركه أو مسكه، وفيه يقول عند موته:
لقد سرنا أن الجحيم موكل ... بطاغيةٍ قد حم منه حمام
تجانب صوب المزن عن ذلك الصدى ... ومر عليه الغيث وهو جهام وللمعتضد شعر (٢) مدون فمنه:
كأنما ياسميننا (٣) الغض ... كواكب في السماء تنقض
والطرق الحمر في جوانبه ... كخد عذراء مسه عض ومنه:
اشرب على وجه الصباح ... وانظر إلى نور الأقاحي
واعلم بأنك جاهل ... إن لم تقل بالإصطباح
والدهر شيء بارد ... إن لم تسخنه براح ومنه:
شربنا وجفن الليل يغسل كحله ... بماء صباحٍ والنسيم رقيق
стр. 573
معتقةً صفراء (١) أما نجارها ... فضخم وأما جرمها فرقيق ٢٠٩ (٢)
عبادة بن ماء السماء
عبادة بن عبد الله بن ماء السماء شاعر الأندلس ورأس الشعراء في الدولة العامرية؛ توفي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وقيل سنة تسع عشرة.
قال ابن بسام في الذخيرة: كان في ذلك العصر شيخ الصناعة، وأحكم الجماعة، سلك إلى الشعر مسلكاً سهلاً، فقالت غرائبه مرحباً وأهلاً. وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها، ووضحوا حقيقتها، غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام عبادة هذا منآدها، وقوم ميلها وسنادها، فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه، ولا أخذت إلا عنه، واشتهر بها اشتهاراً غلب على ذاته، وذهب بكثير من حسناته. وأول من صنع أوزان هذه الموشحات محمد بن محمود القبري الضرير، وقيل إن ابن عبد ربه صاحب العقد أول من سبق إلى هذا النوع من الموشحات، ثم نشأ يوسف بن هارون الرمادي، ثم نشأ عبادة هذا، فأحدث التضفير، وذلك أنه اعتمد مواضع الوقف في المراكز.
ومن شعر عبادة المذكور:
لا تشكون إذا عثر ... ت إلى صديقك (٣) سوء حالك
فيريك أنواعاً (٤) من ال ... إذلال لم تخطر ببالك
стр. 574
إياك أن تدري يمي ... نك ما يدور على شمالك
واصبر على نوب الزما ... ن وإن رمت بك في المهالك
وإلى الذي أغنى وأق ... نى اضرع وسله صلاح حالك وقال (١) :
أجل المدامة فهي خير عروس ... تجلو كروب النفس بالتنفيس
واستغنم اللذات في عهد الصبا ... وأوانه، لا عطر بعد عروس وقال:
وهل ترى أحسن من أكؤس ... يقبل الثغر (٢) عليها اليدا
يقول لي الساقي اغثني بها ... وخذ لجيناً وأعد عسجدا
أغرق فيها الهم لكن طفا ... حبابه (٣) من فوقها مزبدا وقال:
دارت دوائر صدغه فكأنما ... حامت على تقبيل نقطة خاله
رشأ توحش من ملاقاة الورى ... حتى توحش من لقاء خياله
فلذاك صار خياله لي زائراً ... إذ كنت في الهجران من أشكاله
ولقد هممت به ورمت حرامه ... فحماني الإجلال (٤) دون حلاله وقال (٥) :
اشرب فعهد الشباب مغتنم ... وفرصة في فواتها ندم
وعاطنيها من كف ذي غيد ... ألحاظه في النفوس تحتكم
كأنها صارم الأمير وقد ... خضب حديه من عداه دم
стр. 575
ومن موشحات عبادة المذكور (١) :
من ولي في أمة أمراً ولم ... يعزل إلا لحاظ الرشإ الأكحل
جرت في ... حكمك في قتلي يا مسرف
فانصف ... فواجب أن ينصف المنصف
وارأف ... فإن هذا الشوق لا يرأف
علل قلبي بذاك البارد السلسل ... ينجلي ما بفؤادي من جوى مشعل
إنما ... تبرز كي توقد نار الفتن
صنما ... مصوراً في كل شيء حسن
إن رمى ... لم يخط من دون القلوب الجنن
كيف لي تخلص من سهمك المرسل ... فصل واستبقني حياً ولا تقتل
يا سنا ... الشمس ويا أبهى من الكوكب
يا منى ... النفس ويا سؤلي ويا مطلبي
ها أنا ... حل بأعدائك ما حل بي
عذلي من ألم الهجران في معزل ... والخلي في الحب لا يسأل عمن بلي
أنت قد ... صيرت بالحسن من الرشد غي
لم أجد ... في طرقي حبك ذنباً علي
فاتئد ... وإن تشأ قتلي شيئاً فشي
أجمل (٢) ووالتي منك يد المفضل ... فهي لي من حسنات الزمن المقبل
ما اغتذى ... طرفي إلا بسنا ناظريك
وكذا ... في الحب ما بي ليس يخفى عليك
ولذا ... أنشد والقلب رهين (٣) لديك
стр. 576
يا علي سلطت جفنيك على مقلتي ... فابق لي قلبي وجد بالفضل يا موئلي وله أيضاً:
حب المها عباده ... من كل بسام السراري
قمر يطلع ... من حسن آفاق الكمال حسنه الأبدع
لله ذات حسن ... مليحة المحيا
لها قوام غصن ... وشنفها الثريا
والثغر حب مزن ... رضابه الحميا
من رشفه سعاده ... كأنه صرف العقار
جوهر رصع ... يسقيك من حلو الزلال طيب المشرع
رشيقة المعاطف ... كالغصن في القوام
شهدية المراشف ... كالدر في نظام
دعصية الروادف ... والخصر ذو انهضام
جوالة القلاده ... محلولة عقد الإزار
حسنها أبدع ... من حسن ذياك الغزال أكحل المدمع
ليلية الذوائب ... ووجهها نهار
مصقولة الترائب ... ورشفها عقار
أصداغها عقارب ... والخد جلنار
ناديت وافؤاده ... من غادةٍ ذات اقتدار
لحظها أقطع ... من حد مصقولة النصال من الفتى الأشجع
سفرجل النهود ... في مرمر الصدور
يزهى على العقود ... من لذة النحور
ومقلة وجيد ... من غادة سفور
стр. 577
حبي لها عباده ... أعوذ من ذاك الفخار
برشاً يرتع ... في روض أزهار الجمال كلما أينع
عفيفة (١) الذيول ... نقية الثياب
سلابة العقول ... أرق من شراب
أضحى بها نحولي ... في الحب من عذابي
في النوم لي شراده ... أو حكمها حكم اقتدار
كلما أمنع ... منها فإن طيف الخيال زارني أهجع وكانت وفاة عبادة بمالقة في التاريخ المذكور، ضاعت له مائة مثقال ذهباً فاغتم لذلك ومات، رحمه الله تعالى.
٢١٠ - (٢)
عبادة المخنث
عبادة - بتشديد الباء وفتح العين - المخنث؛ كان صاحب نوادر ومجون، كان ببغداد، وتوفي في حدود الخمسين ومائتين.
دخل على المأمون وقد امتحن الناس بخلق القرآن فقال: يا أمير المؤمنين، يعظم الله أجرك، قال: فيمن؟ قال: في القرآن، فمن بقا يصلي بالناس التراويح، فقال: ويحك، القرآن يموت؟ فقال: أليس قال أمير المؤمنين إنه
стр. 578
مخلوق؟! فقال أخرجوه عني قبحه الله تعالى.
ولما قتل المتوكل كان حاضراً، فلما هجموا على المتوكل وهو على شرابه وقطعوه بالسيوف قام الفتح بن خاقان وألقى نفسه عليه وقال: يا أمير المؤمنين، لا حياة لي بعدك، فقطعوه بالسيف أيضاً، فلما رأى ذلك عبادة انزوى وقال: يا أمير المؤمنين إلا أنا، إن لي بعدك أدواراً وأنزالاً أشربها، فضحكوا منه وتركوه.
٢١١ - (١)
ابن المؤدب
عبد الله بن إبراهيم بن مثنى الطوسي المعروف بابن المؤدب، أصله من المهدية وكان شاعراً مذكوراً مشهوراً قليل الشعر، مفرطاً في حب الغلمان مجاهراً بذلك، بعيد الغور ذا حيلة ومكيدة، مغرى بالسياحة والكيمياء والأحجار، معسراً مقتراً عليه متلافاً إذا أفاد.
خرج مرة يريد صقلية فأسره الروم، وأقام عندهم مدة إلى أن هادن ثقة الدولة ملك الروم وبعث إليه بالأسرى، وكان المؤدب من جملتهم، فمدح ثقة الدولة، ورام صلته فلم يصله بما أرضاه، فتكلم فيه فبلغ ذلك ثقة الدولة فطلبه فاختفى، وطالت المدة، فخرج وهو سكران بعض الليالي ليشتري نقلاً، فما شعر إلا وقد قيد وحمل إلى بين يدي ثقة الدولة، فقال له: ما الذي بلغني عنك؟ قال للحال يا سيدنا، قال: من الذي يقول:
والحر ممتحن بأولاد الزنا ...
стр. 579
قال: الذي يقول:
وعداوة الشعراء بئس المقتنى ... فتنمر ساعة ثم أمر له بمائة رباعي وأمر بإخراجه من المدينة، كراهية أن تقوم عليه نفسه فيعاقبه، فخرج، ثم مدح ثقة الدولة بقصيدة منها:
أبيت أراعي النجم في دار غربةٍ ... وفي القلب مني نار حزن مضرم
أرى كل نجم في السماء محله ... ونجمي أراه في النجوم المنجم
سأحمل نفسي في لظى الحرب جملة ... تبلغها من خطبها كل معظم
فإن سلمت عاشت بعز وإن تمت ... إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم وقال وهو في الأسر:
لا يذكر الله قوماً (١) ... حللت فيهم بخير
جاهدت بالسيف جهدي ... حتى أسرت وغيري
والآن لست أطيق ال ... جهاد إلا بأيري
فهات من شئت منهم ... لو كان صاحب دير وكان صديقاً لعبد الله بن رشيق، وهو يؤدب بعض أولاد تجار القيروان، وكان حسناً، وكان ابن المؤدب يزوره، فعلق بالغلام، وخرج ابن رشيق للحج، فكلما أتي بمعلم لم يقم عنده إلا أسبوعاً ويدعي الغلام أنه راوده، فذكر ابن المؤدب لوالده فأحضره، فما كان إلا ساعة جلوسه في المسجد ودخول الغلام إليه فأغلق باب الصحن وقام فبلغ أربه منه، وخرج الغلام إلى أبيه مبادراً فأخبره فقال أبوه: الآن تقرر عندي أنك كاذب وكذبت على من كان قبله، وصرفه إلى المكتب، فأقام على تلك الحال مدة طويلة وقال:
وظبي أنيسٍ عالجته حبائلي ... فغادرنه قبل الوثوق صريعا
стр. 580
وكان رجال حاولوه ففاتهم ... سباقاً ولكني خلقت سريعا
فتكت به إن شاء في بيت ربه ... وإن لم يشأ مستصعباً ومطيعا
ليعلم أهل القيروان بأنني ... إذا رمت أمراً لم أجده منيعا
فيا لغزال ألجأته كلابه ... إلى أسد ضارٍ وصادف جوعا وكان قد اشتهر في محبة غلام علمه، فتذمم أبوه أن يقتله جهاراً، وخرجوا يتصيدون، فأمر من حل حزام دابته سراً، وتبعوه طرداً، فسقط وانكسرت فخذه حتى ظهر مخه وعظمه؛ ومات سنة أربع عشرة وأربعمائة.
٢١٢ - (١)
ابن الخشاب
عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن الخشاب، أبو محمد بن أبي الكرم النحوي، كان أعلم أهل زمانه بالنحو، حتى يقال إنه كان في درجة أبي علي الفارسي.
стр. 581
٢١٣ - (١)
القائم بأمر الله
عبد الله بن أحمد، أمير المؤمنين أبو جعفر القائم بأمر الله بن القادر بالله؛ ولد في نصف ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلثمائة، وبويع بالخلافة بمدينة السلام يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وكان أمره مستقيماً إلى أن خرج البساسيري، وقصته مشهورة؛ وتوفي القائم ليلة الخميس ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، فكانت دولته خمساً وأربعين سنة، وبويع بعده المقتدي.
وكان القائم كثير الحلم والحياء فصيح اللسان، أديباً خطيباً شاعراً، تقلبت به الأحوال ورأى العجائب، وفي أيامه انقرضت دولة الديلم من بغداد بعد طول مدتها، وقامت دولة السلجوقية، وكان آخرهم الملك الرحيم من ولد عضد الدولة؛ دخل عليه بغداد طغرل بك السلجوقي، وهو أول السلجوقية، فقبض عليه وقيده، فقال له الملك الرحيم: ارحمني أيها السلطان، فقال له: لا يرحمك من نازعته في اسمه المختص به، مشيراً إلى الله تعالى، فبلغ ذلك القائم فقال: قد كنت نهيته عن هذا الاسم فأبى إلا لجاجاً أورده عاقبة سوء اختياره. وخلصه طغرل بك من حبسه أعني القائم بأمر الله وأعاده إلى دار خلافته، ومشى طغرل بك بين يديه إلى أن وصل عتبة باب النوبي فقبلها شكراً لله تعالى، وصارت سنة بعده.
ومن شعره (٢) :
стр. 582
يا أكرم الأكرمين العفو عن غرق ... في السيئات له ورد وإصدار
هانت عليه معاصيه التي عظمت ... علماً بأنك للعاصين غفار
فامنن علي وسامحني وخذ بيدي ... يا من له العفو والجنات والنار وله:
سهرنا على سنة العاشقين ... وقلنا لما يكره الله نم
وما خيفتي من ظهور الورى ... إذا كان رب الورى قد علم وله:
قالوا الرحيل فأنشبت أظفارها ... في خدها وقد اعتلقن خضابا
فاخضر تحت بنانها فكأنما ... غرست بأرض بنفسج عنابا وله:
جمعت علي من الغرام عجائب ... خلفن قلبي في إسارٍ موحش
خل يصد وعاذل متنصح ... ومعارض يؤذي ونمام يشي ٢١٤ (١)
موفق الدين ابن قدامة
عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن قدامة بن مقدم بن نصر، شيخ الإسلام موفق الدين أبو محمد الجماعيلي الدمشقي الصالحي الحنبلي صاحب التصانيف؛ ولد بجماعيل (٢) في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وتوفي سنة عشرين
стр. 583
وستمائة، وهاجر فيمن هاجر مع أبيه وأخيه، وحفظ القرآن، واشتغل في صغره، وارتحل إلى بغداد صحبة ابن خالته الحافظ عبد الغني (١) ، وسمع بالبلاد من المشايخ. وكان إماماً حجة مصنفاً متفنناً محرراً متبحراً في العلوم كبير القدر، ومن تصانيفه البرهان جزءان مسألة العلو جزءان الاعتقاد جزء ذم التأويل جزء، المتحابين في الله تعالى جزءان فضل عاشوراء جزء فضائل العشر. ذم الوسواس. مشيخته جزء ضخم، وصنف المغني في الفقه في عشر مجلدات، والكافي أربع مجلدات، والمقنع والعمدة مجلد لطيف، والتوابين مجلد صغير، والرقة والبكاء مجلد صغير. مختصر الهداية مجلد التبيين في نسب القرشيين مجلد، الاستبصار في نسب الأنصار مجلد كتاب قنعة الأريب في الغريب مجلد، الروضة في أصول الفقه مجلد، مختصر العلل للخلال، مجلد ضخم.
وكان إماماً في علم الخلاف والفرائض والأصول والفقه والنحو والحساب، والنجوم السيارة والمنازل، واشتغل الناس عليه مدة بالخرقي والهداية، واشتغلوا عليه بتصانيفه، وطول الشيخ شمس الدين ترجمته في سبع ورقات، رحمهما الله تعالى وإيانا.
٢١٥ - (٢)
ابن البيطار
عبد الله بن أحمد، الحكيم العلامة ضياء الدين ابن البيطار الأندلسي المالقي النباتي الطبيب، مصنف كتاب الأدوية المفردة ولم يصنف مثله. وكان ثقة
стр. 584
فيما ينقله حجة، وإليه انتهت معرفة النبات وتحقيقه وصفاته وأسماؤه وأماكنه، لا يجاري في ذلك، سافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم وأخذ فن النبات عن جماعة، وكان ذكياً فطناً.
قال الموفق بن أبي أصيبعة: شاهدت معه (١) كثيراً من النبات في أماكنه بظاهر دمشق، وقرأت عليه تفسيره لأسماء أدوية كتاب ديسقوريدوس، فكنت أجد من غزارة علمه ودرايته شيئاً كثيراً، وكان لا يذكر دواء إلا ويعين في أي مكان هو من كتاب ديسقوريدوس وجالينوس، وفي أي عدد هو من الأدوية المذكورة في تلك المقالة، وكان في خدمة الملك الكامل، وكان يعتمد عليه في الأدوية المفردة والحشائش، وجعله مقدماً في أيامه حظياً عنده.
وتوفي بدمشق في شعبان سنة ست وأربعين وستمائة.
وكان بمصر رئيساً على سائر العشابين وأصحاب البسطات، ثم إنه خدم بعد الكامل الصالح وحظي عنده، وله كتاب المغني في الطب، وهو مجيد مرتب على مداواة الأعضاء، وكانت الأفعال الغريبة والخواص العجيبة والإبانة والإعلام على ما في المنهاج من الخلل والأوهام وكتاب الأدوية المفردة (٢) ؛ رحمه الله تعالى.
стр. 585
٢١٦ - (١)
تقي الدين ابن تمام الحنبلي
عبد الله بن أحمد بن تمام، الشيخ الإمام الأديب تقي الدين الصالحي الحنبلي، أخو الشيخ القدوة محمد بن تمام الآتي ذكره إن شاء الله تعالى؛ كان فاضلاً زاهداً ورعاً معرضاً عما أغري به الناس من الرياسة، وكان حسن البزة مع الزهد والقناعة، خيراً نزهاً محبوباً إلى الفضلاء، مليح المحاسن حسن العشرة، سمع من أبي قميرة والمرسي والبلداني، وله أشعار رائقة وترسل، وكان بينه وبين الشهاب محمود أنس عظيم واتحاد كثير، كتب إليه الشهاب محمود رحمه الله تعالى من الديار المصرية وأرسلها إليه إلى جبل الصالحية:
هل عند من عندهم برئي وأسقامي ... علم (٢) بأن نواهم أصل آلامي
وأن قلبي وجفني بعد بعدهم ... ذا دائم وجده فيهم وذا دامي
بانوا فبان رقادي يوم بينهم ... فلست أطمع من طيف بإلمام
كتمت شأن الهوى يوم النوى فنما ... بسره من جفوني أي نمام
كانت ليالي بيضاً في دنوهم ... فلا تسل (٣) بعدهم عن حال أيامي
ضنيت وجداً بهم والناس تحسب بي ... سقماً فأبهم (٤) حالي عند لوامي
وليس أصل ضنى جسمي النحيل سوى ... فرط اشتياقي إلى لقيا ابن تمام
стр. 586
مولىً متى أخل من برؤ برؤيته ... خلوت منه بأشجان وأسقام
نأى ورؤيته عندي أحب إلي ... قلبي من الماء عند الحائم الظامي
وصد عني ولم يسأل بجفوته ... عن هائم دمعه من بعده هامي
يا ليت شعري ألم يبلغه أن له ... أخاً بمصر ضعيف الجسم مذ عام
ما كان ظني هذا في مودته ... ولا الحديث كذا عن ساكن (١) الشام
يا غائباً داره قلبي ولو هجعت ... عيني لأدنته مني رسل أحلامي
أصبحت بعد اشتطاطي في الحقيقة من ... لقياك أخدع آمالي بأوهام
هذا ولم يبق لي في لذة أرب ... إلا اجتماعي بأصحابي (٢) وألزامي
وإن هم خلفوني مفرداً ونأوا ... وافيت أسهر أجفاني لنوام
وأين نيل مرامي من لقائهم ... ضاق الزمان وهياً سهمه الرامي
ولت بشاشة أيامي فلو عرضت ... علي أعرضت عنها غير مستام
هل بعد سبعين لي إلا التأهب من ... أجل الرحيل بإسراج وإلجام
الناس يرجون ما قد قدموا لغدٍ ... والخوف من سوء ما قدمت قدامي
ولست أرجو سوى عفو الإله وأن ... ألقى السلامة في الأخرى بإسلامي
بلى وحب الذي أرجوه يشفع لي ... غداً إذا جئته أسعى بآثامي
فاذكر أخاك بظهر الغيب وادعوا له ... فأنت في نفسه من خير أقوام
لعل يجمعنا في دار رحمته ... من عفوه فوق إسرافي وإجرامي
عليك مني سلام الله ما ابتسمت ... أزاهر الروض من دمع الحيا الهامي فأجابه الشيخ تقي الدين رحمهما الله تعالى:
يا ساكني مصر فيكم ساكن الشام ... يكابد الشوق من عام إلى عام
الله من رمقٍ أودى السقام به ... كم ذا يعلل فيكم نضو أسقام
стр. 587
ما ظنكم ببعيد الدار منفردٍ ... حليف هم وأحزانٍ وآلام
يا نازحين متى تدنو النوى بكم ... حالت لبعدكم حالي وأيامي
كم أسأل الطرف عن طيف يعاوده ... وما لجفني من عهدٍ بأحلام
أستودع الله قلباً في رحالكم ... عهدته منذ أزمانٍ واعوام
وما قضى بكم من حبكم أرباً ... ولو قضى فهو من وجد بكم ظامي (١)
من ذا يلوم أخا وجدٍ يحبكم ... فأبعد الله عذالي ولوامي
في ذمة الله قوماً ما ذكرتهم ... إلا ونم بوجدي مدمعي الدامي
قوم أذاب فؤادي فرط حبهم ... وقد الم بقلبي أي إلمام
ولا تخذت سواهم منهم بدلاً ... ولا نقضت لعهدي عقد إبرام
ولا عرفت سوى حبي لهم ابداً ... حباً يعبر عنه جفني الهام
يا واحداً أعربت عنه فضائله ... وسار في الكون سير الكوكب السامي
في نعت فضلك حار الفكر من دهشٍ ... وكل ظام روي من بحرك الطامي
لا يرتقي نحوك الساري على فلكٍ ... فكيف من رام أن يسعى بأقدام
منك استفاد بنو الآداب مانظموا ... وعنك ما حفظوا من رقم أقلام
أنت الشهاب الذي سامى السماك علاً ... وفيض فضلك فينا فيض إلهام
لما رأيت كتاباً أنت كاتبه ... وأضرم الشوق عندي أي إضرام
أنشدت قلبي هذا منتهى أربي ... أغاد عهد حياتي بعد إعدام
يا ناظري خذا من خده قبلاً ... فهو الجدير بتقبيلٍ وإكرام
ثم اسرحا في رياضٍ من حدائقه ... وقد زها زهرها الزاهي بأكمام
من ذا يوفيه في در الجواب له ... عذراً إليه ولو كنت ابن بسام
يا ساكناً بفؤادي وهو منزله ... محل شخصك في سري وأوهامي
حقاً أراك بلا شك مشاهدةً ... ما حال دونك إنجادي وإتهامي
стр. 588
ولذ عتبك لي يا منتهى أربي ... وفي العتاب حياة بين أقوام (١)
حوشيت من عرض يشكي ومن ألمٍ ... لكن عبدك أضحى حلف آلام
ولو شكا سمحت منه شكايته ... إن الثمانين تستبطي يد الرامي
وحيد دار فريد في الأنام له ... جيران عهدٍ قديم بين آكام
طالت به شقة الأسفار ويحهم ... أغفوا وما نطقوا من تحت أرجام
أبلى محاسنهم مر الجديد بهم ... وأبعد العهد منهم بعد أيام
فلا عداهم من الرحمن رحمته ... فهي الرجاء الذي قدمت قدامي
وكم رجوت إلهي وهو أرحم لي ... وقل عند رجائي قبح آثامي
فطال عمرك يا مولاي في دعةٍ ... ودام سعدك في عز وإنعام
ولا خلت مصر يوماً من سناك بها ... ولا نأى نورك الضاحي عن الشام وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
أسكان المعاهد من فؤادي ... لكم في كل جارحةٍ سكون
أكرر فيكم أبداً حديثي ... فيحلو والحديث بكم شجون
وأنظمه عقوداً من دموعي ... فتنثره المحاجر والجفون
وأبتكر المعاني في هواكم ... وفيكم كل قافيةٍ تهون
وأسأل عنكم النكباء سراً ... وسر هواكم عندي المصون
وأعتنق (٢) النسيم لأن فيه ... شمائل من محاسنكم تبين
وكم لي في محبتكم غرام ... وكم لي في الغرام بكم فنون وقال من أبيات:
بيض الوجوه إذا افترت مباسمهم ... فاللؤلؤ الرطب حلو حين يتسق
تقسم الحسن عنهم في الأنام كما ... تجمع الفضل فيهم وهو مفترق
стр. 589
كم زرتهم وغصون الفضل دانية ... أجني الثمار بها عفواً وارتزق
هم الأولى إن دعوني عبدهم صدقوا ... لما استرقوا وكم منوا وما عتقوا
تحلو الأحاديث عنهم كلما ذكرت ... فكيف إذا شافهوا يوماً بما نطقوا
إني لأشكر ما أولوه من نعمٍ ... شكراً عليه قلوب الخلق تتفق وقال رحمه الله تعالى:
أما والهوى إن شط ربعكم عنا ... فأنتم نزول بالقلوب إذن منا
وإن حجبت اشباحكم عن عيوننا ... فلم يحجب البين المشت لكم معنى
ولا نظرت عيناي إلا جمالكم ... ولطفكم الموصوف والحسن والحسنى
أحن إليكم في التداني وفي النوى ... ولا عجب للصب إن أن أو حنا
ويشتاقكم طرف وأنتم سواده ... فما أبعد المشتاق منكم وما أدنى
لحا الله دهراً راعني بفراقكم ... وأفقرني فيمن احب وما استغنى وقال أيضاً:
يا ناق إن جئت الحمى سالمةً ... فعفري خديك في تلك الربى
وبلغي أهيلها تحيتي ... فإن في تبليغهم لي أربا
عساهم أن يبعثوا جوابها ... في طي أنفاس نسيمات الصبا
فإنها أكتم للسر ولا ... يخشى عليها من عيون الرقبا
فإن فعلت فهي عندي منة ... من أجلها أحمل عنك التعبا
أحبابنا مذ غبتم عن حيكم ... محبكم عن صبره قد غلبا
قد بلغ الشوق بكم غايته ... وفي جواه (١) بلغ السيل الزبى
لا يستطيع باللسان شرح ما ... لو شق عنه القلب أبدى العجبا
وكلما سمت فؤادي سلوةً ... عنكم ينادي عنهم لا مذهبا
وكم أنادي في الديار بعدكم ... واحربا من بعدهم واحربا
стр. 590
وقال أيضاً:
وقالوا صبا بعد المشيب تعللاً ... وفي الشيب ما ينهى عن اللهو والصبا
نعم قد صبا لما رأى الظبي آنساً ... يميل كغصن البان مالت به الصبا
أدار التفاتاً حالي الجيد عاطلاً ... وفي لحظه معنى به الصب قد صبا
ومزق أثواب الدجى وهو طالع ... واطلع بدراً بالجمال محجبا
جرى حبه في كل قلبٍ كأنما ... تصور من ارواحنا وتركبا وقال أيضاً:
أكاتبكم وأعلم أن قلبي ... يذوب إذا ذكرتكم حريقا
وأجفاني تسح الدمع سيلاً ... به أمسيت في دمعي غريقا
أشاهد من محاسنكم محياً ... يكاد البدر يشبهه شقيقا
وأصحب من جمالكم خيالاً ... فأنى سرت يرشدني الطريقا
ومن سلك السبيل إلى حماكم ... بكم بلغ المنى وقضى الحقوقا وقال أيضاً:
تبدى فهو أحسن من رأينا ... وألطف من تهيم به العقول
وأسفر وهو في فلك المعاني ... وعنه لطرف ناظره كليل
له قد يميل إذا تثنى ... كذاك الغصن من هيف يميل
وخد ورده الجوري غض ... وطرف لحظه سيف صقيل
وخال قد طفا في ماء حسنٍ ... فراق بحسنه الخد الأسيل
تخال الخد من ماء وخمرٍ ... وفيه الخال نشوان يجول
وكم لام العذول عليه جهلاً ... وآخر ماجرى عشق العذول وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا عاذلي حكم الهوى ... وكلفت بالرشإ الكحيل
стр. 591
ريان من ماء الصبا ... جذلان يلعب بالعقول
راقت محاسنه التي ... جليت على الوجه الجميل
وعلى مثقفٍ قده ... بدر يجل عن الأفول
والخال عم جماله ... في سالف الخد الأسيل
زعم العذول بأنه ... يلهي الخليل عن الخليل
يا طالما نصح العذو ... ل وما قبلت من العذول
ولبست ثوب خلاعتي ... وخلعت أثواب الخمول وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
لله ليلتنا التي نظمت لنا ... شمل المسرة والوشاة رقود
جادت بأهيف كالغزال لحاظه ... يسطو بها بين الجفون أسود
ريان يعتنق النسيم لطافةً ... ويميل من مر الصبا ويميد
لم أنسه إذ زار يخترق الدجى ... وعليه من درر النجوم عقود
في صورة القمر المنير وحسنه ... لكنه حسناً عليه يزيد
يا ناظري تمتعا بجماله ... فالحسن حيث ترى العيون ترود
واستقصيا نظراً إليه فإنه ... كالطيف يدنو والمزار بعيد
وإذا رنا بلحاظه فتعرضا ... فاللحظ يقتل والقتيل شهيد
كم بت من سهري عليه مسهداً ... وعليه يحلو في الهوى التسهيد
يا من أعار البدر نوراً باهراً ... قسماً لقد راقت عليك سعود
أنا في هواك إذا دعيت صبابةً ... يا واحد الحسن البديع وحيد وقال أيضاً:
راق المدام وثغر الكأس يلتهب ... وللكؤوس ثغور حليها الحبب
فقل لكاسك في الندمان حي على ... شمس المدام وروح الراح تستلب
أما ترى الشمس تجلى في سنا قمر ... كأنه بالنجوم الزهر ينتقب
стр. 592
والطير تسجع بالألحان صادحةً ... كأن ألحانها الأوتار تصطخب
والروض يضحك في أكمامه خجلاً ... من الغمام ودمع الغيث ينسكب
وللزجاجة معنى رقة وسناً ... كأنها الزهر الغراء ترتقب
لله ندمان ذاك الحي من نفرٍ ... قوم دعاهم إلى حاناتها الطرب
فلا تقل حجبوا عني محاسنهم ... فليس تمنعها الأستار والحجب
بالله يا مهجتي لا تبتغي بدلاً ... منهم وإن سلبوا قلبي وقد سلبوا
ويا غرامي لي في صبوتي حرق ... أودى وحقك بي من حرها اللهب
حسبي وقد علموا حالي بحبهم ... وعندهم (١) زفرات الشوق تحتسب
إن بلغ الله آمالي مآربها ... وقد قضيت هوىً لم يبق لي أرب
وأين مني ديار القوم إذ وقفت ... بي الركاب وحثت تحتهم نجب
ولا تقل شقة الأسفار تبعدني ... إذا عزمت فذاك البعد يقترب
لا اشتكي أبداً بعداً لدارهم ... ولا أرى غيرهم في الكون لا حجبوا
يحلو لي الصد منهم حيث يعذب لي ... مر العتاب فلا صدوا ولا عتبوا
وأرتضي كل ما فيه رضىً لهم ... وقد ألفت الرضى منهم فلا غضبوا
فاستجل لمحة برق من محاسنهم ... ولا تقل عندها الأرواح تنتهب
لا تنح في الدهر يوماً غيرهم أبداً ... فنحوهم وإليهم ينتهي الطلب
تحلو الأحاديث عنهم كلما ذكروا ... وفيهم تعذب الأشعار والخطب
لا تعجبن لوصفي في محاسنهم ... فكل معنى لهم في وصفه عجب
стр. 593
٢١٧ - (١)
أبو مسلم الخولاني
عبد الله بن ثوب، أبو مسلم الخولاني الزاهد المشهور سيد التابعين؛ أسلم في حياة رسول الله ﷺ ، وقدم المدينة في خلافة أبي بكر، وهو معدود في كبار التابعين، وكان فاضلاً ناسكاً عابداً، وله كرامات وفضائل. روى عنه أبو إدريس الخولاني وجماعة من تابعي الشام.
ولما تنبأ الأسود باليمن بعث إلى أبي مسلم، فلما جاءه قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، فردد ذلك عليه، وهو يقول كما قال أولاً، فأمر بنار عظيمة فأحميت، ثم ألقى فيها أبا مسلم فلم يضره ذلك، فقيل للأسود: أخرجه وإلا أفسد عليك من اتبعك، فأمره بالرحيل، فأتى أبو مسلم المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ ، فأناخ راحلته بباب المسجد وقام يصلي إلى سارية، وبصر به عمر بن الخطاب ﵁ فقام إليه وقال: ممن الرجل؟ قال: من أهل اليمن، قال: ما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذلك عبد الله بن ثوب، قال: أنشدك الله أأنت هو؟ قال: اللهم نعم، فاعتنقه عمر وبكى، ثم أجلسه بينه وبين أبي بكر ﵃، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني رجلاً (٢) من أمة محمد ﷺ فعل به كما فعل بإبراهيم الخليل ﵇.
وتوفي أبو مسلم سنة اثنتين وستين للهجرة؛ وروى له مسلم والأربعة، ودفن بداريا من ضياع دمشق، رحمه الله تعالى.
стр. 594
٢١٨ - (١)
عبد الله بن جعفر
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الجواد؛ له صحبة ورواية، ولد بالحبشة من أسماء بنت عميس (٢) . يقال إنه لم يكن بالإسلام أسخى منه، وروى عن أبويه وعن عمه علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وهو آخر من رأى النبي ﷺ من بني هاشم، سكن المدينة، وتوفي سنة ثمانين للهجرة؛ وهو أول مولود ولد في الإسلام بالحبشة، وكان يسمى بحر الجود.
وكان لا يرى بسماع الغناء بأساً، وكان إذا قدم على معاوية أنزله داره وأكرمه وكان ذلك يغيظ فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل زوجة معاوية، فسمعت ليلة غناء عند عبد الله بن جعفر، فجاءت إلى معاوية، فقالت: تعال فاسمع ما في منزل هذا الرجل الذي جعلته بين لحمك ودمك، فجاء فسمع وانصرف، فلما كان آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر، فأنبه فاختة وقال: اسمعي مكان ما أسمعتني.
ويقولون: إن أجواد (٣) العرب في الإسلام عشرة، فأجواد أهل الحجاز: عبد الله بن جعفر، وعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص، وأجواد أهل الكوفة: عبد الله بن عتاب بن ورقاء (٤) أحد بني رباح بن يربوع، وأسماء بن خارجة بن حصن الفزاري، وعكرمة بن ربعي
стр. 595
الفياض أحد بني تيم الله بن ثعلبة، وأجواد أهل البصرة: عمر بن عبيد الله بن معمر، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي وهو طلحة الطلحات، وعبيد الله ابن أبي بكرة، وأجواد أهل الشام: خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وليس في هؤلاء كلهم أجود من عبد الله بن جعفر. عوتب في ذلك فقال: إن الله عودني عادة، وعود الناس عادة، فأخاف إن قطعتها قطعت عني؛ وأخباره في الجود كثيرة، رحمه الله تعالى.
٢١٩ - (١)
عبد الله بن الزبير
عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن قصي القرشي الأسدي، يكنى أبا بكر؛ هو أول مولود ولد بالإسلام بالمدينة، روى عن أبيه وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃؛ شهد وقعة اليرموك والقسطنطينية والمغرب وله مواقف مشهورة، وكان فارس قريش في زمانه.
بويع له بالخلافة سنة أربع وستين، وحكم على الحجاز واليمن ومصر وخراسان والعراق، وأكثر السند. وولد سنة اثنتين من الهجرة، وتوفي رسول الله ﷺ وله ثمان سنين وأربعة أشهر، خرجت أسماء أمه حين هاجرت حبلى، فنفست بعبد الله في قبا، قالت أسماء: ثم جاء بعد سبع سنين ليبايع
стр. 596
رسول الله ﷺ ، أمره بذلك الزبير، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآه مقبلاً ثم بايعه.
ولما قدم المهاجرون أقاموا لا يولد لهم، فقالوا: سحرتنا اليهود، فكان أول مولود بعد الهجرة، فكبر المسلمون تكبيرةً واحدةً حتى ارتجت المدينة، وأمر النبي ﷺ فأذن له في أذنيه بالصلاة.
وكان عارضاه (١) خفيفين فما اتصلت لحيته حتى بلغ ستين سنة.
وأتى النبي ﷺ وهو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد الله، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد، فلما غاب عن رسول الله ﷺ عمد إلى الدم فشربه، فلما رجع قال له: ما صنعت بالدم؟ قال: عمدت إلى أخفى موضع علمت فجعلته فيه، قال: لعلك شربته؟ قال: نعم، قال: ولم شربت الدم؟ ويل للناس منك، وويل لك من الناس!
وعن إسحاق بن أبي إسحاق قال: حضرت قتل عبد اله بن الزبير، جعلت الجيوش تدخل عليه من أبواب المسجد، كلما دخل عليه قوم من باب حمل عليهم وحده حتى يخرجهم، فبينما هو على هذه الحال إذ جاءته شرفة من شرفات المسجد في رأسه فصرعته فوقع وهو يقول:
أسماء يا أسماء لا تبكيني ... لم يبق إلا حسبي وديني وصارم لاثت به يميني ... وقال سهل بن سعد: سمعت ابن الزبير يقول: ما أراني اليوم إلا مقتولاً، رأيت الليلة كأن السماء فرجت لي فدخلتها، فقد والله مللت الحياة وما فيها.
وقال عمرو بن دينار: كان ابن الزبير يصلي في الحجر والمنجنيق يصيب طرف ثوبه فما يلتفت إليه، وكان يسمى حمامة المسجد.
وقال ابن إسحاق: ما رأيت أحداً أعظم سجدة بين عينيه من ابن الزبير.
стр. 597
وجاء الحجاج إلى مكة فنصب المنجنيق عليها، وكان ابن الزبير قد نصب فسطاطاً عند البيت، فاحترق فطارت شرارة إلى البيت فاحترق واحترق قرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل يومئذ، ورمى الحجاج المنجنيق على ابن الزبير وعلى من معه في المسجد، وجعل ابن الزبير بيضة على الحجر الأسود ترد عنه - يعني خوذة - ودام الحصار ستة أشهر وسبع عشرة (١) ليلة، وخذل ابن الزبير أصحابه (٢) ، وخرجوا مع الحجاج، ثم إن الحجاج أخذه وصلبه منكساً.
وكان آدم نحيفاً ليس بالطويل، بين عينيه أثر السجود؛ قيل إنه بقي مصلوباً سنة، ثم جاء إذن عبد الملك أن يسلم إلى أسماء ولدها، فأنزلوه فحنطته وكفنته وصلت عليه وحملته فدفنته بالمدينة في دار صفية بنت حيي، ثم زيدت دار صفية في المسجد، فهو مدفون مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر ﵄.
وكان كثير الصلاة كثير الصيام شديد البأس، كريم الجدات والأمهات والخالات؛ وقال علي بن زيد الجدعاني: إلا أنه كانت فيه خلال لا تصلح معها الخلافة، لأنه كان بخيلاً، ضيق العطن، سيء الخلق حسوداً كثير الخلاف، اخرج محمد بن الحنفية، ونفى عبد الله بن العباس إلى الطائف.
وقال: لما كان قبل قتله بعشرة أيام دخل على أمه وهي شاكية، فقال: كيف أنت (٣) يا أمه؟ قالت: ما أجدني إلا شاكية، فقال لها، إن في الموت لراحة، قالت: لعلك تمنيته لي، ما أشتهي أن أموت حتى تأتي على أحد طرفيك، إما قتلت فأحتسبك، وإما ظفرت بعدوك فقرت عيني، قال عروة: فالتفت إلي وضحك، فلما كان اليوم الذي قتل فيه دخل عليها، فقالت: يا بني لا تقبل منهم خطة عليك فيها الذل مخافة القتل، فوالله لضربة سيف في عز خير من ضربة
стр. 598
سوط في مذلة، قال: فخرج وقد جعل له مصراع عند الكعبة، وكان تحته، فأتاه رجل من قريش فقال: ألا نفتح لك باب الكعبة فتدخلها، فقال ابن الزبير: إن حرمة المسجد كحرمة البيت، والله لو وجدوكم تحت أستار الكعبة قتلوكم، ثم قال:
ولست بمبتاع الحياة بسبةٍ ... ولا مرتقٍ من خشية الموت سلما ثم شد عليه أصحاب الحجاج فقال: أين أهل مصر؟ فقال: هم هؤلاء من هذا الباب، فقال لأصحابه: اكسروا أغماد سيوفكم ولا تميلوا عني، فإني في الرعيل، ففعلوا ثم حمل فحملوا معه، وكان يضرب بسيفين، فضرب رجلاً فقطع يده، وانهرقوا فجعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد، فجعل رجل أسود يسبه، فقال له: اصبر يابن حام، ثم حمل عليه فصرعه. ثم دخل أهل حمص من باب بني شيبة، فشد عليهم وجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد، ورجع وهو يقول:
لو كان قرناً واحداً كفيته ... أوردته الموت وقد ذكيته ثم دخل عليه أهل الأردن من باب آخر، فجعل يضربهم حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول:
لا عهد لي بغارةٍ كالسيل ... لا ينجلي قتامها (١) لليل وجاءه حجر من ناحية الصفا فوقع بين عينيه، فنكس رأسه وهو يقول:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما ثم اجتمعوا عليه فلم يزالوا يضربونه حتى قتل. ولما قتل كبر أهل الشام فقال ابن عمر: المكبرون عليه يوم ولد خير من المكبرين (٢) عليه يوم قتل. وقتل
стр. 599
معه مائة وأربعون رجلاً منهم من سال دمه في جوف الكعبة.
قال ابن عبد البر: رحل عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان فسأله في إنزاله من الخشبة، فأمر بإنزاله.
قال ابن مليكة: كنت ممن تولى غسله، فجعلنا لا نتناول عضواً إلا جاء معنا فنغسله ثم نضعه في أكفانه ونتناول العضو الذي يليه فنغسله ونضعه في أكفانه (١) حتى فرغنا منه، فقامت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق فصلت عليه، وكانت قبل ذلك تقول: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته، فما أتى عليها بعد ذلك جمعة حتى ماتت.
ويقال إنه لما جيء به إليها وضعته في حجرها فحاضت ودر ثديها.
وقيل إن الحجاج حلف أن لا ينزله من الخشبة حتى تشفع فيه أمه، فبقي سنة، ثم مرت تحته فقالت: أما آن لهذا الراكب أن ينزل، فيقال إن هذا الكلام قيل للحجاج إن معناه شفاعة فيه، فأنزله.
وكان قتله سنة ثلاث وسبعين للهجرة.
ويقال إن الحجاج ورد عليه كتاب عبد الملك بن مروان قبل قتل ابن الزبير: أعط ابن الزبير الأمان، وحكمه في الولاية، واستنزله عن الخلافة، فشاور ابن الزبير أصحابه فأشاروا عليه بأن يفعل، فقال: لا خلعها إلا الموت، ثم قال:
الموت أكرم من إعطاء منقصةٍ ... إن لم نمت عبطة فالغاية الهرم
اصبر فكل فتىً لا بد مخترم ... والموت أسهل مما أملت جشم
стр. 600
٢٢٠ - (١)
أبو القاسم الصقلي
عبد الله بن سليمان بن يخلف الصقلي أبو القاسم الكلبي، أحد الأدباء المجيدين والشعراء المعدودين، وله تأليفات ومصنفات في الرد على العلماء. ومن مختار شعره من أبيات:
فليت ليالي الصدود الطوال ... فداء ليالي الوصال القصار
زماناً أبيت طليق الرقاد ... وأغدو خلياً خليع العذار
ولم يكن الهجر مما أخاف ... ولا العاذل الفظ ممن أداري
أسابق صحبي بصبح الدنان ... وأصرف ليلي بصرف العقار
ألا رب يوم لنا بالمروج ... بخيل الضياء جواد القطار
كأن الشقيق بها وجنة ... بآخرها لمعة من عذار
وسوسنها مثل بيض القباب ... بأوساطها عمد من نضار
ترى النرجس الغض فوق الغصون ... شبيه المصابيح فوق المنار
أقمنا نسابق صرف الزمان ... بداراً إلى عيشنا المستعار
تجيب لصوت القناني القيان ... إذا ما أجابت غناء القماري
وتصبح عيداننا في اصطخابٍ ... تلذ وأطيارنا في اشتجار
نشم الخدود شميم الرياض ... ونجني النهود اجتناء الثمار
ونسقى على النور مثل النجوم ... ومثل البدور اعتلت (٢) للمدار